دخلت ليلى البيت تبتسم ساخرة، تقول: "العارضة أتعمل لها فرح ولا ألف ليلة، بس الصراحة كانت ملكة الحفلة عن حق". طبعاً مش هتبقى مرات عصام حكيم غُمري، وكمان حفيدة حافظ غُمري الصغيرة. لتنظر إلى شاهر، تجده شارداً، لم يرد عليها. لتقول بضيق: "بكلمك مش بترد، شارد في إيه؟ من وإحنا في الفرح وأنت شارد، حتى لما قولتلك نرقص جنب العرسان رفضت". ليقول شاهر: "مش شارد ولا حاجة، أنا مصدع مش أكتر، هطلع آخد مسكن وأنام".
ليتركها، وهي تشعر بالغيرة من تعامل جدها مع لميس وتفضيله لها عنها. بعد أن انتهيا من عشقهما، ما زال فوقها، ليقبلها ويتنحى عنها، نائماً على الفراش. ليقوم بجذبها معه لتنام على صدره حتى هدأت مشاعرهما. ليقول فيصل بهمس: "نغمي". لترد بهمس أيضاً: "أمّمم". ليقول فيصل بسؤال: "نغم، ما نفسكيش في أخ أو أخت لميجو؟ مش معقول هيفضل وحيد". لترتعش وتصمت للحظات، ثم قالت بقطع: "لأ، مش دلوقتي". شعر فيصل بارتعاشها، ليقول: "ليه؟
ميجو عدى أربع سنين". ليرفع وجهها عن صدره وينظر إلى عينيها قائلاً: "أنا نفسي أكون عيلة كبيرة معاكي، مش عايز مجدي يبقى وحيد زيي". توترت قليلاً، لتقول بمزاح: "أنت اللي وحدت نفسك، ربنا رزقك بأختين قمرات، وأنت اللي رفضت تقبل بيهم". لينظر إليها مبتسماً، وأبهامه يمسد به على ذقنها قائلاً: "هما كانوا قمرات، بس فيهم واحدة متنفعش تكون أختي، لأنها لو كانت أختي، مكنش زمانها في حضني بالشكل ده دلوقتي". ابتسمت بخجل صامتة. ليبتسم
على خجلها ويقول بتمني: "بجد يا نغم، نفسي في عيلة كبيرة". لترد نغم لتنهي الحديث: "لو ربنا رايد، هيكون". ليرن هاتف فيصل. لتقول نغم: "مين اللي هيتصل دلوقتي؟ ليرد فيصل: "مش عارف". ليجذب الهاتف من على طاولة جوار الفراش وينظر له، ثم لنغم، ويقول باستغراب: "دا بابا". لتقول نغم بلهفة: "رد عليه بسرعة". ليفتح فيصل الخط ويرد، ولكنه انتفض يجلس على الفراش، قائلاً: "مسافة السكة، هكون في المستشفى".
لتبتعد نغم عنه، ويغلق الهاتف وينهض من على الفراش. لتقول نغم بخضة: "في إيه؟ ليرد فيصل: "بابا بيقول إن جدي انضرب عليه نار، وهو في المستشفى دلوقتي، وأنا هروح أشوفه". لتلتف الغطاء حولها وتنزل من على الفراش، وتقول بقلق وخوف: "هاجي معاك". ليقول فيصل: "ومجدى هنسيبه نايم هنا، وأما يصحى مين هيكون معاه؟ لترد نغم: "هناخده معانا، وأسيبه مع ماما في البيت، أكيد هي هتفضل في البيت علشان جوانا معاها".
ليقول بموافقة: "ماشي، بس يلا بسرعة أجهزي، وأنا هلبس وأخد مجدي وأسبقك على العربية". بعد أن تركها عصام بالفراش، لملمت حولها الغطاء، رغم حرارة الجو، إلى أنها شعرت ببرودة تغزو عظامها. ظلت نائمة، دموعها مجرى شلال. لكن أتت إلى خيالها بسمة تلك الصغيرة، لتبتسم بتوجع وتمسح دموعها بيدها. لتقرر الاتصال على نجوى. جذبت الهاتف من على الطاولة لتفتحه.
نظرت بساعة الهاتف لتجد الوقت متأخر، للحظة قررت التراجع عن الاتصال، لكن بداخلها شيء أقنعها بالاتصال. لتقوم بالاتصال على نجوى. وللعجب، ردت سريعاً. لتقول لميس: "أسفة إني اتصلت دلوقتي، بس أنا عايزة أطمن على جوانا، أول مرة تبعد عني". لترد نجوى: "جوانا بخير، بس كويس إنك اتصلتي، أنا كنت هأتصل عليكي". لترد لميس بقلق: "ليه، خير؟ لترد نجوى: "مش خير، عمي حافظ انضرب عليه نار في السرايا، وهو دلوقتي في المستشفى".
لتنتفض لميس من على الفراش وتقول بقلق وألم: "جدو عامل إيه؟ لترد نجوى: "معرفش، هما أتصلوا على طاهر، وهو أتصل على فيصل وقاله هيقابله هناك، والكلام ده من دقايق، أكيد لسه موصلش المستشفى". لترد لميس: "طيب، أنا هقول لعصام وهنروحله فوراً". بعد أن ترك لميس بالفراش، لم يقدر على البقاء معها، حتى لا يتعذب بدموعها التي رآها بعينها بعد أن ابتعد عنها. ابتعد ونزل إلى الدور الأسفل. جلس عاري الصدر على تلك الأريكة يتعذب قلبه. ولكنه
ندم وعذب ضميره وهمس لنفسه: "شاهر نجح في انتقامه مني، اللي فشل فيه مع ليلى، نجح بيه مع نغم". ظل يتعذب ويتألم ويلومها ويلوم نفسه لتأخره في إعلامها بحبه، ليست وحدها المخطئة. إلى أن دخلت عليه لميس تقول بلهفة وخوف ودموعها تغزو وجهها. لتقول: "عصام". ليقف للحظة، شعر بأن رؤيتها بهذا الشكل بسببه ضربت قلبه بمقتل، ولكن حين أكملت حديثها تقول: "أنا اتصلت على طنط نجوى، قالت لي إن جدو انضرب عليه نار".
وقف بهلع يقول: "إنتي بتقولي إيه؟ مين اللي انضرب بالنار؟ لتعيد ما قالته: "جدو انضرب بالنار ونقلوه المستشفى، أنا هروح له حالاً". ليقول: "هتروحي فين ببلبسك ده؟ ادخلي البسي، وأنا كمان خلينا نروح له بسرعة". لتشعر بالخجل وتعود لترتدي ثيابها لكي يذهبوا إلى المشفى. كان حكيم نائم، استيقظ على صوت هاتفه. ليصحو ليرى من المتصل. ليجد رقم أحد خدم جده. ليرد سريعاً. ولكنه ذُهل عقله حين استمع لما أخبره الخادم.
ليبعد الغطاء وينهض سريعاً بعد أن أغلق الهاتف. شعرت به أقبال لتصحو وتقول له: "في إيه؟ مين اللي كان بيتصل دلوقتي؟ ليرد حكيم بارتجاف: "دا واحد من خدم عمي حافظ بيتصل عليا، بيقولي إنه انضرب بالرصاص ونقلوه المستشفى". لتبتسم بداخلها، ولكنها تظهر عكس ذلك، وتقول: "ومقالكش عن حالته إيه؟ ليرد وهو يرتدي ملابسه: "لأ، مقالش، أنا هروح أطمن عليه". لتقول أقبال: "هاجي معاك، مهما كان الخلاف بيني وبينه، فهو في الآخر عمك".
كانت ليلى بالفراش، لكن لم تنم، ظل عقلها يفكر، لما كان شاهر ينظر إلى تلك الفتاة الصغيرة؟ لثاني مرة تراه ينظر لها، هل يتمنى طفله مثلها؟ هل أصبح يشتاق أن يكون لديه طفلاً؟
كان شاهر أيضاً يجثو على الفراش يفكر في تلك الصغيرة التي شعر تجاهها بشعور ظن أنه افتقده حين فقد أخته الوحيدة التي كانت بمثابة ابنته، فهو تولى تربيتها بعد وفاة والديهما، ولكنها أنهت حياتها بنفسها بسبب قصة حب فاشلة، بسبب عدم شعور الطرف الآخر بها وإخباره لها أن هناك غيرها تحتل قلبه، ولم تكن سوى لميس حين علم بالصدفة.
في البداية، أراد كسرها بزواجه من ليلى، ولكن ليلى لم تكن سوى أكثر من أخت غير شقيقة يجمعهما الاسم فقط، فكانت لميس هي نقطة ضعفه، وبكسرها سيكسر قلب عصام. لكن لم يكن يعلم أن طفلته قد تدفع الثمن هي الأخرى. رن هاتف ليلى. لتجذبه وتنظر إليه لتجده عصام. لترد عليه باستغراب. ليخبرها عن حادث جده ويغلق دون إطالة في الحديث معها. أندهشت كثيراً في البداية. لتقول دون وعي: "جدو أتقتل؟ ليقول بتعجب: "شاهر مين اللي أتقتل؟
لتقول له: "عصام هو اللي كان بيتصل عليا وقالي إن جدو في المستشفى وإنه انضرب عليه نار". لتكمل بارتباك وخوف: "أنا لازم أروح له فوراً". ليستغرب شاهر، فليلى ليس لديها شعور بأي أحد، وهذه أول مرة يراها خائفة على أحد. كان أول من وصلوا إلى المشفى هما نغم وفيصل، اللذان ذهبا مباشرة إلى مكان تواجد طاهر. لتدخل نغم بتلهف. وهي، وفيصل، الذي قال بتلهف وخوف وألم: "بابا، جدي جراله إيه؟
ليرد طاهر: "هو لسه في أوضة العمليات، ومحدش خرج من جوه يطمني عليه". ليقول فيصل: "عرفت منين؟ ليرد طاهر: "أنا أتصل عليا واحد من السرايا وقالي إن البوليس جه وعاين السرايا ونقل عمي حافظ لهنا، وأنا اتصلت عليك وجيت على هنا فوراً". لتنظر نغم بقلق وتبكي. ليضمها فيصل ويقول: "جدي قوي، واكيد ربنا هينجيه". دخلت لميس ومعها عصام. بمجرد أن دخلت قالت بخوف وترقب وهي تبكي: "عمو طاهر، جدو". وترمي بنفسها
بحضنه باكية بشدة تقول: "جدو، أنا ماليش غيره، هو سندي، هو اللي بتحامى بيه". ليمسد طاهر على ظهرها بحنان يقول: "ادعي له، ربنا ينجيه". غار عصام بشدة من رميها بنفسها بحضن طاهر، أراد انتزاعها من حضنه وتمنى أن ترتمي بحضنه هو. ولكن كالعادة، هو بعيد عن حياتها. وربما ما حدث بينهم قبل قليل قد يبعدها أكثر. بداخله نيران تحرقه من كل جانب، نار عشق يكتوي به. ونار إصابة جده. نظرتا إلى بعضهما، لتخرج نغم من حضن فيصل.
وتخرج لميس من حضن طاهر. تتجهان لبعضهن ويحتضنان بعضهن، يستمدون من بعضهن القوة والصبر على تحمل ما حدث. لتجلسان على أحد المقاعد أمام الغرفة، يضمان بعضهما ويبكيان. دخل حكيم بتلهف وريبة. ليقول عصام: "إنت عرفت منين وجيت إمتى؟ ليصمت عصام. لم يستطع حكيم التحمل، ليجلسه عصام على أحد المقاعد. لتنظر إليهم أقبال وهي تتظاهر بالحزن برياء، وبداخلها سعادة، وتدعي أن يخرج من هذه الغرفة من يعلن نهاية حافظ غُمري. دخلت ليلى ومعها شاهر.
توجهت ليلى إلى حكيم تميل عليه وتسأله وتقول: "بابا، جدو ماله؟ عصام قالي إنه انصاب بالرصاص". ليصمت، وتجيبها نظرة عينه الحزينة. لتجلس إلى جواره.
لتجده يفتح لها ذراعه لترتمي بين يديه تبكي بشدة، لا تعرف على ماذا تبكي، على وجع السنين التي عاشته، هي كل ما كانت تتمناه هو حضن يطمئنها ويد تنقذها من النيران، نيران تلهب قلبها منذ أن وعيت على الحياة، وجدت أم تبكي هجر زوجها، كبرت على مقتل أمها، وانتهت طفولتها لتشعر أنها أصبحت كقطعة الديكور، إذا وجدت لا تلائم المكان، وإذا اختفت كان أفضل. فكانت تتمرد وتتمرد ليشعروا بها.
لتضم نفسها إلى أبيها بشدة، لأول مرة بحياتها تجده جوارها، أرادت ذلك كثيراً، لكنه كان بعيد بعيد عنها جداً. نظر شاهر حوله ليجد الجميع موجود، نظر باتجاه عصام وجد الحزن يكسو وجهه بشدة، للحظة فرح كثيراً. نظر إلى لميس ليجدها حزينة للغاية، ولكن هذا الحزن على جدها، لم يتشفى في عصام بعد. ولكنه مثل الحزن أيضاً، أو ربما حزن قليلاً، فهذا الرجل تعامل معه برجاحة وأعطاه إدارة مجموعة من مزارعه.
ظلوا كثيراً من الوقت الذي لا يمر، كل منهم يفكر فيما هو خائف منه، ومنهم من فرحت، فطول المدة قد يعلن النهاية التي تريدها. ليخرج أحد الأطباء. ليقف الجميع ويتجهوا إليه بتلهف وخوف. ليقول الطبيب: "المريض بين إيدين ربنا، وإحنا عملنا اللي علينا، بس وضعه للأسف ما زال حرج، وعليكم توقع الأسوأ". وهو هيخرج دلوقتي لغرفة العناية الفائقة. كانت كلماته كالسهام مصوبة إلى قلوبهم جميعاً.
بعد قليل خرج أمام أعينهم على سرير متحرك مغطى بالكامل. نظروا إليه بتألم. عدا أقبال، نظرت إليه بتشفى، تدعي أن تكون آخر مرة تراه بحياتها، هو لم يحبها يوماً، وكذا هي. لتمر تلك الليلة السوداء. شروق جديد. الجميع ما زال بالمشفى. دخل أحد الضباط أمام باب غرفة حافظ. ليجد الجميع متجمع أمامها. ليقول: "أتمنى للمصاب الشفاء العاجل".
"إحنا قبضنا على القاتل امبارح، وهو مش مسجل خطر عندنا، وقال إنه كان داخل علشان يسرق، وكان مفكر الكل خارج السرايا، لكن رجوع حافظ بيه والحراس، هما اللي مسكوه وهو بيحاول يهرب بعد ما حافظ بيه حاول يطلق رصاص عليه، وهو تفاداه، وده اللي نبه الحراس صوت الرصاص، لأن وجدنا مع القاتل سلاح مزود بكاتم للصوت". "حضراتكم عندكم شك بشخص معين يكون خلف القاتل؟ وكمان كلكم مطلوبين للإدلاء بأقوالكم".
ليقول حكيم: "عمي مفيش عنده أعداء، أكيد زي القاتل ما قال إنه كان عايز يسرقه". صمت الجميع وظلوا يترقبوا أمام باب الغرفة. ليتجه طاهر إلى عصام ويقول له: "خد لميس وديها عند نجوى، وفيصل كمان ياخد نغم". لتردا معاً: "لأ، إحنا مش هنمشي غير لما نطمن على جدو". ليرد طاهر: "التجمع هنا مفيش منه لازمة، والدكاترة قالوا ياريت الهدوء". "أنا هنا، لو حصل حاجة هتصل عليكم أعرفكم". كانتا مصران على البقاء، ولكنهما استسلما ووقفتا لتغادران.
ليقول حكيم: "ياريت تاخدوا ليلى معاكم". ليتفاجئوا، وكذا ليلى. ليمد عصام يده لليلى لتقف هي الأخرى وتذهب معهم. بكافتيريا المشفى. جلست أقبال لتحتسي كوباً من القهوة. لتسمع من يقول: "أكيد نفسك في كوباية شربات، وتكون القهوة اللي في إيدك دي على روح حافظ غُمري". لتنظر إلى صاحب الصوت وتقول بسخرية: "وأنت إيه أمنيتك؟ إنه يعيش؟ ليرد ببسمة: "موته من حياته متفرقش معايا، وإن كان موته أفيد أكيد، بس متفرقش كتير".
"بس حكيم منهار بصراحة، متوقعتش إنه يكون بيحب عمه، خصوصاً بعد جوازه مرتين على بنت عمه". لترد أقبال: "قصدك إيه يا شاهر؟ ليرد شاهر بسخرية: "ولا حاجة، بس اللي شايفه إنه عصام وأبوه، الحزن واضح عليهم قوي، يظهر إنك ربيت عصام، وفي الآخر جده هو اللي كسب حبه واحترامه".
لترد بغيظ تقول: "متنساش يا شاهر، إني ساعدتك في جوازك من ليلى، وكمان أنا اللي قولتلك إن اللي ساكنة قلب عصام هي لميس، لما سمعته بيطلب من جده إنه يسافر لها فرنسا ويرجعها معاه، وعملت حيل كتيرة ومنعت سفره لها وقتها". ليرد شاهر: "وعملتي كده تكفير عن إيه؟
عن تركك ليا ولأختي واختارتي تجوزي حكيم غُمري علشان ثروته، واتخليتي عن أبويا اللي كنتي بتعشقيه من قبل أمي ما تتجوزه، لكن عشقك للمال والثروة خلاكي تدوسي على قلبك، حتى لما أمي ماتت وبعدها بمدة أم عصام ماتت بنفس المرض، سبتيني أنا وأختي وجريتي وراء المال والسلطة، وعملتي فيها المضحية، وإنتي كان كل هدفك اسم عيلة غُمري". لتنظر إليه بغضب وحقد. وهو يبتسم. ليلاً.
عاد فيصل إلى البيت ودخل إلى الغرفة التي بها نغم، ليجدها تنام جوار طفلهم مستيقظة. بمجرد أن رأته يدخل، نهضت تقول: "جدو عمل إيه دلوقتي؟ ليرد وهو يجلس على مقدمة الفراش بعد أن يتنهد: "زي ما هو، لسه حالته حرجة، ربنا يشفيه". لتقترب نغم وتجلس جواره وتضم نفسها إلى فيصل، ليزيد في احتضانها، ليتشاركا نفس الألم. ظلت لميس ببيت طاهر. لتنام جوار طفلتها تتنهد متألمة، تنظر إليها ترى حبات عرق على جبين طفلتها، لتقبلها وتشعر بحرارتها.
لتنهض مسرعة وتخرج من الغرفة وتذهب إلى نجوى. لتدخل عليها وتقول: "جوانا عندها حرارة، في هنا خافض حرارة؟ لترد نجوى: "أهدي، أيوا في هنا خافض حرارة، تعالي معايا". لتذهبا إلى أحد الغرف وتأتي بترمومتر وذلك الخافض. ليروحا إلى الغرفة، لتعطي لميس لطفلتها خافض الحرارة. وتقيس درجة حرارتها نجوى. لتقول لها: "متخافيش، دي 38.9، يعني مش عالية، هي تلاقيها من اللعب طول اليوم ومع حرارة الجو". لتهدأ لميس.
نظرت نجوى إليها لتراها حزينة، مكسورة الفؤاد. لتقول لها: "متخافيش، عمي حافظ إن شاء الله ربنا هينجيه، إنتي ادعي له". لترد لميس بدعاء: "يارب، أنا ماليش غيره، لو جراله حاجة، أنا مش هيبقى حاجة، أعيش أنا وبنتي هنا في مصر علشانها". لترد نجوى: "وعصام؟ للتصمت بتوجع، فماذا تقول؟ إنه أهانها وجعلها تشعر أنها رخصت نفسها لذاك الحقير. لتقول نجوى: "هو عصام قالك أو عمل حاجة ضيقتك؟
لترد لميس وتقول: "كان إحساسي صح، عصام مش هيتقبل وجود راجل سابق في حياتي". لتقول نجوى: "يمكن كدا في الأول، وبعد كدا يتقبل الوضع". لتقول لميس: "لأ، في الأول ولا بعدين، أنا بمجرد ما هطمن على جدي، هنفضل وهسافر تاني أنا وجوانا، حتى لو شاهر معترفش بيها، هعيش أنا وهي في فرنسا، هناك هي معاها الجنسية بحكم ولادتها هناك، وكمان مش هيبقى مطلوب اسم في خانة الأب".
لتشعر نجوى بالأسى على لميس، صاحبة القلب الموجوع، وتداري وجعها خلف بسمة تصطنعها. عاد عصام إلى سرايا جده يشتاق إلى لميس، يتعذب قلبه، فعندما كانت بعيدة عنه كانت قريبة لقلبه، وعندما أصبحت قريبة منه، أبعدها هو بغضبه الذي تحكم به. تذكر قول أخت شاهر له، يوم أن قال لها أنه لا يبادلها الحب، وأنها بالنسبة له ليست أكثر من أخت كالليلى، وهي ما زالت صغيرة، وأن ما تشعر به تجاهه وهم وإعجاب لا أكثر.
لتقول له: "إنت بترفض حبي ليك، بس في يوم هتتعذب بالحب زي ما أنا بتعذب بحبك، بتمنى إنك تقع في حب واحدة وهي تكون بتحب غيرك وتبعد عنك، بتمنالك تتعذب زي بالحب". وكأن قولها لعنة أصابته، فها هو الآن يتعذب بالحب، لمن أحبها قلبه تمناها دائماً وأبداً، ولكن بلحظة غضب قد يضيعها من بين يديه. دخلت ليلى إلى تلك الغرفة التي لم تطأها قدما منذ أن قتلت والدتها. لتجد الغرفة مرتبة ونظيفة.
لتتجه إلى ذالك الدولاب لتجد به ملابس والدتها موضوعة كما كانت، كأنها لم تفارق الغرفة. جذبت بعض قطع الملابس تشمها، لتتنفس رائحة والدتها بها. لتذهب إلى تلك الصورة الموضوعة جوار الفراش. لتأخذها وتجلس على الفراش تمسد بيدها على الصورة وتبكي بكاء شديد، تتمنى أن تخرج من الصورة وتضمها هي الأخرى. لتبتسم وهي تتذكر احتضان والديها لها، بفرحة طفلة سلبت طفولتها.
لتقول: "عارفة يا ماما، بابا حضني النهارده، أنا كنت محتاجة لحضنه، أنا مش بكره جدي ولا بكره بابا، حتى عصام مش بكرهه". ليرد عليها: "وإحنا مش بنكرهك يا ليلى". للتنظر إلى الصوت لتجد عصام يقف على عتبة الباب. ليدخل ويذهب إلى الفراش ويجلس جوارها. ليقترب منها ويضع إحدى يديه عليها يضمها. لتقترب منه أكثر وتضمه هي الأخرى. ليقول لها: "ليه مرحتيش مع لميس ونغم بيت فيصل؟
لترد ليلى: "أنا اتكسفت بصراحة، عمري ما كان ليا اختلاط بفيصل ولا لميس، حتى لما كنا بنتقابل كنا بنتجنب بعضنا". "بس أقولك على حاجة؟ أنا غيرت النهارده من نغم ولميس لما شوفتهم بيواسوا بعض، كان نفسي يضوموني معاهم". ليزيد عصام في ضمها. لتشعر أنها كانت مخطئة حين غارت من أخيها، وكانت دائما تبتعد عنه، فهو يمتلك قلب كبير.
أما هو، فشعر بهدوء نفسي، ليلى كالميس، الاثنتان كانتا تبحثان عن الحب والشعور أنهما محبوبتان، وللأسف الاثنتان وقعتا بوغد حقير استغلهن للانتقام. ولكن حان الوقت أن يغادر حياتهن، فبعده عنهن أفضل شيء. بالمشفى ظل طاهر وحكيم بعد أن غادر الجميع وتركهم. ليجلسا معاً لأول مرة ليتحدثا حول حافظ غُمري، ويتذكران معاملته لهم.
ليقول حكيم بندم: "أنا غلطت كتير في حقه، ومع ذلك عمره ما عاتبني، حتى لما اتجوزت على بنته، ساب الاختيار لها وقالي لو هي اختارت تفضل معاك مش همنعها، وهي للأسف اختارتني لأنها كانت بتحبني، وأنا كنت موهوم بحب تاني، وكنت ببعد عنها علشان محسش بالألم والعذاب، بس أنا كنت غبي لما بعدت عنها، ندمت في وقت الندم مكنش يفيد حاجة، تعرف إني بشتاق لها وبروح أزور قبرها دايماً وأطلب منها السماح". نظر طاهر إليه باستغراب.
ليقول له: "قدامك اللي ممكن يخليك تشعر بالسلام". لينظر حكيم إليه مستغرباً. ليقول طاهر: "ليلى، روح ابتهال إلى لسه موجودة معاك، قرب منها". رغم أن هذه أول مرة يتحدث مع طاهر، إلى أنه شعر معه بالراحة، هو كان يمقت دائماً، يشعر بالغيرة منه لأن من أحبها أحبت هذا الرجل. لكنه يعترف الآن أنه كان وما زال يستحق هذا الحب والاحترام لشخصيته المتفهمة والمعطاءة. كان حافظ بسكرته. يرى بناته صبيات قبل أن يكبرن.
يلعبن ويمرحن حوله بحديقة سراياه. كان يجلس مع زوجته يبتسم على لعبهن بين الزهور. كانتا ثلاث زهرات جميلة لا يعلمن ما تخبئه لهن الأيام، ليقطفهن الموت سريعاً، ويتركانه مع زوجته يتجرعان معاً كأس المر بفراقهن صغيرات. حتى من رافقت وذاقت معه من نفس الكأس هي الأخرى تركته، ليظل وحده يتجرع من هذا الكأس، ولكن هل حان وقت الذهاب إليهن؟ لا، ما زال ما يريد أن يراه قبل أن يفارق ويذهب إليهن.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!