رواية ندبة الجزء الخامس 5 بقلم رحمة محسن ندبةرواية ندبة الحلقة الخامسة بين الأمل والخوف استيقظت يارا ذلك الصباح وقلبها مثقل بما لا تستطيع البوح به فتحت عينيها ببطء، وحدّقت في سقف غرفتها للحظات طويلة، كأنها تؤجل مواجهة يومٍ جديد تعرف مسبقًا أنه لن يحمل لها سوى المزيد من الحيرة
كان ضوء الصباح يتسلل بهدوء من خلف الستائر، بينما ساد المنزل صمت مألوف. لكن داخلها لم يكن هناك أي هدوء؛ فقط أفكار متشابكة، وخوف يتسع يومًا بعد يوم، وإحساس مؤلم بأنها تنجرف نحو حياة لم تخترها مدّت يدها نحو هاتفها بتلقائية، وكأنها تبحث عن شيء يطمئنها وجدت رسالة من يامن: “صباح الخير لوجهٍ لم أره، لكنه أصبح جزءًا من يومي.” ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة، امتزجت بدمعة حائرة كتبت له: “أخشى أن يعتاد قلبي عليك.”
لم يتركها تنتظر طويلًا “وأنا أخشى اليوم الذي أستيقظ فيه ولا أجدك.” توقفت عند كلماته طويلًا لأول مرة شعرت أن خوفها ليس حكرًا عليها وحدها، وأن هذا التعلق الذي تحاول مقاومته يسكن قلبه هو أيضًا وضعت الهاتف فوق صدرها وأغمضت عينيها كان مريحًا وموجعًا في الوقت ذاته أن تعرف أنها أصبحت مهمة لشخص ما إلى هذا الحد مرّ النهار بطيئًا
كانت أمها تتحرك في المنزل بنشاط غير معتاد، تتحدث عن تجهيزات الخطبة، وعن الأشياء التي ينبغي شراؤها، وعن المستقبل وكأنه أمر حُسم بالفعل أما يارا، فكانت تستمع بصمت، تومئ برأسها أحيانًا، وتبتسم ابتسامة صغيرة لا تصل إلى عينيها كل كلمة كانت تسمعها تشعرها بأن المسافة بينها وبين يامن تتسع وأن قلبها، الذي بدأ يتعافى على مهل، يوشك أن يُنتزع منها مرة أخرى في المساء، جلست في شرفتها المعتادة
كانت السماء داكنة، والهواء يحمل برودة خفيفة، والمدينة من حولها تبدو بعيدة كأنها لا تخصها أمسكت هاتفها، وبعد تردد طويل كتبت إلى يامن: “هل حدث أن أحببت شيئًا وأنت تعرف أنه ليس لك؟ ظلت تحدق في الرسالة بعد إرسالها، وقلبها يخفق بقوة مرت دقائق بدت لها كأنها عمر كامل ثم جاء رده: “نعم… وأصعب ما في الأمر أن تتمنى قربه، بينما كل شيء يخبرك أنك ستفقده.” ما إن قرأت كلماته حتى انهمرت دموعها بصمت لم تكن بحاجة إلى شرح طويل
كان يفهم تمامًا ما تشعر به، وكأنه يعيش الوجع نفسه معها في تلك الليلة، تحدثا حتى ساعات الفجر عن طفولتهما، عن أحلامهما الصغيرة التي تأجلت، عن الخيبات التي علّمتهما كيف يبدوان قويين أمام العالم قال لها يامن: —هل تصدقين أنني أصبحت أخبرك بأشياء لم أخبر بها أحدًا من قبل؟ ابتسمت وهي تكتب: —ربما لأن بعض الأشخاص يجعلوننا نشعر بالأمان دون أن نعرف كيف كتب بعد لحظات: —وأنتِ جعلتِني أشعر أن الحياة ما زال فيها شيء يستحق الانتظار
قرأت رسالته، وأحست أن قلبها يمتلئ بمشاعر متناقضة؛ فرح هادئ، وخوف كبير، وامتنان لهذا الشعور الذي جاءها في أكثر الأوقات تعقيدًا. تحدثا عن أول لقاء تخيلاه في صمت عن الأماكن التي يتمنيان زيارتها عن الأغنيات التي تلامس روحيهما وعن الخوف المشترك من أن يخسر كل منهما الآخر قبل أن تسنح لهما فرصة حقيقية وقبل أن تنام، كتب لها يامن: “لو كان لي أن أتمنى شيئًا واحدًا، لتمنيت أن يمنحنا القدر فرصة عادلة.”
أغمضت عينيها، وضعت الهاتف قرب قلبها، وهمست بصوت مرتجف: “وأنا تمنيتك أنت.” كانت هذه أول مرة تعترف فيها لنفسها بهذه الحقيقة دون خوف أو إنكار لقد أحبته أحبته بصدقٍ أربكها، وبعمقٍ لم تتوقعه، رغم أنها لم ترَ ملامحه إلا من خلال الكلمات لكن بعض الأمنيات، مهما كانت صادقة، لا تأتي بسهولة في صباح اليوم التالي، كانت يارا تساعد أمها في إعداد الإفطار حين قالت الأخيرة بنبرة حاولت أن تبدو عادية:
—اتصلوا أمس… وحددوا موعد قراءة الفاتحة تجمدت يد يارا فوق المائدة شعرت وكأن الكلمات سقطت فوق قلبها دفعة واحدة رفعت رأسها ببطء، لكنها لم تستطع أن تنطق بأي حرف كانت أمها تتحدث عن التفاصيل، عن اليوم المناسب، وعن الاستعدادات، لكن صوتها بدا بعيدًا جدًا، كأنه يأتي من مكان آخر لم تعد تسمع شيئًا بوضوح كل ما كانت تشعر به هو أن الأرض تميد تحت قدميها دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها وقفت أمام المرآة تحدق في انعكاسها
رأت وجهًا يشبهها، وعينين متعبتين، وفتاة تبدو هادئة من الخارج لكن روحها كانت بعيدة، تائهة بين قلب يريد يامن بكل ما فيه من صدق، وحياة تُفرض عليها دون أن تُسأل لامست الزجاج بأطراف أصابعها وهمست: —ماذا أفعل؟ لم يجبها أحد لكنها كانت تعرف في أعماقها أن الأيام القادمة ستفرض عليها قرارًا سيغير مصيرها كله قرارًا قد يمنحها ما تريد، أو يحرمها منه إلى الأبد
وفي تلك اللحظة، أدركت أن بعض الطرق لا يمكن السير فيها دون أن تترك في القلب… ندبة جديدة بين الأمل الذي تمسكت به والخوف الذي يطاردها، كانت يارا على موعد مع مفاجأة لم تتوقعها أبدًا مفاجأة ستجعل الأيام القادمة مختلفة عن كل ما سبق… لقراءة الفصل التالي : لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية ندبة) مدونة كامومنذ 12 ساعة 0 3 دقائق
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!