تحميل رواية «نغم سطوة العشق والانتقام» PDF
بقلم سعاد محمد سلامه
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان يقف باكراً مع العمال الذين يقومون بجمع ثمار المانجو. ليأتي عامل يخبره: "فيصل بيه حافظ بيه بيقولك هيستناك على العشا عنده في السرايا الليلة." ليبتسم بتهكم: "وماله هاجي بس قوله إني مش بتعشى، بحب أنام خفيف، هفوت عليه الساعة عشرة ونص." لينصرف العامل باحترام. ليقف فيصل يزفر أنفاسه ويقول لنفسه: "يا ترى إيه اللي عايزه يا حافظ يا غُمري." كانت نائمة تحلم. بطفلة صغيرة تحمل دميتها، لتسمع صوت شجار عالٍ. لتدخل وتُصعق وهي تجد والداها يضرب بالرصاص أمام عينيها ويهوي أرضاً. لتقع دميتها ويتحطم قلبها. استيقظت ب...
رواية نغم سطوة العشق والانتقام الفصل الأول 1 - بقلم سعاد محمد سلامه
كان يقف باكراً مع العمال الذين يقومون بجمع ثمار المانجو.
ليأتي عامل يخبره:
"فيصل بيه حافظ بيه بيقولك هيستناك على العشا عنده في السرايا الليلة."
ليبتسم بتهكم:
"وماله هاجي بس قوله إني مش بتعشى، بحب أنام خفيف، هفوت عليه الساعة عشرة ونص."
لينصرف العامل باحترام.
ليقف فيصل يزفر أنفاسه ويقول لنفسه:
"يا ترى إيه اللي عايزه يا حافظ يا غُمري."
كانت نائمة تحلم.
بطفلة صغيرة تحمل دميتها، لتسمع صوت شجار عالٍ.
لتدخل وتُصعق وهي تجد والداها يضرب بالرصاص أمام عينيها ويهوي أرضاً.
لتقع دميتها ويتحطم قلبها.
استيقظت بفزع، لتمسح العرق من على وجهها.
لتفاجئ بدخول والدتها عليها.
تقول لها:
"كنتي بتصرخي ليه يا ناني؟ أنا جيت على صريخك."
لتقول ناني:
"أبدًا، دا كابوس."
لتقول بحنان:
"افتكرتي الحادثة القديمة؟"
لترد ناني:
"ومن إمتى كنت نسيتها، بس يظهر جه الوقت لتحقيق العدالة ودفعهم تمن ذلي وعذابي."
"ومن نفس الكأس هيشربوا."
لتقول والدتها:
"الانتقام كأس مر وأنا خايفة عليكي، ممكن تشربي من نفس الكأس، إنسي يا بنتي وفكري في ابنك وعلميه الأمانة والمحبة."
لتقول ناني بتكرار:
"أمانة ومحبة؟ أنا معرفهمش."
"أنا اللي أعرفه هو الخيانة والكره اللي هما كذبوا بها زمان وهربوا من الجزاء."
نزل يصفر ليذهب إلى غرفة السفرة، ليجد والده وزوجته يجلسان يتناولان الطعام.
ليميل يقبل زوجة أبيه، قائلاً:
"صباح جميل يا أقبال هانم حبيبة قلبي."
لتبتسم وتقول:
"صباح النور يا عصام. اقعد أفطر ولا وراك حاجة؟"
ليبتسم عصام ويقول:
"ولو ورايا تتأجل، مفيش أهم من إني أتناول فطاري بصحبة أقبال هانم زوجة حكيم بيه غُمري وخالتي الحلوة."
لتضربه بيدها بخفة على يده وتقول:
"ماتفضلش بيئة وقولي يا طنط."
ليضحك عصام قائلاً:
"أنا بنغشك يا جميل، إنتي ماما اللي ربتني، بس أنا بحس إني بكبرك لما أقولك يا ماما أو طنط، إنتي لما بتمشي جنبي بيقولوا أختي الكبيرة."
ليضحك أبيه على مزحه ويقول:
"بكااش عايز تفهمني إن أقبال تبان في السن أصغر من ليلى واختك الكبيرة؟"
لتشعر أقبال بضيق وتقول:
"وإيه جاب سيرة ليلى دلوقتي؟"
ليقول حكيم:
"عمي حافظ طلب ليلى في التليفون وقالها إنه هيستناها على العشا هي وعصام."
لتقول أقبال:
"يعني أحنا هنتعشى عنده الليلة؟ بس أنا معزومة على ندوة في النادي، أنا ضيفة شرفها."
ليقول حكيم:
"لأ متخافيش، هو عازم عصام وليلى بس."
لتستعجب وتقول:
"وأحسن أنا مش بحب أشوف وشه الاتم ولا هو بيحبني، ونظراته ليا اللي كلها كُره."
ليبتسم عصام ويقول:
"ليه دا أنتي عسل نحل."
ليضحك حكيم.
لتبتسم أقبال وتقول:
"طبعاً حبيبي عيونه جميلة، بس ابقي قوليلي هو عازمك أنت وليلى ليه؟ أكيد في حاجة، هو حافظ غُمري بيعمل حاجة إلا وكان وراها هدف في دماغه السم."
منتصف النهار.
كان فيصل يسير مع كبير عماله يدعى العم محمود بمزرعة العنب المملوكة له.
ليقول العم محمود:
"محصول العنب السنة دي هيبقى كبير."
ليبتسم فيصل ويقول:
"ربنا يبارك ويزيد، بس خلي بالك من العصافير وخلي دايماً العمال يصفروا عشان العصافير متأكلش حب العنب وتفسد العناقيد."
ليقول العامل:
"أنا بعمل كده، وأهي هانت العنب بدأت الميه تجري في حباته ويحلو."
ليقطف فيصل أحد العناقيد ويأكل منه.
ليقول العم محمود:
"هو مابقاش حصروم وبدأ يحلو."
ليبتسم وهو يتذكر أحداهن كانت تحب تناول حبات العنب وهو حصروم.
لينفض عنه سريعاً.
ليقول العم محمود:
"أنا جالي أكتر من تاجر عشان شراء العنب، وقولت لهم الاتفاق هيكون مع سيادتك مباشر، وهما طالبين ميعاد من سيادتك."
ليقول فيصل:
"قولهم هقابلهم بعد بكرة عندي بالفيلا الساعة سبعة المغرب."
ليتنحنح العم محمود قائلاً:
"الناس في البلد بتسأل، هو سيادتك صحيح ناوي ترشح نفسك في مجلس الشعب؟"
ليبتسم فيصل قائلاً بمراوغة:
"إيه رأيك يا عم محمود، أنفع؟"
ليرد العم محمود:
"طبعاً تنفع، إنت كل الناس بتحبك وبتقدرك، وانت فاكر لما انتخبوك الفلاحين في المركز كله من غير ما تقدم ترشيح لنفسك في الجمعية الزراعية."
ليبتسم فيصل ويقول:
"بس رئاسة الجمعية الزراعية مش زي عضوية مجلس الشعب، وعمتاً أنا لسه مقررتش ولسه وقت على فتح باب الترشح، وزي ما بيقولوا لكل مقامٍ مقال."
كانتا تجلسان بظلال أحد الأشجار يبتسمان على لعب أطفالهما معًا.
لتقول ناني وهي تضحك:
"بنتك الظاهر مش هتطلع لك هبلة، شوفي البت لما مجدي وقتها سهته وخربشته."
لتبتسم لميس وتقول:
"وارثة شر أبوها."
لتقول ناني:
"أهو أول إثبات إنها بنته، شر أبوها الناعم."
"بس أنا مش عارفة كان فين عقلك وإنتي بتتجوزيه في فرنسا جواز مدني؟"
"أهو قضى معاكي كام يوم وغفلك، وقبل ما يزهق منك استفاد من قانون البلد وفسخ عقد الجواز للضرر، وبفسخ العقد أصبحتي إنتي في نظر الكل مش متجوزة لأن ما فيش إثبات على جوازكم، ومصيبتك الكبيرة هي جوانا ونسبها له، اللي أنا متأكدة إنه هينكره، ما هو مش هيسيب العز ده كله عشان سواد عيونك إنتي وبنتك."
لترد لميس:
"ما أنا عارفة، بس لو اتهدد بالمحكمة ممكن يوافق."
لتقول ناني:
"محكمة إيه اللي تثبت لك بنتك؟ إنتي معكيش حتى ورقة جواز عرفي، وكمان ممكن يقدر يزور تحليل البصمة الوراثية بسهولة، إنتي اللي قدامك شخص مش سهل، إنتي لولا جدك حافظ مكنتيش عرفتي تنزلي مصر ببنتك بسبب عدم وجود أب لها، إنتي ناسيه إنها في كل الثبوتات في فرنسا مكتوبة باسمك."
لترد لميس:
"أهو قولتي جدي هو اللي دخل بنتي مصر، أنا لو قولتلُه من أبوها متأكدة إنه هيخليه يعترف بها غصب عن عينه."
لتقول ناني:
"والله جدك لو عرف مين أبو بنتك ليطب ساكت بأزمة قلبية."
لتقول لميس سريعاً:
"بعيد الشر عليه، إن شاء الله أبو بنتي."
لتقول ناني:
"وامتى هتقابلي أبو بنتك؟"
لترد لميس:
"لسه مقررتش، بس أكيد هرتب مواعيدي وأقابله."
لتنظر ناني لها وتقول:
"يا عيني على برودك ده، إنتي عندك برود يجمد قارة بحالها، إنتي كان لازم تقابليه من زمان وتواجهيه إن له بنت لازم تنكتب باسمه."
"إنتي مش محتاجة منه غير الاسم بس."
لترد لميس بهدوء:
"كل شيء بأوانه."
لتنظر ناني إليها بغيظ وتقف وتقول:
"أنا مش عارفة إيه البرود اللي عندك ده، داهية فيكي وفي برودك، أنا هروح ألعب مع ميجو وجوانا."
لتضحك لميس عليها وتقول:
"أنا مش عارفة إنتي المفروض مصممة دعاية وتسويق إزاي بعصبيتك دي، المفروض تبقي أهدى من كده، إنتي المفروض بتبيعي الوهم للناس."
لترد ناني:
"ما إنتي كمان زيي، بس زيادة مصممة غباء وبرود، أنا ماشية قبل ما يجيلي الضغط والسكر من برودك."
لتبتسم لميس وتقول:
"بعيد الشر عليك يا حبيبي."
لتنظر إليها ناني بشرر وتتركها.
بعد قليل وجدت لميس بالحديقة خرطوم يروي به زروع الحديقة، لتقوم بفتح المياه وتصويبها على ناني.
والتي شعرت بخضة من المياه، لتنظر إليها بغيظ وتقول:
"ابعدي الميه عني، رش الميه عداوة."
لتضحك لميس وتقول:
"ومن إمتى كنا أصدقاء؟ من المدرسة الداخلية اللي كنا فيها سوا، قال مدرسة راهبات دي متفرقش كتير عن الملجأ، فاكرة لما كنتي تصحيني من النوم على صريخك من كوابيسك؟ أنا كان نفسي وقتها أحرقك بجاز."
لتبتسم ناني وتقول:
"اسم الله عليكي، إنتي كنتي بتقضي نص اليوم نوم من معاملة البنات التانية ليكي."
"وزهق المشرفين منك ومن رخامتك، إنتي معرفتك كانت سودة."
ليضحكا معاً ويلعبا بالمياه سوياً وينضم إليهم أطفالهم يمرحون معاً.
ليبتسم ذلك الجد وهو يراهم من شرفة غرفته على تألفهم مع بعضهم ويتذكر رفيقة دربه التي رحلت منذ أشهر ويقول:
"إنتوا الاتنين تستاهلوا كل السعادة تكون من نصيبكم."
ليعود إلى الداخل.
ينظر إلى تلك الصورة الموجودة بجوار فراشه، ليمسكها ويجلس على الفراش قائلاً:
"عارف إن أمنيتك الأخيرة يا تحية إنك كنتي تجمعى أحفادك جنبك عشان يشوفوا قلبك الحزين على فراق بناتنا الصعب، وأنا مشتاق لك، يا سلام قلبي كان وجودك بيسلي قلبي الحزن، بس يمكن لربنا حكمة إن أنا اللي أجمع أحفادي من بعدك، بتمنى ربنا يطول في عمري لحد ما أشوفهم متجمعين ونايلين السعادة اللي يستحقوها."
دخلت على زوجها مكتبه بالشركة، ليقف مبتسمًا ومرحبًا يستقبلها.
ليقول:
"مالك يا حبيبتي، جاية منين زعلانة كده؟"
لترد:
"كنت عند الدكتور اللي بيعالجني وقالي إن التقدم ضعيف."
ليبتسم وهو يضع يديه حول خصرها يقول:
"أنا مش عارف ليه شاغلة نفسك بحكاية الخلفه دي، سبق وقولت لك إني سعيد معاكي من غير أطفال يا ليلى."
لترد عليه:
"أنا نفسي أكون أم يا شاهر ويكون عندنا طفل، دا حتى الدكتور قال إن صعب الحمل المجهري بسبب نسبة التبويض الضئيلة عندي."
ليرد وهو يبتسم:
"حبيبتي كل شيء بقدر وأنا قابل معاكي قدري."
لتبتسم ليلى بامتنان وتقول:
"جدو عازمنا على العشا عنده الليلة وكمان عصام أخويا."
ليرد:
"وماله يا قلبي نروح، بصراحة أنا بحب جدو حافظ."
لترد:
"بس أنا مش عارفة ليه مش مطمنة، حاسة إن في حاجة من وراء العشا ده."
"جدو من بعد موت تيتا تحية وهو انزوى لوحده."
"أكيد ناوي على حاجة."
ليرد:
"يمكن حب يجمع أحفاده جنبه."
دخل عصام وهو يبدو عليه الضيق إلى مكتب والده، ليجد أقبال تجلس معه.
ليقول حكيم:
"مالك مضايق كده ليه؟"
ليرد:
"هو في غيره فيصل العفيفي عامل لنا مشكلة؟"
لتقول أقبال:
"وجدك حافظ يعرف بكده؟ يمكن دا سبب العشا بتاع النهارده."
ليرد عصام:
"ياريت يقدر يوقفه عند حده بقى، أحنا بنخسر كتير بسببه."
كان فيصل يجلس بغرفة مكتبه بمنزله يعمل على بعض الملفات.
لتدخل الخادمة عليه تقول باحترام:
"أمرك يا فيصل بيه."
ليرد دون النظر إليها:
"اعملي لي قهوة يا نسيمة."
لتقول:
"واعملي ليا عصير مانجة فريش معاه، أكيد عندكم مانجة، ما هو مش معقول أبقى في بيت صاحب أشهر مزارع المانجة في الإسماعيلية وميكونش في بيته مانجة."
ليرفع رأسه من على الملفات وينظر إليها بتعجب ويقف مرحباً بها قائلاً:
"فجر الفهدي، أهلاً بيكي في بيتي."
ليشير للخادمة بالذهاب ويمد يده لسلام على فجر مرحباً بها بحفاوه.
أما هي فأنزعجت حين سلمت عليه بسبب خشونة يده القاسية.
رواية نغم سطوة العشق والانتقام الفصل الثاني 2 - بقلم سعاد محمد سلامه
جلست فجر بأناقتها تضع ساقاً فوق أخرى، تتحدث إلى فيصل وتبتسم برقة ونعومة.
كان فيصل يسمع حديثها مبتسماً، وعقله يخبره لما اليوم يراها مثل أي امرأة. هي يوماً كانت فتاة أحلامه، لدرجة أنه أهان من أحبته يوماً حين أخبرها أنه يحب أخرى، بل وقال لها على اسمها.
تبسمت فجر تقول: "طبعاً أنت مستغرب زيارتي ليك النهارده، رغم أننا تقريباً مافيش بينا حديث سابق غير كم مرة، وكانت لقاءات عابرة."
ليبتسم فيصل قائلاً: "بيتي مفتوح لأي حد وفي أي وقت، ما بالك بـ فجر منصور الفهدى، عضو مجلس شعب دائرتنا."
ليبتسم بنعومة وتقول: "واضح إن حديث الناس عنك صحيح، إنك متحدث بارع وكمان واثق من نفسك كويس. أنا هدخل في الموضوع اللي أنا جايه علشانه مباشرة."
"بصراحة، أحنا سمعنا إشاعات بتقول إنك ناوي ترشح نفسك لانتخابات المجلس الجاية."
ليرد فيصل بثقة: "بصراحة، أنا مش عاوز بس الناس في الدايرة، وكمان أصدقاء ليا كبار بيشاوروا عليا، بس أنا لسه ما أخدتش قرار."
لتبتسم بنعومة وتقول: "أنا كنت جايه أتأكد من إنك قررت، وكنت هعرض إننا نتعاون مع بعض قصاد المرشحين التانيين. أنت عارف إن الدايرة بتاعتنا بينوب عنها اتنين، واحد عمال والتاني فئات."
"فبابا هيترشح فئات، وأنت تترشح عمال، ونساند بعض."
ليرد فيصل بدبلوماسية: "بصراحة، أنا لسه مقررتش الترشح، وأكيد يسعدني إننا نساند بعض في المصلحة العامة للناس في دائرتنا."
لتبتسم فجر وتقول: "أنا سمعت كتير عنك حكايات عن تكوين ثروتك، بس أنا بصراحة برجح إن ثروتك دي من ذكائك."
"يعني في ناس بتقول إن ثروتك من تجارة المخدرات."
"وفيه إشاعات إنها من تجارة الآثار اللي لقيتها في أحد مزارعك."
ليضحك قائلاً: "أنا مافيش قرش حرام دخل جيبي، لأن ببساطة ثروتي دي بتعبي وجهدي من سنين."
"أنا حسبتها صح، وكمان الحظ مشي معايا وساندني."
"أنا بعد ما خلصت ثانوية عسكرية، كنت جايب مجموع كبير يدخلني أي كلية كويسة، بس أنا شغلت عقلي وقلت الكلية مش هتفدني بحاجة."
"وكان ليا زميل في الثانوية العسكرية أبوه لواء في الجيش، وطلع معاش وأخد حتة أرض صحراوية وبدأ يستصلحها. وبصراحة أنا كنت بحب الزراعة، وكنت بقرا كتب كتير من وأنا صغير عن الزراعة الحديثة وأساليبها، ودخلت معاه شريك، هو برأس المال وأنا بالمجهود."
"وبدأت أشتغل معاه لحد الأرض دي ما بدأت تزرع وتحصد، واستصلحناها، وهو قسمها بيني وبينه بالنص."
"بعدها لقيت فرصة تانية لأرض مش مستصلحة، فبعت نصيبي من الأرض دي واشتريت الأرض التانية، وطبعاً فاض معايا مبلغ كبير صرفت جزء منه في استصلاح الأرض، ولما بدأت تزرع بعتها بتمن أغلى، واشتغلت في شراء الأرض الصحراوية واستصلاحها."
"لحد ما كونت ثروة كبيرة، اشتريت أكتر من مزرعة فواكه وخضار، وعلشان ماكنش تحت رحمة التجار، أنشأت مصنع للمواد الغذائية زي العصائر والخضروات المجمدة، وكمان مصنع لإنتاج زيت الزيتون."
"ولحد دلوقتي أنا بشتغل مع العمال بنفسي."
لتنظر فجر له بإعجاب قائلة: "فعلاً أنت نموذج مشرف لأي شاب مصري مكافح."
ليبتسم فيصل قائلاً: "المكافحين كتير، بس صدقيني الحظ ساعات بيبقى العامل الرئيسي للنجاح."
"قيراط حظ ولا فدان شطارة."
لتنظر له فجر وتبتسم وتقول: "ده تواضع منك."
"بس مش عارفة ليه واحد زيك عايش من غير زوجة في حياته؟ أنا عرفت إنك متزوج، بس محدش عمره شافها ولا حد يعرفها."
ليبتسم بغصة في قلبه قائلاً: "أنا فعلاً متزوج، بس حصل خلافات بيني وبين زوجتي وهي سافرت فرنسا عند أختها من مدة، بس ما انفصلناش عن بعض."
لتنظر له فجر قائلة: "زواج عن حب؟"
ليرد فيصل: "تقدري تقولي كان زواج عائلي أكتر، هي تبقى بنت زوجة والدي وتم الزواج، ولما اختلفنا هي سافرت فرنسا."
لتبتسم بأمل: "يعني أنت مش بتحبها؟"
ليبتسم فيصل ويرد بدبلوماسية: "مش الحب بس اللي بيبني جواز ناجح، فيه حاجات تانية ممكن تكون أهم من الحب، زي التفاهم والثقة وتقبل الآخر بعيوبه قبل مميزاته."
لتنظر له بتمني وهي تبتسم.
***
بسرايا حافظ غُمري
دخلت لميس إلى غرفة ناني تبتسم، لتجدها تقف برداء الاستحمام وتمسك بيدها منشفة تنشف بها شعرها.
لتبتسم وتقول بمزح: "أنتي مكفكيش الميه اللي رشيتها عليكي، أخدتي شاور تاني؟"
لتنظر ناني بغيظ وتقول: "هي كانت ميه بس ولا ميه بطين اللي كان ابني وبنتك بيرموني بيه دول؟ زي ما يكون ما صدقوا وهاصوا في النص."
لتضحك لميس وكذلك أيضاً ناني.
لتجلس لميس على أحد المقاعد تقول: "مش عارفة ليه جدي اتأخر في العشا، أنا جعانة. ولما نزلت أطلب أكل، الدادة قالت إن حافظ بيه بيقول إننا نستناه وهيتعشى معانا الساعة عشرة ونص، وده يبقى عشا ولا سحور."
لتضحك ناني وتقول: "دايماً همك على بطنك. أنتي متغدية مرتين، مرة معايا ومرة مع بنتك وانتِ بتأكليها، أكلتي نص أكلها. ألا هي فين؟"
لترد لميس: "عشيتها ونامت."
لتضحك ناني وتقول: "وتلاقيكي أكلتي معاها."
"أنا مش عارفة بتودي الأكل ده فين، أنا بشم الهوا بتخن، إنما أنتي ما شاء الله تاكلي زي العرسه، تاكل وتنسى."
لترد لميس: "لأ والله، يادوب نقنقت جنبها كده."
لتضحك ناني وتقول: "خلاص بقى، استني العشا مع جدك. أنا بقى عايزة أنام، أنا هسافر القاهرة من قبل الفجر عشان أوصل على ميعادي مع مدير المؤسسة الإعلامية، أشوف هتفق معاه إننا نشتغل عنده إحنا الاتنين، ولو عجبني الاتفاق هتنقل أعيش في القاهرة أنا وابني في شقة خاصة بينا. أنا مش عايزة أتقل على حد ومش عايزة حد يقول على ابني لقيط زي ما قالتي."
لتشعر لميس بحزن وتقول: "هي الكلمة دي لسه مؤثرة عليكي يا بنتي؟ أنسي."
لتقول ناني: "أنا عمري ما هقدر أنساها، بس سيبك مني، أنتي هتعملي إيه في موضوع بنتك؟"
لترد لميس: "هاتصل على أبوها بكرة وهقابله، وكلمه بهدوء. لو قبل بالتفاهم كان بها، لو ما قبلش جدي موجود يتصرف معاه."
لتقول ناني: "أنا مش عارفة عقلك كان فين، بكلمتين حب ضحك عليكي."
لترد لميس بألم: "أنا اللي في ظروفي سهل إنها ينضحك عليها."
لتقول ناني باستغراب: "مالها ظروفك؟"
لترد لميس بألم: "أنا واحدة عندها إعاقة في رجليها، بمشي وأنا بعرج، وأكيد أي حد مستحيل يربط حياته بواحدة عرجاء."
لترد ناني بضيق: "قولتك ألف مرة إن عرج رجلك مش عيب ولا نقص، أنتي واحدة اتعرضت لحادثة وهي صغيرة بس سابت لها أثر."
"أنتي فيكي مميزات يمكن مش في بنات سُلام، كفاية جمالك." وتكمل بمزح: "ولا الغمزتين اللي في خدودك دول."
لتضحك لميس وتقول: "يادي الغمزتين اللي عينيكي فيهم. بقولك إيه، أنتي لو هتعيشي في القاهرة، اعملي حسابي معاكي في الشقة. أنا بخاف أقعد لوحدي. وبعدين أنتي مش ناوية تقابلي عمك قبل ما تسافري؟"
لترد ناني: "لأ، مش هعبره. هفوت على ماما بس وأنا ماشية، آخد منها أوراق خاصة بيا عشان أسجل ميجو هنا وأطلع له شهادة ميلاد مصرية."
ظلوا يتحدثون ويمرحون إلى أن دخلت عليهن الخادمة تدعوهن للعشاء.
لتقول لميس بمزح: "أخيراً، أنا عصافير بطني أكلت معدتي."
لتضحك ناني، لينزلن سوياً وهن يضحكن ويتوجهن إلى غرفة السفرة.
***
كان بداخل غرفة السفرة يجلس الجد حافظ ومعه ليلى وزوجها شاهر ومعهم عصام.
عندما دخلت لميس وناني، انصدمن، فهن لم يتوقعن أن يكون معه أحد.
ليأتي من خلفهن من يقول بتهكم: "مساء الخير."
"بس مع الجمع ده أظن مفيش خير."
ليقول الجد حافظ بشدة: "كل واحد يشوف له مكان على السفرة ويقعد فيه."
ليبتسم فيصل بسخرية: "حاضر يا جدي." ليجلس على أحد المقاعد ويفرد ظهره بغرور.
كانت النظرات بين المجتمعين على الطاولة نظرات حقد وعذاب وغيظ.
كانت ناني تشعر بضيق من نظرات أحدهم لها، التي تشعرها أنها تخترق جسدها كأنها عارية أمامه.
وكانت لميس تشعر بنظرتين، واحدة تنظر إليها بأمل، وأخرى تشعر هي منها بألم.
لينتهي العشاء الذي كان على بركان قابل للثوران.
ليقول الجد: "أتفضلوا معايا نشرب القهوة في غرفة الصالون."
ليدخل الجميع إلى غرفة الصالون.
لتقول ناني باعتذار: "أنا آسفة، أنا ضيفة على العيلة، وكمان أنا هسافر القاهرة بدري، فمضطرة أستأذن."
ليقول الجد وهو ينظر إلى أحدهم: "أنتي مش ضيفة، أنتي حفيدتي زيهم تمام."
لتجلس جوار لميس.
ليقول الجد: "وصلني إنك يا فيصل عامل مشاكل مع مصنع الألبان بسبب إن مزرعة المواشي جنب مزرعتك، وأنت بترفض تعطيهم المياه."
ليرد فيصل ببرود: "والله أنا مش بلاقي الميه عشان أسقيها لحيواناتي وأسيب أرضي عطشانة."
ليرد عصام: "طول الوقت كانت مزرعة المواشي بتستمد الميه من المزرعة دي من قبل ما أنت تشتريها، وكان بينا اتفاق على كده."
ليرد فيصل: "ده كان مع صاحب المزرعة القديم، وكانوا في الرخص بتدفعوا قيمة قليلة من تمن الميه."
"إنما دلوقتي الميه غليت، والمفروض تدفعوا قيمة الميه اللي بتسحبوها من المعين الموجود بمزرعتي أكتر من النص."
ليرد عصام: "وبدل ما تيجي تتفق معانا، قطعت الميه على المواشي، ودلوقتي هيشربوا إيه؟"
ليرد فيصل: "يشربوا لبن."
لتضحك لميس وناني.
لينظر لهن الجد وهو ويبتسم، لكن سرعان ما أخفى بسمته.
ليقول الجد: "وطالباتك إيه يا فيصل دلوقتي؟"
ليرد فيصل: "تدفعوا تمن نسبتكم في الميه، يا إما تدخلوني شريك معاكم."
لتنتفض ليلى قائلة: "أنت أكيد اتجننت!"
لينظر لها بسخرية قائلاً: "أنا فعلاً اتجننت إني بشرفكم بطلب مشاركتي ليكم. أنا وجود اسم العفيفي أكيد هيرفع من اسم غُمري."
ليرد عصام: "ما تنساش إن والدتك بنت حافظ غُمري، يعني الاسم مرتبط بيك."
ليبتسم قائلاً: "أنا لو مش خاطر أمي، كان زماني أنهيت عيلة غُمري، بس أنا باقي على عضم التربة."
ليقف ويغادر، ويتركهم وهو ينظر إلى إحداهن بغيظ وشرر ويتوعد لها.
قال الجد بلوم: "ماكنش لازم تتكلمي بطريقتك دي يا ليلى. فيصل عنيد، ودلوقتي هيبقى صعب التفاهم معاه."
لترد ليلى: "أنت اللي حنين معاه. أنا متأكدة إنه اشترى المزرعة اللي جنب مزرعة المواشي الرئيسية دي مخصوص عشان يضغط علينا ونقبله شريك. هو عايز ينتقم للماضي، لما بابا كان رافض إن بنت من بنات غُمري تتجوز موظف فقير على قده. كلنا عارفين القصة القديمة، ولما غضبت عليها ونبذتها، وهي راحت اتجوزته من وراك، بس للأسف تعبت وما كانش أبوها معاه تمن علاجها."
ليرد الجد بغضب جامح: "ليلى، افهمي معنى كلامك وأخرسي. أنتي طول عمرك بتقيمي الناس برصيدها في البنك، مبيهمكيش مشاعر الناس. وأنا بحذرك إنك تدخلي في الموضوع ده، وأنا اللي هحله وهريح الكل بحل جذري."
"ودلوقتي أنا تعبت وعايز أرتاح، كل واحد يشوف طريقه."
لتنظر ليلى إليه بغل وتغادر، ومعها زوجها الذي قبل يد الجد وتأسف له من فعلة ليلى.
ليقف عصام قائلاً: "أنا آسف يا جدي، أنت عارف إن ليلى عصبية."
ليربت الجد على كتف عصام قائلاً: "أنا بعذرها، بس لازم تتعلم تتحكم في عصبيتها، وأطمن أنا هتفاهم مع فيصل."
ليميل يقبل يد جده ويتركه مبتسماً.
لتقف ناني وتقول: "أنا هطلع أنام، عندي سفر الفجر."
ليرد الجد: "أنتي لسه مصممة تروحي تقعدي بابنك بعيد عن هنا؟ أنتي مكانك هنا."
لترد ناني: "لأ يا جدي، أنا ماليش هنا مكان، أنا دخيلة، وجه الوقت إني أبعد عن هنا خالص، بس لازم قبل ما أمشي أظهر براءة اللي اتقتل غدر بكذبة حقيرة."
لتتركه وتصعد.
لتظل لميس، ليمد يده لها لتقف جواره وتقول: "وأنا كمان يا جدي، هروح معاها."
ليميل يقبل جبهتها قائلاً: "كل واحد هياخد نصيبه من اللي مكتوب له. متستعجليش، يمكن هي اللي تفضل هنا."
"أنا مش هضغط عليكي وهسيبك لحد ما تيجي تحكي لي على كل أسرارك."
لتبتسم له بود وتتركه هي الأخرى وتغادر.
وقف الجد يفكر فيما حدث وصراع أحفاده وغلولهم من بعض، ليتخذ قرار من الممكن أن يربطهم ببعض ثانياً.
***
كان نائماً يحلم..
بفجر الفهدى التي تقف بعيداً ترتدي زيّاً مثيراً، تشير له بسبابتها أن يذهب إليها.
ليفتتن بها ويسير باتجاه وقوفها.
ليصل إليها، يميل عليها، يقبلها باشتياق.
ليسمع من خلفه صوت شهقات بكاء.
لينظر إليها ليجدها تنظر إليه بلوم وعتاب وألم، ليشعر بألم في قلبه عليه.
استيقظ فوراً يشعر بعطش.
لم يجد بالغرفة ماء، ليرتدي قميصه، فهو كان نائم بشورت فقط، لينزل إلى الأسفل لجلب الماء.
ليرآها تخرج من أحد الغرف.
لينادي: "نغم مجدي الفارسي."
لتقف تنظر له بضيق.
ليقول بتهكم: "نغم هانم."
بتعملي إيه هنا؟ أمك وحشتك وجاية تشوفيها قبل الفجر؟
لتصمت نغم ولا ترد عليه وتدير نفسها للخروج.
لتجده يجذبها من يدها ويأخدها ويدخلها إلى غرفته عنوة.
لتشعر باختناق.
ليقول فيصل بحنق: إيه ما وحشتكيش أوضتي؟ مش فاكرة لما زمان دخلتيها بمزاجك؟
لتدفعه بعيداً عنها وتقول: سافل وحقير. أوعى تفكر إني نسيت اللي عملته فيا قبل كده.
ليقترب فيصل منها ويضع إبهامه على فمها المرتعش وينظر إليها باشتهاء ويقول: اللي حصل وقتها كان بمزاجك، وأنا حذرتك وقتها وقولتلك إني بحب واحدة تانية.
لكن نقول إيه في غبائك.
لتنظر نغم إليه بغضب وتبتعد عنه وتقول: وأديني بعدت عنك، يبقى مالكش دعوة بيا وسيبني في حالي. وكمان عرفت إن حبيبة القلب اتطلقت، تقدر تخليها ترجعلك؟
ليضحك قائلاً: واضح إنك متابعة أخبار هنا كويس رغم بعدك، بس دا مش مهم.
بس إيه اللي بتخططوا ليه مع جدي؟
لتصمت نغم.
ليقرب منها ويضع يده حول خصرها.
لينتفض جسدها بين يديه.
ليضحك قائلاً: لسه كل أما أقرب منك جسمك بيرتعش ها؟
ليه يا مراتي الحلوة؟
ليميل يقبلها بوله واشتياق ويجذبها معه لموجة عشق.
ليأتي إلى خيالها عذابها بين يديه وصورتها تنزف ونعته لها باللقيطة.
لتدفعه عنها وتهبط من الفراش وترتدي ثيابها وتغادر وتتركه في صمت. لكن قبل أن تخرج سمعته يقول:
مش هسمح لابني يتربى بعيد عني أكتر من كده.
رواية نغم سطوة العشق والانتقام الفصل الثالث 3 - بقلم سعاد محمد سلامه
خرجت نغم من الغرفة دون الرد عليه. نزلت وهي تلملم ثيابها، لتجد والدتها تقف ومعها بعض الأوراق.
قالت والدتها: "كنتي فين يا ناني؟ انتي قولتي هتشربي من المطبخ على ما أجيب لك الأوراق."
أخذت نغم الأوراق من والدتها وغادرت سريعاً دون الرد عليها.
سمعت نجوى صوت فيصل ينادي على نغم، ورأته يقف قريباً منها، يقوم بتزرير قميصه. نظرت إليه بحقد وتركته وغادرت.
أما هو، فوقف يشعر بألم، ليعلم أن الطريق إليها ابتعد. فهي لن تسامحه بسهولة، ولديه كل الحق. لكنه لن ييأس، وسيحارب بكل عتاده، وسيعيدها إليه حتى لو بالغصب.
دخلت نغم إلى السيارة وقالت للسائق: "لو سمحت، امشِ يا عم بشير بسرعة."
فسار بالسيارة. جلست تلوم نفسها على ما حدث. كيف كانت ستعود لنفس الألم معه؟ ولكن ما أدهشها هو قوله لها: "مراتى الحلوة"، وجعلها كالمغيبة في همسة لها.
كيف لوالدتها أخبرتها أنه قام بتطليقها بعد أن سافرت؟ دموعها سالت على وجنتيها تحرقها.
لاحظ بشير دموعها، فقال بسؤال: "مالك يا بنتي؟ بتبكي ليه؟"
ردت نغم: "أبدًا، أنا مش ببكي. دا الورق اللي معايا طرف عيني."
قال بشير باطمئنان: "سلامة عينك."
لم يستطع فيصل العودة للنوم. تذكر ارتعاشها بين يديه، خوفها ورفضها له، وتركها له سريعاً دون تحدث. فهي من كانت تبحث عنه لتظل بقربه. الآن أرادت البعد عنه سريعاً. من ذابت بين يديه بقبلة سابقاً، ألآن تبغضه؟
نزل إلى الأسفل ليسمع صوت والده في غرفة السفرة، فذهب إليها. دخل مبتسماً يقول: "صباح الخير."
رد والداه عليه: "صباح النور."
كانت نجوى تجلس مع طاهر تتناول فطورها. نظرت إليه ولم ترد. فجلس فيصل معهم على الطاولة يتناول فطوره.
قال وهو ينظر إلى نجوى: "ليه معرفش أن نغم نزلت مصر؟ وليه قاعدة في بيت حافظ غُمري؟ مش هنا في البيت؟"
نظرت إليه نجوى بشر وردت: "وهتقعد هنا بصفة إيه؟ هي هناك ضيفة كم يوم مش أكتر."
رد فيصل: "هتقعد هنا بصفة إن دا بيت جوزها."
فنظر إليه كلا من نجوى وطاهر باستغراب.
ردت نجوى: "قصدك طليقها. أنت ناسي إنك طلقت نغم؟"
رد فيصل: "لأ مش ناسي، بس أنا رديتها تاني قبل ما تنتهي عدتها، لأن الطلاق كان رجعي."
فنظرا إليه بصدمة.
قالت نجوى بصدمة: "قصدك إيه؟ 'رديتها'؟"
رد فيصل بهدوء: "قصدي إن نغم لسه مراتي، ومش هسمح إن ابني يتربى بعيد عني أكتر من كده. أظن أربع سنين وهو بعيد عني كفاية قوي."
فنظرت نجوى إلى طاهر بصدمة.
قال فيصل: "مش بابا اللي قالي إن عندي ولد من نغم. أنا عارف كل حاجة عن نغم من وقت ما سافرت فرنسا، بس أنا كنت سايبها تهدى أعصابها بعد اللي حصل، وأظن خمس سنين كفاية."
قالت نجوى بحزم: "فعلاً كفاية. أنت لازم تنهي الجواز ده لأنه كدبة زي ما قولت عليه من الأول، ولا نسيت؟ ونغم هتبعد عن هنا، وأنا مش هسمح لك إنك تأذيها تاني، وهدافع عنها المرة دي، ومش هسمع لها، ولو كان التمن انفصالي عن طاهر."
فوقفت وغادرت.
فنظر إليه طاهر قائلاً بتعصب: "ليه دلوقتي عايزها تعيش هنا؟ أنت مش سبأ وقولت لها إنها لقيطة، وإن بيتنا كان لها ملجأ؟"
قال فيصل بندم: "ولكن يكذب. أنا عايزها تعيش هنا عشان ابني ما يبعدش عني أكتر من كده."
فنظر له طاهر قائلاً: "أنت بتكذب عليا ولا على نفسك؟ قول الحقيقة، إنك بتحبها وندمت على اللي حصل وبعدها عنك. فوق. أنا قولتلك قبل كده، بس أنت مشيت وراء غبائك. كنت مفكر إنك بتنتقم من أمها لما اتجوزتني، مع إن معندكش سبب للانتقام، لأن نجوى عمرها ما آذتك. بالعكس، هي عاملتك كويس جداً من البداية، بس أنت اللي كنت رافض وجودها في البيت."
"علشان متكونش في مكانة والدتك. سبق وقولت لك مفيش حد بياخد مكان حد، كل الحكاية إن الحياة بتمشي وتكمل، مبتقفش عند حد معين، ومشاعرنا بتتبدل معاها. نجوى..."
"قبلت بناتها يبعدوا عنها بسببك. الأول نغم لما دخلت مدرسة داخلية علشان حالتها النفسية وقتها. حتى نيرة درست وتفوقت وأخدت منحة دراسية على نفقة الدولة، واتجوزت وسافرت فرنسا وقعدت هناك مع جوزها."
"حتى نغم لما كانت بتبقى هنا زيارات، عمرك ما رحبت بها. بالرغم من كده، وقعت في غرامك واتنازلت عن أبسط حقوقها إن يتعمل لها فرح زي باقية البنات، ورضيت بكتب كتاب بس، واتجوزتك، وعشقها لك كان هيوصلها للموت."
فوقف طاهر هو الآخر مغادراً.
فظل فيصل وحده، ليشرد بماضي كان فيه جلاداً لعاشقة لم تتمنى أكثر من وصاله، حتى لو بالكذب.
***
دخل فيصل إلى منزلهم الصغير آنذاك، الذي كان يقطن فيه هو وأبيه. أتيا من مدرسته العسكرية الذي كان يدرس بها في الثانوية، كان وقتها بعمر السادسة عشر.
فوجد فتاة صغيرة لم تتم التاسعة من عمرها، تقف تحاول الوصول إلى عنقود عنب من تلك الشجرة الموجودة بالحديقة.
فأمسكها وأنهرها قائلاً: "أنتِ داخلة تسرقي من قلب الجنينة؟"
فنظرت إليه بحزن وتقول ببراءة: "لأ، دي جنينة عمو طاهر، وهو قال لي ألعب فيها، وأنا شوفت عنقود العنب ده وأنا بحب العنب أخضر أكله، ومش طولته."
فوجد امرأة تنادي وتقول: "تعالي جوه يا نغم."
فتركته وتدخل إلى الداخل، ليدخل خلفها.
فوجد أبيه يقف مبتسماً: "تعالى يا فيصل، رحب بطنط نجوى وبناتها، نغم الكبيرة ونيرة الصغيرة. هما هيبقوا زيك أخواتك."
فنظر إلى نجوى ليقول طاهر: "أنا ونجوى اتجوزنا، وبناتها هيعيشوا معانا. مش كان نفسك يكون لكِ أخوات؟ ربنا رزقك بأختين حلوين."
فرد فيصل بعصبية: "أنا مش عايزهم هنا، أنا ماليش أخوات." فترك شنطته وخرج إلى الحديقة وتركهم.
فخرجت خلفه نجوى تحاول مراضاته، ولكنه صدها بعنف، ولكنها تقبلته منه وتركته بهدوء.
فتأتي إليه تلك الصغيرة وتقول: "أنت ليه مش بتحبنا؟ أحنا مش وحشين ولا أشرار؟"
وتمد يدها له وتقول: "أنا اسمي نغم، بس بينادوني ناني."
فنظر إليها باستعلاء وتركها ودخل إلى الداخل إلى غرفته فوراً.
فمرت أيام، كانت نجوى تحاول استمالته، ولكنه يرفضها، وأحياناً كان ينهرها، ولكن والده كانت معاملته معهن حسنة.
وكان يتضايق أكثر إذا استيقظ على صراخ نغم ليلاً، لدرجة أنه كان يقول عليها مجنونة.
كانت نغم تحب التودد إليه كثيراً، وهو لا يريد حتى التحدث معها، وأحياناً كان ينهرها هي الأخرى، لكن كانت أختها دائماً تجتنبه.
أما هي، فلا تعرف لماذا تريد دائماً أن تظل برفقته، أما هو فدائماً ما يبعدها عنه ويستهزئ بها وبضعفها وصراخها.
إلى أن قال لوالده أنه يكره نغم ولا يريدها معه بالبيت، فهي بالنسبة له كالمجانين.
فشعرت بألم والدتها من حديثه عليها، لتقوم بعرضها على أحد الأطباء النفسيين للكشف عليها.
فقال لها الطبيب إن قواها العقلية جيدة جداً، ولكن هناك عقدة بحياتها تحتل جزء كبير من عقلها الباطن، هو ما يجعلها تراها بالأحلام وتصرخ منها.
فسردت له نجوى حقيقة مقتل والداها أمام عينيها رامياً بالرصاص.
فاستشف الطبيب سبب حالتها تلك، وطلب منهم إبعادها عن أي مكان يذكرها بما حدث لفترة، لتستطيع نسيانه وتتأقلم على ذلك.
فاقترح طاهر عليها إدخالها إحدى المدارس الداخلية الخاصة بالراهبات.
لتبعد نغم عنه بدخولها إلى تلك المدرسة التي تعذبت بها كثيراً، إلى أن صادقت لميس التي كانت تشبهها في نفس الحالة.
مرت الأيام وجرت معها سنوات، كانت نغم تنزل بالإجازات تقضيها بمنزل طاهر مع والدتها وأختها، وتبحث عنه وتظل بقربه، الذي كان يكرهه كثيراً، حتى أنه كان يعمل بعيداً حتى لا يراها، فهي تريد قربه، وهو يبغضها هي وأمها وأختها، ويتمنى أن يختفوا من حياته.
لتنتهي من دراسة الثانوية لتدخل إلى كلية الإعلام بالقاهرة وتدرس دعاية وتسويق. كانت تقطن مع لميس بإحدى المدن الجامعية وتذهب لزيارة والدتها بالإجازات الأسبوعية، إلى أن اقتربت من العشرين من عمرها.
فذهب عمها إلى والدتها وطلب يدها لأحد أبنائه.
لترفض والدتها.
فقال عمها إن نغم هي صاحبة القرار، وأن لم توافق سيقوم بطلب وصايتها من المحكمة، فهي لم تتم الحادية والعشرين، ووقتها سيصبح هو الوصي عليها ويزوجها لابنه.
عندما علمت نغم بكت كثيراً، فعماها هذا نهرهم يوماً بسبب خوف زوجته أن يتزوج أرملة أخيه، ليقوم بتضييق الشقة التي كانوا يقطنون بها في بيت جدهم عليهم، بعد أن استولى عليها بحجة ميراثه الشرعي في أخيه، وهو يعلم أن بيت والد نجوى صغير، وباعت حقها به لتستفيد من حقه في مشروع صغير يساعد في الإنفاق على بناتها.
فيعلم طاهر بالأمر ويبدأ في البحث معهن لحل، ولكن عمها كان يصر على رأيه بحجة أنه يلم لحم أخيه ليصبح أمام الناس رجل الشهامة.
فعرض طاهر الأمر أمام أحد أصدقائه ليشوره بتزويجها لابنه فيصل.
ليفكر طاهر بالأمر، ولكنه يخشى من فيصل أن يرفض، فهو لا يحب زوجته وبناتها.
ولكن لا مانع أن يطلب منه.
طلب طاهر أن يجلس مع فيصل لأمر خاص.
فقال طاهر: "إيه رأيك يا فيصل تتجوز نغم؟"
فوقف منتفضاً قائلاً: "مستحيل."
فقال طاهر بهدوء: "مستحيل ليه؟ نغم جميلة وعارفين أخلاقها كويس."
فرد فيصل غافلاً عن التي تقف خلفه: "دي لقيطة. لو مش بيتنا لمها هي وأختها وأمها، مكنوش هيلاقوا ملجأ يلمهم."
فأقوم طاهر بصفعه.
فوقف فيصل مذهولاً من فعلة أبيه، واستدار ليغادر الغرفة.
فوجدها تقف وهي تنظر له بذهول وألم، ذهول من صفع طاهر له، وألم من ما نعتها به.
فنظر إليها فيصل بكره وقال: "أنا معنديش مانع إني أتجوز نغم، بس ليا شرط، إن الجواز هيكون على ورق بس، وأول ما تتم الواحد وعشرين هطلقها."
فردت نغم بألم: "لأ شكرًا، أنا هوافق على الجواز من ابن عمي، هو أولى بيا عن إذنكم."
فأمسك فيصل يدها قبل أن تغادر قائلاً: "أنا قولت أنا اللي هتجوزك، يبقى مش لازم تعملي فيها إنك عندك كرامة وترفضي الجواز مني. انتي لو اتجوزتي ابن عمك، أنا متأكد إنه هيطلقك قبل شهر، مش هيستحمل غبائك وهيضرك ومش هتكملي دراستك، إنما أنا لو اتجوزتك هستحمل غبائك لأنك هتبقي بعيدة تكملي دراستك، ووقتها اللي ربنا عايزه هيكون."
وقفت تنظر له بألم جم بقلبها الذي يتعذب بحب معدوم الأمل، ولكن ربما هذه فرصتها أن تجعله يحبها مثل ما تحبه، فالمحاولة أفضل من الهروب.
فقالت: "أنا موافقة."
كان طاهر يقف ينظر إليهم، يرى نظرات نغم وهي تفيض بعشق لهذا الواهم، ونظرات فيصل العاشقة المغلفة بالانتقام لكبريائه أمامها.
فتم عقد قران فيصل ونغم، الذي رفضه عمها في البداية، ولكن رضخ للأمر الواقع.
فمرت الأيام يصحبها شهور، ومرت ثلاث سنوات.
كان فيصل يعمل بمزارعه، وكانت لقاءاتهم قليلة جداً. فهو يتجنبها إلى أقصى حد، أما هي فتبحث عنه وتتمنى فقط وصاله.
بعد أن انتهت دراستها، قدمت بأحد مؤسسات الدعاية والإعلانات، ليتم قبولها للعمل بشكل مؤقت وبمرتب بسيط، لتقطن مع لميس التي بدأت معها العمل بنفس المؤسسة، وتتشاركان المعيشة معاً بالقاهرة.
لكن أتت اللحظة التي كانت تخشاها، أن يطلب الانفصال عنها، لتتفاجأ باتصاله عليها وقوله لها إنه يريد التحدث إليها.
لتُعلم أنها نهاية حلمها أن تكون زوجة حقيقية له، أصبحت قريبة.
لتوافق وتعود إلى البلدة لتلتقي به.
حين عادت إلى البيت، استقبلتها والدتها بحنان. فسألت عن فيصل، لتقول والدتها لها إنه بإحدى مزارعه. لتخبر والدتها أنها ستذهب إليه.
فابتسمت والدتها لها وتركتها لتذهب إليه، فهي تعلم أن حاولت إثنائها عن الذهاب إليه، ستذهب رغماً عنها.
ذهبت إلى المزرعة التي دلتها والدتها عليها بتلهف، لتجده يجلس بين عماله يعطيهم بعض الأوامر.
بمجرد أن رأته، انشرح قلبها، ودت حضنه وتقبيله، ولكنه لن يتقبل منها ذلك.
لا يعلم لماذا عندما رآها انشرح قلبه، ولكنه ينفر هذا الشعور، فهي ليست سوى ابنة زوجة أبيه.
وقفت أمامه تنظر له بعشق وتبتسم.
فوقف وتجه إليها وأشار لها بالسير معه.
سارت إلى جواره تقول له: "المزرعة دي جميلة قوي، وكمان ريحة الزهر فيها قوية."
فابتسم قائلاً: "دي مزرعة مانجة، وده وقت تزهيرها."
فقالت له: "أنا مش عشاق المانجا، بس الشجر وتعريشه على بعضه هنا يحسسك بالهدوء."
فرد قائلاً: "ميغركيش شكل الشجر، شجرة المانجة شجرة مؤذية، لأن لو قطعت من أوراقها بيطلع مادة بيضاء صمغية أشبه باللبن، المادة دي حارقة لو لمست الجلد بتسبب حرق."
فابتسمت وتقول له: "أنت كنت طلبت، قلت لي إنك عايزني في موضوع خير."
فرد: "تعالى نقعد ونتكلم هناك."
فأقوم بالقفز من فوق أحد الجداول الصغيرة التي تفصل مكان وقوفهم عن المكان الذي أشار عليها به.
فوقفت هي حائرة.
فنظر إليها قائلاً: "يلا تعالي."
فردت بخجل: "الجُبة اللي أنا لابساها ضيقة، ولو نطيت هتتقطع."
فرد بتهكم: "جُبة؟ تعالي هاتي إيدك ومتخافيش مش هتتقطع."
فمد يده يجذبها، ولكنها تسمرت مكانها، فجذبها بقوة.
فاختل توازنه وسقط ناما على ظهره وهي فوقه بين يديه.
للحظة نسيا العالم، بعد أن رفعت رأسها تنظر إلى عينيه، وهو الآخر ينظر إلى عينيها.
فخفض بصره إلى شفتيها التي ترتجف.
فخفضت رأسها بين عنقه بخجل ورفعتها.
فتجده يجذبها مقبلاً بلهفة.
لتفاجئ بما فعل، ليغيبا عن العالم لثوانٍ، يتمتعان بقبلتهما الأولى.
فأفاق فيصل وترك شفتيها، ولكنها مازالت فوقه وبين يديه، ليراها مغمضة العين.
فتنحنح قائلاً بألم: "أنتِ كويسة؟"
فتفتح عينيها وتنظر له بخجل وتهز رأسها بالإيجاب، فصوتها ضاع منها.
فقال فيصل: "طب ممكن تقومى من فوقي، لأن ظهري بيوجعني، واضح أنه انجرح."
فتقوم عنه سريعاً بخجل، وتقف وتقول له: "أنا آسفة، بس أنت اللي شدتني جامد."
فشعر فيصل بسيطرتها على مشاعره، لينفر هذا الشعور ويقول بحدة: "لو حضرتك كنتِ لابسة حاجة مناسبة مكنش ده حصل، وبعدين يلا تعالي أروحك وبعدين نتكلم."
لتقول له: "لأ خلينا نتكلم دلوقتي."
فنظر لها ويقول: "براحتك. الموضوع اللي كنت عايز أتكلم معاكي فيه هو موضوع انفصالنا، أظن إنك عديتي السن القانوني وعمك ميقدرش يغصبك على حاجة."
فردت بألم: "بس أنا مش عايزة انفصل عنك، أنا بحبك."
فرد فيصل بحدة: "بس أنا معنديش مشاعر تجاهك، لا حب ولا كره."
فتشعر بتقطع قلبها وتقول: "بس أنا بحبك، ولو أدتني الفرصة، أوعدك أخليك تحبني زي وأكتر."
فرد بجفاء: "بس أنا في حياتي حب لوحدة تانية."
لتصعق ويكسر قلبها وترد بخفوت: "أنت بتقول كده عشان أوافق على الانفصال مش أكتر، أنت بتكذب عليا."
فرد فيصل بتعصب: "هكذب عليكي ليه؟ أنتي عارفة من البداية إن جوازنا كدبة، وفعلاً أنا بحب واحدة تانية."
فترد بخفوت وتقول: "مين؟"
فرد فيصل: "مش لازم تعرفي هي مين، بس أنا بحبها وبفكر أتقدم لها في أقرب وقت، وقبل ما يحصل لازم ننفصل."
لتقول نغم: "تبقى كذاب، ومفيش واحدة في حياتك."
فرد بغيظ: "أيوة، فيه، وعايزة تعرفي هي مين؟ هي فجر منصور الفهدي."
لتقول بصدمة: "بنت عضو مجلس الشعب؟"
فرد قائلاً: "أيوة هي. وقدامك لبكرة تفكري علشان تعرفي وتتأكدي إنك بالنسبة لي مش أكتر من لقيطة. ويلا علشان أروحك."
لتنظر إليه بصدمة ووجع يفتك بها، ويتلجم لسانها.
لتسير خلفه مغيبة.
دخلت لتراها والدتها وتذهب خلفها.
فتبدأ تبكي بحرقة.
فتسألها ما بها.
لتقول: "فيصل طلب مني الانفصال."
فترد نجوى: "ده الطبيعي والمتوقع. أنا غلبت أقول لك إن فيصل مش حاسس، ولا عمره هيحس بيكي. أنتي اللي وهمتي قلبك بأمل كداب. فيصل بيعتبرنا دخلاء على حياته. هو، طاهر، وأختك نيرة هتتجوز الأسبوع الجاي وتسافر مع جوزها فرنسا، وأنا ممكن أجي أعيش معاكي في القاهرة ونبعد عن هنا."
لترد نغم: "وعمو طاهر؟"
فتقول نجوى: "أنتي وأختك عندي أهم من أي شيء في الحياة."
لتقول نغم: "بس عمو طاهر عمره ما أساء لنا، بالعكس. ولو أنا وفيصل انفصلنا، ده مش هيأثر على حبي له واحترامي له، وبلاش تخلي فيصل يقول علينا خاينين العشرة. أنا طول عمري بعيدة وهفضل كده، فمش هيفرق انفصالي. أنا، أنا وفيصل في حاجة، وهوافق على انفصالي منه، وأكيد ربنا هيعوضني بشيء تاني في حياتي، وهو اللي هيندم على حبي اللي ضيعه."
لتجذبها نجوى إلى حضنها وتضمها.
رواية نغم سطوة العشق والانتقام الفصل الرابع 4 - بقلم سعاد محمد سلامه
بعد أن عاد فيصل بنغم إلى البيت، خرج ثانياً ليتجول بالبلدة. جلس على أحد المقاهي ليسمع أحدهم يتحدث قائلاً: "اليوم سيتم عقد قران ابنة منصور الفهدى على أحد رجال الأعمال بشكل عائلي، وهذا هو الزواج الثاني لها بعد أن ترملت من ذاك الضابط الذي قُتل على يد أحد المجرمين".
ليشتعل غضبه وهو يلعن سوء حظه. فهو قد نوى التقدم لطلبها بعد أن ينتهي من ذاك الزواج المزيف الذي يربطه بنغم.
عاد إلى المنزل متعصباً يلعن الحظ الذي يبعدها عنه للمرة الثانية. فهو افتتن بها منذ أن رآها في لقاء عابر وهي تتجول مع والداها لدعايته الانتخابية، ليفتتن بتلك المرأة اللبقة، سريعة البديهة، القوية، الذكية، التي تستطيع السيطرة على من أمامها، ولديها كاريزما طاغية.
كانت نغم تبكي على ساق والدتها بالفراش، تملس على شعرها بحنان.
لتقول نجوى: "فيصل غبي، من يوم ما دخل وشوفنا هنا، فكر أني جايه آخد مكان والدتك وأنكم دخلاء، كل هدفكم مأوى يلمكم. وأنا خلاص أختك هتتجوز وتسافر مع جوزها البعثة، وأنا هقفل المحل اللي هنا، وهاجي أعيش معاكي في القاهرة ونأجر شقة صغيرة على قدنا".
لترفع نغم رأسها من على ساق نجوى وتنظر لها بدهشة وتقول: "ليه؟ وعمو طاهر ذنبه إيه؟ عمو طاهر بيحبك يا ماما، وإنتي ممكن تتجنبي فيصل زي ما بتعملي، وأنا هفضل في القاهرة مع لميس، وإنتي هتيجي تزوريني، أما أنا مش هاجي هنا تاني".
لتمسح يد نجوى دموع نغم وهي تبتسم وتقول: "بس أنا مش هقدر أشوف فيصل بيحب ويتجوز واحدة غيرك، وأنا عارفة أنه هو اللي في قلبك".
لتبتسم نغم قائلة: "مش يمكن يكون فيصل وهم، ولما أنفصل عنه ألاقي حب تاني يكون حقيقي وهو اللي يعوضني ويخليني أضحك وأنا بفتكر النهارده".
لتبتسم نجوى بحنان قائلة بأمل: "يمكن، ووقتها هفكرك وأقولك أنك كنتي هبلة وإنتي بتبكي على واحد غبي".
لتبتسم نغم بوجع وتقول: "الآن، نيرة فين؟ من وقت ما جيت ما شوفتهاش".
لترد نجوى ببسمة: "عند عمك، هتفضل هناك لحد يوم الزفاف. هو اشترط أنها تطلع من بيته لبيت عريسها، ونيرة وافقت على كده عشان يساهم في جهازها وكمان ما يتلككش لها على حاجة، وكمان إنتي عارفة أنها مش بترتاح مع فيصل من زمان وطول الوقت بتتجنبه".
لتقول نغم بألم: "أنا من بكرة هروح لها وأقعد معاها هناك لحد يوم الزفاف، وبعدها هنزل القاهرة وأفضل هناك".
"وقبل ما أسافر هتفق مع فيصل يأجل إعلان انفصالنا لبعد زفاف نيرة لفترة عشان عمي ما يقولش أني كنت عاملاها خدعة لحد ما تم السن القانوني ونيرة تتجوز".
لتبتسم نجوى بحنان وتضمها إليها وتقول: "اعملي اللي يريحك، وأنا هكون معاكي دايماً".
في المساء.
كان فيصل ينام على فراشه عاري الصدر بغرفته متعصباً، ليشعر بألم من ظهره. دخل إلى حمام غرفته ليبحث عن دهان للجروح ليقوم بدهنه على ظهره ليسكن الألم.
ليجد أحد المراهم ولكنه يفشل في دهن ظهره. ليفكر في نداء والده لدهنه له. ليفتح باب غرفته فجأة، ليلقاها بوجه تقف يبدو عليها الحزن وعيناها وأنفها أحمران.
نظرت إليه بخضة تتعلثم في الحديث وتقول: "أنا كنت لسه هخبط على الباب".
ليقف بعصبية قائلاً: "جاية عايزة إيه؟"
لترد بخجل، فهو يقف أمامها عاري الصدر: "أنا كنت جايه أقولك... أقولك..."
ليرد بزهق: "إيه؟ نسيتي؟ كنتي جاية ليه؟ عموماً مش مهم، كويس إنك جيتي، خدي المرهم دا ادهنيه لي ظهري".
لتأخذه منه وتدخل خلفه وتغلق خلفها الباب بهدوء. لينظر خلفه ويبتسم بسخرية.
وضعت قليل من المرهم على يدها ووقفت خلفه لتقوم بوضع المرهم على جروحه الظاهرة أمامها بظهره بسبب وقوعها عليه بالمزرعة على بعض الحصوات التي تركت جروح بظهره.
شعر فيصل بملمس يدها الباردة المرتعشة على جسده، لتسير بجسده قشعريرة.
ليستدير لها، يجدها تغمض عيناها. ليقترب منها مقبلاً فجأة ويزيد في قبلاته تلهفاً وعنفواناً، وهي لا تستطيع إلا الانجراف معه. ليجذبها إليه ويقوم بنزع ملابسها عنها ويضعها بالفراش، وهي مستسلمة لعشقها له. ليمتلك جسدها بعنف قليل، ينفث به عن غضبه أكثر من مرة، غير مراعٍ لها. لينهض عنها ويدخل سريعا إلى الحمام، يقف أسفل المياه لائماً نفسه على ما فعل.
ليخرج بعد قليل، يجدها مازالت بالفراش نائمة، لا يسترها سوى غطاء السرير.
ليقترب منها، يجد وجهها متعرقاً وشاحباً ومغمضة العينين.
ليشعر بألم كبير بقلبه، ليميل عليها ويقول: "نغم".
لكنها ترد بهمهمة غير مسموعة.
ليبدأ في هزها ويرفع الغطاء ليجد بركة من الدماء أسفلها.
للحظة شعر بهبوط قاتل بقلبه وهو يراها بهذا المنظر المفجع له. فبأسوأ أحلامه لا يتخيل ما فعل بها. تألم كثيراً.
ليفكر في إنقاذها سريعاً.
ليخرج سريعاً ويذهب إلى غرفة والداه.
ليخبط على الباب قوياً.
ليفتح والداه ويروه بتلك الحالة الخائفة المرتعبة.
ليقول فيصل سريعاً: "بابا، خلي طنط نجوى تيجي تشوف نغم بسرعة في أوضتي".
سمعته نجوى لتخرج وهي تضع مئزراً عليها وتقول بلهفة: "مالها نغم؟ وإيه اللي جابها أوضتك؟" وتخرج سريعاً وتذهب إلى غرفته سريعاً.
لتدخل وترى نغم نائمة بفراشه غير مستترة وتنزف. لينخلع قلبها وهي ترى ابنتها بهذا المنظر المدمي.
دخل خلفها فيصل، وبقي طاهر بالخارج.
أقتربت نجوى منها تحدثها بأمومة خائفة، تشعر بأنسحاب روحها من جسدها.
لتسحب الغطاء عليها تسترها به وتحاول حملها وهي تحدثها ألا تتركها.
اقترب فيصل يحملها.
ولكنها نهرته قائلة: "ابعد عنها، أوعى تلمسها، أنا هحاسبك على اللي عملته فيها، بس اطمن عليها الأول".
وقف طاهر أمام الباب يقول: "خد يا فيصل الهدوم دي، اديها لنجوى تلبسها لنغم فوراً".
أخذ فيصل منه الملابس لتلبسها لها نجوى سريعاً.
ليدخل طاهر يحملها ويذهبوا بها إلى المستشفى سريعاً.
دخلت فوراً إلى غرفة العمليات ليتم إنقاذها.
وقف كل من فيصل وطاهر، وأيضاً نجوى التي تدعو أن لا تتركها فلذة كبدها.
ظلوا هكذا قليلاً إلى أن خرجت الطبيبة تقول: "من قرايب المريضة؟"
لتقول نجوى: "أنا مامتها".
لترد الطبيبة: "هي المريضة متزوجة جديد؟"
لتنظر نجوى إلى فيصل بحقد وغل كبير وتقول: "أيوه، ليه؟"
لترد الطبيبة: "هي عندها نزيف، واضح أنه بسبب عنف في التعامل معها، وإحنا محتاجين نقل دم لها والمستشفى صغيرة والدم هنا مش متوفر، فممكن تشتروه من أي بنك دم قريب من هنا بسرعة".
ليقول طاهر: "هي فصيلتها إيه؟"
لترد الطبيبة بنوع الفصيلة.
ليقول طاهر: "دي نفس فصيلتي، ممكن تسحبوا مني".
لتنظر إليه الطبيبة بتمعن.
وتقول: "حضرتك بتشتكي من أي أمراض؟"
ليرد طاهر بنفي: "لأ، أنا الحمد لله صحتي كويسة".
لتقول الطبيبة: "تمام، اتفضل معايا عشان تتعقم ونسحب منك الدم".
ذهب طاهر مع الطبيبة للتبرع بالدم.
وظل فيصل يقف قريب من نجوى، التي يرتجف قلبها، لتشعر بدوار وكادت أن تسقط، إلى أن فيصل قام بإسنادها، لتدفعه بعيداً عنها.
وتقول: "ابعد عني".
"نغم أول ما تفوق أنا هاخدها وأبعدها عنك، إنت متستاهلهاش. هي كانت هتبعد عنك وتريحك منها".
"ليه أذيتها؟"
وقف مصدوماً مما سمع. هو ظن أنها أتت لتتحايل عليه لتظل معه، ولكنها أتت بوقت خطأ.
لما يشعر بالألم؟ لما يريدها أن تخرج من تلك الغرفة اللعينة وتفيق وتنظر له وتبتسم؟
لما كل هذا الألم بقلبه الآن؟
ظلوا واقفين لوقت غير معلوم لتخرج نغم من تلك الغرفة.
نظر إليها فيصل وهو يتعذب بذنب لن يستطيع أن يغفره أبداً لنفسه، لا عن نفسه.
ظلت بعدها بالمستشفى يومان إلى أن أصبحت حالتها مطمئنة وخرجت لتذهب إلى بيت عمها، الذي لا يعرف ما حدث لها، فقد أخفوا الأمر عن الجميع.
ذهبت بحجة أنها ستظل برفقة أختها إلى الزفاف، ولكن في الحقيقة هي من أرادت البعد عنه وعن أي مكان موجود هو به.
لتمر أيام ويأتي يوم زفاف شقيقتها.
دخل فيصل إلى القاعة المقام بها الزفاف، عيناه تبحث عنها ليراها.
كانت تجلس على أحد الطاولات، وجوارها أحد أبناء عمها الذكور، هو ذاته من أراد عمها تزويجها له سابقاً.
وقف ينظر بغيرة وهو يراها ترسم على شفتاها ابتسامة مصطنعة.
ليقترب ويذهب ويجلس جوارهما مبتسماً.
ليقول ابن عمها: "نورت الفرح يا فيصل، عقبال فرحك إنت ونغم قريب، ولا مش ناويين تعملوا فرح؟"
لترد نغم سريعاً: "لأ، مش ناويين، لأننا هننفصل". وتقف وتذهب إلى جوار شقيقتها بالكوشة.
لينظر هو في خطاها بتألم.
ليقول فيصل بنفي: "طبعاً نغم بتهزر، إحنا هنعمل زفافنا قريب".
ليبتسم ابن عمها ويقول: "بس واضح أن نغم بتتكلم جد، أنا سمعتها وهي بتكلم نيرة أنها بتفكر تسافر خارج مصر عشان بينكم خلاف وبتفكر تنفصل عنك".
لينصدم فيصل ويقول: "إحنا بنا خلاف وأنا هحله، عايزك تطمن، أنا ونغم مش هننفصل".
وقفت نغم جوار أختها لتأتي إليها نجوى مبتسمة وتنظر إليها وتضمها بحنان وتقبل إحدى وجنتيها.
ليأتي طاهر إليهم مهنئاً ومتمنياً لنيرة السعادة.
نيرة التي كانت فرحتها منقوصة بسبب علمها من شقيقتها أنها ستنفصل عن حبيبها، ولكن في رأيها هذا أفضل، ففيصل لم يعاملها يوماً إلا دخيلة بحياته لا أكثر.
وفرحت أن أختها لن تحطم حياتها مع هذا الغبي.
اقترب فيصل ووقف أمامها يمد يده بالسلام إلى زوج نيرة مهنئاً، وعيناه عليها.
ليذهب ليقف جوارها مبتسماً، ليضع يده على كتفها، لتبتعد عنه بخوف ويرتعش جسدها.
لاحظ كل من طاهر ونجوى ذلك.
نجوى التي تتمنى سحقه، ولكن من هدأها هي نغم، التي قالت لوالدتها أنها هي المخطئة، هي من ذهبت إلى غرفته، هو لم يجبرها وما حدث كان اندفاع بالمشاعر.
لينتهي الحفل.
بعدها أيام طلب طاهر من فيصل الجلوس معاً، ومعهم نجوى، لتحدث بهدوء.
جلسوا ثلاثتهم.
لتتحدث نجوى بضيف من فيصل قائلة: "نغم عايزك تطلقها".
أنصعق فيصل، وافقاً: "أنا مش لعبة بين أيديكم، أتجوز نغم، أتجوزها، طلق نغم، أطلقها، أنا مش هطلق نغم".
ليتركهم ويذهب قبل أن يتحدث أحد ثانياً.
خرج يتجول بين الطرقات يحدث نفسه: هل فقد حبها له؟ أم أن هذا رداً لكرمتها؟ ليقرر الذهاب إليها بتلك الشقة التي تقطن بها في القاهرة هي وصديقتها وابنة خالته لميس.
باليوم التالي.
دخلت نغم إلى الشقة لتجد صوتاً يأتي من غرفة المعيشة، لتدخل إليها لترى من بها مع لميس.
لتجد فيصل الذي يجلس معها يتجاذبان الحديث بود.
بمجرد أن رأها، وقف مبتسماً.
أما هي فتيبس جسدها مكانها.
لتقف لميس وتقول: "فيصل جاي من الإسماعيلية عايزك، وأنا قولت له يستناكي، هسيبكم مع بعض".
لتقول نغم سريعاً: "لأ، متسيبناش، إحنا مفيش بينا حاجة، هي ورقة تتبدل بورقة تانية ونبقى منعرفش بعض".
"ورقة جواز تتبدل بورقة طلاق، على الأقل هترتاحي من اللقيطة اللي بيتكم كان لها ملجأ".
وقف ينظر إليها متألماً.
ليقول: "سيبنا مع بعض يا لميس".
لتمسك نغم لميس وتقول: "لأ يا لميس، متسبنيش".
وترتعش يدها الممسكة بلميس.
لتقول لميس بتطمين: "أنا هنا، متخافيش، هروح أجيب حاجة نشربها وأرجع فوراً".
لتقول نغم: "هاجي معاكي".
لتبتسم لميس وتقول بمزح: "ليه هتوهي عن المطبخ؟ متخافيش، أنا معايا خريطة توضيحية لكل مكان بالشقة". لتربت على يدها بتطمين وهي تخرج.
وتتركهم وحدهم.
جلست بمقعد قريب من باب الغرفة، تنظر إليه بترقب وخوف.
كان يجلس ينظر إلى عيناها التي كانت تلمع بالعشق له. الآن بها حزن وألم وخوف منه، ألهذه الحالة وصل الأمر بينهم.
ليتنحنح قائلاً بهدوء: "أنا بعتذر منك على اللي حصل مني قبل كده".
لتضحك بسخرية وتقول: "بإيه بتعتذر؟ على إيه بالظبط؟ وضح أكتر، على أي إهانة فيهم؟ ولا حبيبة قلبك اتجوزت وقلت أفضل مع اللقيطة اللي اتفرض عليا أتجوزها؟"
ليشعر بتقطع نياط قلبه وهي تعيد عليه نفس الكلمة للمرة الثانية.
"أنا قولت لماما تقلك أننا نطلق بهدوء وترتاح مني، لأني مش ناوية أرجع الإسماعيلية تاني، لأني هسافر فرنسا عند نيرة ومعرفش هرجع ولا لأ، وبصراحة أنا بفكر مرجعش، أنا ما ليش حد هنا غير ماما، يعني لو رجعت في يوم هيبقى عشانها بس".
أنصعق من كلمتها أنها ستترك البلد وتبتعد عن هنا.
ليقول بضيق: "ومين اللي هيسمح لك إنك تسافري؟"
لترد عليه: "ومين؟ ولا إيه اللي يمنعني إني أسافر؟"
"مفيش حاجة تقدر تمنعني غير ماما، وهي موافقة".
ليرد فيصل: "أنا أقدر أمنعك، أنا جوزك وأقدر أمنعك من السفر".
لترد نغم بحدة: "ابقى اعملها، ووقتها أوعدك إني أنتحر وأرتاح من الدنيا دي كلها بقرفها، وأول واحد هرتاح منه هو إنت".
ليقف ينظر لها بذهول متعجباً.
ليتركها ويرحل بصمت.
بعد عدة أسابيع علم أنها سافرت فرنسا تعمل بفرع أحد شركات الدعاية والإعلان هناك.
لتطلب نجوى من فيصل تطليق نغم مرة أخرى.
ليوافق ويطلقها طلاق رجعي، لراحتهما من كثرة طلب الطلاق فقط.
ليمر وقت.
دخل البيت الذي أصبح يمقته، فهو يذكره بما فعل بها.
ليتسمع صدفة.
نجوى وهي تتحدث مع نغم على الهاتف، وهي تعطي لها بعض النصائح الخاصة بالحوامل وتوصيها بتغذية نفسها وتناول أدويتها بالمظبوط.
ليفرح كثيراً ويعلم أن تلك المرأة هي من أحب وعشق، لا تلك التي افتتن بها.
تلك التي ترك بداخلها نطفته بعلاقة أشبه بالاغتصاب. لو كانت أخرى لأختارت نفسها وأجهضت هذا الجنين الذي ينمو بأحشائها بعد ما حدث لها، ولكنها تعطيه الحياة.
ليقرر إعادتها إلى عصمته دون أن يخبر أحد.
كان كثيراً يسافر إلى فرنسا ليراها خلسة ويطمئن عليها من بعيد، إلى أن وضعت رأي طفله بأحد حاضنات الأطفال بالمستشفى التي وضعت به.
كان يشبهه كثيراً.
كان دائم السفر ليراها ويرى طفله الذي يكبر بعيداً عنه، ويشتاق لهما الاثنين. يتمنى أن يجتمع بهما ويضمهما إلى حضنه، يتنعم برائحتهما الذكية. لكن دائماً هناك شيئاً يمنعه، وهو الخوف أن يقترب منها وتبعده بجفاء هي، أو تخبره أنها أصبحت تكرهه.
عاد من تذكره، يشعر بنيران تلتهم قلبه، لكنه عزم أمره أن يسترجع حبها له، وسيقاوم غضبها ويحتوي ألمها له.
سيذيقه سطوة عشقه لها.
رواية نغم سطوة العشق والانتقام الفصل الخامس 5 - بقلم سعاد محمد سلامه
سمعت نغم هاتفها يرن، لتخرجه من الشنطة.
لترى من المتصل، لتجدها والدتها، لترد عليها سريعاً.
بعد السلام، قالت نجوى: "أنتي فين دلوقتى يا نغم؟"
لترد نغم: "أنا وصلت القاهرة وهروح السفارة أطلع منها شهادة ميلاد مصرية لميجو وكمان هثبته في السجلات هنا."
لتقول نجوى: "أخدتي ميجو معاكي ليه؟ مش قولتي هتسيبه عند عم حافظ وأنا هروح أرعاه هناك لحد ما ترجعي؟ أنا روحت لميس قالت أنك رجعتي الفجر وأخدتيه معاكي ليه يتبهدل معاكي؟"
لترد نغم: "كدا أفضل."
لتقول نجوى بسؤال: "فيصل هددك بأيه وخلاكي رجعتي أخدتي مجدي معاكي؟"
لترد نغم بأرتباك: "مقالش حاجة. أنا بس أخدته معايا وهنتفسح سوا بعد ما أخلص أموري."
لتقول نجوى: "فيصل قالك أنك لسه مراته وأنه عارف بأبنه، وأنتي خوفتي على مجدي منه ليأخده منك؟"
"بس أنا بقى مش هسمح أنه يأذيكي مرة تانية أو يوجع قلبك. كفاية كده."
"هو قال أن الطلاق كان راجعي وهو ردك قبل ما تنتهي عدتك، فبالتالي أنت لسه مراته. بس أما ترجعي نبقى نروح لشيخ ونسأله إذا كان كدا جوازكم مستمر وحلال ولا لأ ونشوف حل مناسب."
"وأنا من دلوقتي بقولك مش هسمح للماضي يتكرر، ولو كان فيها أنفصالي عن طاهر. وأنا قولت له كدا قدام طاهر ومش هسمح لأعتراض منك."
"خليه يرجع لحبيبته فجر الفهدى اللي كانت هنا امبارح بتزوره أهي. هي اللي جات لحد عنده، خليه يشبع بها. أنا أول ما شفتها خارجة من مكتبه هنا في البيت عرفتها. وكمان شكلها وقحة ومتسلقة، وهي دي اللي يستحقها."
شعرت نغم بألم وحرقة بقلبها.
لتقول بكذب: "أنا مش بفكر في فيصل دلوقتي، أنا كل حياتي هي ابني وأنا هأسس حياتي أنا وهو وبس."
لترد نجوى: "وأنا هكون معاكم ومش عايزة اعتراض."
***
أغلقت نجوى الهاتف مع نغم، لتستدير وتجد طاهر خلفها ينظر لها ويقول بعتب: "مكنتش أعرف أن عشرتنا مع بعض السنين اللي فاتت ملهاش أهمية في حياتك، وأنك ممكن تبعدي عني بالسهولة دي."
لتنظر له بألم وتتحدث قائلة: "أنا أم شافت بنتها عريانة بتنزف، وكنت السبب أنها تتعلق بفيصل وتحبه ومتفكرش أنه ممكن الحب ده يتسبب بموتها."
"لو مش جوازي منك، نغم عمرها ما كانت هتحب فيصل، وفيصل ينفر من حبها علشان أنها بنت الست اللي جاية تأخد مكان والدته."
نظر إليها طاهر قائلاً: "كل شيء قدر ومكتوب، وأنا متأكد أن فيصل ندم ندم عمره على اللي عمله، وكفاية عذاب ضميره."
لترد نجوى ضاحكة بسخرية: "فيصل ندم؟ ما أظنش. فيصل كل همه ابنه مش بنتي، بدليل الست فجر الفهدى اللي كانت عنده هنا امبارح. يمكن جابها هنا مخصوص علشان يمهد أنها هتبقى سيدة البيت الجديدة."
نظر طاهر إلى نجوى بأستغراب قائلاً: "مش فاهم قصدك إيه بسيدة البيت الجديدة؟"
لترد نجوى: "قصدي أن فجر الفهدى هي فتاة أحلام ابنك فيصل، وهو بنفسه قال لنغم كدا يوم الليلة السودة اللي أنتهك فيها جسم نغم. وهي قالت لي أنها هتوافق على الانفصال عنه طالما هو في قلبه غيرها، مش هتحارب في معركة هتكون هي الخسرانة فيها. أحنا ملناش سلطة على قلوبنا."
تنهد طاهر قائلاً: "أنا مش بدافع عن فيصل، بس فيصل ندمان وأنا متأكد أن مفيش في قلبه غير نغم، ويمكن بيحبها من أول ما شافها، بس كان بيعاند وعلى قلبه غشاوة. وأما نغم بعدت عنه الغشاوة زالت وقلبه تمرد عليه."
***
رآها تجلس بحديقة الفيلا تلعب حولها تلك الصغيرة ذات العامين ونصف.
ليقترب منها ويجلس بجوارها ويملس على شعرها بحنان مبتسماً يقول: "تعرفي أن بنتك نسخة من جدتها تحية، حتى ضحكتها شبهها."
لتبتسم وتقول: "تيتا تحية كانت طيبة وقلبها كبير، وكانت دايماً تقولي أني شبه مامتي وفيا من سذاجتها."
ليضحك الجد قائلاً: "الطيبة مش سذاجة."
"الساذج هو اللي يعرف الخبيث ويبرر له خبثه ومقتنع بيه."
"إنما الطيبة أنك تكون بتعامل الناس بنيتك الطيبة على سجيتك بالفطرة."
أبتسمت لميس تقول: "نغم سافرت القاهرة تتفق لنا مع صاحب شركة دعاية وإعلانات. ولو عجبها الاتفاق هسافر معاها وهنسكن سوا زي ما كنا."
ليرد الجد مبتسماً: "مش يمكن مكانكم هنا؟"
لترد لميس: "أنا ونغم طول عمرنا كنا بعاد عن اللي بنحبهم ومكاننا بيكون بعيد عنهم."
نظر لها الجد بتألم قائلاً: "يمكن جه الوقت أنكم تكونوا قراب للي بيحبوكم أكتر ما أنتم بتحبوهم."
"أنا زمان غلطت في حق بناتي التلاتة. واحدة جوزتها لابن أخويا اللي عمره ما حبها وكان بيحب أختها."
"وأختها حبت واحد كان موظف بشركة تابعة للجيش على قد حاله، لما عارضتها هربت وراحت له من ورايا. بس هو رفضها وخلاني أوافق غصب عني قصاد شهامته معاها."
"والتالتة كانت وردة مفتحة أتقطفت أول ما فتحت. ماتت بحادث سير هي وباباكي وأختك وانتي اللي نجيتي من وسطهم."
"كل واحدة من بناتي سابت جزء منها يذكرني بيها. كنتوا عوض عنهم ليا. أنا وجدكم عمرى ما كرهت حد منكم، بالعكس أنا بتمنى تحصلوا على السعادة اللي تستحقوها."
***
دخلت نغم إلى مكتب مدير تلك المؤسسة الإعلامية.
ليستقبلها بترحاب مبتسماً يقول: "أخيراً نغم الفارسي دخلت مؤسستي الإعلامية."
لتبتسم بمرح وتقول: "وجدي كامل، إيه اللي جابك هنا؟"
أبتسم قائلاً: "جاي ألقط عيشي وأشتغل مدير لمؤسسة الزهيري الإعلامية، اللي هي في الأصل بتاعة كامل الزهيري، والدي."
لتقول بتفاجؤ: "يعني المؤسسة دي أنت مالكها دلوقتي بعد وفاة والدك؟ يبقى واضح أننا مش هنتفق مع بعض. أنا وأنت كنا في الجامعة خلف خلاف."
ليرد وجدي: "مين اللي قال كدا؟ أنا كنت معجب بأفكارك العصرية والحديثة للإعلان. ومتنسيش أنك أنتي ولميس كنتوا بتدربوا هنا في الشركة أيام الجامعة، وكنتوا مفكرين أني زيكم متدرب. الأ لميس فين؟ أنتوا عمركم ما افترقتوا."
لترد نغم: "أنا ولميس كنا بنشتغل في فرع شركة دعاية بفرنسا. وفي ظروف أضطرتنا ننزل مصر ومجددناش عقودنا معاهم وهنفضل مدة. فقولنا ندور على مؤسسة جديدة وجالنا عرض من عندكم."
ليرد وجدي: "أنا يشرفني أنكم تنضموا لمؤسستي الإعلامية بالشروط والأجر اللي تطلبوه." ويكمل بمزح: "بس طبعاً لازم تراعي الزمالة."
لتضحك وتقول: "لأ في الأجر مفيش زمالة، فيه تقدير لمجهوداتنا."
ليبتسم قائلاً: "وأنا هقدر مجهوداتكم. أمال لميس مجتش معاكي ليه؟"
لترد نغم: "لميس فوضتني أتفاوض معاكم بناءً على طلبها."
ليقول: "وأخبارك إيه؟ الجميل اللي معاكي دا ابنك؟"
لترد نغم: "أيوا ابني."
ليبتسم ويمد يده للصغير قائلاً: "أنا عمو وجدي زميل ماما في الجامعة."
ليرد الصغير: "وأنا ميجو."
ليبتسم وجدي ويقول: "تشرفت بمعرفتك يا سيد ميجو."
ليرفع رأسه ويقول: "ولميس أخبارها إيه؟"
لترد نغم: "كويسة جداً."
لتدخل سكرتيرة وجدي تخبره أن أحد العملاء المهمين يقف بالخارج.
ليأمرها بأدخاله فوراً.
لتقف نغم وتقول: "تمام، طالما أنتي بينت تعاون في التفاوض، أنا هعرض الأمر على لميس وهنرد عليك فوراً."
ليبتسم قائلاً: "أنا تحت أمركم، يشرفني أننا نكون مع بعض في المؤسسة الإعلامية."
قبل أن تغادر، دخل ذلك العميل التي تفاجئت بوجوده.
***
دخل طاهر على فيصل مكتبه بالبيت وأغلق الباب خلفه بقوة قائلاً: "فجر منصور الفهدى كانت هنا بتعمل إيه امبارح؟"
ليبتسم فيصل قائلاً: "واضح أن مجيء فجر هنا امبارح له صدى واسع قوي."
ليرد طاهر: "فيصل بلاش مراوغة وقولي ليه كانت هنا امبارح؟ أنت نويت تتجوزها صحيح زي ما نجوى بتقول؟"
ليرد بأرتباك: "ومين اللي قال لنجوى أني هتجوزها؟"
ليرد طاهر: "مش أنت اللي كنت قلت لنغم أنك بتحبها وهتتجوزها زمان؟"
ليرد بندم: "دا كان زمان، بس أنا دلوقتي متجوز وعندي ولد ومش بفكر أبقى جوز الاتنين."
ليبتسم طاهر ويقول: "أمال كانت هنا ليه؟"
ليرد فيصل: "كانت جايه تعرض عليا نتعاون سوا."
ليقول طاهر بأستعلام: "تتعاونوا في إيه؟"
ليرد فيصل مبتسماً: "هي وصلها أني هرشح نفسي لأنتخابات مجلس الشعب وجاية تعرض عليا التعاون مع بعضنا."
ليرد طاهر بأستغراب: "وأنت ناوي تترشح بصحيح؟"
ليرد فيصل بمراوغة: "إيه رأيك أنفع؟"
ليبتسم طاهر.
ليرد فيصل: "أنا قررت أنك أنت اللي هتترشح. أنا اللي خليت عم محمود ينشر الإشاعة في البلد علشان أشوف رد الناس الغلابة والصفوة على الخبر."
"لكن اللي هيترشح أنت مش أنا."
"لسببين:"
"الأول أني لسه ما وصلتش سن الترشح اللي هو الأربعين سنة."
"وثانياً أنت طلعت معاش وفضيت، أنما أنا مش فاضي وكمان عندي الأهم من المجلس."
ليرد طاهر: "وأيه هو الأهم؟ وبعدين مين قالك أني موافق أترشح أساساً؟"
ليصمت فيصل لدقيقة ويحدث نفسه: "الأهم نغم وابني. أنا ناوي أستمتع معاهم بحياتي وأعوضهم غيابي، بالذات نغم. لازم زي ما داقة من قسوتي تدوق من عشقي."
ليرد فيصل بتصميم: "هتترشح وتنجح كمان."
***
في المساء عادت نغم إلى سرايا حافظ غمري.
بعد قليل وجدت نجوى تدخل عليها إلى الغرفة وتقول بلهفة: "نغم، إيه آخرك كدا؟ أنتي قولتي على المغرب هتكوني هنا وبقينا بعد العشا."
لترد نغم بتطمين: "أبداً يا ماما، أنا وميجو أتفسحنا في القاهرة ودخلنا حديقة الحيوان هناك. وميجو كان مبسوط من الحيوانات ومش عايز يسيبها."
لتنظر نجوى بحنان للصغير وتقول: "واضح أنه مش واخد من أبوه الشكل، بس أبوه بيحب الخيل والكلاب."
لتتغير ملامح نغم.
وتقول: "فيصل كان عارف أني خلفت منه. أنا لما روحت أثبت مجدي في السجلات لقيته مثبت بعد ولادته بمدة قصيرة جداً."
لترد نجوى بدهشة: "يعني هو اللي ثبت مجدي في السجلات؟ هنا؟ هو قال أنه عارف عنك كل حاجة من يوم ما سافرتي وأنا قولت أنه كذاب. بس دا يثبت صحة كلامك. بس حتى لو كان صادق، أنا مش عايز اكي تضعفي وتحني له تاني. كفاية اللي عمله زمان. أنا أما بفتكر منظرك ليلتها ببقى عايزة أقتله. ولو مش أنتي هديتني وقتها، أنا كنت انفصلت عن طاهر واتهمت فيصل بأغتصابك."
لتضحك نغم بسخرية: "ودا إزاي بقى؟ واحنا كان مكتوب كتابنا، يعني ببساطة هيقول أننا متجوزين."
"وفيصل خلاص أنا شلته من دماغي ومبقتش بفكر فيه. أنا اللي بفكر فيه مستقبلي أنا وابني وهأسس لنا حياة خاصة بينا بعيدة عن هنا. أنا موجودة هنا دلوقتي بس علشان أثبت براءة بابا من التهمة الحقيرة اللي أتقتل بسببها. وبعدها همشي فوراً."
لتبتسم نجوى وتقول: "ربنا يوفقك وأنا هتلاقيني في ضهرك دايماً."
لتدخل عليهم لميس دون طرق الباب وتقول بمزح: "إيه قطعتوا عليكم التخطيط للجريمة؟ قولوا لي هتقتلوا مين وأنا أشارك معاكم. أنا كان نفسي أكون سفاحة بس مأخدتش فرصتي."
"المفروض يدوا الفرصة للوجوه الجديدة كدا السفاحين هينقرضوا."
ليضحك كل من نجوى ونغم.
وتقول نجوى بمزح: "تعالي يا خايبة أنتي كمان. قال سفاحة قال! أنتي لو دبحتي فرخة هتنامي جنبها مغمى عليكي."
لتضحك لميس وتقول: "هو أنا مفضوحة قوي كده أني خايبة؟ بس ميغركيش يا نوجا، أنا بس محتاجة تشجيع وهتلاقيني على صفحات التواصل الاجتماعي نمرة واحد إجرام."
ليضحك ثلاثتهن.
لتقول لميس: "إيه يا نوجا، أخدتي من ناني تقرير كل يوم ولا لسه؟"
لتضحك ناني وتقول: "أخدت الموجز ولسه الأخبار بالتفصيل."
لتنظر إليهم نجوى بحنق وتقوم بضربهن على أيديهن بخفة وتقول: "إيه هتستلموني بقى ولا إيه؟"
لتقترب لميس من نجوى وترمي بنفسها في حضنها وتقول: "أنتي حبيبتي يا نوجا. أنا بحبك أكتر ما بحب البت المجنونة ناني. أنا بكره دي عشرة أسوأ أيام عمري. كفاية كانت عاملة لي إزعاج وحظي الهباب أنها تكون معايا في نفس الأوضة بالمدرسة. تقوليش كانت جاية وصاية."
لتشرد نجوى للحظة وهي تهمس لنفسها: "فعلاً كان وصاية انتوا الاتنين تكونوا مع بعض."
لتعود على ضحكهن وتقول: "انتوا الاتنين مجانين زي بعض وأنا كبرت على نقاركم. أنا أطمنت على نغم وهمشي بقى."
لتقول لميس: "جدو حافظ عامل حفلة يوم الخميس اللي بعد بكرة بمناسبة احتفاله بمرور خمسين سنة على افتتاح مصانع غمري."
لتقول نجوى: "أه وصلنا الدعوة وأكيد هنحضر أنا وطاهر."
لتقول لميس: "الله، عمو طاهر كمان هيحضر. ضمنت أطلع من الحفلة بعريس. أنا هخطفه منك."
لتضحك نجوى وتقول: "متقدريش. طاهر مبيشوفش في الكون ستات غيري."
لتضحك لميس وتقول: "أيوه يا واد يا واثق من نفسك. إحنا جنبك إيه علشان يشوفنا؟"
"دا اللي يشوفنا يقول علينا غفر، أنما أنتي موزة. اللي يشوفك يقول عليكي أختنا الصغيرة."
لتوقف نجوى وتضحك قائلة: "بكاشة بس بحبك." وتميل تقبل وجنتها وتقبل وجنة نغم هي الأخرى وتقول: "يلا هسيبكم بس خلو بالكم من بعض وبلاش شغل ناقر ونقير بينكم. كبرتوا وبقيتوا أمهات، اعقلوا بقى."
ليضحكا معاً.
لتتركهم وتغادر.
ليظلوا معاً.
لتقول نغم: "أنا اتفقت مع صاحب مؤسسة الإعلان. تتوقعي طلع مين؟"
لتقول لميس بسؤال: "مين؟"
لترد نغم: "وجدي كامل."
لتقول لميس بتفاجؤ: "قصدك القط الأسود اللي عينه كانت منك وكان بيضايقك إحنا في الجامعة؟"
لتضحك نغم وتقول: "هو بنفسه. طلع ابن صاحب مؤسسة الزهيري للإعلان. وكان مخبي نفسه. لأ وكمان تعرفي قابلت مين عنده كمان؟"
لتقول لميس بأستخبار: "مين؟"
لترد نغم: "قابلت عنده عصام ابن خالتك."
لتقول لميس بأستغراب: "وكان بيعمل إيه هناك؟"
لترد نغم: "ما هو مؤسسة الزهيري هي اللي ماسكة حملات الدعاية الخاصة بشركات غمري."
"حتى عرفني، مع أنه مشفنيش غير مرات معدودة. وسألني إذا كان الولد دا ابني. وقولت له أه. وخوفت يشبه عليه ويعرف أنه ابن فيصل."
لتبتسم لميس بألم.
***
مر يومان، بحفل تأسيس الشركة.
كان الجميع حاضر الحفل.
كان حفلاً ضخماً يليق بشركات غمري الخاصة بإنتاج المنتجات الخاصة بالألبان ومشتقاتها كالسمن والقشطة والزبد.
كانت نغم ولميس يقفان مع وجدي الزهيري يمزحون معاً ويتذكرون أيام الدراسة وسخريتهم من بعض.
كان هناك من ينظر إلى لميس بغيره وهو يراه تبتسم وتمرح مع غيره بتلك الطريقة الودودة.
وأيضا فيصل، الذي تتأكله الغيرة وهو يراها لأول مرة بتلك الطريقة وهي تتحدث بلباقة وحيوية مع من بالحفل وتتجنبه عن قصد منها.
وأيضا كانت موجودة ليلى، التي تقف بجوار زوجها وتتأكلها الغيرة من جدها وهي تراه يعامل نغم بحميمية كأنها هي الأخرى حفيدته.
وأيضا تلك الحية الرقطاء أقبال، التي تكره حافظ غمري كثيراً، ويقف إلى جوارها حكيم يبتسم.
وأيضا نجوى وطاهر، اللذان يقفان منسجمان معاً.
لندهب إليهم لميس وتترك نغم برفقة وجدي الزهيري.
لتقف جوارهم وتقول بمرح: "إزيكم يا تيتو يا حبيبي، وحشتني كتير."
ليضحك طاهر قائلاً: "احترمي أني جنبي مراتي."
لتقول لميس: "دا أنا جايه مخصوص علشان أثير غيرتها، يمكن تسيبك وأفوز أنا بيك."
لتضحك نجوى وتقول: "دا بعدك، شوفي غيره."
لتنظر لميس إلى طاهر وتقول: "واثقة قوي نوجا من نفسها، لها حق يا تيتو."
ليضم طاهر خصر نجوى مبتسماً.
كانت عين فيصل تراقب نغم وتقتله الغيرة وهو يراها تقف مع وجدي الزهيري يضحكان معاً، ليقرر الذهاب إليهم. لكن أتت ووقفت جواره مرحبة فجر الفهدى.
لتبتسم وتقول: "أنا متوقعتش أنك تحضر الحفلة النهارده. معلوماتي أنك على خلاف مع عيلة غمري."
ليبتسم بدبلوماسية قائلاً: "متنسيش أن والدتي تبقى بنت حافظ غمري، وأكيد لازم أكون حاضر." وقفت تتحدث معه بأمور عدة وهو يرد بأقتضاب عليها، يود تركها والذهاب إلى تلك التي تنير الضحكة وجهها لذلك الواقف معها.
رأته نغم يقف مع فجر، لتشعر بالغيرة منها، وأيضا يضحك لها، لتخبر نفسها أنه مازال يريد تلك فجر أن تكون له ولن يشعر بقلبها، وأنها ستظل بالنسبة له تلك اللقيطة كما كان يقول.
وقف الجد حافظ وأمامه طاولة صغيرة عليها أكثر من ميكروفون.
ليتحدث بترحيب لجميع الحاضرين بالحفل متحدثاً عن إنجازات الشركة.
ليقترب من إنهاء حديثه ليقول: "أنا أعلن أن نغم مجدي الفارسي هتبقى المسؤولة عن الدعاية والإعلان الخاصة بالشركة. وكمان هي اللي هتدير مزرعة المواشي الرئيسية اللي في الإسماعيلية."
"وكمان أعلن خطوبة أحفادي لميس سعد الدين لحفيدي عصام حكيم غمري."
لتسود حالة من الذهول بين الأحفاد.
الحجّاج بن يوسف الثقفي ...
ماذا تريد؟
أنا هنا لأخبرك بأمرٍ عظيم.
وما هو هذا الأمر؟
اليوم، سأخبرك أن هناك من يخطط لقتلك.
ومن هذا الذي يخطط لقتلي؟
ابن الزبير.
ولماذا يريد قتلي؟
لأنه يرى فيك تهديداً لسلطته.
وهل لديه القدرة على قتلي؟
نعم، لديه جيشٌ كبير.
ولماذا لم تفعل شيئاً حتى الآن؟
كنت أنتظر الوقت المناسب لأخبرك.
وما هو الوقت المناسب؟
الآن، قبل أن يباغتك.
وماذا تريد مني؟
أريدك أن تستعد.
للقتال؟
نعم، للقتال.
ومن سيقاتل معي؟
جيشي.
وهل جيشك مستعد؟
نعم، جيشي مستعدٌ دائماً.
إذاً، هيا بنا.
هيا بنا.
رواية نغم سطوة العشق والانتقام الفصل السادس 6 - بقلم سعاد محمد سلامه
أكمل حافظ حديثه أمام الجميع قائلاً:
"ولميس هتساعد نغم في الدعاية، عصام حكيم غمري هيكون المدير العام لشركات غمري وهتكون المساعدة له هي ليلى حكيم غمري."
كان هناك من صدم حين سمع اسم نغم مجدي الفارسي،
لينظر إليها بحقد.
وليلى أيضاً تنظر إليها بحقد، فهي بتوليها إدارة تلك المزرعة، سيتنحى زوجها عن إدارتها فهو المدير لجميع مزارع الماشية الخاصة بهم كلها وتلك هي أكبر مزرعة.
أما عصام فابتسم، فيبدو أن الحظ يسانده وسيفوز بمن عشق منذ الطفولة، ولكنه يكتم حبه بقلبه خشية أن يكون بقلبها غيره ويقذف حتى صداقتها وقرابتها منه.
أما لميس فقفت مصعوقة، فهي حائرة بين ماضي كانت ضحية طيبتها وهي تصدق كاذب، وبين ذلك الذي كان دائماً صديق وقريب لا أكثر، خشيت أن يمقتها حين يعرف أن لديها طفلة من زيجة كاذبة كانت ابنتها ثمرتها.
أما نغم فصدمت من توليها إدارة تلك المزرعة، فهي لا تفقه بالأمر شيء.
أما فيصل فابتسم وهو يفهم جده أنه يعلم أن فيصل هو من سيساعد نغم لتنجح في إدارة تلك المزرعة.
كان وقع الصدمة على نجوى، فإعلان اسم ابنتها أمام قاتل أبيها جعلها في صدام مباشر معه.
كان حديث حافظ أمام الجميع صادم،
ولكن لن يستطيع أحد مراجعته أمام عدسات الكاميرات التي تغطي الحفل.
لينتهي الحفل.
عاد حافظ غمري إلى سراياه برفقة لميس ونغم.
لتقول نغم بعتاب:
"ليه يا جدوا عملت كدا؟ أنت عارف إني معرفش أدير المزرعة، أحنا كان اتفاقنا إني أمسك الدعاية والإعلان أنا ولميس، وإن مجرد إعلان اسمي هيحصل بلبلة."
ليبتسم بحنان الجد ويقول:
"أنتي عندي ثقة فيا."
لترد نغم:
"أنت الوحيد بعد ماما، ثقتي فيك كبيرة جداً."
ليرد الجد:
"يبقى خلاص، أنا متأكد إن إدارة المزرعة دي هتبقى سهلة جداً."
لتقول لميس:
"وخطوبتي من عصام كانت ليه؟ أنت عارف إن أقبال بتكرهنا كلنا وعمرها ما هتسيب عصام من إيديها وهو ابن أختها اللي ربته بعد وفاة والدته، ولها تأثير كبير عليه، وأنا مش عايزة أعيش في مشاكل."
ليرد الجد:
"هقولك نفس الكلام اللي قولته لنغم، لو واثقة فيا يبقى متخافيش، أنا جنبكم وهساندكم ومش هخلي أي حد يأذيكم."
ليبتسمان له وهو يضمهما بين يديه.
لتقبله لميس وتبتسم نغم وتقول:
"أنا هطلع أشوف ميجو وأنام، أنا مجهدة شوية."
ليبتسم الجد ويقول:
"تصبحي على خير."
لتقول لميس:
"وأنا كمان تصبحي على خير يا جدو."
لتتركاه وهو يتجه إلى غرفة المكتب.
دخلت نغم إلى غرفتها لتجدها مضاءة، لتنظر إلى الفراش تجد فيصل يجلس جوار طفلها النائم على الفراش.
لينظر إليها ويبتسم.
لتنصدم نغم وتقول بتعصب:
"أنت إيه اللي دخلك هنا ووصلت إمتى؟ وأتفضل أخرج بره."
ليرد ببرود:
"أنا وصلت قبلكم أنتم وجدي، أكيد سواق جدي كان بيسوق ببطء، ودخلت هنا علشان أشوف ابني."
لتذهب إلى الفراش وتمسك يده بقوة وتجذبه وتقول:
"اتفضل اطلع بره، أنا مش عايزاك تشوف ابني وأنسى إن لك ابن."
كادت أن تسقط من ثقله وهي تجذبه، ليلف يده حول خصرها يضمها إليه.
لتلتقي عيناهم لثواني ويشعر بارتعاشها بين يديه.
لتقوم بضربه بيديها على صدره وتقول له بعنف:
"أبعد عني، أنا بكرهك."
ليبتعد عنها وهو يشعر بألم يفتك بقلبه.
لتذهب نغم إلى الباب وتقوم بفتحه وتشير له وتقول بحدة:
"اتفضل اطلع بره وأبعد عني أنا وابني، أنا عملت اللي كنت أنت عايزه زمان وبعدت عن طريقك، ليه دلوقتي عايز تقرب؟ وبعدين فجر الفهدي فتاة أحلامك قدامك، أنا شيفتها هي اللي بتقرب منك حلال عليك."
أقترب فيصل من الباب، تنظر إليها عيناه لا تفارقها وهي تتحدث، ليقترب من الباب ويغلقه فجأة ويتجه لمكان وقوفها جوار الباب ويقوم بضمها وتقبيلها فجأة، لتحاول نغم إبعاده عنها، ليمسك يدها ويدخل أصابعه بين أصابعها واليد الأخرى يثنيها برفق خلف ظهرها ويده الأخرى فوقها وتزيد في ضمها له.
يقبلها بعشق جارف نادم على ما أضاعه من بين يديه يوماً، وسيفعل المستحيل لاسترداده.
تركها بعد أن شعر أنها تختنق ليراها تلهث لتتنفس إلى أن عاد تنفسها طبيعياً.
لتنظر له بغضب قائلة:
"بكرهك."
ليبتسم قائلاً:
"وأنا بعشقك."
قبل أن ترد سمعوا صوتاً عالياً من أسفل.
نزل فيصل يسبقها ليدخل إلى غرفة المكتب التي يأتي منها الصوت.
حين دخل وجد حكيم ومعه أقبال زوجته وأيضاً ليلى وعصام.
تحدث حكيم بصوت عالي لائماً:
"أزاى يا عمي تعين بنت اللي قتل بنتك لما فشل في اغتصابها؟"
ليسمع من ترد صوت عالي:
"أنت اللي قاتل بدون وجه حق."
ليدير حكيم وجهه الغاضب إليها قائلاً:
"بنت القاتل بنفسها هنا وبتتهمني بالقتل اللي زي والدك القتل له رحمة."
لترد بعنف:
"أنت اللي غدر وكان لازم أقتلك زي ما قتلت بابا بدون وجه حق."
لترد أقبال:
"أبوكي حاول يغتصب بنت عمي حافظ."
لترد نغم بعنف وغضب:
"كدب، بابا عمره ما كان مغتصب."
لتكمل بتوضيح:
"مغتصب مين اللي هيروح علشان يغتصب وياخد بنته معاه؟ ليه كنت هبقى شاهد؟"
ليرد حكيم:
"ما لازم تدافعي عن والدك."
لترد نغم:
"أنا كنت شاهدة على جريمتك اللي نفدت منها بكذبة إن بابا كان هيغتصب مراتك اللي أنت روحت واتجوزت عليها مرتين، أتنين أخوات، لما واحدة ماتت بعد ما خلفت لك ولد أتجوزت التانية اللي هي اللي طلبت إنك تتجوزها بحجة إنها تربي ابن أختها، ليه هي كمان مخلفتش منك؟ عارف ليه؟ لأنها استئصلت الرحم بمزاجها، خافت لا يجي لها مرض سرطان الرحم زي والدتها وأخواتها الاتنين، وحملت زوجتك الأولانية السبب إنها دفعتها من على السلم وكانت حامل في شهرين ونزفت والنزيف أتسبب لها باستئصال الرحم، وانت كنت مغفل وسمعت وصدقت كذبها، وكمان بابا اللي قتلته بكذبة، بابا كان معاه مستندات تثبت اختلاس بعض الموظفين بالشركة وكان جاي مخصوص علشان يديها لجدو حافظ وأنا كنت معاه واستقبلتنا الشغالة هنا بس أنا شفت ورد الجنينة قولت لبابا هروح أجيب وردة من الجنينة وأجيت ورجعت على صوت عالي ودخلت للأوضة اللي كان منها الصوت وشفتك وانت بتضرب بابا بالرصاص في قلبه، أنت قاتل ودم بابا لعنة حياتك، أنا لو بدايا كنت قتلتك زي ما قتلته لكن أنا هعذب ضميرك كل ما تشوفني وتفتكر دم بابا اللي هدرته بدم بارد، لأن يوم ما قتلت بابا أنا شفت راجل ملثم بيطلع من باب المكتب في إيده أوراق وصدم فيا بس أنا وقعت على الأرض ومش شفتش وشه طبعاً."
أنصعق حكيم من حديثها.
خارت قواها تتذكر ماضي لم تنساه لتجلس على أحد المقاعد، دموعها كسماء شتاء ممطرة.
ذهب إليها الجد يضم يدها بحنان.
لتأتي إليها لميس بعد أن نزلت هي الأخرى لتجلس جوارها تضمها بحنان هي الأخرى.
ود فيصل أن يأخذها ويبعد هذا الحزن عنها، الأن فقط علم لما كانت تصرخ ليلاً فتلك القلب تعذب منذ صغره، رأى وتذوق مرارة الموت غدراً وأكمل هو عذابها.
لكن إشارة من يد جده أوقفته.
نظرت بحقد إليها أقبال، فهي كشفت إحدى كذباتها.
وأيضاً مازالت ليلى حاقدة.
لتقول ليلى:
"وإدارة مزرعة المواشي دي بقى تعويض منك لها يا جدو."
لينظر إليها جدها قائلاً:
"نغم مش مستنية تعويض، نغم هي الوحيدة اللي في الوقت ده هتقدر تدير وتحسن إنتاج المزرعة دي بالذات."
كان يتحدث وهو ينظر إلى فيصل الذي ابتسم لجده،
فهو يعطيه فرصة للتقارب منها وعليه استغلالها وإعادتها له.
لتنظر ليلى بحدة وتقول:
"واشمعنا هي وهي متقربش لك أي حاجة، أنما أنا حفيدتك وشاهر يبقى جوزي وهو اللي كان بيدير المزارع كلها بما فيها دي."
ليرد الجد:
"المزرعة دي مشاكلها كتير وأنا حبيت أريحك أنتي وشاهر من مشاكلها."
لترد ليلى:
"والهانم هي اللي هتحلها بقى أزاى؟ مشكلة المزرعة دي بالذات مع فيصل وهي هتقدر تخلي فيصل يمد المزرعة بالمية."
وتكمل بسخرية:
"ليه لها مفعول سحر على فيصل بيه."
أراد فيصل الرد وأخبارهم أن نغم زوجته،
لكن رد الجد سريعاً:
"لا سحر ولا حاجة، أنا اتفقت مع فيصل إنه يمد المزرعة بالمية وكمان ببعض أغذية المواشي اللي بيزرعها عنده وهو وافق واشترط إن مدير المزرعة يتغير لأنه مش بيرتاح في المعاملة مع شاهر ولا عصام."
لتنظر ليلى إليه بشر وتقول:
"وهو لو عايز يتعامل مع ستات كان ممكن أنا أتعامل معاه."
ليرد فيصل بسخرية:
"أنا مش عايز اتعامل مع أي حد من عيلة غمري، وضحت كده."
ليقول حافظ بشدة:
"كفاية نقار، افتكروا إنكم أحفادي كلكم وأنا لسه بصحتي وعقلي واعي وقراراتي هتتنفذ زي ما قولتها، واللي مش عجبه أنا مش غصبه وهو حر."
لتنظر ليلى إليه وتقول بحقد:
"فعلاً هو حر، بس متلومنيش لو رفعت قضية حجر عليك واتهمتك بالسفه."
ليقوم حكيم بصفعها ونهرها قائلاً:
"أنا طول عمري بقول عليكي غبية وكمان بقيتي حقودة وكمان قليلة الأدب."
لتترك المكان ليلى وتغادر وهي بغضب وأبل.
وقف حافظ ينظر إلى حكيم بتعجب مما فعل، لأول مرة بحياته يرد دون أن يفكر، له أحد أخذته الشهامة لعمه.
ليقول حافظ بضيق:
"أنا طالع أنام وكل واحد يشوف طريقه."
ليقول عصام بأسف:
"أنا آسف بالنيابة عن ليلى، ليلى عصبية ووقت غضبها مبتعرفش بتقول إيه بس هي بتحب شاهر وموضوع الخلفة مأثر عليها رغم إنه شاهر عمره ما حسسها إنه زعلان."
ليقول الجد وهو ينظر إلى حكيم:
"أنا عارف كل واحد فيكم كويس وأنت مش مضطر تعتذر عن غلط غيرك، يلا تصبحوا على خير، لو عايزين تباتوا هنا الأوض كتير."
لينظر إلى لميس ونغم ويقول:
"يلا تعالوا اطلعوا معايا."
ليرد عصام معتذراً بحرج:
"ممكن أتكلم أنا ولميس شوية؟"
ليبتسم حافظ قائلاً:
"لو هي معندهاش مانع أنا مش همنعها."
لينظر إليها عصام لتصمت بخجل وتظل جالسة.
لتقف نغم وتقول:
"أنا تعبانة وهطلع أنام وكمان علشان ابني مش متعود ينام لوحده."
وتتركهم وتغادر.
لتنظر إلى خروجها أقبال بذهول إليها.
لتأتي إلى أقبال فكرة شيطانية أن يكون هذا الطفل هو ابن حافظ وهو يفعل ذلك تمهيداً لهم.
ليخرج الجد ويتركهم ويخرج خلفه فيصل.
ليتبعه بالخروج أقبال وحكيم.
ليظل عصام ولميس.
وقف عصام ينظر إليها بعشق دفنه بقلبه لسنوات، تمنى أن تشعر بقلبه.
كانت لميس تتألم من نظراته لها، تمنت ألا يلومها على ماضي.
كانت به ضحية سلمت لأول كلمة حب سمعتها رغم كذبها.
تحدثت العيون بشوق ولهفة وندم وعذاب عاشق من طرف واحد،
وحزن قلب ضاع وسط كذبة صدقتها بسذاجة.
تنحنح عصام قائلاً:
"أنا كنت عايز أتكلم معاكي في موضوع خطوبتنا اللي جدي أعلنها."
لترد لميس سريعاً:
"لو مش موافق أنا معنديش مانع وبعفيك من الحرج."
ليرد عصام سريعاً يبتسم:
"أبداً أنا موافق جداً، بصراحة جدي أول مرة يقول حاجة وأبقى مقتنع بها بدون نقاش."
ليقترب منها ويمسك يديها مقبلاً قائلاً ببسمة:
"أنا كنت من زمان عايز أقولك إني معجب بيكي وكان نفسي تكوني من نصيبي بس كنت خايف لا يكون بحياتك حد تاني."
لتنظر إليه بتفاجؤ وتبتسم بسخرية وهي تخبر نفسها أنها نفس اللعبة القديمة التي وقعت بشركها ودفعت ثمنها طفلة بريئة تريد هي إثبات نسبها.
ليرفض عقلها تصديقه ولكنها جارته بابتسامة مصطنعة.
دخلت نغم إلى الغرفة التي تجلس بها هي وطفلها،
وهي تشعر بانهيار عاد الماضي أمامها يوجعها، لتدخل إلى الحمام المرفق بالغرفة وتقف تحت المياه، يمر أمامها صورة فيصل وهو يقف يبتسم مع فجر بالحفل لتشعر بألم وتلوم قلبها لما عاد نفس الألم، هي ظنت أنها تخطت عذاب حبها لفيصل لما ظهوره بحياتها مرة أخرى أخرج نفس الألم القديم، لما قبلها الليلة قال لها إنه يعشقها، هل يتودد إليها من أجل طفلها فقط؟
خرجت من الحمام لتقف جوار الفراش تنظر إلى ذلك النائم الذي يشبه أباه.
لتبتسم وهي تراه يهمهم في نومه باسمها لتطيب جروح قلبها قليلاً.
دخل فيصل خلف جده يحدثه قائلاً:
"أنت ليه قولت إني همد المية لمزرعتكم مرة تانية؟"
ليرد الجد:
"والله أنت حر أتفاوض مع نغم وقولها إني ورطك بكذبة."
ليصمت قليلاً ويقول:
"أنت ليه مقولتش إن نغم تبقى مراتي؟"
ليرد الجد بتفاجؤ:
"مراتك إيه؟ أنت مش طلقتها بعد ما سافرت؟ أنا عرفت من نجوى كده."
ليرد فيصل:
"لأ، أنا رجعتها تاني لعصمتي وهي دلوقتي مراتي."
ليرد الجد:
"حتى لو كانت مراتك أنا مكنتش هقول، لو عايز أنت تقول لهم قولهم."
ليرد فيصل:
"أنا هعلن جوازي أنا ونغم قدام الكل، أنا زمان اللي كان مانعني أظهر مراتي هو إني كنت موهوم بحب واحدة تانية لكن أنا محبتش غير نغم ومش عايز غيرها."
ليبتسم الجد قائلاً:
"وأنا مش مانعك، أنت حر."
بداخل غرفة لميس أمسكت هاتفها تطلب أحداً.
ليجيب عليها سريعاً بتلهف قائلاً:
"وحشتيني."
لترد بسخرية:
"بجد؟ لو مكنتش أعرف إنك كذاب ومتسلق كنت صدقتك، بس لميس الغبية اللي صدقتك قبل كده فاقت من سحرك ودلوقتي عايزة أقابلك لأمر مهم."
ليرد قائلاً:
"حاضر يا عروس عيلة غمري، أنا تحت أمرك، تحبي نتقابل إمتى؟ أنا عارف إن في بداية الخطبة بتبقى الفرحة والخروجات مع الحبيب كتيرة وحلوة."
لتقول لميس:
"بطل نغمة التريقة دي، أنا هقابلك بكرة الساعة أربعة العصر في أي مكان تختاره، هستنى منك تبعتلي اسم المكان في رسالة."
وتغلق الهاتف بوجهه وترميه على الفراش جوار طفلتها وتنظر إليها بندم قائلة:
"أنا مش عارفة أزاى في يوم كان عندي مشاعر لحقير زي ده، أرجوكي سامحيني، أنتي كنتي البسمة اللي نورت قلبي."
دخل فيصل إلى الغرفة التي تنام بها نغم ليضيء الضوء.
ليجد نغم تنام وجوارها طفلهم ليبتسم ويقوم بإغلاق الضوء ويتجه إلى الناحية الأخرى بالفراش لينام عليها وهو ينظر إليهم بسعادة.
لينام قرير العين.
جلست نجوى بمقدمة الفراش تقول:
"أنا خايفة على نغم، عمي حافظ رماها في وسط النار، حكيم عرف إنها بنت مجدي وأكيد أقبال هتوسوس له وأقبال سمها قوية."
ليرد طاهر بتطمين:
"عمي حافظ قالك إنه هيحميها من أي شر وكمان فيصل مش هيسمح لحد يأذي نغم."
لتنظر نجوى وتقول:
"فيصل هو أكبر مؤذي لنغم، ولا نسيت اللي عمله؟"
ليجلس طاهر جوارها مربتاً على يدها يقول:
"فيصل فاق وأنا متأكد إنه مش هيسمح لحد يمس شعرة من نغم."
لتقول بألم:
"أنا حزينة على نغم زي ما يكون مش مكتوب لها تفرح بحاجة، أتعذبت بقتل أبوها قصاد عينها وكمان بعدت عن حضني وهي صغيرة لما عمي حافظ قالك إنهأ تدخل مدرسة داخلية للرهبات وكمان حبها لفيصل اللي داقت مرارة."
ليقول طاهر بأمل:
"يمكن جه وقت تعويضها عن أي عذاب شافته."
لترد نجوى:
"بتمنى يا ريت."
أشرقت شمس جديدة.
تململ الصغير بالفراش ليصحو وينظر حوله ليجد ذلك الرجل النائم جواره يحضن يد أمه بين يديه الكبيرة وهو نائم بالمنتصف بينهم.
ليتجه ناحية أمه يوقظها بيديه الصغيرة لتصحو مبتسمة له تقول:
"صباح الخير يا ميجو."
لتسحب يدها،
لكن شعرت بيد ممسكة بيدها لتنظر جوارها تجد فيصل بدء يستيقظ وهو يحضن يدها بين يديه بتملك، لتسحب يدها بعنف قائلة بحدة:
"إيه اللي نيمك هنا؟"
لينظر فيصل إلى الصغير قائلاً ببسمة وحنان:
"أنت اسمك إيه؟"
ليرد الصغير بطفولة:
"اسمي مجدي وماما بتقولي يا ميجو."
ليبتسم فيصل قائلاً:
"إيه الاسم اللي بتتنادى بيه في الحضانة؟"
ليرد الصغير:
"المس بتقولي يا مجدي فيصل."
ليبتسم فيصل بحنان:
"أنا بقى أبقى فيصل."
ليبتسم الصغير:
"يعني أنتي بابا اللي كنت مسافر رجعت."
ويترمي بحضن فيصل الذي ضمه يستنشق رائحته لأول مرة،
وينظر إلى نغم قائلاً:
"أيوا رجعت ومش هتبعدوا عني تاني."
لتنظر إليه نغم بسخرية وتتحدث للصغير وتقول:
"روح شوف طنط لميس صحيت هي وجوانا وتعالى تاني."
ليترك الصغير حضن فيصل ويهبط من على الفراش ويخرج من الغرفة.
لتنتفض نغم من على الفراش وتلم ثيابها عليها.
ليبتسم فيصل وهو يعتدل بالفراش نائماً على ظهره ينظر إليها بتسلية ومرح.
لتقول نغم بتعصب:
"أنت مين سمحلك إنك تنام هنا؟"
ليرد فيصل مبتسماً:
"جدي سمح لي، أنتي مش سمعتيه أمبارح."
لترد نغم:
"سمحلك تنام هنا في السرايا مش تنام في أوضتي."
ليرد فيصل بتسلية:
"بس أنا عجبني الأوضة دي ونمت فيها."
لترد نغم بتعصب:
"عايز إيه يا فيصل؟ أحنا اللي بينا انتهى وخلص، أنا وابني أنت ملكش مكان في حياتنا."
لينظر فيصل إليها بألم ويقول بتصميم:
"أنتي وابني مكانكم في حياتي وقلبي، أنتي مراتي وهتفضلي مراتي لحد آخر لحظة في عمري."
لتقول نغم بتعصب:
"أنت طلقتني وأنا برفض الرجوع، وهستشير شيخ ولو كان جوازنا لسه ساري أنا هعمل أي حاجة علشان أطلق لأني مقدرش أعيش مع واحد أناني زيك كل اللي عنده حب تملك، زمان رفض ماما خايف تاخد مكان والدتك، وأذيتني علشان حبيبة القلب بعدت واتجوزت غيرك وانتقمت مني، أهي عندك روح قولها على نار حبك، روح لبنت الحسب والنسب اللي تناسب مقامك العالي وأبعد عن اللقيطة، أنا أسست لحياتي أنا وابني وأنت مالكش فيها مكان."
نزل فيصل من الفراش يقترب منها وينظر بألم
ويقول بقوة:
"أنا ليا مكان في حياتكم، اعملي حسابك أني مش هسمح إنكم تفضلوا في بيت حافظ غمري كتير ومش هستسلم وهترجعوا ليا بأي طريقة."
ليترك الغرفة صافعاً خلفه الباب بقوة.
وتظل نغم تزفر أنفاسها وتتنهد بغضب.
رواية نغم سطوة العشق والانتقام الفصل السابع 7 - بقلم سعاد محمد سلامه
على طاولة الفطور
جلست أقبال تستشيط غضباً تحدث حكيم قائلة:
عمك شكله خرف.
لكن حكيم لم ينتبه لما قالت، فعقله يفكر فيما قالته تلك بالأمس ونعتته له بالقاتل دون وجه حق.
ليتذكر ذلك اليوم.
حين دخل إلى سرايا عمه حافظ ذاهباً إليه ليعطي عمه بعض مستندات ملكية مزارع ماشية جديدة قام بشرائها.
ليسمع صوت عالٍ واستغاثة من إحدى الغرف وهي المكتب، ليجد زوجته غارقة بدمائها وملابسها ممزقة وجوارها سلاح ناري على الأرض ويرى ذلك المائل عليها، ليقوم بمسك السلاح وضربه به دون تفكير ليرديه أرضاً قتيلاً.
لما تقول هذه الفتاة إنه قتل والديها؟ ليتذكر أن ملابس ذلك الرجل كانت مهندمة عليه ليدخل لعلقه أن حديثها قد يكون صحيحاً وأنه تسرع وتهور بقتله.
بدأ ضميره يحلل الأحداث، ربما كان متسرعاً، ولكن من التي تحدثت؟ أنها رأته يخرج من المكتب.
عاد من تذكره على صوت أقبال العالي وهي تقول: حكيم أنا بكلم نفسي.
ليرد حكيم: لأ معاكي، كنتي بتقولي إيه؟
لتشعر أقبال أنه يفكر فيما قالته تلك الفتاة، فهو منذ أن سمع لحديثها بالأمس وهو شارد.
لتقول أقبال: أنت بتفكر في كلام البت بتاع امبارح إنك قتلت والداها، دي أكيد كدابة ومتسلقة وشكلها واكلة عقل عمك وعايزة تطلع منه بكام مليون. ولو مصحصحتش ممكن تلهف ميراث عمك كله.
البت شكلها ضاحكة على عمك ومصدقها، وإلا ليه وبأي صفة قاعدة عنده في السرايا؟ حكاية أنها صديقة لميس مش داخلة عليا، وكمان أنا مش موافقة على خطوبة عصام من لميس، تربية المدارس الداخلية دي الله أعلم بها.
ليرد حكيم: لميس عمرها ما قالت أدبها على حد، عكس ليلى طول الوقت بتستحقر في الناس وبتقلل منهم. وكمان عصام حر، هو اللي هيتجوز فالقرار له وشكله موافق.
ليسمعا صوت مرح من خلفهم يقول: موافق جداً جداً كمان.
لتنظر أقبال له بحنق وتقول: ما لازم توافق، جدك ما هو بيقول عليه استمرار اسم العيلة وكمان أعطاك إدارة الشركات، يعني دفعت تمن إنك تكون المدير بجوازك من لميس. دي ساذجة وبحس إنها ضعيفة الشخصية، وكمان متنساش إنها عرجاء وأنت رجل أعمال ومحتاج اللي تكون جنبك واحدة صاحبة شخصية وكاريزما.
ليقول عصام: أنا شايف كل المميزات اللي أتمناها في فتاة أحلامي فيها، بالعكس وكمان لميس جميلة جداً.
لتنظر أقبال إليه قائلة: أنت حر، أنا مش موافقة عليها وبكرة تعرف إن عندي حق. دي صاحبتها بنت واحد قاتل وكان هيغتصب خالتها وهي تصاحبها، أكيد لازم تكون غبية وتصدق كدبها. ويمكن هي اللي خلت جدك حافظ يصدق كدبها ويمسكها الدعاية وكمان إدارة أكبر مزارع المواشي، ومش بعيد يكون بينها وبين حافظ حاجة وبتستغله لصالحها.
ليرد حكيم بتعصب: عمي مش غبي عشان يمشي وراء أكاذيب، وأوحتى دنيا بيمشي وراء رغباته.
لتنظر أقبال بتفاجؤ وتقول بتبرير: أنا مش قصدي حاجة وحشة، بس هو كبر وأكيد بيفكر بقلبه ومنحي عقله ومصدق كدبها.
ليرد عصام منهياً الجدال: جدي حافظ عنده فراسة ويعرف الصادق من الكذاب، وممكن يكون كلام نغم صدق وبابا اتسرع في قتل والداها، وكمان ممكن هي اللي تكون كذابة، بس لو صحيح جدي يعرف يتعامل معاها بطريقتها.
لتنظر أقبال وتهمس في صمت: والله البنت دي شكلها هي اللي هتلعب الكل على صوابعها، وكمان بابنها اللي يا خوفى يكون وريث حافظ غُمري.
كانت ليلى تجلس بالفراش تسحب غطاءه عليها وبيدها إحدى السجائر تقوم بتدخينها، ليميل عليها شاهر الذي يلف خصره بمنشفة ويأخذ السيجارة من بين أصابعها ويقوم بإطفائها.
ويقول بحدة: أنتي رجعتي للتدخين تاني؟ مش كنتي بطلتي؟
لتقوم بفتح علبة السجائر وأخذ أخرى وإشعالها وهي تقول: متعملش نفسك خايف عليا قوي، أنا عارفة إنك صابر على عدم خلفي مش حب فيا، بس خايف على السلطة اللي بين إيديك وأنت نسيب عيلة غُمري.
ليرد شاهر: أنتي فعلاً محتاجة علاج نفسي زي ما جدو حافظ بيقول.
لتضحك عالياً بسخرية: جدو حافظ هو اللي عايز علاج نفسي وهو بيوزع اختصاصات العيلة، بس بصراحة هو افتكرني وحطني مساعدة لعصام في الإدارة، كتر خيره، منصب شرفي.
ليقول شاهر: بتسرعك وحديثك الغبي هتضيعي كل اللي حواليكي، وبالشكل ده في النهاية هتفضلي لوحدك.
لتلم غطاء السرير حولها وتنزل من الفراش وتقول بتهكم: لوحدي مش جديدة، أنا طول عمري لوحدي.
من لما بابا ساب ماما واتجوز عليها خالتك واحدة وراء التانية، حتى ماما لما اتقتلت حب يعمل فيها شهم وخدني معاه لأقبال هانم خالتك وبس. بصراحة كانت معاملتها راقية زي اتنين ساكنين بيت واحد، مفيش أكتر من السلام بينا. وطبعاً بابا مشغول معاها وهي مركزة مع الوريث عصام باشا.
وأنا صفر على الشمال، وجودي من عدمه مش مهم، بس بيجمل الصورة.
وحتى أنت، أنا اللي حبيتك وقربت منك وأنت كنت بتحلم تنول بنت غُمري، طبعاً عشان الوجاهة الاجتماعية لعيلة منسي، أما تبقى مناسبة عيلة غُمري.
نظر شاهر إليها بصمت لدقيقة ليقول بعدها: أنا مش عارف ليه دايماً عايزة تحسسيني إنك اتجوزتيني كرامة منك، وفي إيديك لو عايزة نطلق زي قبل كده، أنتي اللي طلبتي إننا نرجع وقتها وقولتي هتكملي العلاج.
لترد: عشان يئست من كل حاجة، كل حاجة كدب.
الحب كدب، الأبوة كدب، الأخوة كدب، إني أخلف وأكون أم كدب، أنا وأنت كل اللي بينا كدب، إحنا مفيش حاجة بتجمعنا غير السرير والمنظر العام إننا سعداء قدام الناس.
نظر إليها شاهر متعجباً يقول: أنتي لازم تعرضي نفسك على طبيب نفسي، أنتي حالتك بتسوق كل ما أدي.
ليتجه إلى غرفة الملابس الملحقة بالغرفة ويغيب قليلاً ويخرج وهو يرتدي ملابس خروج ويتركها.
تنظر إلى خروجه بتحسر.
جلست فجر الفهدى مع والدها منصور الفهدى على طاولة الفطور تضحك وتقول: كريم اتصل عليا وبيقول إنه عايز يردني.
ليبتسم منصور ويقول: وأنتي عايزة ترجعي له؟
لترد فجر: طبعاً لأ، أنا مصدقت اتطلقت منه بعد خمس سنين جواز. أنا كنت مستحملاه بالعافية بسبب عمه اللي كان بيساندك أيام ما كان وزير، إنما دلوقتي هو خارج الوزارة وأنا في دماغي حد تاني.
ليبتسم منصور: ومين اللي عليه العين؟
لترد فجر ببسمة متمنية: فيصل العفيفي.
ليرد والدها بذهول: بس دا بيقولوا متجوز، رغم إن مراته عمر ما حد شافها أو عرفها.
لتقول فجر: أنا عارفة، هو قال إنها بنت مرات أبوه وسافرت فرنسا من مدة، وطالما عايشة هناك المدة دي كلها ومرجعتش يبقى أكيد هينفصل عنها.
ليرد منصور: مش يمكن هو بيروح لها فرنسا؟
لترد فجر: حتى لو كان بيروح لها أنا كفيلة إني أنسيه لها.
بصراحة أنا اتعاملت مع رجالة كتير أشكال وألوان، ملقيتش زي رجولته ولا شخصيته الطاغية.
ليبتسم منصور قائلاً: ربنا يقدم اللي فيه الخير، لو جوازك منه تم يبقى ضمنّا العضوية اللي هتسهل لنا أشغالنا وتبعد عين الحكومة عننا.
لتبتسم فجر: أطمن، أنا مش صعب عليا أقرب من فيصل. أنا بفكر أعزمه على العشا في يوم بحجة إنك عايز تتعرف عليه، وناوية أحاصره في كل مكان أقدر أشوفه فيه، وخلاص هبدأ من النهارده. هو كل يوم بيبقى في المزرعة اللي جنب مزرعة جده حافظ غُمري العصر، بيركب خيل. المزرعة دي جنبها حتة أرض زي مضمار خيل وأنا هروح هناك بالحصان وهقابله.
ليقول منصور بضحك: واضح إنك عندك معلومات كاملة عنه، عموماً ربنا يوفقك.
دخلت تحمل طبق به عدة أنواع من الفاكهة تقول: أنا قولت ناني مش بتحب الشوكولاتة، جبت طبق فاكهة من المطبخ وقولت أطب عليكِ. أنا مشفتكيش من امبارح بالليل وكمان قاعدة في الأوضة من الصبح مخرجتيش منها، وابنك أنا اللي فطرته مع جوانا. قوليلي مالك؟ إيه اللي مخليكي حابسة نفسك في الأوضة؟
لتبتسم نغم وتقول: ولا حاجة، أنا براجع الحملات الإعلانية لشركات غُمري وكمان بشوف مركزها في السوق المالي وبفكر في كذا فكرة إعلانية جديدة نبدأ بيها الحملة الجديدة.
لتقول لميس: يعني بس كده؟ مش بتفكري في فيصل اللي كان بايت هنا في الأوضة امبارح؟
لتنظر إليها نغم وتقول: وإيه عرفك؟ الفتان ميجو؟
لتضحك لميس: لأ مش هو، أنا شفت فيصل وهو داخل الأوضة امبارح بالليل وتوقعت خناقة، بس مالقيتش صوت. قولت الشوق غلبك، بس فكرت في ميجو هيشوف باباه ومامته في موقف مخل بالآداب.
لتنظر نغم إليها بشرر وتقول: واضح إني هقوم أجيبلك خلل في مخك. أنا ما شفته إلا الصبح وبعدها بعت ميجو عندك عشان ميشوفناش وإحنا بنتخانق.
لتنظر لميس بمكر وتقول: يعني عايزة تفهميني إن فيصل متحرش بيكي وإنتي دوبتي فيه؟
لتقول نغم: دا كان زمان، دلوقتي فيصل بالنسبة ليا زي أي راجل.
لتقول لميس بمكر: زي أي راجل؟ بقى صدره العريض ولا عضلات جسمه المتناسقة ولا وسامته دي زي أي راجل؟
لتنظر نغم وتقول بغضب: عجباكي قوي أوصافه؟ أهو عندك خديه أهو ابن خالتك وأنتي أولى بيه، على الأقل هو اللي هيقدر على أبو بنتك. كلمة منه هيخليه يعترف إن اتجوزك.
لترد بحزن قائلة: أنا اتصلت عليه ورد عليا وطلبت منه إننا نتقابل ووافق وهروح أقابله الساعة أربعة العصر، يعني بعد ثلاث ساعات وبعتلي المكان على الفون.
لتقول نغم: ووافق بالسهولة دي؟ غريبة، أنا قلت هيراوغ.
لتقول لميس: النوعية اللي زي دي اللي شاطرة فيه الخداع، أما في المراوغة فاشلة.
لتقول نغم: وهتروحي لوحدك؟
لترد لميس: امال هاخد بنتي معايا؟ هو مش هيقدر يأذيني.
لتقول نغم: أنا لو مش مرتبطة بميعاد مع وجدي الزهيري عشان أفرجه على المزرعة اللي جدي حطها تحت إدارتي عشان نشوف هنستفاد منها في الدعاية إزاي، كنت جيت معاكي. أنتي طيبة وساذجة وممكن يضحك عليكي تاني.
لتضحك لميس: دا كان زمان، أنا اتغيرت. امبارح عصام لما قعدت معاه قالي إنه كان معجب بيا من زمان، نفس اللعبة بس أنا جاريته فيها وعملت إني بلعت الطعم.
لتقول نغم: مش يمكن يكون صادق؟ مش زي التاني.
لترد لميس: زي ما أنتي ما فقدتي ثقتك في فيصل، أنا فقدت ثقتي في الكل.
لترد نغم: بس عصام مش زي فيصل ولا الغبي التاني.
عصام أنتي عارفاه من زمان وكان دايماً قريب منك، أنتي اللي قولتيلي كده أكتر من مرة.
لتتنهد لميس بقوة وتقول: والله أنا من كتر ما شفت الغدر حوالينا معدش عندي ثقة في حد.
إحنا الاتنين حبينا اللي أذونا.
يعني أنتي مش قادرة تسامحي فيصل وتنسي وتبدأي معاه من جديد.
ولا أنا مصدقة عصام ومكدبة مشاعره.
لتقول نغم: والله عندك حق، بس مهما كان عصام مش مخادع زي أبو بنتك.
ولا زي فيصل اللي واخدني لعبته وهمنا إنه طلقني وردني وأنا لسه في العدة.
أنا روحت أنا وماما لشيخ وسألناه وقالي هو دخل بيكي، قولت له آه.
قالي يبقى يحق له ردك لعصمته في فترة عدتك، إنما لو مدخلش بيكي يبقى كان لازم يعقد قرانك من جديد.
وبعدين سيبك من سيرة الرجالة، العيال فين؟
لترد لميس: العيال مع عمو طاهر وجدو بيلعبوا معاهم، وعمو طاهر فرحان قوي بميجو وكان بيلعب معاه كورة. هو جوانا اللي محسساني إنها ولد مش بنت، بتحب لعب الصبيان.
لتضحك نغم وتقول: زي مامتها، فاكرة لما كان معايا عروسة وإحنا في المدرسة وأخذتيها وكسرتيها وبعدها اتصاحبنا وقولتي لي أنا بحب ألعب بالكمبيوتر، ألعاب بلاي ستيشن حلوة وجبتي لعبة كورة قدم.
لتضحك لميس: أنا ناسيه الأيام السودة دي، ليه بتفكريني. تعالي بقى أما أضربك، أنتي فكرتيني بالكمبيوتر اللي المشرفة صادقته بسببك.
ليضحكا معاً وتدخل عليهم تهاني التي تعمل داده بمنزل حافظ غُمري وتجدهم منكوشي الشعر، لتستغرب من شكلهن.
وهن يضحكن على تعجبها من منظرهن.
بداخل أحد البنسيونات الصغيرة بالاسماعيلية.
كانت لميس تجلس تنتظر.
ليدق الباب.
لتقوم بفتحه.
لتجد من يبتسم ويقول: وحشتيني كتير يا عصفورتي.
لترد بضيق: عصفورتك كبرت وبقت صقر، وعرفت الفرق بين السمك والتعابين.
ليضحك قائلاً: واضح، وكمان زادت جمال على جمالها.
لترد بغضب: أنا مش جايه النهارده عشان تتغزل فيا، أنا واقعة في مشكلة وأنت الوحيد اللي تعرف تحلها.
ليرد بتهكم: إيه المشكلة؟ خايفة العريس يكتشف إنك مش بنت بنوت؟ أظن دي سهل حلها.
لتنظر إليه بكره وتقول: أنا نفسي أعرف إزاي وقعت في فخك قبل كده، أنا فعلاً غبية إني صدقتك.
بس دا مش مهم عندي دلوقتي.
في الأهم.
ليرد وهو ينظر إليها باشتهاء ويقترب منها ويقول: إيه هو الأهم ده يا عصفورتي؟ مفتقدة ليا ولحنانى؟
لتنظر إليه باشمئزاز وتقول: المهم هو بنتك.
لينظر إليها مصدوم ويقول بذهول: أنتي قولتي إيه؟
لترد قائلة: بنتك اللي كانت نتيجة كذبة جوازنا اللي أنا صدقتها، ودلوقتي لازم تعترف بيها وكمان تتسجل هنا على اسمك. أنا مش محتاجة منك غير اسم وبس، غير كده أنا مش عايزة منك حاجة.
ليقف مندهش قليلاً ويقول بعدها: وأنا إيه ضمني إنها بنتي؟
لترد لميس: كنت متوقعة منك كده.
وعلشان كده دي شعرة من جوانا، تقدر تحللها وتطابقها معاك.
ودا تحليل أنا عملته في فرنسا بفرشة أسنانك ويثبت إن جوانا بنتك.
أنا بتمنى إنك توفر على نفسك وعليا الفضايح ونلم الموضوع بينا أحسن ما مراتك تعرف إنك لما طلقتها قبل كده مكنتش هي السبب.
والسبب كان أنا وجريك وراء بنت خالتها في فرنسا.
ليرد قائلاً: قصدك إيه؟
لترد لميس: قصدي لو جدي حافظ عرف إن بنت حفيدة تبقى بنت جوز حفيدته التانية، وقتها معرفش رد فعل ليلى هيبقى إيه. يمكن المرة دي تخلعك لما تعرف إنك مخلف من وراها وهي حلمها تكون أم لأولاد شاهر المنسي.
رواية نغم سطوة العشق والانتقام الفصل الثامن 8 - بقلم سعاد محمد سلامه
على طاولة العشاء
جلس طاهر يضحك مع نجوى. هو يحكى لها عن لعبه مع حفيده وجوانا، ويحكي لها عن أفعالهما معه طوال اليوم.
لتبتسم نجوى قائلة: "ميجو شقي وجوانا كمان شقيه ودمها خفيف، بس مش زي لميس."
ليرد طاهر: "لميس ونغم وجهين لعملة واحدة. بقوا بعض في وقت ضعفهم. كانت فكرة عمي حافظ أنهم يدخلوا المدرسة الداخلية مع بعض ويفضلوا في أوضة واحدة علشان يقربوا من بعض. الاتنين تقريباً عاشوا نفس المعاناة. نغم شافت قتل والداها، ولميس نجت من بين الأموات لما هي الوحيدة اللي عاشت من حادثة العربية اللي كان ضحيتها باباها ومامتها وكمان تؤمتها."
ليدخل عليهم فيصل يرمي السلام قائلاً: "مساء الخير."
ليرد طاهر: "مساء النور. جاي منين؟"
ليرد فيصل وهو ينظر إلى نجوى: "أنا جاي من مزرعة المانجا."
ليقول طاهر: "اقعد اتعشى معانا."
ليجلس على أحد المقاعد ويتحدث قائلاً: "بابا منصور الفهدي عازمنا على العشا آخر الأسبوع."
لتنظر إليه نجوى بسخرية.
ليقول طاهر: "وأيه سبب العزومة دي؟ أحنا مافيش بينا أي تعارف."
ليرد فيصل: "ماهي العزومة علشان نتعارف."
لترد نجوى بسخرية: "أولها تعارف وأخرها جواز. مبروك عليك بس يا ريت تطلق بنتي قبلها ويكون طلاق بين مفيش فيه رجعة."
لينظر إليها فيصل وهو يقف: "أنا مش هطلق نغم تاني أبداً طول ما أنا عايش."
ليتركهم ويخرج.
ليقول طاهر لنجوى بعتب: "ليه قولتي له كده؟ فيصل مش بيفكر غير في نغم. أنا متأكد."
لترد نجوى: "والعزومة دي ليه؟"
ليرد طاهر ويسرد عليها ما أخبره فيصل له عن نيته ترشيح طاهر لعضوية مجلس الشعب.
لترد نجوى باستغراب: "وأنت وافقت؟"
ليضحك طاهر قائلاً: "بفكر أوافقه. الناس محتاجة اللي يساعدها وأنا كنت عامل زيهم في يوم وعارف مطالبهم واحتياجاتهم."
لتبتسم نجوى قائلة: "ربنا يوفقك للي فيه الخير."
***
كانتا جالستان بالفراش يمدان أقدامهن، تبتسمان.
لتقول نغم: "يعني شاهر وافق أنه يسجل جوانا على اسمه؟"
لترد لميس: "لأ، قال هفكر وأشوف حل."
لتنتفض نغم قائلة: "أيه يشوف حل؟ اتحل وسط الحل الوحيد أن جوانا تتثبت على اسمه."
لتضحك لميس وتقول: "أما يثبت جوانا يبقى يتحل وسطه بعدها، أما إحنا محتاجينه دلوقتي سليم."
لتنظر نغم وتقول: "أما أنتِ باردة صحيح."
لتبتسم لميس وتقول: "أنا متأكدة أن شاهر هيثبتها غصبن عنه لأنه مفيش قدامه حل تاني."
لترد نغم: "ليه ماسكة عليه حاجة تثبت؟ أنتي مفيش معاكي ورقة تثبت؟"
لتبتسم لميس وتقول: "بس معايا الشريط ده."
لتقول نغم باستفسار: "شريط أيه؟"
لتقوم لميس بوضع الشريط بمسجل صغير وتقوم بتشغيله.
لتسمع نغم حديث لميس مع شاهر بالبنسيون وهو يعطي اعتراف أنه كان بينهم علاقة زوجية، لكنه لم يعترف صراحة أنه والد جوانا.
لتنظر نغم إلى لميس باستغراب وتقول لها: "أنتي إزاي سجلتي الشريط ده؟ أنتي قولتي أن البنسيون أنتي متعرفيش مكانه وهتروحي باللوكيشن على الفون، وأكيد مش هتزرعي جهاز تنصت."
لتضحك لميس وتقول: "يا بنتي إحنا نعتبر تربية ملاجئ. هي المدارس الداخلية دي إيه؟ دي ملاجئ بس باسم ناعم وبيروحها ولاد ناس لحد ما مستواهم المعيشي معقول. وهناك البقاء للأقوى لأن الضعيف القوي بيركبه. يعني أنتي اتخانقتي كام مرة وكام مرة نلتي عقاب المشرفات وأنا زيك يا قطة اتعلمت أخدش. بس ضعفنا كان مسيطر علينا مع اللي حبناهم ومقدروش حبنا، مش العيب فينا إحنا بس."
لتنظر نغم وتقول: "بس مقولتليش سجلتي الاعتراف ده إزاي؟ ما شاهر مش غبي عشان يقع في الفخ ده وهو اللي بعت لك موقع البنسيون، أكيد محرس ومحصن نفسه."
لتضحك لميس وتقول: "أنا شغلت مكر حواء."
لتضحك نغم: "إلى هو أيه بقى مكر حواء؟"
لترد لميس: "أنا استعنت بماما تساعدني."
لتنظر نغم بدهشة وتقول: "هي مش مامتك ماتت من زمان؟"
لترد لميس: "ماما نجوى."
لتقول نغم بغباء: "ما ما نجوى مين؟"
لترد نغم: "نوجا."
لتضحك نغم وتقول: "تقصدي ماما."
لترد لميس: "بالظبط. هي عارفة القصة كلها من أولها وأنا اتصلت عليها بعد أنتي ما رحتي المزرعة وطلبت مساعدتها وهي بدون تفكير وافقتني وكمان كانت معايا في نفس البنسيون بس تحت في الاستقبال. وطبعاً أنتي عارفة أن في الحفلة شافتني شاهر واقفة معاها هي وتيتو فممكن كان يتعرف عليها، فهي كانت لابسة نقاب وقاعدة ولما شافته داخل البنسيون اتصلت عليا عرفتني وسابت تليفونها مفتوح قصاد تليفوني وكان معاها مسجل صغير وسجلت كل اللي اتكلمنا فيه أنا وشاهر بالحرف. ولما جه يخرج كانت هي قفلت التليفون ورجعت اتصلت عليا ورديت عليها قدامه على أنها جدتي وبيسألني أنا فين وأنا طبعاً عملت أني ارتبكت وقولت أني بشتري حاجات خاصة ليا وهو طبعاً هيفكر أني خايفة أقول لجدتي ليجرى له حاجة أو يتصرف هو معاه، فهيفكر أني ضعيفة وأنا بقى عايزة أشوف رد فعله قبل ما أواجه بشريط الصوت، وكمان مامتك صورتني أنا وهو واحنا خارجين من البنسيون."
لتنظر نغم بتعجب: "يعني أنتي وماما النهاردة كنتوا بتشتغلوا مع المفتش كرمبو ونصبوا لشاهر بيه فخ؟ بس بذكائك ممكن يكذب الشريط والصور ويقول متفبركة."
لتقول لميس: "ما أنا متوقعة منه كده، بس العيار اللي ميصبش ينوش. وقتها هيعرف أني مبقتش باقية على حاجة ومش هيهمني الفضايح ولا مين يعرف. هو مفكر أني خايفة أواجه عصام والعيلة ببنتي اللي لغاية دلوقتي محدش يعرف بيها، بس أنا مش خايفة أواجههم قد ما أنا مش عايزة أي حد يقول على بنتي أنها كانت من علاقة غير شرعية، بس لو هو أضطرني صدقيني ها هد المعبد على الكل ومش هيهمني غير بنتي وكرامتها وهعرفهم صهر العيلة المبجل اللي كان داير ورايا في فرنسا وقدر يستدرجني ويوقعني في غرامه. أكيد سجلات المطار تثبت أنه كان في الفترة اللي حملت فيها بجوانا كان في فرنسا بيتعاقد على سلالات جديدة من المواشي لمزارع غُمرى. أنا مكشفتش قدامه كل ورقي."
لتبتسم نغم بألم وتقول: "واضح أن ولادنا هما اللي هيدفعوا تمن غبائنا ومشينا وراء مشاعرنا."
وجدن باب الغرفة يفتح عليهن فجأة.
ليصرخن بنفس الوقت ويقولن: "أنتوا مين؟ عفاريت صغيرة؟"
ليتحدث الطفلان قائلان: "ماما."
لتنظر نغم ولميس لبعضهن باستغراب قائلين: "ماما الصوت ده مش غريب عليا."
لتقول لميس: "العفريت دول أنا بشبه عليهم. أظن العفريت ده ميجو والعفريت التاني جوانا."
لتبتسم نغم وتوافقها الرأي وينزلان من على الفراش وتقتربان منهم.
لتقول نغم: "أيه اللي عمل فيكم كده؟"
ليرد ميجو متحدثاً بطفولة: "كنا بنلعب بالميه في الجنينة ووقعنا في الطين، وتهاني قالت لنا نطلع لكم."
لتنظر نغم ولميس لبعضهن وتقول لميس: "أنا مش عارفة تهاني جدو جايبه ليه مش عشان يرعى الولاد في غيابنا، ده إحنا ناقص نشتغلها هي دادة. تعالي يا قلبي أما أنقعك في البانيو يمكن تنضفي."
لتقول نغم وهي تنظر إلى طفلها: "وأنت قدامي على الحمام، اياكش تنضف."
***
دخل شاهر إلى الفيلا الذي يقطن بها مع ليلى. ليدخل إلى غرفة النوم ويجد ليلى مستيقظة ترتدي زياً مثيراً. تستقبله بابتسامة وتقترب منه وتتحدث بإغراء وهي تضع يدها حول عنقه وتبدأ بتقبيله قبلة حارة وتعتذر من بين قبلاتها عن ما تفوهت به صباحاً وتبدأ بنزع ملابسه عنه. ليقع شاهر تحت سطوة أغرائها له.
بعد قليل كان نائماً على ظهره وليلى تقترب منه تنام على صدره وتمسك بيده.
ليقرب يدها من فمه يقبلها.
لتتنهد ليلى براحة وتنام على صدره صامتة.
أما هو، فأخذه التفكير والمقارنة بين ليلى ولميس، فالاثنان كالماء والنار. يفكر في تلك الطفلة التي يتمناها كثيراً، ففرصة ليلى بالإنجاب ضئيلة تكاد تكون معدومة. لكن إذا عرفت ليلى بوجود طفلة من أخرى غيرها سيجن جنونها وقد تنفصل عنه، وبذلك الانفصال تبتعد عنه نهائياً، فهذا سيكون الطلاق الثالث بينهم. هو يحب ليلى ولكنها هي من دفعته للتقرب من غيرها، بغرتها الزائدة وأيضاً مشكلة الإنجاب لديها، وأيضاً لا يريد أن يخسر الثراء والسلطة. لميس لم تعد تلك الساذجة التي وقعت براثن عشقه المزيف. ليتذكر حديثه معها منذ ساعات.
فلاش باك
عندما قالت لميس أن لديه طفلة، ذُهل عقله وجلس على أحد المقاعد صامتاً لدقيقة.
ثم تحدث قائلاً برياء: "سيبني أفكر في حل للمشكلة."
لترد لميس بتعصب: "الحل الوحيد هو الاعتراف بالبنت، ومتنساش أن شيخ الجامع اللي بفرنسا عقد كتابنا شفهي، سهل أجيبه يشهد بجوازنا وكمان مش هيشهد زور."
لينظر شاهر إليها متعجباً لها، فهي أصبحت كالنمَرة وستدافع عن نسب طفلتها.
ليقول لها: "أنا كل اللي محتاجه شوية وقت وهعمل اللي أنتي عايزاه."
لترد لميس: "وقت أيه؟ أنا معنديش صبر لألعابك."
ليرد شاهر باستفزاز: "اللي خلاكي استنيتي الوقت اللي فات مش هيضر كام يوم."
لتنظر لميس له بازدراء قائلة: "وماله. قدامك أسبوع وبعدها تقولي قرارك."
لينظر إليها بموافقة.
ليرن هاتف لميس.
لتنظر إليه بارتباك وتقول: "دا جدو."
وترد عليه وتخبره أنها تشتري بعض الأغراض الخاصة بها.
ليطمئن قليلاً، فالميس لن تخاطر وتعترف لجدها خوفاً عليه.
ليقف قائلاً.
تمام، نتقابل بعد أسبوع، أكون رتبت أموري.
لتقول لميس: أتمنى أنك تحكم قلبك قبل ضميرك، لأن بنتك مستحقش يتقال عليها بنت حرام.
يومئ رأسه بموافقة.
عاد من تذكره حائرًا.
دخل فيصل إلى جده بغرفة المكتب ليجده يقف، قائلاً:
أنا كنت هنام، بس لما اتصلت عليا وقلت إنك عايزني، استنيتك.
ليقول فيصل:
أنا هدخل في الموضوع مباشر. أنا سبق زمان وجيتلك، قلتلك إن ماما عيانة وعندها المرض الخبيث، وبابا مرتبه على قده ومش هيقدر على علاجها. ووقتها مردتش عليا، وبعدها بمدة صغيرة ماما اتوفت.
بس أنا النهارده جاي أطلب منك مراتي وابني، ومش هسمح إنهم يبعدوا عني.
ليرد الجد بألم:
أنا مش هعاتبك على كلامك إن سيبت بنتي تموت، بس هقولك إني مكنتش سعيد. وبناتي واحدة ورا التانية بتروح وتسيبني، مكنتش سعيد وأنا باخد عزاهم أنا وتحية، والمفروض هما اللي كانوا ياخدوا عزانا.
وإن كان على نغم وابنك، نغم قدامك، تقدر تاخدها لو هي راغبة بكده. أنا مجرد مستضيفها في بيتي، مش حاجزها عندي.
وقبل أن يرد فيصل، كانت الكهرباء تنقطع، ويسمعوا صوت صراخ.
ليذهب الجد وفيصل إلى المكان الذي سمعا الصوت يأتي منه.
قبل قليل، كانتا نغم ولميس تنامان بخلاف على مفرش كبير على عشب الحديقة.
لتقول لميس:
ناني، انتي اتسطليتي ونمتي؟
لترد نغم:
لأ، أنا مش جايلي نوم. وزهقت وأنا بعد النجوم في السما.
لتجلس لميس وتقول:
وأنا كمان حاسة بملل ومش جايلي نوم.
لتجلس نغم هي الأخرى وتقول:
والحل؟
لتنظر لميس ونغم اتجاه المطبخ القريب من مكان جلوسهن.
لتقول لميس:
بتفكري في اللي أنا بفكر فيه؟
لتنهض نغم واقفة وتمد يدها للميس وتقول:
يلا بينا.
وتشد لميس لتقف، ليدخلا معًا إلى المطبخ.
وقفت نغم تنظر بالمطبخ حائرة، تفتح الأدراج وتغلقها، وكذالك لميس.
لتقول نغم:
في هنا عبوات كيك سريع التحضير. إيه رأيك؟
لتقول لميس:
تمام، يلا هاتيها ونعمل منها.
لتقول نغم:
في بنكهة الشوكولاتة، وفيه بالفانيليا.
لتقول لميس:
هاتي الشوكولاتة.
لترد نغم:
لأ، أنا هعمل بالفانيليا. ميجو بيحبها. واعملي انتي اللي عايزاه.
لتنظر لها لميس:
طب ما تعملي الاتنين.
لتنظر لها نغم وتقول:
وانتي مشلولة؟ اعملي لنفسك.
لتنظر لها لميس بتوعد.
لتقول نغم:
هتعوز لبن وبيض.
لتقول لميس:
هتلاقي في التلاجة.
لتذهب نغم وتحضر اللبن وتضعه على الطاولة الرخامية، وتعود مرة أخرى لتأتي بالبيض. غلا تجد اللبن، فتنظر حولها، ثم تنظر إلى لميس لتجد بيدها إناء اللبن فارغًا.
فتنظر لها بغل وتقول:
انتي شربتي اللبن اللي هعمل بيه الكيك؟
لتبتسم لميس وتقول:
كنت عطشانة. الله ما عندك غيره في التلاجة؟
لتنظر إليها نغم، ثم تعود إلى الثلاجة مرة أخرى، ولكنها أخذت الإناء الموضوع به البيض معها.
لتقول لميس:
واخدة البيض معاكي ليه؟
لترد عليها:
لأرجع ألقاك وكلاك وتقولي لي كنت جعانة. انتي مش مضمونة.
لتضحك لميس وتقول:
هاكل البيض طري.
لترد نغم:
وانتي بيهمك؟ أنا نفسي أعرف الأكل ده كله بيروح فين. انتي على طول بتاكلي وبتأكلي أكل الأطفال. فاكرة السيريلاك ولبن الأطفال اللي ريحته لوحدها تجيب مغص.
لتضحك لميس وتقول:
يعني أكله ولا يترمى؟ حرام نعمة ربنا. واعملي كيك شوكولاتة ليا معاكي.
لترد نغم بتصميم:
اعملي لنفسك. أنا مش الفليبنيه اللي عندك.
لتبتسم لميس بخبث.
وضعت نغم جميع محتويات الكيك بالمضرب الكهربائي، وذهبت لوضع الفيشة بمفتاح الكهرباء، لتشغل المضرب، ليقوم بطرطشة المقادير في جميع المطبخ وعليها، ويقوم بعمل قفلة في الكهرباء، لتصرخ نغم من المفاجأة.
كان أول من وصل إلى مكان الصراخ فيصل، ليرى نغم واقفة بيدها سكين، وأمامها لميس تثبتها على الثلاجة وتقول لها:
يا حيوانة، بتحطي المعلقة في المضرب وأنا هضرب الكيك؟ أفرض اتكهربت؟ وأهو حصل قفلة، يا غبية!
لترد لميس وهي تنظر إلى السكين بيد نغم:
السلاح يطول. أنا قولتلك اعملي كيك شوكولاتة مش فانيليا.
قبل أن ترد نغم عليها، كان فيصل ينظر لهن باستغراب ويقول:
إيه ده؟
لتترك نغم السكين الذي بيدها على الطاولة أمامها، وتنظران إليه.
وتقول لميس وهي تضحك:
ولا حاجة، ده فيشة المضرب عملت قافلة، ونغم بتخاف من الضلمة.
ليبتسم فيصل وهو يعلم أنها تكذب، فنغم لا تخاف من الظلام.
لترى لميس نظرات فيصل العاشقة لنغم.
ليأتي من خلفه جده بعد أن أعاد الكهرباء.
ليرى وجههن وملابسهن ملطخة بالعجين، ليضحك عليهن، ويغمز للميس أن تترك نغم مع فيصل.
لتفهم غمزه وتقول:
أنا كبس عليا النوم، هطلع أنام، والصبح أي حد من الشغالين ينضف المطبخ.
لتتركهم وتذهب برفقة جدها.
أقترب فيصل من نغم، ينظر إليها مبتسمًا، يمد يده يمسح جزءًا من الخليط كان على أنفها.
ليظل يقترب أكثر إلى أن أصبح خلفها الثلاجة.
ليقول وهو ينظر إلى عينيها:
كنتوا بتعملوا إيه؟
لتصمت نغم. أقترب فيصل من عنقها، يشتم رائحتها، ليقول:
ريحتك فانيليا. تعرفي أنا بحب ريحة الفانيليا قوي.
كاد أن يقبلها بعد أن وضع إحدى يديه على خصرها، ليشعر بارتعاشها، ويلوم نفسه.
إلا أنها أفاقت من سحره عندما تذكرت رؤيته هو وفجر الفهدي قبل الغروب يمتطيان الأحصنة، ويتجولان بها أثناء عودتها من المزرعة القريبة من تلك الأرض.
لتدفعه بعيدًا عنه، وتخرج مسرعة من المطبخ، ويظل هو واقفًا يتنهد بغضب، ويفكر في ابتعادها عنه، وارتعاشها بين يديه. لهذه الدرجة أصبحت تخشى قربه منها.
في الصباح.
دخلت نغم عند لميس.
لتضحك لميس وتقول:
إيه ريحة الفانيليا سكرتك وخليتك تنامي وتصحي بدري؟
لتنظر نغم بغضب وتقول:
متفكرنيش أحسنلك. أنا كنت جايه أقولك إني هروح المزرعة، ومعرفش هرجع امتى. هنصور فيلم دعائي عن المزرعة ومنتجاتها. وقولك خلي بالك من ميجو علشان تهاني مش في دماغها إنها دادة على ماما. هتيجي تقعد معاه.
لتقول لميس:
وليه مش يروح عندها؟
لتقول نغم:
علشان فيصل ياخده وميرجعوش، ويساومني بيه إني أرجع له.
لتقول لميس:
فيصل ندمان؟ ليه متعطهوش فرصة؟
لتقول نغم:
فيصل مش ندمان. فيصل كل هدفه ابنه، وأنا للتسلية مش أكتر.
وقبل أن تجيب لميس، قالت نغم بإنهاء:
يلا همشي علشان متأخرش، زمان جدي ومعاه فريق التصوير هناك.
لتذهب وتتركها، وتتنهد لميس بألم على صديقتها التي مازالت تتألم من الماضي.
نزلت لميس بصحبة الطفلان إلى حديقة المنزل، ليلعبان حولها، وهي تجلس تراقبهم وتبتسم على أفعالهم الطفولية.
لتجد عصام يدخل مبتسمًا، ويجلس جوارها، يتحدث إليها بود، وهي ترد عليه بدبلوماسية، إلى أن قام بعزيمتها على تناول العشاء معًا، لتوافق على مضض. ليقف ويودعها وهو يقول لها:
هفوت عليكي الساعة ثمانية.
لترد لميس:
هكون جاهزة على الميعاد.
ليجد تلك الصغيران يقتربان من مكان وقوفهم، وينادي عليها ميجو باسمها دون ألقاب.
ليبتسم عصام.
لتقول لميس:
ابن نغم، وواخد عليا.
ليبتسم عصام وهو يرتدي نظارته السوداء ويغادر.
لتقف تنظر لميس إلى طفلتها وهي تقول لنفسها:
أما يشوف أما يعرف إني عندي بنت، وقتها هيكون رد فعله إيه.
انقضى اليوم سريعًا، غابت الشمس وأتى المساء.
أثناء عودة نغم بالسيارة، فوجئت بذلك الحصان أمام سيارتها، لتفرمل السيارة سريعًا لكي تتفادى الاصطدام به، ولكن لسوء الحظ، أوقفت السيارة فجأة، لترد رأسها للأمام، وتخبط رأسها بمقود السيارة بعنف، مما جعلها تغيب عن الوعي.
بمجرد أن رآها فيصل بالسيارة لا تتحرك، نزل سريعًا من على حصانه وذهب إليها، وفتح باب السيارة ليطمئن عليها، ليجدها غائبة عن الوعي.
لتأتي من خلفه فجر تقول:
هي اللي غلطانة وفرملت وخوفت الحصان.
ليتعصب فيصل قائلاً:
مش مهم مين الغلطان، المهم أنها تكون بخير.
ويقوم بجذبها إلى داخل السيارة والجلوس جوارها على المقود، وهو يقول لفجر:
خدي الحصان بتاعي ووديه للسايس لو سمحتي، وأنا هروح أشوف جرالها إيه.
ويتركها ويقود السيارة، وهي تستغرب من لهفته على سلامتها.
دخلت لميس إلى ذلك المطعم بصحبة عصام، الذي يبتسم لها، ويجلسان على الطاولة المحجوزة لهم.
يتحدثان في ود.
لتتفاجأ وهي تسمع من تقول:
مش معقول! عصام غُمرى بنفسه بيتعشى هنا؟ أكيد صدفة حلوة إن الأخوات يتقابلوا في المطعم. أنا وشاهر هنتعشى هنا إحنا كمان.
ليقول عصام:
فيكم تنضموا لينا ونتعشى مع بعضنا.
لتقول ليلى بموافقة، وهي تنظر إلى لميس:
مفيش مانع، بس لو هنبقى عازول بلاش.
لتبتسم لميس وتقول:
معنديش مانع، أهو نقعد مع بعض ونتعرف على بعض، يا بنت خالتي.
لتبتسم ليلى بتكلف.
لتغيب قليلاً وتعود معها شاهر، الذي جلس جوار عصام، ينظر لها بتمعن، وهي تبادله النظرة بتحدي.
رواية نغم سطوة العشق والانتقام الفصل التاسع 9 - بقلم سعاد محمد سلامه
وصل فيصل إلى استراحة المزرعة ليحمل نغم وهي غائبة عن الوعي. فتحت عينيها للحظات ونظرت إليه، ابتسمت له دون وعي.
خفق قلبه وهو يراها تعود لغيبوبتها. أدخلها ووضعها في الفراش، وقف بجوارها لدقائق ينظر إليها بقلق. تركها وذهب إلى الخادمة، عنيات، وقال لها: "تعالي ساعديني بسرعة."
دخلت الخادمة معه إلى الغرفة التي بها نغم. قالت وهي تقترب منه: "ده شكلها مغمى عليها من الخبطة اللي في دماغها. هروح أجيب الكولونيا وأجي."
جلس فيصل بجوارها يريدها أن تفيق. بعد قليل، دخلت عنيات بالزجاجة وبدأت في إفاقتها. استجابت لها نغم وبدأت في الإفاقة. قالت وهي تشعر بألم برأسها: "أنا فين؟"
ردت عنيات: "أنتي في مزرعة فيصل بيه."
انتفضت نغم بألم وحاولت القيام من الفراش، لكنها شعرت بدوخة فوقعت على الفراش. أتى إليها فيصل متلهفاً وقال: "حاسة بأيه؟ أطلب لك دكتور؟"
قالت بعنف: "ابعد عني، متقربليش. أنا بكرهك."
شعر بألم كبير في قلبه. قالت له عنيات وهي تنظر إلى فيصل بتعجب: "خليني أساعدك، عايزة إيه وأنا أعمله لك."
ردت نغم: "أنا عايزة أمشي من هنا."
رد فيصل بقوة: "مش هتمشي من هنا غير لما تبقي كويسة، أنتي لسه دايخة."
ردت نغم بعنف: "انت مالكش دعوة بيا، أنا حرة وهمشي فوراً." حاولت القيام من الفراش.
أجلسها فيصل عنوة قائلاً بأمر: "قلت مش هتمشي."
"وأنتي يا عنيات، روحي اعملي لها عصير أو أي حاجة تشربها وهاتيلي تلج بسرعة."
نظرت نغم إلى عنيات وقالت برجاء: "لأ، مش عايزة حاجة. أنا كويسة. من فضلك ما تمشيش يا عنيات، خليكي هنا."
شعر فيصل بألم من أنها تخاف أن تظل معه لوحدها. قال بحدة: "روحي يا عنيات، اعملي اللي قلت عليه."
ذهبت عنيات وتركتها معه. نظرت إليه برهبة وقالت: "أنا بقيت كويسة وهمشي كمان عشان مجدي." حاولت الوقوف من الفراش، لكنها شعرت أنها ستقع.
سندت على الفراش. وقف بجوارها وقام بإسنادها وقال بحنية: "اهدّي يا نغم. أنا عمري ما أأذيكي. أنا بعتذر على اللي حصل في الماضي مني، أوعدك أني عمري ما أأذيكي مرة تانية. أنا آسف."
نظرت إليه باستغراب. تفاجأت به يجذبها إليه، يحاوطها بذراعيه ويضمها إليه. ظلت ثوانٍ بين يديه يضمها وهي كالمغيبة.
فاقت على صوت عنيات التي استغربت وجودها في حضن فيصل وهي تقول: "أنا جبت لك مسكن وكمان العصير."
ابتعدت عنه نغم وأخذت منهم وتناولت الحبة، وبعدها رشفة عصير. قالت نغم بتلهف: "أنا بقيت كويسة، همشي بقى."
ردت عنيات: "خليكي دقيقتين على ما مفعول المسكن يشتغل."
قالت نغم: "لأ، أنا عايزة أمشي لو سمحتي."
لكن نغم بدأت تشعر أنها تغيب عن الوعي تدريجياً، إلى أن سحبها النوم.
وقع قلب فيصل. قالت عنيات بتطمين: "متقلقش يا فيصل بيه. أصل المسكن ده منوم بس شديد. حتى أنا باخده أما بحس بالإرهاق. وهي شكلها محتاجة راحة وشايفاها عايزة تمشي خلاص."
ابتسم فيصل قائلاً: "شكراً يا عنيات."
قالت عنيات بحرج: "أنا شايفة ساعتك قلقان عليها قوي. هو حضرتك تعرفها؟"
ابتسم فيصل: "أيوا أعرفها. المفروض إني أقرب إنسان ليها."
قالت عنيات: "تقربلك إيه؟ اللي أعرفه حضرتك معندكش أخوات."
رد فيصل: "دي تبقى مراتي وكمان أم ابني."
استغربت عنيات وقالت: "مراتك؟" وأكملت بحرج: "بس دي من وقت ما فاقت وشافتك وهى عايزة تمشي وشكلها خايفة."
رد فيصل بألم: "ده موضوع قديم بينا، بس ياريت محدش يعرف باللي حصل."
قالت له: "اطمن يا فيصل بيه. بس في حاجة نسيت أقولها لحضرتك، في ست تحت بتسأل عليك وبتقول أنها فجر هانم."
قال فيصل: "تمام، أنا هنزلها وأنتي خليكي جنب نغم واعملي لها كمادات على جبينها علشان الخبطة دي تروح."
قالت عنيات: "حاضر. متقلقش عليها يا فيصل بيه."
تركها فيصل مضطراً.
نزل فيصل ليجد فجر تنتظره. استقبلته بابتسامة وقالت: "أنا اديت الحصان لسايس. وأنا طالعة بحصاني شوفت العربية اللي كان فيها البنت. هنا، ما راحتش بيها للمستشفى ليه؟ جبتها هنا؟"
رد فيصل: "هي حالتها مش محتاجة مستشفى. أنا جبتها هنا لعنيات تهتم بيها. وفقتها بس، هي عندها دوخة من الكدمة اللي في دماغها ومع الراحة هتروح."
قالت فجر بضيق: "طيب ما كنت وديتها المستشفى يهتموا بيها. إيه اللي خلاك تجيبها هنا؟ أنت تعرفها؟"
رد فيصل: "أيوا أعرفها."
قالت فجر: "أنا شفتها في حفلة شركة حافظ غُمري وكمان سمعته وهو بيقول إنها هتيجي المسؤولة عن الدعاية وإدارة مزرعة المواشي بتاعته اللي هنا. واضح إنها قريبتُه لأني أعرف إنه مش بيدي لحد منصب عنده إلا من قرايبه. بس إنت ممكن توصلها عنده السرايا وهما هيهتموا بيها. ليه تحمل نفسك مسؤولية؟ هي اللي غلطانة لما فرملت العربية وخوفت الحصان."
رد فيصل بحزم: "هي المسؤولة أو أنا، مش مهم. أهم حاجة إنها تبقى بخير. وهى هتفضل هنا لحد ما تفوق ونطمن عليها. هي تحت تأثير مسكن، ولما تصحى هتمشي."
قالت فجر بغيره: "إنت هتفضل هنا لحد ما تفوق؟"
رد فيصل بجزم: "أيوا."
وقفت فجر وهي تشعر بالغيرة منها، ولكن لابد أن تظهر أمامه أنها ممن يفعلون الخير. قالت برياء: "أنا كنت هقولك إني هبات هنا معاها لحد ما تفوق ونطمن عليها، بس محرجة منك. مهما كان، إنت عارف وصعي. أنا مطلقة وأي حد ممكن يشوفني وتطلع عليا إشاعات أنا في غنى عنها."
رد فيصل: "مفيش داعي. في هنا شغالة هترعاها."
قالت فجر وهي تشعر بالغيرة من وجود تلك الفتاة بالمزرعة: "طب كويس. همشي أنا علشان بابا ميقلقش عليا."
سار معها فيصل إلى باب المزرعة.
في ذلك المطعم.
كان يسود الصمت بينهم، إلى أن قطعته ليلى قائلة بسؤال لعصام: "أنتم قررتوا تعملوا خطوبة إمتى؟"
نظرت لميس إلى عصام باستغراب من رده وهو يقول: "إحنا مش هنعمل خطوبة. إحنا هنعمل زفاف على طول. أنا طلبت كدا من جدو وقالي اتفق مع لميس على الميعاد المناسب."
قالت لميس باستسلام: "هشوف مع نغم وقت مناسب علشان شغلنا مع بعض في الدعاية. وأكيد هنقولك أنا وعصام على الوقت."
قالت ليلى: "إنتي تعرفي نغم دي من زمان؟ شايفة إنكم أصدقاء."
ردت لميس: "أيوا، كنا زملاء في المدرسة الداخلية سوا. وحتى أنا سافرت فرنسا لها واشتغلنا مع بعض هناك قليل. أما كنا بنفارق بعض لدرجة إن معظم اللي بيشوفنا بيفكرونا أخوات."
نظرت ليلى: "ونغم دي مالهاش غير باباها اللي بتقول إن بابا قتله."
ردت لميس: "لأ، ليها مامتها. وكمان عندها أخت عايشة في فرنسا هي وجوزها وكمان ابنها وجوزها."
نظرت ليلى بتفاجؤ: "هي نغم متجوزة وكمان عندها ابن؟"
ردت لميس: "أيوا، متجوزة من سبع سنين تقريباً. بس الجواز الفعلي كان من حوالي خمس سنين وخلفت منه ولد في فرنسا."
شعرت ليلى بالغيرة منها أكثر. حاولت تغيير مجرى الحديث وتقول: "إحنا أخدنا الحديث عن نغم ونسينا إننا هنا علشان نتعشى. فبلاش نتكلم عن الشغل وخلينا نتكلم عن تحضيراتك للزفاف. يعني مثلاً فستان الزفاف، أنا شايفة جسمك حلو ومش هتحتاجي لمصمم خاص يداري عيوب جسمك. فممكن تشتريه جاهز من باريس. وإن كان على عرج رجلك، مش هيبان. ممكن طول الزفاف تقعدي في الكوشة."
نظر إليها عصام بغضب وقال: "أنا شايف إن عرج رجل لميس ميسببش حرج لها."
شعرت لميس بألم من حديث ليلى وردت عليها: "أما نحدد ميعاد الزفاف هبقى أفكر. إنما أنا دلوقتي مشغولة بأمر تاني. ووقتها أكيد هستشيرك. أنا عارفة ذوقك طول عمره حلو."
كانت لميس تتحدث وهي تنظر بتسلية إلى شاهر الذي كان ينظر لها بتعمق.
قال عصام: "أكيد، أما نحدد الميعاد كل شيء هيجهز بسرعة."
بعد وقت، انتهوا من العشاء.
اصطحب عصام لميس إلى السرايا مرة أخرى. وقف قبل أن تدخل إلى السرايا ممسكاً بيدها يقول بأسف: "أنا بعتذر عن حديث ليلى الجارح. بس صدقيني، ليلى دايماً متسرعة وبتقول اللي هي عايزاه ومبتعرفش إذا كان اللي قالته جارح أو لأ."
نظرت لميس إليه وابتسمت برياء وتقول: "لأ، أنا مش مضايقة منها. لأني عندي حاجة أنا متأكدة إنها مش عندها، وتتمنى تكون عارجة زيي وتمتلكها."
رد عصام باسمًا: "وإيه هي الحاجة دي؟"
ردت بمزح: "عندي روح حلوة وبحب من قلبي، مش رياء زيها."
مال عصام يقبل يدها ويقول: "في دي أنا متأكد منها."
ضحكت لميس دون رد.
قال عصام: "هدخل معاك أسلم على جدي."
في مكان بعيد عن الأنظار، كانت أقبال تنتظر.
جلس جوارها مبتسماً قائلاً: "عاش من شافك يا أقبال. من مدة طويلة متقابلناش وجهًا لوجه."
ردت بنزق: "وكان نفسي متقابلش معاك، بس المصلحة حكمت."
رد: "وإيه هي المصلحة؟"
قالت له: "بنت مجدي الفارسي."
نظر إليها باستغراب وقال: "مالها؟"
ردت: "شفتك يوم ما قتلت بنت حافظ غُمري."
قال بخوف: "بتقولي إيه؟"
سردت له أقبال ما قالته نغم يوم برّأت والدها أمام حكيم، دون أن تخبره أن نغم لم تر وجهه.
قال لها: "وحكيم صدقها؟"
ردت عليه: "لأ، بس ضميره بيأنبه إن ممكن يكون كلامها صدق."
قال: "لما شافتني إزاي الوقت ده كله معرفتنيش؟ وأنا معظم الوقت ليا صور منشورة في البلد كدعاية انتخابية، وكمان كنت في حفلة الشركة وكنا وجه لوجه. كانت اتعرفت عليا."
نظرت إليه وتقول: "منصور، أنا زمان وقفت معاك لما كنت عايز تقرب من سلوى مرات حكيم الأولانية. لما كنت هتموت نفسك عليها، وبدل ما تغويها، اتغويت أنت بيها وحاولت اغتصابها. واللي شال التهمة وقتها مجدي الفارسي، اللي دخل بالصدفة وقتها."
"ودلوقتي، أنا بطلب منك طلب لازم تنفذه."
قال منصور: "وإيه هو الطلب؟"
ردت أقبال: "نغم دي عندها ولد، لازم يختفي."
نظر إليها بتعجب: "وابنها عايزاه يختفي ليه؟"
ردت أقبال: "أنا حاسة إن الولد ده ممكن يلعب على حافظ بيه ويكتب لها جزء من ممتلكاته."
قال منصور: "والتمن هيكون إيه؟"
ردت أقبال: "التمن هيكون المستندات اللي معايا تثبت إن مصنع الأسمدة والمكملات الزراعية اللي عندك مضرة بالبيئة، وكمان مخلفات المصنع اللي بيصرف في الترعة اللي جنب المصنع الملوثة بالمواد السامة الخطرة على الحيوان والإنسان."
قال منصور: "بس مقدرش أعمل كده. أنا كبرت، مش زي زمان. وكمان الولد ده فين؟"
نظرت إليه أقبال وتقول: "ورجالتك اللي قتلوا جوز بنتك الأولاني، الظابط اللي كان هيكشف إنك بتستورد مواد كيميائية مسرطنة، فين؟"
نظر إليها بتعجب وريبة.
ابتسمت وتقول: "أنا عارفة عنك كل حاجة. متنساش إن كان بينا في يوم ود قديم."
"الولد في سرايا حافظ. أكيد مسيره هيخرج، ولازم تكون جاهز في أي وقت يخرج فيه، وأنا هحاول أجيب لك صورة له."
دخلت لميس إلى غرفتها لتجد نجوى تنام مستيقظة وجوارها الطفلان. أشارت لها بالصمت، وقامت من جوارهم وخرجت من الغرفة وقفت أمام الباب.
قالت نجوى: "إيه آخرك؟ وكمان التانية، كل دا شغل؟ دي مكلفتش نفسها تتصل وتقول هتتأخر. أنا قلقانة عليها."
قالت لميس: "هي ناني لسه مرجعتش ليه؟ ده إعلان. أنا هتصل عليها."
رن هاتف نجوى. نظرت إليه سريعاً أملاً أن تكون نغم. نظرت إلى لميس وقالت: "ده طاهر." وردت عليه.
سمعته يسألها: "لماذا تأخرت؟"
ردت وتقول له: "أنا مع مجدي وجوانا ولميس جت أهي هتفضل معاهم. بس أنا بتصل على نغم مش بترد عليا وقلقانة عليها. قالت إنهم هيصوروا إعلان في المزرعة والساعة بقت عشرة ونص ولسه مجتش وبتصل عليها مش بترد."
قال طاهر بتطمين: "يمكن مش سامعاه أو صامت أو مشغولة في الإعلان."
قالت له: "خلاص، مسافة السكة وهكون عندك. يلا سلام عليك."
نظرت لميس وتقول بمرح: "يا عيني على الرومانسية! أوعدني يارب، تيتو مش قادر على بعدك."
ابتسمت وضربتها على يدها وتقول: "خلي عندك أدب."
مسكت لميس خدود نجوى وتقول بمزح: "يعني تيتو يقدر يستغنى عن التفاح اللي في خدودك ولا الكريز اللي في شفايفك ولا القوام الغزالي ده؟ ولا إنتي تقدري تستغني عن الجان تيتو؟ خلي بالك النوع ده بيعجب البنات قوي اليومين دول. أنا عن نفسي هموت وأخطفه منك، بس هو يعطيني وش. بس تقولي إيه، ساحرها."
ضحكت نجوى وتقول: "يا بت استحى، عندك عصام."
"بقولك خلينا نتكلم جد شوية. مش هتقولي لعصام على بنتك؟"
ردت لميس: "هقوله. أنا مستنية شاهر أشوف هوصل معاه لأيه آخر الأسبوع. ووقتها هقوله إني كنت متجوزة في فرنسا وعندي بنت. ولو اختار إنه يكمل معايا، هبدأ من جديد معاه. ولو لأ، هأسس ليا ولبنتي حياة."
"أنا مش عارفة ليه جدي مقالوش إني كنت متجوزة. كان وفر عليا الموقف ده وكنا عرفنا اختياره من الأول."
ضمت نجوى لميس بحنان: "أنا متأكدة إن عصام هيكمل معاكي وهيتفهم ظروفك. إنتي ونغم كنتوا ضحايا للي مقدروش حبكم وربنا هيعوضكم."
وقف طاهر يفكر في قول نجوى أن نغم لم تعد ولم ترد على هاتفها، وكذا فيصل لم يعد إلى البيت إلى الآن. دخل إلى قلبه شك أن يكون فيصل السبب في تأخرها.
قام بمهاتفته.
بمجرد أن رد عليه، اندفع سائلاً: "نغم لغاية دلوقتي مرجعتش؟ وهى كانت في المزرعة اللي جنب أرضك؟"
رد فيصل: "نغم معايا في استراحة المزرعة."
قال طاهر: "إنت خطفتها؟"
رد فيصل ضاحكاً: "هو في حد بيخطف مراته يا بابا؟ كل الحكاية نغم اتعرضت لحادثة وهي راجعة، ودلوقتي نايمة."
قال طاهر بقلق: "حادثة إيه؟"
سرد فيصل له ما حدث معها ويقول بطمئنة: "هي كويسة، بس محتاجة راحة وأخدت مسكن وهتبقى كويسة."
قال طاهر: "وهي قبلت تفضل معاك بسهولة كده؟"
رد فيصل: "طبعاً. لت بس المسكن هو السبب. لما أخدته نامت."
رد طاهر: "هو مسكن ولا منوم؟"
ضحك فيصل: "الصراحة منوم. هي كانت رافضة تقعد وكانت دايخة، وأكيد كانت هترفض إني أوصلها. فعنيات اتصرفت وكان عندها منوم فجابت منه لها ولما أخدته نامت فوراً."
قال طاهر: "ولما هتصحى هتعمل معاها إيه؟"
رد فيصل: "نغم مراتي وأم ابني، وأنا مستحيل أأذيها يا بابا."
رد طاهر: "بلاش عند يا فيصل معاها. ويكمل بجزم: نغم مش عايزة تكمل معاك، وإلا كانت رجعت على هنا، مش عند جدك."
شعر فيصل بألم من خوف والده أن يؤذي نغم.
قال: "نغم هي نفسي اللي لقيتها، وأنا مستحيل أأذيها تاني."
قال طاهر: "أنا هقول لنجوى أنها معاك علشان متقلقش عليها. مع إني متأكد إنها هتقلق أكتر، بس هحاول أطمنها."
أغلق فيصل الهاتف ووقف يتأمل ظلال الأشجار العالية أمامه من شرفة الغرفة. شعر بألم، ففي هذا المكان صدمها حين قال لها أنه يحب أخرى وأنهى آمالها في حبه لها وقتها. وهي استسلمت للأمر، ولولا ما حدث تلك الليلة لكانت الآن بعيدة عنه. ورغم أنه نادم على تلك القسوة التي عاملها بها، إلا أنها هي من أزالت عن قلبه غشاوة عشق كاذب لأخرى.
دخل إلى الغرفة ليجد نغم تغط في نوم عميق. وقف يتأملها بتلك الكدمة الظاهرة في جبينها وشعرها المتناثر حول وجهها.
لينام بجوارها وهو يزيح بعض خصلات شعرها عن عنقها، يقبله ويستنشق رائحة شعرها التي أمسكه بين يديه.
ليقوم بتقريبها إليه، واضعاً إحدى يديه عليها، يضم نفسه إليها، يدفس رأسه في عنقها.
يهمس قائلاً: "أنا مش عارف إمتى دخل قلبي عشقك من أول مرة شوفتك في الجنينة وإنتي بتحاولي تقطفي العنب، ولا من قبل ما أشوفك حتى. بس اللي أعرفه إنك بالنسبة ليا الحياة بمرها وحلوها. بأفراحها. أنا حاسس إني ميت في بعدك عني. سامحيني يا نغم حياتي."
رواية نغم سطوة العشق والانتقام الفصل العاشر 10 - بقلم سعاد محمد سلامه
وقفت نجوى تتصل على هاتف نغم الذي يرن ولا ترد عليه، ليزيد لديها القلق.
لتجد طاهر يقف جوارها يقول:
"بنادي عليكِ مش بتردي، خير؟"
لترد بقلق:
"نغم بتصل عليها تليفونها بيرن ومش بترد، والساعة بقت حداشر ونص. واتصلت على لميس قالت لي لسه مرجعتش، أنا بفكر أروح لها المزرعة."
ليقول طاهر:
"اطمني، نغم كويسة."
لتنظر له بلهفة:
"بجد؟ هي اتصلت عليك؟"
ليرد طاهر:
"لأ، فيصل. أنا اتصلت عليه."
لتقول نجوى بخوف:
"ليكون خطفها؟ هو أكيد خطفها. تليفونها بيرن وهي مش بترد، أكيد هيأذيها، خطفها فين؟ قول لي يا طاهر."
ليقول طاهر بألم:
"فيصل مش مجرم يا نجوى علشان تخافي منه كده."
لتقول نجوى:
"واللي عمله زمان كان يفرق إيه عن المجرمين؟"
ليرد طاهر:
"كان غلطة وتهور ودفع تمنه، وعرف غلطه وبيحاول يقرب من نغم وعايز ينسيها الألم اللي عاشته بسببه. ليه متعطهوش فرصة؟ ومتنسيش إنها مراته، ومفيش حد بيخطف مراته. فاطمني، أنا متأكد إنه عمره ما يأذيها مرة تانية، هو أكيد هيتفاهم معاها بالراحة."
لتقول:
"وانت اتصلت على فيصل امتى؟"
ليرد:
"بعد ما اتصلت عليكِ وقلت لي إن نغم لسه مرجعتش. أنا قلقت عليها، ولما اتصلت عليه قال لي إنها معاه."
لتقول نجوى بترقب:
"وهي كلمتك؟"
ليرد طاهر بكذب:
"أيوا، وقالت لي أطمنك عليها. هما هيقعدوا يتكلموا بهدوء، يمكن يوصلوا لنقطة يبدأوا منها حياتهم."
ليهدأ قلب نجوى قليلاً.
***
جلست فجر على تلك الأرجوحة بحديقة الفيلا التي تقطن بها مع والداها. تعيد ذكرياتها، لهفة فيصل وخوفه على تلك الفتاة.
حسدتها على حمله لها بين يديه. كم شعرت بالغيرة منها، تسأل نفسها: "لما هي؟" يومًا لم تفرض نفسها على أحد مثلما تفعل مع فيصل، لما ترغبه بشدة؟
كانت هي من يرغب بها ويتمنى وصالها الآخرون.
ظلت تفكر، لتأتي إليها فكرة أنها بدأت تقع تحت سطوة عشق فيصل، لتنفض الفكرة سريعًا. فهي تجيد التحكم بمشاعرها جيدًا، يتحكم عقلها لا قلبها.
لتجد والداها يجلس إلى جوارها بيده تلك السجائر الكوبية الضخمة.
ليقول لها:
"سهرانة بتفكري في إيه؟"
لترد ببسمة:
"بفكر في فيصل العفيفي."
لينظر لها والداها باستغراب:
"معقولة فيه حد يتسبب في سهر فجر الفهد؟"
لتقول:
"أنا منكرش إنه صاحب شخصية قوية ومتينة. يعني بيتعامل بحزم وقوة مع العمال اللي عنده، ومع ذلك محبوب منهم مش مكروه. عارف هدفه ومحدده له، كلمة مسموعة ورأي أكبر، متعلم ممكن يأخذ بيه."
ليقول منصور بقلق:
"أنا بنصحك تبعدي عنه، إنتي داخلة على حبه."
لترد بنفي:
"حب إيه يا بابا؟ دا إعجاب مش أكتر. أنا الوحيدة اللي حبيته كان حسام جاد، وقلبي مات معاه."
ل يقول منصور بارتباك:
"أنا هقوم أنام."
ليشرق ويسعل قليلاً.
لتقول فجر:
"الدكتور طلب منك تبطل السيجار اللي بيتعب صدرك."
ليرد منصور:
"اللي هيمشي وراء الدكاترة مش هيقوم من السرير. وبعدين دا هي واحدة بس اللي بشربها في اليوم، يعني مش هتأثر كتير. أنا رايح أنام، تصبحي على خير."
لتقول فجر بتذكير:
"ألا أنت كنت فين؟ أنا جيت مكنتش موجود."
ليرد:
"كنت بقابل صديق قديم متعرفهوش، عايزني."
لتقول فجر:
"وكان عايزك ليه؟"
ليرد:
"عايز خدمة بسيطة وأنا هعملها له."
لتقول:
"متنساش بكرة عزومة فيصل على العشا."
ليقول منصور:
"مش ناسي، وهكون في استقباله، يمكن يكون صهرنا الجديد."
لتبتسم فجر بأمل.
***
لم تستطع نجوى النوم، قلقًا على نغم.
كان يشعر طاهر بتقلبها كثيرًا بالفراش، عاذراً إياها بخوفها على ابنتها. ولكنها وقعت تحت سطوة النوم لدقائق.
لتحلم.
رأت.
مجدي يقف متطرفًا على سور أحد البنايات الشاهقة العلو. وترى نغم تقف بالقرب منه تحاول جذبه إليها، لكنها تفشل. ليسقط مجدي من علو.
لتسقط خلفه نغم، مستسلمة لهاوية تسحبها خلفه لقدر قد يُنهيها.
لتصحو فزعة وتضع يدها على قلبها، تستغفر من الشيطان الرجيم.
ليصحو طاهر قائلاً بخضة:
"مالك؟"
ويأتي لها بالماء من جواره ويعطيه لها.
ولكنها رفضته.
ليضعه طاهر مكانه.
ويضع يده على ظهرها ويقول:
"مالك؟ في إيه؟ شوفتي كابوس؟"
لتومئ برأسها وتقول:
"أيوا."
ليقول بتطمين:
"دا بسبب قلقك على نغم، بس أنا متأكد إنه مش أكتر من حلم."
ليضمها طاهر إلى حضنه، لتضع رأسها على صدره وتقول:
"أنا عندي شعور سيء، في حاجة هتحصل لنغم. أنا ندمانة إني وافقت عمي حافظ من الأول على دخول نغم للمدرسة الداخلية وبعدها عن حضني وهي صغيرة. كان لازم أتمسك بيها جنبي زي أختها."
ليرد طاهر:
"بس دا كان رأي الدكتور النفسي اللي كان بيعالجها، إنها تبعد عن المكان اللي حصل فيه الحادثة لفترة لحد ما عقلها يستوعب اللي حصل وقتها."
لترد نجوى:
"نغم طول ما كانت بعيدة أنا كنت مطمئنة عليها. مش عارفة ليه مسيطر عليا إحساس سيء من يوم عمي حافظ أعلن اسمها قدام حكيم. وكمان لما قالت لي على مواجهتها مع حكيم. حكيم عمي حافظ بيقول عليه شخصيته ضعيفة قدام مراته إقبال، وإقبال شريرة بطبعها. وكمان ليلى شكلها غبية، عندها غل من نغم بسبب المزرعة اللي أعطاها لها إدارتها وسحبها من تحت إدارة شاهر جوزها."
ليبتسم طاهر وهو يضمها بتطمين:
"أهو إنتي عارفة عنهم كل حاجة، وهما ميعرفوكيش، ولا حتى يعرفوا حاجة عن نغم غير إنها بنت مجدي الفارسي. أنا متأكد إن فيصل مش هيسمح لحد بأذيتها."
لتنظر إليه وتصمت. فخوفها الأكبر من فيصل وضعف نغم أمامه، فهي لم تضعف سوى معه.
لتقول نجوى بتمني:
"ياريت نغم ما كانت رجعت تاني هنا. أنا مش عارفة ليه طاوعتها لما قالت لي إن عمي حافظ طلب منها تنزل علشان تظهر حقيقة قتل والداها الكاذب. أنا هطلب منها تبعد عن هنا تاني، هي طول ما هي بعيدة عن هنا في أمان."
***
انتهى ظلام الليل سريعًا وبدأت تشرق الشمس.
استيقظ فيصل من النوم، أو بالأحرى من غفوته. فهو ظل طوال الليل ينام على صدر نغم ويشعر بدقات قلبها التي تهدأ ثورة قلبه، ولكن غلبه سلطان النوم قليلاً.
ليصحو ويرفع رأسه عن صدرها.
ليجدها مازالت نائمة.
مال يتأمل ملامحها عن قرب.
ليرى أنها لم تكبر، مازالت تلك الصغيرة التي رآها أول مرة بحديقة منزله، فقط اكتسبت أنوثة أكثر بملامح رقيقة تشع أمل وحزن.
تنهد لائماً حماقته القديمة حين أخبرها بحبه لأخرى. يراها الآن كبقية النساء، لا تهفو حتى بباله.
أما هي، فيشتاق قربها كل جوارحه، قلبه قبل عقله، عقله قبل جسده.
مال مقتربًا منها، مقبلاً شفتها بقبلة هادئة. ليشعر كأنه استرد حياته من بين عبير أنفاسها.
اكتشف ببعدها عنه أنها هي الإكسير الذي بقربها يستطيع تكملة الباقي من عمره.
أخرجه من تأمله لها صوت رنين هاتفه.
ليجذبه وهو يعلم هوية المتصل بهذا الوقت المبكر.
وصدق حدسه.
حين فتح الخط يرد على المتصل.
ليسمع من تقول بلهفة وترقب:
"نغم فين؟ أديهالي أكلمها."
ليرد:
"صباح الخير يا طنط نجوى."
لينزل من على الفراش ويتجه ناحية باب الشرفة، يفتحه بحذر ويدخل الشرفة.
ليسمعها تقول بتعصب:
"بقولك نغم فين؟ أنا عايزة أطمن عليها."
ليرد قائلاً:
"نغم لسه نايمة. أو عايزه تكلميها؟ أصحيها."
لتقول نجوى بحزم:
"أيوا، صحيها تكلمني."
ليدخل مرة أخرى إلى الغرفة ليجد نغم بدأت تستيقظ، ويبدو أنها تشعر بألم برأسها.
ليقول لها:
"مامتك على التليفون وعايزة تطمن عليكِ."
لتنظر باستغراب له. ليميل هامسًا بجانب أذنها:
"هي متعرفش إنك اتخبطتي في العربية، ياريت تطمنيها."
لتشعر نغم بقشعريرة بجسدها من همسه لها بتلك الطريقة الهادئة، ولكن تنفض عنها سريعًا وتأخذ الهاتف من يده بقوة وترد على والدتها قائلة:
"أيوا يا ماما، صباح الخير."
لترد نجوى عليها الصباح وتسألها:
"إنتي كويسة يا نغم؟ فيصل أذاكي؟"
لترد نغم وهي تنظر إلى فيصل:
"أيوا كويسة جدًا يا ماما. وتكمل بلهفة: قولي لي ميجو فين؟"
لتقول نجوى:
"مع لميس في سرايا عمي حافظ، وأنا سبته معاها امبارح بالليل، مرضتش أخده علشان إنتي محذرة إن يجي هنا البيت."
لتتنهد نغم براحة.
لتقول نجوى:
"هتيجي امتى؟"
لترد نغم:
"مش هغيب. ونتقابل في سرايا جدو حافظ. زمان لميس العيال جننوها، ووقت ما هرجع هتعقد تحسسني إنها كانت بتحارب معاهم، وهي تلاقيها قعدت أكلت أكلهم، والأسم بتأكلهم."
لتضحك نجوى وتقول:
"طالما بتهزري كده يبقى أنا اطمنت عليكي. يلا تعالي ومتغيبيش علشان تحكي لي على اللي حصل."
"بلا بالسلامة." لتغلق الهاتف.
كانت عين فيصل عليها، لم تنزل طوال محادثتها مع والداتها.
لتمد نغم يدها له وتقول:
"اتفضل تليفونك."
لتنظر إلى نفسها تجد ليس عليها البلوزة التي كانت ترتديها.
لتقول بخوف:
"فين بلوزتي؟ ومين اللي قلعها لي؟"
ليرد فيصل:
"البلوزة أهي، أنا اللي قلعتهالك علشان تعرفي تاخدي راحتك في النوم، مش أكتر."
لتخطف البلوزة من يده وتقول:
"بدور على راحتي قوي؟ شكراً. أنا عايزة أمشي. أنا معرفش أنا فضلت هنا إزاي أصلاً. أنا بعد ما أخدت المسكن محستش بحاجة. تلاقي هو اللي قال للشغالة تجيبه."
ليبتسم فيصل دون رد، ووقف يتأمل تذمرها كالأطفال. مازالت تلك البريئة التي تحدثت معه لأول مرة بحياته.
نزلت من على الفراش بعد أن ارتدت بلوزتها مرة أخرى.
لتقول باستهجان:
"الحمام فين؟ عايزة أغسل وشي علشان أفوق وأمشي من هنا. وفين عربيتي؟"
ليقول فيصل وهو يشير لها الحمام:
"أهو، وعربيتك هنا في المزرعة. إنما مش هتمشي من هنا غير لما نتكلم ونتفق الأول."
لترد بغضب:
"مفيش بينا حاجة نتكلم أو نتفق عليها."
ليرد ببرود:
"لأ، فيه حاجات كتيرة، مش حاجة واحدة. أنا هنزل أقول لعنيات تحضر لنا الفطور، وهستناكي تحت."
ليخرج قبل أن ترد بما يزعجه ويعكر صفوه بقربها.
لتقف نغم تتنهد وهي حائرة بمشاعرها.
***
بحديقة فيلته كان يجلس، لتضع أمامه الخادمة كوبًا من القهوة الداكنة.
ليجد من يضع يده عليه من الخلف مبتسمًا يقول:
"قهوة على الريق."
وهو ينظر إلى الخادمة ويقول:
"اعملي لي أنا كمان فنجان قهوة دوبل مظبوط."
ليجلس جواره قائلاً:
"إيه سبب القهوة دي عالصبح يا حكيم باشا؟ لو إقبال شافتك هتمنعها عنك وتقولك الضغط مش مظبوط."
ليبتسم حكيم قائلاً:
"وانت إيه مصحيك بدري؟ مش عادته يا عصام."
ليتنهد عصام قائلاً:
"أنا منمتش أصلاً، كان فيه حسابات للشركة بخلصها علشان السنة المالية الجديدة."
ليقول حكيم بخبث:
"منمتش علشان كده بس؟ مفيش سبب تاني؟ اسمه لميس مثلاً وعشا امبارح؟"
ليضحك عصام قائلاً بتنهيدة:
"لميس دي من زمان مسهراني. حتى أما جدي قربنا من بعض حاسس إنها بتبعد عني. الأول كنا بنهزر ونضحك مع بعض، إنما من يوم ما رجعت من فرنسا حسيت إنها متحفظة في الكلام معايا. وكل ما قرب منها بتبعد هي. حتى امبارح كنت عازمها على العشا، ولسوء الحظ قابلت ليلى وشاهر في المطعم. وطبعاً ليلى قعدت هي وشاهر معانا، وانت عارف ليلى لازم تلدغ اللي قدامها بسمها وحسستها بعرجها. ولميس مبينتش زعل، بالعكس اتقبلت كلامها عادي. ولما جيت أعتذر منها قالت إنها مش زعلانة، حتى قلت لها هسلم على جدو، سابتنا وقالت إنها عايزة تنام."
ليرد حكيم:
"حاول تقرب منها، يمكن انت اللي مفكر كده وتكون غلطان. أنا زمان غلطت لما خبيت حبي لأبتهال لحد ما شافت غيري واتعلقت بيه واتجوزته بالغصب. وبعدها أنا اتجوزت سلوى أختها، ومرتحناش مع بعض. أنا ظلمتها كتير معايا وأنا بتجوز عليها واحدة ورا التانية، وهي مطلبتش الطلاق مني برغم ده كله. هتصدقني لو قلت إن اكتشفت يوم موتها إنها كانت حب عمري اللي ضيعته بغبائي. دفنتها ودفنت قلبي الظالم لها معاها. هي ارتاحت من عذاب حبها ليا، وأنا ابتدي عذاب قلبي. لما شوفتها وهي بتموت مفكرتش، وقتلت مجدي ومش عارف إذا كان مدان بدمها أو بريء. بس من ليلة ما بنته واجهتني وأنا حاسس بعذاب ضمير كبير مش قادر أتخلص منه. من ناحية بعذاب ظلمي لأبتهال اللي سبب عقدة لليلى لما كانت بتشوف هجري ليها ولوالداتها وبقائي معاك إنت وأقبال. وكمان لو كان مجدي الفارسي بريء من تهمة محاولة اغتصاب أبتهال وقتلها. حاول تفهم لميس، يمكن جواها خوف من حاجة."
لينظر عصام لوالده بدهشة وهو يفكر كيف يستطيع استمالة قلب لميس له.
***
عندما ترك فيصل نغم، وقف أمام الباب قليلاً يزفر أنفاسه، يتنهد.
نزل إلى الأسفل ليدخل إلى المطبخ ليجد عنيات تقف به. ليقول لها:
"جهزي فطور لاتنين يا عنيات، وأما تجهزيه ناديني من عند الكلاب."
ليذهب ويتركها.
خرجت نغم من الحمام بعد أن غسلت وجهها، لتنظر في المرآة لتجد تلك الكدمة ظاهرة بجبهتها. لتضع يدها وتضغط عليها لتجدها تؤلمها.
لتقول:
"حالاً ماما هتتخض أما تشوفني وهتقول فيصل هو السبب."
لتسمع طرق على الباب.
لترد:
"أدخل."
لتفتح الباب عنيات وتدخل تقول باحترام:
"حمد لله على سلامتك. امبارح فيصل بيه كان مخضوض عليكِ قوي."
لتنظر نغم إليها باستهزاء وتقول بتهكم:
"بجد؟ فاجئتيني."
لتقول عنيات:
"أنا حضرت الفطور، وفيصل بيه زمانه دخل السفرة علشان يفطر، وقالي أعرفك إن الفطور جاهز."
لتقول نغم:
"إنتي بتشتغلي هنا من امتى؟"
لترد عنيات:
"من أربع سنين تقريبًا. بشتغل أنا وجوزي، هو هنا كبير عمال. وتكمل بتسألي ليه يا ست هانم؟"
لتقول نغم بتهكم:
"هانم ربنا يكرم أصلك. باين عليكِ طيبة، رغم المنوم اللي عطتيه ليا امبارح، بس تلاقي هو اللي أجبرك."
لترد عنيات بنفي:
"بس أنا محدش أجبرني، أنا اللي جبتلك المنوم من عندي لما لقيتك مصرة تمشي وكنتي تعبانة. بس ليه بتسألي بشتغل هنا من امتى؟"
لترد نغم:
"مفيش سبب، بس شكلك مش من البلد هنا."
لترد:
"ولاعشان أول مرة تشوفيني هنا؟ أنا عرفت من فيصل بيه إنك مراته، وأكيد جيتي هنا قبل كده."
لتنظر نغم لها بصدمة وتقول:
"هو قالك كده؟"
لتومئ عنيات برأسها وتقول:
"بصراحة أنا شكيت من أول ما شوفت لهفته وخوفه عليكِ. ولما سألته قال لي إنك مراته أم ابنه."
لتقول نغم باستهزاء:
"مراته وأم ابنه؟ أنا نازلة معاكي."
وقف فيصل مستغرباً وهو يرى فجر تقف أمامه بالقرب من السلم المؤدي إلى أعلى.
لتتحدث له وتقول برياء:
"أنا جيت بدري علشان أطمن على البنت اللي اتصدمت امبارح. هي مشيت؟"
ليرد فيصل:
"لأ، لسه هنا. معتقدش إنها هتمشي."
قبل أن يكمل حديثه.
سمع من خلفه.
"أنا همشي دلوقتي، وبشكرك على الاستضافة."
أستدار ليراها تنزل على السلم برفقة عنيات.
ليقول فيصل بحزم:
"مش هتمشي، إنتي أكيد لسه دايخة من خبطة امبارح."
لترد نغم وهي تنظر إليه بتحدي:
"لأ، همشي. علشان إنت مش فاتحها ملجأ. شكراً."
شعر فيصل بألم بصدره، فهي تلمح للماضي.
ليصمت قليلاً.
لتقول فجر:
"شهامة فيصل امبارح معاكي أكيد كرم منه، يستحق الشكر. إنتي اللي غلطتي لما فرملتي العربية مرة واحدة."
لتنظر باستهجان وتقول:
"شهامة فيصل؟ آه، ما هو الشهامة لها ناسها. وفعلاً أنا اللي غلطانة. عن إذنكم، لازم أمشي. فين مفاتيح عربيتي؟"
ليقول فيصل:
"المفاتيح في العربية."
ويمسك معصم يدها قائلاً بحزم:
"إنتي مش هتمشي، إنتي لسه الخبطة ممكن تأثر عليكي وإنتي سايقة العربية ومتعرفيش تركزي في الطريق."
لتنفض يده عنها بقوة قائلة:
"متخافش عليا، أخدت خبطة أكبر وأقوى من دي قبل كده وقمت منها."
لتتركه وتغادر وهو يقف يشعر بضيق ووعيد، وهي تعلق أمامه كل الطرق وتلمح للماضي وتبتعد عنه.
وقفت فجر تشعر بضيق من نظراته لها، وكذاك لتحايله عليها لعدم المغادرة.
لتقول له:
"أنا كنت جايه أطمن عليها، وكمان كنت عايزة أفكرك بعشا الليلة عندنا."
ليرد فيصل:
"أنا فاكر، وإن شاء الله هكون عندكوا أنا وبابا في الميعاد."
وقبل أن ترد فجر، كان صوت صراخ نغم القوي يأتي من الخارج.
ليخرج فيصل سريعًا بتلهف وخوف.
لتشعر فجر بالغيرة القاتلة وهي تتمنى سحق تلك الفتاة وتشعر بوجود مشاعر لدى فيصل لها.