نهضنا من مكانا متوجهين لغرفة روان. صعدنا الدرج وفتحت الدرج الذي وضعت المذكرات فيه وطلعت المذكرات. وقعدت بالأرض أقلب الأوراق بسرعة أريد أوصل للسطور. عيوني تقرأ سطر وتعبر سطر. لحد وصلت لجملة كاتبتها: (وصلني تحسين لكندا لبيت أخت رعد اسمها أم زهراء) قريتها لرعد بصوت عالي. : يعني تعتقدين موجود عند أم زهراء؟ : أنت شتقول؟ : احتمال قوي يلجأ لأخته تربي بنته وترعاها وبنفس الوقت يعمل بكندا عند العرب. ومراح الدولة تحس بيه.
: لازم نعبر لكندا ونحجي ويه أخته. : قبل هذا ناخذ العنوان من تحسين ونفهمه مجرد زيارة تعارف. : حبيبي هذي عليك أنت تقنعه. : بسيطة باچر أروح له للمحطة اللي يعمل بيها، وإذا حصلت العنوان أجي عليج آخذج. : وآخذ ماما ويانا، يمكن من تشوف حالها تحجي وتدلينا عليه. : أوكي اتفقنا. دكومي هسه ننام لأن بديت أغفى وأني قاعد. : ما أعتقد راح أقدر أنام. أبقى للصبح أفكر وأتأمل. ما أصدق أشوف نوارس وآخذها بحضني مثل ما كنت آخذ روان بحضني.
: دكومي فكري وأنتي بالسرير. نطرت الصبح وعيني على ساعة الموبايل. أدعي بداخلي ما يخيب أملنا. (يا ربي هذا آخر أمل. يا رب لخاطر الطفلة. ساعدنا يا رب) صارت بالستة الصبح، سمعت صوت ماما طلعت من الغرفة. تسحبت من فراشي حتى لا يقعد طلال. ورحت أشوفها. دخلت للحمام تتوضأ وطلعت عيونها وارمة وقوة تمشي. باوعتني وحجت بصوت مبحوح: : تعالي قيسي ضغطي. : حاضر ماما. بين ما دخلت وجبته لقيتها على سجادة الصلاة راكعة وتبجي.
خلصت، اقتربت منها وقعدت. خليت الجهاز على إيدها وانتظرت صوته يسجل القراءة الأعلى: : ضغطج صاعد. لازم تاكلين وتاخذين العلاج. حضرت لها الريوك وجت على الميز تاكل بلا واهس. وحتى أساعدها وأبث الأمل داخلها، حجيتلها عن روحتنا لكندا. : شوكت تروحون؟ أروح وياكم؟ : فد شوية يقعد طلال ويروح على تحسين لعمله. : أني أروح على تحسين وأبوس إيده ورجله همين بس ينطيني العنوان. : ماما حتى بلا عنوان هم نعبر لكندا ونسأل (بونزر)
عن أم زهراء أرملة عراقية عايشة لوحدها، أكيد نلقى ناس تعرفها. : لعد ما حجيتي من زمان. : البارحة قعدنا نسولف أني وطلال. أشوف قال نعبر لكندا تذكرت أخت رعد. : لعد قعديه لطلال خليه يستعجل. : يووه طلال عنده أذبحية ولا تقعديه من النوم، عبالك داخل مسابقة مال نوم، أول ما يحط راسه ينام. يله أروح أقعده. قعدت طلال بالقوة. يله قعد. وبعد الريوك طلع وياه ماما. وأني حضرت الجوازات وأغراض بسيطة للسفر. وخليت تلفون روان ومذكراتها بجنطة.
وبقيت أنتظر تلفونهم إلي. وبهالوقت اتصلت ملاك وخبرتها عن سفرتنا. : يا ربي تلقوه. : فدوة ادعي ويايه ما تتصورين حالة ماما البارحة. : مو بس حالة ماما آية، أني من يوم سمعت صوتها بالفيديو أنام وأصحى على دمعة. ختمت القرآن إلها ثلاث مرات. وطبخت للعمال ثواب إلها ولوالدي. وإحساس التقصير موجود ويزيد يوم عن يوم. آية: وأني نفس الإحساس عندي. والحمل مأذيني. ومرض ماما، ومشاريع طلال اللي كلها حساباتها أني مبتلية بيها.
: الله يعينج. أقولج أني العصر أجي عدكم حاسة بالوحدة. والحمل عبالك هالمرة صار أطول. : هلا بيج. تعالي مدام جمعة نسولف ونسهر شوية. : أوكي يله روحي كملي أخاف عندج شغل. طلال أخذت أم ملاك للمحطة وطول ما هي قاعدة تدعي وتتوسل بأهل البيت. لحد ما وصلنا أمام المحطة شافت تحسين من زجاج المحطة. فتحت باب السيارة قبل لا أنزل أني. نزلت بسرعة وراها، تلاحقتها قبل لا تدخل. : حجية أخاف عنده زبائن بدون عصبية أحجي وياه.
: لا يمه عليمن العصبية ونفرج الناس. فتحت لها باب المحطة حتى تدخل. تحسين من شافنا عرفنا وحس بالمغزى من ورا جيتنا. تحرك من خلف الكاشير اللي أمامه. وأجى على الحجية وأخذها من إيديها يساعدها تقعد على كرسي. : تفضلي قعدي حجية ارتاحي. : تريدني أرتاح؟ دليني على عنوان أخت رعد. ولك تحسين بنتي ماتت وانحرمت منها. لا تحرمني من ضناها. ولك أنت شفت وصيتها وسمعتها. قلي وين ألقاها؟ وكأنما كان منتظر جيتنا حتى يريح ضميره.
: حجية الله يساعدج. هسه أكتب لكم العنوان. هو قريب من الجسر بين أمريكا وكندا. : رحمة على والديك. : دقيقة أكتب العنوان. راح أخذ ورقة وكتب بيها العنوان وانطانياها. دخلت العنوان بالغوغل ماب راساً بتلفوني، المسافة عشرين دقيقة. بوسته وشكرته. : مشكور ما قصرت. يله حجية. : الله يخليكم لا تجيبون اسمي، الوالد ما يريد مشاكل. : اطمئن ما نذكر اسمك. يله حجية. صارت عدنا همة ودافع قوي للسفر. بالسيارة اتصلت بآية.
: جايين عليج هسه. وحصلنا العنوان. : يا الله الحمد لله. يله عيني أنتظركم. بخمس دقايق وصلنا لآية. صعدت ماخذة وياها جنطة. : ليش وين رايحين وماخذة جنطة سفر؟ : هذي شغلات حضرتها روان لبنتها قبل لا تموت. وألعاب أريد أخته تشوف وتتحرك الإنسانية داخلها. وعلى الأقل تتصل بأخوها وتقول له اللي تسويه حرام. ذولي أهلها ما غلطوا وياك، أنت اللي غلطت بحقهم ودخلت بيتهم وآمنوا بيك لحد ما أغويت طفلة مريضة. ثارت عليها أمها مجرد كملت كلامها.
: أقولج آية احنا ما رايحين نتعارك. نتفاهم ويه المرة بلكي تحن على حالنا. من هسه أقولج لسانج الزميه وأني وطلال نحكي. : حجي خالتي صحيح. العصبية والعرك هي اللي وصلتنا لهنا. آية وتحول الحديث إلى رسم سيناريوهات بين ماما وطلال. وكأنما يقولوا لي أنتي السبب. انشغلت عنهم بمشاهدة الجسر اللي يربط أمريكا وكندا وأني أشوف ارتفاعه كل ما نقترب مسافة يعلى أكثر. بحيث حتى الضغط يصير بيه اختلاف.
وممكن تشاهد الجانب الكندي وأنت بعدك على الجسر. وأول مشهد هو الكازينوهات العملاقة للعب القمار والعروض الفنية. من جمالها ويه نفسي تمنيت غير هذي الظروف اللي أني بيها. وأفتر وأدخل هذي الكازينو أتفرج. وصلنا نقطة الحدود وسلمنا الجوازات. دققها الضابط ورجعها النا. دخلنا لكندا. وحسب العنوان بالغوغل ما أخذنا وقت طويل. لحد ما وصلنا أمام بيت قديم. وقف السيارة طلال أمام البيت. طلال: حجية أنتي انزلي ودقي الباب.
أخاف تشوفنا تخاف، بس من تشوفج راح تعرف عراقية وتفتح الباب وأني شوية أقدم السيارة. : خوش نزلني وقدم سيارتك. نزلت ماما وأني أراقب من الزجاج. دقت الباب وانتظرت ردت.. دقتها مرة ثانية. انرفعت البردة.. ما شفت منو. بعدها انفتح الباب وطلعت مرة كبيرة تحجي ويه ماما من خلف الباب الثاني اللي يكون عبارة عن شبكة. : أني نازلة طلال. بدون ما أنتظر رده نزلت وركضت المسافة لباب البيت لحد ما وصلت يم ماما أستمع حجيهم.
: جايين من ميشيغان ما يصير ما تفتحين الباب. اعتبرينا خطارج. والله شاهد كلشي ما عدنا وتخافين منه. : مو أخاف بس. : بس شنو؟ رعد منبه عليج ما تدلينا على بنت بنتنا. بدينج.. بصلاتج.. ترضيها؟ قلوبنا مشلوعة عليها صار سنتين. إذا هو خسر مرة احنا مرتين. خسرنا بنتنا الطفلة.. وخسرت بنتها. : حجية الله يخليج بداعة أولادج وأطفالج افتحي الباب. فتحت الباب وهي تراقب السيارة. : منو بالسيارة؟ : رجل بنتي، إذا ما عندج مانع يدخل.
باوعت بعيونه وتلفتت وبعدين قالت خلي يدخل. أشرت له تعال. نزل قفل السيارة وأجى فتحت له أني الباب الثاني. ودخل ويانا للصالة. وأم زهراء واقفة مقابيلنا من ارتباكها ما قالت تفضلوا قعدوا. : شلونج حجية؟ : هلا بيك ابني. تفضلوا قعدوا. قعدنا.. وهي راحت تجيب شي من المطبخ. تجولت بنظري بالبيت. في صور أطفال على ميز التلفزيون. كلها قديمة إلا صورة وحدة. دغني طلال بإيده.. انتبهت عليه. : باعي على الغرفة الثانية شنو؟
انتبهت في ألعاب مبعثرة. ومنها آلة موسيقية تناسب عمر نوارس. وفي صورة منفصلة لروان ورعد ومعاه طفلة شعرها نفس شعر روان من كانت بنفس العمر. قمت من مكاني بعد ما أتحمل. وبحجة أساعدها. : لا تتعبين نفسج حجية. أخذت منها أكواب القهوة وهي تحجي ويايه. : ما مسوية شي هي قهوة مسويتها من الصبح. وهي تفتح الكاونتر وتطلع صينية. بالمطبخ علامة ثانية. الكاونتر بيه سريل أطفال. وصحن وكوب وخاشوكة للأطفال تجي سيت واحد غاسلتهم وضامتهم.
رجعت لمكاني وأضغط على أعصابي حتى أسكت بالقوة. قدمت الصينية. : حجية هذي صورة نوارس ويه رعد. التفتت وجاوبت: : أي هذي صورتها. بعد ما قدرت أسكت. : خالة هي عندج تعرفين وين؟ : اعذروني ما أقدر أجاوب. طلال باوعني يعني اسكتي وهو حجه. : حجية إذا احنا نعذرج. ربنا ما يرضى وما يعذرج أبد. روان تركت وصية مصورة توصي اللي يربي بنتها أمها وأخواتها. وأنتي تعرفين الوصية لازم تتنفذ هذي ذمة. ردت على طلال وهي تضغط على أصابعها ومدنقة.
: هذي شغلة بينكم وبين رعد أني ما أدخل. وما أقدر أنطيكم عنوان. وبعدين تخبرون عنه وهو يروح للسجن والطفلة تتحول للحكومة. تركت الكرسي وجيت قعدت على الأرض قبالها. : حقج باللي تقوليه. بس خلي أراويج شي. فتحت الجنطة وطلعت الثياب. : حجية باعي هذا الجهاز الطفلة اشترته روان هي ورعد وخلته عندي. لأن تريدني أني أربي بنتها. حتى هذي رعد استخسرها عليه. والملابس ما لبستها خالة. فدوة أروح لج.
انطينا رقم تلفونه على الأقل. نحجي وياه نسمع صوتها. باوعت بعيني ولملابس الطفلة اللي ضامتها لصدري. ورق قلبها علينا. : هذا بسيطة. انطت الجهاز لطلال. : طلع رقمه من الجهاز. وهو يطلع الأرقام ماما وقفت وأخذت الصورة لنوارس تبوس بيها وتضمها وتبجي. رحت يمها ونفس البجي. الصورة واضح بيها الملامح ترجع لأمها. العيون والشعر والضحكة. عمرها هسه سنة وثمن أشهر. وتبين أصغر. طلع الرقم طلال. : هذا الرقم. بكندا. راح أتصل بيه.
وقف.. وهو يخزن الرقم. وقفنا وياه. دار وجهه على الشباك.. ويحرك إيده بطرقات خفيفة على التدفئة ترقب وانتظار. رعد بعد وفاة روان تغيرت كل حياتي. ما عدت أجد البهجة والعنفوان بداخلي. مات كلشي يدفعني أتمسك باچر. وشعور بالذنب اتجاه روان حولني إلى إنسان ما يشبه الأحياء إلا بالنفس. فقط عايش لوجود بنتي. والمحاكم والمشاكل مع أهل روان. وخوفاً من أدخل السجن وتضيع بنتي بالسستم والبيوت المؤقتة. أخذتها من المستشفى.
وعبرت الحدود الأمريكية الكندية بجواز ابن أختي أم زهراء. وأعرف أهل روان راح يندلون أم زهراء في يوم ما. سكنت في منطقة تبعد عن بيت أختي ساعة ونص. ولجأت إليها في كثير من المواقف التي ما أعرف أتصرف بها مع طفلة، مثل الأسنان، الحمى، الرضاعة، الأكل، المشي. كنت أتركها عندها أيام وأعمل في البحر بسفرات تستغرق أسبوعين، ومن أرجع آخذها لشقتنا.
وحده البحر يشهد على ألمي وندمي، وعلى حبي اللي اندفن وظل شوقي إليها يعبث بأرجاء حياتي. وياما اختلط دمعي بموجه وهو يشاهد حسرتي على خيالها المرسوم أمامي. ضايع بمعنى الكلمة، والنهاية لقصتنا انتهت بالنسبة لها. ونهايتي كل يوم تتجدد بعذاب أكثر. تتجدد مع شوفة نوارس، ومع مناداتي لها (بابا) ما أسترجي أقول (بيبي باباتي) ، هالكلمتين لها لروان وبس. أنازع الذكريات والهروب يجدد الذكرى.
مع الأيام وأنا أشوف بنتي تكبر، وتحتاج بيت واستقرار. وتحتاج وطن، هي انولدت بأمريكا، وعمرها صار قريب من عمر الروضة. وراح يسألون عن سجل تلقيح، عن دكتور العائلة، عن التأمين الصحي. وهواية أمور ما أعرف كيف أدبرها. أحيانًا أم زهراء تروح لأولادها وأنا أحتاج أسافر للعمل. أتركها عند جيراننا اللي يسألون: "ما عندك أقارب؟ "ليش عايش بكندا وتارك أمريكا؟
كل مرة أرجع من العمل أقرر أرجع لأمريكا أسلم نفسي، وأتراجع خوفًا من السجن وخشية على بنتي. لحد يوم الصبح نايم بالشقة، أجاني اتصال من رقم أمريكي. جاوبت: "ألوووو منو؟ "أنا طلال، شلونك أبو نوارس؟ صحتك؟ أحوالك؟ قعدت من نومتي وتعدّلت بالسرير: "هلووو طلال، شلونك أنت؟ الحجية شنو أخبارها؟ "متصل بيك بخصوص الحجية، حالتها الصحية كلش متدهورة. من يوم وفاة روان وكل اللي تريده تشوف نوارس، وأنت بكيفك ظلت." "أنا ما أقدر أدخل أمريكا."
"حاليًا احنا بيت أم زهراء، ما تسأل منين أخذنا الرقم، وانطيني العنوان أجييك." "احنا تقصد منو؟ "لا تخاف رعد، احنا قصدي أهل مرتك روان، الهم حق يطمئنون على بنتهم، وأقسم لك بالله وبيته ما جايين نستدرجك أو نخدعك، وأنت حدد المكان اللي تريده." صفنت بحكيه وهو بعده يكلمني: "أبو نوارس لا تحير، احنا أهل، وفي عندنا فيديو لروان موجه لك قبل لا تموت، نريدك تشوفه." "أي فيديو؟ شنو بي؟
"بيه وصيتها، تعرف المرحومة كانت مو قوية بالكتابة، اختارت تصور." "هالحكي جديد ما سامع بيه، منو قال الفيديو حقيقي؟ "أوكي، أسهلها عليك، راح أرسل لك الفلم خلال ثواني، والله يعينك على القهر بعد ما تشوف وتسمع." "أرسل لي الفيديو هسه حالًا." "تدلل، بس توعدني بعد ما تشوفه تجيب نوارس نشوفها." "إن شاء الله." انتهت المكالمة، وظليت لازم التلفون، أنتظر يجي الإشعار. عيوني مفتوحة، وإيدي ترجف. وأتساءل: يا ترى الفيديو حقيقي؟
فعلًا في وصية لروان؟ كيف وصّت أخواتها يربون نوارس وهي كانت تعاني من ضغطهم عليها؟ وكيف وألف كيف لحد وصل الفيديو؟ قعدت على الأرض. أصابعي تمددت نحو التشغيل برجفة، وقصتي عرقت. مددت رجليّ، وخليت الجهاز أمامي بصورة عمودية على وسادة. شغلته، قلبي انفطر وأنا أنظر روان تحكي وتضحك وتتحرك. نزلت دموعي وبجيت مع كل كلمة، وتحول البكي عويل وضرب على صدري. اللي أتمنى أضمها إله وما أخليها تروح مني.
يا ريت عندنا قوة نصارع الموت، كان صرعته وما خليته ياخذها من أحضاني. تقول اسمي بالفيديو وتبتسم، رغم مرضها وضعفها. توجه كلامها لنوارس وتقول لها أنا أمك. وتحكي مع أخواتها وتوصيهم بنوارس. ضربت على راسي باثنتين إيديّ، وتركت لنفسي حرية العقاب. وأنا أسمعها تقول: "ما أسامحكم إذا تركتوا وصيتي." (صار روان، صار باباتي بيبي، مثل ما تريدين صار.)
انتهت فيديوهات الثلاثة، وبقى صوت عويلي اللي صحى نوارس مرعوبة وأجت لحضني تبكي وتصيح بابا. ضميتها بكل حناني ومسحت دموعها. "لا تخافين بابا، حبيبتي نوارس، هاي ماما شوفيها." "نوارس، افتحي عينك، شوفي هذي أمك، هذي حياتي، هذي مرتي." أحكي وياها وما أقدر أسيطر على دمعي. انتبهت نوارس على الفيديو وبكل براءة وفطرة، قربت إصبعها من الشاشة وحركته على وجه روان بكل الاتجاهات وكأنها تدورها.
ما تحملت المنظر، تركتها مع الفيديو وحبست نفسي بالحمام أبكي بكل ما بقى بداخلي من إحساس. قعدت بأرضية الحمام، أبحث عن سبيل، عن حل. حريق بداخلي يزيد ويتركني مع رماد يجوي. الموت نهاية بلا رحمة، بلا عودة، بلا استبدال. أريد أشوفها ثواني، مجرد ثواني. الشوق ذبحني بلا موت. مرت ساعة أو أكثر عليّ بنفس الوضع. سمعت خطوات نوارس بالشقة تركض تدور عليّ وتصيح بابا. فتحت الباب لها، غسلت وجهي ووقفت يمي. شلتها وطلعت.
بدلت ملابسها، وحضرت جنطة صغيرة لها، خليت بيها أكل، جبس، وعصير. وبدلت، اتصلت بطلال: "طلال، أنا جاي بالطريق، وياي نوارس." "ننتظرك أخوي." نزلت نوارس بإيدي من الدرج، وخليتها بكرسي الأطفال بالسيارة وهي تعرف تلبس حزام الأمان وأنا أساعدها. سديت الباب، وأخذت مكاني بالسيارة، وتوجهت للطريق وعيني على نوارس. ما أريدها تنظلم، ما أريدها تضيع، والتضحية لازم تجي مني. أنانيتي هي اللي أخذت روان مني.
بالطريق أفكر بنوارس، بمستقبلها، بمصيرها. إذا انسجنت، خالاتها راح يهتمون بيها. روان أكيد وصّت بأخواتها لأن تعرف راح يحافظن عليها. وأكيد حكيها عنهن قبل كونها مراهقة تبحث عن الحرية. وأكيد وجودي بحياتها عقّد حياتها أكثر مما سهلها فتمردت على أخواتها، لكن الأمومة خلتها تعرف أي عائلة تحرص على أطفالها يمكن تختار الأسلوب الخطأ لكن الهدف هو الحفاظ عليهم.
قنعت نفسي واسترجعت مواقف ملاك مع روان وحرصها على امتحاناتها وغيرها من المواقف وصلتني لسؤال لنفسي: لو نوارس مرت بعلاقة مثل روان بنفس عمرها وعمري؟ راح أبارك هالعلاقة؟ جاوب ضميري: أخاف عليها، وراح أمنعها. ملاك وآية ما غلطوا إذا بهالتفكير. أنا اللي غلطت بالتوقيت واختيار الهروب وسيلة للظفر بحبيبتي. وصلت لبيت أم زهراء. واقفين أم ملاك وآية وطلال بره والجو بارد. آية ما صدقنا من سمعنا طلال يقول رعد جاي وياه نوارس.
بجت ماما وأنا قلبي تلهف لشوفتها، عبالك راح أشوف روان. بقت عيني على الشباك. وأفز مع كل سيارة تدخل الشارع أو هورن أسمعه. الطريق عرفنا ساعة ونص. بقت ربع ساعة طلعت بره أنتظر. وبعدها ماما وطلال. ببالي أتصور تجي ملابسها مبهذلة أو شعرها منكوش. ما أتحمل أشوفها مبهذلة. بعد عشرين دقيقة البرد حاط بكل جزء من أجسادنا وبدينا نتحرك حتى ندفى. دخلت سيارة حمرة الشارع. نزلنا من مقدمة البيت للشارع. لا إراديًا وقفنا قرب الحديقة.
وقفت السيارة. رعد باوعنا وطفا السيارة. ونزل، سلم وهو يفتح الباب الخلفي: "السلام عليكم." ردينا: "وعليكم السلام." نزلت طفلة بتراك قطيفة أسود وخط وردي، وكبوس وردي، وقفازات وردي وأسود، وحذاء رياضي. مرتبة نفس أمها. سبقتني ماما إلها وشالتها وهي تقول: "ماما روان، بنيتي روان." وبعدها أنا حضنتها وأبوس بيها وأبكي. رعد وطلال ابتعدوا وهم يدارون دموعهم. دخلوا اثنينهم. وبعدهم دخلنا، ماما شايلة نوارس وضامتها لصدرها.
قعدنا دقايق بلا كلمات فقط نتفحصها ونبوسها ونبكي. وقطع لهفتنا صوت رعد: "شلونكم؟ شلونك حجية؟ "ليش هيج يمه حرمتنا منها حتى ما تعرفنا؟ بذاك الموقف شفت رعد يختلف، مكسور، وشايل همومه اللي تفضحه تجاعيد وجهه البارزة أكثر. كأنما كبر عشر سنين. رد على ماما وهو عينه على بنته:
"حجية لا تعتبين عليّ، موت روان تركنا بتخبط وكل واحد منا حاول يفرغ حزنه بالثاني. خفت على بنتي وانهزمت بيها. وأجيت لوصية روان اللي لو تطلب مني أموت ما أتأخر." تعاتبنا بلا لوم، وحكينا بلا كره. أخذت نوارس لحضني: "نوارس حبيبتي هذي بيبي وأنا خالة." ردت بابتسامة وخلت إيدها على بطني وتضرب عليها. ضحكوا ضحكة يمليها الأسى من تصرفها الطفولي. أخذتها ماما من حضني. وطلال حول الحديث للبحث عن حل: "شنو الحل رعد؟
خو ما ناوي تبقى مهزوم. بنتك تكبر إلها حقوق بأمريكا، رعاية صحية، ومدارس مجانية، وجنسيتها وغيرها من الحقوق، غير وجود بيبيتها وخالاتها." "خلوني أفكر شأسوي، أتصل بالمحامي وأشوف شيقول." اقترحت أمي عليه حل: "يمه تعال لأمريكا، وسلم نفسك، واحنا كلنا نشهد وياك، تزوجتها بموافقتنا، وفي الفيديو يشهد." "وأنا من باجر أتنازل عن قضية الوصاية، هم تقوي موقفك."
"القاضي اللي بالقضية شديد وحسيته ضدي، وفي حكم غيابي عليّ بإلقاء القبض والسجن سنتين، أنت طلال شتقول؟ "إذا ظهرت أدلة جديدة لصالحك تنعاد المحكمة." "في حالة السجن نوارس شنو وضعها؟ ماما حجت بالنيابة عني وعنها: "إذا انسجنت أو لا، نوارس أنا أربيها ومن بعدي آية. وثق بكتاب الله ما نعوفها، ونربيها أحسن تربية. وهسه نحلف لك على الكتاب أنا وآية على هالحكي." وطلال أيّد كلام ماما:
"وعهد مني وعن كلهم نوقف وياك وما نخليك تنسجن. خلينا نلتم لخاطر روان. واللي ما قدرنا نسويه بحياته نسويه هسه." "يا يمه خليها ترتاح بقبرها وتطمئن على بنتها." "أم زهراء، أنت شتقولين؟ "بعد شأقول؟ الجماعة حجيهم صحيح، وأنت إذا انلزمت راح تتضاعف عليك التهم، وبنتك تضيع بدور الدولة." فكر وهو يحاول يقرر، القرار مو سهل أكيد: "في عندي أوراق وحاجات وملابس بنتي وملابسي، أجيبهم من شقتي وأجي عليكم باجر." طلال ما
راد يضيع الفرصة ولا يوم: "تدخل أمريكا ويانا كلنا عائلة، حتى ما يتهموك بتزوير أوراق. ونوارس تروح معانا باعتبارها مع جدتها، وتدخل أنت ويانا. ومن نوصل نرتب وضعك وتسلم نفسك، وأبد ما تذكر غادرت أمريكا لكندا." "ممكن أقول كنت عند أخوي فاضل، لكن تلقيحات نوارس هنا شلون؟ "نقول أخذتها أم زهراء عندها ترعاها." أم زهراء حبت الفكرة وقررت تجي ويانا: "أنا هم أروح وياكم أطمئن على رعد ونوارس." "هلا بيك وكل الهلا."
مداولات ونقاشات واتصالات مع محامين. اقتنع يروح معانا، ونعبر احنا بنوارس ويانا أم زهراء. بهالأثناء اتصلت ملاك. أخذت التلفون بعيد وجاوبت: "وين صرتوا؟ غير تخابرون." "راح شوية نتأخر، وأبشرك راح نجيبها ويانا." "تجيبون منو؟ نوارس؟ "إي، الأمور ماشية تمام. أنت حضري البيسمنت واطبخي غدا، احتمال بالأربعة احنا يمكم." شهقت من الفرحة: "كل هالتطورات وما اتصلتي؟ بس تعرفين تقولين سوي غدا؟
"وج قلبي انمرد اليوم ونسيتك. يله راح نطلع، باي." طلال طلعنا من وينزر. بسيارتي وياي آية. وأم ملاك ورعد ونوارس بسيارة أم زهراء، كأنما عائلة وحدة. عند نقطة التفتيش قلوبنا تدق وعيوننا تترقب. سيارة أم زهراء أمامنا. فتحت الشباك وقدمت الأوراق. أخذها الضابط الشاب وغلق الشباك لحد ما يتأكد، وبعد شوية فتح الشباك مرة ثانية. والظاهر سألهم الأسئلة المعتادة: "منين جايين؟ وين رايحين؟ أنطاهم الأوراق. تنفسنا بنفس الوقت.
طلعت أم زهراء بسيارتها، وأجى دورنا نسلم أوراقنا. أيضًا باوعها ورجعها. سقنا بأقصى سرعة مسموحة ودخلنا أمريكا. باوعت بوجه آية، لونه أصفر. ضحكت على خوفنا. آية: هاي هيّه الحمد لله والشكر، عدّت على خير. أنا: بقت بس محاكمته خطيّة، بلكي يعفون عنه. طلال: نوصل للبيت ونتصل بمحامين والأساتذة بالمدرسة، ويروح يسلم نفسه، والحجيّة تشهد وياه.
تسهّل الطريق، وصل رعد لبيت أم ملاك. تغدينا وشربنا جاي، وجت فترة الاتصالات مع المحامين. لحد الساعة عشرة بالليل، المداولات مستمرة وصواني الجاي طابة طالعة. رسمنا الخطوات القادمة بإتقان، وحددنا ساعة الصفر باچر الصبح. عرفنا من المحامي أهم ركن هو رعد، والشهود تتمثل أم ملاك وأبو كوثر وأم كوثر، وتحسين، ومس صعب ومستر باول، ذولي عاصروه ويعرفون تاريخه. ومروة باتصال مع أهلها، ما جاوبونا جواب قاطع تشهد أم لا. المحامي قرر يستبعدها. وحسب حجّيه ممكن نكسب القضية، إذا القاضي حس إن عائلة روان متعاطفة وياه. والارتياح ظهر على وجه رعد، وتحمس لتسليم نفسه.
انفضّت الاجتماعات. بقيت أسولف شوية مع رعد وأم زهراء لحد ما نعسوا. فرشت لهم ملاك بالصالة. سديت الباب، والنعاس شامر كل جزء بجسمي بجهة. دخلت لغرفتي، على السرير آية وبحضنها نوارس. أنا: آية، أنا وين أنام؟ آية: بكيفك، طلع أفراش ونام على الأرض. أنا: ها، يعني حتى ما تكلفين نفسچ وتفرشيلي؟ خوش والله هاي البداية هيچ. آية: آسفة هسه أقوم أفرشلك. أنا: لا ليش تعبين نفسچ، خليچ مرتاحة أنا أفرش. هاي إذا إجى ابنچ تطرديني بالشارع؟
ضحكت على كلامي وكعدت. آية: لعد أطرد ابني! هذا ابن الغالي. بس لا تخاف احتمال تنام بالصالة. أنا: هاي هيّه، ربحت لعد. نزلت من السرير واجت يمي نامت. آية: منو عندي غيرك أنت؟ فدوة لعمرك موقفك اليوم خلاني أحس إني أكثر إنسانة محظوظة بالدنيا. أنا: تدرين من الحمل لحد الآن أنتِ ناسيتني وحتى كلمة حلوة ما أسمع منچ. آية: والله بلا قصد، الحمل والوحام خلاني أقصّر وياك، لكن تدري أنت قمر دنياي وشمس عمري ونجم ليلي.
أنا: لا مو الحمل متعبچ، أنا حاس بيچ... تعبتي من الصراع داخلي. بكل لمسة وهمسة من عندچ أحس كل كلمة تكوليها تزرع بنفسي ألف ابتسامة، وتشيل ألف هم. أيوته، الرجال أمّه تولده شي طبيعي تحبه وتربيه، أما زوجته فهي اللي تكمل مسيرته، إما تصعده سما أو تخسف بيه الأرض. وأنتِ اللي سويتيه صعدني السموات سبعتهم. آية: وحتى البنية نفس الشي، وأنت مو بس صعدتني سما إنما هديتني عالم كامل.
ليالي العشق مع آية عن غيرها في كل الليالي مع آية، أحاول أنتزع من داخلي طلال السجين. وفي بعض اللحظات أنتصر فيها السجين وهيه تحس بذلك، وتبقى ويايَ تغدق عليَّ كلمات الحب والغزل. ومرات أرجع لنفس الزنزانة وتحس بيَّ، وتبقى ويايَ بلا استسلام، لحد ما تتأكد إني تجردت من كل ذكرياتي الأليمة. وتصبح أناملها الحنونة وروحها الطيبة وسيلة للترفيه عني. وبدل ما أتذمر من حالتي تحضني مثل طفلها، وتبقى بيقظة لحد ما أنام. وتصحيني على ابتسامة، وصينية الريوگ، وقبلة على جبيني، وكلمة
(صباح الخير يا روحي) . وكأني بطلها العائد بعد غياب. رعد: ثاني يوم أخذني طلال لمركز الشرطة، وسلمت نفسي. ونفتح تحقيق من جديد وانذكر فيه إن أنا اللي سلمت. والمحامي طالب بمحاكمة جديدة لكون الحكم صدر غيابي وبدون شهود وظهور أدلة جديدة ممكن تغير مجرى القضية. أودعوني السجن لحد ما يحددون موعد محاكمة. وصّيت طلال على بنتي. رعد: طلال أحلف بأغلى ما عندك بنتي تنتبهون عليها.
طلال: بيني وبينك قسم بالله العظيم تكون بنتي وأغلى وأمانة عندنا كلنا. أروح للبيت أجيب احتياجاتك وأرجع وكل يوم أجي عليك. اطمئن. ودعني وراح. الزنزانة هي نهاية الحرية وبداية التأنيب للنفس. وقفت داخل الزنزانة واتكأت على قضبان الحديد. أنظر للجدران الثلاثة الباقية، وللسرير، هذولي حيكونون رفقائي إلى ما شاء الله. حسبت
الخطوات من القضبان للسرير: 11 خطوة. وارتفاع السقف، إذا أرفع إيدي ممكن ألزمه. لجأت للسرير وغمضت عيني عمّا آلت له نفسي. آية:
الصبح، اتفقنا أنا وملاك وماما نروح للمقبرة وناخذ نوارس. وبطريقنا اشترينا ورد ودب صغير. وصلنا هناك وتركت نوارس من إيدي وأشرتلها على قبر أمها. راحت تركض بين الورود، تصورته حديقة. وصلت ووقفت، وإحنا تبعناها ووقفنا يمها، ما عدا ماما كعدت تتلمس القبر وشاهدها كأنها تحاول تلمس روان. وضعت إيدي على القبر وبالإيد الثانية القرآن، قريت سورة يس وكملتها ملاك. ونُصينا بجنب القبر، وجهنا كلامنا إلها. ابتدت ملاك.
ملاك: حبيبتي روان، أكيد تسمعينا، هذي بنتچ نوارس ويانا، وراح تبقى ويانا لحد ما نجتمع بيچ عند رب أرحم الراحمين. اطمئني عليها وارتاحي، نوارس بنتي وبنت آية مثل ما نِعز أولادنا نعزها وندللها، وهذا كتاب الله شاهد علينا. آية: روان حبيبتي، نوارس راح تعيش بينا وتكون مدللتنا كلنا، صدكي أدفع عمري وما أخلي أحد يصيبها بسوء. واطمئني على رعد، كلنا واكفين وياه، ومثل ما كلتي صار واحد منا. اطمئني، هذي نوارس تشبهلچ. اليوم راح آخذها
(الجاكي جيز) (مكان مغلق للترفيه عن الأطفال) وأشتريلها ملابس وألعاب، وهذا الدب من ألعابها راح أخليه يمچ. أكيد أنتِ يم بابا ومدللچ، سلميلي عليه. كفكفنا دموعنا، وأنطينا صدقة عنها للحارس. وطلعنا في جولة ترفيهية وتعارفية مع نوارس، اللي أخذت قلب ماما واحتلته. وأصبحت تقبيل خدودها عادة مستحبة عند كل اللي حواليها. رعد:
اليوم محاكمتي بعد شهرين انتظار، بيها تحملت البعد عن بنتي مرغم. مع إن طلال جابها مرة تشوفني، ونبهت عليه ما يجيبها ما أريدها تشوفني بهذا المكان.
الصبح انفتحت الزنزانة من قبل الشرطة اثنين. وفكوا القيود عني. أنطوني أوراق تتعلق بالمحكمة وطلعوني بالسيارة بالخلف. أنظر من الشباك لكل شي يصادفني، أفتقد الناس الشوارع الصخب البرد. وصلنا المحكمة، خلوني بغرفة أنتظر محاكمتي. بعد نص ساعة أخذوني لداخل قاعة المحكمة. أول ما دخلت شفت نوارس بحضن آية. وأم ملاك وأم زهراء، كلهم جالسين خلف المحامي اللي يدافع عني، وطلال واثق موجود. سلموا عليّ ورديت عليهم. وقفت أمام القاضي وبجانبي المحامي. أمرنا القاضي بالجلوس. وبعدها تكلم القاضي.
القاضي: انعقدت المحكمة بناءً على ادعائكم بوجود أدلة جديدة، ممكن نعرف الأدلة هذي؟ اتقدم المحامي الأول للدفاع عني. المحامي: الأدلة هي وجود الشهود اللي طلبتوهم بالمحكمة الأولى والاستماع لهم راح يوضح الصورة أكثر، وفي العقد اللي بلبنان مصدق من محكمة لبنانية. نظر القاضي للأوراق أمامه، تفحص ورقة العقد وضمها بدون تعليق. وسأل المحامي عن أم ملاك. القاضي: هل الأم من ضمن الشهود؟ المحامي: نعم، موجودة ومستعدة للشهادة.
القاضي: تتفضل للشهادة. صعدت أم ملاك لمنصة الشهود، معاها مترجم، ترتدي السواد، ونظارات، والارتباك مسيطر على ملامحها. كعدت في مكان قريب من القاضي. القاضي: سيدتي أقسمي بقول الحق. رفعت إيدها وكالت: أقسم بصوت يرجف. أول سؤال وجهه القاضي إلها. القاضي: سيدتي شنو السبب اللي منعچ من الشهادة بالمرة السابقة؟ انتظرت الترجمة ودنكت حزينة وجاوبت. أم ملاك: المحاكمة صارت بعد وفاة بنتي بأيام معدودة، ونفسيتي وحالتي الصحية منعتني أشهد.
القاضي: وكيف صحتچ الآن؟ أم ملاك: صحتي راحت مع بنتي. القاضي: آسف لتجديد الحزن عليچ هذا اليوم. ترجم المترجم إلها ما ردت فقط نزعت النظارات ومسحت دموعها بمنديل. تحرك الادعاء العام أمامها بحركة سريعة حتى يقطع استعطاف القاضي ويانا وسألها. المدعي العام: سيدتي ما هو السبب إن الزواج تم ببيروت؟ أم ملاك: السبب بناتي عارضن الزواج لأن صغيرة وصارت مشاكل، قرروا يروحون لبيروت.
المدعي العام: وأنتِ ليش ما عارضتي بنتچ الصغيرة تتزوج رجل أكبر من عمرها 16 سنة، وهيه مريضة؟ جاوبته بقوة. أم ملاك: عارضت لكن من شفتها تحبه وافقت، ورعد صديق للعائلة مو غريب، وأعرف أخلاقه وحبه النا كلنا. المدعي العام: سيدتي بنتچ عمرها 16 سنة وسمحتي تحب شخص ضعف عمرها؟ تحيرت بالجواب وردت بكل عصبية ومعرفة.
أم ملاك: بقانون أمريكا هذا الشي ممنوع، في دولنا مسموح. وأنا تزوجت بنفس عمرها وزوجي أكبر مني بعشر سنوات، ونجحنا بحياتنا وكونا أسرة. المدعي العام حاول يستهزئ بيها. المدعي العام: وهل هذا شي صحيح باعتقادچ؟ وردت عليه بثقة. أم ملاك: ما أكدر أعمم رأي على مجتمع كامل، يعني لو غلط كان عارضته ناس بدولنا أو قانون. مثل أنتم عدكم العلاقات غير الشرعية تبدي من عمر المراهقة والمجتمع ساكت عنها. بنتي ورعد علاقتهم كانت شرعية وقانونية.
استفزها بسؤال بصوت عالي. المدعي العام: وافقتي على الزواج قبل السفر لو بعده؟ وقف المحامي يعترض على السؤال. المحامي: اعتراض، ما في داعي لهذا السؤال إذا كان قبل لو بعد. اقترب المدعي العام من منصة القاضي وعلى صوته. المدعي العام: في فرق لأن أخوات روان خبروا عن اختفاء روان وحاولوا يشتكون على رعد ونكر معرفته بمكانها، فالأم أجبرت على الموافقة بعد السفر. تدارك المحامي الأمر وسأل بسرعة. المحامي: سيدتي هل أجبرتي على الموافقة؟
علت صوتها ووجهت كلامها لكل الحاضرين. أم ملاك: لا ما أجبرت، فرحت بزواجها، وإن كانت صغيرة. بنتي كانت تعاني من فقد الأب والعلاج، ورعد كان إلها أب وصديق. حتى إحنا ما صدقنا هالشي. وأنتم أكيد ما تصدكون، بس بالفيديو شفت بعينها سعادة وحب وأمان وهيه تكول اسمه. ما شفت بعينها الخوف حتى من الموت. لا تبخلون عليها بحقها تعيش كم يوم سعادة ويه إنسان اختارته.
سكتت المحكمة، والكل يكفكف دموعه بعد ما استمعوا للترجمة. لكن المدعي العام استمر يلاحقها بالأسئلة. المدعي العام: متى وافقتي على الزواج؟ أم ملاك: بنتي أخذت موافقتي قبل السفر، ورعد أخذ موافقتي بعد السفر وقبل زواجهم، وأيضاً خطبها مني وبعث ناس تقنعني. اتقدم المحامي يسألها. المحامي: هل كانت تتصل بيچ تتحدث عن حياتها؟ دمعت عيونها وجاوبت.
أم ملاك: يومية كانت تتصل وتحجيلي عن حياتها، وعن المدرسة الفرنسية اللي تدرس بيها، وتسألني عن طبخات تسويها لرجلها، وعن النظافة. كانت سعيدة وتكولي رعد مدللني. أجهشت بالبكاء، والقاضي اعتذر منها وسألها. القاضي: هل ذكرت إهمال رعد لحالتها الصحية؟ أم ملاك: لا، هيه كانت تكره الأطباء والأدوية، وآخر فحص سوته اهنا أكدوا صحتها جيدة. سأل القاضي إذا في أسئلة إضافية. المحامي جاوب لا، أما المدعي العام استمر.
المدعي العام: ذكرتي في ناس حاولوا يقنعوچ، منو ذولي الناس؟ أم ملاك: موجودين مع الشهود. المدعي العام: طيب ليش كنتي ما مقتنعة بالبداية؟ أم ملاك: خفت على دراستها، وبعد ما رعد أكدلي تدرس وافقت على الزواج. المدعي العام: وهل درست فعلاً؟ أم ملاك: درست بمدرسة خاصة وتعلمت الفرنسية، وكانت تسمعني جملة أحبچ ماما بالفرنسي بكل اتصال. ورعد علمها تعزف موسيقى، الشي اللي أسعدها فعلاً.
المدعي العام: لا مزيد من الأسئلة للشاهدة، وأطلب شهادة تحسين. تركت أم ملاك المنصة وهيه تكول يا الله، وتصادفت مع تحسين اللي أخذ إيدها وكعدها بمكانها وباس راسها. والمحكمة كل اللي بيها ردة فعلهم وحدة. (أوه) ورجعت للمنصة. باوعت على تحسين وهو يشق طريقه للمنصة بكل ثقة وبأناقة بسيطة. القميص الوردي والجينز. وقصة الشعر الحديثة. كعد على المنصة وباوعني وكلي: "هاي مستر رعد، افتقدك".
جملته استفزت المدعي العام، وكف بيني وبينه وحجب النظر بيننا، وتوجه له بسؤال: "شنو رأيك بتصرف مستر رعد وزواجه من تلميذته؟ جاوبه وهو يباوعني: "ما أشوفه غلط، أستاذ رعد إنسان محترم مو فقط بالمدرسة، كل الجالية تعرفه وتقدره. وأني لو عندي أخت ويخطبها مستر رعد أكون سعيد بذلك. إحنا بثقافتنا ننظر للرجل مو لعمره. وروان كانت صديقتي، وأعرف مدى حاجتها لشخص واعي فاهم بالغ بحياتها وحياة عائلتها. وكل هذا بمستر رعد".
شهادته كانت قوية وما قلت تأثير وقوة شهادة أبو كوثر اللي شهدوا بدورهم في محاولة الخطوبة. المحامي كان مرتاح والمدعي العام بدا عليه اليأس. بنهاية اليوم الأول للمحكمة، القاضي طلب شهادة الأساتذة بالإعدادية، ووثيقة تثبت طلاقي من بام، وحدد الجلسة بعد أسبوع. طلعوا العائلة وأني رجعت للتوقيف. طلال واصلت طريقي بإدارة أعمالي وتكوين حياة جديدة. وإحنا راجعين من المحكمة، أني وإيه، وكفت السيارة أمام البيت.
رادت إيه تدخل البيت وانتبهت على شيء وبنفس الوقت أني انتبهت. لوحة لبيت أمام بيت أم ملاك مكتوب "البيت للبيع". باوعتني وضحكت. "ها شنو رأيك، البيت كبير، ولو مو نفس اللي ببالج بس أحاول أخليه مثل ما تريدين". "أبو أيوب، البيت بناسه. ومادام أنت وأيوب ناسه، راح يصير مثل ما أريد وأتمنى". من كالت أيوب، أشرت على بطنها. "شنو قصدج، تأكدتي ولد عندج؟ "ولد عدنا".
الخبر كان دافع إلي أتمم عقد شراء البيت، وخاصة أن أهلي اقترب موعد وصولهم. ومجرد أن دفعت المقدمة للبيت بديت أعمال تصليح وصبغ بيه وبإشراف إيه وتعليماتها. استلمت العقد وبغرفتنا بالليل. دخلت وهي واقفة على المراية تمشط شعرها. خليت العقد على المراية مفتوح أمامها قرأته. "محتاج توقيعج ويصير ملكج أم أيوب". تفاجأت. "باسمي سجلته؟ ليش؟ "البيت باسمج مثل ما وعدتج. وباقي الأملاك شراكة بيني وبينج، أنتي شاركتيني بكل شيء.
والأملاك ما تعز عليج. ما أريد اللي صار بوالدتج يصير وياج ويه ابني". "شنو تقصد يعني؟ "أقصد لو والدج مسجل البيت باسم أمج ما تبهذلتوا كل هالبهذلة من عمامكم. وأنتي تدرين أهلي راح يعيشون اهنا. صح أهلي ناس طيبة وخيرة، بس الدنيا ما تنحزر. وأنتي تعبتي ويايه، هذا حقج". "ما راح أبيع براسك مثاليات، لأن أني وأنت واحد، وما يرد الكريم إلا البخيل. بس أخاف هالشي يولد مشاكل بيني وبين أهلك". "ماكو مشاكل، هذي قناعتي.
ومثل ما كَلتي إحنا واحد". انطيتها القلم ووقعت. رعد الجلسة الثانية اتخصصت لسماع الأساتذة عني وعن دوري بالمدرسة. وهل سبق وأن أقمت علاقة بالمدرسة؟ هل اشتكت الأهالي أو الطالبات مني؟ وشهادة ثلاث أساتذة كانت لصالحي ونفي أي سوء تصرف مني. طلب القاضي مني أوقف وتوجه إلي بالحديث: "وقت زواجك من روان كانت لديك زوجة ثانية؟ "طليقة. السيدة بام وقعت أوراق الطلاق قبل زواجي بشهر. وبقت عند المحامي وهي أيضاً وقعتها، مجرد تأخير إجراءات.
وثيقة الطلاق موجودة عند المحامي". طلب الوثيقة وشافها. "ليش تركت المدرسة؟ "كنت متطوع بالمدارس أساعد المهاجرين الجدد. وعندما تحول الأمر عاطفي تركت المدرسة وتقدمت لخطبة روان حتى ما أسيء لنفسي والمدرسة". تحدث المحامي: "في تسجيل فيديو لروان يظهر حبها لرعد". القاضي أشر بإيده للمحامي بمعنى شغلوا الفيديو. شغلوا الفيديو. القاضي يراقب صوتها وحركاتها. وأني دنكت ما أريد أشوف. ذكرت اسمي وكم هي سعيدة بزواجها مني.
تصرفها ذكي، ولآخر لحظة تفكر بإنقاذي. أطرق القاضي براسه بعد انتهاء الفيديو وكمل حديثه: "رغم أني أعتبر زواجك غلط، لكن ما عندي دليل أستند عليه وأحكم ضدك. وعقد زواجك موجود، وزوجتك الأولى تنازلت عن القضية بتعدد الزوجات. مضطر أرفض الدعوة ضدك وأكتفي بالمدة اللي قضيتها بالسجن كعقوبة. وأنبهك المرة القادمة يكون الحساب عسير". غادر القاضي مكانه والمحامين سلموا على بعض وهنوني. رحت على أم ملاك وإيه شكرتهم وسألتهم على طلال. لأن ما
شفته بالمحكمة جاوبت زوجته: "أتصل عليه ما يجاوب. هو راح للشغل وأكد لي يجي وقت المحكمة". طلال يوم محاكمة رعد طلعت من البيت أتابع معاملة دخول أهلي وتوجهت لأشغالي الثانية. من اقترب موعد المحكمة بعشر دقائق، كنت بمحطة البانزين مع العامل. وفي قربي ثلاجة عمودية زجاجية للعصير والببسي. فتحت الباب آخذ عصير وأطلع. شفت بزجاج الثلاجة دخل شخص أسود لابس نظارة، وعادة نحترس من دخولهم خوفاً من السطو المسلح. ظليت أراقبه وهو يوجه مسدس
على العامل ويصرخ بوجهه: "أعطيني المال يا ابن الساقطة". رأساً سديت الثلاجة. انتبه على وجودي ووجه المسدس عليه. العامل ركض من الباب الخلفي. وحاولت أقترب من الباب الرئيسي حتى أركض. تقدم عليّ وضرب أول طلقة اجتي بباب الثلاجة، كَلبت الثلاجة عليّ حتى تكون حاجز بينا. ارتطم راسي بالباب وأني أحاول أهرب وطلعت أركض بالشارع. وسمعت صوت طلقة ثانية. اجتمعت أصحاب المحلات القريبة. طلعت تلفوني أتصل بالشرطة.
أباوع على الأرقام أشوف بياض أمام عيني. مشيت خطوتين وكَعَت على الأرض. غمضت عيوني وفتحتها ظلام تام. زحفت وما أعرف بأي اتجاه، فقط أبتعد عن صوت السيارات. انمدت لي إيد وصوت عراقي يكلي: "كوم ويايه للمحل". أخذني وتفكيري مشتت، بين خوفي على العامل وبين الخشية فقدت بصري. ثلاث دقائق وصلوا الشرطة، شرطة منتشرة على طول ونادراً ما نسمع إطلاقات بهذي المنطقة. دخلني الرجال العراقي لمحل وكعدت على الكرسي. ألهث والعرك يصب من وجهي.
"بلا زحمة، شنو صار بالمحطة؟ "الشرطة اجتي، تريد نروح نشوف شنو صار". "يا ريت تروح أنت وتطمني على العامل، خطية بركبته عائلة". "أوكي، هسه أروح. يا ولد انطوا للأستاذ مي". أنصت لكل حركة وصوت. ما أعرف أني وين. وهذا القاتل بعده بالمنطقة قريب؟ أم أنهزم؟ شعور غريب أول مرة أشعر بيه. ظلمة تحيطني من كل الاتجاهات. خليت إيديّ أمام عيني ما أشوف. ضغطت على عيني بأصابعي ورفعتهم نفس الشيء. اجاني الصوت ولد صغير: "تفضل المي".
لوحت إيديّ أحاول آخذ المي. "عمي أنت ما تشوف؟ "ما أعرف، فجأة اختفى الضوى كَدام عيني". "هذولي الشرطة دخلوا أكيد يريدون يحجون وياك". انتظرت يقتربون وأنصت لصوت خطواتهم. "هل أنت بخير؟ "أني بخير. العامل شنو صار له؟ "هو بخير. افتهمنا منه أن شخص حاول يسطو على المحطة باستخدام السلاح". "أني شفت شخص أسود دخل وعنده مسدس، ووجه سلاح للعامل وطلب المال. راسي ارتطم بالباب وأني أركض". "وأنت حالياً ما تشوف؟ "ما أشوف تماماً.
ألقيتوا القبض على الشخص؟ "للأسف لاذ بالفرار. شفت سيارته أو رقمها؟ "فقدت النظر، ما شفت شيء". "ناخذك للمستشفى حالاً ونحقق مع الناس الموجودة. تحب تتصل بشخص معين؟ "لا أرجوكم فقط دكتوري. انطوه علم بوجودي بالمستشفى". أخذوني بسيارة إسعاف. أسمع صوتها وأني بداخلها. ما مستوعب عميت. شنو اللي ارتكبت من ذنب والمصايب ملازمني؟ أجى ببالي كل الوجوه والأشياء والأماكن اللي ما راح أشوفها. ابني القادم ما راح أشوفه.
إيه راح تواجه كل هال صعاب لوحدها. في محاولة يائسة أخيرة غمضت عيوني وانتظرت شوية. فتحتهم، النتيجة نفسها. أعمى. حسيت بدوار وصداع قاتل على وشك يفجر راسي. توقفت الإسعاف. وعبثاً حاولت أندل طريقي ما كدرت. انفتحت باب الإسعاف سمعت صوته. وشخص ناداني: "سيدي انطيني إيدك". الكلمة صعبت عليّ، وجربت أطلع لوحدي بدون مساعدة أحد. أحرك إيديّ حتى تدليني الطريق، بلا فايدة. أخذ إيدي المسعف وهو يشرح لي الطريق: "أمام، أمام. اعبر الدرجات.
أمامنا أبواب. توقف لا تصدم بيها". كل كلمة أسمعها تجعلني أشعر بصعوبة الوضع، وأتشبث بأمل أخير هو انتظار الفحص وكلام الدكتور. الدكتور اللي كان سابق وجودي للمستشفى. مجرد دخلت غرفة فاجأني صوته. الدكتور: "طلال، أني دكتورك. تألمت للحادث، وأرجوك تهدأ وما تفقد صبرك. الحلول كثيرة ومتاحة، فقط تخضع حالاً لفحص ونقرر العلاج. كن قوي". كلمات زادت شتاتي. الهاتف يرن. أخذته وقدمته للأمام. الممرضة حسب ما أعتقد هي ممرضة كالت لي:
"أساعدك بالإجابة عن التلفون؟ "فقط اقري الاسم". "مكتوبة بالعربي، آسفة ما أعرفه". انقطع الاتصال. بعد قليل، شخص تحدث عربي معي: "أخي تحب نتصل بأهلك؟ "هذا تلفوني أخذه واتصل بشخص اسمه واثق. وأني أحجي وياه". "حاضر". أخذت الهاتف مني ورجع خلاه بإيدي. "تفضل اتصلت". سمعت الهاتف يرن. جاوبني ملهوف وقلق: "ألووو طلال وينك يا أخي؟ شغلتنا عليك". "أنت وين هسه؟ "بالمحكمة مع رعد منتظرين تخلص إجراءات إطلاق سراحه".
"واثق إذا البنات يمك ابتعد شوية أريد أحجي وياك وما أريدهم يسمعون". "البنات راحوا للبيت. قلقتني شكو؟ "تعرضت لمحاولة سطو. وارتطم راسي بالباب وهسه بالمستشفى". "يعني متأذي راسك؟ "مو راسي، إنما فقدت البصر. ما أشوف أي شيء". "يمعود كول غيرها، شنو ما تشوف؟ "واثق تعال عليّ. وما أريد إيه تعرف". "جاييك بس مسافة الطريق. لا حول ولا قوة إلا بالله. يعني ما صدكنا فرحنا شوية. اجتنا هالمصيبة". "فعلاً مصيبة". أغلقت الهاتف.
والممرضة طلبت مني تغيير ثيابي. "ممكن تتركيني أغير لوحدي؟ "ممكن. راح أترك هذي الصدرية على يمينك. وبالجانب للصدرية في حزام تربطه. وبعدها ناخذك لغرفة الفحص". اختفى صوتها وسمعت صوت الباب انفتح وانسد. غيرت ثيابي ورتبتهم على السرير. وخليت موبايل ومفتاح السيارة والمحفظة بالجيوب. وانتظرت. بداخلي صرخة حابسها لحد أعرف نتيجة الفحص. والألم من الهدوء والعتمة أمامي يكاد يفطر كلبي. والسؤال الأكبر بداخلي هو: ليش أني؟ انفتحت الباب.
تصورت الممرضات. سمعت صوت واثق ورعد. "ها طلال صدك جذب؟ "سلامتك طلال، شنو هالخبر؟ "لا يكون إيه عرفت؟ "لا ما عرفوا شيء". "أني اتصلت بملاك وخبرتها تلفونك عاطل. وعندك شغل لأن إيه قلقت عليك". "احجيلنا شنو صار". حجيت لهم الحادث وكيف ارتطمت. الكلام يطلع من لساني أحسه نار تلهب جواي. كلمة عميت خلتني أحس بالذل اللي ما تخلصت منه إلا بشق الأنفس. سمعت منهم كلمات تشجيع ومواساة زادتني حزن. بعدها دخلوا الممرضات والدكتور.
طلبوا مني أقوم وأكعد على كرسي متحرك. كمشوا إيديّ واثق ورعد وكعدت على الكرسي. وما عرفت منو دفعني لغرفة المفراس. ساعدوني الممرضات بالصعود وتمددت ودخلوني للمفراس. أفكر بحياتي وبالنتيجة. برد فعل إيه اللي يا دوب أخيراً ارتاحت من زواجنا. راح ترجع للدموع والقهر. ضاق نفسي عبالك داخل قبر. خلص الفحص وانتظرت النتيجة بغرفة ثانية ويايه رعد وواثق. انفتح الباب والدكتور گعد قريب مني، حسيت من كلامه هو قريب، وحجالي الوضع.
قال الدكتور: طلال، الضربة سببت إتلاف لمنطقة فيها أوردة دقيقة، وما عدنا خيار غير الجراحة، وبسرعة. سكتت واثق اللي سأله: الجراحة ناجحة دكتور؟ الدكتور: هي ناجحة، لكن الأوردة تحتاج وقت حتى تستعيد حملها للدم. سألته: كم الوقت يعني؟ الدكتور: ما أقدر أحدد بالضبط، لكن مو أقل من ثلاث أشهر. قلت: واحتمال أكثر ها دكتور؟ ربت على إيدي وهو يقول: مجرد وقت وتستعيد بعدها بصرك.
الكل سكت من هول الأمر، والدكتور اللي بقى يشرح، ومن انتهى طلب أحدد موعد عملية. قلت: دكتور، زوجتي حامل، ما أريد ابني ينولد وما أشوفه. الدكتور: إذا لا بد نستعجل بالعملية. قلت: باچر ممكن؟ طلب يدقق مواعيده ويرجع الخبر. طلع هو ورعد وواثق يشدون من عزمي. قال رعد: خليك قوي، أيه خطية إذا شافتك مهزوزة احتمال تفقد الطفل. قلت: أكثر همي هي وأمي اللي راح توصل تلقاني أعمى. الدكتور حدد العملية الساعة ١٢ الظهر باليوم التالي.
أخذوني واثق ورعد للبيت، ورعد يسأل: شراح نگول؟ واثق اقترح ياخذوني للمزرعة ومنگلها لأحد تخلص العملية. قلت: لا، أروح يم أيه، متأكد هي اللي تقويني وتشجعني. اختاريت اللجوء لأيه تخفف عني مثل كل مرة. نزلوني أمام البيت ورعد لازم إيدي. سمعت نوارس تركض على أبوها. وبعدها سمعت صوت أيه. قالت أيه: طلال، شبيك شصاير؟ وإيدها لزمت وجهي وهي تسألني: طلال تشوفني؟
قلت: أيه، اللي صار صار، إذا بجيتي وانهاريتي راح تأذيني وتزيدين قهري، الله يخليچ، ارحمي بينا إثنينا. أخذت إيدي وهي تحبس رجفة صوتها: ما عاش اللي يأذيك، شدة وتزول، احچيلي شصار. أمها وملاك تولوا مهمة العويل والتولول، واثق ورعد يحاولون يهدئونهن. من خلصت طاقتهن وبدوا يستوعبون الأمر، حجيتلهم شصار. وبجوا، أسمعهم إلا أيه، ما سمعت منها غير كلمات شجاعة.
قالت أيه: سلامتك أبو أيوب، عيوني قدامك أشلعهن إلك والله، لا تهتم أصيرلك عيون، إحنا بأمريكا العلاج متطور، وشنو يعني ثلاث أشهر؟ قلت: يعني أيوب ينولد ما أشوفه، ما أشيله، يلقاني أعمى. ازداد بچيهم وأيه استسلمت للدموع، بچت وهي تخبي راسها بصدري. طلال: يوم محاكمة رعد، طلعت من البيت أتابع معاملة دخول أمي وأبويه، وتوجهت لأشغالي الثاني.
من اقترب موعد المحكمة بعشر دقايق، كنت بمحطة البنزين مع العمال، وفي قربي ثلاجة عمودية زجاجية للعصير والببسي. فتحت الباب آخذ عصير وأطلع. شفت بزجاج الثلاجة دخل شخص أسود لابس نظارة، وعادة نحترس من دخولهم خوفًا من السطو المسلح. ظليت أراقبه وهو يسأل العامل. قال الرجل: تعرف وين أجد مستر تي؟ سمعت الاسم عرفت قاتل مأجور. راسًا سديت الثلاجة وحاولت أقترب من الباب الرئيسي حتى أركض.
انتبه عليه، ضرب أول طلقة اجت باب الثلاجة، گلبت الثلاجة عليه. وطلعت أركض بالشارع، وسمعت صوت طلقة ثانية. اجتمعت أصحاب المحلات القريبة، طلعت تلفوني أتصل بالشرطة. أباوع على الأرقام أشوف بياض أمام عيني، مشيت خطوتين ووقعت على الأرض. غمضت عيوني وفتحتها ظلام تام. زحفت وما أعرف بأي اتجاه، فقط أبتعد عن صوت السيارات. انمدتلي إيد وصوت عراقي يگلي: گوم ويايه للمحل. أخذني، وتفكيري مشتت بين خوفي على العامل جوى وبين الخشية فقدت بصري.
ثلاث دقايق وصلوا الشرطة، شرطة ديربون منتشرة على طول ونادرًا ما نسمع إطلاقات. دخلني الرجال العراقي لمحل وگعدت على الكرسي. ألهث والعرق يصب من وجهي. قلت للرجل: بلا زحمة شصار بالمحطة؟ قال الرجل: الشرطة اجت، تريد نروح نشوف شصار. قلت: ياريت تروح أنت وتطمني على العامل خطية برگبته عائلة. قال الرجل: أوكي هسه أروح، يا ولد انطوا للأستاذ مي. طلع هو. خليت إيدي أمام عيني ما أشوف. ضغطت على عيني بأصابعي ورفعتهم، نفس الشي.
اجاني الصوت ولد صغير. قال الولد: تفضل المي. لوحت إيدي أحاول آخذ المي. قال الولد: عمي أنت ما تشوف؟ قلت: ما أعرف، فجأة اختفى الضوى گدام عيني. قال الولد: هذولي الشرطة دخلوا أكيد يريدون يحچون وياك. انتظرت يقتربون وأنصت لصوت خطواتهم. الشرطي: هل أنت بخير؟ قلت: أني بخير، العامل شنو صار له؟ الشرطي: هو بخير، افتهمنا منه إن شخص سأل عليك وبعدها أطلق النار.
قلت: أني شفت شخص دخل وعنده مسدس وانهزمت، ما سمعته سأل عني وبعدها فقدت النظر، راسي ارتطم بالباب وأني أركض. الشرطي: وأنت حاليًا ما تشوف؟ قلت: ما أشوف تمامًا، ألقيتوا القبض على الشخص؟ الشرطي: للأسف لاذ بالفرار، شفت سيارته أو رقمها؟ قلت: فقدت النظر، ما شفت شي. الشرطي: ناخذك للمستشفى حالًا ونحقق مع الناس الموجودة، تحب تتصل بشخص معين؟ قلت: لا، أرجوكم فقط دكتوري، انطوه علم بوجودي بالمستشفى.
أخذوني بسيارة إسعاف، أسمع صوتها وأني بداخلها ما مستوعب عميت. شنو اللي ارتكبت من ذنب والمصايب ملازمني؟ اجى أبالي كل الوجوه والأشياء والأماكن اللي ما راح أشوفها. ابني القادم ما راح أشوفه. أيه راح تواجه كل هالصعاب لوحدها. في محاولة يائسة أخيرة غمضت عيوني وانتظرت شوية. فتحتهم، النتيجة نفسها، أعمى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!