يقود سيارته سالكاً ذلك الطريق الطويل الى الكويت .. خفف من سرعة سيارته لتنساب الذكريات الى عقله .. متى كانت اول خطوة انجرفت فيها رجليه الى طريق العتمة و الظلام .. ليتسبب في ايذاء نفسه في النهاية و يقع في شر اعماله .. و يتسبب في ايذاء فتاة لا يعرف عنها شيئاً .. و متى سقطت اول قطرة خمر في فمه .. متى ؟؟
كان وليد طفلاً سعيداً مُدللاً .. محبوب من جميع من حوله..
فوالدُه بالرُغم انه كان غريب أطوار الا انه يُدللـه كثيراً و لا يقسو عليه أبداً .. علاقته معه عفوية و عميقة جداً لدرجة انه احياناً لا يشعر ان سامي والدُه بل هو أقرب الى أحد أصدقاءه .. اما والدتُه .. فهي مُتعلقة به كثيراً و تهتم به و تخاف عليه و بشكل مُبالغ به .. دائماً ما تُكرر عليه انه أجمل و اذكى و افضل و اروع طفل في العالم .. و انه صبي لا مثيل له .. لذلك كان وليد واثق من نفسه لدرجة كبيرة .. و تلك الثِقة لا يستطيع ان يهزها أحد .. و لكن حياته و هو طِفل بالرُغم انها سعيدة و مريحة .. الا انها كانت غريبة بعض الشيء .. كثيراً ماكانت تمُر عليه مواقف لا يفهمها و أحداث تتجاوز مستوى تفكيره فلا يستوعبها .. و السبب الاول و الاخير لتلك الغرابة هو والدُه او صديقه سامي غريب الأطوار !!!
يتذكر عِندما يعود والده الى المنزل و في ساعة مُتأخرة من الليل .. كان في ذلك الوقت لم يتجاوز الخامسة من عُمره .. يستيقظ من نومه على أثر ضحكات والده و بُكاء والدته .. يطُل على والده من طرف الباب المفتوح نِصفه .. يقف ببراءة يُحدق اليه بعدم استيعاب .. كان سامي وقتها شاباً ساخراً يُحب المُزاح بطبعه .. و ذلك ما يجعل وليد يتعلق به و لا يخافُه أبداً .. خرج من الغُرفة و هو يبتسم في وجه والده الذي يقف عِند باب غُرفة والدته " فطوم " .. يضحك و يتحدث بغرابة : فطومي افتحي الباب .. و هيلة يا رمانة و الحلوة زعلانة .. ،
ثُم يضحك و يُكمل دندنة و هو يسخر بصوتٍ عالٍ .. بالرُغم من ان وليد لم يفهم شيئاً الا انه ضحك ببراءة فوالده مُضحك و حتى لو كانت نُكاته سخيفة ..الا انه مُضحك و " دمه خفيف " .. التفت سامي لابنه الذي يجُره من قميصه و هو يضحك .. رفعه سامي ليُقبله و هو غارق في ضحكاته يقول بصوت هازل : حبيبي ولدي ..
لا يُكمل جُملته تلك الا و هو يترنح في وقوفه .. ليُسقط وليد من ذراعيه على الارض ... يتأوه وليد الصغير بألم .. فتفتح فطوم الباب بوجهٍ غاضب و ملامح باهتة من أثر البكاء .. تحمل وليد بين ذراعيها و تعود لغُرفتها بسُرعة و تُغلق الباب و تُقفله بسُرعة .. بينما لازال سامي يضحك في الخارج .. يتأمل وليد والدته و هي تجلُس على سريرها بدون ان تنطُق بِكلمة .. لم يكُن يعلم ما بِها و لكنه ادرك انها حزينة .. من قطرات الماء التي تسيل على وجنتيها .. يقترب منها بتوجس و يقول : فطومي وش فيك ؟
لا تُجيبه .. فيجُرها من طرف ثوبها و يقول : ماما .. ماما .. يُمه .. فطومي .. ماما .. فطـو
تصرُخ في وجهه : خلاص وليد !!
يبتعد عنها بـ صدمة .. و ملامحه البريئة تبهُت بخوف .. تُلاحظ عليه والدته ذلك .. فتقترب منه و تحتضنه .. تمسح على شعره بـحنان و تقول : آسفة حبيبي .. يلا ماما انت نام الحين ..
يُطيعها بعدم فِهم ليركب على سريرها و يتغطى باللحاف و هو يُحدق بِها بخوف .. تُسرع مُبتعدةً عنه الى الحمام الداخلي للغُرفة .. ينتظرُها بملل .. ثُم يقوم من السرير .. ليتبعها .. يضع اذنه على باب الحمام .. ليصلُه صوت نحبيها و بُكاءها .. يعقد حاجبيه الخفيفين بعدم استيعاب لِم يحدث .. يستدير للصوت الاخر .. الصوت المُناقض لصوت والدته .. كان صوت بُكاء والدته مُنخفض تُحاول كتمه لكي لا يصل الى مسمعيه .. اما صوت والده .. فكان مُرتفعاً بصخب ضِحكاته .. و هو يُغني و يُدندن بكلمات أغنية قديمة .. يقف في المُنتصف .. ما بين باب الحمام و باب الغُرفة و هو يتساءل في نفسه .. لِمَ والداه مُتضادان في كُل شيء !!
لم يستطع كبح فضوله .. لينطلق الى الباب .. و يُدير مفتاحه .. فتح جُزءً منه ليستطيع ان يرى والده من خِلاله .. كان يجلس على الاريكة او يستلقي عليها .. و لازال يُدندن : عبرت الشط على مودك .. عبرت الشط على مودك
يقترب وليد اليه و هو يبتسم .. يُحب والده و يُحب نُكاته .. و يُحب صوته الجميل و هو يُغني .. تزيغ عينيه نحو الطاولة .. نحو قنينة طويلة غامِقة اللون .. و بِجانبها كأس ببقايا سائل شفاف .. وليد باستفتسار : سامي وش هذا ؟
سامي و هو بين الضحك و الهذيان : هذا عرق ..
وليد باشمئزاز .. و قد فهِم ذلك المُصطلح بمعنى آخر : يييع
يرفع سامي جسده قليلاً ليعتدل في جلسته و يقول بضحكة : امزح امزح .. هذا عصير تفاح .. اقصد اقصد ..موية اييه موية .
يقوم من مكانه ليفتح القنينة و يرفعها نحو فمه .. لينجرف داخلها الى فمه بسُرعة .. و يتسرب بعضٌ منه على شفتيه .. ينظُر وليد نحو الكأس .. و بفضول تملكه يُمسك الكأس ليتذوق بقايا ما كان فيه .. تتغير ملامحه البريئة باشمئزاز من ذلك الطعم الاذع .. يفتح فمه ليبصق مافيه .. ثُم يُخرج لِسانه بحركة طفولية تعني التقرُف ..: حااار و يحرق .. بابا انت كيف تشربه ؟
لا يُجيبه والده و قد طار ما تبقى من وعيه في الجُرعة الاخيرة التي ارتشفها .. يرمي بجسده على الاريكة .. و يُدندن و يُغني بعقلٍ غائب .. يجلس وليد بجانبه ليضع رأسه في حجره ..و يُدندن بتلك الاغاني التي يُغنيها والده .. و التي حفظها وليد عن ظهر قلب بسبب كثرة ترديد والده اياهم .. " هيلة يا رُمانة " و " عبرت الشط على مودك " .. يُغني بصوته البريء الذي لا يُضاهي صوت والده بجماله .. الى ان يتراءى له وجه والدته في ظلام المكان .. فتنتشله من حضن والده بسُرعة : ليش ما تسمع الكلام .. مو انا قلت لك تناام !!!
يضحك والده و هو يقول : فطومي حبيبتي .. يا بلوى !!
فطوم بقهر : الله ياخذك .. يا حقييير .
تُسرع الى الغُرفة و تُنزل وليد .. ثُم ترتدي عباءتها و تحمل شنطتها على كتفها .. تُمسك كف وليد .. لتجره معها .. يمشي و هو يقول باستغراب : ماما وين بنروح ؟
فطووم : اشششش لا يسمعنا ابوك .
تنظُر الى سامي بتوجس و تراه هادئاً مُعمض العينين ..فتنطلق مُهرولةً قاصدةً الخروج .. يقشعر جسدها و هي تشعُر به يتبعها .. و سُرعته تفوق سرعتها .. يلتفت وليد نحوه بصدمة .. تتسع عيناه بذُعر ..و هو يرى والده يُمسك والدته من مُؤخرة رأسها .. تصرخ فطوم .. و تُفلت كف وليد من كفها .. بينما يتراجع وليد الى الوراء برُعب و صدمة من منظر والده و هو يجُر امه من شعر رأسها .. ثُم يُسدد اليها لكمات على وجهها فتصرُخ .. ينجرف وليد ليختبئ اسفل الاريكة .. كـفأر مذعور .. و هو يتساءل في نفسه .. لقد كان والده يضحك منذ قليل .. مالذي قلب صورته اللطيفة الى هذه المُرعبة ؟ .. و صوت صُراخ امه يخترق اذنيه .. و صوت والده و هو يشتمها و يُكرر من قول : انتِ بلوى و طاحت على راسي !!
في اليوم التالي .. يستند وليد على جِدار الغُرفة .. يُراقب والده الذي يبدو هادئاً و على طبيعته .. و لكن خوف وليد منه لازال يُسيطر عليه .. لذلك يلتصق بالجدار بخوف مُبتعداً عنه .. بينما كان سامي يجلُس على السرير مُقابلاً فطوم .. و وجه فطوم بائس مُلطخ بالكدمات .. كدمة على جبينها .. و كدمة اسفل ذُقنها .. و كدمة اسفل عينها .. سامي و هو يُطرق رأسه للأسفل بـندم و هو ينظر الى كفه : يا جعلها ايدي الكسر .. لو ارفعها عليك مرة ثانية !! .. فطوم سامحيني .. عقلي ما كان معي .. الله يلعن هالسم اللي يخليـ
فطوم بصوت مُرتفع مقهور : الله ياخذك !! .. عذر اقبح من ذنب .. و بكل وقاحة جاي و تعتذر بعد !!
دفعته من صدره بقهر : الله ياخذك !! .. انا مادري وش اللي مصبرني عليك ما ادري !!!
يخرُج وليد من الغُرفة .. فوالدته اذا فقدت اعصابها .. تُصبح مُرعبة ايضاً .. يقف قُرب الباب و هو يُراقبهم .. دائماً هُما مثل " القط و الفأر " في شِجار دائم لا ينتهي .. حتى لو كان والده هادئاً و لطيفاً .. فهي ايضاً تُشاجره و تصرُخ في وجهه .. سامي و هو يبتعد عنها ليقف .. فتقِف هي امامه و تقول بجنون : انا امس كنت قاعدة افكر في حل لـ البلا الا انا فيه .. ما فيه حل غير انك تمووت !! اذبحك و انت نايم و افتك منك و من قرفك ..
انطلقت عليه و هي تنوي ان توسعه ضرباً .. بينما مسكها سامي من ساعديها ليمنعها .. و قال بهدوء : فاطمة !! وش هالكلام .. مجنونة انتِ ؟
فاطمة و هي تصرخ و قد فقدت صوابها حقاً : ايييه نعم مينونة !!! اييي مينونة .. و انت اللي طيرت عقلي من رااسي .. انت !! كل ما اقول بتترك هالسم و بتصير آدمي .. ترجع مثل قبل و اردى !! الله يلعن الغباء اللي خلاني اترك اهلي و ديرتي و اركض وراك يا الخبل !!! الله يلعن الغباء اللي خلاني اوافق عليك و الا انت كفو ؟؟ ما انت كفو .. و انا الحيوانة .. كله مني !! كله مني !!
يُحكم امساكها من ساعديها و يُقربها منه و هو في هدوء مُستفز .. و كأنه كالجِدار - لا يشعر و لا يسمع و لا يتألم - يهمس في اذنيها : خلاص اهدي وليد قاعد يطالعنا !!
تنهار و هو مُمسك بها و تبدأ بالبُكاء بقهر .. : انت مثل الطوفة ما تحس !! ما تحس !!
بعد لحظات ترفع رأسها و تدفعه عنها .. يُفلتها من يديه و هي تُأشر على وليد و ترفع صوتها : شوفه كيف خايف منك .. كيف تسمح لنفسك انه يشوفك ولدك وانت بهالحالة !! انت ما تستاهل تكون أب .. ما تستاهله و لا تستاهلني !!
يستدير بعينيه نحو وليد .. و هو في الاصل يتألم من الداخل .. و حالة الثمالة التي يصل اليها خارجة عن سيطرته .. فقد ادمن ذلك السم حد النُخاع .. و كُلما يعد نفسه و زوجته انه سيتوقف عنه .. الا انه ينقطع فترة ثُم يعود .. هو في الاصل لا يستطيع ايذاء قِطة .. فكيف يُؤذي انسانة من لحمٍ و دم .. لو كان في وعيه لما آذى حتى شعرةٍ منها .. و لكنه ذلك السم الذي يسري في اوردته .. يُفقده عقله .. فيتجرد من انسانيته .. فيُصبح قادراً على فِعل اي عملٍ دنيء .. يقترب بهدوء نحو ابنه .. الذي تراجع خُطوتين الى الوراء بخوف .. يبتسم له سامي لينحني على رُكبتيه و يُصبح بطوله : ولييد .. تخاف مني ؟؟ تخاف من سامي !!
يصمت وليد و قد هدأ روعه قليلاً .. فـ سامي هو والده و امانه و صديقه ايضاً .. هو الأمان بالنسبة اليه .. فكيف يخافُه .. يقترب منه سامي ليسحبُه الى حضنه بسُرعة و يبدأ في دغدغته .. ليضحك وليد مُجبراً .. يرفعه بين ذراعيه ليُقبله .. ثُم يتجه به نحو فاطمة .. ليمُده نحوها و هو يقول برجاء : عشان وليد .. سامحيني .. لخاطر وليد عندك سامحيني ..
تنظُر اليه شزراً ثُم تسحب وليد منه و تمُده نحوه و تقول : انت اللي عشان وليد ..شوف لك حل !! اللي فيك هذا اسمه ادماان .. روح تعالج او شوف لك صرفة !!
تحتضن وليد لتخرُج من الغرفة تستدير له و تقول بتهديد : اذا ما شفت لك حل .. انا اللي بتصرف .. بشتكي عليك و بطلب الطلاق .. و باقول لهم عن كل خرابيطك .. و هم بسهولة يقدرون يثبتون انك مُدمن .. و تصير حضانة وليد عندي آنا !!
سامي بِحدة : ما تقدرين تسوينها !!
فطوم : اقسم بالله اذا ما اعتدلت اسوييها !! اقسم بِاللَّه
يستمع اليهم وليد و هو مُعتاد على هذه الاحاديث .. حتى بات يحفظُها و يتوقعها قبل ان تحدُث .. يُوزع نظراته نحو سامي و فطوم .. كِلاهما عزيزان على قلبه و يُحبهما بشدة بل و بتملُك طفولي لهُما .. و لكنهما لا يتبادلان تلك المشاعر .. وليد هو القاسم المُشترك الوحيد بينهما .. اما فطوم فتكره سامي بل و تحقد عليه .. اما سامي فلا يهتم لفطوم .. لا يكرهها و لكنه ايضاً لا يُحبها .. لا تعنيه شيء سِوى انها ام وليد .
عاد عقل وليد الى الواقِع .. و الى الطريق الطويل امامه .. و قد وجد جواباً لسُؤاله .. متى كانت اول قطرة خمر يتذوقُها لسانه .. مُنذ الصِغر .. و مُنذ الصغر تخزنت صورة والده الثمل في عقله الباطن .. لينجرف بسُهولة نحو الحرام و هو يستصغر ذلك الذنب ...
مروة بصوت ناعِس : يعني بتقعد تسوق بهالبُطء على طول .. قلنا لا تسرع بس مو كِذا !!
يستدير لها بهدوء : انتِ نامي .. شوفي وجهك كيف مقلوب من النعس .. نامي و اذا وصلنا الحدود بصحيك .
اغمضت عينيها بهدوء و هي تستدير نحو النافذة و تُرخي رأسها على الكُرسي .. مد يده نحوها .. لأسفل الكرسي ليُنزل الكرسي و يُرخيه .. ثُم اعاد كفه للمُقود ..
اعاد ناظريه الى الطريق و هو يُبطء من السُرعة اكثر و تنجرف الذكريات الى عقله اكثر ..
كان يقف بفضول و غيرة طفولية نحو تلك الطفلة التي يحملها والده .. و هو يُقبلها و يرفعها عالياً .. يجلس وليد ذو الخامسة على الاريكة بجانب والده .. و هو يُحدق في مروة و كأنها مخلوق فضائي .. او كائن غريب لا يعلم من اين أتى .. كانت مروة في عامها الثاني .. صغيرة لا تفهم شيئاً حولها .. تضحك في وجه سامي الذي يرفعها و يُقبلها .. سامي و هو يُقرب مروة الى وليد : ما تبي تحملها وليد ؟ .. شوفها تضحك لك .
ينظُر نحو ضِحكة تلك الطفلة بحيرة .. يضع يده على وجنته البيضاء ليسحبها .. ثُم يقول : ما ابيها .. رجعها بيتهم .
سامي و هو يقرب مروة لوليد اكثر .. و يجعل فمها في وجنته : بس هي تحبك ..وليد هاذي اختك .. لازم تحبها .
يمسكها وليد ليحملها .. تنقبض ملامحه بارتباك و هو يشعر بغرابة من انه يحمل طِفلاً مثله .. يُحدق في ملامحها بتوتر .. و هو يُحاول ان يفهم فيما تُفكر به هذه الصغيرة .. يُخرج سامي الكاميرا .. ليلتقط لهما صوراً معاً .. و وليد من ارتباكه لا يعرف حتى ان يبتسم في وجه الكاميرا .. في هذه الاثناء تخرُج فاطمة في غُرفتها .. و هي تتجه نحوهما .. عابسة الوجه كعادتها و لازالت آثار الكدمات على وجهها .. تجلس على الاريكة المُقابلة لهم .. و تقول : انا ما باط جبدي الا انت .. بكل ثقة تروح تاخذ البنت من امها و تدخل نفسك في تربيتها .. لهالدرجة مصدق حالك ؟
يتجاهلها سامي و هو يلتقط صوراً للطفلين : وليد امسكها عدل لا تطيح .
يزداد قهر فطوم اكثر .. يتجاهلها و كأنها فراغ لا وجود له.. تنظر اليه و هو يُعاود حمل مروة .. فتقول بغيظ : صدقني من ورا تربيتك ما بتطلع الا رقاصة .
يضحك و كأن الامر لا يعنيه .. ثُم يقول و هو ينظر الى مروة : شفتي يا مروة .. خالتك فطوم ضمنت لك مُستقبلك .. رقاصة هههههههه
وليد ببراءة : يعني وشو رقاصة ؟
سامي كمن يُبرء نفسه : قول لأمك تعلمك ..هي اللي قالتها مو انا
يسير نحوها ليُحملق في وجهها العابس و يقول : يعني وشو رقاصة ؟
فطوم بوجوم : قول لابوك يعلمك .. هو ادرى .
يقف حائراً بينهما .. يُحدق بهما بعدم فهم .. تجلس فطوم و تهز رجلها بعصبية .. بينما يُلاعب سامي مروة بمرح .. يقول و هو يبتسم في وجه الطفلة : بتطلع دكتورة انا بنتي .. على ابوها و عمها .
يرُن جرس المنزل بشكل متتالي .. تقول فطوم : منو ياينا هالحزة ؟؟؟!!
تتغير ملامح سامي بشكل غريب .. يتجه الى فطوم ليُعطيها الطفلة .. تُمسكها بعدم فِهم و هي تُحدق به باستغراب .. سامي بنبرة غريبة : الششرطة !! الله يستر الشرطة !!
تتسع ملامحها بصدمة : الشرطة !! و ليش وش مسوي انت عشان تجينا الشرطة ؟
ينقبض قلبها بخوف و هي تحمل مروة و يديها ترتجفان .. بينما يمسك سامي بكف وليد و يقول : وش نسوي ؟ وين نروح وين نولي ؟ .. نتخبى في المطبخ ؟
وليد ببراءة : نقفز من النافذة احسن شي !!
جمدت ملامح فطوم بعدم استيعاب .. ليستدير لها سامي و ينفجر ضاحكاً في وجهها .. تُحدق اليه بعدم استيعاب و صدمة .. فيقول : غبية انتِ ههههههه كل شي تصدقين هههههه و انا وش دراني منو جاينا هالحزة ؟ هههههههه
قامت بعصبية لترفع صوتها : الله ياخذك .. انت كل شي عندك مزح ؟ وقفت قلبي .. ما ينعرف مزحك من جدك .. سكران و الا صاحي .. في جميع الحالات نفس الشي !!!
تتجه نحوه لتُعطيه مروة و تكاد تنفجر من بُرود اعصابه .: امسك بنتك مدري بنت اخوك مدري شتصير لك !!
سامي : خليها عندك شوي .. بروح اشوف مين عند الباب .
تجلس على الاريكة و تُجلس مروة على فخدها ..و هي تنظُر نحو سامي .. بالرُغم من انه دائماً ما يتقمص دور المُهرج امام وليد .. الا انه في الحقيقة مُهرج حزين .. ليس كما يبدو ..داخِله مُعاكس لظاهره .. يُكثر الضحك و السُخرية و يُحب المُزاح و لكن ذلك فقط قِناع يُخفي به حُزنه و همومه بقناع المُهرج .. يُحاول اخفاء حُزنه عبثاً و لكنه واضح جداً في عين فطوم .. فهي تعرف كُل ماضيه .. و كُل همومه و اسراره .. عِندما تزوجت به .. كان طائشاً بعض الشيء و ذو عين زائغة ..تزيغ لغيرها و كثيراً .. يشرب الكحول و لكن بحُدود .. بحدود لا تمنعه من ان يكون طموحاً .. طموحاً بشكل كافي ليُمارس مِهنة الطب و يتخصص في الجراحة .. و كان اخيه الاكبر بدر دائماً معه يوجهه و يستتر على اخطاءه .. و هي تتحمله فقد فات الاوان على ان تتركه بعد ان اصبحت اماً لابنه .. ثُم يأتي ذلك الحادث المروري الذي يقلب حياة زوجها رأساً على عقب .. يموت بدر فيه .. و يُصاب سامي في يده اليُسرى .. اصابة بليغة طالت اعصابه .. يتشافى منها و لكن ليس بشكل كامل ..بالرُغم من انه قادر على تحريكها باريحية .. الا انه من الخطر ان يُمارس مهنة الجِراحة و هو بتلك الاصابة .. فهو لا يستطيع التحكم بيده بشكل كامل .. و لا عِلاج .. و ينتهي حُلمه بأن يُصبح جراحاً .. يبقى تائهاً بلا هدف و لا حُلم .. بالإضافة الى انه فقد اخيه الوحيد و ما تبقى له من اهله .. و تأنيب الضمير يسحقه .. اذ انه يعتقد بأن اخوه مات بسببه .. مات و هو غاضبٌ منه !! فيغرق في الكحول و يُدمنها ..
نظرت الى تلك الطفلة بعبوس .. هي دائماً عابسة الوجه .. تبتسم فقط لأجل وليد .. لا تُجيد ارتداء الأقنعة كزوجها ..لذلك هي عابسة لا ابتسامة حقيقة تنبُع من قلبها .. مسحت على شعر مروة الصغيرة بحنان .. لطالما تمنت ان تُرزق بـفتاة .. و لكنها من المُستحيل ان تُفكر بإنجاب طِفل آخر من سامي .
ينظُر وليد نحوهما و غيرته من تلك الطفلة هي ما تشغل باله .. كانت في حُضن والده و الآن في حُضن امه .. يزم شفتيه و يقطب جبينه ببراءة .. ليتسلق والدته و يجلس على فخدها الثاني و هو يتكتف بحُنق .. فطوم : ماما وليد .. لا تتعبني قوم .. خلاص انت صرت كبير .. لا تصيح البنت !!
يقول بعِناد : انا بعد صغير !!
يتذكر ايضاً بعد ان غادر ضيف والدُه من المنزل .. و الحوار الهادئ الذي دار بين سامي و فطوم .. يطل برأسه من الباب ليستمع الى حديثهم .. كانت فطوم تجلس على الاريكة بجانب سامي لم يشعرا بوجوده اذ انهما كانا يُعطيانه ظهريهما .. و لكن اصاوتهم وصلته .. فطوم بهدوء : تخيل لو هذاك الحادث .. انت اللي مت فيه مو بدر .. كنت رحت بذنوبك و سيئاتك .. بس ربي كتب لك عمر جديد .. عشان تصلح فيه نفسك و تكفر عن ذنوبك .. مو عشان تضيع نفسك زيادة !!
يصمت سامي و هو يُبعد عينيه عنها.. تُكمل فطوم حديثها و قد احتد صوتها : على الاقل عشان هالأطفال اللي تقول انك تحبهم .. انت تضمن نفسك ما تضرهم وانت سكران ؟ تضمن نفسك ؟
سامي باندفاع : انـا بتغير .. و بوقف عن هالسم .. بتغير
.. شفتي . صار لي اسبوع موقف شرب و ان شاء الله بستمر
فطوم : سمعت منك هالكلام مليون مررة .. و توقف فترة و ترجع .. فقدت الثقة فيك و مليت و تعبت
ينظُر نحوها و يقول بنبرة جادة : بتغير و الله بتغير .. و بصير واحد ثاني .. بفتح مستشفى .. بكمل المشروع اللي بدأ في بدر و ما كمله .. بسوي اللي ما قدر هو يسويه .. بفتح هالمُستشفى و بسميه على اسم المرحوم .. مستشفى بدر الزاهـر .. و ابو قصي قال انه بساعدني و بيوقف معي .. و ورثي من بدر بستثمره كله في هالمشروع .
تنظُر له و هي غير واثقة بأنه يستطيع التغيير حقاً .. تنظر الى كفه التي امسكت كفها و هو يقول : بفتح صفحة جديدة في حياتي .. و ابيك معي فيها .. خلينا ننسى كل اللي صار ..
فطوم ببرود بائس : افتح هالصفحة الجديدة بروحك .. و لا تحسبني معاك .. انا ما اقدر انسى و لا اقدر اسامحك .. ما اسامحك ليوم الدين على كل غلطة غلطتها في حقي .. و على كل دمعة و ظلم حسيت فيه بسبتك .. من تزوجتك و انت بس تغلط فحقي .. و تهمشني و تكذب علي و تغافلني .. ما بقى ظُلم ما عيشتني فيه ..الله لا يسامحك !لا تفكر ان قعدتي معك للحين عشانك !! انا ظالة للحين معاك عشان ولدي .. ولدي و بس .
يستمع اليهم وليد .. و لا يفهم المعنى الحقيقي لكلامهما .. سِوى انه سعيد لأنهما يتحدثان بهدوء على غير العادة .. و لم يفهم ان ذلك الحوار كان بِداية انفصالهما .
ثُم تتابع الذكريات في عقله .. عِندما بلغ التاسعة من العُمر و تركته والدته و ذهبت الى بلدها .. ثُم تزوجت من رجل آخر و اصبحت سعيدة .. كان يراها كيف تضحك مع ذلك الرجل الغريب الذي يُدعى زوجها .. كيف انها تضحك و سعيدة بعكس ما كانت عليه عندما كانت تعيش معهم .. كانت عابسة غاضبة مع والده .. اما مع زوجها الغريب سعيدة مُبتهجة .. و هو يكره ذلك الرجل بدون سبب .. فقط لأنه يشعر بأنه سرق والدته منه .. و ان فطوم فضلت ذلك الرجل عليه و عاشت معه عِوضاً عنه .. بل و رُزقت بأبناء منه ايضاً ..يشعر بأن عمار حياة هؤلاء الاولاد الذين يُدعون اخوته .. كان عمار حياتهم على خراب حياته هو .
مد يده نحو كتف مروة النائمة ليوقظها : مريو قومي .. وصلنا عند الجوازات .. مروة !!
تفتح عينيها ببطء و هي تتثائب .. تجلس ببهوت و هي تستيقظ و تستوعب صحوتها .. وليد : طلعي جوازك .. و ابوي جدد لك التصريح متأكدة ؟
تومأ بالإيجاب و هي تنظُر امامها بتشويش .. تُخرج جوازها الأخضر من حقيبتها و تمده نحوه ..
تقول و هي تتثاءب : تتوقع يفتشونا و الا ؟
وليد : لا .. في العادة ما يفتشون الا الشباب العزاب .. دامك معي ما اتوقع نتفتش .. يلتفت نحوها و يقول بضحكة : ليه مهربة ممنوعات و الا شعندك ؟
مروة : بلا استهبال .. بس انا ما احب سالفة التفتيش .
وليد : حتى لو بفتشون .. فماراح يفتشوك انتِ بفتشوا الشنط اللي ورا .. و ما اعتقد يفتشونا .. هم ما يفتشون الا الاشكال الغريبة .. و انا وانت وجيهنا كلها براءة هههه
مروة بملل : أيه مررة خصوصاً وجهك
تسدير نحو حقيبتها اسفل المقعد الخلفي و هي مُطمئنة .. ثم تلتفت للأمام و هي تمسح وجهها بمنديل مرطب لتمحي آثار النوم من وجهها
يُكمل وليد طريقه ليتخطى الحدود السعودية .. و يدخُل الى الحدود الكويتية .
تمتزج الذكريات بالأمنيات و بالخيالات .. و تبتسم هالة في شرودها .. و كأنها تستشعر دفء والدتها حقاً .. ثُم تستفيق من ذلك الشرود الجميل .. على اثر الطبيبة التي صفقت بيديها .. تنظُر نحو تلك الطبيبة التي كانت تُراقبها منذ زمن .. حيث طلبت منها ان تسكُن و تسترخي و كأنها وحدها في الغُرفة ليتسنى للطبيبة مُراقبة حالة هالة .. الطبيبة بهدوء : ابتسمتي في شرودك .. احلام اليقظة جميلة بس لا تسمحين لها تسيطر عليك .
استدارت هالة لها بدون ان تتحدث .. وجدت الطبيبة جوانب أخرى مهمة يجب مُعالجتها في هالة قبل ان تتفاقم .. فهي تتخيل كثيراً و تهرب من الواقع بأحلام اليقظة .. تُسيطر عليها تلك الاحلام .. فتجعلها تبتسم بل و تتحدث ايضاً دون ان تشعر .. و كأنها تعيش تلك الاحلام في ارض الواقع .. و ذلك يُشكل خطراً عليها .. فتلك الاحلام خيالية و من المُستحيل ان تتحقق .. فتكتئب عِندما تعود للواقع و لا تتحقق تلك الاحلام .. و هي يجب عليها مُجابهة الواقع لا الهُروب منه .. ثُم انه يجب على هالة ان تُفضفض و تتحدث كثيراً ليخُف ذلك التلعثم في كلامها ..الطبيبة بابتسامة : تكلمي لي عن نفسك شوي .. و عرفيني على الاشخاص المُهمين في حياتك .
استجابت هالة لها .. فهذه ليست المرة الاولى التي تطلب منها الطبيبة هذا السُؤال : انـا هـالة محمـ و د الجـاسر .. عمـ ري ١٨ .. و عندي اختـ ين و اخ .. ليلى و نور و حامد .. و زوجـ ته و ولده .. عندي عمـين و عمـ ة وحدة .. و خالـ تين و خـ ال واحـ د ... صديـ قاتي سهام و عايشة و زينب ..
الطبيبة : تكلمي لي عن خواتك .
هالة : نور الكبيرة..عندها بنـ ت و ليلى الصغيرة
الطبيبة : تكلمي لي عن شخصياتهم و كيف هم بالنسبة لك
توقفت تُفكر .. ثم قالت : ليـول اقـرب لي .. بسـرعة تزعل و بسرعة ترضى .. حتـى نور تشبهها .. ليـ ول حيـاتي معها كله هواش .. بس لأسباب سخيفة .. اذا يمر يومين ما نتهاوش يعني هي مريضة او انا .. بس بسـ رعة نتصالح و كأن ما صار شي .. بس ليلى من انخطبت تغيرت شوي .. انشغلت عني .. و لمـا تزوجت انشغلت اكثر ..
و صمتت لا تعلم لِمَ يحُز في خاطرها هذا الامر .. هل لأن ليلى تأخرت كثيراً في مجيئها اليها .. اليس المُهم انها عادت الان ؟
الطبيبة : لا توقفي .. كملي .. قولي كل اللي في خاطرك
تذكرت هالة يوسف .. و كيف انها كانت تُفكر به بطريقة خاطئة .. كانت تحتقر نفسها .. قالت باندفاع : انا حقيرة .. كنت افكر غلـ ط .. بس غصـ ب عني ، رفعت رأسها لتنظر الى الطبيبة : كـيف ساعات عقلي ما يطاوعني .. افكر في اشياء ما ابيها .. و ابكي و اكرهني !!
الطبيبة بتفهم : مثل وشو هالأشياء اللي تخليك تكرهين نفسك ؟
انزلت هالة رأسها .. لا تُريد ان تُخبر الطبيبة بذلك .. فهمت الطبيبة ذلك فقالت بتفهم : اذا ما حبيتي نفسك كيف تطلبي من الناس يحبوها ؟ اذا انتِ ما وثقتي بنفسك كيف تطلبي من الناس يوثقون فيها ؟
نظرت اليها هالة بضياع .. كلام الطبيبة صحيح .. اذا لم تُحب هي نفسها فكيف تُطالب الاخرين بُحبها .. اذا هي لم تثق بنفسها فكيـف تُطالب ليلى والآخرين بأن يثقوا بها .. اكملت الطبيبة : عقل الانسان منقسم الى قسمين .. وعي و لا وعي .. الوعي هو الجزء اللي يقدر الانسان يتحكم فيه .. و الا وعي العكس .. مثال بسيط عشان تفهمين اكثر .. لما الانسان ينام .. يغيب الوعي و يبقى الا وعي .. عشان كذا الاحلام اللي يشوفها يكون مصدرها الا وعي او العقل الباطن .. و اسرار الا وعي مالها حدود .. بعضها يكون موجود من الطفولة .. لذلك احنا في وعينا ما نتذكرها .. بس تأثر على سلوكياتنا لأنها موجودة في الا وعي " العقل الباطن " .
استوعبت هالة الكلام .. و تذكرت عندما كانت تحلُم في يوسف .. و تستيقظ و تبكي .. هل هذا يعني انه كان موجوداً في الا وعي .. قالت بفضول : يعني الا وعي هـ و الجـ زء اللي مو زين فينا ؟
الطبيبة بنفي : لا .. الا وعي تراكمات من الاحداث اللي اثرت فينا داخلياً و تسجلت في الا وعي .. مو ضروري تكون هالتراكُمات سيئة .. فيه منها الخير و فيه منها اللي ما يعجبنا .. ما اقدر اقول انه سيء .. لأن ماهو بايدنا .. و الانسان القوي هو اللي يقدر يسيطر على نفسه و يحكم افعاله ... و غلط تقولين اكرهني يا هالة .. رب العالمين اكرمنا بالعقل الواعي و جعلنا قادرين على التحكم بتصرفاتنا .. و رب العالمين ما يحاسبنا على الافكار اللي ما تتجاوز نطاق تفكيرنا .. عن الرسول ( ص ) قال (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم) ..
ابتسمت لها الطبيبة و قالت : اوعديني انك ما تسمحين للسلبية تسيطر عليك .. و ما ابي اسمع منك " اكرهني " مررة ثانية .
اومأت هالة ايجاباً .. ثُم تابعت الطبيبة تعزيزها النفسي لهالة .
الى ان دخلت ياسمين الى الغُرفة بعد ان طرقت الباب .. تحدثت مع الطبيبة بصوت مُنخفض لم يصل الى هالة .. اومأت الطبيبة ايجاباً لها .. بينما قالت هالة لياسمين : الحين بنمشي ؟
ياسمين : لا في شغلة بسيطة بتكلمك عنها الدكتورة الحين .
لم تفهم هالة شيئاً .. و لكنها شعرت بأن شيئاً مهماً سيحدُث الآن .. و قد يُحدد مصيرها .
*
تجلس رانيا في صالة منزلها .. حولها اطفالها .. مُنقبضة الملامح .. سارحة تعتصر هاتفها بيدها .. مشغولة البال بأخيها و حاله ..و عِندما قال لها " في المشاكل الزوجية لازم تسمعين من الطرفين مو من طرف واحد " .. كلامُه صحيح نوعاً ما .. و قد لا يكون طلاقه منها فقط بسبب اختها قد يكون له اسبابٌ أخرى .. و لكنها كونُها أخته و تُهمها سعادته و راحته .. و كونُها امرأة و أم .. فهي تُفكر في نور و سارة على النحو نفسه .. فمالا ترضاه لنفسها لا ترضاه لغيرها و خصوصاً انها تعرف نور جيداً و تعرف اخلاقها و معدنها ..و مالا ترضاه لأبناءها لا ترضاه لسارة " حبيبة عمتها " .. و لأنه اخيها و هذا الأهم .. فهي تتمنى له السعادة و راحة البال .. و قد كانت ترى سعادته و راحته مع نور .. و لا تريده ان يهدم بيته و يُخرب حياته بيده ..لقد صدمها بقراره .. بالرُغم من انه ليس اول طلاق يحدث في عائلتها .. فأخوها عمر طلق زوجته مرتين ..و اخوها عاطف له تجربة سابقة في الطلاق .. و اختها ندى تطلقت ايضاً و لكنها عادت لزوجها و اختها نوال مُطلقة منذ زمن و ترفض الزواج مرة اخرى .. عائلتها على العموم حافِلة بالمشاكل الزوجية و الاضطرابات الأسرية بين الجميع و ليس من ناحية الطلاق فحسب .. فهي دائماً تسمع و ترى بعينها ايضاً عن المشاكل التي تحصل في منزل اخيها الاكبر بندر ..كانت حياته في صراع دائم بين زوجته الاولى و الثانية .. بين غيرة الاولى و محاولاتها لاسترداد زوجها... و استفزاز الزوجة الثانية لها و تلذذها بإغاظتها .. بينما يقف الزوج - حاد الطِباع و جلف المشاعر - في مُنتصفهم .. لا تُفيده قُوة شخصيته و حِدة طباعه في حسم الامور و نزع الخلافات .. فكيدُهن عظيم .. و كان الحل الذي وجده في النهاية .. ان يتزوج الثالثة .. ليكسر ثِقة الثانية .. و يُخرس الاولى .. و لكن مشاكله لم تُحل بذلك الزواج كما اعتقد .. بل ازدادت تعقيداً و اضطراباً .. و الضحية في هذا كُله .. اطفاله المساكين الذين يعيشون حياةً مُضطربة مليئة بالخلافات .. في عائلة غير مُتحابة .
و حياة بندر لم تكُن مُختلفة كثيراً عن حياتها السابقة في منزل والدِها .. حيث ان والدها المرحوم ايضاً كان مُتعدد الزوجات ..و قد يكون هذا هو السبب الرئيسي في عدم توفُق نِصف اخوتها عاطفياً .. بالرُغم من نجاحهم عملياً و مِهنياً .
قامت من مكانها و هي تترحم على والدها .. كان عادِلاً لا يُفرق بين احد من ابناءه .. يُعاملُهم كُلهم بسواسية و ان مال قلبُه لأحدهم بشكل اكثر .. الا انه عادِل في جميع الاحوال .. و على انه قد اثر على ابناءه سلباً من ناحِية الترابُط الاسري .. الا ان ذلك لا يُعد قاعِدة ثابتة .. فهي على سبيل المِثال توفقت في زواجها بالرُغم انها عاشت ما عاشه اخوتها .. و كذلك اختها شادية و اخويها عماد و حسن .. قد توفقوا ايضاً مثلها و ندى في النهاية حكمَّت عقلها و عادت لزوجها .. و كانت تعتقد ان منصور سيكون مثلهم ايضاً .. لم تكُن تقلق عليه من تلك الناحية .. فحياته مع نور كانت هادِئة لا يُسمع لها صوتاً .. تعلم انه لا توجد حياة خالية من المشاكل .. و لكن مشاكل منصور لم يكُن يُسمع لها صوتاً .. اذ انه من الواضح انه قادر على حل مشاكله بنفسه .. و انه على تفاهُم و وفاق مع زوجته .. و منصور بالرُغم من انه يُشابه اخوته في حِدة الطباع و عصبية المزاج .. الا انه مُقارنةً بِهم يُعد الألطف و الأهدأ و الارقى في التعامل ايضاً ...
استفاقت من شرودها على اثر يد صغيرتها التي تهُزها : ماما وش فيك سرحانة ؟
رانيا بهدوء : مشغول بالي على خالك و بنته
اسراء بفضول : ما جت سارة عِندنا اليوم .. ليه ؟ امس خالي كان يهاوشك بعد .. ليه ؟
رانيا و هي تقوم من مكانها و تقول : ما يهاوشني .. بس هو كِذا اسلوبه ..
اسراء و هي تتبعها : خالي منصور كِله يصرخ
مسحت على شعر صغيرتها و ابتسمت رُغماً عنها .. و قالت بضِحكة : ما يصرخ .. هو صوته عالي و بسرعه يتحمس و ينفعل ... دمه حار
اسراء ببراءة : كيف يعني دمه حار ؟
ضحكت رانيا و هي تُحاول شرح معنى ذلك الوصف لها ..
عصبي و لكنه اهدأ اخوته .. ثُم ان طبعه العصبي لا يتنافى مع رجاحة العقل و حُسن الخُلق .. لو كان كذلك لما توفق في مِهنته و عمله و علاقاته مع الناس .. ثُم انه بعد ان تزوج نور و اصبح أباً .. كان لذلك تأثير ايجابي عليه .. فقد اصبح قادراً على التحكم بأعصابه و كظم غيظه أكثر من السابق .. قد يكون اكتسب شيئاً من طبع زوجته الهادئ فمن احب شخصاً تأثر بِصفاته .. و كذلك الأبُوة نِعمة عظيمة و لها تأثيراتُها و حسناتُها .. و هي كونُها اخته لن تتوقف ابداً عن نُصحه .. و ستُحاول جمع شمل اسرته من جديد .. ذهبت الى المُطبخ تُعد الطعام و تقُص قصصاً حصلت لها مع اخوتها .. بندر و عِماد و منصور و ندى .. اخوتها الاشقاء .. جميعهم عصبيون و لكن لكلٍ منهم عصبية مُختلفة عن الاخر .. تتشابه في نقاط و تختلف في نقاط أخرى .. و لو كانت العصبية هي ما تحكُم افعال المرء دائماً .. لخربت الدنيا !! تستمع لها اسراء بحماس و بينما رانيا تتحدث و تتحدث .. تذكرت موقِفاً سابِقاً لاخيها .. كان بعد خِطبته من نور بأشهُر .. عِندما كانت والدتهم المرحومة تسأله عن مخطوبته و رأيه فيها و ان كان قد ارتاح لهـا ام لا .. كانت واثِقة من ان نور التي اختارتها له ستُعجبه .. و لكنه احبطها في البداية برده ..و هو يقول بانفعال كعادته : دلـوعة بزيادة .. و تبي كل شي على كيفها و بسرعة تزعل و تدلع و ما على لسانها الا هالسؤال " تحبـني ؟ " و حنانة .. تحن و تزن تحن و تزن على هالسؤال .. .. سخييفة و هبلة .. ، يُكمل بضحكة : تحب تمشي على البحر و تسمع لفيروز ..و ترسل لي رسايل حُب و غرام و انـا اضحك .. تقول لي " ليه ما تهديني ورد ؟ " .. يعني ابي افهم وش فايدته الورد و هو كله يومين و يذبل ؟ ... يضحك ثُم يقول لندى التي احمر وجهها حُنقاً : الحين ابي افهم كل البنات سخيفات مثلها ؟
تُجيبه ندى بعصبية .. اذ انها تشعُر وكأنه يتحدث عنها : اذا كان هذا مفهومك للسخافة ..فايه نعم كل البنات سخيفات .
تقول والدتهم باحباط : يعني ما عجبتك ؟
يبتسم لها و يقول : افـا يا ام بندر .. كيف تكون اختيارك و ما تعجبني ؟. اكيـد عجبتني و ارتحت لها .. يعني هي صحيح هبلة و سخيفة بس طيبة و قلبها ابيض .. و اصيلة و اخلاقها حلوة ..، يعتدل في جلسته لتتغير ملامحه و يهدأ صوته و يقول : والله يشهد انها بسرعة دخلت قلبي و تعودت عليها .
تتبادل رانيا نظراتها مع اختها ندى و والدتهم و هُن يُحاولن اخفاء ابتسامتهن .. اذ انه عِندما قال جُملته الاخيرة " بسرعة دخلت قلبي و تعودت عليها " .. قالها بطريقة غريبة لم يعتدنها منه .. طريقة مُضحكة نوعاً ما و لا تُناسبه .. لم يستطعن كتم ضحكتهن اكثر و انفجرن ضاحِكات بقوة .. بينما قالت ندى في وسط ضحكتها : جابته على وجهه و خرفنت عقله ... و يقول عنها هبلة بعد ههههههههههه .. و الله ما احد اهبل الا انـت .
تصمت و تبتلع ضحكتها و هي تُلاحظ ملامحه التي احتدت بغضب واضح .. و تتطاير عيناه شرراً .. بينما توقفت رانيا عن الضحك بعد ان دمعت عينيها .. قالت والدتهُن و هي الأخرى تُحاول كتم ضحكتها بصعوبة : لا تضحكون على ولدي ..يعني وش فيها لو اعترف انه يحب زوجته .. عادي ما فيها شي ههههههه.
تقوم ندى من مكانها لتُهرول خارجاً .. اذ ان غضب اخيها لا يزول بسهُولة و سينصب عليها كُله الآن .. فـ رانيا اخته الكُبرى و لها احترامها و تلك والدته و لها كُل الاحترام .. و هي الصُغرى و ستحظى بنصيبهن من غضبه
تُتابع نور سرد ذكرياتها طيلة الاربع سنوات التي قضتهم مع منصور .. مغرور و عصبي يُمارس عليها افعال سادية .. و دائماً يتحدث و كأنه احسن الناس .. تتذكر بعد خِطبة ليلى من يوسف .. عِندما كانت تتحدث معه عن ذلك الموضوع ليُجيبها : انـا مادري كيف ابوك وافق عليه .. ما اشوف فيه شي زود .
تنظُر له نور باستغراب : ليه ؟ وش فيه ؟ .. ابوي يمدحه و حامد بعد .. و تراهم جيرانا من سنين و عشرة عمر .
منصور : ايه ما قلت شي .. بس لو واحد مثله يتقدم لأختي ما اوافق عليه .
نور بعدم اقتناع : و ليه ان شاء الله ؟
منصور باستخفاف : لانه على الحديدة ... مررة يشتغل سواق و مررة جرسون و مررة ما اعرف ايش
نور بحنق : ايه عادي وش فيها الشغل ماهو عيب .. و ترى يوسف جامعي و عنده شهادة .. بس الدنيا ارزاق و حظوظ .. و وظيفته اللي يشتغل فيها راتبه ما يكفيه عشانه مسؤول عن امه و خواته .. فيضطر يشتغل في وظيفة ثانية من هالوظايف اللي ماهي عاجبتك .
ينظُر لها بتعالي .. ثُم يعقد حاجبيه و يقول : و انتِ ليه تدافعين عنه ؟
نور : لأنه اهم شي في الرجال اخلاقه و اختي الحمد لله تقول انه يعاملها زين و مرتاحة معه و مبسوطة و هذا المُهم .
يقوم عنها بعدم اهتمام .. و لم يُعجبه حديثها .. يقول باستخفاف : بُكرة بتتذكرين كلامي هذا .. بعيش اختك على الحديدة ..و هذا انا اقول لك ... و بتجي اختك و بتشتكي منه و بتقولين منصور قال .
تنظُر اليه بغيظ .. و هو دائماً ما يُصغر من اهلها امامها .. يتلفت اليها منصور مُجدداً ثم يقول :
و بعدين وش قصدك لما قلتي ان اهم شي الاخلاق .. لا يكون قصدك ان انا اللي اخلاقي خايسة ؟ .. و الاستاذ يوسف هو صاحب الفضائل و الاخلاق الكريمة !!
تهمس بقهر : اللي على راسه بطحى يتحسسها
يرفع منصور صوته : نعـم ما سمعتك ؟؟
ترتبك ثُم تقول بتصحيح : لا تقولني كلام ما قلته .. انا ما قلت كذا .. بالعكس يا بختي فيك و في اخلاقك .
يبتعد عنها بعدم اهتمام .. و هي تشعُر بالقهر منه .. يتعالى على اهلها امامها و دائماً ما يستخف بقراراتهم .. فالآن يُشعرها بأن اهلها لا يعرفون مصلحة ابنتهم و زوجوها يوسف الذي لا يعتقد انه قادر على ان يفتح بيت ... و ليس يوسف فحسب .. بل انه يسخر من حامد ايضاً لأنه سمين .. و لكنه في النهاية يقول بأنه يمزح معه .. و ينتقص من قدر عمومتها ايضاً و ابنائهم و غيرهم من اقاربها ...دائماً يتحدث و كأنه احسن الناس ... توقفت عن التفكير للحظة .. لِمَ لا تتذكر سِوى المواقِف السيئة ؟ لمَ تتذكر فقط عيوب زوجها و لا تتذكر صِفاته الجميلة التي حببتها فيه و جعلتها تعشقه و تُضحي كثيراً لأجله ... لا تنكر انه به من الغرور و التعالي الكثير .. و لكنه ايضاً لبِق و مُحترم في التعامل .. فهو يحترم يوسف و يتحدث معه بلباقة ...احياناً يظهر بعض التعالي في كلامه .. و لكن اسلوبه اللبق يطغى .. و يحترم حامد ايضاً .. صحيح انه يسخر منه و يمزح معه مزحاً ثقيلاً و لكنه يحترمه ثُم ان حامد لا يتضايق من ذلك ... و يحترم والدها كثيراً و يُقبل رأسه ايضاً .. و كان يكُن احتراماً كبيراً لوالدتها المرحومة .. حتى انه هو من اقترح ان يُسمي ابنتهما على اسمها ... فلترجع قليلاً الى الوراء ..فلتدور عجلة الذكريات اكثر .. لتصل بِها الى بِداية زواجها منه .. قبل ثلاث سنوات تقريباً او اكثر بقليل ... كان قد مر على زواجها منه ثمانية او تسعة اشهر .. لا تتذكر بالضبط كم المُدة و لكنها لم تكُن قد اكملت سنةً معه بعد .. تجلس بِجانب والدتها .. التي لا يروقها كلامها .. تقطب جبينها و تُنزل رأسها بينما تتحدث والدتها اليها : كل يوم و الثاني بتجين و تتشكين منه .. ليه ما تحاولين تحلين مشاكلك بنفسك !! الى متى يعني يا بنتي ؟
نور بضيق : يُمه ما ابيه !! ابي اريح راسي منه و اتطلق .. او يجي و يتفاهم معكم و تشوفون له حل !!
سارة : لا حول و لا قوة الا بالله .. ما توصل للطلاق !! بعدك ما كملتي حتى سنة معه ... و بعدين انتِ قعدتي معه فترة خطوبة كافية عشان تعرفينه .. و كان عاجبك !! و احنا ما غصبناك عليه .. انتِ بنفسك الا اخترتيه و ففترة الخطوبة قلتِ انك حبيتيه .. وش اللي تغير ؟؟
نور بتذمر : في الخطوبة بالرغم انِّ لاحظت عليه انه شايف حاله و جلف .. و كانت بينا مشاكل يا يُمه اذا تذكرين !! و لو ما انتِ كان ما انحلت !!
سارة : مشاكلك في خطوبتكم كانت تافهة !! مررة متهاوشة معاه عشان كِلمة قالها لك .. مرة عشان اثاث المطبخ .. انتِ ما تعرفين تتعاملين معه !! مو تقولين انه طيب و كريم و يهتم فيك و يعزك و يسمع لك !! وين راح كل هذا !!
ابعدت نور عينيها بعدم رِضا و تهكُم ثُم رفعت صوتها بدِفاع : لما صُرت معه في بيت واحد اكتشفت انه لا يُطاق !! عصبي و جلف و جاف و ما عنده اسلوب .، اكملت بشجن : يُمه يرضيك يعصب علي و انا مالي دخل !! يصارخ في وجهي و يهيني و يعصب بشكل مبالغ فيه !! و انا مالي ذنب .
تنهدت سارة و هي تُحاول ان تفهم ابنتها و تنصحها بما اكتسبته من خِبرة و تجارب في هذه الحياة .. قالت بتفهُم : و ليه يعصب عليك ؟ وش فيه ؟
نور : مرة متهاوش مع اخوه.. مرة مشاكل في شغله .. مرة متهاوش مع ما اعرف مين .. مرة متوفي مريضه على ايده .. و انا وش دخلني في هذا كله ؟؟
وضعت سارة يدها على كف ابنتها مُحاولةً تهدئتها و نُصحها قالت بلين : يا يُمه يا حبيبتي .. الحياة و ضغوطاتها تخلي الانسان احياناً يطلع من طوره .. و من كلامك واضح انه هو مايعصب لسبب تافه او لأي سبب .. ما يعصب الا جد متضايق و يحتاج من يحس فيه و انتِ زوجته ستره و غطاه .. اذا انتِ ما بتتحملينه اجل مين اللي يتحمله ؟
نور بعدم اقتناع : و كرامتي يُمه ؟؟ يعني يمسح بكرامتي الارض و عادي ؟؟ و كأني عبدة عـ
قاطعتها سارة بحزم : ما فيه كرامة بين الزوجين !!
صمتت بانشداه و عينيها تتسعان بعدم اقتناع من تلك الجُملة التي لفظتها والدتها .. هل حقاً لا يوجد كرامة بين الزوجين ؟؟ و كيف ذلك ؟ و كيف ؟!!! لم تُعجبها تلك المقولة حتى لو كانت من والدتها ..
اكملت سارة بانفعال : هذا انا عايشة مع ابوك صار لنا اكثر من ثلاثين سنة .. مرينا في مشاكل و ضغوطات ما يعلم فيها الا رب العالمين ..مع هذا كنت واقفة معه و على الحلوة و الُمرة .. كنت دائماً اصبر نفسي و اتحمل عصبيته لاني عارفة انها مو من قلبه .. و انه زوجي و ابو عيالي و لازم اصبر عليه و اداريه
صمتت نور لبُرهة ثُم قالت و هي تُحاول ان تُثبت رأيها و موقفها : يُمه ابوي ما هو عصبي مثل منصور .. ابوي اذا عصب علي فأنا اكون غلطانة و عشان مصلحتي يقسى و يعصب .. اما منصور فيـ
قاطعتها سارة : الأب شي و الزوج شي ثاااني !! ابوك لو تلفين الدنيا كلها ماتلقين رجال حنون عليك مثله !! لانك بنته و قطعة منه .. بس الزوج ما هو مجبور يكون حنون عليك في كل شي .. هو بعد انسان حاله من حالك و ما يختلف عنك في شي .. مثل ما انتِ تدورين اهتمامه هو بعد يدور اهتمامك .. مثل ما هو يتحملك و يداريك انتِ بعد تتحملينه و تدارينه و طاعة الزوج واجبة !! و بعدين من اللي قالك ان ابوك ما هو عصبي معي ؟؟ انا اللي معاشرته و فاهمة اطباعه و الا انتِ ؟ كل رجال و له عيوبه و الزوجة العاقلة هي اللي تعرف كيف تحتوي زوجها و تفهمه .. و انتِ افهمي اطباع زوجك و ادرسيها بتعرفين كيف تتعاملين معه ..
دمعت عيني نور و قالت بعدم حيلة : يُمه ما اتحمل عصبيته ما اتحملها !!
سارة : لا حول لله !! يعني هو على طول معصب ؟ كل يوم يعصب عليك ؟
نور : لا
سارة بابتسامة : يعني كم مرة عصب عليك من تزوجتي ؟
نور بقهر : كثييير
سارة : ايه يعني كم تقريباً ؟ كل اسبوع ؟ كل يومين ؟
نور بهدوء : لا مو كِذا .. يعني على حسب الظروف اللي يمر فيها حضرة جنابه !! .. صمتت تُفكر ثُم قالت بعد لحظات : يعني هو في اول شهرين زواج كان طبيعي و عادي .. بعدها شوي شوي بديت الاحظ عليه بعض التصرفات اللي ما تعجبني .. يمكن تقريباً في الشهر مرة او مرتين .. او .. رفعت ناظريها نحو والدتها و قالت بحيرة : مادري يُمه .. مادري كم بالضبط .
ابتسمت سارة و قالت بانتصار : هذا دليل انه عصبيته فترة مُؤقتة و لظرف طارئ .. حتى انك ما تذكرين !! افهميني يا بنتي .. الحياة الزوجية ماهي بس وناسة و سعة صدر .. انتم ستر و غطا لبعضكم و مثل مافي منصور صِفات حلوة عِنده عيوب ..و لكل انسان عيوب
نور: يُمه يعني اشوفه متضايق اروح اسأله وش فيك يقولي خليني في حالي و ما ابي اسمع صوتك .. بالله هذا اسلوب ؟؟
سارة : و انتِ اذا قالك بعدي عني وش تسوين ؟
نور : انقهر و اعصب مثله يعني بس هو اللي يعصب ؟ !!
سارة : وانتِ ليه تعصبين ؟ هو مهموم و متضايق انتِ وشوله تعصبين بعد ؟؟ يعني انتِ اللي تجيبين البلا لنفسك .. قالك ما ابي اسمع صوتك فمعناته تسكتين و تتركينه فحاله ليه العناد و انتِ عارفة انه معصب ؟ هو قال لك كِذا لانه عارف انه معصب و ما يبي يعصب عليك و يضايقك بس انتِ ما تفهمين و تجيبين الأذية لنفسك غصب
هل فِعلاً هي كذلك ؟ هل فعلاً هي من تتسبب في الأذى لنفسها ؟ قالت بمُراوغة : احياناً احاول اتودد له و احاول افهم اللي فيه بالطيب و الدلع .. مع هذا يكسرني يُمه !!
سارة : هذا لأنك ما تسمعين الكلام .. قال لك اذلفي عن وجهي معناته تذلفين عن وجهه ..واقفة للرجال في حلقه و هو معصب و مهموم وش تبينه يسوي فيك ؟
صمتت و هي تهُز رجليها بتذمر و لم تجد رداً لكلام والدتها .. فاكملت سارة : اذا شفتيه معصب كبري عقلك و بعدي عنه اتركيه لين يهدى بعدها تفاهمي معه .. مو تقولين انه ما يقولك عن مشاكله .. معناته كيف عرفتي انه متهاوش مع اخوه ؟
نور : لما هدأ و رجع انسان طبيعي قال لي ..
سارة : شفتي كييف !! .. معناته ان انتِ اللي تجيبين الأذية لنفسك و تخلينه يعصب عليك .. شفتي ان الغلط منك ؟
صمتت كطِفلة مُذنبة زمت شفتيها بامتعاض .. ثُم قالت بقهر : و كرامتي و كبريائي و مشاعري يُمه ؟؟؟
قامت سارة عنها بنفاذ صبر و رفعت صوتها بصرامة : قلت لك مافيه كرامة بين الزوجين انتِ ما تفهمين ؟؟ لا حول و لا قوة الا بالله .. اعوذ بالله منك .. هذا كله من المسلسلات و الافلام اللي تشوفينها لعبت براسك ..
نور بامتعاض : يُمه انتِ كله تدافعين عنه و توقفين بصفه كأن هو ولدك مو انا !!
نظرت اليها بِحدة و تأنيب و قالت : لمصلحتك !! منصور لو ماهو رجال زين ما كنا وثقنا فيه و زوجناك اياه .. و كبري عقلك و فكري في الكلام اللي قلته لك من تو ... احسبيها في مخك صح .. قارني بين ايجابيات زوجك و عيوبه شوفي اي كفة ترجح !!
ابتعدت سارة عنها و هي تتعوذ من الشيطان .. فتحت الباب لتندفع ليلى من خلفه الى الاريكة التي بجانبه .. لم تنتبه سارة لها لذلك اكملت مسيرها بينما تجلس ليلى على الاريكة تُمثل الانشغال بهاتفها .. و خزتها هالة من كتفها و هي تقول : بقول لأمي كنتي قاعدة تتنصتين عليهم !!
التفتت لها ليلى لتضربها على كتفها و تقول بتهديد : فيك خير روحي قولي !!
رمقتها بحِدة ثم دخلت الى الغُرفة و جلست بجانب نور الشارِدة على السرير .. تربعت في جلستها و قالت : انتم على طول هواش ... من عرفتوا بعض و هو يزعلك و يراضيك و يزعلك و يراضيك و انتِ تستفزينه و تعتذري و تستفزينه و تعتذري .. ههههههه ما تملون ؟؟
اشاحت بوجهها عنها و هي ليست في مزاج يسمح لها بالضحك .. بينما قالت ليلى بحماس : وش اللي صار هالمرة ؟ لا يكون ضربك ؟
اعادت نور ناظريها لليلى لتتسع حدقة عينيها و قالت باندفاع : نعـم !! وين قاعدين حنا عشان يضربني ؟؟ هذا اللي ناقص بعد .. و الله لو يسويها لأقوم الدنيا و ما اقعدها !!
استلقت ليلى على السرير و هي تبتسم بتسلية و تنظُر نحو هاتِفها لتتصفحه .. و قالت : مثل ما قالت امي انتِ اللي تجيبين الأذية لنفسك !
نور بامتعاض : تتنصتين علينا كالعادة !! و بكل ظرافة جاية تسأليني عن اللي صار و انتِ عارفة كل شي .. قومي انقلعي عن وجهي .. ما باقول لك شي زيادة !!
رفعت ليلى ظهرها و هي تنظُر نحو هاتفها و كأنها تقرأ منه : اسمعيني لحظة !! .. انتِ ماسوشية و زوجك سادي .. اعتقد هذا الوصف اللي يركب عليكم .
نور باستنكار و عدم اهتمام : وش هالمُصطلحات الغريبة ؟
لا تتفلسفين على راسي !!
ليلى و هي تُكمل قراءة من هاتِفها : تقول الدكتورة فوزية الدريع .. ...............******
بالرُغم من ان تلك الكلمات فتحت ابواباً جديدة في عقلها .. و اجتذبت تفكيرها و فضولها الا انها شعرت بالحرج يُخالجُها لترفع صوتها بتأنيب : ما تستحين على وجهك تقرين هالكلام !! و كيف تتابعين هالدكتورة و انتِ لا متزوجة و لا مخطوبة .. انا المتزوجة استحي كيف انتِ ؟
ليلى ببرود : عاادي وش فيها ؟ اثقف نفسي لزوج المستقبل .. يعني تبيني اصير عبيطة مثلك ؟؟ ما كملتي سنة مع زوجك و تفكرين بالطلاق !!
في هذه الاثناء كانت هالة تقف قُرب الباب تستمع اليهن باندماج .. شعرت نور بوجودها لذلك ربتت على فخد ليلى لتُنبهها .. استدارت ليلى لها .. لترفع حاجبيها و تقول : اطلعي برا .. قاعدة اتكلم مع نور في مواضيع كبار .
دخلت هالة الى الغُرفة بِعناد لتقول و هي تجلس على السرير المُقابل : مو شغلي .. هاذي غُرفتي بعد .. و انا بعد كبيرة !!
قامت ليلى من السرير بعصبية .. كانت هالة وقتها في الخامسة عشر من عُمرها تقريباً .. لذلك بالنسبة لهُن هي فتاة مُراهقة صغيرة يجب ان لا تستمع لاحاديثهن الخاصة .. امسكت ليلى بذراعها لتقول : و من قال انك كبيرة ؟ انتِ مراهقة و صغيرة و بتسمعين الكلام و بتطلعين حبيبتي
قامت هالة لتُبعد كف ليلى عنها بقوة : انتِ بعد مُراهقة و عن الفلسفة الزايدة و سوالفكم كلها اعرفها .. و تقرين لفوزية الدريع هاه ؟؟ هين يا ليلوه .. كله يوصل لأمي ان شاء الله .
مِثلما كانت هالة تتشوق لسماع احاديث نور و ليلى الا انها اذا مُنعت و تم طردها تقوم بعملها المُعتاد و هو توصيل الكلام لوالدتها و الشكوى من ليلى لها .. شدت ليلى على ذراعها لتقول : انتِ يا الفتانة يا الوصولية .. انا اعلمك !!
امسكت بشعر هالة لتجره و هي تبتسم بانتصار .. بينما صرخت هالة بألم و هي تُحاول ابعاد يد ليلى عنها : ليلووه اتركيني اااه .. و تقول بتتثقف لزوج المستقبل هه لا تضحكيني بس .. اصلاً انتِ من المجنون اللي بياخذك ؟ اللي يسمعك يقول الخُطاب طوابير على الباب .
زادت عصبية ليلى من كلام هالة و أخذت تجُر شعرها بقُوة اكبر ليزيد تأوه هالة و تزداد كلماتها المُستفزة ليزداد عنف ليلى اكثر .. بينما تجاهلتهم نور لتنغمس في افكارها و هي مُعتادة على مُشاجرات اختيها السخيفة .. لذلك لم تكترث لهُن و غرقت في افكارها " قارني بين ايجابياته و سلبياته و اي كفة ترجح ؟ " طبقت تلك النصيحة في عقلها و اخذت تُقارن بين ايجابيات منصور و سلبياته و بين مميزاته و عيوبه .. الى ان سمعت اسمه بين كلامهن .. كانت هالة قد قالت : الله يرزقك بزوج عصبي و جلف مثل منصور .. عشان تتأدبين
بينما ردت عليها ليلى بعد ان شهقت : يا حماارة !! انتِ اللي ربي يرزقك زوج أجلف و عصبي أكثر من منصور .. و فوق هذا يتزوج عليك ثلاث .. زين !!
شهقت هالة من الدعوة .. و هُما الاثنتان تُقدسان " زوج المُستقبل " و "فارس الاحلام" .. و لا تسمح اين منهن بأن تشوه صورته الخيالية او ان يُدعى عليه فرُبما ترتفع تلك الدعوة الى السماء و تتحقق .. اما نور فاستوقفها كلامهُن الاخير .. فقامت من مكانها بصدمة .. و قالت باندفاع : خيييير ان شاء الله .. ترى زوجي ما هو سيء لهالدرجة احترموا حالكم .. تراه حبيبي و زوجي و ما ارضى عليه .. و يا بختي فيه !!
وضعت يدها على فمها و جمدت ملامحها .. هل دافعت عنه للتو ؟ الم تكُن تريد الطلاق و تتذمر و تشتكي منه و تقول بأنه لا يُحتمل !! اذاً لما ناقضت نفسها الآن عِندما قالت " يا بختي فيه " .. و هي التي اعطت اختيها انطباعاً سيئاً لزوجها و جعلت من زواجها نموذجاً للزواج التعيس بسبب كثرة شكواها و تذمرها امامهُن .. هل هي حقاً تُريد الطلاق ؟ ام انها فقط تُريد معرفة قِيمتها عند منصور بهذا الطلب .. هل تُريد ان تعرف مكانتها عِنده لذلك خرجت من المنزل ؟ ام انها تعتقد ان منصور مُلك لها لذلك لا يحُق لأحد ان يتكلم بالسوء عليه غيرُها ..
جلست على السرير غارِقة في التناقُض .. بينما كان الشجار بين اختيها مُستمراً .. لتدخُل والدتُهن الى الغُرفة و تهتف : انا عندي بنات و الا اولاد .. اتركي شعر اختك يا ليلى !! مجانين انتم ؟؟
ابتعدت ليلى عن هالة .. لتقفان بجانب بعضهما تُحدقان للأسفل بقهر .. اردفت والدتهُن : اطلعوا و خلوني مع اختكم بروحنا .
خرجن بانصياع و اغلقن الباب خلفهُن .. بينما جلست سارة بجانب ابنتها لتقول بأمر : البسي عبايتك عشان يرجعك حامد لبيتك .
نظرت نور لها و قالت برجاء : طيب خلي ابوي يتفاهم معه .. ما ابي ارجع له كذا و كأن ما صار شي ..
سارة بحزم : اتعلمي تحلي مشاكلك معاه لوحدك .. احنا مو دايمين لك .. سوي اللي قلت لك عليه .. اذا شفتيه معصب اسمعي كلامه و اتركيه يهدى لوحده و بس يهدى تفاهمي معه .. . و بعدين طلعتك من بيتك بدون علمه غلط !! هو يدري انك عِندنا ؟
نور : لا بس انا ما رحت مكان غلط .. جيت لكم و حامد هو اللي جابني .. يعني ما سويت شي غلط
سارة بحزم : طلعتك بدون علمه اكبر غلط !! ارجعي و اتعلمي كيف تتفاهمين معه
ابتعدت سارة لتخرُج و هي تُردف : البسي عبايتك و اخلصي عشان يوصلك اخوك و لا تبطين !!
خرجت لتتجه لحامد و هي تقول : مثل ما قلت لك .. رجعها و اذا شفته لا تتمشكل معه .
حامد بعدم اقتناع : و كيف نرجعها له كِذا ؟ انا ماني مقتنع ... لما اتصلت لي عشان اخذها كانت تصيح .. واضح انه مزعلها يُمه !!
سارة بصرامة : اي زوجين في العالم تحصل بينهم مشاكل !! يعني انت ما تتهاوش مع زوجتك ؟ هذا انت امس مزعلها و جتني تشتكي منك .. روح راضها بس
صمت حامد فأمه مُحقة .. لا توجد حياة زوجية بلا مشاكل و مُشاحنات و الدليل زواجه من الهنوف الذي رُغماً من معزتها عِنده الا ان لا مفر من المشاكل .. اومأ ايجاباً .. ليخرُج و هو يحمل مفتاح سيارته ليقول : قولي لها تلحقني للسيارة .. انتظرها برا .
بعد دقائق خرجت نور من الغُرفة و هي ترتدي عباءتها .. اتجهت لوالدتها لتقول اليها بدلال : طيب يُمه انتِ كلميه عشاني .. هو يسمع منك و يحسب لك حساب
سارة برفض : المشكلة تافهه و ما يسوى ادخل نفسي فيها .. مو كل مررة بساعدك يا نور !! و بعدين الرجال مايتقبل يتدخل احد بينه و بين زوجته و في كل مررة !! و بعدين وش بقوله ؟؟ اقول له ليه تهاوشت مع اخوك يعني ؟؟ اصلاً غلط انك تقولين لي اسرار زوجك صيري كتومة !! اذا عرف اني دريت فماراح يثق فيك مرة ثانية و معاه حق !!
صمتت نور و لم تجِد رداً .. هل والدتُها مُحقة .. " لا توجد كرامة بين الزوجين " هل صحيحة تلك المقولة ؟ و عليها ان تعود اليه الآن بغض النظر عن كرامتها التي اهانها ؟
احاطتها سارة بذراعها لتقول بحنان : اتركيه يهدى .. شفتيه معصب اتركيه يهدى !! .. و اذا رجع من دوامه و شافك في البيت رُغم الخلاف اللي صار بينكم .. فبتكبرين في عينه ..
صمتت ثُم قالت بانصياع : ان شاء الله يُمه .
ابتسمت لها سارة .. ثُم خرجت نور من البيت و في بالها ألف سُؤال و سُؤال .
و عِندما وصلت لشقتها .. كان منصور لم يعُد من عمله بعد .. كانت تجلُس على الاريكة في الصالة تُقابل حاسبها المحمول .. تُحلل كلام والدتها " ما فيه كرامة بين الزوجين" .. " اتركيه يهدى " .. و تلك الجُملة " انتِ اللي تتسببين للأذية لنفسك !! " .. هل والدتُها مُحقة في جميع ما قالته ؟ ام انها فقط تخاف عليها من لقب " مُطلقة " .. و لكنها هي ايضاً في دواخلها لا تُريد الطلاق .. و لكنها عِندما تُفكر بعقلها بعيداً عن العواطف .. ترفض الذُل !! ترفض ان تكون في حياته كالأسيرة المُهانة بين يديه حتى لو كان ذلك الشعور مُؤقتاً الا انه يترُك أثراً في نفسها .. فهي ترفُض الذل !! .. تذكرت ليلة البارحة و الاسباب التي جعلتها تترك المنزل .. كان يصرخ في وجهها .. و هي لم تكُن تسمعه لأنها ايضاً كانت ترفع صوتها و تتحدث .. كلاهما كانا مشغولان في الكلام .. لذلك لم يكُن يسمع احدُهما الآخر .. الى ان صرخ بِها بـ " انخرسي !! " .. حينها صمتت او انخرست على حد قوله ليبدأ بجرحها بالكلام .. الى ان بدأتا عينيها في ذرف الدموع .. و هي تُحدق في عينيه الغاضبتين .. اقترب منها و كأنه شعر بانجذاب نحوها .. ليُمسكها من ذراعها و يأخذ بِها الى غُرفتهما .. يُقبلها بلا مُبالاة بدموعها .. يحتضنها بقسوة غريبة .. قسوة لم تُضايقها لذلك توقفت عن البُكاء و غرِقت في احضانه .. أخذ منها حقه الشرعي ..و هي مستسلمة له ثُم بعد ان انتهى منها غفى بدون ان ينطق بكلمة .. شعرت بالإهانة و الذُل .. كيف انه بعد ان صب جام غضبه عليها بالرُغم انها ليست من اغضبته .. يأخذ حقوقه كامله و كأنها لا شيء و بدون ان يُكلف نفسه بالإعتذار على الأقل !! عِندها بكت مُجدداً بصمت الى ان غفت .. و في الصباح انتظرته الى ان خرج من المنزل .. لتتصل الى اخيها و هي باكية ليأتي و يأخذها الى والدتها .
اعادت نظرها الى الحاسب الذي امامها .. و هي تتذكر كلام ليلى " الماسوشية و السادي " .. مُصطلح " السادي " مر عليها مُسبقاً .. في الافلام و الروايات .. و كان مفهومها لتلك الحالة .. بأنه شخص مريض بتعذيب الأخرين و يتلذذ بذلك .... و ليلى بتفكيرها الخيالي تعتقد ان منصور كذلك .. و لكن عقلها يرفُض تلك الفِكرة .. فمنصور بالرُغم من كُل ما يحدث له الا انه لا يضربها .. ثُم انه ليس دائماً هكذا .. فشِدته معها في العلاقة معقولة بالنسبة اليها و لا تُسمى ضرباً !! ثُم انه في وضعه الطبيعي بعيداً عن الغضب و الهموم .. ليس قاسياً و لا عدوانيا .. بل انه يهتم لها و يُعاملها بطيب و حنان و يتحدث معها بهدوء و يسمع لها ايضاً .. يُنفذ طلباتها بابتسامة و هو يقول " تدللي " و " و لا يهمك " و " ابشري " و " ما يصير خاطرك الا طيب "!... و ايضاً بعد ان يشعر بحُزنها يأتي مُحاولاً مُصالحتها و يستخدم تلك الجُمل المُعتادة " و الله ما تزعلين " و " وش اللي يرضيك ؟ " ... لذلك هو ليس سادياً .. هل حقاً هو بعيد عن السادية ؟؟؟ ام هو قريب جداً منها ؟؟ ... ثُم ما معنى " ماسوشية ؟؟ " ما قصدها ليلى بـ " انتِ ماسوشية و منصور سادي " .. لم تسمع بكلمة " ماسوشية " من قبل و لم تمُر عليها .. و لكن ليلى ايضاً قد قالت كلاماً منقولاً .. قرأته من تلك الدكتورة " فوزية الدريع " .. اخذت تعصـر مخها تُحاول تذكر ما قالته ليلى بالضبط .. لِم لا تـثقف نفسها مثل ليلى ؟ هي كـامرأة مُتزوجة اولى بأن تُتابع تلك الدكتورة من ليلى ! كانت مُسبقاً تخجل .. و عِندما تتصفح التلفاز و تمُر بالصدفة على برنامج تلك الدكتورة .. تُغير القناة بسُرعة .. خوفاً من ان تراها والدتها لأنه على حد قولها " عيب " و غير مسموح لها بأن تُتابع تلك البرامج لأنها كانت صغيرة و غير متزوجة .. هل لأنها اعتادت على تلك العادة .. و ترسخت كلمة " عيب " في عقلها .. فهي الآن حتى بعد ان كبرت و تزوجت تشعُر بالنفور من تلك البرامج ؟
امسكت بالحاسب المحمول .. و بدأت اصابعها بالتحرُك على لوحة المفاتيح بتلقائية .. تبحث في " العم جوجل " عن ضالتها .. تسمع لـ " فوزية الدريع " و تقرأ لـ " ناعمة الهاشمي " .. تتصفح و تتصفح .. تتطلع على حالات تُشبه حالتها .. و تقرأ لعُلماء في هذا المجال و تستخدم اللُغتين " العربية و الانجليزية " لتحصُل على معلومات اكثر .. لأنها كُلما قرأت تعقدت الافكار في رأسها .. و ازدادت الأسئلة التي لا اجوبة لها .. بقيت تبحث و تبحث الى ان تركت الحاسب من يديها و هي تشعُر انها في متاهات و تشابُكات .. و مفاهيمها و معلوماتها ازدادت و الادهى انها ليست فقط لا تفهم منصور .. بل اكتشفت للتو انها لا تفهم نفسها !! ... هل هي ماسوشية مريضة ؟
" أردتـ أن أشعر بقوته تغلبـ ضعفي " هذا ماأردته فقط ! عند حديثي معه تضطهدني حروفه... يريدني طفلته المدللة والأهم أن أكون طفلة "مطيعه"... كنتـ أشعر معه بأنني أنثى بكلـ ماتحمله من معنى أشعر بحاجتي له وأنني لا أستطيع العيشـ بدونه كنتـ أستشيره في توافه الأمور فعندما يرفض شيئا ما أريده أحتج ويظلـ رافض وأحتج ويزداد رفضه لأحتج بشده فيختفي فجأه! يعاقبني لـ عصيانه ! لأشرع أرجوه أن يعود لقد خضعتـ لما يريد فقط ليعود! [ لا أخفيكمـ علما بأنني أتلذذ بإضطهاده ] ~ بمجرد إحساسي بوجوده لجانبي تهيج مشاعري بشده ويتضاربـ " حبي و كرهي شوقي و بعدي قهري و ندمي ألمي وفرحي" هكذا أنا بحضوره تعصفـ بي حروفه فتختلط الاشياء بداخلي وأصبح في شبه الخيال يشكلني بمزاجه أصبحتـ ملك له يسيرني لما شاء أصبحتـ كدميه بين يديه يحركها كيفما أراد أصبحتـ أدمنـ إضطهاده
"
كان ذلك كلام انثى ماسوشية .. ليست هي .. و لكن لِم تشعُر بأن تلك الكلمات المجنونة تنطبق عليها ؟؟
" المرأة تحب الرجل العصى ،تحب أن تصطدم إرادتها بإرادته،تحب الصراع للظفر تأكيدا لسلطانها،وتحب أكثر من كل شيء الهزيمه أمام إرادته ولكنها تغضب ..تغضب وتملأ الدنيا صياحآ وفي قرارة نفسها حلاوة الضعف أمام قوة الرجل" ( محمد زكي عبد القادر )
وجدت تلك العبارات تُناسبها .. و لكنها ترفُضها .. كيف لها ان ترفُض الذُل و ترغب به في آنٍ واحد ؟؟
هل زوجُها سادي ام هي الماسوشية ؟ هل هي مريضة ام هو المريض .. ام كِلاهُما ؟؟
كان مُجمل ما توصلت اليه في بحثِها هو
السادية : هي التلذذ بإلحاق الألم بالآخرين اما قولاً او فِعلاً او كِلاهُما
الماسوشية : هي التلذذ بالإيلام و الاذلال اما نفسياً او جسدياً
السادو ماسوشية : خليط من الحالتين ..و ان يتلذذ الفرد بالإيلام و التألم في آنٍ واحِد .
و كُل حالة من تلك الحالات لها تفرُعات و درجات و مراحل .. و تعقيدات لن تفهمها من مُجرد تصفُح
اين هي من تلك الحالات و اين زوجُها منها ؟ و عِلم النفس من اصعب العلوم و اكثرُها تعقيداً و هي بالطبع لن تفهمه من مُجرد تصفح بعض المواقِع .. فكيف ستُحلل شخصيتها و شخصية زوجُها ؟
هل منصور مريض .. كان في اول شهرين طبيعياً ثم بدأت اعراض السادية تظهر عليه بالتدريج ..ثُم ماذا ؟ هل سيُدمنها و تتطور الحالة اكثر .. هل سيضرُبها يوماً ؟ تذكرت كلاماً قرأته للتو .. بأنه يجب الخوف من الرجُل السادي و عدم السماح له بالتمادي .. لأنه قد يُدمن و يتجاوز حدوده .. في البداية اهانات نفسية و لفظية فقط ثُم تتطور حالته الى الاذى الجسدي ايضاً !!! يضربها ثُم يتمادى و يتمادى و يتمادى و كُل شيء يحدث بالتدريج .. الى انها قد تموت بين ذراعيه !!!
انقبض قلبُها بخوف .. هل يجب عليها ان تطلُب الطلاق و تنفُذ بجلدها قبل ان يفوت الأوان ؟؟!!!
لا تعلم كيف غفت .. غفت و تلك الافكار تدور في رأسها و تدور .. اخافتها تلك الافكار الى حد احلام مُرعبة شاطرت غفوتها .. الى ان احست بجسدها يقشعر !! و اطرافُها ترتجف و هي تشعُر بذراعيه تنتشلانها من الاريكة !! .. بقيت مُغمضة العينين بالرُغم انها استيقظت .. لم تجرُؤ على فتح عينيها .. هل هو الخوف ؟!!
حملها الى ان دخل الى الغُرفة .. وضعها على السرير و لازالت مُغمضةً عينيها في خوف غريب من ان تفضحها ضربات قلبُها المُتسارعة القوية .. تشنج جسدُها و تسارع خفقان قلبُها اكثر و هي تشعُر بجسده يقترب منها اكثر .. هل لازال غاضِباً ؟؟ .. شعرت بدفء اللِحاف على جسدها و هو يُغطيها .. ثُم اقترب منها ليطبع قُبلة على جبينها و هو يهمس " آسِف " .. ثُم ابتعد عنها .. لم تفتح عينيها الا عندما سمعت صوت الباب يُغلق و تأكدت من خلو الغُرفة منه .. اخذت نفساً عميقاً و هي تضع كفها يسار صدرها و عينيها في ذهـول .. ما معنى تصرُفه الآن ؟؟ لقد خالف توقعاتها !!
*
ترجلت ليلى من سيارة زوجها مُتجهةً الى منزل اهلها .. كان محمود الصغير يجلُس عند عتبة الباب .. يحمل كُرةً في يده و ملامحه البريئة مُتجهمة .. يُحدق للأمام بشرود ..ابتسمت له و هي تنزع نقابها عن وجهها : حمودي وش عندك قاعد برا ؟
محمود : مليت .. مافيه احد يلعب معي .. قلت لبابا يلعب معي بالكورة و صرخ علي .
ضاقت ملامح ليلى تلقائياً و لكنها ابتسمت في وجه الصغير و قالت و هي تُمسك يده : يلا امشي ندخل داخل .. الجو حار هنا .. يلا حبيبي .
دخلا معاً و هي تُحيطه بذراعها ... اخترق مسمعيها صوت مُرتفع .. صوت يُعلن تهديده و وعيده .. و هو يقول : يعني بنظل حاطين ايدنا على خدنا !! فضحتونا فضحتونا !!
وضعت كفيها على اذني محمود .. انه عمُها صالح " ابو امجد " .. مُنذ الحادثة و هو يأتي في اوقات مُتقطعة و بدون سابق انذار .. يقلب البيت رأساً على عقب بِصُراخه و يذهب .. ليزداد جنون حامد .. و يزداد بُؤس و مرض والدها .. اسرعت تُمسك يد محمود لتصعد الى الاعلى و تدخل الى نور .. كانت نور تتحدث في الهاتف .. و يبدو عليها الارتباك و التوتر .. تركت محمود و هي تقول : خليك هنا حبيبي و لا تطلع .
ثُم خرجت من الغُرفة و هي تُريد معرفة ما يجري .. وقفت قُرب الدرج لتستمع اليهم ..
في الاسفل
كان العم صالح .. يقف امام حامد بجانب غُرفة والدهم و هو يصرخ و يرمي عليه اصبع الاتهام : انت ما انت رجال .. كيف ترضى اختك تروح لدار الرعاية .. ابوك و كبر و خرف .. انت وش وضعك ؟ .. حسبي الله عليكم فضحتونا .. قاعدين و لا كأن اي شي صار .. المفروض القانون ياخذ مجراه و تنجلد و يقام عليها الحد !!
خرج محمود من الغُرفة و هو يتكئ على عكازه : لا تتدخل يا صالح .
نظر اليه بانكسار ... مهما حدث تبقى هالة ابنته و صغيرته و لا يُريدها ان تتأذى .. يكفيها ما حدث لها .. قلبُه كل يوم يتفطر لاجلها .. يتمنى ان ينتشله الموت ليرتاح .. و هو عالق في فضيحة لا يستطيع تصديقها .. هز صالح رأسه بأسف ثُم قال : فضحتونا حسبي الله عليكم .. احنا تنجاب سيرتنا بالباطل !!! احنا !! هالبنت اذا ما بتشوفون لها حل .. انا اللي بتصرف .. أنا !!
خرج من المنزل مُسرعاً كالريح و هو يشتم و يتوعد
بينما اشاح حامد وجهه و هو يشعر بالعار .. استدار لوالده العليل ليُدخله الى الغرفة .. بينما قال محمود : ما عليك منه .. و ما ابي اسمع انك أذيت اختك في شي !! اتركها هناك .. اتركها .
صمت محمود و هو يخجل ان يقول بأنه لا يُريد لابنته الأذية ..يخجل ان يقول بأنه يتمنى ان تعود لمنزلها و كأن شيئاً لم يكُن و تعود الحياة الى طبيعتها .. فلتبقى هُناك الى ان تهدأ الامور .. فلتبقى هناك فهو لا يريدها ان تتأذى من اخوته ... فهي صغيرة المنزل و لازالت في عينيه صغيرة .
*
يجلُس على الاريكة يُتابع التلفاز .. بعد جاء من عمله .. في يده هاتفه .. لازال يبحث عن وظيفة ثانية تدعم الاولى .. فراتبه الذي يجنيه من وظيفته الاولى لا يكفيه .. لو اقتصرت مسؤوليته على نفسه و ليلى فقط .. لكان راتبه يكفيه بل يزيد عن حاجته ايضاً .. و لكنه مسؤول عن والدته و ثلاث من اخواته .. و زِفاف هنادي قد قرُب موعده .. و بالطبع والدته و أخواته يُحببن ان يظهرن في احلى حُلة .. و ستلزمهُن الكثير من التحضيرات و المُستلزمات .. و والدته يُهمها كلام الناس و رأيهُن كثيراً .. و هي لا تُحب ان تظهر بشكل يقُل عن غيرها .. لذلك هي تُريد تجهيز نفسها بأفضل ما قد يكون .. و كذلك بناتها .. يُغير القناة بملل و هو يحسب ميزانيته في عقله .. كانت لولوة تُراقبه من بعيد .. و قد قررت ان تتخذ حيلة جديدة للتأثير على ابنها .. ان كانت الطريقة المُباشرة لا تُجدي معه .. فستسخدم معه طريقة غير مُباشرة في التأثير على عقله و تشويه صورة ليلى في عقله .. تقدمت له بهدوء لتجلُس بجانبه : غريبة جالس معنا تحت .. وين زوجتك عنك ؟
يوسف : في بيت اهلها .. و بعدين شدعوة يُمه .. انا كل يوم لازم اجي و انزل اقعد معكم .
لولوة : اييه بس مو مثل قبل
يوسف : اييه بعد بنت الناس ما يصير اتركها بروحها .. و انتم اذا ليلى جت نزلت لكم ما تركتوها في حالها .
زمت شفتيها بامتعاض .. ثُم قالت : عرس هنادي قرب .. و تجهيزاتنا ما خلصت .. المبلغ اللي عطيتني اياه قبل ما كفى
يوسف بهدوء : و لا يهمك يُمه .. انـا حاسب حساب لهالشي .. فصار لي فترة ادخر من راتبي لكم .. ان شاء الله بس ينزل الراتب بعطيك منه بعد .
لولوة : اييه كله من ليلوه هي اللي تطير راتبك ..ايه ادري
نظر لها يوسف ببرود .. ثُم ابتسم بسُخرية .. هو لا يصرف على ليلى الا للضرورة فقط .. فهي تُقدر وضعه كثيراً .. او على الاحرى .. هي الوحيدة في هذا المنزل التي تُقدر وضعه .. : و الله مسكينة ليلى يُمه .. انتِ ظالمتها .
لولوة بقهر : والله ما احد مسكين غيرك !! هاملتك و كله عند اهلها .. ترجع من دوامك و بدل ماهي تطبخ لك .. تقعد تتغذى عندنا.. و في الليل ترجع ست الحسن و تنام و كأن البيت فُندق عندنا .
لم يُعلق يوسف بشيء .. و استدار عنها يُحدق في التلفاز بشرود .. بينما زفرت لولوة بضيق و هي تُكمل : لا تدلعها كثير .. اللي مثلها ما ينفع معاهم الا العين الحمرا .. و لا تغرك دموعها .. تراه كله تمثيل و انت لا تصير طيب بزيادة بعد .
ابتسمت لولوة و هي ترى ابنها يُنصت اليها و لا يُجادل .. و استمرت في تحريضاتها .. الى ان رن هاتف يوسف .. و بفضول فِطري لدى لولوة امسكت الهاتف عِوضاً عن ابنها لتقرأ اسم المتصل .. عقدت حاجبيها و قالت : منصور الاحمد .. مو هذا عديلك ؟ او اللي كان عديلك الحين ماهو عديلك
اخذ يوسف الهاتف منها و هو يومئ بالإيجاب .. ثُم قالت لولوة بفضول : وش يبي فيك ؟ و ليه متصل ؟
يوسف : انا اللي اتصلت له من قبل و هو ما رد .. و الحين هو رجع اتصل .
لولوة : و انت ليه تتصل له .. وش تبي فيه ؟ ، ابتسمت بحماس : لا يكون بتسوي مثله و بتطلق ؟
يوسف و هو يقوم من مكانه و يقول ببرود : لا .. بخليه هو اللي يسوي مثلي .
تعجنت ملامح لولوة بغضب .. و قامت و قالت بانفعال : وش قصدك ؟ لا يكون بتتدخل بينهم و بتسوي نفسك مصلح اجتماعي !! انت تبي تجنني و الا كيف ؟ اقول لك طلق ليلوه تروح تتدخل في طلاق اختها !!!
يوسف بهدوء : و ليه اطلق ليلى يُمه من جدك انتِ ؟ .. احد يكون عنده قمر و يفرط فيه ؟
اغتاظت لولوة و قهرها اعتلى داخلها .. و هي تسمعه يتغزل بـ ليلى امامها و يصفُها بـ " القمر " .. قالت بانفعال : حــامل ؟؟؟
عقد حاجبيه باستنكار : كيف ؟
لولوة باستخفاف : القمر .. القمر حامل ؟
صمت قليلاً ثُم قال : لا
لولوة : متأكد ؟
نظر الى هاتفه و قال : بعدين يُمه .. بكلم الرجال الحين .. قبل لا تنتهي المكالمة .
لولوة و قد ازداد قهرها : يا الله !!! و انت ليش تتدخل بينهم ؟؟ لا هي اختك و لا من بقية اهلك ..
همس لها و هو يضع الهاتف على اذنه : بعدين يُمه حبيبتي .. اجلي كلامك لبعدين .
و ابتعد ليُجري المكالمة .. هو في الحقيقة ليس في صف زوجته و لا في صف أمه .. هو لا يريد ان يُدخل نفسه في مشاكلهم التافهة بنظره .. بينما تظُن ليلى انه في صف امه و تظُن امه انه في صف زوجته .. و هو لا هذا و لا ذاك .. هو في الحقيقة يلعب على الحبلين ... بينما كانت لولوة تحترق من قهرها .. : حسبي الله عليك يا ليلوه .. حسبي الله عليك .
انتهى
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!