تحميل رواية «نغم سطوة العشق والانتقام» PDF
بقلم سعاد محمد سلامه
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان يقف باكراً مع العمال الذين يقومون بجمع ثمار المانجو. ليأتي عامل يخبره: "فيصل بيه حافظ بيه بيقولك هيستناك على العشا عنده في السرايا الليلة." ليبتسم بتهكم: "وماله هاجي بس قوله إني مش بتعشى، بحب أنام خفيف، هفوت عليه الساعة عشرة ونص." لينصرف العامل باحترام. ليقف فيصل يزفر أنفاسه ويقول لنفسه: "يا ترى إيه اللي عايزه يا حافظ يا غُمري." كانت نائمة تحلم. بطفلة صغيرة تحمل دميتها، لتسمع صوت شجار عالٍ. لتدخل وتُصعق وهي تجد والداها يضرب بالرصاص أمام عينيها ويهوي أرضاً. لتقع دميتها ويتحطم قلبها. استيقظت ب...
رواية نغم سطوة العشق والانتقام الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سعاد محمد سلامه
وقفت في شرفة الغرفة تنظر أمامها لترى حكيم يجلس مع عصام يتحدثان.
تهمس لنفسها: "البت دي لازم تمشي من هنا بسرعة، وجودها بيصحّي ضميرك. أنا عارفة إنك بتتعذب من اللي عملته في ابتهال زمان وهجرك ليها."
تفكر في الماضي، كيف عاقب ابتهال بهجره لها هي وطفلتها. وكفّت نفسها عن وريث عائلة عمري.
الذي ادعت أنها ضحت من أجله، من أجل طفل أختها حين تزوجت حكيم. ولم يكن سبق لها الزواج، وهو كان على ذمته ابنة عمه التي رفض طلاقها كرامة لعمه.
ولكن في الحقيقة كان يحبها، ولكن كانت الغشاوة على عينه حين أحب من لم تشعر به.
وقفت توعد بتلك الفتاة التي أيقظت الضمير مرة أخرى.
***
حين خرجت نغم من الاستراحة كانت تشعر بنيران بقلبها الذي يكاد يخرج من صدرها، متألماً من رؤية فجر جوار فيصل.
حدثت نفسها ناهره: "غبية، غبية يا نغم. بعد دا كله ولسه في قلبك؟ هتفوقي إمتى؟"
لتنزل دموعها، تمسحها يدها سريعاً وتنظر أمامها لترى سيارتها بالحديقة بالقرب.
لتذهب إليها.
وقفت أمام باب السيارة لتفتح بابها، لا يفتح.
لتنظر بالداخل لترى مفاتيح السيارة بالكونتاك.
لتقف وتتنهد: "سايب مفاتيح العربية جواها وقافل المِسوّجر. أعمل أنا إيه دلوقتي؟ أفتحها إزاي بالطفاشة؟"
وقفت ثوانٍ لتفكر.
لتقوم بسحب إحدى مشابك الشعر من رأسها، تدخله بكالون السيارة تحاول فتحها.
لكنها سمعت صوت قريب منها، لتنظر إليه لتجد...
من ينظران إليها ويستعدان للهجوم عليها.
لتعود للخلف ببطء.
لتجرى وتصرخ.
خرج فيصل سريعاً على صوت صراخها، ليراها تهرول سريعاً باتجاهه.
في ظرف ثوانٍ كانت بين يديه.
ليضمها إليه بحماية، ويستدير بها وينتظر أمامه ويبتسم قائلاً بأمر: "وعد، رعد."
ليقف الكلبان جواره يلهثان.
أما هي، فبين يديه ترتعش، وشعر بدقات قلبها السريعة وتكاد تموت من الخوف.
ليبتسم، فلأول مرة ترتعش بين يديه، ليس بسببه بل بسبب خوفها من الكلبان.
دفن رأسه بعنقها، بنعش روحه بعبقها، ليطبع قبلة مطمئنة بعنقها قائلاً بهمس: "اهدِي ومتخافيش، الكلاب لو حسوا بخوفك هيأذوكي."
لتحاول الابتعاد عنه، ولكنه حاصرها بين يديه قائلاً: "على فكرة الكلاب لسه واقفة."
لتخاف وتضم نفسها إليه أكثر، قائلة: "مشّيهم لو سمحت."
ليضحك مستمتعاً بها بين يديه، يتمنى أن ينتهي العالم وهي بين يديه مستكينة هكذا.
لكن ليس كل ما يتمناه يدركه.
خرجت فجر ورائه، لتراه يضمها إليه بحماية.
لتشعر بالغيرة منها.
لتقول باستهجان: "خايفة من كلبين؟ أكيد إنتي اللي استفزيتيهم بحاجة."
لتخرج نغم من بين يديه وترد: "أنا كنت بفتح عربيتي لقيتهم واقفين جنبي، خوفت منهم."
ليقول فيصل بتبرير: "يمكن علشان أول مرة يشوفوها، مش أكتر."
ليمسك يدها قائلاً: "تعالي ارتاحي من الخضة جوه."
لتقول فجر بغيرة وهي تراه يجذبها من يدها: "أنا لازم أمشي، أنا كنت جاية أطمن عليها وكمان أفكرك بميعاد العشا النهارده، هستناك أنا وبابا الساعة تمانية ونص."
بمجرد ما سمعتها نغم، اهتز قلبها وشعرت بألم بقلبها.
لتسحب يدها من يده بعنف، وهي تنظر له بألم وتقول: "أنا لازم أمشي، ماما هتقلق عليا."
شعر فيصل بتغيرها، ليشعر بألم وهو ينظر لها ويرى أنها تترك يده وتبتعد عنه.
كان يود جذبها إليه وتقبيلها وإخبارها أن من يحتل عشقها قلبه هي.
لكن جملة قالتها باستهزاء أنهت أمله.
الجملة هي: "وهو يقدر يتأخر على فجر هانم الفهدي، فتاة أحلام البلد كلها؟ قبل تمانية هتلاقيه عندكم في البيت."
"أمشي أنا علشان معطلوش."
لتتركهم وتذهب باتجاه سيارتها، لتأتي بحجر كبير من على الأرض وتكسر زجاج باب السيارة وتفتح مسوّجر باب السيارة وتدخل السيارة تقودها مغادرة أمام نظراته الحزينة.
لتقول فجر: "أنا مش عارفة مالها، بدل ما تشكرك على اللي عملته معاها بتتريق عليك؟ واضح إنها قليلة الذوق."
لم يأخذ باله من حديثها، ففكره مشغول بتلك التي غادرت وهي تظن السوء.
ليفكر بالذهاب إليها وإفهامها الحقيقة، أن من بقلبه وعقله هي من تشتاقها روحه هي.
لاحظت فجر شروده، لتقول: "على فكرة هي مشيت، وأنا كمان لازم أمشي."
ليقول فيصل: "تمام، مع السلامة. وأنا بابا هنكون تمانية ونص عندكم."
تركته فجر وهي تريد سحق تلك الفتاة التي يبدو بوضوح أنه يريد قربها.
أما هو، فتنهد حزيناً، يتمنى أن تعطيه فرصة ثانية ليبدأ من جديد معها.
***
استيقظت على مداعبة الطفلين لها وتنطيطهما جوارها على الفراش.
لتصحو وهي تشعر بضيق.
لتنظر لهم قائلة: "إنتوا إيه اللي صحاكم دلوقتي؟"
ليبتسم الطفلان.
ليقول مجدي بطفولة: "ماما فين؟ أنا جعان."
لترد في نفسها: "تلاقيها عايمة في العسل مع باباك وأنا هنا أقوم بدور الدادة، حظوظ."
"شاطرة، تقر وتقول إني مش ببطل أكل، تيجي تشوف ابنها صاحي من النوم يقولي جعان."
لتبتسم للطفلين قائلة: "الأول ندخل الحمام نغسل سناننا وننزل نشوف تهاني هانم صحيت ولا لأ."
بعد قليل نزلت، لم تجد تهاني، لتعلم أنها مازالت نائمة.
لتقوم بتحضير الأكل للطفلين وتقول: "اقعدوا إنتوا افطروا ومتتشاقوش، وأنا خمس دقايق وراجعالكم."
ليومئا برأسهما بموافقة.
أما هي، فذهبت إلى الثلاجة وأخذت زجاجة مياه باردة، ثم ذهبت إلى غرفة تهاني متوعدة.
دخلت بهدوء تتسحب، لتنظر إلى الفراش تجدها غارقة بالنوم.
لتقف وتتنهد بهدوء وتنظر لها بغيظ متوعدة، لتقوم بفتح زجاجة المياه وسكبها عليها.
لتستيقظ تهاني فزعة تنظر إليها وتقول: "إيه فيه؟"
لتكمل لميس سكب باقي الزجاجة عليها، وهي تقول: "بفوقك يا حبي، أصلي الفلبينية اللي جدي جابها لك."
لتكمل بقوة قائلة: "قومي شوفي شغلك، أنا هروح المزرعة وأنتي تاخدي بالك من مجدي وجوانا. يلا فزي، ربع ساعة لو مكنتيش عند الولاد اعتبري نفسك اتطردتي."
لترد تهاني: "لأ، أنا فوقت وهنزل لهم فوراً."
لتتركها لميس وتخرج من الغرفة.
***
بالمطبخ، جلس شاهر يتناول فطوره وحده، يفكر عقله بحل لتلك المشكلة التي أوقع نفسه بها.
فلميس لم تعد تلك الساذجة التي ذابت بين يديه بكلمتين غرام.
فيبدو أنها تغيرت، فكما يقولون: "الأنثى الضعيفة تقويها أمومتها."
فغريزة الأمومة تضغي على جميع الغرائز.
تهديدها واضح حين قالت له: "مش هسمح إنه يتقال على بنتي بنت حرام."
ليقول لنفسه: "وأنا كمان مش عايز يتقال عليها كده، بس الاختيار صعب."
"لو أعلنت لميس إن البنت دي بنتي، هخسر كل حاجة."
تنهد قوياً، يزفر أنفاسه بقوة.
ليجد ليلى تدخل عليه بزى نومها وعليه مئزر لحد ما قصير.
لتجلس أمامه على الطاولة تقول: "مالك بتنفخ ليه عالصبح؟"
ليرد قائلاً: "مش بنفخ ولا حاجة، دي مشكلة ومش لاقي لها حل."
لتقول له: "قولي، يمكن نلاقي حل سوا."
لينظر إليها بتعجب، فماذا يقول؟
يقول إن لديه طفلة من غيرها؟ كانت جنت.
نظرت إلى سكوته، لتقول: "أنا عارفة إيه هي المشكلة، على فكرة."
لينظر إليها بخوف وترقب: "وأيه هي؟"
لترد ليلى ببساطة: "المشكلة هي المزرعة اللي جدي أخد إدارتها وعطاها للبنت بتاعت الإعلانات."
ليبتلع ريقه صامتاً ويتنهد براحة.
ليقول لها: "ممكن، بس اللي عرفته إن فيصل ساب المية للمزرعة وبطل يعمل مشاكل."
لتقول ليلى بتعجب: "بسهولة كده وبالسرعة دي؟ هي البنت دي ليها مفعول السحر عليه؟ ولا يمكن عاجباه؟"
"رغم إنه ابن خالتي، بس عمرنا ما كان بينا علاقة وكان لغز بالنسبة ليا، بس اللي أعرفه إنه متجوز وخافي مراته عن الكل، تقول ملكة جمال وخايف حد يشوفها."
"بس أنا لاحظت يوم ما اتخانقت أنا وجدو، نظراته للبنت دي، يمكن بيفكر فيها هي. شخصيتها قوية، واضح كده من مواجهتها لبابا لما قالت له إنها نفسها تقتله، بس اللي بيمنعها ضميرها."
ليقول شاهر: "وإنتي صدقتي كلامها عن براءة أبوها؟ متنسيش اللي اتقتلت مامتك."
لتشعر بألم قائلة: "ماما، أنا أكتر واحدة اتعذبت بموتها، لأنها كانت ليا الأب والأم في نفس الوقت، ولما سابتني أنا اتوحدت، بس الحياة مش بتقف عند حد."
لينظر شاهر إليها مستغرباً، يقارن عقله بين لميس التي تسعى لحفظ كرامة ابنتها، وتلك التي نسيت دماء والدتها.
***
دخلت نغم إلى سرايا حافظ عمري لتبحث عن لميس والأطفال، لتجد تهاني بصحبة الأطفال تلعب معهم بالحديقة.
لتستغرب الأمر، لتقبل طفلها الذي ارتمى عليها بتلهف، وكذلك جوانا، لتسأل عن لميس.
لتجيب تهاني: "هي في أوضتها."
لتذهب إليها.
دخلت نغم إلى غرفة لميس دون أن تطرق الباب، لتجدها تنتهي من ارتداء ثيابها.
لتقول: "إنتي خارجة؟"
لتنهض لميس قائلة: "إنتي جيتي إمتى؟"
وتكمل بمزح: "دا أنا قلت مش هشوفك بعد أسبوع، اتنين، عشرة كده."
لتقول نغم: "ليه؟ ههاجر؟"
لتقول لميس: "لأ، هتعومي في العسل مع فيصل. أنا قلت إنكم اتصالحتم بقى، وأيه؟ هتلزقوا لبعض؟"
لتقول نغم بسخرية: "لأ، اطمني يا أختي، متصالحناش، زي ما إحنا."
لتنظر لميس لنغم بتمعن، لترى تلك الكدمة بجبهتها.
لتقول لها: "إيه ده؟ إنتي نطحتك تور في المزرعة؟"
لتبتسم نغم: "لأ، وحياتك. وأنا راجعة من المزرعة امبارح، طلع قدامي فيصل بحصانه واضطريت أفرمل العربية، فراسي خبطت في الدريكسيون وأغمي عليا، ودي النتيجة. ودا اللي خلاني عند فيصل، مش إننا اتصالحنا. وكمان أنسى إن أنا أرجع أنا وفيصل."
"فيصل أنا متأكدة إنه مش بيحبني، هو عايز ابنه، ولو أنا للتسلية ميضرش."
"بوجود فجر الفهدة اللي هتبقى حرمه قريب جنبه، أنا ماليش لازمة غير إني أم ابنه."
لتقول لميس: "وإيه عرفك إنه هيتجوز فجر؟ هو قالك كده؟"
لترد نغم: "من غير ما يقول. هو وهي بقيت شايفاهم أكتر من مرة مع بعض، وكمان هو معزوم عندهم على العشا الليلة، كمان بذكائك هيكون ليه أكيد للتعارف التمهيدي للنسب بينهم."
قبل أن تكمل، كانت تدخل نجوى بلهفة قائلة: "نغم."
لتنظر إليها بتمعن وتقول بتعصب: "أكيد فيصل السبب في الكدمة اللي في جبينك؟ أنا كنت متأكدة، مبيجيش من وراه غير الأذية."
لتبتسمان نغم ولميس.
لتنظر إليهم نجوى بغيظ قائلة: "بتضحكوا على إيه؟ بقول نكت؟ قولولي عمل فيكي إيه تاني؟ أنا منمتش طول الليل لما عرفت إنك معاه، ومطمنتش إلا ما رديتي على تليفوني الصبح."
لتقول لميس: "إنتي ظلمتي فيصل، لأن السبب في الكدمة إن نغم كانت هتخبط الحصان بتاعه وفرملت فجأة، وهو اهتم بها."
لتنظر نجوى إليها وتقول بنزق: "كتر خيره، خيره سابق."
"المهم دلوقتي، أنا شفت تهاني مع العيال في الجنينة، هو إيه اللي حصل؟"
لتضحك لميس وتقول: "أنا اديتها إنذار بالطرد."
ليضحكن جميعاً.
لتقول نجوى: "أنا اتفقت مع حضانة هنا، مديرةتها صحبتي، وقولتلها على جوانا ومجدي، وهي قالت هاتيهم من بكرة."
لتقول لميس: "ومسألتش على شهادات الميلاد؟"
لترد نجوى: "بقولك صحبتي، وأنا قولت لها إنكم هنا بشكل مؤقت ويمكن تسافروا في أي وقت."
لتقول نغم: "كويس، على الأقل أحسن لهم من الحبس هنا في السرايا، يلعبوا مع زمايلهم في الحضانة."
لتقول نجوى: "تهاني تروح توديهم، وأنا هتابعهم معاها."
لتقول لميس: "أنا هروح أنا أتابع باقي التصوير الإعلان في المزرعة، وإنتي خليكي ارتاحي، زمان جالك تربنة من الخبطة."
لتضحك نجوى.
لتقول نغم: "حلو أهو، استغلي حبة النشاط اللي نزلوا عليكي."
***
أمسك هاتفه يرى تلك الرسالة المرسلة إليه.
ليرى صورة طفل صغير يبتسم وهو يلعب.
لينظر إلى الصورة بتمعن قائلاً: "واضح عليك طفل ابن ناس."
"إنت خسارة تروح لتجار الأعضاء، إحنا نشوف لك ناس محترمين يتبنوك."
***
مساءاً.
ذهب فيصل بصحبة والده إلى منزل منصور الفهدي، الذي وقف يستقبله بنفسه، مرحباً بحفاوة.
ليرى فجر تأتي هي الأخرى مرحبة بهم، وهي ترتدي زياً يبرز أنوثتها بسخاء، علها تستطيع استمالة فيصل.
لتقول: "مواعيدكم مظبوطة."
"اتفضلوا على السفرة."
دخلوا.
ليجلس منصور على رأس الطاولة، وإلى يمينه جلست فجر.
واليسار جلس فيصل وجواره والده.
ليقول منصور بسؤال: "أمال مدام حضرتك يا طاهر بيه مش معاك ليه؟"
ليرد فيصل: "أبدًا، طنط نجوى تعبت شوية ومقدرتش تيجي معانا، بس هي بتدعوكم للغدا عندنا بعد بكرة."
نظر طاهر إلى فيصل بصدمة، ولكن لم يعقب على الأمر.
كان عشاء مميزاً وغلب عليه الطابع الودي.
ليقول منصور بعد انتهاء العشاء: "اتفضلوا نشرب قهوة في الصالون."
ليرد طاهر: "لأ، أنا مش بشرب قهوة بعد الساعة تمانية."
لتقول فجر: "أنا مش بشرب قهوة، ممكن نشرب عصير فريش."
جلسوا يتحدثون معاً.
ليقول منصور: "أنا أعرف إنك بتستعمل الوسائل الحديثة في الزراعة عندك."
"ليه مش بتستعمل المكملات الزراعية عندك في الزراعة؟ دي بتدي محصول أكتر."
ليرد فيصل: "أنا مش بحب الهرمونات الزراعية ومش مع استعمالها بكثرة، لأنها بتجهد الأرض. أنا بميل للأسمدة العضوية أكتر لأنها بتقوي الأرض."
نظر منصور إليه بإعجاب، فهو مثلما يقال عنه أنه متحدث لبق.
كانت هناك عدة حوارات تحدثوا بها، لينتهي الوقت.
ليقف طاهر قائلاً: "الوقت اتأخر، نستأذن إحنا بقى."
ليقف فيصل هو الآخر، وكذلك منصور الذي قال: "كان وقت ممتع لينا مع بعض، أتمنى إنه يتكرر."
ليبتسم طاهر، وكذلك فيصل الذي قال: "أكيد إن شاء الله. وفي انتظاركم بعد بكرة تشرفونا على الغدا."
ليقول منصور بترحيب: "أكيد، يشرفنا دعوتكم."
ليخرج كل من منصور وأيضاً فجر يودعان فيصل ووالده إلى الخارج.
ليعود منصور وفجر.
ليقول منصور: "واضح إن فيصل دا إنسان ذكي وبيمتلك كاريزما زي ما قولتي عليه."
"وواضح كمان إنه مرحب بقربك منه. أتمنى يكون صهرنا."
لتبتسم فجر بتمني.
***
أثناء عودتهم بالسيارة.
قال طاهر لفيصل: "ليه عزمتهم على الغدا عندنا؟ إنت عارف إن نجوى قاصدة متحضرش، وأكيد ممكن تضايق من وجودهم في بيتها."
ليرد فيصل: "أنا عزمتهم رد على عزومتهم، مش أكتر. وأظن دا ما يضايقش طنط نجوى."
ليقول طاهر: "خلي بالك، إنت بكدا بتبعد نغم عنك وبتتأكد إنك لسه عايز فجر تكون شريكة حياتك."
ليرد فيصل: "تبقى غلطانة. أنا بس دي مجرد مجاملات عشان الترشيح للبرلمان. هو مخضرم وصاحب خبرة، وأنا عايز أستفيد من خبرته مش أكتر."
***
بعد مرور يومان.
أثناء عودة تهاني بالطفلين من الحضانة، فوجئت بسيارة تقف وتقوم بخطف الطفل منها سريعاً.
تم الخطف في ظرف ثوانٍ، ليسرع الخاطفون بالسيارة.
وقفت تهاني تمسك الطفلة بيدها، مندهشة ومتعجبة ومرتعبة لثوانٍ، لتفيق وتقوم بالصراخ عالياً، ليجتمع الناس حولها.
ولكن كان الوقت انتهى، لقد ابتعدت السيارة كثيراً، لتعود إلى المنزل بالطفلة.
لتخبر الجد سريعاً، ليقوم بعمل اتصالات بالشرطة.
كانت نغم ولميس يعملان بالمزرعة، ليطلبهما الجد ويأمرهم بالعودة إلى السرايا سريعاً.
بعد قليل، كانتا تدخلان لتجدان بعض من عناصر الشرطة بالسرايا.
ليرتجف قلبهن.
دخلتا سريعاً.
ليجدان تهاني تجلس تبكي وتخبر أحد الضباط ما حدث.
لتقول لميس: "إيه فيه؟"
لينظر الجد إلى نغم بحزن قائلاً: "مجدي، وهو راجع من الحضانة، اتخطف."
"ماذا قال؟"
وقفت نغم مندهشة تقول: "مين اللي اتخطف؟"
لترد تهاني: "مجدي، عربية خطفته وإحنا راجعين من الحضانة."
لم تعد تشعر بقدمها، سقطت تستند على مرفقي ساقيها.
تقول بألم ودموعها تسيل: "مجدي هو اللي باقي لي، هو اللي رجعلي حياتي، أنا من غيره أموت."
اقترب منها الجد ليوقفها.
لتقف بوهن وتقول وهي تنظر له بدموع: "فيصل! فيصل هو اللي أخده، أنا هروح له."
لتتركهم وتتجه سريعاً إلى الخارج وتجري بالطرقات إلى أن وصلت إلى بيت فيصل.
لتدخل سريعاً تبحث عنه بالبيت.
لا تجده، لتقول لنسيمة: "فيصل فين؟"
لتقول لها: "في أوضة السفرة، معاه ضيوف."
لتدخل سريعاً إليه، لم تنتبه من معه بالغرفة.
بمجرد أن رآها فيصل، وقف مبتسماً.
لتندفع قائلة إليه بدموع وهي تنهج بشدة وتتقطع في الكلام: "ابني فين يا فيصل؟"
"أرجوك سيبه ليا، أنا بعدت عن حياتك زي ما كنت دايما عايز."
وقف مذهولاً مما قالت.
رواية نغم سطوة العشق والانتقام الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سعاد محمد سلامه
وقف فيصل أمام شرفة غرفة العناية الخاصة بالمشفى، يحترق قلبه وهو يتذكر ما حدث قبل قليل.
خارت قواها، لم تعد قادرة على الوقوف على ساقيها. لترتكز على مرفقي ساقيها مرة أخرى، تبكي بحرقة، تحدثه بتوسل:
"أرجوك يا فيصل، رجّعلي ابني، أوعدك أخده وأمشي من هنا ومش هرجع تاني، وهبعد عنك زي ما أنت عايز."
أما فيصل، فمال عليها ليجلس بجوارها، متألماً من بكائها المرير.
يقول:
"أنا مش فاهم حاجة، ماله ابني؟"
لتدخل نجوى عليهم، تقول بتعسف وحقد، ودت لو تفتك به:
"مجدّي فين يا فيصل؟ أنت اللي خطفته، كفاية، مش هسمحلك بأذيتها أكتر من كده."
نظر فيصل إلى نجوى، غير مستوعب، يقول بألم وخوف وترقب:
"ماله مجدّي، وأنا آذي نغم ليه؟"
نظرت له نجوى، غير مصدقة، تقول:
"مش أنت اللي خطفت مجدّي من شوية؟"
لينظر فيصل بتفاجؤ، قائلاً بذهول:
"أنـتي بتقولي إيه؟ مجدّي اتخطف؟"
لينظر إلى نغم ويقول:
"أنا مشفتش مجدّي من يوم ما اتخانقنا في الأوضة في بيت جدي. أنا لو عايز أخطفه أو أخده منها كان بسهولة إني أجيبهم لعندي."
ليكمل بألم:
"إزاي وامتى اتخطف؟"
لتقول نجوى بألم:
"اتخطف من مع تهاني وهما راجعين من الحضّانة، وكان معاها جوانا. اللي اتخطف مجدّي، بس يبقى مين اللي عايز يخطفه؟"
نظر فيصل متألماً، يقول:
"مش أنا، ليه مش مصدقة؟ أنا عمري ما ألجأ للأسلوب الحقير ده عشان أرجع مراتي وابني لبيتي."
وقف طاهر، ينظر متألماً لاتهام نجوى لفيصل المباشر وعدم تصديقها له. يتألم أكثر على اختفاء حفيده بهذه الطريقة.
كانت الصدمة كبيرة لفجر، التي وقفت تنظر بذهول.
"أذن، دي هي زوجته اللي أخبرها هو؟ قال إنها بالخارج ولم يذكر أن له طفلاً منها؟"
"لما هي لا تريد العودة إليه؟"
"تذكرت حين تلهف عليها يوم أن كادت تصدم حصانه، وأيضاً عندما كانت خائفة من الكلاب، كان يضمها بين يديه بحماية."
"لما هي ليست بمنزله؟ هو ذكر أن بينهم خلاف وهي سافرت، فمتى عادت؟"
"وقفت تنظر إلى نغم بحقد وكره، وهي تراه يقترب منها ليضمها إليه."
كانت عين خبيثة تنظر إلى نجوى، وهو يرى جسارتها في اتهام فيصل بخطف الطفل، ليتمنى أن ينالها يوماً ما.
أقترب فيصل من نغم، يضمها إليه بقوة، يشعر بدقات قلبها المتسارعة.
ينزف قلبه من الألم، يعتصر عينيه بقوة حتى لا يبكي أمامها، نادماً أكثر.
شعر بارتخاء جسدها بين يديه، ليبعد رأسها قليلاً عن صدره.
ليجد وجهها شاحب، وتتنفس بصعوبة.
لينظر إليها بتألم وهو يراها هكذا، لمرة أخرى بعد تلك الليلة الأليمة.
لينهض سريعاً، يحملها بين يديه، ينادي باسمها بصوت مفزوع.
وقفت نجوى تنظر لها بين يديه، لتشعر بانسحاب روحها هي الأخرى.
"لثاني مرة تراها بهذه الحالة؟ لما عليها تحمل ذلك الألم للمرة الثانية؟"
"جاءها خاطر بذلك الحلم الذي حلمت به منذ أيام، هو سقوط نغم خلف طفلها إلى الهاوية."
"لتخبر نفسها: هذا هو تفسير الحلم. نغم ستفارق خلف طفلها."
"لم يستطع عقلها تحمل الألم، لتغيب هي الأخرى في غياهب الظلام."
بعد وقت قصير للغاية، كانتا بالمشفى.
هي بملكوت آخر.
تقف بنفس الغرفة الذي قُتل بها والداها.
بالظلام، رأت ذلك الملثم يقف يصوب سلاحه عليها.
ليقوم بإطلاق الرصاص عليها.
"انطلقت الرصاصة بقلبها مباشرة، شعرت بنيران تحرق صدرها بانفجار قلبها، ولكنها لم تمت. ظلت واقفة والنيران بقلبها تشتعل، تحرق جسدها كله، تسأل: لماذا لم تفارق روحها جسدها؟ علّها تريحها من هذا الألم الفتاك."
"وجدت من ينير الغرفة مبتسماً، بيده طفلها الذي تنير البسمة شفاهه، هو الآخر ينظر إليها مبتسماً."
"للحظة، انتهى الألم الذي تشعر به، وكأنها ولدت من جديد. لكن عاد الظلام سريعاً، ينهي لحظات الأمل، وهي تبحث بعينيها عن بقعة ضوء، لترى والداها وطفلها مرة أخيرة، تلقي عليهم نظرة وداع."
"تعالت أصوات دقات قلبها، أزدادت النبضات، وبدأت الأجهزة تعلن النهاية التي تريدها، ووجهها يزداد شحوباً، تنسحب منه الحياة."
"ليدخل الأطباء سريعاً إلى الغرفة للتعامل مع حالتها."
وقف فيصل ينظر إليها متألماً.
حاول التحدث لمعرفة ما يحدث، ولكن آخرسه الطبيب قائلاً:
"يا ريت حضرتك تتفضل بره وتسيبنا نتعامل مع المريضة."
خرج من الغرفة، يشعر بانسحاب قاتل لروحه.
ليجد والده يجلس على أحد المقاعد أمام الغرفة، وتجلس إلى جواره فجر الفهدى.
وقف والده قائلاً:
"مالها؟ الدكاترة دخلوا عندها ليه؟"
"ليقف حائراً، مدمر القلب: مش عارف، فجأة الأجهزة صُفّرت والدكاترة أمروا بخروجي."
"فين طنط نجوى؟"
"ليرد طاهر: نجوى في الأوضة دي. الدكتور قال عندها انهيار عصبي وضغطها عالي وعلق لها محلول فيه منوم."
"ليكمل طاهر: هتعمل إيه دلوقتي؟"
"ليرد فيصل: مش عارف، لأول مرة في حياتي بحس إني مربوط، مش عارف أعمل إيه."
ليجد الجد يدخل ومعه لميس، التي ذهبت إلى طاهر مسرعة تقول بلهفة:
"عمو طاهر، إيه اللي حصل؟ فين طنط نجوى ونغم؟"
"أنا روحت البيت، نسيمة قالت إنكم أخدتوهم للمستشفى. روحت قلت لجدو وجينا."
"ليسرد طاهر لهم جزءاً مما حدث."
"ليقول حافظ: أنا مش عارف سبب لخطف مجدّي."
"لتقول فجر: يمكن حد له عداوة مع نغم."
"لتنظر لها لميس باستغراب تقول: نغم عمرها ما كان لها أعداء، دي دايماً بتتجنب الشر على قد ما تقدر."
"لتقول: يمكن أعداء لفيصل."
"ليرد فيصل متألماً: أنا محدش يعرف إني عندي ولد، وكمان ماليش أعداء."
لم يستطع الجد الوقوف كثيراً.
ليميل على أحد المقاعد جالساً يتألم.
"لتراه لميس فتقول بخوف: جدو، أنت كويس؟"
"ليرد الجد: الحمد لله، أنا كويس، متقلقيش، بس ريحة المستشفى بتتعبني."
"ليقول طاهر: التجمع هنا مفيش منه فايدة، إحنا لازم نفكر، وكمان نبحث عن مجدّي واللي خطفوه بسرعة قبل فوات الأوان."
"ليقول الجد: ده الحل، لازم نتعاون عشان نلاقي مجدّي بسرعة."
"ليقف قائلاً: أنا هروح السرايا، وخلونا مع بعض على تواصل. أنا بلغت الشرطة، وتهاني قالت إن الخاطف كان ملثم والعربية مكنش عليها أرقام."
"ليقول فيصل بيأس: يعني بندور على إبرة في كوم قش."
"ليقول نادماً: أنا مكنش لازم أسيبها هي وابني بعيد عني، كان لازم آخدهم حتى لو بالإجبار، مكنش ده حصل، كنت هعرف أحمي ابني."
"ليقول طاهر: مش وقت ندم دلوقتي، إحنا زي عمي حافظ ما قال، لازم نتعاون عشان نقدر نرجع مجدّي."
"نغم لو مجدّي مرجعش وسليم مش هتقدر تعيش."
"ليصمت فيصل، تائهاً، لا يعرف ماذا يفعل وأين يبحث."
بسرايا حافظ غُمرى.
بعد أن عاد إليها من المشفى.
طلب الجد من عصام المجيء إليه، وكذاك شاهر.
بعد قليل، كانا يدخلان عليه، وأيضاً ليلي التي أتت برفقة شاهر لاستغرابها طلبه، لتعلم ماذا يريد.
جلسوا ثلاثتهم بأحد الغرف.
ليدخل الجد، يبدو عليه التأثر والحزن.
ليقول:
"أنا طلبت عصام وشاهر، وعايزكم تعملوا اتصالاتكم بالناس اللي تبعكم عشان يدوروا على ابن نغم."
"لترد ليلي: وإيه هو ابن نغم؟"
"ليرد الجد: ابن نغم اتخطف من مع الدادة وهي راجعة بيه من الحضّانة."
"لتبتسم بسخرية قائلة: وأحنا مالنا؟ تروح تدور هي عليه. هي كانت من العيلة دي؟ واحدة بتشتغل عندنا وضيفة في بيتك، تخلي فيصل شكله عينه منها، خليه يدور معاها عليه."
"ليرد الجد بتعصب عليها: نغم فعلاً من واحدة من العيلة، مش بتشتغل ولا ضيفة عندنا، ومتأكد إن فيصل هيساعدها من غير ما تطلب منه، بس أنا عايزكم تساعدوه وتعملوا اتصالاتكم بمعارفكم يساعدونا."
"لتقول ليلي: وأيه هي قرابتها من العيلة اللي انت بتقول عليها دي؟"
"لترد لميس التي دخلت عليهم قائلة: نغم تبقى مرات فيصل وابنها ابنه."
"ليقف ثلاثتهم مذهولين."
"لتنظر ليلي إلى جدها بذهول وتقول بغيرة: وعلشان هي مرات فيصل بيه عطيتها إدارة المزرعة طبعاً عشان تراضيه."
"ثم تقول وهي قاعدة عندك ليه؟ مش في بيته؟ ولا سايبها هنا عشان تأثر عليك ويمكن تكتب له المزرعة باسمه؟ ماهو طماع وكان عايز يشاركنا."
"ليرد الجد بعنف:"
"ليلى، اخرسي، أنا مش فايق لغبائك وسخافتك، أنا مطلبتش حضورك، إيه اللي جابك؟"
"قبل أن ليلى تحدث، عصام قائلاً: أنا عندي معارف في وزارة الخارجية ممكن يساعدونا لو حطوا صورة الطفل على قوائم الممنوعين من السفر."
"وكمان عندي أصحاب بيشتغلوا في مواقع على النت كبيرة، ممكن أخليهم ينشروا صورة الطفل عندهم، زائد رصد مكافأة مالية للي يدل عليه."
"ليرد شاهر: أنا ليا أصدقاء من ضباط الشرطة، واكيد ممكن يعرفوا المسجلين أو حد من اللي بيخطفوا الأطفال، وممكن يساعدونا."
"نظرت لميس إليه بسخرية، ولكنها تريد عودة طفل صديقتها، ولو تعاونت مع الشيطان."
"لتقول لميس: فكرة شاهر هي الأقرب، لأن الخاطفين ممكن يكونوا مسجلين أو يكونوا بعض منهم معروف للشرطة."
"ليقول الجد: خلاص، كل واحد يتصرف في اللي يعرف يعمله."
"عند خروج عصام، ذهبت معه لميس لتعطيه صورة لطفل نغم، ليأخذها منها."
"وقف شاهر للحظات بجوار سيارته المصفوفة بالحديقة، ليرمي بنظرة على تلك الطفلة التي تجلس مع أحد الخادمات ويبدو عليها الحزن."
"لينشرح قلبه مبتسماً."
"لاحظت ليلي نظراته لتلك الطفلة، لتستشيط غضباً وتخرج عقدة نقصها وتقول بغل: هنفضل واقفين كتير؟"
"ليدخل إلى السيارة ويغادرا."
"لاحظت لميس نظرات شاهر للطفلة، وهي تقف مع عصام، لتلوم نفسها على تصديقها لكذبة أنه يحبها يوماً، ولكنه سوء القدر."
بمكان آخر، وقف منصور يتحدث على الهاتف قائلاً:
"الطفل اللي خطفته النهارده، أنا عايزك تجيبه لعندي في مخزن المصنع القديم."
"ليرد الخاطف بطمع: الطفل يا باشا جاي لينا فيه تمن كبير. راجل غني بنته كانت متجوزة من خمس سنين من شريكه وكانت خلفت منه وانفصلت عنه، ومقالتش له أن ابنها مات عشان يفضل يصرف عليها هي. ومات من أسبوع، والولد المخطوف ده يشبه ابنها المرحوم، وعايزاه عشان تسيطر بيه على ميراثه. دي هتدفع تلاته مليون."
"ليقول منصور بأمر: بقولك الولد أنا محتاجه، وأنا هدفعلك التلاتة مليون."
أتى المساء.
كانت لميس تجلس بالفراش تحتضن طفلتها، تفكر في صديقة دربها.
لتجد هاتفها يرن، لتنظر له بلهفة، عله يكون الاتصال يحمل بشرة جيدة. ولكن وجدتها نيرة، أخت نغم.
"للحظة، فكرت بعدم الرد، ولكن ردت."
"لتسمع اندفاع نيرة تقول:"
"لميس، ماما ونغم بيتصل عليهم، الاتنين مش بيردوا عليا. إحنا متعودين نتكلم مع بعض كل يوم الساعة تلاتة العصر، والنهارده بتصل عليهم مش بيردوا عليا. طمنيني عليهم."
"لتقول لميس: هما كويسين، بس نغم مش هنا، عند جدو."
"معرفش ليه مش بيردوا عليكي."
"لتقول نيرة: لميس، صوتك مش عاجبني، أنتي بتكذبي؟ قوليلي مامت ونغم فيهم إيه؟ فيصل أذى نغم في حاجة؟"
"لترد لميس: لأ."
"لترد نيرة بفراغ صبر: لميس، قوليلي، أنا قلبي حاسس إن نغم جرالها حاجة، وانتِ مخبية. وكمان صوتك مخنوق بعياط. قوليلي ماما أو نغم جرى لحد منهم حاجة."
"لتقول لميس: هقولك، أنا مخنوقة ومش قادرة."
"لتسرد لها ما حدث لنغم ووالدتها."
"لترد نيرة بدموع: أنا مكنش لازم أسيبها تنزل مصر، وأنا هنزل على أول طيارة بكرة، هكون في مصر."
عادت فجر إلى المنزل، لتصدم وهي تجد من ينتظرها، ليقول بمرح:
"إيه؟ مفرحتيش لما شفتيني؟"
"لترد بغضب: إيه جابك هنا يا كريم؟ إحنا خلاص حياتنا مع بعض انتهت لحد كدا."
"ليقترب كريم منها ويضمها بحميمية وهو يتودد إليها قائلاً: أنا لسه بحبك يا فجر، وباقي على عشرتنا مع بعض."
"لتبعده فجر عنها وتقول بغضب: بس أنا مش بحبك، وكفاية كدا، وارجع لمراتك الأولى وعيالك."
"ليعود لضمها قائلاً بعشق: أنا بعشقك، ومش عايز غيرك. أنا ندمت إني طلقتك، مكنش لازم أنفذ طلبك ده أبداً."
"لتبتعد عنه وتقول بقوة: خلاص يا كريم، أرجوك سيبني وأبعد عن حياتي، أنا مش هقدر أرجعلك."
"لينظر كريم قائلاً بغضب: دلوقتي بتقولي مش هتقدري ترجعيلي؟ فين أيام ما كنتي تتمني مني إشارة؟ قوليلي، في حد تاني دخل حياتك؟"
"لترد فجر بحدة: أنت مالكش دخل بحياتي، إن كان فيها حد أو لأ. أنا بقولك أبعد عني خلاص، قصتنا انتهت لحد كده وكل واحد يروح لسبيله."
"لينظر كريم إليها بغضب وتوعد لها لدقيقة، ثم يغادر."
"نظرت فجر إلى خطاه باشمئزاز قائلة: كنت ناقصاك انت كمان، مش كفاية الست نغم دمرتلي كل مخططاتي."
بداخل مخزن قديم لمصنع تابع لمصنع منصور.
يقف ذلك المجرم وهو يضع الطفل المخدر نائماً على الأرض.
ليدخل منصور عليه.
"ليقول ذلك المجرم: باشا، لما أمرتني جيتلك بالعيل فوراً، بس دا مكنش اتفاقنا."
"ليرد منصور: الطفل طلع إن رجوعه لأهله مصلحة كبيرة ليا."
"ليرد الخاطف: وأنا يا باشا، مصلحتي فين؟"
"ليرد منصور: هديلك ربع مليون على الاتنين مليون اللي دفعتهم فيه."
"ليرد الخاطف: دي تبقى خسارة عليا يا باشا، أنا كنت هطلع من وراه بحصيلة كبيرة، ومتنساش إن أنا اللي بعملك كل شغلك الديرتي، أنا كنت هطلع من وراه بمليون، كان هيتقسم بيني وبين اللي كان هيصرف العيل."
"ليرد منصور: هتاخد النص مليون، ومتنساش إنه مش آخر تعاون بينا، ولا أنت عايز تخسرني؟"
"ليرد الخاطف وهو يضرب كفه على رقبته: لأ يا باشا."
"رقبتي حلوة، النص مليون بس، مقولتش العيل يلزمك في إيه؟ إيه فايدته؟"
"ليرد منصور قائلاً: الشنطة دي فيها اتنين مليون ونص، خدها ومتسألش، وطريقك أخضر."
"لـيأخذ الخاطف الشنطة ويغادر، تاركاً الطفل النائم على الأرض."
"ليميل منصور يحمله قائلاً: ربنا كتب لك حياة تانية غير اللي كنت رايح لها، بس ده مش حبًا فيك، ده لمصلحتي، لما أكسب فيصل اتجاهي، وكمان يمكن تكون أنت اللي تقرب الجميلة ليا."
حين دخل عصام إلى البيت، وجد حكيم جالس مع أقبال. ليخبرهم بالحادث.
ذهلت أقبال حين سمعت أن الطفل هو ابن فيصل، حفيد حافظ.
"لتقول: يعني هو عطى لنغم إدارة المزرعة عشان يقرب من حفيده ويرضى عليه."
"ليقول حكيم بتعجب: معنى كده إن البنت دي كانت مسيطرة على عقل عمي، ويمكن اللي قالته عن قتل والديها كذب."
"لتبتسم أقبال وتقول: أنا قلت البنت دي كذابة من الأول، ويمكن خطف ابنها كمان كذبة جديدة منها وعايزة تستغل عطف عمك عليها."
"لينظر حكيم لها وهو يصدق حديثها على تلك الفتاة."
انتهت تلك الليلة.
وقف فيصل يتحدث بألم مع والده عن طفله المختفي.
وكذلك حالة نغم التي تسير بملكوت خاص بها، ترفض أن تفيق.
ليجد هاتفه يرن، لينظر إليه بأمل.
ليجد منصور يتصل عليه.
"ليرد عليه."
"ليخبره منصور أن يذهب إليه بأحد الهناجر القديمة لمصنع مهجور بالاسماعيلية."
"ويقول له إنه قد يكون وصل إلى مكان خاطف ابنه."
"لينشرح صدره قليلاً ويقول له: ظرف ساعة هتلاقيني عندك." ويغلق الهاتف.
"لينظر طاهر إليه قائلاً: في إيه؟"
"ليرد فيصل بأمل: منصور الفهدى بيقول إنه وصل لمكان ممكن يكون اللي خطف مجدي فيه. أنا هروحله."
"ليقول طاهر باستغراب: وأزاي عرف المكان؟"
"ليرد فيصل: معرفش أزاي، اللي يهمني إني ألاقي ابني موجود وسليم. ادعي يا بابا نلاقيه هو."
"نغم لو مجدي مرجعش هيجرى لها حاجة. أنا هروح له."
"وانت خليك هنا مع طنط نجوى، قربت تفوق، وكمان عشان نغم، أنا هبقى معاك على تواصل بالتليفون أطمنك وأطمن منك على نغم."
"ليقول طاهر: خلي بالك من نفسك."
"ليتركه فيصل ويغادر."
"وهو يدعو أن يعود فيصل وطفله سالمين."
بداخل أحد الهناجر المهجورة التابعة لأحد مصانع المنافس المحتمل لفيصل بالانتخابات، دخل منصور ومعه رجلان من رجاله مسلحان.
ليأتي من خلفهم الشرطة الذي أبلغها منصور.
ليسمعوا صوت إطلاق رصاص بالداخل.
لتتدخل رجال الشرطة فوراً وتجد منصور يمسك بذراعه المصاب.
وأمامه شخص مشوه الوجه قليلاً.
والطفل موضوع على أحد الآلات القديمة ويبدو مخدر.
ومنصور ينزف من ذراعه بغزارة.
لتمشط الشرطة المكان ولا تجد أحداً، ولكن هناك آثار لوجود أكثر من شخص بالمكان.
ليقترب الضابط من منصور ويقوم بسؤاله:
"أنت عرفت منين مكان الطفل بالسرعة دي؟"
"ليرد منصور: أنا كنت عند فيصل العفيفي في بيته وقت ما عرف إن ابنه اتخطف، وكمان ليا رجالتـي في البلد، متنساش إنـي نائب عن الدايرة وليا فيها رجالة ومعرض لأعمال الشغب، ورجالتي في منهم اللي بيعرفوا اللي بيعملوا أعمال الشغب، وأنا أمرتهم بالبحث عن الطفل فوراً."
"ومن شوية اتصل عليا واحد من رجالتـي قال لي إن في اتنين من قطاع الطرق ومعاهم طفل صغير مش مبطل بكاء."
"فشكوا فيهم، فقولت لهم يراقبوا المكان على ما أنا أوصل ومعايا الشرطة."
"ووصلت أنا قبلكم، بس يظهر الخاطفين حسوا بحركة حواليهم، فبخوا على الطفل حاجة تنيمه."
"وكانوا هيهربوا بيه، بس أنا ورجالتي اتعاملنا معاهم على ما توصلوا، وانصبت من واحد منهم وهرب."
"ليدخل عليهم فيصل خائفاً بعد أن رأى هذا الجمع من الشرطة ومنصور يده تنزف."
"ليقول متلهفاً: الولد فين؟"
"ليقتوه."
"ليقول منصور: في طفل هناك أهو، شوفه إن كان هو ولا لأ."
"ليذهب فيصل إلى المكان الذي أشار إليه."
"ليجده ابنه، ليضمه إليه بحنان، ويقبل وجهه ويده، ويحمد الله."
بنفس الوقت، دخلت نيرة التي عادت من الخارج بصحبة لميس.
لتتجه بتلهف وخوف إلى طاهر.
قائلة:
"عمو طاهر، ماما فين ونغم عاملة إيه؟"
"ليرد طاهر: ماما جوه الأوضة وهي قربت تفوق، ونغم حطيناها تحت الرعاية الصحية."
"لتدخل نيرة إلى والدتها لتجدها بدأت تفيق قليلاً."
"لترتمي بحضنها لتضمها وهي تبكي."
"لتبكي نجوى هي الأخرى وتتحدث بوهن وألم وهي تقول بعتاب: إيه اللي جابك؟ أنتي ناسيه إنك حامل خمس شهور وركوب الطيارة غلط عليكِ."
"لتقول نيرة: عايزاني أعرف إنك أنتي ونغم في مصيبة، وأفكر إني مكونش جنبكم؟"
"أنا مش هسيب نغم هنا، نغم لما تفوق وتلاقي ابنها هترجع معايا تاني فرنسا. أنا قلت لها بلاش تنزل مصر وهي اللي أصرت تنزل. وكمان هناخدك معانا."
"لينظر لها طاهر قائلاً بعتاب: يعني هتخليها تسيبني وتسافر وتبعد عني؟"
"لتنظر له نيرة بخجل قائلة: مش قصدي يا عمو."
"بس انت شايف اللي حصل."
"نغم كل ما بتفضل هنا بيحصلها مصيبة، المرة اللي فاتت اللي عمله فيها فيصل."
"والمرة دي ابنها اتخطف."
"ليرن هاتف طاهر قبل أن يرد عليها."
"لينظر إليه ليجده فيصل، الذي رد عليه سريعاً."
"ليخبره فيصل أنه عثر على طفله مجدي."
"ليغلق طاهر الهاتف مبتسماً وينظر إليهن ويقول:"
"فيصل لاقى مجدي وهو في الطريق لهنا."
"ليفرحن كثيراً."
رواية نغم سطوة العشق والانتقام الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سعاد محمد سلامه
دخلت نيره إلى غرفة نغم وحدها بعد أن تركت لميس مع والداتها.
وقفت جوار الفراش تنظر إلى نغم بتوجع، لتميل تمسك يدها تقبلها وتجلس جوارها على الفراش وتقول: "نانا حبيبتي، أختي الكبيرة والمجنونة. أنا مش عارفة مين فينا الكبيرة، بس مش هعترض. أنا عارفة إنك مش بتحبي حد يناديكي بنانا، لأن بابا هو اللي كان بيناديكي بالاسم ده. بس النهاردة بناديكي بيه وحاسة ومتأكدة إنك بتتمني تسمعي صوت بابا وهو بينادي عليكي بيه. أنا عارفة إنك معاه في ملكوتك. فاكرة بعد ما ولدتي مجدي قولتي لي إن بابا كان معاكي وإنتي بتولدي وشوفتيه شايل مجدي وبيكبر له في أذنه؟ بصراحة أنا مصدقتكيش وقولت عليكي مجنونة. وكمان فاكرة لما عرفت إنك حامل."
فلاش باك
بعد أن سافرت نغم إلى فرنسا إلى أختها، بعدة أيام مرضت وظلت هكذا لعدة أيام.
لتأخذها إلى المشفى للكشف عليها.
ليقوم أحد الأطباء بالكشف عليها ويبشرهن أنها حامل لأكثر من شهرين.
صعقت نيره، فكيف تحمل وهي لم تتزوج من فيصل بعد، مجرد عقد قران لا أكثر.
لكن نغم شعرت بسعادة كبيرة وقالت: "يمكن هذا الحمل تعويض من الله لها."
عادت نغم ونيره إلى تلك الشقة الصغيرة التي تستأجرها نغم ولميس معاً.
لتقول نيره لنغم: "إنتي سلمتي نفسك لفيصل إمتى؟"
وقفت لميس تنظر إلى نيره التي تتحدث لأختها بهذه الحدة لأول مرة، فنيره دائمًا تشعر تجاه نغم بأنها الكبرى، لا نغم وتدللها.
لتقول نيره وهي تنظر إلى نغم: "إلى بطنك ده لازم ينزل، أنا متأكدة إن فيصل مش هيحبه زي عمره ما حبنا."
لتنظر نغم لها بذهول وتقول: "أنا عارفة إن فيصل عمره ما حبنا، وأنا أكتر واحدة يمكن كرهها في حياته، بس ده مش ابنه لوحده، ده ابني لوحدي وأنا عايزاه ومحدش هيقدر يخليني أنزله."
لتنظر إليها نيره وتقول: "غبية وهتفضلي غبية. ومشاعرك هي اللي بتتحكم فيكي. اختاري حياتك، فيصل دلوقتي طلقك وأكيد هيدور على غيرك تشاركه حياته."
لتشعر نغم بألم من حديث نيره.
لتقول: "عارفة إنه طلقني وهيكون في حياته غيري، بس أنا مش هستغنى عن اللي في بطني وميهمنيش فيصل. فيصل أنا نهيته من حياتي خلاص."
لتقول نيره: "طالما نهيتيه من حياتك، ليه عايزة تحتفظي بابنه أو بنته في بطنك؟ الفرصة لسه قدامك، وهنا مفيش رقابة على عمليات الإجهاض زي مصر. اختاري حياتك، اللي في بطنك ممكن يكون إعاقة ليكي في سبيل نجاحك، أو إنك تقابلي حب تاني يعوضك حبك للغبي فيصل."
لتتنهد نغم وتقول: "أنا مش هفكر تاني في الحب، أنا خلاص جربت حظي وهاعيش حياتي من غير ارتباط تاني، واللي في بطني هيكون هو حياتي وهعيش معاه وأكون حياتي معاه من غير أي راجل تاني."
لتنظر نيره بحدة وتقول: "إنتي بتقولي الكلام ده لأنك لسه بتحبي فيصل وعندك أمل فيه، بس بكرة تفوقي لما تلاقيه كون حياة تانية مع غيرك وإنتي هتبقي دمرتي حياتك في وهم."
نظرت نغم بألم تقول: "أنا عارفة كلامك ده كويس، مش محتاجة تقولي لي عليه."
لتقترب نيره من نغم وتضمها بحنان وتقول بأسف: "أنا آسفة، عارفة إني جرحتك، بس مش عايزاكي تدمرى حياتك. إنتي لسه صغيرة وقدامك المستقبل، وبالجنين ده هتدمرى حياتك. هتربطي نفسك معاه، وإنتي شوفتي لما ماما اتجوزت عمو طاهر فيصل عمره ما رحب بنا. ممكن ده يحصل للجنين اللي في بطنك لو قابلتي حب تاني، ممكن تكون دي عقبة حياتك معاه."
لتقول نغم: "أنا مش بفكر إني أتجوز تاني دلوقتي، وحتى لو حصل ده وكان ابني أو بنتي ووجود راجل بحياتي عقبة، فأنا هختاره وميلزمنيش راجل بحياتي." وتكمل برجاء: "وأرجوكي كفاية، أنا محتاجة للجنين ده دلوقتي أكتر من أي شيء تاني بحياتي."
قالت هذا وتركتها ودخلت إلى غرفتها وتغلقها عليها، تتنفس وتبكي بعذاب، ولكن مسحت دموعها بيدها وملست على بطنها، شعرت بأمل جديد لحياتها.
لتقف نيره تنظر إلى غلقها للباب خلفها، لتتنهد بغضب.
كانت لميس تقف معهن تسمع دون أن تتحدث، ولكن عندما دخلت نغم إلى الغرفة قالت لنيره: "يمكن تكون بتضر نفسها، بس يمكن الجنين ده يكون سبب يرجعها تاني تشعر بلذة الحياة بعد اللي حصل من فيصل معاها."
لتنظر نيره إلى لميس وتقول: "إيه اللي فيصل عمله خلى نغم تطلب منه الطلاق وكمان تسيب البلد كلها؟ أنا متأكدة إن نغم بتحب فيصل لغاية دلوقتي بس موجوعة منه، وده اللي خلاها تيجي فرنسا. ومتأكدة إنك عارفة كل حاجة إزاي حملت منه."
لتتنهد لميس وتقول: "اسأليها يمكن تقولك."
لترد نيره: "تقولي إيه؟ أنا نفسي أعرف إزاي هي سلمته نفسها، ويمكن يكون اغتصبها أو مارس ضغطه عليها وهي وهبته نفسها في لحظة ضعف."
لترد لميس قائلة: "تقدري تقولي الاثنين حصلوا."
لتقول نيره بتعجب: "قصدك إيه؟ يعني فيصل اغتصبها؟"
لترد لميس بنفي: "لا، العلاقة اللي حصلت بينهم كانت برضا نغم، بس هو تعامل معاها بعنف وكمان قالها إنه بيحب واحدة تانية." لتسرد لميس ما حدث مع نغم.
لتقول نيره بذهول وغضب شديد: "وده سبب قوي عشان تنزلي اللي في بطنها، يمكن تفوق من حبه وتلاقي اللي يعوضها عن غباء وحقارة فيصل معاها. فيصل ميستهلش يكون عنده بيبي من نغم."
لتقول لميس: "بلاش تضغطي عليها، يمكن يكون ده عوض من ربنا ليها وتكون نقطة بداية جديدة في حياتها."
لتوافق نيره لميس على عدم اقتناع، ولكن لابد أن تقف جوار أختها فيما اختارته لحياتها، لتسير معها الطريق التي اختارته وتساندها هي ولميس، وأيضاً والداتها التي رضخت هي الأخرى لرغبة نغم بإعطاء جنينها الحياة.
ليدخل حملها الشهر الثامن، لتبدأ ظهور بعض المشاكل والآلام وينصحها الطبيب بالراحة، ولكنها لم تستجيب له، لتدخل إلى ولادة مبكرة والتي كانت صعبة جداً.
وقفت نيره ولميس، وكذلك زوج نيره بالمشفى أمام غرفة الولادة ينتظرون ويدعون أن تخرج ومعها طفلها سالمين، حتى لا يخيب الأمل الذي أعادها إلى الحياة.
خرجت إحدى الممرضات بالطفل سريعاً تدخله إلى حاضنة المشفى لأن لديه نسبة صفراء عالية بعض الشيء ولابد من التعامل معها لنجاته.
بعد وقت خرج الطبيب.
لتأتي إليه كل من لميس ونيره سائلتان الطبيب عن حالتها.
ليجيبهن الطبيب: "عملية. المريضة ولدت وهي أصبحت بخير بس تحت تأثير البنج، والطفل دخل الحاضنة وحالته مش خطيرة، مجرد صفراء ومع العلاج نسبتها هتقل، وكمان حجمه صغير مش مناسب، بس ممكن ينجو ويعيش والمريضة هتخرج لغرفة عادية."
لتبتسم نيره بحزن قليل لطفل أختها، ولكن الطبيب طمأنهم أنه سينجو، والأهم عندها هي أختها، تتمنى شفائها.
ظلت نغم بالمشفى ليومين ثم غادرت دون طفلها الذي كان بالحاضنة لأخذ علاجه، كانت تذهب إليه يومياً، واستغربت وجود ذلك السلسال حول عنقه، لتسأل الممرضة المسؤولة عن رعايته.
لتخبرها الممرضة أنها لا تعرف من وضعها حول عنقه، ولكنه ربما هي ما حفظته وتساعد بشفائه السريع.
لتبتسم نغم وتحتفظ بالسلسال حول عنقه.
بعد أيام خرجت نغم بطفلها من المشفى، لتشعر أنها وجدت كنزاً لتؤسس لهما حياة خاصة بهما.
عادت نيره من تذكرها لتلك المرحلة الصعبة التي شاركت أختها بها، وكان معهن لميس ووالداتهن بالدعاء.
لتمسح نيره دمعاتها التي سالت من الألم، وهي مازالت تمسك بيد نغم لتقول نيره لها: "بتبشير فيصل لقى مجدي وهو في الطريق وهيجيبه لكِ، لأول مرة في حياته يعمل حاجة عدلة."
لتشعر نيره بيد نغم التي تمسك يد نيره بضعف.
لتنظر نيره إليها وتبتسم.
أثناء عودته بطفله النائم جواره بالسيارة، نظر إلى طفله النائم يبتسم، ليلاحظ ذلك السلسال بعنقه ويتذكر أول مرة رآه يوم ولادته.
فلاش باك
سمع بالصدفة نجوى وهي تتحدث بقلق وريبة مع والدها، تخبره أن نيره أخبرتها بالهاتف أن نغم تتألم وقرر الطبيب أن يولدها لسقوط الجنين من رحمها إلى الحوض، مما سيسرع بعملية الولادة وأن الولادة ستكون قيصرية.
ليقوم طاهر بتطمينها وبث الأمل لديها.
ليقرر فيصل السفر إلى فرنسا فوراً ليكون قريب منها.
أخبر والده أنه سيسافر إلى الخارج لشراء بعض المعدات الحديثة للزراعة وسيغيب بعض الوقت.
كان يراقبها من بعيد دون أن تشعر به.
وكان بالمشفى التي تلد به يراقبها أيضاً من بعيد ويطمئن على حالتها الصحية دون أن يقترب من غرفة الولادة، ليس خوفاً من أحد، ولكن لا يريد أن يحدث تصادم أو مشاكل مع أحد الآن، يريد فقط أن يطمئن قلبه عليها هي قبل طفله.
فرح جداً حين رأها تخرج من غرفة الولادة.
ليذهب إلى الطبيب الذي قام بتوليدها ليسأله عنها.
رغم أن اللغة الفرنسية لديه ضعيفة، لكنه استطاع أن يتفهم الطبيب عن حالتها، وأيضاً حالة طفله الذي دخل إلى حاضنة المشفى، ليذهب إلى الحاضنة بالمشفى ليرى طفله الذي وصل بينه وبينها بعد أن كادت ابتعدت عنه.
رآه صغير الحجم وما زالت ملامحه لم تتضح كثيراً بسبب ضعفه.
كان أول من رآه بعد ولادته، حتى قبل أمه الغائبة عن الوعي بسبب الولادة.
ونيره ولميس اللتان كانتا ما يهمهما هي نغم أكثر.
طلب من الممرضة المسؤولة عنه أن تخرجه من الحاضنة.
لتوافق بعد توسله إليها لتخرجه له.
كان موضوع بيده أنبوب مغذى له.
حمله بلهفة يضمه بحنان، ليكبر له بأذنه وينطق بالشهادتين ويقول له: "أنا عارف نغم هتسميك إيه ومعنديش اعتراض يا مجدي، وكمان أنا بحبك قوي وكمان بحبها، بس الوقت لرجوعنا لسه مجاش. لو قربت دلوقتي هتفكر إني بعمل كده عشانك ومش هتصدق إني بعشقها وبعدها عني حارق قلبي. أنا عايزك تقوى وتخرج من هنا بسرعة وبصحة."
ليقوم بإخراج سلسال صغير من الذهب الأبيض من جيبه يحمل الشهادتين ويضعه حول عنقه.
لتقول له الممرضة: "يكفي هذا من أجل سلامة الطفل."
ليعطيه لها مضطراً، هو لا يريده أن يبعد عنه، لكن من أجل سلامته.
لتأخذه منه الممرضة وتقول: "وأنت لابد أن تستريح بسبب سحب تلك الدماء منك التي ضخت بجسد ذلك الصغير، لابد أنك تشعر بالتعب قليلاً."
لكنه رد عليها: "أنا لا أشعر سوى بسعادة فقط، وهذه السعادة تعطينى الصحة."
ظل بفرنسا لأكثر من عشرة أيام، كان يراقب نغم التي تذهب يومياً إلى المشفى لرؤية طفلهما بالحاضنة وإرضاعه، إلى أن أصبحت حالته جيدة ومطمئنة، ليخرج من تلك الحاضنة وأصبح معها دائماً، تهتم هي به بعيداً عن الحاضنة.
ليعود إلى مصر بعد أن اطمئن عليهما وأصبحا الاثنين بصحة جيدة.
عاد من تذكره ينظر إلى طفله ويبتسم ويتنهد براحة لعودته سليماً.
يتذكر بألم تلك الساعات الماضية، ولكنه نفض عن تفكيره ذلك الألم وهو يتذكر حين رآه مرة أخرى بذلك الهنجر المهجور، ليبتسم، فقد زال الألم بمجرد أن ضمه إلى صدره مرة أخرى.
دخل عم نيره ونغم إلى المشفى ليجد نجوى تقف يسندها كل من لميس وطاهر وتتجه إلى الغرفة الموجودة بها نغم.
ليقول بتشدد: "البلد كلها بتقول إن ابن فيصل العفيفي اتخطف، وطبعاً ابنه من بنتك. بنتك الساقطة اللي سلمت نفسها من غير زفاف، وأكيد بتشجيع منك."
لتخرج نغم على صوته وتسمع نعته لأختها بالساقطة.
لتقول بعنف وجسارة: "اخرس! أختي عمرها ما كانت ساقطة، اللي كان ساقط وحقير ومازال هو أنت. أنت اللي خليت ماما تضطر تتجوز بعد بابا بعد لما ضيقت علينا المكان اللي كنا عايشين فيه، وكمان خوف الست مراتك لتتجوز أرملة أخوك. أوعى تفكر تتهم نغم أو ماما بشيء، أنت أساسه. أنت كنت ساكتة على حقنا السنين اللي فاتت مش حبًا فيك، لكن كنت بحترم ماما، اللي مراتك خافت لتخطفك وخيرتك بينها وبين بنات أخوك، لحمك وعرضك اللي بتسيبه دلوقتي واللي رميته زمان. ولما كبرنا كنت عايز تجوز نغم لواحد من الأغبياء ولادك علشان منطالبش يوم بميراثنا في البيت اللي أنت بتمرع فيه أنت والحيزبون مراتك وولادك، بس بقى أنا بقولك مش هنسيب لك قرش من ميراثنا وهنخده كله من عنيك وهحاسبك بالسنتي. وبسعر النهارده يا إما هقسم البيت، ولو كان حقنا سهم واحد هناخده منك وهنهده وههد البيت كله على دماغك."
وقف عمها مذهولاً من ما قالت له، ليتنظر إليها بريبة ويقول: "أنتم مالكمش عندي حاجة."
لترد نيره بضحك ساخرة: "أحنا لنا نص البيت وبأوراق رسمية بابا كان مسجلها باسمي أنا ونغم قبل ما يموت بمدة، باين كان عارف أخلاق أخوه الكريمة. البيت كله بابا كان أساسه وشفق عليك وسابلك نصه والنص التاني من حقنا وفي أوراق رسمية بكده معايا. أنت مفكر إني وافقت أخرج من بيتك عروسة حبًا فيك؟ غلطان، أنا وافقت عشان جدتي وقتها طلبت مني إن قصاد ما أخرج من بيتك عروسة هتسلمني أوراق تثبت حقنا في البيت، كان بابا سايبها عندها قبل ما يتقتل."
لتكمل قائلة: "ودلوقتي قدامك حل من اتنين، يا تدفع تمن نص البيت وبسعر النهارده، يا إما هبيعه وعندي المشتري له وهيدفع ضعف تمن نص البيت، ووقتها مش هتقدر تتحكم فيه."
لينظر عمها لها بغل وحقد يقول: "ومين اللي هيشتري نص بيت؟ مفيش حد هيقدر يدخل البيت ده لو الأوراق اللي معاكي سليمة."
لتقول نيره وهي تضحك على ارتباكه بقوة: "اللي هيشتري نص البيت فيصل، بيحب مراته وعايز لها حاجة من ريحة باباها، وأنا اتفقت معاه بمجرد ما هنتمم البيع ههد نص البيت فوراً."
وتكمل بتهكم وسخرية: "فكر يا عمي العزيز الغالي في عرضي، ومعاك مهلة لآخر الأسبوع الجاي وبعدها هنتمم البيعة وأنت حر، لأن وقتي هنا محدود وهسافر فرنسا تاني لجوزي وابني اللي هناك، واحتمال نغم وابنها يسافروا معايا."
ليقف العم حائر خائر القوي لا يجد رد سوى أن يترك المكان سريعاً.
لتقف نجوى ولميس يضحكن على هروبه من أمام نيره، وهن يقتربن منها لتضم نيره نفسها إلى حضن والداتها وتتنفس عالياً، لتطبطب عليها بحنان وتقول لها: "اهدئي عشان اللي في بطنك. أنا عايز اكي تْكشفي وتطمنيني عليه."
لتهدأ نيره وتقول: "أنا كويسة جداً يا ماما. أنا أول مرة أحس براحة كده، كان لازم المواجهة دي من زمان، يمكن مكنش نغم كانت تكون هنا في المستشفى دلوقتي وكانت حياتها اتبدلت للأحسن."
لتقول نجوى بحنو ورضاء: "كل شيء نصيب وقدر."
ويتمم كذلك طاهر على حديث نجوى وينظر لنيره بحنان ومساندة، الذي اندهش من ردها القوي.
وتمنى أن تكون نغم بقوة نيره وتدافع عن حقها بفيصل ولا تبتعد عنه مرة أخرى.
دخل فيصل بمجدى إلى المشفى يحمله ليتجه إلى قسم الأطفال ليطمئن عليه.
ليتعامل الطبيب مع مجدي مباشرة لإفاقته والكشف عليه، كشف شامل للاطمئنان على سلامته.
ليخبر الطبيب فيصل قائلاً: "هو صحته كويسة، بس هو تحت تأثير مخدر كان بيخليه نايم طول الوقت، ودلوقتي هيفوق ومجرد ما هياكل هيتحسن ويبقى كويس وهيرجع لصحته بسرعة."
ليبتسم فيصل براحة واطمئنان، بعد وقت قصير استفاق مجدي.
ليحمله فيصل من أمام الطبيب ليتجه إلى الغرفة الموجودة بها نغم بالمشفى، فرح بعد أن علم أنها قد فاقت.
حين استفاقت نغم بعد أن سمعت حديث نيره وهي تخبرها أن طفلها قد عاد.
نظرت إلى نيره التي ابتسمت وأكدت لها خبر إيجاد مجدي، ولكن سرعان ما سمعن صوت عمهن البغيض الثائر بالخارج.
لتتركها نيره سريعاً وتذهب للرد عليه، بغيظ كبتته ولجمته بداخلها لسنوات طويلة.
لتعود مرة أخرى إلى داخل الغرفة مبتسمة بعد هروب عمهن من مواجهتها.
وكان معها نجوى ولميس وطاهر، الذي كان يرد على هاتفه مع فيصل ليغلق الهاتف.
وينظر لهن مبتسماً يقول: "فيصل هنا في المستشفى معاه مجدي، هيطمن عليه من الدكتور ويجيبه هنا."
لينظرن إليه فرحات.
دخل فيصل إلى غرفة نغم يحمل مجدي مبتسماً وهو يرى نغم قد فاقت، ولكنها ما زالت واهنة وشاحبة الوجه.
وكان معها لميس ونجوى ووالدته ونيره، التي استغربت وجودها، فمتى عادت من الخارج، ولكن كل ما يهمه هو سلامة نغم.
ليقترب منها ويعطيها مجدي، الذي عاد لتعود معه للحياة مرة أخرى.
رواية نغم سطوة العشق والانتقام الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سعاد محمد سلامه
دخلت فجر إلى تلك الغرفه بالمشفى بتلهف.
لتجد والداها، كاد أن ينتهي الطبيب من تضميد جرحه بعد أن أخرج الرصاصة من كتفه.
"بابا، أنا بتصل عليك مش بترد عليا. واتصلت على السواق قال لي إنك في المستشفى ومضروب عليك رصاص. مين اللي اتجرأ وضرب عليك رصاص؟"
ليبتسم منصور ويرد عليها: "اطمنّي، أنا كويس. دي رصاصة في كتفي والدكتور طالعها."
وينظر لها نظرة فهمتها أنه لا يريد التحدث أمام الطبيب.
لتصمت.
بعد قليل، انتهى الطبيب من تضميد جرحه وخرج وتركهم بالغرفة وحدهم.
"الدكتور خرج، قول لي إيه اللي حصل؟ الموضوع دا مش لازم يعدي بالساهل."
ليبتسم منصور قائلاً: "الموضوع بسيط."
لترد فجر بتعصب: "إيه هو اللي بسيط؟ دا ضرب رصاص عليك يا بابا!"
ليرد منصور عليها ويفهمها قائلاً: "أنا عرفت طريق اللي كانوا خاطفين ابن فيصل العفيفي، وأخذت اثنين من الحرس وبلغت الشرطة واتصلت على فيصل وسبقتهم على المكان. والخاطفين يظهر حسوا إن حد حواليهم وكانوا هيهربوا قبل الشرطة ما توصل، فاضطريت أتعامل أنا والحرس معاهم، وانصبت في كتفي بالغلط أثناء الاشتباك مع الخاطفين."
لترد فجر: "وإحنا مالنا بابن فيصل؟ ما يرجع ولا إن شاء الله ما رجع."
ليرد منصور بتبسم وخبث: "لأ، مالناش رجوع. ابن فيصل على يدي هيخليه يبقى في صفنا وإحنا محتاجينه الفترة الجاية."
لترد فجر: "علشان الانتخابات يعني؟ هو مش منافس لك؟"
ليرد منصور بتفهيم: "هو مش منافس، بس له أرضية واسعة هنا عند الناس دي. نص البلد بتشتغل عنده في مصانع المواد الغذائية بتاعته، غير الفلاحين اللي بيشتغلوا عنده في مزارعه."
"ومتنسيش إننا تقريبًا ما بنفضلش هنا في الإسماعيلية، دائمًا معظم وقتنا قاعدين في القاهرة. إنما فيصل هنا دائمًا وقريب من الناس. وكمان أنا سمعت إن علي مهيب ناوي في الانتخابات الجاية ينزل فئات مش عمال وفلاحين، وهو له أرضية هنا كبيرة. فبرجوع ابن فيصل، فيصل هيدعمنا."
بالمشفى أيضًا.
كان مجدي بحضن نغم التي تضمه إليها، وكانت تجلس بجوارها على الفراش نيرة.
وكان طاهر ونجوى جالسين على مقعد كبير، ولميس على أحد المقاعد بالغرفة.
وفيصل يقف قريبًا من الفراش التي تنام عليه نغم، وكان الجميع فرحون برجوع مجدي سالمًا.
ليسمعوا طرقًا على الباب.
ليذهب فيصل ليفتح الباب، يجده أحد العاملين لديه آتٍ بطعام لمجدي.
ليأخذه فيصل منه شاكرًا إياه.
ليتأتى من خلف العامل حافظ غُمري.
ليدخل مبتسمًا وهو يرى الطفل بحضن نغم.
ليقول: "لميس اتصلت عليا وقالت إن فيصل لاقي مجدي."
ليرد فيصل وهو ينظر إلى نغم: "مش أنا اللي لاقيته، اللي لاقاه هو منصور الفهدى بعد ما خلى رجّالته يمشطوا المنطقة وعثروا على مكانه، واتصل عليا. وأنا لما وصلت لقيته مضروب بالرصاص، بس لاقيت في الهنجر مجدي وجبته وجيت."
لتقول نغم بصوت واطئ لم يسمعه سوى نيرة التي تطعم طفل أختها: "ما لازم يخدمك. مش حبيبة قلبك بنته، وشكل المشاعر متبادلة."
نظرت نيرة لها وتبسمت.
لتبتسم نغم لها، فالأهم لديها هو عودة طفلها إليها دون أن يصيبه مكروه.
رأى فيصل ملامح نغم التي تغيرت، وكذاك همسها التي تمتمت به رغم أنه لم يسمعه، ولكنه توقع. فهي ما زالت تشك أنه لا يحبها ويتقرب منها من أجل ابنهما فقط. ولكنه عزم أمره أن يبرهن لها أنها هي حبيبته ومالكة قلبه الوحيدة.
بعد قليل، وقف الجد قائلًا: "المثل بيقول يا بخت من زار وخفف، أنا همشي."
لترد لميس: "مكنش لازم تيجي يا جدو علشان صحتك."
لترد نغم أيضًا: "أنا كنت هخرج من المستشفى وأجي لعندك، فمكنش له لازمة حضورك يا جدو."
ليرد الجد: "إنتي أما هتخرجي من المستشفى هترجعي على بيت جوزك. أنا كنت مستضيفك إنتي وابنك مش أكتر. ودلوقتي عندك بيت جوزك، ارجعي عليه. مدة استضافتك إنتي وابن حفيدى عندي انتهت."
لتنظر إليه نغم بصدمة دون رد.
لترد نيرة: "أنا هاخد نغم ونروح أي أوتيل هنا نقعد فيه لغاية ما نغم صحتها تتحسن، وهترجع معايا فرنسا تاني. أنا اتفقت أنا وهي إنها ترجع فرنسا معايا."
ليرد فيصل بتعصب: "مين اللي هترجع فرنسا؟"
"مجدي ابني، وأنا مش هسمح ببعده عني تاني."
قال هذا وغادر، صافعًا الباب خلفه بقوة.
لينظر طاهر إليهم معاتبًا: "هتروحوا تقعدوا في أوتيل؟ وبيتي مفتوح لكم. أنتم مش ضيوف، أنتم بناتي مش بنات مراتي."
لترد نيرة: "إنت عارف مقامك عندنا يا عمو طاهر، بس إنت عارف اللي حصل قبل كده بين نغم وفيصل. وكمان أنا بفكر نروح نقعد في نصيبنا في بيت عمي، حتى علشان يعرف إني مش بهدده وإني هنفذ اللي قولته له عليه لو ما ادوناش حقنا في البيت."
ليبتسم طاهر قائلًا: "مفيش كلام فارغ من ده هيحصل. أنتم هترجعوا معايا بيتنا."
لتحاول نغم الاعتراض، لكن طاهر قال بحزم: "هترجعوا معايا. ومتنسوش علشان نجوى ترعى مجدي وأشبع أنا من حفيدي."
لتنظر نجوى إليه بامتنان. رغم أنهن لسن بناته، ولكنه لم ينهرهن يومًا وعاملهن أفضل من عمهن، بصرف النظر عن ما حدث بين فيصل ونغم، فلم يكن بيده أي شيء، وكان هذا قدرًا محتومًا حدوثه ليزيح الغشاوة من على قلب عاشق.
دخل إلى غرفة نغم بالمشفى مجدي الزهيري وبرفقته عصام غُمري.
ليجد نيرة ولميس فقط معها، بعد أن غادر طاهر ونجوى لراحة نجوى الذي أخذت معها مجدي للاهتمام به أيضًا.
ليبتسم قائلًا: "أنا عصام كان اتصل عليا بالليل علشان أنشر صورة لابنك وجنبها مكافأة مالية كبيرة للي يدل عليه على المواقع الرسمية المملوكة للمؤسسة الإعلامية بتاعتنا."
"وقالي إنك هنا بالمستشفى فجيت من القاهرة مخصوص علشان أزورك وأطمن عليكي. وعرفت كمان إن ابنك رجع، حمد الله على سلامته وسلامتك إنتي كمان."
لتبتسم له نغم وترحب به لميس.
قائلة بمزح: "لأ، طمرت فيك عشرة أربع سنين جامعة، مع إننا كنا مختلفين عن بعض دائمًا."
ليدخل على مزاحها فيصل، الذي عاد مرة أخرى إليها ليطمئن عليها، دخل بعد أن طرق الباب مباشرة دون انتظار رد.
وسمع رد وجدي الزهيري حين قال بود: "الاختلاف في الرأي لا يفسد للود. أنا كنت بختلف مع نغم على طريقة حفظها وعدم اختلاطها بالآخرين كتير، لأنها دائمًا مش بتتعامل غير من فئة معينة. وبصفتها دارسة إعلام لازم يكون عندها اختلاط بجميع الفئات. ورغم كدا كنت معجب بأفكارها الجديدة والمميزة دائمًا، وكان نفسي أشاركها في مشروع التخرج، بس إنتوا الاتنين رفضتوا وعملتوه لوحدكم."
كانت نظرات إعجاب وجدي لنغم واضحة جدًا وملاحظة.
ليتنحنح عصام قائلًا: "حمد الله على سلامتك يا نغم، وكمان مبروك رجوع ابنك. أنا مكنتش أعرف إنك متجوزة فيصل اللي من جدّي امبارح."
لترد نغم عليه: "شكرًا، الله يسلمك."
ليقول وجدي باستغراب: "هو فيصل العفيفي يبقى جوزك يا نغم؟"
ليرد فيصل: "أيوا."
ليمد وجدي يده بالسلام لفيصل قائلًا: "أنا بقالي سنتين بتعامل معاك في الإعلانات التسويقية لمصانعك ومعرفش إنك متجوز للنهارده، وكمان من أكتر واحدة تقدر تعملك حملة دعاية ضخمة. ولا باب النجار مخلع."
لتضحك لميس قائلة: "فعلاً باب النجار مخلع."
لتضحك نغم قائلة: "فيصل بيحب يعتمد على الخبراء، وأنا أفكاري مش مناسبة للدعاية عنده."
"وبعدين كويس إنك فتحت سيرة الشغل، أنا عرفت إن المؤسسة بتاعتك لها فرع في فرنسا، أنا عايزة أشتغل فيه لأني مسافرة فرنسا بعد أيام."
لينظر وجدي باستغراب: "ليه؟ هو فيصل بيه قرر يعيش في فرنسا؟"
لترد نغم: "لأ، بس إحنا هننفصل وأنا هرجع فرنسا."
تبسم وجدي للحظة، فهو يومًا كان عاشقًا لنغم، ولكنه حين اقترب من البوح علم أنها عُقد قرانها لغيره.
ربما يحالفه القدر.
لكن فيصل كانت الغيرة تنهشه وهي تتحدث مع وجدي براحة. تمنى أن يلكمه ليبعد عنها نظراته الواضحة لنغم.
وتضايق أكثر حين أعادت أنها ستعود إلى فرنسا مرة أخرى، وذكرها لانفصالها عنه.
ليصمت دون رد حتى لا يلكمه بقوة وعشق أمام الموجودين، ويعلمها أنها له ولن تبتعد عنه مرة أخرى أبدًا، ولكن صبرًا.
هو لن ييأس في استعادة حبها له التي تخفيه خلف كبريائها وظنونها.
تبسمت نيرة وهي ترى نظرات فيصل الواضح منها الغيرة، لتفرح به. يومًا كانت نغم عاشقة له، لم تتمنى غير كلمة منه وتضيع حياتها من أجله، ولكنه رفض، بل صفع قلبها باعترافه بحبه لأخرى.
ليدفع الثمن الآن وهو عاشق لها، وهي رغم أنها ما زالت تعشقه، أغلقت قلبها بعقلها الذي يراه مجرد من المشاعر. بالأمس كان يمقت حتى التحدث إليها.
اليوم يتمنى أن يلوذ بقربها.
تنحنح عصام قائلًا: "ربنا يشفيكِ." وينظر للميس قائلًا: "عندي اجتماع مع عملاء، أستأذن أنا."
لترد: "نعم، شكرًا لزيارتك." وتنظر للميس قائلة بمزح: "لميس هتوصلك لحد العربية، على الأقل ارتاح منها شوية، دي رغّايَة."
لتنظر لميس لها باستنهاج وتوعد.
ليبتسم عصام وتذهب معه لميس.
ليقول وجدي: "وأنا كمان أسيبك ترتاحي، وهستنى تيجي لي المؤسسة ونتفق زي ما إنتي عايزة."
لتشكره.
ليغادر.
وقف فيصل ينظر لها بغيظ بعد أن رحل وجدي، الذي لو بقى قليلًا لقام بلكمه بعينه الذي ينظر بها إلى نغم. فا بعد ما قالت ليس لديه فرصة لنيل صفحها عن الماضي، ولكن ربما تحدث معجزة وتعود إليه.
بمرآب السيارات الخاص بالمشفى، وقفت لميس مع عصام الذي وقف ينظر إليها بعشق وتمنى أن تبادله الحب. فهو يقترب وهي تبعد، وهو لا يعلم السبب وخائف أن يكون بقلبها غيره وأنها وافقت على الزواج به بناءً على أمر جدهما حافظ.
أمسك إحدى يديها ليميل يقبلها ويرفع رأسه ينظر إليها، يجدها تبتسم.
ليقول لها: "أنا سعيد أن ابن نغم رجع لها بسرعة. أنا كنت زعلان علشان شايف مدى تأثرك بخطف ابنها."
لترد لميس: "نغم مش بس صديقة عمري، دي تقدر تقول كل حياتنا مع بعض. ساعات بحس إنها نفسي اللي برتاح لها في كل وقت."
"وقت تكون أختي."
"وقت تكون مامتي."
وتقول بمزح: "ووقت تكون عدوتي اللدودة."
ليضحك عصام قائلًا: "أنا كده هغير من أنها جزء كبير من حياتك. أتمنى أكون أنا في يوم مكانها."
لتنظر إليه وتهمس لنفسها: "أما أشوف هيكون رد فعلك إيه أما تعرف إن كان فيه في حياتي زوج غيرك، يا ترى هيكون إيه."
"بس مش دلوقتي، كل شيء في وقته حلو."
في المساء.
عادت نغم إلى البيت الذي خرجت منه يومًا تنزف، كان ينزف قلبها ألمًا قبل جسدها، لتعود ومعها طفل كان نتيجة لتلك الليلة البائسة التي كادت تودي بحياتها.
بداخل أحد الغرف، كانت نغم نائمة متكئة بالفراش، وبرفقتها نيرة ونجوى.
ولميس التي وقفت تقول: "أنا لازم أمشي. أنا سايبة جوانا طول اليوم مع تهاني وهروح أطمن عليها، وبكرة الصبح هكون هنا."
لتبتسم نيرة ونغم.
لتقول نيرة: "ابقى هاتى معاكى عروسة ابني أشوفها، دي وحشتني."
لتبتسم لميس قائلة بمزح: "أخيرًا وافقتي تجوزي العيال؟ حرام عليكي. طول عمرك قوية ومفترية. أقولك العيال بيحبوا بعض، تقولي لي: أنا ابني لازم يتجوز بنت عينها سمرا وشعرها أسود وبيضه. أقولك بنتي؟ تقولي لي: لأ، بنتك شعرها كستنائي زي نغم."
"يلا، النصيب حكم غصب عنك."
ليضحكوا جميعًا على مزاح لميس.
لتميل لميس تقبل وجنة نغم قائلة: "ربنا يشفيكِ."
ثم تقبل نجوى قائلة: "علشان تعرفي إني ضرة، قلبها أبيض." ثم تقبل نيرة قائلة: "سلام بقى يا حمات بنتي، بس خفّي من الغيرة من بنتي شوية، بلاش كيد حموات."
ليضحكن جميعًا على مزاحها.
لتتركهن وتغادر.
لتتبسم نجوى بألم قائلة: "والله لميس صعبانة عليا، وكمان بنتها مش عارفه الحقير شاهر هيوافق على الاعتراف بها من غير مشاكل ولا لأ."
لتقول نيرة: "هي لسه معرفتوش إنها عندها بنت منه؟"
لترد نجوى: "لأ، عرف بس لسه ما قالش قراره. المفروض هيقول لها عليه بعد بكرة، وعلى ضوء قراره هي تعرف عصام إن عندها بنت وكانت متجوزة قبل كده، ولو قبل بها بعد ما يعرف ببنتها هتكمل معاه."
لتكمل نجوى بتنهيدة: "ياريت يتعامل معاها ويفهم ظروفها ويقبل بها ويعوضها."
لتقول نغم ونيرة: "يا رب يا ماما لميس طيبة وتستاهل كل خير."
بعد وقت، دخل عليهن طاهر ضاحكًا يحمل الطفل الذي يقاوم النوم ويريد اللعب.
قائلًا: "عنيّه بتقفل وبرضو عايز يلعب ومينامش."
لتبتسم نيرة وتقول: "عندي كده. ابني كده، وزمانه مغلب باباه في فرنسا وهيشد في شعره منه."
ليقول طاهر: "ربنا يخليه ويقومك بالسلامة وتجيبي له أخ تاني جميل زيه. وحشني والله، كنتي هاتيه معاكي."
لترد نيرة: "أنا بصعوبة لقيت حجز ليا بالسرعة دي، لو مش جوزي له صديق في السفارة في فرنسا هو اللي دبر التذكرة، بس يمكن ننزل على إجازة نص السنة."
"بعد ما أولد إن شاء الله."
ليرد طاهر بحنان: "ربنا يقومك بالسلامة. وبعدين في البطل الصغير اللي بينام ده؟ مفيش حد هيحميه علشان كان بيلعب في الجنينة مع الكلاب."
لتنظر نغم له باشمئزاز وتقول: "أنا تعبانة وواخدة أدوية قد كده. لو لميس هنا كانت هي اللي هتحميه."
لتبتسم نيرة وتقول: "وأنا الدكتور محرج عليا إني أقرب من حد بيتعامل مع الحيوانات."
لينظر طاهر إلى نجوى قائلًا: "وإنتي إيه؟"
لترد بادعاء البلاهة: "أنا إيه؟ أنا كنت في المستشفى، أنا كمان ولسه دايخة."
لينظر طاهر إلى مجدي قائلًا: "أنا عمري ما حميت أبوك، ومعرفش هو خرج من شوية راح فين، فأنت زي الشاطر تساعدني."
ليرد الطفل بطفولة: "أنا شاطر وبساعد ماما، وهي تعملي شاور، برش عليها ميه."
ليضحكوا جميعًا، فهو اليوم سبب البسمة على وجوه الجميع بعودته سالمًا.
دخل فيصل إلى الغرفة الموجودة بها نغم يسير بهدوء حتى لا يوقظها.
ليجد ضوء خافت بالغرفة، لينظر إلى الفراش.
وجدها نائمة تحتضن مجدي بين يديها.
ليبتسم وينظر لهم ويتنهد بعشق. فأمامه ببيته سعادته، لكنها بعيدة عنه.
اتجه إلى الناحية الأخرى ونام جوارهم.
استيقظت نجوى لتنزل من على الفراش وترتدي مئزرًا على ثياب نومها، وتتجه إلى باب الغرفة.
ليشعر بها طاهر ليقول لها: "رايحة فين؟"
لترد ببساطة: "هروح أشوف نغم وأطمن عليها."
ليقول طاهر: "نغم أكيد كويسة، الدكتور طمنا عليها وقال اللي عندها كانت صدمة عصبية ومحتاجة هدوء مش أكتر. أنا عارف إنك خايفة عليها من فيصل، بس لازم تتأكدي. فيصل عمره ما هيقدر يأذي نغم مرة تانية. ليه رافضة تصدقي كده؟"
لتقول بارتباك: "أنا كنت هطمن عليها بس وأرجع بسرعة."
لينهض طاهر من الفراش قائلًا: "وأنا هاجي معاك علشان أطمن أنا كمان."
فتحت نجوى باب الغرفة بهدوء، لتجد ضوء خافت بالغرفة، تنظر إلى الفراش.
لتنصدم وهي ترى نغم نائمة وجوارها فيصل وطفلهما بالمنتصف.
فمتى دخل فيصل إلى الغرفة؟ فهي تركتها قبل قليل بعد أن نامت من تأثير الأدوية التي تناولتها.
نظر طاهر إليهم مبتسمًا، فهو يتمنى أن تتحقق أمنيته وتصدق نجوى أنه لا يوجد بحياته أغلى من نغم وطفله.
خرجا بهدوء وأغلق طاهر الباب خلفهم بهدوء.
عادًا إلى غرفتهما، لينظر طاهر إلى نجوى قائلًا بعتب: "اطمنتي على نغم؟ فيصل ندم ندم عمره. خلي نغم تعطيه فرصة تانية، وصدقيني مش هتندمي."
لترد نجوى: "أنا مش غاصبة على نغم إنها تبعد عن فيصل."
"نغم نفسها هي اللي عايزة كده. ولو عايزة تغير قرارها وتفضل معاه، أنا مش همنعها. زمان ما منعتهاش وسيبتها لما اختارت إنها تبعد عن هنا وكانت مجروحة."
"ودلوقتي أنا مش هفرض عليها حاجة."
ليبتسم طاهر بأمل أن تظل نغم ولا تغادر مع شقيقتها وتترك فيصل لعذاب قلبه مرة أخرى.
فجرًا.
كانت تنتظر تلك الحية أقبال بداخل مخزن قديم تابع لمصنع الأسمدة التابع ل منصور الفهدى.
لتجده يدخل عليها مستاءً.
قائلًا بتعسف: "اتصلتي عليا وأصرّيتي إني أنزل أقابلك في الوقت ده ليه؟"
لترد بتريقة: "أصلك وحشتني وحبيت أطلع في طلتك البهية."
ليرد منصور بضيق: "قولي عايزة إيه من غير لف ودوران."
لتقول أقبال: "الولد اللي قولّت لك تخطفه."
ليرد ببلاهة: "ماله؟"
لتقول أقبال: "اتخطف وبقدرة قادر رجع تاني. لأ ومين اللي رجعه؟ اللي خطفه البطل العظيم، رجل الخير الواصل، اللي بيحب مصالح الناس وقادر على حمايتهم. لأ، واللعبة الحلوة، الولد يتلقى هنْجَر منافسه في الانتخابات. لأ، ورجل المصالح اللي كل البلد بتتكلم عنه وعن شهامته."
ليرد منصور: "ليه مقولتيش إن الولد ابن فيصل العفيفي من الأول؟"
لترد بتهكم: "شايفه إنك بتقرب قوي من فيصل ده."
"يا ترى إيه السبب؟ أوعى تقولي إنك بتحبه، أصل اللي زيك ما يعرفش غير مصلحته، ومصلحته هي اللي خلتك رجعت الولد. بس أنا بكلمك منّي، أفشي سرك القديم وأعرف البلد كلها قذارتك."
ليرد منصور بضيق: "أنا تعبان والدكتور كاتب لي على راحة ومش قادر لحديثه التافه. دائمًا تهددينّي بالماضي؟ ناسيه إنك كنتِ شريكتي فيه في كل خطوة؟ مين اللي سهّل عليا دخول سرايا حافظ غُمري؟ ومتنسيش إنّي أنا اللي خلصتك من محاسب البنك اللي كان بيهددك إنه هيفضح تلاعبك بالحسابات وإنه كان شريكك وغدر عليكِ بعد ما كانت الأموال بتتحول لحساب وهمي ومنه كانت بتتحول لحسابك."
لتنظر إليه وتضحك ساخرة: "لأ، خوفت. بس عندك الإثبات لده؟"
"إنما أنا معايا كل الإثباتات عليك، ومعايا شريط فيديو بيوضح شكلك جدًا وإنتي داخلة سرايا حافظ. إنتي ناسية إنّي وقتها أنا اللي كنت بتحكم في كاميرات السرايا؟ أنا حذفته بعد ما سجلت دخولك واحتفظت بشريط عندي لأني عارفة إنك غدارة وممكن تغدري بيا. ناسيه إنّي أم لبنتك؟"
رواية نغم سطوة العشق والانتقام الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سعاد محمد سلامه
نظر منصور إلى أقبال قائلاً بغضب:
"لسه القصة دي مأثرة عليكي؟ بنتنا اتولدت ميتة، انتي بنفسك شوفتيها ميتة جنبك وقت الولادة."
لترد بعنف:
"غبائك السبب في موتها. وقتها خفت لا بنت الأصول أم فجر تعرف إنك خاين وكداب. اتجوزتها بناءً على طلب أبوك الله يجحمه، لما رفض إنك تتجوزني، لا إما تتحرم من الميراث. اتجوزتها وعلى تسع شهور كانت فجر هانم مشرفة بطلتها البهية. وأبوك قبل ما يموت كتب لها باسمه نص أملاكه، رغم إنك كنت ابنه الوحيد. وكمان ميراثها من أمها بنت الأصول اللي ساعدتك تدخل البرلمان بعد أبوك."
"أما اتجوزتني عليها بعقد عرفي بعد سنتين من جوازك من أم فجر. وحتى لما حملت منك وطلبت إننا نتجوز رسمي، أجلت بسبب إنها كانت مريضة وكمان خوفت من أبوك. قال إيه عنده انتخابات ولو أعلنت جوازنا ممكن أهل مراتك يخلّوه يسقط. والنتيجة كانت إني أولد بنتي على سبع شهور إلا أيام بعد المحروسة مراتك ما دفعتني من على سلم الشركة اللي كنت بشتغل عندك فيها. وقتها بالغلط. أنا بدعي عليها بالجحيم، هي السبب. وحضرتك سبتني ولا سألت ولا عرفت إني جالي نزيف وقتها."
ليرد منصور:
"السلم اللي وقعتي منه كان درجتين بس، وأنا مش شفتكِ وقتها. وده كان قدر بنتنا إنها تفضل ملاك. أنا نسيت، وانتي كمان لازم تنسي. وبعدين إنتي أخدتي التمن قد كدا وقتها. وكمان بعدها بفترة صغيرة اتجوزتي حكيم غُمري بحجة إنك هتربي ابن أختك. بلاش تطلعي نفسك ضحية."
"وأنا رجعت الولد لمصلحتي مش أكتر عشان أستفيد من شعبية فيصل في البلد."
لتنظر له أقبال بشرر قائلة:
"وأنا كمان ليا مصلحتي. وهسامح المرة دي، بس صدقني اتقي شرّي، أفضل لك. لأني لو فتحت الملفات القديمة هتخسر كل شيء. أولها بنتك فجر هانم اللي بتلف على فيصل العفيفي، اللي في الآخر ظهرت مراته وابنه."
أتى الصباح. زقزقت العصافير بأجمل الأصوات.
استيقظ فيصل لينظر جواره، يجد طفله نائم بينه وبين نغم التي تنام وخصلات شعرها تخفي نصف وجهها.
ليبتسم ويتمنى أن تظل جواره.
تنهد بعشق متألم، يهمس لنفسه:
"الآن فقط شعرت بكسرة قلبك لما كنت ببعدك عن حياتي، وأنتِ عايزة القرب. يا ريتك تعرفي إن قلبي مكسور زيك تمام، وأنتِ الوحيدة اللي قادرة على ترميمه. الآن حسيت بقوة الألم اللي كنتِ عايشاه بسبب سطوة انتقامي من إنك بنت مرات بابا."
لاحظ فيصل صغيره الذي بدأ يستيقظ من سباته.
لينظر إليه بحنان مبتسمًا.
إلى أن استيقظ الصغير ليشير له بالصمت حتى لا يزعج نغم النائمة.
ليبتسم الصغير ويتجه إلى حضن والده، ليضمه ويحمله ويخرج من الغرفة بهدوء حتى لا يزعجها.
ولكنها كانت مستيقظة. تنفست بعمق، فهي كانت تكتم أنفاسها حتى لا يعرف أنها صحت ورأته نائم بجوارها هي وطفلهما. ادعت أنها مازالت نائمة، تنتظر ماذا يفعل. وهي مغمضة العين، خافت أن تصحو وتنظر إلى عينيه وتقول له أنه مازال عشقه ساكن قلبها، لم يخفت حبه من قلبها، ولكن لم تنسى وجع قلبها من أفعاله معها.
تبتعد عنه كي لا تضعف ويعود لها ذلك الألم القديم التي حاولت مداواته، ولكنه لم يطيب.
لتشعر به وهو يخرج بالطفل، وتعلق الطفل السريع به للحظة.
خافت على طفلها من ذلك، فماذا سيفعل حين تبتعد به عنه مرة أخرى؟ فالفراق بعد التعلق شديد الصعوبة.
وهي جربت ذلك قبلاً. لكن ربما هذا أفضل من أن تتعذب بجواره هنا.
أصطحب فيصل طفله وذهب به إلى حمام السباحة المرفق بالبيت. ليقوم بخلع ملابسهما من عليهما ليبقيا بالشورت.
لينزل فيصل إلى الماء وأخذ طفله معه، وبدأ يلعبان ويلهوان مرحان في الماء.
ليأتِ إليهم طاهر مبتسمًا.
ليقول:
"إيه الهمة والنشاط ده كله؟ من زمان مشوفتكش بتعوم في حمام السباحة."
ليضحك فيصل قائلاً:
"صباح الخير يا بابا."
ليردد الصغير نفس
الجملة بطفولة.
ليبتسم طاهر ويرد عليه:
"أحلى صباح لصديقي الصغير اللي بيتعبني وأنا كبرت على اللعب معاه."
ليبتسم فيصل
ويقول:
"وتعبك في إيه؟"
ليرد طاهر:
"فضل يلعب مع الكلب مهد الصغير ونجوى ونغم ونيرة رفضوا يحموه، وأنا اللي حميته وغرقني وخلاهم يضحكوا عليا."
ليضحك فيصل.
لتأتي نسيمة تقول:
"أنا حضرت الفطور زي ما قولت هنا يا فيصل بيه."
ليقول طاهر:
"بس نجوى والبنات لسه نايمين."
ليرد فيصل:
"ده فطوري أنا وميجو."
ليخرج فيصل والصغير من الماء ليعيد عليه ملابسه مرة أخرى ويجلس مع والده على طاولة الفطور ويبدأ بإطعام طفله الجالس على ساقه.
لينظر إليه طاهر مبتسمًا يقول:
"ناوي على إيه مع نغم؟ نغم مصرة تسافر مع نيرة تاني."
ليتنهد فيصل قائلاً:
"نغم رافضة أي حوار معايا. كل ما أقرب منها هي بتبعد.
بينى وبينها سور، وكل ما أحاول أهدّه هي بتبعد أكتر."
ليقول طاهر:
"إنت اللي غلطت من البداية. كانت هي كل أمانيها إن بس تحس بقلبها وتقرب منها، حتى لو بالكذب كانت هتصدق. لكن إنت صدمتها بحبك لغيرها. وياريت بس كده كمان.
الليلة السودة اللي كانت نهاية كل شيء أكيد هتفضل في ذكرياتها وتخاف تقرب منها."
ليتنهد متألمًا ويقول بندم:
"أنا قبل الليلة دي كنت دايماً مفكر إني بكره نغم وبكره قربها، حتى كنت بكره أسمع اسمها. كان كل همي تختفي من حياتي هي وأختها وأمها. بس منكرش وقتها ساعات كنت بحس باشتياق لها وأتمنى أشوفها. وقاومت الإحساس ده لما شفت فجر الفهدي في عزومة كانت معموله على شرف نجاح منصور الفهدي في الانتخابات. ولفتت نظري بلباقتها وحضورها الطاغي، وأتمنيتها وقتها تكون زوجتي."
"بس بعد ما سبت نغم على السرير قبل ما أعرف إنها بتنزف، ندمت على إني قولت لها على حبى لفجر. وكنت راجع لها عشان أقول لها إني هكمل جوازنا وهعمل لها زفاف وتبقى هي مراتي وفتاة أحلامي. أنا كنت مفتون بفجر مش أكتر. وعنفي معاها كنت بقاوم عشقها في قلبي، خايف لتعرف إني عاشق منتقم، وبينتقم من اللي عشقها عشان خايف أشوف ضعفه قدامها."
"أنا لما طلبت مني إني أتزوجها رفضت، ولما ضربتني بالقلم ولقيتها في وشي بتبكي، حبيت أنتقم منها لأنها كانت سبب صفعك ليا بالقلم. وأقسمت وقتها إني أدفعها تمن القلم ده مضاعف."
"حتى لما تمت السن القانوني، أنا كان ممكن أطلقها من غير ما أقولها وأفاجئكم بالطلاق بسهولة. بس طنشت وكنت مبسوط إنها مرتبطة بيا ومش هتقدر تبعد عني إلا بمزاجي. ومفكر بكده إني بنتقم من طنط نجوى وهي شايفة بنتها كل ما دي بتغرق في عشقي وأنا ولا على بالي."
ليقول طاهر:
"وكانت النتيجة إيه دلوقتي؟ الصفعة اللي كنت عايز تدفعها تمنها اتردت لقلبك."
"أنا يابا غلطت وندمت ودفعت التمن ببعدها وخوفها إني أقرب منها لأذيها تاني، وكمان ببعد ابني عني. أنا لما قربت من فجر لومت نفسي أكتر. فرق كبير بينها وبين نغم. أنا في يوم قولت على نغم لقيطة لأنها مكنش لها مأوى غير بيتنا. بس كان جواها اشتياق دايماً لمكان، ولو صغير، تحس إنها ليها فيه مكان. أما فجر الفهدي، رغم امتلاك أبوها أكتر من قصر كبير، بس هي معندهاش اشتياق ولا إحساس بقيمة اللي في إيدها. كل همها هو السلطة والمناظر قدام الناس."
أبتسم طاهر قائلاً:
"وهتعمل إيه معاها وهي مصرة كده؟ في إيديك تمنعها بالقوة من السفر بابنك؟"
ليرد فيصل:
"مش أنا اللي أعمل كده. نغم لو عايزة تسافر أنا مش همنعها وهفضل منتظر رجوعها ليا عمري كله."
ذهبت نجوى إلى غرفة نغم لتدخل بعد طرق الباب، لتجدها انتهت من ارتداء ملابسها ويبدو عليها التحسن كثيراً.
لتقترب منها وتضمها وتقول بحنان:
"إزيك النهاردة؟"
لترد نغم:
"أنا كويسة جداً. أومال فين نيرة؟"
لتبتسم نجوى وتقول:
"نيرة لسه نايمة، أكيد تعبت امبارح. دي جت من المطار على المستشفى، وحتى لما رجعنا هنا قبلك وقولت لها ترتاح شوية مرضيتش تنام إلا ما رجعتي إنتِ كمان."
لتبتسم نغم وتقول:
"أنا مش عارفة إيه اللي خلاها تيجي وتتعب نفسها. أنا بعد اللي حصل مبقاش عندي قدرة إني أفضل هنا. أنا قررت أسافر تاني."
لتقول نجوى بتألم:
"إنتي ونيرة أخوات ومالكمش إلا بعض ولازم تساندوا بعض. رغم إن بعدكم عني بيخليني أشعر إني وحيدة، بس أنا ببقى سعيدة لراحتكم. وأسمع عنكم إنكم سعداء بينسي قلبي الوجع من فراقكم شوية."
لتقول نغم:
"جوز نيرة فاضل له سنتين والبعثة بتاعته تخلص وهينزل مصر يستقر فيها ويكون نفسه هو ونيرة. وأنا كمان يمكن وقتها أنزل معاهم وأستقر في القاهرة ونرجع نقرب من بعض. أما واضح إن الإسماعيلية دي بالنسبة لنا مش أكتر من مكان الميلاد."
"في البطاقة."
لتضحك نجوى وتقول وهي تضمها بحنان:
"يا ريت الزمن يرجع تاني. صدقني مكنتش هوافق أتجوز تاني بعد مجدي وكنت أخدتكم وبعدت هنا."
لتدخل على حديثها نيرة تقول:
"كنتي هتروحي فين؟ وبعدين عمو طاهر عمره ما زعل واحدة مننا بكلمة. هو الغبي فيصل اللي كان مفكر إنك عايزة تاخدي مكان مامته."
لتبتسم نغم وتقول بمزح:
"إيه صحاكي دا؟ قولت إنك خُم نوم وكمان حامل مش هتصحي إلا العصر."
لتضحك نيرة وتقول بمزح:
"تصدقي إني غلطانة إني سبت جوزي حبيبي وابني وقلقِت عليكي."
لتقترب نيرة من نجوى لتفتح لها نجوى يدها لتدخل إلى حضنها. تبتسم لتقبل نجوى رأسها بحنان وتقول:
"ربنا يخليكوا لبعض وتبقوا دايماً سند لبعض."
لتدخل عليهن لميس دون طرق باب وبصحبتها ابنتها جوانا تقول بمزح:
"خيانة! فينك يا تيتو؟ تعالي شوفي مراتك اللي بتفضلها عليها واخده اتنين في حضنها."
ليضحكوا على مزاحها لتقول نجوى بمرح:
"وتالتكم المجنونة دي أختكم كمان ولازم تحبوا بعض بغض النظر إنها عينها من جوزي."
لتضحك لميس قائلة:
"عيني بس دي عيني وقلبي."
لتذهب إليها الصغيرة وتنظر لها وتقول بطفولة:
"أنا عايزة ميجو ألعب معاه."
لتقول نجوى:
"ميجو؟ أنا سمعت نسيمة بتقول لطاهر إن فيصل ومعاه ميجو راحوا عند حمام السباحة وطاهر راح لهم هناك. تعالي نروح لهم سوا."
لتقول لميس بمزح:
"حمام السباحة يعني تيتو زمانه بالشورت. بس أنا هاجي معاكم أتفرج على عضلات بطنه السداسية."
لتبتسم نجوى قائلة:
"قليلة الأدب! بس اطمني طاهر مش بيحب العوم. وتقول تلاقي فيصل هو اللي بيعوم ومعاه ميجو."
لتنظر لميس لنغم وتقول بخبث:
"يا سلام دا عز الطلب! يلا يا نوجا أنا راشقة معاكي خلينا نتفرج على الواد."
"ميجو وهو بيبلبط في الميه."
"هروح أصوره كام صورة وأنزلها على صفحات الموضة بجسمه الرياضي ده. لأ وعضلات صدره العريض ده."
لتقول نيرة بعدم فهم:
"وهو ميجو عنده عضلات؟ دا طفل صغير دا ممكن تعملي بيه إعلان عن بسكويت."
لتضحك نجوى على عدم فهم نيرة.
وتنظر لها نغم بغيظ ساخرة تقول:
"بالسلامة وخدّي الباب في إيدك."
لتقول لميس:
"ولما آخد الباب في إيدي مش يمكن تحتاجيه بالليل تداري فيه إنتي وحد مثلاً."
لتقول نغم:
"ومين الحد ده؟"
لتقول نجوى وهي تنظر لها:
"تفكيرك شمال دايماً."
لتفهم نيرة أن لميس تستفز نغم وتلعب على وتر الغيرة لديها.
وقف شاهر أمام المرآة يعدل هندامه ويفكر. لم يعد أمامه وقت، لابد من إعطاء قراره للميس في الغد.
نظر لانعكاس ليلى النائمة بالفراش يفكر. ليلى لديها عقدة نفسية اسمها قلة الحظ. لديها بدايتها من هجر والداها لها هي وأمها منذ أن كانت صغيرة.
ثم مشكلة عدم إمكانية الإنجاب لديها، وتلك معضلة.
أخذ عقله يفكر.
لميس سترث مثل ليلى من حافظ غُمري، ولكن ليلى ستزداد إرثاً من حكيم.
ليلى حفيدة وعائلة غُمري ذات سيط عريق.
لميس اسم عائلتها بسيط.
ليلى لن تقدر على الإنجاب ومشكلتها مع الوقت تزداد.
لميس لديها طفلته.
ليأتي إليه قرار، إذا صاب سيكسب به، ربما يخرج فائزًا من تلك المعضلة.
ذهب عصام إلى الفيلا ليلتقي بلميس. لم يجدها. ليخبره جده أنها مع نغم في بيت فيصل العفيفي.
ليقوم بالاتصال عليه لترد عليه.
بعد السلام طلب منها الالتقاء معًا لتوافق على مضض.
بعد قليل كانت لميس تدخل إلى ذلك الكافيه الذي بعث لها موقعه على الهاتف.
وقف أمام أحد الطاولات يستقبلها بترحاب وود.
لتجلس بجواره مبتسمة.
ليأتي النادل ويأخذ طلباتهم وينصرف.
ليقول عصام:
"أنا روحت السرايا عند جدو حافظ وسألته عليكِ. قال لي إنك في بيت فيصل العفيفي. اتصلت عليكي عشان نتقابل ونتكلم في حاجة مهمة."
لترد لميس:
"إنت عارف إن فيصل ابن خالتي وعلاقتي معاه طيبة، عكس ليلى. وكمان نغم صديقة عمري أنا وهي كنا مع بعض في نفس المدرسة الداخلية، حتى في الجامعة وبعد التخرج كمان كنا بنشتغل في نفس الأماكن مع بعض، وسافرنا ورجعنا سوا. وأنتِ عارف بخطف ابنها ومرضها ورجوعه يبقى لازم أكون معاها."
"بس إيه هي الحاجة المهمة اللي كنت عايزني فيها؟"
ليرد عصام:
"جوازنا."
لتقول لميس بارتباك:
"ماله جوازنا؟"
ليقول عصام:
"من يوم جدو حافظ ما أعلن خطوبتنا وأنا حاسس إنكِ بتتهربي مني وبتتجنبي الكلام معايا.
قولي لي إن كان في حياتك حد تاني وجدو ورطك في الخطوبة، صدقيني أنا أتمنى لك السعادة."
لتنظر له لميس باندهاش وتقول بتعلثم:
"منين جبت إن في حد تاني في حياتي؟"
ليرد عصام:
"تهربك وعدم حديثك معايا في شأن تجهيزات جوازنا، وكمان بحس إن في حياتك سر أو لغز."
لتقول بتوتر:
"ولو كان في دا ممكن يغير قرارك في جوازنا؟"
ليقرب عصام مقعده من مقعد لميس ويمد يده يمسك يدها قائلاً:
"لأ مفيش أي حاجة تقدر تمنع جوازنا غير إني أموت أو إنتي ترفضي الجواز مني."
لترتبك لميس من مسكته ليدها وتنظر له وتجده يميل يقبل يدها ثم يرفع رأسه وينظر إليها قائلاً:
"أنا بحبك يا لميس من زمان جداً. من وأنتِ صغيرة كنت بنتظر الإجازات عشان أشوفك في سرايا جدو. وكان نفسي أصرحك من زمان وكنت خايف يكون في حياتك غيري."
نظرت لميس إليه باستغراب تتشفي الصدق من عينيه.
ودت لو ردت عليه وقالت له:
"ليتك أبحت بهذا الحب، ربما كانت تجنبت تلك الكذبة التي وقعت فيها حين صدقت كاذب وهمها بحبه لأشهر وتزوجته لأيام، وكانت نتيجة هذه الزيجة الكاذبة تلك البريئة التي تبحث لها عن نسب."
لم تستطع الرد عليه.
ليشعر عصام بالحزن قائلاً:
"أنا اتفقت مع جدي وقال لي أتفق معاكي على ميعاد للجواز."
لترد لميس:
"هفكر وردي عليه هيكون بكرة."
لتقف وتقول بارتباك:
"أنا لازم أمشي دلوقتي."
لتغادر وتتركه للظنون تتلاعب به ويدخل له شك أن يكون بحياتها آخر سبب لها جرح.
بعد انتهاء العشاء وجلسة السمر بينهم تفرق الجميع.
إلى غرفهم.
دخل فيصل إلى الغرفة الموجود بها نغم بعد أن طرق الباب ولم يرد عليه أحد.
وجد الغرفة فارغة ليندهش. وكان سيخرج إلا أنه سمع صوت فتح باب الحمام المرفق بالغرفة.
ليرى نغم تخرج منه وهي ترتدي مئزر حمام قصير إلى ما فوق الركبة. لم يكن محكم الغلق عليها.
بمجرد أن رأته نغم أحكمت إغلاق المئزر عليها وتحدثت بتعلثم:
"خير؟ إيه اللي جابك هنا؟ اطلع بره الأوضة وبعد كده أما تدخل على حد أبقى خبط على الباب ومتدخلش إلا ميأذن لك بالدخول. خلي عندك ذوق مش سوق هي."
لم يسمع حديثها الجاف معه. هو سارح بها وبفتنتها أمامه. بدايتها من أخمص قدمها الحافية مرورًا إلى خصلات شعرها الندية وتلك الشفاه التي تتحدث له. تائه شفتاها هي طريق العودة لديه. يفكر في تقبيلها ولكن خائف أن ترفضه. يشتاق إلى أنفاسها كي تعود له الحياة.
أقترب وهو ينظر لها بوله. أقترب، لم يعد سوى خطوة بينهم. يخطوها هو أو تخطوها هي. لكنها عادت إلى الخلف تتحدث بجفاء.
قائلة بحدة:
"أتفضل اطلع بره. متفكرش عشان إني في بيتك هسمح لك تدخل الأوضة اللي أنا فيها براحتك.
أنا لقيطة صحيح، بس مش ساقطة تسمح لك بدخول أوضتها وقت ما تحب. وأنا من بكرة هسافر القاهرة وهقعد هناك لحد ما أسافر فرنسا تاني. اتفضل بره."
أغتاظ فيصل من قولها أنها لقيطة. ليدير ظهره دون تحدث ويتجه صوب الباب.
تنفست نغم بهدوء وراحة.
لكن زالت.
حين أغلق عليهما الغرفة من الداخل بالمفتاح ووضعه بجيبه ووقف خلف باب الغرفة وربع يديه قائلاً:
"كنتي بتقولي إيه؟ مخدتش بالي، كنت سرحان."
لتقول نغم وداخلها يرتعش بسخرية:
"وكنت سرحان في إيه اللي واخد عقلك؟"
ليرد وهو يقترب منها:
"كنت سرحان فيكي. واللي واخد عقلي هو إنتي يا نغمي."
لترتبك نغم من حديثه ونظراته لها وتقول بتعلثم:
"أتفضل اطلع بره، أنا عايزة أنام."
ليقول فيصل وهو يشير إلى الفراش:
"أتفضلي نامي. هو أنا منعتك؟"
لتقول بتعلثم:
"اخرج بره، عايزة أغير وألبس هدومي وأنام."
ليقول فيصل:
"قدامك الحمام. تقدرى تاخدي هدوم وتروحي تغيري فيه. أما أنا مش هخرج من هنا إلا لما نتكلم مع بعض ونتفق الأول."
لتقول نغم بقوة:
"مفيش بينا حاجة نتكلم فيها أو نتفق عليها."
ليرد فيصل:
"لأ فيه. أهم حاجة في حياتي ابني. هو فين؟ مش هنا ليه؟"
لترد نغم:
"عند نيرة. كنت أنا ولميس وجوانا معاها في الأوضة. ونام. ونيرة قالت سيبه نايم هنا عشان ميقلقش في نومه. ولو صحي هتجيبه. وبعدين إنت مالك؟ هو ابني وأنا حرة."
ليقول وهو يقترب منها وينظر إلى ارتباكها وتوترها بتسلية:
"وكمان ابني. متنسيش كده. أنا سايبك بمزاجي ومش عايز أضغط عليكي وصبري قرب ينتهي."
لترد نغم بقوة:
"وما صبرك يخلص هتعمل إيه؟ هت-"
لم تكمل الكلمة. أقتنص شفتيها بقبلة هادئة وعاشقة.
تفاجئت نغم بما فعل. للحظة اندمجت معه. ولكن سرعان ما دفعته عنها بقوتها.
وقفت تلتقط أنفاسها تقول بارتباك وارتعاش:
"اطلع بره بدل ما أصوت وألم كل اللي في البيت عليك. اللي حصل قبل كده مش هيتكرر تاني. المرة اللي فاتت قولت أنا اللي جيت لك برضايا. المرة دي إنت بتيجي ورايا ليه؟ أنا نفسي اللقيطة متغيرتش."
"متفكرش إني هسمح لك تمارس ساديتك عليا تاني."
ليشعر بأن أحدهم يطعنه في قلبه من حديثها ونعتها له بذلك اللفظ. ولكن لو خرج الآن لخسر آخر فرصة لاسترجاعها.
رواية نغم سطوة العشق والانتقام الفصل السادس عشر 16 - بقلم سعاد محمد سلامه
وقف فيصل ينظر لها مصدومًا، متألمًا من نعتها له بالسادي. هو ليس كذلك، ولا يهوى العنف. فهل سيمارس عنفًا عليها؟ لا ينكر أنه آذاها سابقًا بعلاقة كان العنف عنوانها، ولكن وقتها كان يقاوم غضبه من فرضها نفسها عليه، حين ظن أنها أتت إليه لتتحايل عليه. ولكن حين رآها تنزف، نزف قلبه. لعن حماقته وغباءه، كره سطوة انتقامه.
قال بتألم وهو ينظر إلى عينيها الحزينتين:
"منين جايلك إني سادي؟"
نظرت إليه وابتسمت باستهزاء دون رد.
قال:
"أنا لو سادي كنت رجعتك ليا بالغصب، وما سبتكِ تسافري زمان، ومنعتكِ من السفر. وحتى لما رجعتي تاني، كنت فرضتِ سيطرتي عليكي وخليتكِ ترجعي هنا بالغصب. سهل عليا كده. أما أنا، سايبكِ انتي تختاري ترجعي بإرادتك."
"منكرش إني اتعملت معاكي بعنف، بس مش لدرجة سادي."
قالت له:
"اخرج بره يا فيصل، أنا عايزة ارتاح. لو سمحت."
قال:
"مش هخرج يا نغم، غير لما نتكلم بهدوء. أنا..."
قبل أن يكمل، عادت تقول بقوة:
"زمان قولتهالك، اللي بينا ورقة تتبادل بورقة، وبعيدها عليكِ تاني. ويا ريت المرة دي تكون نهائية، مش لعبة زي المرة اللي فاتت."
رد فيصل:
"ومجدي كمان ورقة؟"
ردت نغم:
"وأيه دخل مجدي في الطلاق؟"
رد فيصل:
"مجدي ابني، ومن حقي يكون قريب مني، مش بعيد عني. ويكمل برجاء: كفاية بقى بُعد يا نغم، خلينا نبدأ من جديد يا نغم. علشان خاطره. من حقه يلاقي أب يحميه، يوجهه ويسنده. وأم حنانها عليه يسعد قلبه."
ردت بتعلثم:
"أنا ومجدي مش محتاجينك. أنا أقدر أحمي ابني وأسنده وأوجهه."
رد فيصل:
"عارف إنك تقدري تعملي كده، بس هيبقى دايماً حاسس بنقص. وقدامك أكبر مثال، أنا. أنا بعد ماما ما توفت، بابا كان بيعطيني من حنانه، بس مقدرش يعوض حنانها. وكمان انتي طنط نجوى، رغم حنانها، مقدرتش تحميكي مني زمان. وانتي بتغرقي في حب ميئوس منه وقتها. حتى وانتِ بتنزفي، لو مش بابا شالك وجرى بيكي على المستشفى، كنتي ممكن تتصفي قدامها وهي مش عارفة تعمل إيه. بلاش يا نغم، عند وكبر. صدقيني، ابننا محتاجنا احنا الاتنين في حياته."
كان يتحدث بهدوء ويقترب منها. عادت تلك الخطوة بينهم.
نظرت نغم إليه مرتبكة من قربه منها، لتقول حتى تنهي الحديث:
"هفكر، بس موعدكيش."
كانت كلمتها إشارة تقدم.
خطا تلك الخطوة وجذبها إلى حضنه، يضمها بقوة يريد أن تسكن بين ضلوعه.
كانت مستكينة بحضنه رغم ارتعاشها من قربه.
للحظات، لتفيق وتحاول إبعاده عنها، لكنه كان يجذبها إليه لدقائق، حتى استسلمت لعشقها، ولكنها مازالت ترتعش.
خفف من قبضته حولها.
عادت برأسها للخلف قليلًا.
نظرت إلى عينيه، لتراهما ينظران لها نظرة تفسيرها العشق.
أما هو، نظر إلى عينيها ليرى منهما ألم السنين التي أخبتته عن الجميع ببعدها الدائم عن من تحب.
رفع إحدى يديه وأرجع تلك الخصلة الشاردة من شعرها خلف أذنها، ونظر إليها مبتسمًا.
ليرى نظرة خجل واحمرار كسى وجهها، زاد من عشقه لها.
قربها منه مرة أخرى، وبدون تفكير ضم شفتيها بين شفتيه، يقبلها بعشق ذائب، وجعلها تبادله العشق. جذبها إليه وضمها لجسده، سار بها إلى أن أصبحا بالفراش، هو بالأسفل وهي بالأعلى.
ليترك شفتيها، ليتنفسا معًا بقوة.
نظرت إليه باستحياء.
ليبتسم وهو يديرهما بالفراش، ليعود يتذوق من شفتيها أعذب الألحان، ليذوبا بالعشق معًا.
فالسطوة الآن للعشق، والعشق فقط.
بعد وقت.
كانت نائمة على إحدى ذراعيه، ينظر لها وهي مغمضة العينين. يعلم أنها ليست ناعسة. وضع يده الأخرى على خدها، يداعبه بظهر يده ويبتسم. ليشعر بدقات قلبها غير المنتظمة. يفكر أنها قد تكون تلوم نفسها على ما حدث بينهم منذ قليل، نادمة، ويتألم لمجرد التفكير في ذلك.
هي شعرت بملمس يده على خدها، خشيت أن تفتح عينيها ويكون قربها منه لهذه الدرجة حلم تمنته، وعندما تفتح عينيها ينتهي.
لكن سرعان ما.
استدارت نغم بالفراش تعطيه ظهرها.
ليقترب منها فيصل ويضمها إليه من الخلف، ويقبل كتفها العاري.
قائلاً:
"العلامة اللي في كتفك دي وحمة؟"
ردت نغم بضيق:
"لا، دي حقنة تطعيم التيتانوس، أخدتها وأنا في الملجأ، والحقنة سابت علامة في كتفي."
ليضحك قائلاً:
"انتي بتقولي على مدرسة الراهبات اللي كنتي فيها ملجأ؟"
ردت نغم عليه:
"هي ملجأ بمسمى مختلف."
ليشعر بغصة في قلبه ويتألم. هي كانت بعيدة تتألم وحدها.
ليقسم لنفسه أنه سيعوضها سنوات البُعاد.
***
في الصباح، استيقظ فيصل على صوت طرق ضعيف على الباب وصوت صغير ينادي قائلاً:
"ماما!"
ليعلم أنه طفلهم.
نظر إليها للحظات، رآها غارقة في سبات عميق على إحدى يديه.
تنهد براحة، ثم بعدها عنها برفق حتى لا تستيقظ من صوت طرق الباب.
نزل من على الفراش يرتدي ملابسه مسرعًا.
ثم اتجه إلى الباب وفتحه، ليجد طفله يقف متذمرًا يقول:
"عايز ماما."
ليميل يحمله ويقبله بحنان قائلاً:
"في راجل صغير كده يبكي ويقول عايز ماما؟" ويغلق الباب على نغم.
ليبتسم الطفل.
قال فيصل له:
"أيه رأيك نروح عند حمام السباحة نلعب في الميه على ما نسيمة تحضر لنا الفطور؟"
ليبتسم الطفل ويعانقه.
لكن وجد فيصل نيرة تأتي خلف مجدي لتقول بخوف:
"نغم فين؟ وأيه اللي جابك عند الأوضة اللي فيها نغم؟"
لينظر إليها ويقول:
"متنسيش نغم مراتي."
لتقول له:
"للأسف مش ناسيه. أوعى! أنا عايزة أدخل أطمن عليها."
ليضع يده على مقبض الباب قائلاً:
"نغم كويسة، اطمني."
لتقول له بتعصب:
"هدخل أطمن عليها بنفسي."
ليرد وهو مازال يمسك مقبض الباب:
"بس مينفعش تدخلي عليها دلوقتي."
لترد بقوة وهي تقول:
"بقولك أوعى! أنا هدخل لها."
ليترك يده من على المقبض.
لتدخل نيرة سريعًا إلى الغرفة.
تجد نغم نائمة بالفراش، ويظهر جزء من صدرها عاري والباقي يستره الغطاء، ولكنها تبدو جيدة.
لتخرج من الغرفة.
لتستحي من فيصل وتقول له بحياء:
"أنا آسفة، أنا هروح أقول لنسيمة تحضر الفطور."
ليقول فيصل:
"تأكدي يا نيرة من إني بحب نغم وندمت على الماضي كله، وعايز أعيش في هدوء مع مراتي وابني."
لتبتسم نيرة وتقول:
"أتمنى تنفذ كلامك ده، وما ترجعش تجرحها تاني. وأنا أتمنى السعادة والسلام لأختي. وكمان كنت عايزالك في خدمة."
ليبتسم فيصل قائلاً:
"تحت أمرك، بس خلينا نتكلم في مكان تاني غير هنا، وكمان علشان نفطر ميجو."
***
بعد وقت، دخل فيصل إلى الغرفة مرة أخرى يحمل زهرة حمراء. وجد نغم مازالت نائمة تحتضن الوسادة وهي نائمة على بطنها.
ليصعد إلى الفراش جوارها، ويقبل كتفها ويملس على ظهرها العاري بالزهرة.
قائلاً بعشق:
"تستيقظين وحبات كحلك سُكّرى.
كان اللَّه في عونِ كحلٍ
أمضى ليلته بين جفنيكي."
استدارت نغم له تبتسم وتقول:
"مكنتش أعرف إنك بتقول خواطر رومانسية."
ليميل عليها يقبلها.
ويملس على وجهها بالزهرة قائلاً بعشق:
"وأنا معرفتش إني عاشق متيم غير لما دوقت العشق من بين شفايفك."
لتبتسم وهي تخفض عينيها بخجل.
ليبتسم على خجلها.
ليقول لها:
"أنا جيت أصحيكي علشان نخرج أنا وانتي وميجو، بس بعد الغداء."
لتعيد النظر إليه متبسمة:
"هنخرج فين؟"
ليرد فيصل:
"هنروح مزرعة المانجة، أنا وعدت ميجو يلعب مع الكلاب اللي هناك."
لتقول بخضة:
"كلاب أيه دول؟ وحوش شبه الذيابة وقطعوا نفسي من الجري قدامهم. لأ، خليه مع الكلب الصغير اللي هنا."
ليضحك قائلاً:
"هما جريوا وراكي لما لقوكي خايفة منهم، أما لو كنتي وقفتي ماكنوش جريوا وراكي. دول كلاب متروضة."
لتقول:
"دول متروضين؟ دا أنا لو كنت وقفت قدامهم ثانية كان كلوني صحة وهنا."
ليضحك فيصل قائلاً:
"مكناش هيحصل. هما كانوا مستغربينك لأنهم أول مرة يشوفوكي. وبعدين يلا قومي علشان أنا هروح دلوقتي عندي شوية شغل هخلصهم وأجي على الغداء وبعدها نروح المزرعة. ميجو مستني تحت مع بابا على نار ونفسه يروح من دلوقتي."
لتسحب مفرش السرير عليها وتقول بخجل:
"طيب ممكن تجيبلي الروب ده؟"
ليبتسم على خجلها وينهض يأتي لها بذلك الروب.
لتأخذه منه وترتديه، ثم تنحي الغطاء من عليها.
وتنزل من على الفراش.
ليقف أمامها ينظر لها بعشق قائلاً:
"الزهرة دي ليكي." ليميل يقبل وجنتها بحنان.
لتأخذها منه وهي تبتسم وتتجه إلى الحمام.
ليضحك قائلاً:
"أنا هاخد غيار ليكي ولميجو لأننا هنبات هناك."
لتبتسم له وهي تدخل إلى الحمام.
ليقف فيصل متنهدًا براحة وسعادة.
***
ذهبت نيرة إلى عمها بناءً على طلبه، لتجده يستقبلها بترحاب شديد على غير العادة، لتستغرب من هذا الترحاب وبداخلها تعلم أن هذا الترحيب خلفه مصلحة هي تعلمها.
بعد قليل، نظرت إلى عمها تقول:
"خير يا عمي؟ اتصلت عليا من بدري وقلت عايز تقابلني أنا ونغم، بس نغم لسه تعبانة. أنت عارف."
ليرد عمها:
"أنا يا بنتي في مقام المرحوم أبوكم. يمكن غلطت في حق نغم، بس قدرِ موقفي لما أعرف إن بنت أخويا دخلت هي وجوزها من غير زفاف. تعرفه البلد كلها. في ناس كتير في البلد ما يعرفوش مين مرات فيصل. هما صحيح عارفين إنه كاتب كتابه، بس مين محدش يعرفها. وكمان أنا عارف إنه كان كتب كتاب وفوجئت بابنها اللي كان مخطوف. وخوفت على سمعتكم. وكنت عايز أقابلها وأعتذر منها ومنك انتي كمان."
لتقول نيرة:
"ادخلي في الموضوع مباشر يا عمي. قول اللي عندك. أنا مش نغم وهتلفيني بكلمتين. فكرت في عرضي؟ هتدفع تمن نص البيت، ولا أمضي مع فيصل؟"
ليرد العم بارتباك قائلاً:
"وهو فيصل هيوافق يشتري نص بيت؟"
لتخرج نيرة عقد بيع نصف البيت من شنطة يدها.
قائلة:
"هو اشتراه خلاص ودفع التمن. فاضل بس إمضتي أنا ونغم، ودي سهلة. أنا حبيت أشوف أنت هتقولي إيه الأول."
ليمسك العقد منها ليقرأه، ويجد إمضاء فيصل على العقد، وذلك المبلغ الكبير.
لتبتسم نيرة وهي ترى نظرات الريبة والذهول في عين عمها.
وتتذكر منذ قليل حين طلبت من فيصل أن يمضي على هذا العقد بعد أن قالت له أنه حقهن لدى عمهن، ولم تذكر له نعته ل نغم بالساقطة.
ليمضي دون تفكير قائلاً:
"أي حق لنغم عند أي حد، أنا مش هتردد أرجعه لها."
ليمضِ دون النظر إلى هذا المبلغ الكبير المكتوب بالعقد.
كانت نيرة تنظر له بتسلية وهي تراه يقول بارتباك:
"بس البيت كله ميجبش ربع التمن المكتوب في العقد ده."
لترد نيرة ببساطة:
"والله واحد بيحب مراته وعايز يشتري ليها بيت من ريحة باباها. هقوله إيه؟"
ليقول العم:
"أنا هجيب خبير يتمن سعر البيت كله، وهدفع لكم نص تمنه."
لتقف نيرة مبتسمة بانتصار:
"يا ريت بسرعة، لأني مش هفضل هنا كتير، وممكن أمضي لفيصل وهو حر وقتها بقى. عن إذنك يا عمي."
لتتركه وهي تبتسم بسخرية.
أما هو، حائر كيف سيدبر لهن نصف ثمن البيت، ليعلم أنهن ينتقمن منه حين أضاق المكان عليهن ذات يوم.
***
دخلت لميس بجوانا إلى بيت فيصل العفيفي.
لتجد نجوى تجلس مع طاهر بالحديقة، وأمامهم مجدي يلهو مع ذلك الجرو الصغير.
لتندفع إليه جوانا سريعًا وتذهب للعب معه.
بينما لميس مالت على نجوى تقبل خدها قائلة بمرح:
"صباحك سكر يا ضرتي."
وتنظر إلى طاهر قائلة:
"صباحك عسل أبيض يا تيتو يا حبيبي." وتجلس بالقرب منه بالمنتصف بينهم.
ليبتسمان على مزاحها.
لتقول:
"أنا جيت قطعت الرومانسية، كفاية عليكِ كده يا نوجا، اديني فرصتي."
لتضحك نجوى وتقول:
"دا بعينك، عندك عصام روحي له."
ليضحك طاهر قائلاً:
"أنا بعد نجوى، ماتت في نظري النساء."
لتصفر لميس عاليًا قائلة:
"هو أنا مموتة نفسي عليك إلا عشان الرومانسية دي؟ أنت آخر جيل الرومانسية العظيم، زمن الحب الجميل."
ليقول طاهر:
"عايزة تفهميني إن دلوقتي مفيش رومانسية؟"
لترد لميس:
"موجودة، بس بقت زي كل حاجة تيك أواي. أما الاستمرار صعب."
لتقول نجوى:
"الرومانسية والحب الحقيقي موجودين، بس لازم نحسن الاختيار. مش نمشي ورا المناظر الكدابة أو المخادعة."
***
بعد قليل، تركت لميس نجوى وطاهر واتجهت إلى الغرفة الموجودة بها نغم.
لتتفاجأ بخروج فيصل من الغرفة بوجهها.
لتنخض وتقول بارتباك:
"أنا كنت لسه هخبط على الباب. أنت بتعمل إيه هنا عند نغم؟"
ليبتسم فيصل ويقول:
"صباح الخير يا لميس." ويتركها مغادرًا.
دخلت لميس إلى الغرفة دون طرق الباب، لتجد نغم تقف تصفف شعرها. رأت لميس في المرآة.
لتقول وهي تبتسم:
"نسيتي تخبطي على الباب."
لتنظر لميس لنغم تجد وجهها يشع سعادة.
لتقول لميس:
"أنا شايفة فيصل خارج حالا من هنا، ولا أنا بحلم؟ خير، هو في حاجة حصلت؟"
لترد نغم بمراوغة:
"هيكون إيه حصل؟ عادي، جاي يطمن عليا."
لتنظر إلى نغم لميس قائلاً:
"يطمن بس، ولا حاجة تانية؟"
لترد نغم:
"وأيه هي الحاجة التانية دي؟"
لتقول لميس بخبث وهي تقترب من نغم وتضع سبابتها على شفتي نغم تمسح عليها بقوة قائلة:
"لأ، مش روج. دا طبيعي."
لتقول نغم:
"مش فاهمة، مالها شفايفي؟ ناقص تقطعيها."
لتقول لميس بخبث:
"دي متقطعة أصلاً، بس مين بقى اللي قطعها؟ مين يا لميس؟ مين؟ أكيد اللي لسه خارج من هنا، فيصل العفيفي."
لتقول نغم بارتباك:
"قصدك إيه؟"
لتقول لميس:
"اعترفي. فيصل كان هنا ليه؟"
لترد نغم:
"جاي يقولي إنه هنروح أنا وميجو المزرعة نلعب مع الكلاب هناك. انتي عارفة إن ميجو عنده حب كبير للحيوانات، وأنا وافقت وهنروح بعد الغداء."
لتبتسم لميس على توتر نغم وتقول:
"بس كده؟ يعني ميجو هيلعب مع الكلاب؟ وأنتي وفيصل تلعبوا عريس وعروسة، صح؟"
لتنظر نغم:
"تصدقي ماما صدقت لما قالت عليكي قليلة الأدب."
لتضحك لميس:
"عايزة تقولي لي إن احمرار شفايفك ده طبيعي."
لتبتسم نغم بخجل.
لتدخل عليهن نيرة بعد طرق الباب تجدهن واقفات لتقول لهن:
"سألت ماما على نغم، قالت لي إنها هنا مع لميس، قولت أجي أقعد معاكم."
لتقول نغم لنيرة:
"جايه منين كده عالصبح؟"
لترد نيرة:
"كنت عند عمنا العزيز. متصل عليا من بعد الفجر وقال عايز يقابلنا، وأنا رحتله لوحدي."
لتقول لميس:
"وكان عايزكم ليه؟"
لترد نيرة:
"فضل يقول كلام أهبل ويلف ويدور."
لتسرد لهن نيرة ما حدث معه.
لتضحك لميس وتقول:
"وهو صدق إنك هتبيعي نصيبكم لفيصل؟"
لترد نيرة:
"صدق لما شاف إمضاء فيصل على العقد."
لتقول نغم:
"وأفرضى راح لفيصل وقاله إنها مش إمضته؟"
لتقول نيرة:
"لو راح لفيصل، هيقوله ويأكد له إنها إمضته."
لتقول لميس بعدم فهم:
"يعني إيه؟"
لترد عليهن وهي ترى الحيرة على وجههن.
لتقول:
"يعني إمضة فيصل على العقد صحيح، لأنه هو مضى فعلاً على العقد لما طلبت منه بدون ما يقرأ حتى العقد."
لتقول نغم:
"وأمتى مضى بقى؟"
لتقول نيرة:
"مضى من حوالي ساعتين كده. لما ميجو صحي قال عايز ماما ونزل من جنبي وجه لهنا، وأنا جيت وراه، وفيصل هو اللي فتح له، وأنا طلبت منه ومضى ببساطة."
لتنظر لميس وتقول:
"وفيصل اللي فتح لميجو، وميجو كان بايت عندك. ودلوقتي فيصل خارج من هنا وشفايفك حمرا. يبقى التفسير اللي في دماغي صح."
لتنظر لميس ونيرة لبعضهن ويبتسمن، ثم ينظرن لها.
لتقول نغم:
"انتوا بتبصولي كده ليه؟"
لتقول لميس:
"اعترفي. أنتم اتصالحته صح؟ قولي صح."
لتقول نيرة:
"صح أكيد." وتميل تهمس للميس بشيء.
لتبتسم لميس بخبث.
لتقول نغم بضيق وتهرب لهن:
"بتتوشوشوا على إيه؟ أنا سايبا لكم الأوضة ورايحة أشوف ابني فين."
ليضحكن وهن يرينها تهرب منهن بسعادة.
***
في منتصف النهار، بعد أن خفت درجات حرارة الجو.
كان فيصل يلف يده حول خصر نغم ويسيران بين أشجار العنب، ويجري أمامهما طفلهما وجواره ذك الكلبان يمرحان باللعب معهم.
لتقول نغم وهي تتذوق حبة العنب من ذالك العنقود الذي بيدها:
"أمتى زرعت العنب ده؟"
ليرد فيصل:
"زرعته بعد ما سافرتي مباشرة." ليقف وينظر إليها. "زرعته علشان يفكّرني بيكي دايماً. فاكر أول مرة شفتك وأنتي بتقطفي العنب من بيتنا."
لتبتسم بوجع.
ليشعر بها ليقول نادمًا:
"أنا آسف يا نغم، أنا كنت غبي. سطوة الانتقام عمت عيني وقلبي وأذيتك بدون سبب."
لتبتسم دون رد وتضع إحدى حبات العنب بفمه.
ليتذوقها قائلاً:
"الناس بتحب العنب مسكر، وانتِ الوحيدة اللي بتحبيه مش مسكر أو حامض. وبيكون طعمه لازع. مش عارف بتستطعميه أزاي." وينظر لها بعشق.
لتبتسم خجلة من نظراته قائلة:
"أنا بحب الطعم اللاذع. وبعدين أنا خايفة على ميجو من الكلبين، بدأ يبعد عنا. خلينا وراه."
ليضحك مستمتعًا بخجلها.
ليسيروا معًا يتودد لها بالعشق ويبتسمان على طفلهما ومرحه مع الكلبان.
في المساء.
خرج فيصل من الحمام يلف حول خصره منشفة وهو يحمل طفله الذي يلفه بمنشفة كبيرة ويعطيه لنغم قائلاً:
"خلاص يا ستي، بقى نضيف. تقدري تطمنيه. أهو خدي لبسيه هدومه علشان ينام. دا بينعس على نفسه."
لتضحك وهي تأخذه منه بحنان قائلة:
"أكيد هلك من اللعب طول اليوم مع الكلاب."
لتلبسه نغم ثياب نوم وتضعه بالفراش.
ليقول فيصل:
"انتي هتنييميه هنا؟"
لترد نغم:
"أيوه، هو متعود ينام جنبي."
لتقول فيصل:
"دا كان زمان. هو بقى راجل دلوقتي وله أوضته ينام فيها. ويحمل مجدي. تعالي معايا."
لتذهب معه.
ليدخلا إلى إحدى الغرف الصغيرة جوار غرفة النوم الرئيسية، لتجد غرفة مجهزة للأطفال. لينظر لها مجدي منبهرًا ويقول بطفولة:
"أنا عايز أنام هنا."
لتبتسم وهي ترى الفرحة بعيون طفلها وتقول له:
"وهتنيمني معايا فيها؟"
ليرد مجدي وهو ينظر إلى والده وهو يهز رأسه بالنفي:
"لأ، أنا هنام فيها لوحدي."
ليضحكا معًا.
ليقول فيصل:
"أنا هنيمك الليلة."
ليضحك الطفل ويعانق فيصل مقبلًا خده.
لتقول نغم:
"بالسهولة دي بعتيني؟ ماشي يا ميجو، ماشي. أنا ماشية وسيباك."
ليبتسم فيصل.
ليرفع مجدي يده الصغيرة الأخرى ويقول:
"أنا بحبك يا ماما."
ليناما الاثنان جواره بالفراش إلى أن نعس مجدي.
لتتسحب نغم من جواره وكذالك فيصل.
ليترك نور خافت بالغرفة ويخرجا منها ويذهبا معًا إلى الغرفة المجاورة.
بعد قليل، كان يجلس فيصل بالفراش ينظر لنغم وهي تخرج من الحمام وهي ترتدي أحد المنامات النسائية الحريرية الناعمة.
عبارة عن شورت قصير للغاية عليه بلوزة دون أكمام تكشف جزء كبير من بطنها، وترتدي عليهم مئزر من نفس اللون الأخضر.
عندما رأت نظره منصب عليها، خجلت من نظراته.
ليبتسم على خجلها.
أقتربت من الفراش وصعدت إليه.
حين أصبحت فوق الفراش، اقترب منها وضمها إلى صدره وقبلها برومانسية.
ليفصل قبلتهما ليتنفسا معًا.
ويجلس متكئًا على الفراش ويضمها إليه.
ويقول بعشق:
"أنا بحبك يا نغمي."
لتدير نفسها وتنظر إليه.
ليبتسم لها مقتربًا، ينزع ذالك المئزر من عليها.
ليعيشا معًا ليلة يسـطو فيها العشق.
رواية نغم سطوة العشق والانتقام الفصل السابع عشر 17 - بقلم سعاد محمد سلامه
ذهبت نجوى إلى غرفة الضيوف لتجد لميس تقف وتحمل ابنتها النائمة.
قالت لميس بخضة وهي تقترب منها وتحمل الصغيرة منها: "مالك يا جوانا؟ كويسة؟ لما اتصلتي عليا وقلتي إنك جاية أنا قلقت عليكي. انتي قابلتي شاهر؟ قال لك إيه؟ أنا اتصلت عليكي كتير ومردتيش. قلت أكيد نامت والصبح هتجيني تقولي على اللي حصل."
ردت لميس بألم وضيق: "أنا مش عايزة أتكلم في حاجة دلوقتي."
قالت نجوى لها بحنان: "طب تعالي معايا نامي. ادخلي في الأوضة دي نامي وهنيم جوانا عند نيرة وأجيلك تاني."
بعد قليل عادت نجوى إليها مرة أخرى تجدها تجلس بالفراش ويبدو عليها بوضوح الحزن والألم.
اقتربت نجوى وجلست بجوارها بالفراش ومسحت على ظهرها بحنان وقالت لها: "مالك؟"
ردت لميس برجاء: "ارجوكي، هقولك على كل حاجة بس أنا دلوقتي محتاجة حضن أمي."
اقتربت نجوى منها وفتحت لها ذراعيها مبتسمة بحنان وقالت: "تعالي لحضن أمك."
رمت لميس نفسها في حضن نجوى وبكت بشدة دون أن تتحدث.
ونجوى تزيد في ضمها على صدرها بحنان وتطبطب بيدها على ظهرها وهمست لها: "ابكي، ساعات البكاء بيخفف من الألم والإحساس بالخنقة."
بعد قليل هدأت لميس.
قالت نجوى: "حاسة إنك أحسن دلوقتي؟"
أومأت لميس رأسها بنعم دون أن تتحدث.
قالت نجوى: "طب كويس، يلا نامي وبعدين قولي لي إيه اللي وصلك للحالة دي."
ابتعدت لميس عن صدر نجوى لتنام بالفراش.
ضمتها نجوى قائلة: "انتي هتنامي في حضني، يلا تصبحي على خير. غمضي عينيكي ونامي."
شدت لميس من ضمها لنجوى.
***
اعتدل فيصل يجلس نصف نائم بالفراش ويسند ظهره بتلك الوسادة ليسحب نغم لتنام بين يديه ويبتسم وهو يراها تسحب معها الغطاء تستر نفسها به.
ضمه إليه مبتسماً على خجلها منه.
كانت بين يديه مستكينة، ظهرها لصدره.
مال ليبعد خصلات شعرها عن رقبتها ويقبل رقبتها ويقول بعشق: "أنا بحبك يا نغمي."
تبسمت وزادت ضربات قلبها وشعر بارتجافها.
قال بعشق: "صدقيني، أنا بندم على الوقت اللي كنت ببعد فيه عنك وببعدك عني. سامحيني، كنت غبي."
وضعت يديها على يديه التي تضمها دون رد، لكن ضربات قلبها ترد عنها.
ساد الصمت بينهم قليلاً، يشعران بدقات قلبيهما فقط.
إلى أن قطعت الصمت نغم قائلة: "إمتى عرفت إني خلفت منك؟"
رد فيصل: "من وأنتي حامل. عرفت بالصدفة، سمعت طنط نجوى بتكلمك في التليفون."
"بس أنا كنت وقتها قررت أسافرلك فرنسا وأرجعك معايا، بس لما عرفت إنك حامل قولت إنك ممكن تفكري إني بعمل كده عشان ابني مش عشان بحبك انتي."
قالت نغم: "ليه رديتيني لعصمتك ومقولتش لحد؟ متوقعتش إني ممكن أرتبط بحد تاني وأنا معرفش إني لسه على ذمتك."
شعر بالغيرة لمجرد أن قالت هذا، ورد قائلاً: "كنتي هتلاقيني قتلته. أنا كنت بسافر كتير أشوفك انتي ومجدي من بعيد. وكل مرة أجى أقرب أرجع خايف تصديني بعد اللي حصل بينا. بس لما شوفتك في بيت جدي فرحت جداً وفرحت أكتر لما شوفتك هنا تاني. تعرفي إني كنت بحلم بيكي قبلها."
"وردتك لأني كنت عايز أحس بوجودي في حياتك رغم اختيارك البعد عني. منكرش إني كنت غبي معاكي دايماً وكنت بعاملك بجفاء، مع إني كنت ببقى مبسوط وأنتي جنبي. فاكرة أول مرة بوستك فيها؟ كانت هنا في المزرعة. حسيت إني كنت بموت وأنفاسك هي اللي حيتني. قاومت الإحساس ده بعصبيتي عليكي وقتها."
قالت نغم: "انت اللي لبست مجدي السلسلة اللي في رقبته؟"
رد فيصل: "أيوه، أنا شفت مجدي قبلك بعد ما اطمنت من الدكتور عليكي طبعاً."
قالت نغم: "يعني انت كنت دايماً حواليا من بعيد؟"
رد فيصل: "أنا اكتشفت إن عمرك ما كنت بعيدة عني، انتي كنتي جوايا. بس سطوة الانتقام دايماً بتعمي عينينا وأنا فتحت عيني لقيتك ساكنة قلبي."
أدار وجهها بيده ونظر لها قائلاً: "انتي عشقي يا نغمي، صدقيني."
تبتسم بخجل وتخفض عيناها.
ضحك قائلاً: "تعرفي إن خجلك ده بيجنني وبيخليكي شبه الوردة الندية اللي لسه مقفلة أوراقها."
مال ليقبلها وهو يضع يده خلف عنقها يجذبها إليه.
تبادلت القبلات وذابت معه في سطوة العشق.
***
جافى عين فجر النوم، تتقلب بضيق بفراشها لتصحو وتضيء نور الغرفة وتأتي بهاتفها وتقوم بفتح الصور لتنظر إلى تلك الصورة التي التقطتها خلسة لفيصل وهو يقف بجوار حصانه.
نظرت إلى الصورة كالمراهقات وتبتسم، لكن سريعاً زالت البسمة وهي تتذكر تلهفه على تلك الفتاة حين يراها.
تتذكر حديثها معه وهي تقول أنها ستبتعد عنه كما أراد دائماً.
لماذا قالت هذا؟ هل هو من بعدها عنه سابقاً والآن يريد وصالها؟
رأته بعينيها كم تلهف عليها يوم أن كادت تصطدم بحصانه أيضاً، حين احتضنها عندما خافت من الكلاب، وتلهفه حين دخلت يوم عزيمتهم بمنزله.
فكرت في حديث والدة نغم حين اتهمته بخطف ابنها. ولماذا لم تستقبلهم يومها وتحجج أنها لديها عمل ولن تقدر على مشاركتهم الغداء؟
لماذا اتهمته أنه من خطف الطفل ليضغط على ابنتها؟
لماذا ولماذا؟ فكرت كثيراً. لما ظهرت الآن؟
رأت نظرة عاشق متيم في عين فيصل لها. لماذا أخبرها أنه لم يكن يحبها قبلًا ويبدو بوضوح أنه يعشقها؟
كرهتها كثيراً، تتمنى أن تختفي من الوجود.
لما هذا الرجل يشغل عقلها لهذه الدرجة؟ لما يرغبه قلبها؟ نظرت إلى الصورة تنظر لها كمراهقة تنظر إلى أحد النجوم المهووسة بهم. هل وصل بها الأمر للهوس به؟
***
ترك منصور تلك التي شاركته الفراش، يرتدي مئزره الحريري ليخرج من الغرفة ويتركها.
جلس في غرفة أخرى وأشعل سيجار ونفث دخانه مستمتعاً، يفكر في تلك الجميلة التي سحرته بجمالها.
قال: "أنا مش عارف كنتي تايهة عني فين من زمان. معقول الجمال ده كله كان من نصيب موظف في حسابات مصانع الجيش؟ أنتي جوهرة مدفونة، بس خلاص ظهرت ليا وأنا لازم أفوز بيكي يا جميلتي."
وجد تلك تقول له: "إيه يا باشا؟ شكلك مش فورمة. الليلة اللي واخد عقلك يا باشا؟"
قال: "مالكيش بال، بالي شاغل عقلي. أنتي هنا عشان تروقيني وبس."
قالت: "لما اتصلت عليا وقلت لي أجيني شقة الإسماعيلية، أنا جيتك فوراً يا باشا، بس شكلك مش في المود وأنا أعرف إزاي أدخلك في المود."
قال منصور: "أما نشوف."
قامت تلك بتشغيل إحدى الأغاني وترقص أمامه بإغراء وتعري.
وهو يتخيل تلك الجسورة التي وقفت أمام فيصل تتهمه، كانت تشغل عقله ولم ينتبه لتلك التي تغويه.
يفكر بطريق ليدخل إليها منه، لتأتي له فكرة يتقرب بها منها.
***
نظرت نجوى إلى لميس النائمة في حضنها تتشبث بها، تبتسم بوجع، تهمس لنفسها: "إمتى ينتهي سوء حظك انتي كمان ويطمئن قلبي عليكي؟ مش عارفة إيه اللي حصل وصلك للحالة دي. أنا عارفة إن قلبك حزين وبداري حزنك دايمًا خلف هزارك وضحكتك. بتوجع قلبك."
سمعت لميس تهمس قائلة: "ماما وحشتيني، أنا محتاجاكي، تعاليلي."
شدت نجوى من ضمها لصدرها تقول بهمس: "أنا جنبك يا روحي."
ابتسمت لميس وهي ناعسة كأنها سمعتها.
***
عاد الصباح بأمال وأحلام جديدة.
استيقظت نغم لتجد نفسها بين يدي فيصل يحتضنها بقوة.
رفعت رأسها وابتسمت ونظرت له بعشق، تنهدت وأغمضت عينيها لتعود وتفتحها مرة أخرى لتجده.
ينظر إليها بعشق مبتسماً يقول: "صباح الخير" وهو يعيد تلك الخصلة الشاردة من شعرها خلف أذنها ويمسك أطراف شعرها بين أصابعه.
قال بعشق: "تعرفي إني بعشق شعرك الثائر ده من أول مرة شوفتك فيها، والخصلة دي دايماً ثائرة وبتغطي ملامح وشك."
تبتسم وهي تنظر إلى عينيه.
ليفاجئها بتقبيله لها.
ليجدا باب الغرفة يفتح ويدخل ذالك الصغير متذمراً وهو يقول: "ماما، أنا جعان."
ابتعدت سريعاً وسحبت الغطاء عليها.
ونظر فيصل إلى مجدي مبتسماً بحنان: "أهلاً بهادم اللذات. الناس تصحى تقول صباح الخير، وانتي جاي جعان ليه؟ مأكلتش رز مع الملائكة؟"
ابتسمت نغم قائلة: "من لومي على لميس، إنها دايماً تقولي جعانة، طلع في ابني."
ابتسم فيصل وانحنى الغطاء قليلاً، وارتدى سروالاً كان بجوار الفراش ونزل من على الفراش واتجه إلى طفله يحمله ويأخذه ويصعد به مرة أخرى للفراش ويضعه بالمنتصف بينهم.
قال له: "قولي إزاي عرفت تفتح الباب؟"
ضحكت نغم قائلة: "بيشب ويتشعلق في أكرة الباب ويفتحه."
ضحك فيصل قائلاً: "ده انت قرد بقى."
ابتسم الصغير وقال بطفولته: "أنا عايز قرد جبلي قرد. أنا شفت قرد مع ماما وأكلته موز."
ضحك فيصل قائلاً: "هو في قرد بيعوز قرد تاني معاه؟"
"إيه رأيك نفطر وبعدها نركب الحصان سوا؟"
عانقه مجدي وقبل وجنته بعفوية طفل.
***
صحوت لميس تجد نفسها في حضن نجوى التي ابتسمت لها تقول: "صباح الخير."
ردت لميس: "صباح النور."
قالت نجوى بحنان: "إيه رأيك أجيب لك الفطور هنا في السرير؟"
ضحكت لميس قائلة: "إيه الدلع ده كله؟ أنا عمري ما حد جاب لي أكل في السرير، بس مش هتنازل إني أفطر النهارده في السرير."
ابتسمت نجوى وبعثرت شعر لميس قائلة: "يلا قومي على ما أجيب لك الأكل. ادخلي الحمام خدي شاور كدا وفوقي، وأنا هشوف جوانا إن كانت صحيت وهخلي نيرة تهتم بها. مع إن نيرة والله هي اللي محتاجة اللي يهتم بها، دي من ساعة ما وصلت وهي في قلق غير حملها وبعد ابنها وجوزها عنها."
ضحكت لميس وقالت: "والله نيرة دي أعقل واحدة فينا، طول عمرها بتحسبها بعقلها ومشاعرها مع بعض. بتعرف توازن."
ابتسمت نجوى قائلة: "يا ريتكم اتعلمتوا منها، يلا كل شيء نصيب."
***
دخل عصام إلى الشركة ليجد حكيم يجلس بمكتبه ينتظره.
قال حكيم بمزح: "إيه؟ كنت بايت فين امبارح؟ أقبال بتسأل عليك الشغالة قالت إنك كنت بايت بره."
رد بضيق: "كنت بايت في شقتي."
قال حكيم: "ومالك؟ إيه اللي مضايقك كده؟"
رد عصام: "ولا حاجة، بس يظهر منمتش كويس بسبب تغير المكان مش أكتر."
ابتسم حكيم: "إيه أخبارك مع لميس؟"
قال عصام: "مفيش تقدم، واتفقت أنا وجدو إننا هنعمل زفافنا بعد عشر أيام."
قال حكيم مستغرباً: "بالسرعة دي؟ ليه الاستعجال؟ وتجهيزات الفرح هتاخد وقت."
رد عصام بتأكيد: "مش استعجال ولا حاجة. الخطوة دي اتأخرت كتير، كان لازم تتم من زمان. وإن كان على تجهيزات الفرح مش محتاجة وقت."
قال حكيم: "المفروض تقول لمهندس ديكور يغير جناحك بالفيلا."
رد عصام: "إحنا مش هنتجوز في الفيلا، أنا هعقد في الشقة أنا ولميس."
قال حكيم بتعجب: "ليه؟ الفيلا كبيرة وكمان أقبال ممكن ترفض."
رد عصام بضيق: "دي حياتي وأنا حر فيها. وأقبال ترفض أو توافق، هي مش أمي الحقيقية. أنا حر أسكن مكان ما أنا عايز وأنا عايز أبقى مع لميس لوحدنا."
شعر حكيم أن هناك أمر يخفيه عصام ولا يريد أن يبوح به.
قال حكيم: "براحتك، دي حياتك وانت حر فيها. أنا عندي اجتماع هقوم أحضره."
تركه حكيم.
زفر عصام أنفاسه متنهداً بغضب شديد.
***
انتهت لميس من تناول الفطور بغرفتها بصحبة نجوى.
نادت نجوى نسيمة لتأخذ تلك الصينية.
بعد قليل.
قالت نجوى: "فطرتي وروقتي، مش هتقولي لي على اللي وصلك للحالة اللي كنتي فيها امبارح؟"
نظرت لميس لها تقول بشكر: "أنا لو أمي الحقيقية كانت عايشة كنت أتمنى تكون زيك في تفهمك وحنانك."
ابتسمت نجوى قائلة: "بطلي خبث واحكي لي. انتي كنتي هتقابلي شاهر؟ إيه اللي حصل معاه؟ رفض الاعتراف بجوانا؟"
ردت لميس: "يا ريت كان رفض. هحكيلك كل اللي حصلي ليلة امبارح."
فلاش باكـــــــــــــــــــ،،،
ذهبت لميس إلى ذلك المطعم البعيد لحد ما لتقابل شاهر.
دخلت إلى المطعم لتجده يجلس على أحد الطاولات يحتسي القهوة.
بمجرد أن رآها وقف مبتسماً يستقبلها بود وترحاب.
جلست على أحد المقاعد المجاورة له.
قالت: " خلينا ندخل في الموضوع مباشرتاً. قولي قرارك إيه؟"
رد بهدوء: "مش أما ترتاحي من السكة الأول."
ردت لميس: "شاهر بلاش شغلك الناعم ده. أنا اتلسعت منك قبل كده. قول رأيك من غير لف ودوران."
ابتسم قائلاً: "اتغيرتي يا لميس، مكنتيش كده."
ردت عليه بندم: "البركة فيك. قول لي قرارك."
رد شاهر: "أنا موافق أعترف بجوانا، بس ليا شرط."
نظرت إليه وتقول: "وإيه هو الشرط ده؟"
قال شاهر: "إنك ترجعي لي."
قالت باستغراب: "نعم؟ بتقول إيه؟"
رد بتكرار: "ترجعي لي تاني. هنسافر سوا فرنسا ونتجوز هناك وتفضلي هناك مع جوانا."
ضحكت ساخرة: "نفس اللعبة القديمة اللي ضحكت عليا بها زمان لما وهمتني إنك بتحبني وإنك أنت وليلى الحياة بينكم مستحيلة بعد طلاقكم. وقت ما شورت لك رجعت لها زي الكلب."
قال ببرود: "حاسبي على كلامك يا لميس."
ردت عليه قائلة: "فعلاً، أنا ظلمت الكلب معاك. لأن الكلب من صفاته الوفاء، إنما أنت الخيانة في مجرى دمك."
"أوعى تفكر إني هرضخ لاستفزازك ليا. أنا أقدر أهد المعبد عليك وعليا ومش هيهمني حد."
ابتسم ساخراً.
قالت له: "انت مفكر إن ذكائك خارق، موهوم. الغبي هو اللي يفكر بغباء مع ضعيف، لأن الضعيف ده ممكن تقع تحت إيده صدفه حاجة لو انكشفت تهد صاحب الذكاء الخارق."
قال لها: "أنا بعطيك الحل وانتي اللي مش موافقة."
ردت عليه: "طب خليني وافقتك وصدقت كدبك وهسافر ونتجوز هناك تاني."
"هطلق ليلى. دي آخر طلقة بينكم وبعدها هيلزمك محلل عشان ترجع لها."
رد قائلاً: "لأ، مش هطلق ليلى."
قالت له: "يعني هبقى عشيقة تسافر لها كام يوم في السنة؟ انسى إني أرجع لك."
"انت قدامك حل واحد هو إنك تعترف بجوانا بسهولة بدون مشاكل. لأن لو دخلت معايا في مشاكل، أوعدك تخسر كل العز والسلطة اللي في إيدك. وكمان نسب عيلة غُمري اللي فرحان بيه لما ليلى تعرف بمغامراتك العاطفية اللي كان من ضمنها بنت خالتها."
"وكمان كاترين اللي عمرها أكبر من والدك اللي اتجوزتها قبل ليلى بسنة وحصلت منها على الجنسية الفرنسية وكمان جزء من أملاكها."
نظر بذهول يقول بتعجب وكذب: "انت بتكدب؟ تقول لي إيه؟"
ردت لميس: "باسم أو إيه؟ أوعى تفكر إني الساذجة اللي هتصدقك. انت بعد ما رجعت مصر بعد جوازنا بتلات أسابيع وبعت لي على التليفون رسالة مسجلة بتطلقني فيها. بعدها أنا دورت في السجلات على جوازنا لأني اكتشفت إني حامل. لقيت إن مفيش وثيقة تثبت جوازنا. ولما سألت واحد من الموظفين في السجلات إن ممكن يكون أحد الطرفين قام بفسخ عقد الجواز. وكمان قال لي إن محدش يقدر يعمل كده ويفسخ عقد جواز غير واحد معاه الجنسية الفرنسية. فدورت في السجلات ولقيت وثيقة جوازك من كاترين. ولما بحثت عنها عرفت إنها توفت بعد جوازكم بحوالي خمس شهور. ورحت لابنها اللي أكبر منك في السن وأكد لي إنك كنت زوجها وكتبت لك جزء من أملاكها وانت بعته. ونزلت بعدها مصر وقابلت صاحبة النسب العظيم ليلى واتجوزتها."
نظر إليها مرتعباً: "قصدك إيه؟"
ردت لميس: "قصدي واضح. إن واحد في ذكائك أكيد معاك وثيقة فسخ عقد الجواز. وبالوثيقة دي ممكن تثبت جوانا على اسمك في سفارة فرنسا بمصر. وأنا مش عايزة منك أكتر من كده."
وقفت وقالت: "فكر بكلامي، لأن ده آخر فرصة لك. صدقني، وبعدها ههد المعبد ومش هيهمني."
غادرت وتركته مذهول من تلك القوة التي تحدثت بها معه. فمن كان يظنها قطة أصبحت نمراً وستلتهم من أمامها.
ولكن كانت عينان رأتهما وازداد بداخلها الغضب وهو يراهما يجلسان معاً متقاربين.
بعد قليل عادت لميس إلى بيت جدها مرة أخرى وهي تشعر باشمئزاز من نفسها. كيف صدقت ذلك المخادع سابقاً؟ حقاً هي كانت ساذجة.
وجدت أكثر من اتصال من نجوى عليها، ولكنها لم ترد عليها لضيقها من نفسها.
ذهبت إلى غرفتها، فتجد طفلتها نائمة كالملاك. نظرت إليها وابتسمت بتألم وندم. فهذه الملاك تستحق أباً يبيع من أجلها الغالي والنفيس، لا أباً يريد أمها كعشيقة.
أبدلت ثيابها وانضمت إليها بالفراش تنظر له بحب وسعادة لوجودها في حياتها.
سمعت بعد قليل طرق على الباب.
نهضت من على الفراش وفتحت الباب.
وجدت الخادمة تخبرها: "عصام بيه تحت في أوضة الضيوف وعايز يقابلك ضروري."
استغربت لميس وتقول: "طيب، هغير هدومي وأنزل له." لتنصرف الخادمة.
بعد دقائق نزلت.
وجدت عصام يجلس ويبدو عليه الضيق بشكل واضح.
وقف بمجرد أن رآها تدخل.
قالت: "أهلاً يا عصام. خير؟ الشغالة قالت لي إنك هنا وعايزني."
قال مباشرة: "إيه اللي بينك وبين شاهر؟ وقبل ما تكذبي، أنا شوفتكم مع بعض في المطعم من شوية وكنتوا في آخر انسجام."
ويكمل بتهجم: "يمكن معجبة بيه؟"
قالت بتعلثم: "انت بتخرف؟ تقول إيه؟"
رد عصام: "يمكن هو فارس أحلامك اللي بعدك عني. اللي كل ما قرب منك تبعدي عني. انتي مفكرة إني مش حاسس إن من يوم ما جدي أعلن خطوبتنا وانتي بتتهربي مني؟ وبنات بتحب دايماً اللي بعيد عن يدها وتبص للي في إيد غيرها."
ردت لميس: "لما دي فكرتك عني، ليه مستمر في خطوبتنا؟ تقدر بسهولة تقول إنك مش هتكمل معايا وأنا ممكن أكلم جدو وأعفيك من الحرج."
أمسك معصمها بقوة قائلاً: "للأسف مش قادر. بحبك. بحبك من وأنتي طفلة. حبك زي السرطان في قلبي، لا أقدر أستأصله ولا قادر أعيش بيه. وقولي لي إيه اللي بينك وبين شاهر؟"
قالت بتألم: "سيب إيدي، انت بتوجعني."
رد عصام: "وانتي بتوجعينى ليه؟ مش حاسة بيا؟ وإيه اللي بينكم؟ قولي."
ردت لميس بألم: "شاهر يبقى أبو بنتي."
ترك يدها ونظر لها بذهول غير مستوعب. عقله.
قالت له: "أيوه، أنا عندي بنت منه. اتجوزنا في فرنسا من حوالي أكتر من تلات سنين."
سردت له حكايتها معها وأنها ذهبت لتقابله لكي تعرف رده على إثبات نسب طفلتها.
شعر بتوهان وذهول وكأنها تقطع في قلبه بسكين باردة.
صمت قليلاً يفكر.
قال: "أنا هقول لجدى إننا هنتجوز بعد عشر أيام."
ردت بذهول قائلة: "انت بتقول إيه؟"
رد عصام بقوة: "انتي مش عايزة شاهر يعترف ببنتك؟ أنا هخليه يعترف بها وفي المقابل هنتجوز فوراً."
وقبل أن ترد.
قال: "ده مش عرض، ده أمر. قصاد جوازنا، أنا هعرف أخلي شاهر يعترف ببنتك بسهولة."
صمتت قليلاً وتقول: "أنا مش عايزة أدخلك في أموري. شكراً."
رد عصام: "انتي مفيش قدامك حل غير الجواز مني. لأن شاهر عارف إنك صعب تقدري عليه إلا بمساعدة جدي. وانتي مش هتقدري تقولي لجدى عليه خوف على جدي لا يجرى له حاجة لما يعرف إن أبو بنتك هو زوج حفيدته التانية. وكمان انتي خايفة من اتهام ليلى ليكي إنك انتي اللي غويتي شاهر وهو يستفاد من عقدة نقص ليلى ويطلع هو الملاك في نظر الجميع وانت طماعة اللي طمعت في زوج بنت خالتها."
"أنا بسهولة أقدر أخليه يعترف ببنتك."
فكرت في حديثه دقائق.
قالت: "أنا موافقة، بس بنتي هتكون معايا."
ابتسم متوجع القلب يقول: "أنا موافق وهقول لجدى. وخلال عشر أيام هنتجوز في شقتي مش في الفيلا بتاع بابا."
ويكمل بأمر: "بس يا ريت بلاش تقابلي شاهر تاني من ورايا. واعملي حسابك إنك هتكوني تحت نظري من دلوقتي."
تركها ويغادر. شعرت بضياع هي بين نارين.
نار كاذب ونار عاشق. لا تعرف في ماذا يفكر.
انهارت وجلست تبكي وتشعر باختناق. لتقرر الذهاب إلى بيت نجوى.
صعدت وحملت طفلتها وأخذتها وذهبت إلى منزل نجوى.
***
غافلة عن الذي رآها تخرج وهي تحمل طفلتها في هذا الوقت. ليتعقبها ليعلم أين تذهب.
ولكنه استراح عندما وجدها تدخل إلى منزل زوج خالتها ووالدة صديقتها. ليتنهد متعذباً بحبه.
أما هي، استقبلتها نجوى بحنان.
عادت من تذكرها ودموعها تسيل.
ضمتها نجوى بحنان قائلة بأمل: "مش يمكن عصام يكون يصدق ويجبر شاهر بإثبات أبوته لجوانا ويجنبك التصادم مع ليلى وغيرها؟"
قالت لميس: "أنا خايفة يكره بنتي ويتنقم مني. متنسيش إن ليلى أخته وشاهر جوزها."
"أنا حاسة إني زي الدمية بتتنقل من إيد لإيد."
ضمتها نجوى تقول: "أنا حاسة بإحساسك لأني عشته قبل كده. لما جيت أتجوز طاهر خوفت على بناتي وفكرت وقلت إزاي هيعاملهم. ولما عاشرته عاملهم بود وعمره ما زعل واحدة منهم بكلمة. بالعكس كان بيحافظ عليهم ويدور على مصلحتهم دايماً."
ردت لميس: "أنا وضعي مختلف. انتي لما اتجوزتي عمو طاهر كنتي أرملة، يعني مكنش فيه حد تاني غيره موجود في حياتك يغير منه."
"إنما أنا شاهر موجود وممكن يغير منه أو شاهر يكيده."
"والمثل بيقول: كيد الحي كيد."
"وأنا خايفة لتتكوي أنا أو بنتي بنار الغيرة دي."
رواية نغم سطوة العشق والانتقام الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سعاد محمد سلامه
وقفت نغم تبتسم لفرحة مجدي وهو يمتطي الحصان أمام والده.
قال فيصل له: "يلا شاور لماما قولها باي."
"ماما الجبانة اللي بتخاف من الحيوانات."
ضحكت لهما بمحبة.
قال مجدي بطفولة: "باي ماما."
سار فيصل بالحصان وتبقى نغم التي أشارت له بالسلام. لديها شعور بالسعادة، ولكن داخلها خائفة أن تكون مجرد وقت فقط ويعود الألم الذي اعتادت عليه.
عادت نغم إلى داخل الاستراحة لتدخل إلى المطبخ لتجد عنيات تقف تبتسم لها وتقول: "عايزة حاجة أعملها لك؟"
ابتسمت بود وقالت: "لأ، أنا اللي جاية أساعدك. مش متعودة أقعد من غير ما أعمل حاجة، وما فيش ورايا حاجة. قولت أجي أقعد معاكي وندردش سوا."
ابتسمت عنيات وقالت: "واضح إن فيصل بيه له الحق يحبك الحب دا كله. باين قلبك أبيض وبتحبي الناس الغلابة زيه."
ابتسمت نغم وقالت: "كلنا غلابة. قوليلي، أنتي هنا من أمتى؟"
ردت عنيات: "أنا هنا من سنتين تقريباً. أنا من الصعيد أصلاً، وجينا هنا عشان لقمة العيش."
قالت نغم: "معاكي ولاد قد إيه؟"
ردت عنيات بحزن: "أنا ربنا ما أرادش يكون عندي ولاد. أنا كنت عازبة لما اتجوزت سليمان. كنت اتجوزت قبله، ولما غبت في الخلفه كشفت والدكتورة قالتلي إن عندي عيب يمنع الخلف. ولما جوزي عرف طلقني. وفضلت كتير من جواز لحد ما اتقدملي سليمان، وكنت رافضة الجواز. وكنت بشتغل أجيرة في الأرض عندنا في الصعيد. أمي قالتلي: 'سليمان عنده ولاد وهو بيدور على ست تشارك معاه الحياة، وضل راجل ولا ضل حيطة'. وافقت واتجوزته. وعم محمود قال لفيصل بيه على سليمان أصله يقرب لسليمان من بعيد. وجينا نشتغل هنا. وبس بس سليمان عنده بنت وولد وسايبهم هناك في الصعيد مع أمه تربيهم، وأنا اللي جيت معاه. والشهادة لله، فيصل بيه عمري من يوم ما جيت هنا ما شفت منه حاجة وحشة. أنتي أول ست تدخل هنا الاستراحة بعد الست نجوى."
ابتسمت نغم وقالت: "هي ماما كانت بتيجي هنا؟"
ردت عنيات بتفاجؤ: "هو أنتي تبقي بنت الست نجوى؟"
ابتسمت نغم وقالت: "أيوا، أنا بنتها الكبيرة. غريبة صح إنه يتجوز بنت مرات أبوه."
قالت عنيات: "مش غريبة ولا حاجة. القلب أما يهوى مبيفكرش العقل، حتى لو كان اللي قدامه ابن عدوه. والست نجوى طيبة. وجت هنا مرة كان فيصل بيه تعب جامد، وجت مع طاهر بيه وفضلت يومين هنا جنبه لحد ربنا ما شفاها."
ابتسمت نغم، فوالدتها رغم أذى فيصل ومعاملته الجافة لها ما زالت تتحكم بها الإنسانية.
***
عادت لميس إلى بيت جدها ظهراً دون طفلتها التي تركتها مع نجوى، لتجد عصام يخرج مع جدها من غرفة المكتب.
نظر لها يومئ برأسه.
للحظة خشيت أن يكون أخبر جدها بأمر شاهر.
لكن تبسم جدها لها يقول: "عصام كان هنا ومعاه أوراق عايز إمضتي عليها. وكمان قالي إنكم قررتم تكتبوا كتابكم بكرة وتتجوزوا بعد عشر أيام."
نظرت لعصام بتعجب وردت بارتباك: "موافقة؟ أه، اتفقنا على كده."
كانت نظرات عصام لها نظرات عاشق موجوع القلب.
قال الجد: "أنا عندي مشوار مهم وهخرج دلوقتي. أسيبكم مع بعض، يمكن يكون فيه حاجات ناقصة عشان تلحقوا تكملوها."
تركهم الجد.
نظرت لميس إلى جدها إلى أن أصبح بعيداً عنهم.
قالت: "إيه حكاية كتب الكتاب اللي هيتم بكرة ده؟ أكيد مش هلحق أجهز."
رد عصام: "دا كتب كتاب بس وهيبقى هنا في السرايا. يعني مش حفلة ومش هتحتاجي حاجة أكتر من فستان مناسب، وأعتقد عندك فساتين كتيرة ممكن تلائم مناسبة زي دي."
قالت لميس باعتراض: "عصام، أوعى تفكر إني خايفة من حد. أنا معملتش حاجة غلط."
قال عصام: "اللي عملتيه بجوازك من شاهر الغلط بذاته. أنا كنت عارف إنك طيبة ومتوقعتش إنك تكوني ساذجة وتقعي في فخ واحد زي شاهر بسهولة كده."
"طب ليلي وعندها عقدة نقص إنها مش بتخلف وبتضعف قدامه. أما أنتي، أنا مش عارف سبب غير إنك فعلاً ساذجة."
ردت لميس: "وإيه يجبرك تتجوز واحدة ساذجة بتصدق الناس بسهولة؟ وأنت قدامك خيارات أكتر. كفاية إنك الحفيد الوحيد لعيلة غُمري. دا لوحده كفيل يخلي أذكى واحدة تتمنى تكون شريك حياتها. ليه عايز تربط حياتك بواحدة ساذجة؟ ومتقوليش الحب، لأن الحب كذبة أنا صدقتها ودفعت تمنها بريئة تانية."
نظر إليها عصام قائلاً بأمر: "أياً كانت أسبابي، بس كتب الكتاب هيكون بكرة. يا ريت تجهزي نفسك لكده."
تركها وغادر متوجعاً من أن قلبها دق يوماً لغيره. أما هو، ظل يحبس بقلبه عشق ندم أنه لم يبوح به يوماً.
أما لميس، فشعرت أنها تدور بمتاهة.
***
تحت ظلال أحد الأشجار الكبيرة، كان فيصل يجلس متكئاً على أحد ساعديه، وأمامه طفله الذي يمرح معه باللعب مع ذالك الجرو الصغير.
كانت نغم تجلس بالقرب منهم على ذالك المفرش المفروش على الأرض، تنظر إليهم وتبتسم. ليرن هاتفها.
لترى من المتصل.
لتجده مجدي.
لترد عليه.
ليسألها عن صحتها وأحوالها.
ردت نغم بهدوء: "أنا الحمد لله بقيت كويسة جداً، وكنت هتصل عليك بكرة عشان أنا قررت أفضل هنا في مصر. مش هسافر فرنسا، فممكن أشتغل هنا. وأعتقد كمان لميس نفس الوضع."
قال وجدي بسعادة: "كويس. أنا محتاجك هنا معايا. قصدي محتاج نتشارك أفكارك الحديثة، وأعتقد إنك هتفيدي المؤسسة هنا أكتر من فرنسا. هنا إحنا مكانتنا كبيرة في مصر."
ابتسمت وقالت: "خلاص، على آخر الأسبوع هنزل مصر أنا ولميس نمضي معاك العقود."
قال وجدي: "لميس هتكون معاكي إزاي؟ وفرحها هي وعصام بعد عشر أيام."
قالت نغم بتعجب: "مين اللي قالك كده؟"
رد وجدي: "عصام غُمري بنفسه اتصل عليا وقالي أتفق له مع منظمين أعراس وكمان أهتم بتصميم دعوة الفرح. هي لميس معرفتكيش؟"
ردت نغم: "لأ، أنا من امبارح مشوفتهاش. يمكن حددوه وكانت لسه هتقولي."
قال وجدي: "غريبة، أنتم الاتنين سر بعض."
قالت نغم: "أكيد كانت هتقولي، بس أنا في مزرعة فيصل مش عند جدي ومشوفتهاش من امبارح."
شعر وجدي بغصة. كان سيسألها هل ستبقى مع فيصل، ولكن يبدو الجواب واضح لما هي في مزرعته.
قال وجدي: "شوفي لميس واتفقوا على ميعاد وأنا في انتظاركم."
ردت نغم: "تمام، هتفق معاها على ميعاد ونقولك. وشكراً على تفهمك لظروفنا."
أغلقت الهاتف.
سمع فيصل حديثها مع وجدي، الذي شعر بالغيرة من تحدثها معه للحظة. فرح حين أخبرته أنها ستظل بمصر، ولكن زادت الغيرة حين أخبرته أنه ستعمل معه.
هو رأى نظراته لنغم بالمشفى، وأيضاً وقوفها معه يوم حفلة جده حافظ غُمرى.
ترك مجدي وذهب للجلوس بجوارها على الأرض.
قال: "أنتي هتشتغلي في مؤسسة الزهيري إزاي؟"
ردت عليه: "قصدك إيه؟"
رد فيصل: "يعني أكيد شغلك معاه هيكون متعب ليكي. إزاي هتقدري توفقي بين إدارة مزرعة جدي وكمان متنسيش إنك مسؤولة عن الدعاية عن شركاته."
"وكمان مسؤوليتك اتجاه مجدي."
ردت: "أنا كنت بشتغل قبل كده وكمان كنت مسؤولة عن مجدي وعمري ما قصرت معاه وكنت بوازن بينه وبين شغلي."
رد فيصل: "كنتي بتعرفي توازني لأن المكان كان واحد. أما دلوقتي، هتقدري تسافري القاهرة وترجعي في نفس اليوم وتقابلي عملاء وتتفقي معاهم إزاي؟"
"وأنا مش هسيب حياتي وأعمالي هنا وأروح أعيش في القاهرة."
قالت له: "قصدك إيه؟"
رد فيصل: "أنا مش موافق على شغلك مع وجدي لأنه هيبعدك عن مجدي وقت كبير، ومجدي أولى بكل وقتك."
قالت نغم: "يعني هتمنعني أشتغل؟"
قال فيصل: "لأ، بس إن كان شغلك هيبقى على حسابي أنا ومجدي. من حقي أقولك بلاش، وكفاية تشتغلي عند جدي. حتى دي مش موافق عليها، بس عشان متقوليش إني مش عايزك تشتغلي."
قالت بضيق: "أنا بشتغل من وقت ما دخلت الجامعة وكنت بشتغل وبدرس في نفس الوقت، وكنت بنجح بتقديرات كمان. مش جديد عليا إني أكون في كذا اتجاه في وقت واحد."
نظر إليها فيصل قائلاً: "متهيألي إن الأوان إنك تكوني في اتجاه واحد، وأنا برفض شغلك بعيد عني مع مؤسسة الزهيري."
قالت نغم: "أنا خلاص شبه اتفقت معاه. هتكلم مع لميس وأشوف هي هتعمل إيه هي كمان."
نظر بضيق فيصل قائلاً: "براحتك، أنا مش هضغط عليكي."
شعرت أنها بين اختيارين.
الأول: عملها والذي تعتمد عليه كلياً في حياتها.
وبين رغبة فيصل في عدم عملها بعيداً عنه.
***
فوجئ طاهر بضيفين أتوا دون سابق إنذار.
ليستقبلهما.
قال منصور: "أسف جينا من غير ميعاد، بس إحنا جايين نرد زيارة فيصل ليا بعد خروجي من المستشفى، وكمان نطمن على مدام نغم ووالداتها."
رد طاهر بمجاملة: "لأ تتأسف، البيت بيتكم ومرحباً بكم."
ابتسم منصور وكذالك ابنته فجر.
قالت فجر: "أومال فيصل فين؟"
رد طاهر: "فيصل في مزرعة المانجا، هتصل عليه ييجي فوراً."
ابتسمت فجر.
قال منصور: "واضح إننا جينا في وقت غير مناسب."
رد منصور: "لأ أبداً. فيصل من امبارح أخد نغم وابنه وراح مزرعة المانجا."
شعرت فجر بنيران الغيرة حين ذكر اسم نغم.
وقف منصور مستأذناً لدقائق.
خرج طاهر ليهاتف فيصل.
رد فيصل سريعاً.
قال طاهر: "أنت هتبات عندك كمان الليلة؟"
رد فيصل: "أيوا، ليه؟"
قال طاهر: "بس أنت لازم تيجي. منصور الفهدى وبنته هنا جايين يطمنوا على نغم ونجوى وبيقول إنه بيرد زيارتك له."
قال فيصل بارتباك: "هما عندك في البيت دلوقتي؟"
رد طاهر: "أيوا."
قال فيصل: "مسافة السكة وهكون عندك. يلا سلام."
وقف طاهر قليلاً ويقول: "يارب الزيارة دي تعدي على خير."
***
عاد فيصل إلى الداخل بعد أن كان خرج للرد على الهاتف.
ليجد نغم مازالت تجلس أرضاً بغرفة طفلهم تلعب معه بمجموعة مكعبات يكونان منها أشكال وكلمات.
وتضحك معه.
ليجلس جوارهم.
قالت نغم: "وريي لبابا يا ميجو، قولوا كونا حروف اسمك."
نظر فيصل إليهم بسعادة.
قالت نغم: "مين اللي كان بيتصل عليك؟"
قال: "بابا بيقول إن فيه ضيوف عايزين يقابلوني ضروري هناك وأنا هروح لهم."
قالت: "ومين الضيوف دول؟ وإحنا هنيجي معاك؟"
رد فيصل بارتباك: "مقالش. هو قال لي أروح له. ولأ، أنتم هتفضلوا هنا. أنا هروح أقابلهم وأرجع هنا تاني."
ابتسمت وقالت: "متتأخرش، وكمان هات لي أنا وميجو غيارات معاك."
قبل رأسها ثم طفله ويقف ليغادر ويقول: "مش هتأخر، سلام."
***
بعد خروج فيصل.
رن هاتف نغم.
لتجدها لميس.
لترد سريعاً عليها.
لتقول بمزح: "أهلاً بصحبة عمري اللي حددت ميعاد فرحها وأنا آخر من يعلم."
ردت لميس: "واضح كده إن فيصل مروقك من امبارح. تليفوني مرنش مرة برقمك. أنتي كنتي بتدوخيني باتصالك عليا."
ضحكت نغم وقالت: "يا بنتي بطلي تفكيرك الشمال ده وارتاحي. فيصل مش هنا، رجع البيت وأنا ومجدي اللي هنا في المزرعة. قولي لي الخبر ده صحيح؟"
قالت لميس: "عرفتي منين؟ طنط نجوى ولا نيره؟"
ردت نغم: "دا خبر صحيح بقى وأنا آخر من يعلم بصحيح. قولي لي."
قالت لميس: "أنا انغبرت ومش أنا اللي حددت الميعاد."
قالت نغم باستغراب: "مين اللي جبرك وحدد الميعاد؟ جدو؟"
قالت لميس: "لأ، عصام."
ردت نغم باستغراب: "وعصام جبرك ليه؟"
قالت لميس: "عصام عرف بجوانا وإن شاهر هو أبوها."
سردت لميس لها ما حدث مع عصام ووضعه لها أمام الأمر الواقع مع جدها.
قالت نغم: "تصدقي إن كلام عصام صح، وشاهر مش هينفع معاه غير عصام لأنه جبان. أنا متأكده إنه كان هيماطل معاكي وكمان هيلعب على نقطة ضعفك دايماً وهو جدو. أما هيلاقي عصام معاكي هيعرف إنك قويتي بيه."
قالت لميس: "والله أنا خايفة من عصام نفسه. عمري ما شفته بالطريقة اللي بيعاملني بها. تصوري إنه قرر إننا نكتب كتابنا بكرة بعد المغرب."
قالت نغم بتعجب: "بكرة؟"
أكدت لميس: "أيوا بكرة هنكتبه هنا في السرايا. أنا كنت بتصل عليكي عشان كده، عايزاكي أنتي وطنط نجوى معايا."
قالت نغم: "أكيد هكون معاكي. هاجي من بعد الضهر أفهم كل شيء منك. وماما كان رأيها إيه؟"
قالت لميس: "نفس رأيك كده. أنا لسه راجعة من معاها هي ونيره من عند الدكتور."
قالت نغم بخضة: "ليه مالها؟"
قالت: "هي كويسة. إحنا كنا بنطمن على نيره. مرتحتش إلا ما الدكتور طمنها عليها وعلى اللي في كرشها. أنا مش عارفة دي بتعمل إيه واحنا بعيد عنها. عمو طاهر دا يستاهل يدخل الجنة والله."
ضحكت نغم وقالت: "ماما استحملت بعدي عنها وبعدين كمان بعد نيره. بس بتقول لما بسمع إنكم مبسوطين وأنتم بعيد ببقى سعيدة. أنا اللي يهمني سعادتكم. ومتنسيش التليفون اليومي اللي صوت وصورة بتاعها. بس غريبة دي متصلتش عليا النهارده خالص."
ضحكت لميس وقالت بخبث: "تلاقيها انكسفت تتصل عليكي في وقت غير مناسب. وتبقى عزول. هستناكي ومتتأخريش وتقوليلي انشغلت بفيصل، قصدي بميجو."
ضحكت نغم: "لأ متخافيش، هتلاقيني عندك بعد الضهر."
قالت لميس: "يلا تصبحي على خير. وأوعي تنامي، استني فيصل أما يرجع هيحكي لك حكاية حلوة."
ضحكت نغم وقالت: "وإنتي من أهل الخير. وبوسي لي جوانا."
أغلقت نغم الهاتف مع لميس وهي تشعر بالحزن على صديقتها ذات القلب الأبيض، وتتمنى أن تجد السعادة مع عصام ويعوضها عن العذاب القديم ويشفي ألم قلبها.
أما لميس، فشعرت بالسعادة من أجل صديقتها، فيبدو أن السعادة ستحالفها بعد كل هذا العذاب.
***
دخل فيصل إلى منزله ليتجه مباشرة إلى غرفة الضيوف.
ليجد والده مع منصور وفجر.
وقف منصور وكذالك طاهر، وظلت فجر جالسة. ليرحب بهم فيصل.
ويجلس معهم يتحدثون بود.
كانت عينه الخبيثة منصور تبحث عن نجوى.
قال: "ومدام نجوى بقت كويسة دلوقتي؟ يعني مشوفتهاش جت تستقبلنا؟"
رد طاهر: "نجوى بقت كويسة جداً، الصراحة هي مش في البيت، هي عند الدكتور بتطمن على بنتها."
قال منصور باستغراب: "هي مدام نغم مش في المزرعة؟"
رد طاهر: "لأ، بنتها التانية نجوى عندها بنتين."
"نغم مرات فيصل."
"ونيره متجوزة ومسافرة مع جوزها فرنسا وجت عشان الظروف اللي حصلت وهتسافر تاني. وهي راحت تطمن عليها أصلها حامل."
ابتسم منصور.
وشعرت فجر بالغيرة والكراهية من نغم حين قال طاهر أن نغم هي زوجة فيصل.
ظلوا بعض الوقت يتجاذبون الحديث، كانت من تضغط على الحديث هي فجر بتوددها إلى فيصل.
الذي يتحدث معها بتحفظ.
عادت نجوى من الخارج ومعها نيره.
وقفت نيره تقول: "أنا هطلع أكلم جوزي وابني في التليفون وبعدها هنام. أنا تعبت من اللعب مع جوانا طول اليوم وكمان الحمل عايزة أنام."
ابتسمت نجوى بحنان وتقول: "طيب يا حبيبتي. أبقي سلميلي عليهم. نامي وارتاحي يا حبيبتي، أنتي من وقت ما جيتي من فرنسا وإنتي مشغولة بالي حواليك. وكمان عشان نبقى نروح للميس بكرة مع بعض."
تركته نيره وتصعد إلى غرفتها.
رأت نجوى نسيمة تحمل صينية عليها بعض المشروبات وتتجه إلى غرفة الضيوف.
قالت لها: "مين اللي في أوضة الضيوف؟"
ردت نسيمة: "دول ضيوف وطاهر بيه وكمان فيصل بيه معاهم."
قالت نجوى باستغراب: "فيصل جه؟ ونغم وابنها معاه؟"
ردت نسيمة: "لأ، فيصل بيه لوحده وهو مع الضيوف جوه."
قالت نجوى: "طيب روحي أنتي."
تتجه نجوى خلفها إلى غرفة الضيوف لترى من الضيوف.
دخلت نجوى إلى الغرفة لتصدم حين رأت أن الضيوف هم منصور وابنته فجر.
وقف منصور يرحب بها بتلهف أخفاه بصعوبة.
ليمُد يده للسلام عليها.
لتمد هي الأخرى باستغراب.
قال طاهر: "منصور بيه وبنته جايين يطمنوا عليكي أنتي ونغم."
نظرت نجوى إلى فجر بضيق وداخلها تندم ليتها ما دخلت.
قالت بترحيب فاترة: "شكراً، إحنا بقينا بخير الحمد لله."
شعرت فجر أن نجوى غير سعيدة بوجودهم.
لكن منصور كانت عيناه عليها طول الوقت ينظر لها بتمني.
شعرت نجوى باشمئزاز من نظراته إليها وعدم راحة تجاهه وتعيد السبب إلى أنه والد تلك المدعوة فجر.
أما منصور، يزداد تلهفاً لامتلاكها بين يديه.
ونظرات فجر الواضحة لفيصل التي تتمنى الفوز به ويزداد بداخلها الافتتان به.
بعد وقت، وقف منصور وابنته ليغادران. ليذهب فيصل معهم مودعاً إلى خارج المنزل.
ليقف فيصل مع منصور أمام سيارته قائلاً: "أنا بشكرك على زيارتك الكريمة دي."
رد منصور: "أنا يشرفني زيارة شخص محترم زيك، وأتمنى يكون بينا ود."
رد فيصل: "أكيد الود موصول."
ليسلم على فجر أيضاً، لتقول: "أنت مش محتاج تشكرنا. أنتي اللي بدأت بالزيارة لما جيت امبارح الصبح تطمن على بابا."
رد فيصل: "دا أقل واجب بعد اللي عمله وبحث على ابني. لو مش مساعدته يمكن لدلوقتي مكنش ابني رجع لي سليم."
"جميلة دين في رقبتي."
رد منصور برياء: "لأ جميل ولا حاجة. أنا كنت هعمل كده لأي حد. متنساش إني عضو في المجلس ومصلحة أي حد في البلد واجبة عليا."
.....
عاد فيصل للداخل مرة أخرى ينادي على نسيمة.
لتأتي إليه.
ليقول لها: "حضري لنغم ومجدي مجموعة غيارات بسرعة."
لتذهب لتنفيذ أمره.
ليدخل مرة أخرى إلى غرفة الضيوف ليجد والده ومعه نجوى.
التي وقفت تقول له: "نغم فين؟ مجتش معاك ليه؟"
رد فيصل: "نغم كويسة وتقدرى تتصلي تطمني عليها. أنا جيت عشان الضيوف وهاخد لها هي ومجدي هدوم وهنفصل هناك كم يوم."
ردت بحنق: "ما طبعاً فجر هانم لازم تكون في استقبالها."
رد فيصل: "أنا مفيش في حياتي واحدة غير نغم، ولازم تتأكدي إني هكمل حياتي معاها، مش عشان هي أم ابني، لأ، لأنها حبيبتي."
قالت نجوى: "ياريت تكون صادق، لأن صدقني دي آخر فرصة ليك. أنا طالعة أتصل وأطمن عليها."
تركته وتغادر.
وقف فيصل يشعر بالضيق، فهي ما زالت لم تصدق أنه يحب نغم.
قال طاهر بنصح: "أنا حاسس إن موضوع تقاربك من منصور الفهدى وكمان زيارته الليلة ممكن يعمل لك مشاكل مع نغم."
تنهد فيصل حائراً، نادماً على إخبار نغم يوماً أنه يحب فجر، وما كان إلا افتتان زال مع الوقت، ليته ما أخبرها.
***
بعد وقت، عاد فيصل إلى المزرعة.
دخل ليجد الاستراحة هادئة، ليصعد إلى أعلى.
ليدخل إلى غرفته لا يجد نغم، ليضع تلك الحقيبة على أحد المقاعد ويخرج من الغرفة.
ويتجه إلى غرفة صغيرة.
ليجده نائماً وجواره نغم نائمة أيضاً.
ليبتسم وهو ينظر إليهما، فهما كل عالمه، ومعهم يشعر بالسعادة.
ليميل يقبل طفله.
ويتجه إلى ناحية نغم، يميل يحملها معه.
لتصحو وتنظر له وتبتسم.
ليحملها ليقول: "هش!"
ليحملها ويخرج من الغرفة بهدوء ويدخل بها إلى غرفتهم ويضعها بالفراش مبتسماً.
قالت له: "ميجو زعلان منك، كان عايزك تنام جنبه ومكنش راضي ينام. فين على ما نام؟ ويظهر أنا نعست جنبه. إيه اللي أخرك كده؟ أنت قولت مش هتتأخر."
رد بتوتر: "أبداً، قعدت مع بابا شوية وعلى مانسيمة حضرت لكم الهدوم وجبتها وجيت. أنا هدخل أغير هدومي في الحمام."
ابتسمت له.
بعد قليل، خرج من الحمام ليجدها تجلس بالفراش.
لينضم إليها ويضمها إلى حضنه ويدفس رأسه بعنقها ويقبله قائلاً: "وحشتيني." ويرفع نظره إليها.
لتنظر بحياء وتقول: "عرفت إن كتب كتاب لميس وعصام بكرة بالسرايا عند جدو."
رد: "أه، عرفت. جدي اتصل عليا من شوية وطلب مني إني أكون موجود معاهم. وأنتي عرفتي منين؟"
قالت له: "ماما قالت لي وهي بتكلمني في التليفون من شوية، وكمان لميس اتصلت عليا قبلها."
قالت: "وأنتي هتروح؟ هتروح؟"
شعر بتوتر أن تكون نجوى أخبرتها بزيارة فجر، ولكن من الواضح أنها لم تخبرها. لو نغم علمت ما كانت ستظل بهذا الهدوء.
قال لها: "هروح عشان خاطرك، وكمان لميس علاقتي بيها طيبة."
قالت له: "طيبة وبتحب الناس كلها، ودا دايماً اللي بيوقعها في مشاكل."
مال ليأثر شفتيها بين شفتيه يقول: "خلينا في نفسنا. أنتي وحشتيني."
لتنظر له بحياء وتجده يميل عليها متلهفاً.
لتقول له بخجل: "مش هينفع، أصلي جالي عذر."
ليتفهم ويبتسم على خجلها، ويضمها بين يديه وينام هنئاً، فكل ما يهمه هو وجودها معه وبين يديه.
***
سطعت شمس جديدة ليصبح الكون بيوم جديد.
بعد الظهر.
دخلت نغم على لميس غرفتها بسرايا حافظ غُمرى.
لتجد معها كلاً من والدتها ونيره.
لتضحك وتقول: "إزيك يا عروسة."
ضحك الجميع، ووقفت نجوى بتلهف وضمت نغم وقالت لها: "إزيك أنتي."
قالت لميس: "دا أنتي العروسة، قولي لينا إيه الإشراقة دي؟ بركاتك يا شيخ فيصل. يظهر مدلعك آخر دلع. أنا متأكده إن لو مش أنتي اللي ضغطتي عليه مكنش خرجك من الاستراحة. قولي لي، الواد ميجو قايم بدور العازول كويس ولا أعيد تدريبه على الدور عشان يتقنه."
ضحكوا على مرحها.
قالت نغم: "لأ اطمني، في عازول تاني أقوى منه، فاستريحي وخلينا فيكي. قولي لي، لقيتي فستان حلو للمناسبة دي؟"
ردت: "مش محتاجة، في فستان وصل من سويه."
قالت نيره: "يا عيني! أنا روحت كتبت كتابي عند بيت المأذون، وكمان نغم كده."
"أنما أنتي عصام متوصي بيكي قوي وجابلك المأذون لحد عندك."
ضحكت وداخلها يتألم، فهي في دوامة لا تعرف كيف النجاة منها.
بعد المغرب.
تم عقد القران بحضور فيصل وحكيم فقط، اللذان كانا شهود على عقد الزواج.
وكان وكيل لميس جدها، الذي أصر عصام على أن يكون هو من يضع يده بيديه في عقد القران، ربما لهدف برأسه.
ليتم استدعاء لميس للإمضاء على القسيمة فقط.
بعد أن انتهى المأذون من عقد القران.
قال الجد: "أتفضلوا معايا." ليخرج الموجودين ويظل عصام ولميس فقط.
وقفت لميس تقول بخجل: "أنا عايزة أعرف ليه خليت جدو هو وكيلي؟ أنا كان ممكن أكون وكيلة نفسي. متنساش إني كنت متجوزة قبل كده مش أول مرة أتجوز."
شعر بوخز بقلبه من تحدثها أنها كانت لغيره سابقاً.
قال لها: "معاكي أوراق تثبت إنك كنتي زوجة قبل كده؟"
وقفت تنظر له وهي صامتة.
نظر لها، أراد أن يقول الحقيقة، أنه فعل هذا حتى يشعر أنه الأول بحياتها.
ظل عصام جالساً ينظر لها.
لتخجل وتقول له: "أنا هطلع أشوف جوانا."
لم يرد عليها.
لتمشي ولكنها تعثرت بسبب ساقها.
لتقع على ساقيه وهو جالس.
ليضمها إليه ويدفس رأسه بعنقها وتدخل إلى روحه رائحة شعرها ليستنشق منه أطيب الروائح. يقسم أن رائحتها من الجنة.
لتنظر إلى عينيه لتشعر بشعور جديد يدخل إلى قلبها.
أما هو، نظر إليها باشتياق.
أراد أن يقبلها ليذيقها العشق الذي اختزنه بقلبه لأعوام كثيرة لها وحدها، نادماً أنه لم يبوح به.
رواية نغم سطوة العشق والانتقام الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سعاد محمد سلامه
نهضت لميس سريعاً تقف بخجل تقول:
"أنا آسفة بس اتكعبلت غصب عني والله مش قصدي."
ليقف عصام أيضاً وينظر إلى وجهها الذي اصطبغ باللون الأحمر القاني، وظهرت بوضوح تلك الغمازتين بخديها المشتعلان بالاحمرار. كانت فاتنة بعينه.
ابتسم، فمن يراها يشعر أنها كالعذراء في حيائها، ليست تلك التي سلمت نفسها لكاذب.
ليشتعل قلبه بعشقها.
لتتركه وتخرج مسرعة.
ليقف ينظر إلى خطاها وهو يبتسم.
***
صعدت لميس إلى غرفتها لتجد نغم ونيرة ومعهن نجوى والصغيرة جوانا.
بمجرد أن رأينها ضحكن بمرح.
لتقول نيرة:
"إنتي وشك أحمر كده ليه وبتنهجي؟ إنتي كنتي بتجري بعد ما كتبوا الكتاب ولا إيه؟"
لتضحك نغم تقول:
"بس يا نيرة عيب تتريقي على لاموسا، أكيد بتنهج من طلوع السلم."
لتنظر لهم بغيظ وتقول:
"إيه هتستلموني إنتوا الاتنين؟ وبعدين إنتي بالذات بلاش إنتي، بقالك يومين محدش شاف وشك، شوفي كنتي بتعملي إيه فيهم مع فيصل."
لتضحك نجوى وتقول:
"بس يا بنات بلاش نقاركم ده، هي وشها أحمر من الحرارة، أصل سمعت في النشرة الجوية إن درجات الحرارة هتعلى بعد كتب كتاب لميس."
لتقول لميس بأدعاء:
"حتى إنتي يا نوجا؟ طبعاً ما إنتي ارتحتي أما اتجوزتي، كنتي خايفة لأخطف منك تيتو."
"طيب نيرة دي سايبة جوزها وابنها وجاية مصر تطمن عليكم فحالتها صعبة في بعدها عن جوزها وابنها."
"والبت التانية واضح كده إن فيصل مدلعها وطلع حنين عكس ما كنا مفكرينه."
لتبتسم نجوى وهي تتذكر فيصل حين كان محمومًا، كان ينادي على نغم بعشق في هلوسته، كان يتمنى أن تسامحه وتعود إليه. وهذا ما جعلها تعطي فيصل فرصة ثانية مع نغم دون تدخلها بالرفض.
***
بعد وقت ليلاً.
دخل فيصل يحمل صغيره النائم وخلفه نغم ليذهبا مباشرة إلى غرفة الصغير ليضعه بفراشه.
لينظر إليه ويبتسم بسعادة وهو يسمعه يتحدث وهو نائم عن لعبه مع الكلاب الذي حُرم منه اليوم.
ليقوم بنزع حذائه وتحريره من بعض ملابسه ليستطيع النوم براحة.
وقفت نغم على عتبة باب الغرفة تشاهد تعامل فيصل بحنان مع صغيرهم بسعادة تمنتها من أجل طفلها، ولكن لم تكن تتوقعها من فيصل بعد ما حدث بينهم بالماضي وتعامله الجاف معها سابقًا.
***
نام عصام على أريكة بتلك الشقة الدوبلكس التي يملكها بأحد الأحياء الراقية بالإسماعيلية.
وضع يديه خلف عنقه.
ليتذكر وقوع لميس على ساقيه قبل قليل. أغمض عينيه ليتخيلها ويدخل إلى روحه رائحتها الذكية، ليتذكر خجلها الذي يشبه العذراء في حياؤها، وإن كان هناك بعض العذروات لا يمتلكن الحياء.
ليبتسم، ولكن سرعان ما زالت بسمته وهو يلوم سذاجتها لما سلمت نفسها لذلك الكاذب.
***
انضم حكيم إلى جوار إقبال بالفراش.
لتستيقظ له وتقول:
"هي الساعة كام وإيه اللي آخرك؟"
ليرد حكيم:
"الساعة حوالي واحدة وربع، أنا كنت في سرايا عمي حافظ وسهرنا معاه بعد كتب الكتاب."
لتقول إقبال باستغراب:
"كتب كتاب مين؟"
ليرد حكيم باندهاش:
"كتب كتاب عصام، هو مقالش ليكي؟"
لترد بتعجب وانزعاج:
"لأ مقاليش، وإنتي ليه مقولتيش ليا؟"
ليرد حكيم:
"أنا فكرته قالك."
لتقول بتعصب:
"أنا مش عارفة سبب لأستعجاله الجواز من البنت دي، محسسني إنها صاحبة شأن كبير وهتطير منه. من يوم ما عمك أعلن عن خطوبتهم وهو متغير وسارح وراها على إيه معرفش. دا كان هيساعد اللي اسمه فيصل في البحث عن ابنه عشان خاطرها."
ليقول حكيم:
"عصام قالي إنه كان بيحبها من زمان."
لتنزعج إقبال وتقول بدهشة:
"هو قالك كده؟ بس مش دي اللي تليق بمستوى عصام."
ليرد حكيم:
"وليه متليقش بمستواه؟ دي جميلة ولها شأن."
لترد أقبال بانفعال:
"بس عندها إعاقة برجليها."
ليرد حكيم:
"بس دا مش عيب، دا كان قدر وكمان مش ملحوظ."
لترد بخُبث:
"وكمان ممكن تكون وقحة زي اللي اسمها نغم. شاهر قالي إنها بتتعامل معاه بطريقة فظة وهو متحملها عشان ميتقالش عليه زعلان إن عمك أخد من تحت أيده إدارة المزرعة وإنه طمعان."
ليرد حكيم:
"عصام حر وهو كمان هيسكن في شقته، يعني حتى لو وقحة فهتكون بعيدة عنك."
لتقول بانفعال:
"إيه؟ إنت بتقول إيه؟ هو مش هيعيش معانا كمان؟ أكيد هي اللي عايزة كده. ما لازم تسيطر عليه بعيد عني. متنساش إني أنا اللي ربيته وهو في مقام ابني، أنا مش هسمح بكده أبداً."
ليرد حكيم:
"عصام هو اللي عايز كده واتفق معاها ومع عمي حافظ على كده."
لتهمس وتقول:
"عمك؟"
"إزاي مفكرتش إنه هو اللي ورا عصام ويمكن هو اللي أمره بكده؟"
"أنا صبرت عليه كتير وقولت موت بناته هيهده، لكن متهدش. وهو بيكرهني يمكن أكتر من أم عصام الحقيقة. بس خلاص لازم هو كمان ينتهي، لأنه لو فضل أكتر من كده أنا هخسر اللي فضلت سنين أرسم ليه لما عصام هو اللي يتحكم في ثروة غُمرى كلها. بس واضح إنه عايز يجمع أحفاده، ودا مش هيحصل."
ليقول حكيم:
"مالك؟ روحتِ فين؟ بتفكري في إيه؟"
لترد إقبال:
"بفكر أكلم عصام وأقنعه ييجي يسكن هنا معايا."
ليرد حكيم:
"براحتك، بس أنا بقولك بلاش لأن واضح إن عصام واخد قراره."
"تصبحِ على خير."
لتصمت وهي تفكر بوضع نهاية لحافظ غُمرى.
***
شروق جديد بأحلام وآمال جديدة.
على طاولة الفطور جلس فيصل يحمل على ساقيه مجدي الذي تعلق بأبيه سريعاً.
كان فيصل يطعمه ويأكل هو الآخر.
لتنظر إليهم نغم مبتسمة تقول:
"إحنا هنفضل هنا قد إيه؟ مش هنرجع البيت؟"
ليرد فيصل:
"اسألي ميجو لو عايز يرجع، أنا معنديش مانع."
ليقول ميجو بطفولة:
"أنا مش هرجع، أنا أفضل هنا ألعب مع وعد ورعد وأركب الحصان مع بابا."
لتضحك نغم وتقول لفيصل:
"ميجو طالما في حيوانات هنا مش هيرجع للبيت، أنا بكلم جد."
ليرد فيصل وهو ينظر لها بعشق:
"إيه؟ زهقتي من إننا نكون لوحدنا؟"
لترد بخجل سريعاً:
"لأ، بس نيرة هتسافر بكرة بالليل وعايزة أفضل معاها شوية قبل ما تسافر."
ليرد فيصل:
"بسيطة، بكرة طول اليوم روحي هناك اقعدي معاها وبعدها نرجع هنا تاني."
لتقول نغم:
"إنت ليه عايزنا نفضل هنا لوحدنا؟"
ليمسك فيصل يدها يقبلها قائلاً:
"أنا عايز أبقى معاكي إنتي وميجو، أعوض السنين اللي فاتوا وأنتم بعيد عني، كتير عليا. أنا محسيتش إني عايش غير لما رجعتي لحياتي تاني ومعاكي أجمل هدية."
لتبتسم بحنان وهي تتمنى ألا تزول هذه السعادة.
***
دخلت ليلى على عصام مكتبه بهمجية.
تقول بتعسف:
"مبروك، سمعت إن كان كتب كتابك امبارح، بس ليه مدعتنيش؟ أنا أفرحلك مهما كان، إحنا أخوات من أب واحد."
ليرد عصام بهدوء:
"كان كتب كتاب على الضيق ومكنش فيه مدعوين."
لترد ليلى:
"ونغم وفيصل طبعاً مش مدعوين؟ دول حبايب حافظ غُمرى اللي بيجمع في أحفاده وناسي إن أنا كمان حفيدته."
"ما نغم صديقة حرم عصام غُمرى وكمان حرم حفيده التاني اللي بيحفر وراه من سنين ومصدق إنه يقرب منه بحتة بنت من الشارع ونسي إن أبوها قاتل بنته."
ليرد عصام:
"ليلى أنا مش فايق لسخافتك وعندي شغل كتير، فيا ريت تتفضلي."
لترد بتعسف:
"طبعاً أنا دلوقتي بقيت سخيفة، إنما وقت لما كان جدك محتاج لشاهر يدور لفيصل على أبنه استدعاه."
"ما إحنا زي المثل ما بيقول: في همهم مدعوين، وفي فرحهم منسيين."
ليقول عصام بتعصب:
"بس كفاية يا ليلى وبطلي سخافتك، إنتي مضايقة من إيه؟"
لترد ليلى:
"أنا حاسة إن جدو بيبعدني أنا وشاهر بقصد. ما هو اللي مش قريب منه ولا حفيده زي فيصل. ومتنسيش إن شاهر يبقى أقربلك، هو ابن خالتك."
ليغتاظ عصام عند ذكر اسم ذلك الحقير شاهر، ود لو سحقه. وقال لها أن من تنفعل بسببه ما هو إلا كاذب مخادع، اقتنص حقًا كان ليس من حقه.
ولكن لو قال لها ستدعي على لميس أنها هي من أغوته وتصدق ذلك الكاذب. ولكن الصبر، قريبًا سيضعه في مكانه بعيدًا عن أي أحد يقرب من عائلة غُمرى.
***
ليلاً.
بذلك المطعم البعيد.
جلست إقبال تتحدث مع منصور.
تقول له بأمر:
"المرة اللي فاتت أنا سامحت فيها لما رجعت ابن فيصل، بس المرة دي لو منفذتش اللي هقول عليه صدقني، أول مسمار في نعشك هبعته لبنتك فجر، وهو دليل قتلك لجوزها. حضرة الضابط!"
ليقول منصور:
"وإيه طلبك المرة دي؟"
لترد بهدوء:
"حافظ غُمرى يتقتل."
لينظر إليها مندهشًا قائلاً:
"إيه؟ عايزة تقتلي حافظ غُمرى؟ ليه؟"
لترد إقبال:
"متسألش، إنت جيب اللي ينفذ وخلاص."
"بس التنفيذ يكون بعد عشر أيام، بعد حفلة زفاف أحفاده."
ليرد منصور:
"قتل حافظ غُمرى مش سهل، دا تقريبًا البلد كلها تحت سيطرته هو وأحفاده، وكمان سمعت إن الناس بتحبه ومالوش أعداء. وقتله هيعمل بلبلة في البلد."
لترد إقبال:
"ودا هيضرك في إيه؟ طالما قدرت تكسب حفيده بعد ما رجعت له ابنه، وكمان أنا هساندك وقتها لما أسيطر على أملاكه بعصام."
ليبتسم بخبث.
لتنظر له وتقول:
"التنفيذ يكون ليلة زفاف عصام على المحروسة، حفيدته هيكون السرايا فاضية لأن هيكون الكل مشغول بالزفاف وهيكون لوحده بالسرايا."
لتنظر له وتقول:
"ياريت تنفذلي طلبته المرة دي مظبوط، لأن دي آخر فرصة ليك معايا."
ليقول منصور ساخرًا يبتسم:
"ودي هتكون هديتك للعرسان؟"
لتنظر له بشر وهي تنوي الغدر به قريبًا.
***
جلست ليلى على مقعد بغرفة النوم تدخن سيجارتها وتزفر أنفاسها بغضب.
لتجد شاهر يدخل عليها.
لينظر لها ليعلم من حالتها أنها غاضبة، أراد أن يتجنبها.
ولكنها قالت ساخرة:
"كنت فين من أول امبارح؟ ما دخلتش البيت."
ليرد شاهر:
"كانت مشكلة في مزرعة وفضلت هناك لحد ما حليتها وجيت."
لتضحك ساخرة تقول:
"إنت بتتفانى في شغلك عند حافظ غُمرى وهو كل تفكيره في أحفاده التانيين، وأنا وإنت خارج حسبته."
ليقول لها:
"إيه لازمة الكلام ده دلوقتي؟ عملك إيه جدك مضيقك منه قوى كده؟"
لترد ليلى:
"قول ما عملش إيه؟ عمل حاجات كتير، وآخرها كتب كتاب حفيد عيلة غمرى اللي واضح إنك متعرفش بيه."
ليقول بانزعاج:
"هو عصام كتب كتابه؟ هو ولميس؟"
لتضحك ساخرة:
"أيوا، والزفاف كمان بعد عشر أيام."
لينصدم شاهر ويفكر: هل أخبرت لميس عصام عن ما كان بينه وبينها؟
ليقول بارتباك:
"بالسرعة دي حددوا الميعاد؟"
لترد ليلى:
"عصام باشا ملهوف على ربه الصون والعفاف، تصور لما روحت أقوله ليه مدعناش قالى: إنتي مش محتاجة دعوة، أنا المفروض أنا اللي أدعي الناس لفرحه. موهوم! أنا نفسي إن عيلة غُمرى وأي حد يقربها يختفوا من الوجود."
ليقول شاهر:
"ومين اللي عرفك؟"
لترد:
"اللي عرفتني خالتك العزيزة إقبال، اتصلت عشان تتشفى بيا."
ليشعر شاهر إن هناك خطب ما حدث جعل هذا الزفاف يحدث بهذه السرعة، ويخشى أن تكون لميس أخبرت عصام ليساعدها، ويخشى أن يفتضح أمره أمام ليلى الآن.
***
ظلت الأمور هادئة.
قبل الزفاف بيوم.
بأحد المطاعم جلس عصام ينتظر تلك الضيفة.
لتأتي.
ليقف مرحباً بها.
لتجلس.
لتقول له:
"أنا عارفة إنك استغربت إني اتصلت عليك، أحنا تقريبًا متقابلناش غير مرة واحدة أو اتنين بالكتير، لكن أنا عارفاك من زمان. كانت لميس دايماً بتشكر فيك وبتقول إنك بتعاملها كويس من صغرها عكس إقبال وكمان ليلى اللي بتعاملها كأنها دخيلة على العيلة، والمفروض كانت تكون هي الأقرب ليها بحكم إنهم ولاد خالة."
ليرد عصام باحترام متألماً يقول:
"لميس طول عمرها غالية عندي."
لتبتسم نجوى وتقول:
"ودا اللي شجعني إني أطلب أقابلك النهارده."
"لميس مش صديقة بنتي، بس لميس عندي زي بناتي، بعتبرها بنتي التالتة، وكمان أسرارها كلها عندي، وأنا عرفت إنك عرفت بمشكلتها مع شاهر اللي كانت هي ضحية فيها بطيبتها وسذاجتها."
"أنا بطلب منك بصفتي أم ليها إنك تحكم ضميرك، لميس كانت ضحية ظروفها."
ليقول عصام بضيق:
"وإيه هي ظروفها اللي تخليها تتجوز واحد زي شاهر بعيد عن عيلتها وتخفي الجواز ده؟"
لترد نجوى:
"لميس فقدت أمها وأبوها وكمان أختها في حادثة، وهي كانت معاهم وهي الوحيدة اللي نجت من الحادثة دي."
ليرد عصام:
"أنا عارف كده كويس، أنا كنت واعي وقت الحادثة وشوفت تألم جدو وكمان تيتا تحية الله يرحمها."
لترد نجوى:
"لميس مكنتش لسه وعيت على الدنيا، بس الحادثة سابت لها جرح إنها طلعت للحياة من غير أم توعيها أو أب يسندها، وكمان الجرح التاني مشكلة رجلها اللي بتعرج بيها دايماً حسستها بالنقص عن غيرها. ودا خلاها تقع ضحية لأول واحد قالها كلمة حب، كانت مشتاقة تسمعها. مفكرتيش إنها ممكن تكون خدعة أو تسلية له؟"
لينظر عصام متعجباً:
"مشكلة رجل لميس؟ متقلل منها، عندها مميزات تانية كانت تقدر تستغلها."
لتبتسم نجوى وتقول:
"بس دي كانت مشكلتها ودايماً كانت بتعاني منها."
"أنا عارفة إنك إنت اللي ضغطت عليها عشان تتجوزك بالسرعة دي. لميس كانت مستنية تعرف رد شاهر وكانت هي اللي هتقولك وهتسيبلك الاختيار، حتى لو رفضت تتجوزها بعد ما كنت تعرف كانت هتتقبل قرارك."
"بس القدر إنك تعرف بالطريقة دي."
"قالتلي إنك قولتلها إنك كنت بتحبها من زمان ومخبى ومقولتلهاش."
لينظر لها عصام يقول نادمًا:
"ياريتني قولت لها من زمان."
لتبتسم نجوى وتقول:
"بتمنى ياريت."
"بس كلمة ياريت مابقاش ليها مكان، إنت قدام واقع حصل دلوقتي. أنا بطلب منك كأم إنك تتفهم وضع لميس وبلاش تكون ظالم لها أكتر. لميس زهرة بالاهتمام هتفتح وتزهر، وبيقى الياسمين أبيض مهما خانته الفصول. وأتمنى تكون فهمتني."
ليبتسم عصام بتفهم.
***
يوم الزفاف 💜
بغرفة لميس بسرايا جدها.
كانت تجلس نغم ومعها الصغيرة جوانا وأيضاً نجوى.
مع تلك البنات اللاتي يقومون بتزيين لميس ووضع اللمسات النهائية لها ويتركونها.
لتبقى بالغرفة.
لتقول نجوى بحنان:
"بسم الله ما شاء، طول عمرك جميلة يا لميس والنهاردة أجمل."
لتقول نغم:
"يا بختك يا عصام، وقعت على غزالة أنما إيه بغمزات تجنن."
لتبتسم لميس وداخلها يرتجف وتقول:
"غزال سابُه صياد بعد ما رجع لغزالته القديمة، واصطادها صياد تاني. الله أعلم هيعمل بيها إيه."
لتقترب نجوى بحنان:
"إنسي الماضي، فكري في الليلة وكوني سعيدة. أنا متأكدة عصام عمره ما هيضرك."
لتبتسم لميس وتقول:
"وجوانا ما هي من الماضي؟ هنساه كمان؟"
لترد نغم:
"يمكن هي حسنة الماضي وربنا يعوضها معاكي بقلب عصام."
لتبتسم لهن بأمل.
***
بعد وقت بأحد أفخم قاعات الزفاف بالإسماعيلية.
كانت تجلس بالكوشة ملكة متوجة، ولكن شعورها أنها ملكة مهزومة، مكسورة القلب تُزف.
كان عصام بداخله إحساسين، فهو من تمنى أن يفوز بها أصبحت له، ليشعر بسعادة طاغية.
ولكن يأتي الإحساس الآخر ينهي هذه السعادة، وهو إحساس الغضب والألم من أن ذلك الحقير قد امتلك قلبها قبله.
كانت نجوى تجلس جوار طاهر ومعهما أيضاً جوانا وميجو يجلسان على ساقيهما.
دخل منصور هو وابنته إلى الحفل.
كانت أعينهم الخبيثة تبحث عن فرائسهما اللذان يتمنيان أن يفوزا بهم.
رأى منصور فريسته تجلس جوار طاهر، لتلمع عيناه بخبث ويتجه إليهم ومعه فجر.
اقترب منصور من الطاولة.
ليقف يمد يده بالسلام لطاهر الذي وقف يحمل حفيده ويسلم على منصور الذي كانت عيناه تتفحص نجوى.
ليمد يده لها ولكنها لم تمد يدها قائلة:
"معلش مش هعرف أسلم عشان جوانا على إيدي."
ليشعر بالخذو ويتداركه ويقول:
"هو فيصل عنده ولاد غير ابنه؟"
ليرد طاهر:
"لأ، بس جوانا زي حفيدتنا بالظبط."
ليبتسم وهو يجلس إلى جوارهم يقول:
"أنا تقريبًا كل اللي في الحفلة حبايبي، بس أنا بصراحة حابب إني أقعد معاك."
ليبتسم طاهر.
لتجلس إلى جوار منصور فجر ويمتلكها الغيظ وهي ترى فيصل يحتضن خصر نغم التي تقف جوار العروس تهنئها.
كانت عيناها تنظر بغليل إلى تلك التي يضم خصرها وتبدو عليه السعادة بوضوح.
ك
كانت إقبال تشعر بالغيظ وتنظر إلى حافظ بحقد دفين، تتمنى أن تكون هذه ليلته الأخيرة، فو جوده سيجعل عصام يبتعد عنها وتخسر أموال وسيط عائلة غمرى، وستذهب إلى تلك الفتاة المقيتة، ستخسر التي ضحت من أجله يومًا وتزوجت هذا الرجل معدوم الشخصية الذي تمقته، وهي كانت تعشق غيره، ولكن كان عشقها للمال والسلطة أقوى لديها.
كانت ليلى تنظر إلى تلك الفاتنة وهي تجلس كالملكة، تكرهها دون دافع لديها.
كانت نظرات شاهر تتحسر، لم يترك هذا الجمال من يده يومًا، يشعر بالذعر لمجرد أن تكون أخبرت عصام بماضيها معه، فعصام ليس كوالده معدوم القرار، هو يشبه جده كثيرًا ويمتلك جزءًا كبيرًا من خبثه، كما أن من ربته هي إقبال لن يكون ملاكًا.
نظر باتجاه طفلته وتبسم، ليبعد نظره سريعًا حتى لا تشعر به ليلى.
ولكن هي رأت تلك النظرة لتشعر بنيران العجز تلتهمها، لثاني مرة تلاحظ نظراته لتلك الصغيرة، هل يتمنى أن يكون لديه طفلة مثلها؟
وقف عصام مع لميس يرقصان الرقصة الأولى معًا.
لتضع لميس قدمها على قدم عصام بناءً على طلبه ليدور بهم.
انضم إليهم بالرقص.
فيصل يحتضن نغم بتملك، يعلن أمام الجميع زوجته التي لا يعلمها أحد.
فليس هناك مناسبة أفضل من ذلك.
نظر إلى عينيها بعشق، تخيلها ترتدي الزي الأبيض وتبادله العشق، اختفى الجميع من حولهم، لم يبقى سواهما، تاه في نظراتها أجمل الأنغام، كانت دقات قلبها وهي بين يديه يدور بها.
هي امتلكت الكون، تشعر أنها ملكة هذا الملك العاشق.
كانت عين وجدي عين عاشق آخر، حزينة وهي ترى من عشق يومًا بين يدي رجل آخر، تبدو عاشقة وسعيدة، ليتمنى لها السعادة.
كانت فجر عين عاشقة، غلولة، تتمنى أن تصعق نغم وتختفي، وهي تراه يعلنها أمام الجميع ملكته.
كانت نجوى تشعر بالأشمئزاز من نظرات ذلك الوقح لها، وهي تتمنى أن يبتعد عن حياتهم هو وابنته.
اقترب الحفل على الانتهاء.
كانت لميس كلما اقترب الحفل يتنهي بتوتر، لديها شعور لا تعلمه، خائفة، مطمئنة، سعيدة، حزينة، يائسة، لديها أمل، جميع المشاعر لديها متضاربة. كانت نظراتها منصبة على طفلتها التي ستفارقها الليلة، تتمنى أن تكون معها لتعطيها القوة، ولكن نجوى أصرت أن تبقى معها هذه الليلة.
كان قلب عصام ينزف ألمًا من عشق ظل مدفون.
بقلبه ليبوح به بعد فوات الأوان، خائف أن يخطئ ويتملكه غضبه معها.
يكره وجود شاهر بالمكان، مجرد نظرة إليه يجعله يريد أن يقف يقتله دون تردد.
اقتربت نجوى من لميس تضمها لتشعر برجفتها بين يديها، لتقول لميس بحزن:
"جوانا؟"
لترد نجوى:
"اطمئني، في عيني. ربنا يسعدك."
لتبتسم لميس وتشد في ضمها.
انتهى الزفاف ليعود الجميع إلى بيته.
***
عاد فيصل برفقة نغم إلى تلك الاستراحة يحمل طفله النائم.
ليدخله إلى غرفته.
ويعود إلى نغم بغرفتهم.
ليجدها تجلس على الفراش تقول:
"أنا هلكت، أخيرًا الفرح خلص."
ليبتسم فيصل ويقول:
"للدرجة دي لميس تعبتك معاها؟"
لترد نغم:
"دي هلكتني أنا وماما."
ليضحك ويقترب منها ويضمها ويقول:
"نغم، مكنش نفسك في فرح زيها؟"
لترد نغم:
"أبقى كدابة لو قولتلك لأ، بس مش الفرح هو السعادة. يمكن الفرح الحقيقي هو إنك تحس اللي معاك سعيد بوجودك في حياته."
ليضمها أكثر ويرفع وجهها ويلتهم شفتيها ليهمس قائلاً:
"إنتي كل سعادتي يا نغم."
لتنظر إليه وتبتسم لترى بعينه نظرة عشق.
لتقول:
"هقوم أغير هدومي."
ليبتسم على الخجل الذي مازال لديها.
دخلت نغم إلى الحمام لكنها لم تغلقه كلياً، لتنزع عنها ملابسها وترتدي أخرى، لتفتح أحد أدراج الحمام وتأخذ تلك الحبة وتضعها بفمها وتخرج.
دخل فيصل إلى الحمام بعدها لينعش جسده بحمام بارد.
لفت نظره ذلك الدرج الذي لم يغلق جيداً.
ذهب ليغلقه.
ليرى ذلك شريط الدواء ليمسكه ويقرأ ما مكتوب عليه ليجد أنه مانع حمل.
للحظة تملكه الغضب، لماذا لا تريد أن تنجب مرة أخرى؟
شعر أنه مازال لديها الشك في حبه لها، غص قلبه.
لكن أعطاه الحق فيما حدث بالماضي لها معه.
خرج وجدها بالفراش، لدقيقة فكر أن يواجهها ويقول أن ما تشعر به ما هو إلا مخاوف، هي عشق قلبه.
لكنه صمت وقرر أن تثبت لها الأيام صدق مشاعره.
لينضم إليها بالفراش يتنعم بعشقها ويذيقها عشقه.
***
دخلت لميس إلى تلك الغرفة ليقف عصام خلفها.
يقول لها:
"الحمام أهو قدامك، تقدري تدخلي تغيري الفستان وتتوضي عشان نصلي وأنا هغير في الحمام التاني."
لتوافق وتتجه إلى الحمام في صمت.
لتغيب قليلاً.
ليقف عصام أمام باب الحمام يطرقه عليها يقول:
"لميس، ليه اتأخرتي؟"
لترد عليه:
"خلاص خلصت، هخرج أهو."
وقفت خلف باب الحمام تتنهد بألم، تشعر بالضياع.
لتتنفس وتخرج.
وجدته يقف قريبًا من الحمام.
نظر إليها لتقول بخجل:
"أنا خلصت، نقدر نصلي."
ليأمها للصلاة.
بعد الصلاة ودعاء الزواج.
اقترب عصام منها يقبلها بوله وعشق، وهي لا تشعر كأنها مغيبة.
ظل يقبلها ويصبغ جسدها بقبلة إلى أن اقترب يمتلكها.
ليضع رأسه بعنقها يتنفس سريعًا ويقول:
"بعذاب."
"مش قادر."
"صدقيني مش قادر، كل ما أفكر إنك سلمتي نفسك لوغد زي شاهر ببقى زي المجنون."
لينهض عنها.
ويقف متعصبًا وعيونه تلومها.
ليخرج من الغرفة ويتركها.
لتشعر لميس بخيبة أمل وتتأكد أنها أمام زيجة ثانية فاشلة، ليتألم قلبها.
رواية نغم سطوة العشق والانتقام الفصل العشرون 20 - بقلم سعاد محمد سلامه
دخلت ليلى البيت تبتسم ساخرة، تقول: "العارضة أتعمل لها فرح ولا ألف ليلة، بس الصراحة كانت ملكة الحفلة عن حق".
طبعاً مش هتبقى مرات عصام حكيم غُمري، وكمان حفيدة حافظ غُمري الصغيرة.
لتنظر إلى شاهر، تجده شارداً، لم يرد عليها.
لتقول بضيق: "بكلمك مش بترد، شارد في إيه؟ من وإحنا في الفرح وأنت شارد، حتى لما قولتلك نرقص جنب العرسان رفضت".
ليقول شاهر: "مش شارد ولا حاجة، أنا مصدع مش أكتر، هطلع آخد مسكن وأنام".
ليتركها، وهي تشعر بالغيرة من تعامل جدها مع لميس وتفضيله لها عنها.
بعد أن انتهيا من عشقهما، ما زال فوقها، ليقبلها ويتنحى عنها، نائماً على الفراش. ليقوم بجذبها معه لتنام على صدره حتى هدأت مشاعرهما.
ليقول فيصل بهمس: "نغمي".
لترد بهمس أيضاً: "أمّمم".
ليقول فيصل بسؤال: "نغم، ما نفسكيش في أخ أو أخت لميجو؟ مش معقول هيفضل وحيد".
لترتعش وتصمت للحظات، ثم قالت بقطع: "لأ، مش دلوقتي".
شعر فيصل بارتعاشها، ليقول: "ليه؟ ميجو عدى أربع سنين". ليرفع وجهها عن صدره وينظر إلى عينيها قائلاً: "أنا نفسي أكون عيلة كبيرة معاكي، مش عايز مجدي يبقى وحيد زيي".
توترت قليلاً، لتقول بمزاح: "أنت اللي وحدت نفسك، ربنا رزقك بأختين قمرات، وأنت اللي رفضت تقبل بيهم".
لينظر إليها مبتسماً، وأبهامه يمسد به على ذقنها قائلاً: "هما كانوا قمرات، بس فيهم واحدة متنفعش تكون أختي، لأنها لو كانت أختي، مكنش زمانها في حضني بالشكل ده دلوقتي".
ابتسمت بخجل صامتة.
ليبتسم على خجلها ويقول بتمني: "بجد يا نغم، نفسي في عيلة كبيرة".
لترد نغم لتنهي الحديث: "لو ربنا رايد، هيكون".
ليرن هاتف فيصل.
لتقول نغم: "مين اللي هيتصل دلوقتي؟"
ليرد فيصل: "مش عارف".
ليجذب الهاتف من على طاولة جوار الفراش وينظر له، ثم لنغم، ويقول باستغراب: "دا بابا".
لتقول نغم بلهفة: "رد عليه بسرعة".
ليفتح فيصل الخط ويرد، ولكنه انتفض يجلس على الفراش، قائلاً: "مسافة السكة، هكون في المستشفى".
لتبتعد نغم عنه، ويغلق الهاتف وينهض من على الفراش.
لتقول نغم بخضة: "في إيه؟"
ليرد فيصل: "بابا بيقول إن جدي انضرب عليه نار، وهو في المستشفى دلوقتي، وأنا هروح أشوفه".
لتلتف الغطاء حولها وتنزل من على الفراش، وتقول بقلق وخوف: "هاجي معاك".
ليقول فيصل: "ومجدى هنسيبه نايم هنا، وأما يصحى مين هيكون معاه؟"
لترد نغم: "هناخده معانا، وأسيبه مع ماما في البيت، أكيد هي هتفضل في البيت علشان جوانا معاها".
ليقول بموافقة: "ماشي، بس يلا بسرعة أجهزي، وأنا هلبس وأخد مجدي وأسبقك على العربية".
بعد أن تركها عصام بالفراش، لملمت حولها الغطاء، رغم حرارة الجو، إلى أنها شعرت ببرودة تغزو عظامها. ظلت نائمة، دموعها مجرى شلال.
لكن أتت إلى خيالها بسمة تلك الصغيرة، لتبتسم بتوجع وتمسح دموعها بيدها.
لتقرر الاتصال على نجوى.
جذبت الهاتف من على الطاولة لتفتحه.
نظرت بساعة الهاتف لتجد الوقت متأخر، للحظة قررت التراجع عن الاتصال، لكن بداخلها شيء أقنعها بالاتصال.
لتقوم بالاتصال على نجوى.
وللعجب، ردت سريعاً.
لتقول لميس: "أسفة إني اتصلت دلوقتي، بس أنا عايزة أطمن على جوانا، أول مرة تبعد عني".
لترد نجوى: "جوانا بخير، بس كويس إنك اتصلتي، أنا كنت هأتصل عليكي".
لترد لميس بقلق: "ليه، خير؟"
لترد نجوى: "مش خير، عمي حافظ انضرب عليه نار في السرايا، وهو دلوقتي في المستشفى".
لتنتفض لميس من على الفراش وتقول بقلق وألم: "جدو عامل إيه؟"
لترد نجوى: "معرفش، هما أتصلوا على طاهر، وهو أتصل على فيصل وقاله هيقابله هناك، والكلام ده من دقايق، أكيد لسه موصلش المستشفى".
لترد لميس: "طيب، أنا هقول لعصام وهنروحله فوراً".
بعد أن ترك لميس بالفراش، لم يقدر على البقاء معها، حتى لا يتعذب بدموعها التي رآها بعينها بعد أن ابتعد عنها.
ابتعد ونزل إلى الدور الأسفل.
جلس عاري الصدر على تلك الأريكة يتعذب قلبه.
ولكنه ندم وعذب ضميره وهمس لنفسه: "شاهر نجح في انتقامه مني، اللي فشل فيه مع ليلى، نجح بيه مع نغم".
ظل يتعذب ويتألم ويلومها ويلوم نفسه لتأخره في إعلامها بحبه، ليست وحدها المخطئة.
إلى أن دخلت عليه لميس تقول بلهفة وخوف ودموعها تغزو وجهها.
لتقول: "عصام".
ليقف للحظة، شعر بأن رؤيتها بهذا الشكل بسببه ضربت قلبه بمقتل، ولكن حين أكملت حديثها تقول: "أنا اتصلت على طنط نجوى، قالت لي إن جدو انضرب عليه نار".
وقف بهلع يقول: "إنتي بتقولي إيه؟ مين اللي انضرب بالنار؟"
لتعيد ما قالته: "جدو انضرب بالنار ونقلوه المستشفى، أنا هروح له حالاً".
ليقول: "هتروحي فين ببلبسك ده؟ ادخلي البسي، وأنا كمان خلينا نروح له بسرعة".
لتشعر بالخجل وتعود لترتدي ثيابها لكي يذهبوا إلى المشفى.
كان حكيم نائم، استيقظ على صوت هاتفه.
ليصحو ليرى من المتصل.
ليجد رقم أحد خدم جده.
ليرد سريعاً.
ولكنه ذُهل عقله حين استمع لما أخبره الخادم.
ليبعد الغطاء وينهض سريعاً بعد أن أغلق الهاتف.
شعرت به أقبال لتصحو وتقول له: "في إيه؟ مين اللي كان بيتصل دلوقتي؟"
ليرد حكيم بارتجاف: "دا واحد من خدم عمي حافظ بيتصل عليا، بيقولي إنه انضرب بالرصاص ونقلوه المستشفى".
لتبتسم بداخلها، ولكنها تظهر عكس ذلك، وتقول: "ومقالكش عن حالته إيه؟"
ليرد وهو يرتدي ملابسه: "لأ، مقالش، أنا هروح أطمن عليه".
لتقول أقبال: "هاجي معاك، مهما كان الخلاف بيني وبينه، فهو في الآخر عمك".
كانت ليلى بالفراش، لكن لم تنم، ظل عقلها يفكر، لما كان شاهر ينظر إلى تلك الفتاة الصغيرة؟ لثاني مرة تراه ينظر لها، هل يتمنى طفله مثلها؟ هل أصبح يشتاق أن يكون لديه طفلاً؟
كان شاهر أيضاً يجثو على الفراش يفكر في تلك الصغيرة التي شعر تجاهها بشعور ظن أنه افتقده حين فقد أخته الوحيدة التي كانت بمثابة ابنته، فهو تولى تربيتها بعد وفاة والديهما، ولكنها أنهت حياتها بنفسها بسبب قصة حب فاشلة، بسبب عدم شعور الطرف الآخر بها وإخباره لها أن هناك غيرها تحتل قلبه، ولم تكن سوى لميس حين علم بالصدفة.
في البداية، أراد كسرها بزواجه من ليلى، ولكن ليلى لم تكن سوى أكثر من أخت غير شقيقة يجمعهما الاسم فقط، فكانت لميس هي نقطة ضعفه، وبكسرها سيكسر قلب عصام.
لكن لم يكن يعلم أن طفلته قد تدفع الثمن هي الأخرى.
رن هاتف ليلى.
لتجذبه وتنظر إليه لتجده عصام.
لترد عليه باستغراب.
ليخبرها عن حادث جده ويغلق دون إطالة في الحديث معها.
أندهشت كثيراً في البداية.
لتقول دون وعي: "جدو أتقتل؟"
ليقول بتعجب: "شاهر مين اللي أتقتل؟"
لتقول له: "عصام هو اللي كان بيتصل عليا وقالي إن جدو في المستشفى وإنه انضرب عليه نار".
لتكمل بارتباك وخوف: "أنا لازم أروح له فوراً".
ليستغرب شاهر، فليلى ليس لديها شعور بأي أحد، وهذه أول مرة يراها خائفة على أحد.
كان أول من وصلوا إلى المشفى هما نغم وفيصل، اللذان ذهبا مباشرة إلى مكان تواجد طاهر.
لتدخل نغم بتلهف.
وهي، وفيصل، الذي قال بتلهف وخوف وألم: "بابا، جدي جراله إيه؟"
ليرد طاهر: "هو لسه في أوضة العمليات، ومحدش خرج من جوه يطمني عليه".
ليقول فيصل: "عرفت منين؟"
ليرد طاهر: "أنا أتصل عليا واحد من السرايا وقالي إن البوليس جه وعاين السرايا ونقل عمي حافظ لهنا، وأنا اتصلت عليك وجيت على هنا فوراً".
لتنظر نغم بقلق وتبكي.
ليضمها فيصل ويقول: "جدي قوي، واكيد ربنا هينجيه".
دخلت لميس ومعها عصام. بمجرد أن دخلت قالت بخوف وترقب وهي تبكي: "عمو طاهر، جدو".
وترمي بنفسها بحضنه باكية بشدة تقول: "جدو، أنا ماليش غيره، هو سندي، هو اللي بتحامى بيه".
ليمسد طاهر على ظهرها بحنان يقول: "ادعي له، ربنا ينجيه".
غار عصام بشدة من رميها بنفسها بحضن طاهر، أراد انتزاعها من حضنه وتمنى أن ترتمي بحضنه هو.
ولكن كالعادة، هو بعيد عن حياتها.
وربما ما حدث بينهم قبل قليل قد يبعدها أكثر.
بداخله نيران تحرقه من كل جانب، نار عشق يكتوي به.
ونار إصابة جده.
نظرتا إلى بعضهما، لتخرج نغم من حضن فيصل.
وتخرج لميس من حضن طاهر.
تتجهان لبعضهن ويحتضنان بعضهن، يستمدون من بعضهن القوة والصبر على تحمل ما حدث.
لتجلسان على أحد المقاعد أمام الغرفة، يضمان بعضهما ويبكيان.
دخل حكيم بتلهف وريبة.
ليقول عصام: "إنت عرفت منين وجيت إمتى؟"
ليصمت عصام.
لم يستطع حكيم التحمل، ليجلسه عصام على أحد المقاعد.
لتنظر إليهم أقبال وهي تتظاهر بالحزن برياء، وبداخلها سعادة، وتدعي أن يخرج من هذه الغرفة من يعلن نهاية حافظ غُمري.
دخلت ليلى ومعها شاهر.
توجهت ليلى إلى حكيم تميل عليه وتسأله وتقول: "بابا، جدو ماله؟ عصام قالي إنه انصاب بالرصاص".
ليصمت، وتجيبها نظرة عينه الحزينة.
لتجلس إلى جواره.
لتجده يفتح لها ذراعه لترتمي بين يديه تبكي بشدة، لا تعرف على ماذا تبكي، على وجع السنين التي عاشته، هي كل ما كانت تتمناه هو حضن يطمئنها ويد تنقذها من النيران، نيران تلهب قلبها منذ أن وعيت على الحياة، وجدت أم تبكي هجر زوجها، كبرت على مقتل أمها، وانتهت طفولتها لتشعر أنها أصبحت كقطعة الديكور، إذا وجدت لا تلائم المكان، وإذا اختفت كان أفضل.
فكانت تتمرد وتتمرد ليشعروا بها.
لتضم نفسها إلى أبيها بشدة، لأول مرة بحياتها تجده جوارها، أرادت ذلك كثيراً، لكنه كان بعيد بعيد عنها جداً.
نظر شاهر حوله ليجد الجميع موجود، نظر باتجاه عصام وجد الحزن يكسو وجهه بشدة، للحظة فرح كثيراً.
نظر إلى لميس ليجدها حزينة للغاية، ولكن هذا الحزن على جدها، لم يتشفى في عصام بعد.
ولكنه مثل الحزن أيضاً، أو ربما حزن قليلاً، فهذا الرجل تعامل معه برجاحة وأعطاه إدارة مجموعة من مزارعه.
ظلوا كثيراً من الوقت الذي لا يمر، كل منهم يفكر فيما هو خائف منه، ومنهم من فرحت، فطول المدة قد يعلن النهاية التي تريدها.
ليخرج أحد الأطباء.
ليقف الجميع ويتجهوا إليه بتلهف وخوف.
ليقول الطبيب: "المريض بين إيدين ربنا، وإحنا عملنا اللي علينا، بس وضعه للأسف ما زال حرج، وعليكم توقع الأسوأ".
وهو هيخرج دلوقتي لغرفة العناية الفائقة.
كانت كلماته كالسهام مصوبة إلى قلوبهم جميعاً.
بعد قليل خرج أمام أعينهم على سرير متحرك مغطى بالكامل.
نظروا إليه بتألم.
عدا أقبال، نظرت إليه بتشفى، تدعي أن تكون آخر مرة تراه بحياتها، هو لم يحبها يوماً، وكذا هي.
لتمر تلك الليلة السوداء.
شروق جديد.
الجميع ما زال بالمشفى.
دخل أحد الضباط أمام باب غرفة حافظ.
ليجد الجميع متجمع أمامها.
ليقول: "أتمنى للمصاب الشفاء العاجل".
"إحنا قبضنا على القاتل امبارح، وهو مش مسجل خطر عندنا، وقال إنه كان داخل علشان يسرق، وكان مفكر الكل خارج السرايا، لكن رجوع حافظ بيه والحراس، هما اللي مسكوه وهو بيحاول يهرب بعد ما حافظ بيه حاول يطلق رصاص عليه، وهو تفاداه، وده اللي نبه الحراس صوت الرصاص، لأن وجدنا مع القاتل سلاح مزود بكاتم للصوت".
"حضراتكم عندكم شك بشخص معين يكون خلف القاتل؟ وكمان كلكم مطلوبين للإدلاء بأقوالكم".
ليقول حكيم: "عمي مفيش عنده أعداء، أكيد زي القاتل ما قال إنه كان عايز يسرقه".
صمت الجميع وظلوا يترقبوا أمام باب الغرفة.
ليتجه طاهر إلى عصام ويقول له: "خد لميس وديها عند نجوى، وفيصل كمان ياخد نغم".
لتردا معاً: "لأ، إحنا مش هنمشي غير لما نطمن على جدو".
ليرد طاهر: "التجمع هنا مفيش منه لازمة، والدكاترة قالوا ياريت الهدوء".
"أنا هنا، لو حصل حاجة هتصل عليكم أعرفكم".
كانتا مصران على البقاء، ولكنهما استسلما ووقفتا لتغادران.
ليقول حكيم: "ياريت تاخدوا ليلى معاكم".
ليتفاجئوا، وكذا ليلى.
ليمد عصام يده لليلى لتقف هي الأخرى وتذهب معهم.
بكافتيريا المشفى.
جلست أقبال لتحتسي كوباً من القهوة.
لتسمع من يقول: "أكيد نفسك في كوباية شربات، وتكون القهوة اللي في إيدك دي على روح حافظ غُمري".
لتنظر إلى صاحب الصوت وتقول بسخرية: "وأنت إيه أمنيتك؟ إنه يعيش؟"
ليرد ببسمة: "موته من حياته متفرقش معايا، وإن كان موته أفيد أكيد، بس متفرقش كتير".
"بس حكيم منهار بصراحة، متوقعتش إنه يكون بيحب عمه، خصوصاً بعد جوازه مرتين على بنت عمه".
لترد أقبال: "قصدك إيه يا شاهر؟"
ليرد شاهر بسخرية: "ولا حاجة، بس اللي شايفه إنه عصام وأبوه، الحزن واضح عليهم قوي، يظهر إنك ربيت عصام، وفي الآخر جده هو اللي كسب حبه واحترامه".
لترد بغيظ تقول: "متنساش يا شاهر، إني ساعدتك في جوازك من ليلى، وكمان أنا اللي قولتلك إن اللي ساكنة قلب عصام هي لميس، لما سمعته بيطلب من جده إنه يسافر لها فرنسا ويرجعها معاه، وعملت حيل كتيرة ومنعت سفره لها وقتها".
ليرد شاهر: "وعملتي كده تكفير عن إيه؟ عن تركك ليا ولأختي واختارتي تجوزي حكيم غُمري علشان ثروته، واتخليتي عن أبويا اللي كنتي بتعشقيه من قبل أمي ما تتجوزه، لكن عشقك للمال والثروة خلاكي تدوسي على قلبك، حتى لما أمي ماتت وبعدها بمدة أم عصام ماتت بنفس المرض، سبتيني أنا وأختي وجريتي وراء المال والسلطة، وعملتي فيها المضحية، وإنتي كان كل هدفك اسم عيلة غُمري".
لتنظر إليه بغضب وحقد.
وهو يبتسم.
ليلاً.
عاد فيصل إلى البيت ودخل إلى الغرفة التي بها نغم، ليجدها تنام جوار طفلهم مستيقظة.
بمجرد أن رأته يدخل، نهضت تقول: "جدو عمل إيه دلوقتي؟"
ليرد وهو يجلس على مقدمة الفراش بعد أن يتنهد: "زي ما هو، لسه حالته حرجة، ربنا يشفيه".
لتقترب نغم وتجلس جواره وتضم نفسها إلى فيصل، ليزيد في احتضانها، ليتشاركا نفس الألم.
ظلت لميس ببيت طاهر.
لتنام جوار طفلتها تتنهد متألمة، تنظر إليها ترى حبات عرق على جبين طفلتها، لتقبلها وتشعر بحرارتها.
لتنهض مسرعة وتخرج من الغرفة وتذهب إلى نجوى.
لتدخل عليها وتقول: "جوانا عندها حرارة، في هنا خافض حرارة؟"
لترد نجوى: "أهدي، أيوا في هنا خافض حرارة، تعالي معايا".
لتذهبا إلى أحد الغرف وتأتي بترمومتر وذلك الخافض.
ليروحا إلى الغرفة، لتعطي لميس لطفلتها خافض الحرارة.
وتقيس درجة حرارتها نجوى.
لتقول لها: "متخافيش، دي 38.9، يعني مش عالية، هي تلاقيها من اللعب طول اليوم ومع حرارة الجو".
لتهدأ لميس.
نظرت نجوى إليها لتراها حزينة، مكسورة الفؤاد.
لتقول لها: "متخافيش، عمي حافظ إن شاء الله ربنا هينجيه، إنتي ادعي له".
لترد لميس بدعاء: "يارب، أنا ماليش غيره، لو جراله حاجة، أنا مش هيبقى حاجة، أعيش أنا وبنتي هنا في مصر علشانها".
لترد نجوى: "وعصام؟"
للتصمت بتوجع، فماذا تقول؟ إنه أهانها وجعلها تشعر أنها رخصت نفسها لذاك الحقير.
لتقول نجوى: "هو عصام قالك أو عمل حاجة ضيقتك؟"
لترد لميس وتقول: "كان إحساسي صح، عصام مش هيتقبل وجود راجل سابق في حياتي".
لتقول نجوى: "يمكن كدا في الأول، وبعد كدا يتقبل الوضع".
لتقول لميس: "لأ، في الأول ولا بعدين، أنا بمجرد ما هطمن على جدي، هنفضل وهسافر تاني أنا وجوانا، حتى لو شاهر معترفش بيها، هعيش أنا وهي في فرنسا، هناك هي معاها الجنسية بحكم ولادتها هناك، وكمان مش هيبقى مطلوب اسم في خانة الأب".
لتشعر نجوى بالأسى على لميس، صاحبة القلب الموجوع، وتداري وجعها خلف بسمة تصطنعها.
عاد عصام إلى سرايا جده يشتاق إلى لميس، يتعذب قلبه، فعندما كانت بعيدة عنه كانت قريبة لقلبه، وعندما أصبحت قريبة منه، أبعدها هو بغضبه الذي تحكم به.
تذكر قول أخت شاهر له، يوم أن قال لها أنه لا يبادلها الحب، وأنها بالنسبة له ليست أكثر من أخت كالليلى، وهي ما زالت صغيرة، وأن ما تشعر به تجاهه وهم وإعجاب لا أكثر.
لتقول له: "إنت بترفض حبي ليك، بس في يوم هتتعذب بالحب زي ما أنا بتعذب بحبك، بتمنى إنك تقع في حب واحدة وهي تكون بتحب غيرك وتبعد عنك، بتمنالك تتعذب زي بالحب".
وكأن قولها لعنة أصابته، فها هو الآن يتعذب بالحب، لمن أحبها قلبه تمناها دائماً وأبداً، ولكن بلحظة غضب قد يضيعها من بين يديه.
دخلت ليلى إلى تلك الغرفة التي لم تطأها قدما منذ أن قتلت والدتها.
لتجد الغرفة مرتبة ونظيفة.
لتتجه إلى ذالك الدولاب لتجد به ملابس والدتها موضوعة كما كانت، كأنها لم تفارق الغرفة.
جذبت بعض قطع الملابس تشمها، لتتنفس رائحة والدتها بها.
لتذهب إلى تلك الصورة الموضوعة جوار الفراش.
لتأخذها وتجلس على الفراش تمسد بيدها على الصورة وتبكي بكاء شديد، تتمنى أن تخرج من الصورة وتضمها هي الأخرى. لتبتسم وهي تتذكر احتضان والديها لها، بفرحة طفلة سلبت طفولتها.
لتقول: "عارفة يا ماما، بابا حضني النهارده، أنا كنت محتاجة لحضنه، أنا مش بكره جدي ولا بكره بابا، حتى عصام مش بكرهه".
ليرد عليها: "وإحنا مش بنكرهك يا ليلى".
للتنظر إلى الصوت لتجد عصام يقف على عتبة الباب.
ليدخل ويذهب إلى الفراش ويجلس جوارها.
ليقترب منها ويضع إحدى يديه عليها يضمها.
لتقترب منه أكثر وتضمه هي الأخرى.
ليقول لها: "ليه مرحتيش مع لميس ونغم بيت فيصل؟"
لترد ليلى: "أنا اتكسفت بصراحة، عمري ما كان ليا اختلاط بفيصل ولا لميس، حتى لما كنا بنتقابل كنا بنتجنب بعضنا".
"بس أقولك على حاجة؟ أنا غيرت النهارده من نغم ولميس لما شوفتهم بيواسوا بعض، كان نفسي يضوموني معاهم".
ليزيد عصام في ضمها.
لتشعر أنها كانت مخطئة حين غارت من أخيها، وكانت دائما تبتعد عنه، فهو يمتلك قلب كبير.
أما هو، فشعر بهدوء نفسي، ليلى كالميس، الاثنتان كانتا تبحثان عن الحب والشعور أنهما محبوبتان، وللأسف الاثنتان وقعتا بوغد حقير استغلهن للانتقام.
ولكن حان الوقت أن يغادر حياتهن، فبعده عنهن أفضل شيء.
بالمشفى ظل طاهر وحكيم بعد أن غادر الجميع وتركهم.
ليجلسا معاً لأول مرة ليتحدثا حول حافظ غُمري، ويتذكران معاملته لهم.
ليقول حكيم بندم: "أنا غلطت كتير في حقه، ومع ذلك عمره ما عاتبني، حتى لما اتجوزت على بنته، ساب الاختيار لها وقالي لو هي اختارت تفضل معاك مش همنعها، وهي للأسف اختارتني لأنها كانت بتحبني، وأنا كنت موهوم بحب تاني، وكنت ببعد عنها علشان محسش بالألم والعذاب، بس أنا كنت غبي لما بعدت عنها، ندمت في وقت الندم مكنش يفيد حاجة، تعرف إني بشتاق لها وبروح أزور قبرها دايماً وأطلب منها السماح".
نظر طاهر إليه باستغراب.
ليقول له: "قدامك اللي ممكن يخليك تشعر بالسلام".
لينظر حكيم إليه مستغرباً.
ليقول طاهر: "ليلى، روح ابتهال إلى لسه موجودة معاك، قرب منها".
رغم أن هذه أول مرة يتحدث مع طاهر، إلى أنه شعر معه بالراحة، هو كان يمقت دائماً، يشعر بالغيرة منه لأن من أحبها أحبت هذا الرجل.
لكنه يعترف الآن أنه كان وما زال يستحق هذا الحب والاحترام لشخصيته المتفهمة والمعطاءة.
كان حافظ بسكرته.
يرى بناته صبيات قبل أن يكبرن.
يلعبن ويمرحن حوله بحديقة سراياه.
كان يجلس مع زوجته يبتسم على لعبهن بين الزهور.
كانتا ثلاث زهرات جميلة لا يعلمن ما تخبئه لهن الأيام، ليقطفهن الموت سريعاً، ويتركانه مع زوجته يتجرعان معاً كأس المر بفراقهن صغيرات.
حتى من رافقت وذاقت معه من نفس الكأس هي الأخرى تركته، ليظل وحده يتجرع من هذا الكأس، ولكن هل حان وقت الذهاب إليهن؟ لا، ما زال ما يريد أن يراه قبل أن يفارق ويذهب إليهن.