الفصل 21 | من 29 فصل

رواية و هل ينتهي الحُــــب ؟ الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم Misoo

المشاهدات
15
كلمة
8,818
وقت القراءة
45 د
التقدم في الرواية 72%
حجم الخط: 18





*
تتذكر عندما كانت مُلقاة على سرير المشفى .. لا احد لها .. تُقطع نفسها بُكاءً و لا احد يسمع او حتى يكترث .. مثل نكرة غير مُعترف بها .. و لا اهمية لها .. وحيدة ، عليلة ، مُتألمة و مُحطمة .. تحتضر و لا تموت .. ثُم تتسع عينيها المُحترقتين دموعاً و هي ترى تلك المرأة " سارة " او المُلقبة بأم حامد و هي تدخل الى الغُرفة .. يزيد جنونها و تصرخ : لييه انتِ هنا ؟ وش تبغون مني بعد !! يا جعل اللي صار لي يصير في بناتك .
تُقاطعها سارة بحزم : لا تجيبين طاري بناتي على لسانك الوسخ !!
تصرُخ و هي تُلقي بكُل شيءٍ أمامها على سارة و هي تلعن و تشتم : اطلعي برا .. اطلعي برا !!!
أقسمت حينها انها ستنتقم .. و ستجعلُهم يتجرعون ما ذاقته هي .. و أضعافاً مُضاعفة .. و ستنتقم لكُل شيءٍ جميل كان لها و فيها و انتهى !! من المؤسف ان سارة تُوفيت و لم تشهد انتصارها .. لم تشهد ما حدث لابنتها و لعائلتها ..

ارجعت شعرها الأرجواني الى الوراء .. و قد أصبح ارجوانياً الآن بعد ان كان أحمراً .. و قد اعادت حقن وجنتيها بـ " البوتكس " أيضاً .. و عالجت بشرتها من بعض التجاعيد التي ظهرت أسفل عينيها .. غيرت من شكل أنفها قليلاً بـ أبر " الفيلر " .. هي الآن كـ فتاة في العشرين .. تجولت في فِلتها الفخمة .. مُتجهةً الى حيث مخزنها الذي تجني منه ذهباً .. مُخدرات بأنواعها المُختلفة .. عقاقير ، ابر ، محاليل .. و غيرُها .. لا احد يعلم بهذا العمل السري .. فهي تُديره فقط .. و المصدر الرئيسي لا يعود اليها .. الى ان جاء ذلك الاحمق وليد و اكتشف سِرها .. بل و هددها بكُل جُرأة و سُخرية .. و قد وضعت في فمه صخرة ضخمة لكي لا يتحدث .. لا احد يستطيع ان يقف و جه الخيال .. لا احد !!
تلقت مُكالمة هاتفية من " الراس العود " او " المعزب " .. وضعت هاتفها على أذنها و قالت بانصياع : تفضل طال عمرك ..
تلقت الاوامر و التعليمات .. ثُم اغلق الخط في وجهها قبل ان تُكمل جملتها : على امرك طال عمرك .
لو علِم " الراس العود " بأن أحد الحمقى الذين تُرتب لهم سهرات خاصة .. علم بشأن المُخدرات لاحترقت ورقتها الرابحة .. و خسرت منجم الذهب !!
تلاعبت اصابعُها على شاشة الهاتف .. لتنتقل الى شيء آخر .. بعيداً عن عملها شديد السُرية .. فلتذهب الى تسليتها الآن .. الى مُتعتها و ثأرها .. لتستمع بانطباع مُشاهدي المسرحية التي ألفتها .. تُتابع كُل ما يحدث لتلك العائلة خلف الستار .. و من قلب الحدث تُرسل لها الهنوف كُل جديد .
في الطرف الآخر .. أصبحت رنة الهاتف بالنسبة لها كـ صوت ضحكة شيطانية تبُث الرعب الى عقلها .. كُلما يرُن هاتفها تقفز ذُعراً .. و تدعو سِراً ان لا تكون هي .. و عندما تقترب و ترى اسمها يلمع في الشاشة .. تسري تلك القشعريرة في جسدها .. تتلفت يميناً و يساراً لتتأكد من خُلو الغُرفة الا منها .. تُغلق الباب بحذر .. ثُم ترُد على المُكالمة بصوت مُرتجف خافت : ألـو
خيال : هلا فيك .. أخبارك ؟
و بِكُل ثِقة و سُخرية تسأل عن أخبارها ..و كيف ستكون أخبارُها بعد كُل ما حدث .. اخبارُها باختصار من سيء لأسوء ... داهمها صوت خيال المُرتفع : وييينك !! خيـر ليه ساكتة ؟؟!!
الهنوف بارتباك : ها .. لا و لا شي
خيال : اخلصي .. قولي وش جديدكم ؟؟
ارتبكت الهنوف .. و لكنها و على الرُغم منها و تحت تهديد الخيال .. بدأت بسرد التفاصيل الجديدة .. نور تطلقت .. حامد لا يهدأ له بال ..و والده حالته تزداد سوءً يوماً بعد يوم .. ليلى ليست على وفاق مع اهل زوجها .. و هالة تُراجع العيادة النفسية .. انهارت اعصابها و رقدت في المشفى و اليوم ستخرُج لتعود لدار الحماية .. العم صالح يزيد الامور تعقيداً .. تستمع خيال اليها و الابتسامة تشُق وجهها .. قالت باستمتاع : اوصفي لي وجه محمود و هو يتفرج على المسرحية هههههه
جفلت الهنوف و قالت : أي مسرحية !!
خيال : هههه الفيديو .. اقصد السي دي
حكت الهنوف شعر رأسها .. جلست على السرير و هي تُفكر بماذا تقول و تُبرر .. ذلك القُرص لم يصل الى حامد و والده .. بل وصل الى منصور .. داهمها صوت خيال الحاقد المُرتفع : لا تقولين لي .. ان بس شاف الصور بدون الفيديو ... !!!! انطقي يا غبية
وقف شعر جسدها و ارتعشت اصابعها المُمسكة بالهاتف .. عضت شفتيها في خوف ان تكون قد فضحت نفسها .. قالت بسُرعة لتتدارك الموقف : لا .. طبعاً شافه .. و اغمي عليه بعد لما شافه .. و حامد انجن .. و مو بس هو اللي شافه بعد .. حتى منصور زوج نور شافه .. عشان كذا طلقها .
لم تُدرك ان احدهم كان يقف خلف الباب .. و استمع لحديثها بحذافيره !!

**


فتح عينيه بعد نوم طويل استمر لأكثر من عشر ساعات .. مدد جسده و مططه بارتياح .. و ليستفيق تماماً من تأثير النوم .. القى نظرات سريعة نحو الغرفة .. ليستوعب انه الآن في الكويت .. و في منزل والدته .. استقبلته والدته البارحة بالأحضان الحارة .. و هي تُعبر عن شوقها له بجـمل مُتناقضة " اشتقت لك يا القاطع يا النحيس يا جليل " قليل " الحيا .. و اخيراً شفنا ويهك .."
ابتسم بشرود .. ثُم اختفت ابتسامته و هو يتذكر ان زوج والدته سيعُود بعد اسبوع من الآن .. كم يكره ذلك الرجُل !! .. في المرة الاخيرة كان على وشك ان يطرُده من المنزل .. بل في كُل مرة يزور فيها والدته .. لابُد ان تحدُث مُشاحنات بينهُما .. رجُل بغيض مُعقد و مُتجهم .. هكذا ينظُر له وليد .. بينما هو في الحقيقة على النقيض تماماً ..
مد يده نحو الكومدينة ليسحب هاتفه النقال من عليها .. تصفح الرسائل الجديدة التي وصلته ..مُعظمها رسائل من فتيات تافهات مثله .. بكلمات غزل و مُحادثات سخيفة عادية .. .. تعيش داخله رغبة ممُتعة في اغواء الفتيات .. و اللعب في مشاعرهن .. و لا يختار الا الفتيات السخيفات الاتي على شاكلته .. يعرف الكثير و الكثير مِنهُن .. و يملأ فراغه العاطفي بهُن .. يعتقد ان لا خطأ في ذلك لانه ليس من يُحدد حدود العلاقة بينه و بينهُن .. بل هُن من يُحددن ذلك .. و لأن كُل شيء يحدُث بينه و بينهن يكون برضاهِن التام .. و هو و بهذه الطريقة يُرضي ضميره المريض .. قطب جبينه و ضاق مِزاجه و قد خطرت على باله تلك الفتاة السمراء هالة .. ضميره يتحدث عنها فقط .. هي الفتاة الوحيدة التي آلمه قلبه عليها .. عِندما يتذكر صُراخها و انينها و دموعها .. عِندما جرها من الخلف و تحدث معها بعصبية و ارعبها ... من تكون تلك الفتاة .. و هل اختارتها خيال عشوائياً .. ام ان لوجودها مغزى ؟!! .. فقد تأذت تلك الفتاة اكثر من ما تأذى هو .. اغمض عينه و هو يُحاول منع تدفق الافكار الى عقله .. ازعجه صوت الضمير و يُريد اخراسه .. هو قطع كُل تلك المسافة الى الكُويت .. ليُخرس ضميره و يبتعد عن خيال و عن ما حدث لتلك الفتاة .. و لكي لا يسمع شيئاً عنها ... فتح عينيه ليعود لتصفح هاتفه و يقرأ رسائل الفتيات السخيفة له .. و من بين تلك الرسائل .. وجد رسالة مُثيرة للشفقة و الضحك في آنٍ واحد .. .. " وليد الله يخليك .. احذف الصور اللي معك .. يكفي اللي صار لي .. خلاص اتركني في حالي حرام عليك " .. كانت تلك الرسالة من الريم .. بعد ان عرِف بمكيدة خيال انشغل عنها و نساها.. و ها هي الآن بغبائها تُذكره بها .. انتقل من قائمة الرسائل الى ملفات الصُور المُخزنة .. و بدأ بالتمعن بصورها ..حسناء رقيقة طويلة الجيد... تتضارُب بشرتها البيضاء بشعرها الاسود الليلي .. عينيها الغزاليتين سِر جاذبيتها .. و لابتسامتها الواثقة المفعمة بالحيوية سحر مميز .. لم تسحره فتاة بقدر ما سحرته هي .. كانت هي مميزة بالنسبة له .. و هي الوحيدة التي وعدها بالزواج .. هي الوحيدة التي كان يُخطط لحياته المستقبلية معها .. و يرسم خُططاً و احلام و تخيلات .. رسم مُستقبله معها .. ثُم تهجره و تخرُج مع صديقه عن عمد .. ثُم تتزوج و تتركه وراءها و كأنه لا شيء !! كيف تجرُؤ ؟؟ .. قلب صُورها في هاتفه سريعاً .. الكثير و الكثير من الصور .. صور لها وحدها و صور لهُما معاً .. و عِندما يُرسل صورة واحدة لها لزوجها .. ستتطلق و تُهدم حياتها فوق رأسها ... لم يتخلى عن تلك الفكرة بعد .. لازال مُصراً على خراب زواجها .. ضميره لا يتحدث هُنا .. ضمير مُعوق مريض كصاحبُه ... و لأن الريم فتاة غبية .. و كُل ما حدث لها كان بسبب غبائها و قلة ادراكها لعواقب افعالها .. و الاغبياء دائماً يستحقون ما يحدث لهُم .. لذلك هي تستحق .. و سيتفنن في اغاظتها و تخريب حياتها ... و ضميره يتنحى جانباً عن ذلك .. التفت لباب الغُرفة الذي فُتح .. لتطل عليه والدته بوجهها البشوش و مظهرها الأنيق .. ترتدي " دراعة " بألوان زاهية تبعث الفرح .. شعرها مرفوع بتسريحة انيقة .. و مساحيق خفيفة على ملامحها .. : يعني الى متى و انت نايم ؟ صار الظهر و قريب العصر .. ايه سهـر في الليـ
قاطعها وليد و هو يبتسم : سهر في الليل و نوم و في النهار لا صلاة و لا عبادة ..
اقتربت منه لتضرب رأسه بخِفة : ما تيوز عن قلة الادب .. هالجُملة لك انت مو لي آنا .. الحمد لله آنا مصلية و مسمية .. يلا قوم و عن الربادة
رفع جسده و هو ينظُر اليها : كاشخة فطومي على وين ؟
فطوم : مو شغلك .. و يلا قوم توضا و صلي الظهر .. و بعدها انزل عشان تتغذا .
اومأ ايجاباً ثُم قال : متى بيوصل برهوم ؟
احتدت ملامحها و قالت : عمك ابراهيم بيرجع اسبوع الياي .. و ما ابي مشاكل سامع ؟؟
وليد بلا مُبالاة : هو اللي يتحرش فيني
فطوم و هي تضرب رأسه : انت اللي ما تيوز عن قلة الادب .. اوعدني هالمرة تحترمه و ماتطول لسانك عليه
قام من السرير ليُقبل وجنتها و يقول : بحاول .
ابتسمت له بود : يلا خلص و انزل تحت .. عشان نسولف و نحش عن ابوك و زوجته ههههههه .
بادلها الابتسام ثُم خرجت عن الغرفة .. لا شعورياً تُقلب بعض كلماته لـ مثل لهجتها ..فيقلب الكاف الى چ و الجيم الى ياء .. و يستخدم بعض جُملها المعروفة .... بالرُغم من مُضي سنوات كثيرة على طلاقها من سامي .. الا انه يشعُر انها لازالت تحقد عليه و تكرهه .. هل حقاً هي كذلك ؟ ام انها فقط تُحب ان تسمع اخباره لتسخر منه و تضحك ؟ .. و خصوصاً زواجه الاخير من فتاة تصغُره بكثير ...

*



دخلت الى الدار مُجدداً .. مُنذ ان تخطو اول خطوة داخل هذه الدار .. يُراودها ذلك الشعور المُقيت .. الشعور بالعدم ..الشعور بأنها منبوذة و مكروهة لذلك جاءت الى هنا .. شعرت بكف ياسمين التي تربت على ظهرها بلُطف .. التفتت لها بعينين مُحتدتين تُعلن النفور .. بعد ذلك التهديد الغير مُباشر شعرت بالنفور من هذه المرأة .. اليس من حقها ان تُدافع عن نفسها .. اليس ذو الجبهة العريضة هو من اساء و عليه نيل عواقب فعلته ؟؟ ... ياسمين بلُطف : يلا حبيتي .. روحي غرفتك .. ريحي لك شوي .
استدارت عنها و قالت بتلعثم : ابـ ي اكلم خـ واتي .. ما بقول لهـ م شي عن ولد زوجك ..بس أبي اكلمهم عشـان ..
التمعت عينيها و نظرت بـ نظرة تأبى الانكسار رُغم انكسارها .. نظرة مظلومة بانت براءتها اخيراً .. نظرة من تحمل الظُلم بأنواعه ..و الآن تحمل وثيقة مختومة بالمشفى تُأكد بأنها لازالت عذراء .. و ان غشاءها لم يُخدش حتى .. احمرت وجنتيها .. و كثيراً ما كانت تحمر تلك الوجنتين .. هي فتاة خجول بطبعها .. و ذلك الكشف كان كثيراً عليها .. شعرت بالخزي و الاحراج و العار .. و لكن الثمن كان غالياً .. الثمن هو براءتها الآن التي اتضحت في ورقة .. هل سيخرُس الجميع الآن ؟؟ و تُنفى تلك التُهم .. هل سيعتذر منها الجميع الآن و اولهم حامد الذي هدر دمها ؟؟؟
فهمت ياسمين ما تنوي قوله هالة لذلك قالت بتفهم : و لا يهمك حبيبتي .. انا بكلمهم بنفسي عشان يجون و تتكلمين معهم .. اتفقنا ؟؟
اومأت ايجاباً .. ثُم استدارت بوجُوم لتدلف الى الغُرفة في الأعلى .

*

قاطعت كلام اختها الذي سمعته منها كثيراً .. قاطعت بُؤسها و ندمها و لومها لنفسها .. : نور خلاص .. هو بعد يستاهل الكف اللي اكله .. ليه يفتح السيدي و هو عارف انه عن هالة .. و يسوي نفسه ابو الاخلاق و الدين .. و العيب ما يطلع منه !!
كانت تجلس على طرف السرير .. تنظر للأسفل تُحارب دموعها لكي لا تنزل .. مُؤلم ما وصل له حالها مع زوجها او " طليقها " .. انشرخت العلاقة و بقوة .. و شجار زاد عن حده هذه المرة .. وصل الى مرحلة عقيمة مُخزية .. كانت تتشاجر معه سابقاً .. تستفزه و يُغضبها .. يصرُخ عليها و يُقلل من قيمتها احياناً .. و هي ايضاً لها دور في استفزازه و اللعب في اعصابه .. و لكن كل تلك الشجارات كانت تنتهي و يبقى الحُب .. تبقى المودة و تشفع الذكريات .. و لكن هذه المرة ماذا ؟؟!!! هل سينتهي الحب ؟؟ .. انزرع ألم في قلبها .. كالشوك يوخزها في ذاكرتها عندما تتذكر تلك الذكرى المُؤلمة .. قالت بندم : انـا بعد استفزيته .. لو ما كنت استفزيته .. ابداً ما فكر انه يفتح السيدي .. هو كان معه من البداية .. بس مع هذا ما فتحه و عطاني اياه .. بس انا اللي استفزيته و خليته يعصب و يعصب .. كله مني !!!
انزلت رأسها بوجع .. لا تُريد ان تنتهي حياتها معه .. لا تريد ان تنتهي تلك الذكريات و تُغلق .. هو زوجها و والد طفلتها في النهاية .
تنهدت ليلى .. و هي مُقارنةً بنور تُعد الاضعف ..تشعر بأنها ستبكي عِوضاً عن نور الآن .. جلست بجانبها و هي تمط شفيتها .. حالها أفضل من حال نور بكثيـر جداً .. هي على الاقل لم تتشاجر ابداً مع يوسف بشأن هالة .. كان مُتفهماً و جداً ... ابتلعت ريقها .. لا تُريد ان تكون نكدية و تبكي و تزيد من حزن نور بدلاً من تُخفف عنها .. حاولت بصعوبة ان تتمالك نفسها .. و تقول بنبرة مرحة : لكل فعل ردة فعل مساوية بالمقدار و معاكسة بالاتجاه .
استدارت لها نور بملامح لا تُفسر .. فأخرجت ليلى لسانها بمرح .. : ايه تعرفيني علمي و احب الفيزيا ... عكسك يا الادبي ...و قاعدة اقولك ان اللي صار طبيعي .. و تراه هو بعد ما هو بريء من الغلط .. اصلاً يحصل له زوجة جميلة و طيبة و صبورة مثل اختي .. طول عمرك تتحملين عصبيته و لما انتي عصبتي ما تحملك !!
نور : اشتقت لساروه .. طول الوقت بس قاعدة احاتيها .. بتقولين عني غبية اذا قلت لك ان لسا احس ان منصور بيرجع لي و متأملة فيه ؟؟
صمتت ليلى و لم تُجب .. ثُم قالت و هي تُحاول التخفيف على اختها : يا رب تنحل على خير .. اهم شي الحين بنتك ما تروح في النص بينكم .
نور : المشكلة في حامد اليي خيبني .. بدل ما يوقف معي .. قاعد يلومني .. كذا منصور بعاند .. و الله بعاند .. و هو يحس ان ما احد عبره و تكلم معه .. زوجي و اعرفه راسه يابس !!
قالت ليلى بسرعة : تراني قلت ليوسف يكلمه .. و اليوم بروح له .. لا تخافين نور و خلينا نتأمل خير .
نور باستغراب : قلتي ليوسف يكلمه !!! يا الله احراج .. بتحرجيني كذا معه ... ليه قلتين له ؟
ليلى : يعني تبيني اشوف حالك كذا و اسكت ؟؟ .. و حامد ساكت بعد و تارك الموضوع و ما اتصرف و لا سوى شي ... و ابوي مو عارفين كيف نوصل له الموضوع .... لا احراج و لا شي عادي !!
نفضت حُزنها و حاولت ان تبتسم لتهمس يا رب !!
تتذكر عندما تنتهي خلافاتهما .. سواءً كانت هي المُخطئة ام هو .. يأتي ليفرض نفسه عليها .. يُهاجم ملامحها البائسة بنظراته .. فترفع رأسها و تنظر اليه بانشداه .. يحتضنها .. فتهجع بين احضانه و تشعر بأن حدود حياتها من ذراعه الى ذراعه ..ترفع راسها اليه ..لتغرق عينيها في اعماق عينيه ..ثم يُسكرها بـ قبلة فتنسى !!بسبب ذلك الدفء الذي اعتادت ان يمنحها اياه بعد هطول ثلوج قسوته ..رضت ان تبقى معلقة في محور سؤال " هل سيرجع لي ام لا " ؟؟؟؟؟ !!!!

**

ما بين السماء و الارض .. على متن طائرة استعدت للهُبوط على أراضي باريس .. على مقاعد الدرجة الأولى .. كانت تجلُس مُستديرةً بكامل جسدها نحو النافذة .. تتحاشى مُلامسة الجُثة الضخمة التي تجلُس بجانبها .. كانت على مدار الرحلة تتجنب الحديث معه .. قضت ليلتين في دُبي و سُتكمل شهر العسل في بعض دُول اوروبا .. و لازالت لا تُطيقه .. و لا تتقبله في حياتها ..تتجنب حتى النظر الى وجهه الذي يُثير اشمئزازها .. عندما يفتح فمه و تتراءى لها اسنانه الصفراء المُلوثة ببعض السواد .. نفس كريه و مظهر لا يتناسب مع ذوقها الرفيع .. كيف يكون هذا السمين الدميم زوجها ؟؟!!! و هي التي يُرمز لها بأنها أيقونة جمال .. و مِثال للأناقة و الحُسن ... ترتدي سُترة رمادية تصل الى رُكبتيها .. مع بِنطال جينز أسود .. تلف رأسها بحجاب قُرمزي .. تسُد أذنيها بسماعات ارتبطت بالشاشة التي امامها .. لتُوهمه بأنها مُندمجة بسماع الأغاني لكي لا يُحدثها .. بينما هي في الواقع لا تستمع لشيء .. تنظُر نحو السماء الزرقاء عبر النافذة ...و لكنها في الواقع لا تنظر لشيء .. سارِحة في تعاستها .. بعد ان كانت هي " دلوعة الماما و البابا " .. يرميها والدها على خالد عِقاباً لها على طيشها و قلة حياءها .. لتعيش معه مكسورة و كئيبة و معدومة الحيلة .. انزلت رأسها بأسى بعد ان سقطت دمعة من عينها .. استدارت له فوجدته غارقاً في شخيره و اللعاب يسيل من فمه بشكل مقزز ... تعجنت ملامحها باشمئزاز لتُشيح بوجهها عنه بقهر .. شدت بأصابعها على سترتها .. عينيها الواسعتين تضيق و تبهُت .. عضت شفتها السُفلى .. و سقطت دمعتين ...هي في دوامة .. رفضها لخالد ..خوفها من ابتزاز وليد بصوُرها التي في حوزته .. و حسرتها على نفسها .. اشتياقها لدلال والدها .. وِحدتها و انكسار عزتها .. و الطامة الكُبرى ان يكون هذا المخلوق الكريه طوق نجاتها !!

**


في الزاوية الاخرى كانت فطوم تُتابع التلفاز و هي تشرب الشاي .. بينما تتربع مروة على الاريكة المُقابلة و في يدها هاتفها لتعبث به .. التفتت لمروة و قالت بفضول كان يعتريها مُنذ مدة : اخبار زواج اختج .. كيف كان ؟؟

فضولها لتعرف ماذا فعلت خلود التي تتباهى كثيراً و تُحب المظاهر و الشكليات في زواج ابنتها .. و كـيف كان ذلك الزواج الذي تعتقد انه بلا شك كان مُبالغاً فيه بالبذخ و الترف ... نظرت لها مروة بنصف عينها و قالت ببرود : ما حضرت .
فاطمة باستغراب : من صجج ؟؟؟
انزلت ناظريها الى الهاتف و هي تومئ ايجاباً .
لم تستغرب فاطمة كثيراً .. بل تفهمت الوضع .. فهي تعرف تصرفات مروة الغريبة و انها لا تُحب الظهور في مثل هذه المناسبات .. بالإضافة الى علاقتها مع والدتها الغير مُستقرة .. تمركزت نظراتها على مروة بتفحص .. شعرها الغريب المظهر نِصفه منسدل على وجهها و النصف الاخر محلوق تماماً .. ثيابُها الرياضية تُعطي الناظر اليها انطباعاً اولياً انها صبي مُراهق لا فتاة .. لا يُعجبها ما تقوم به مروة من تخريب شكلها و تظاهرها بالخشونة .. و لكنها لا تستطيع فرض رأيها على فتاة عنيدة كـ مروة .. ثُم انها على الرُغم من شكل مروة الشاذ الا انها تعلم انه مُجرد شكل لا اكثر .. قامت فطوم بهدوء و هي تبتسم بـ ود .. جلست بجانب مروة بينما لازالت مروة تعبث بانشغال .. قاطعت فطوم انشغالها و هي تمد كفها نحو شعرها المنسدل على وجهها .. لتُبعده عن وجهها .. رفعت حاجبيها و قابلت ابتسامة فطوم بنظرات مُستنكرة و ملامح باردة .. فطوم و هي تُرجع شعر مروة الى ما خلف اذنها : حسبي الله على بليسج .. وش هالقصة الغريبة ههههههههه .. ذكرتيني بلاعب كرة نسيت اسمه ..
لم تُعلق و لم تتغير نظرة البرود من عينيها .. قالت بلا مبالاة و هي تعيد نظرها مُجدداً للهاتف : موضة .
الانطباع الاول لمن يرى مروة .. هو انها صبي مراهق .. و لكن عند تدقيق النظر في ملامحها .. يُدرك الناظر بل يجزم بانها فتاة ناعِمة ذات ملامح تصرُخ انوثة ... و كم ترغب فطوم بأن تُظهر تلك الفتاة الناعمة على ماهيتها .. و تُبرز جمالها و انوثتها .. و هي تُدقق النظر في ملامحها الجذابة .. تمنت لو انها تستطيع ان تُؤثر على مروة و تكسر ذلك الحاجز .. قالت بِمُزاح و هي تضرب كتف مروة : وش فيج عاطيتني وضعية ابو الهول .. اتركي هالمبايل من ايدج ..و خلينا نسولف شوي و نحش هههه .
رفعت ناظريها لها لتقول بعدم اهتمام : وش نسولف عنه ؟
كانت ستنطق و لكن صوت وليد المرتفع قاطعها .. " يُمه ويين الهرييس ... ؟؟؟ يُمه " .. التفتت فطوم و رفعت صوتها ليسمعها : الحين تييبه لك الخدامة .. اصبر شوي .
التفتت مروة لمصدر الصوت .. علاقة وليد مع والدته جميلة و قوية بالرُغم انها تتضايق و تغضب من تصرفاته الطائشة الا انها دائماً تتأمل فيه خير ..تُدللـه و تهتم به و لا ترضى عليه ... على النقيض تماماً من علاقتها هي و والدتها ... علاقتها مع والدتها لا تُشبه علاقة ام مع ابنتها .. علاقة غير مستقرة على حال محدد .. لِمَ علاقتها مع والدتها لا تشبه علاقة وليد بامه ؟ لِم الامهات يختلفن عن بعضهن ؟؟ .. اليست غريزة الامومة واحدة !!
التفتت لفطوم و ابتسمت بمكر .. فطوم لا تعرف افعال وليد الطائشة الجديدة .. بحكم انها بعيدة عنه .. فاخباره لا تصلها.. و جنون افعاله و تفاصيلها لا تعلم بها .. قالت مروة و هي تبتسم : ما قلتي لي نسولف عن ايش ؟
فطوم : كان ودي اعرف عن زواج اختج بس ما حضرتي .. ما عندج فكرة عنه ؟؟
ارجعت رأسها الى الوراء و هي تعبث بشعرها : امممم .. وش رايك اقولك عن الاحداث اللي صارت بعد الزواج .. حماس اكثر !!
فطوم بفضول : وش صار بعد ؟؟!!!
استقامت بظهرها لتتمركز نظراتها نحو حدقتي فطوم .. ابتسمت .. ستتغير هذه النظرات المُتسائلة الى نظرات غاضبة مُستاءة الآن .. ستُشعل نيراناً داخلها الآن .. بدأت بسرد ما حدث .. و كيف هجم وليد على الريم في غُرفتها في الفندق .. و انه كان يُريد ان يأخذها و يهرب بها ... شهقت فطوم و لم تُصدق في البداية من صدمتها .. تغيرت ملامحها و ارتفع ضغط دمها .. تنفست الصعداء و مروة لازالت تُكمل و تُخبرها بما حدث و كيف انتهت تلك الليلة .. و ان وليد لازال ينوي شراً .. قامت من مكانها بعد ان انقلبت ملامحها .. متى سـ يعقل ابنها و متى ينوي اراحتها من قلقها و غضبها منه !! متى ؟؟؟ !!!! لا فائدة تُرجى منه .. و هي التي ظنت ان بزواج الريم سيهدئ و يعقل .. و انها اخيراً ارتاحت من الريم التي تعتقد انها لا تناسب ابنها و انه لو تزوجها لكان زواجهم محتوم عليه بالفشل ... و لكن وليد من ضياع الى ضياع اخر ... متى سيعقل و يُريحها .. متى ؟؟؟؟!!!
ارتعشت شفتيها .. استدارت و هتفت بأقوى ما لديها : وليييييدوووووووه !!!!!!
اغمضت مروة عينيها بتلقائية من شدة الصرخة التي سمعتها .. بينما التفت وليد بصدمة .. تعثرت قدميه و هو يقوم من مقعده امام الطاولة .. قال بصدمة : وش فيكم ؟؟
اقتربت منه و هي تخطو بثقل غضبها .. نظرت اليه و هي تكاد تنفجر .. ثم رفعت صوتها و انفجرت : انت متى بتصييير آدمي ؟؟ و هالبنت يعني ما بنخلص منها ؟؟؟ رايح لها ليييش بعد .. انت تبي تموتني قهر ؟؟ تبي تموتني ناقصة عمر ؟ .. لييش ما تفكر قبل لا تتصرف .. ليش ما تفكر فيني على الاقل ؟ .. ليييييش انت غير الناس و غير الاوادم ..ليييييششش ؟؟
ابتلع ريقه .. و هو لا يخاف من احد بقدر ما يخاف من امه ..و كأنه لازال طفلاً يخشى توبيخ امه .. و لكنه طفل متمرد لا يأخذ بكلامها و توبيخها مهما كان مُرعباً بالنسبة اليه .. صمت .. و عينيه تتجاوزا والدته .. الى ما خلفها .. الى حيث مروة التي تقف و هي تتكتف و على وجهها ابتسامة اخفتها فظهر ظلُها .. اتسعت عينيه بغضب .. لا احد غيرُها بالطبع .. و من سيكون سواها ؟؟ .. قابلت نظرات وليد ببرودها .. اعادت وليد نظراته الى والدته بارتباك و هي تقترب منه و تمسكه من ياقة قميصه لتهتف : و الحل و اياك يعني ؟؟ و الحل ؟؟؟!!!
خطت مروة اتجاههما بتلاعب و هي تنظُر لعيني وليد .. لتُكمل و تزيد الطين بلاً : ولدك ماله حل يا خالتي .. وين نلقى له حل و هو .. ، رفعت يدها لتـشير بها الى فمها .. قاصدةً التلميح لشيء يعرفه وليد جيداً .. اتسعت عينيه و هو يُشير لها بها بـ " لا " .. و لكنها لم تكترث عندما التفتت لها فطوم و قالت بصوت مخنوق : وش قصدج ؟؟
لترفع كتفيها بلا مُبالاة و تقول ببرود : سوري فطوم .. بس ولدك المحترم رجع يشرب .. يرجع البيت في الليل و هو سكران طينة .و ..
هتف وليد مُقاطعاً لها : مروة !!!
التفتت الى والدته التي افلتت ياقة قميصه من يدها .. الا تعلم مروة انها لعبت بالوتر الحساس ؟ .. وضعت يدها جرح لم يندمل في قلب والدته بعد .. الا تعلم انها من الممكن ان تفقد صوابها الآن ؟؟ .. نظر الى ملامحها التي بدأت بالانقباض و التغير و هو يعرف ملامح والدته جيداً عندما تحزن .. و هو لا يحب ان يراها حزينة .. لا يحب ان يرى تقطيب جبينها الكئيب و تقوس شفتيها و الشجن الي يعبر تفاصيلها .. لذلك هو يخفي عنها الكثير مُستغلاً كونها لا تعيش معه .. و هو يتوعد مروة في داخله .. قال باهتمام وخشية على امه : يُمـ
رفعت رأسها و قد كان الحُزن جلياً على ملامحها .. قالت بصوت متهدج على حافة البكاء : انت و بعدين و اياك ؟
خنقتها عبرتها و بكت .. انسابت دمعة من عينيها قهراً و خيبة .. مد يده نحوها و قد آلمه ان تبكي امه بسببه .. صدت يده عنها و احتدت عينيها و قالت : روح عن ويهي .
ابتعدت عنه مُسرعة .. و عينيه تُلاحقانها بضيق .. و لكنه لا يستطيع ان يفعل لها شيئاً .. فهي غاضبة الآن و لن تستمع اليه .. و هو لا يملك الا ان يكذب عليها ليُخفف عنها .. و لكنها لن تـصدقه و هي في هذه الحالة .. التفت لمروة التي اختفت ابتاسمتها فور ان نظر اليها .. و قفت امامه بلا مبالاة و كأنها لم تفعل شيئاً .. اقترب منها و قال : يعني لازم تخليني اندم عشان اخذتك معي ؟؟ .. حركات الفتنة و التخريب هذي متى بتبطلينها ؟؟
قالت و هي تنظر نحو اظافر يدها .. : و انا جبت شي من جيبي ؟ .. كل اللي قلته صدق و اذا مررة زعل امك يضايقك ليه تزعلها يا دلوع امك بهالتصرفات ؟ صير آدمي مثل ما تقول لك
امسكها من ذراعها بقوة : انا كم مررة قايل لك لا تتدخلين فيني ؟؟
نظرت نحو كفه على ذراعها بعدم رضا .. و لكنها نظرت نحوه و ابتسمت بعناد : لا تخليني اقول لها عن هالة بعد !! و الا تحب اقول لها عن ردينا العبد الله ؟؟ وش رايك ؟؟
الا يكاد اسم تلك الفتاة يختفي من رأسه ؟؟ .. كل ما حاول نسيانها .. يقفز اسمها امامه مجدداً .. و كأن تلك القيادة الذهبية تعويذة سحرية .. خُتمت على عقله .


**


ذكريات مبعثرة في صور .. استحوذت عليها و اخذت تُدقق في تفاصيلها ..تستلقي على سريرها و تتصفح البوم الصور القديم .. كان سامي شاباً يافعاً .. لم تتغير ملامحه كثيراً .. ثُم انه على كُل حال لم يفقد زهوة شبابه بعد ... تتأمل صُورهم بفضول .. كان وليد طفلاً سميناً .. و مروة نحيلة جداً .. من الصور يُعرف و يتضح بأنهم كانوا اشقياء و مُشاغبون .. في احدى الصور .. تجر مروة شعر وليد و هي تضحك .. و في صورة اخرى يرفعها سامي ليحملها على ظهره و تبتسم بشقاوة و هي تُحدق في وليد الهادئ و كأنها تتوعد فيه .. و في صورة اخرى تحتضن مروة العابها التي كانت عبارة عن دُمى لمُصارعين و اشكال مُرعبة غريبة .. بينما ترتدي زي " سوبر مان " الأزرق بوشاحه الاحمر و نظارة سوداء مُضحكة .. منذ صغرها قد كانت تلك الفتاة صبيانية .. قلبت الصفحة الى صفحة أخرى .. تراءت لها صورة لطيفة جعلتها تبتسم .. صورة لوليد و هو صغير جداً ربما في الخامسة او الرابعة من عمره و هو يحمل مروة الطفلة .. كانا في غاية اللطف و البراءة .. اما الآن فهُما لا يمُتان للبراءة بصلة .. في الصفحة الاخرى ظهرت لها صورة بدر .. عرفت ببساطة انه بدر شقيق سامي و والد مروة .. لأن له صورة ضخمة مُعلقة عند مدخل المُستشفى .. رجُل في اوائل الاربعينيات و رُبما في اواسطها هذا ما بدى لها ..و رُبما يكون اكبر من ذلك ايضاً .. قد يكون مثل اخيه الذي لا يظهر عليه العُمر .. فسامي بالرُغم من انه تجاوز الخمسين الا انه لازال يحتفظ بزهوة شبابه و الكثير من قوته و صحته .. ازاحت بجسدها نحو الكوميدنيه لتلتقط صورة سامي و تُقارن بين سامي و اخيه .. لا يتشابهان البتة .. بدر ابيض البشرة و ذو جبهة عريضة .. ذكرها ذلك بوليد .. اومأت بإيجاب .. حقاً هنالك شبه بين وليد و بدر .. و لكن ليس كثيراً .. لمحة بسيطة فقط .. و عندما تُدقق النظر في ملامح بدر تجد ان وليد لا يشبهه .. الا في حدود رسمة الوجه و الجبهة العريضة بينما الملامح مُختلفة ... التفتت الى صورة سامي التي في يديها .. في نظرها سامي هو الاوسم و الاجمل و الاكثر جاذبية بينهم .. هو اوسم من ابنه ذو الجبهة العريضة ... بل انه لا يُشبهه حتى .. هو رجُل بكامل المواصفات .. بشرة حنطية و و عينين عسليتين .. الخط المُتصدع في فكه .. شعره الاسود الذي خالطه الشيب و المُصفف الى الخلف .. و لحية مُهذبة اجاد صبغها لكي لا يظهر من شيبها شيء .. قبلت الصورة بلا شعور ... سامي هو كُل شيء بالنسبة اليها .. هو العز و المال و الزوج و الحياة و كُل شيء .. و كل ما فقدته سابقاً وجدته الآن دُفعة واحدة في سامي .. فلِم الجحود عندما تُفكر و تتمنى بأن لو كان سامي والدها او اخيها او .. فلتحمد الله و تشكره على سامي ثُم تخرس .. قبلت الصورة مُجدداً ببلاهة و قالت : اييه زوجي و ابوي و اخوي و حبيبي و دنيتي كلها .. ايه الله لا يحرمني منك يا بعد طوايف اهلي كلهم .
قامت من السرير و هي تحتضن الصورة المحتجزة في برواز .. روتينها ممل جداً .. لقد ملت من التسوق و التأمل في تفاصيل القصر الباهر .. لقد ملت من الحياة المُرفهة التي تعيشها .. لأنها و ببساطة تعيشُها وحدها .. سامي لا يتواجد كثيراً معها .. يذهب الى عمله عند شروق الشمس و لا يعود حتى الغروب عادةً .. بالإضافة الى اسفاره المملة التي تخُص العمل .. نظرت الى الصورة و قالت بتأمل : عاجبك كذا .. مخليني بين اربع جدران .. بس يلا حبيبي مو مشكلة .. اهم شي وجودك في حياتي .. الله لا يحرمني منك يا رب .
من شدة مللها .. قامت بالعبث بالادراج و اخراج البومات الصور القديمة .. و ها هي الآن تُحدث الصورة و تُقبلها كالمجنونة .. قالت بعد ان قبلت الصورة : يا بعد عمري و الله .. بس تجي بقولك نسافر .. يعني بس وليدوه و اخته يسافرون و أنا لا ؟؟ ..
نظرت حول جدران الغُرفة البنية الداكنة : و بقولك نغير صبغ الغُرفة بعد .. ما عادت تعجبني .. غامقة و تجيب الهم .. ، استدارت الى السرير و قالت : السرير بعد مو حلو .. بقولك نغيره !!
استلقت على السرير و هي تضم صورته الى صدرها و تُفكر بالطلبات التي تُريدها أيضاً .

**

باريس

خرجت من حمام الغُرفة بعد ان استحمت .. ترتدي قميص نوم أبيض .. تنهدت بارتياح و هي تراه قد غفى على السرير .. مشت بخُطوات حذرة لكي لا توقظه .. وقفت امام المرآة .. تُسرح شعرها المُبلل على انغام موسيقى شخيره النشاز .. التي أصبحت نمطاً يومياً .. نظرت لانعكاسها الكئيب ... و ضعت كفها على وجنتها .. تتحسس ملامحها الجميلة و تتحسر .. تشعر بأنها ظُلمت بهذا الزواج الغير مُتكافئ .. هي رمز الأنوثة و الجمال .. كم كانت تعتز و تتباهى بجمالها .. و الآن تُزوج لهذا الـ .. خنقتها العبرة .. بأي وصف يُمكنها وصفه .. هي اميرة حسناء رقيقة .. و هو ضفدع بشع كريه الرائحة ..و شخيرُه تماماً كنقيق الضفادع !!
استدارت اليه و نظرت اليه بازدراء .. نام بملابسه كُلها و حتى لم يُكلف نفسه بخلع حذاءه قبلاً .. لم يُفرش أسنانه .. لم يستحم .. الغريب في الموضوع انه حتى عِندما يستحم لا تختفي تلك الرائحة الكريهة المُقززة من جسده .. هل هو لا يستحم جيداً .. ام انه مرض ما مُرتبط بتلك الرائحة ؟؟!!..
لقد ظُلمت بهذا الزواج .. ظُلمت !! .. همست بحشرجة " الله يسامحك يُبه " .. تدحرجت دمعة من عينها .. شهقت بانعدام حيلة .. هل الخطأ هو خطأ والدُها ام خطأُها هي !! .. هي من كانت طائشة و مُغترة بدلال والديها ..مُغترة بُحسنها و جمالها .. و وثقت كالغبية بذلك المُحتال وليد ... نعم وليد هو السبب .. الخطأ ليس خطأ والدها و لا خطؤها هي .. بل وليد !! .. هو اصل المصائب و الباب الذي فُتح لتتراكم عليها المشاكل و المصائب من كُل حدب و صوب .. تذكرت تلك الليلة عِندما ارادت ان تلجمه و تنتقم به بـ سُلطان .. فبلغ عنها الهيئةُ .. استُجوبت كالمُجرمين .. كادت تموت رُعباً .. ثُم امرها ذلك الرجل بأن تتبعه لسيارة الهيئة الخاصة ليأخذها الى المركز .. بكت و بكت و حاولت الدفاع عن نفسها بلا فائدة .. عندها استطاع سُلطان ان يفلُت و يهرُب بحيلته .. و وليد أيضاً خرج من المُجمع و هو يُمثل دور الشريف الطيب .. و بقيت هي لا تستطيع فعل اي شيء ..تجمهر الناس حولها ينظُرون اليها و هي ترفض الذهاب الى مركز الهيئة ببُكاءها .. الى ان جاءت تلك المرأة المسؤولة لتسحبها معها الى هُناك ... ثم جاء والدها ليستلمها .. بعد ان وُبخت و استجوبت و مُسحت بكرامتها الأرض !!

جلست على طرف السرير ثُم استلقت على حافته .. لكي لا توقظه و في الوقت ذاته اشمئزازاً منه .. دعت بأن لا يستقيظ خالد الآن ... هي حتى من شِدة بُؤسها سمحت بأن يُلامس جسده الكريه جسدها .. و اعطته حقوقه الزوجية كاملة .

**


*
في شقة منصور

يجلس يوسف على الاريكة بعد ان استقبله منصور بلباقة .. الصالة مقلوبة رأساً على عقب .. العاب سارة مرمية في كُل ارجاء المكان .. بالإضافة الى اواني المطبخ المُتواجدة على الأرضية .. تساءل في نفسه .. ماذا تفعل اواني المطبخ في الصالة ؟؟!! .. رائحة شيء محروق عابقة في الجو استنتج ان مصدرها المطبخ ... و تلك المُشاكسة تلتصق على طرف الأريكة و هي تحمل ملعقة خشبية تلهو بها .. بينما تستند على الأريكة لتستطيع ان تخطو موازيةً لها .. " اعذرني على حوسة المكان بس ما كان عندي وقت ارتب .. وش تشرب ؟؟ "
بالطبع المكان سيكون فوضوياً و بهذه الحالة الغريبة .. فالشقة لا خادمة فيها .. و نور ليست هُنا .. و الدكتور منصور لا يفهم في مثل هذه الاعمال المنزلية و خصوصاً بوجود طفلة حركية كـ سارة تُحب ان تعبث في كُل شيء .
ابتسم يوسف بِود و قال : لا عادي لا تشغل بالك .. اجلس انا مو جاي عشان اشرب شي .
جلس منصور مُقابلاً له و هو لازال يتساءل عن سبب مجيئه ... التفت يوسف الى سارة التي اقتربت منه و هي تخطو مُوازيةً للأريكة .. حيث انها لا تستطيع المشي الا بهذه الطريقة .. ابتسم يوسف و قال : شكلها الصغيرة مجننتك .. و خصوصاً ان امها ماهي معها .
نظر اليه منصور بجُمود ..ماذا يقصد ؟ هل يُلمح بكلامه ذاك الي شيءٍ ما .. لم ينطق بشيء و بقي ينظُر نحوه بذات الجمود .. بينما التفت اليه يوسف بثِقة .. لقد تعمد جُملته تلك لكي يُمهد له حديثه .. أكمل بنبرة لبِقة : منصور انا مو جاي عشان اتدخل بينكم .. و ادري ان مالي حق اتدخل او اعرف باللي صار .. و اساساً مو جاي عشان اعرف ... بس اعتبر كلامي اللي بقوله لك مجرد نصيحة .. ان حبيت تسمعه و ان ما حبيت فعلى راحتك .
بالرُغم انه في الواقع لا يستلطف يوسف كثيراً .. من بداية ما عرفه كانت علاقته معه رسمية و حسب .. و لكن حديثه مُهذب و لبِق .. يفرض احترامه بتصريحه بعدم تدُخله في خصوصياته .. ثُم انه لم تكن من شيمه يوماً ان يُحرج ضيفه و خصوصاً ان كان ذلك الضيف في غاية الأدب .. لذلك قال : تفضل يا يوسف .. قول اللي عندك و انا اسمعك .
ابتسم ليقول : انا على حسب معرفتي فيك يا منصور .. عرفت انك رجال و النعم فيك و اخلاقك طيبة و فيك الخير .
هو يُجيد المُجاملات و انتقاء الكلمات بغض النظر عن مصداقيته .. يستطيع اللعب في المنطقة الرمادية باتزان ما بين الصراحة و الجُرأة و المُراوغة في الكلام لكي لا يجرح الطرف الآخر و في الوقت ذاته يُؤثر عليه .. و خصوصاً في هذه المواضيع الحساسة .. بإمكانه ان يقف بحيادية ما بين الطرفين.. يُراوغ في الكلام الى ان يصل الى غايته .
اكمل بنبرة مُتفائلة : الله سبحانه و تعالى يقول ( قل لا اسالكم عليه من اجر الا المودة في القربى ) .. لا تنسى ان ابغض الحلال الطلاق ... ومهما كان حجم المشكلة اللي بينكم حاول تنظر لها من منحى ثاني .. هي كانت زوجتك و بينكم بنت وعشرة تستاهل منك انك تسمعها وتقعد معاها وتتفاهم يمكن توصلون لحل .. انا اقول اعطي نفسك فرصة ثانية معها ، واقعد معاها واسمعها من جديد ما انت خسران شي .. و اللي فهمته من ليلى انها ندمانه و منهارة بعد .. اذا مو عشانها عشان بنتكم ...
نظر الى عيني منصور الذي زاغت عنه بكبرياء .. لم يلفظ بأي كلمة .. فعرِف انه اجاد انتقاء الكلام المُناسب .. لديه سُرعة بديهة في فهم الشخص الذي امامه و معرفة مفاتيح التعامل معه .. ابتلع ريقه و اكمل مُحاولاً ان يُشعر منصور بأنه هو صاحب القرار و بيده مقاليد الامور : يمكن تكون غلطت بحقك ..و معاك حق في اللي قاعد تسويه .. و انت صاحب الحق و هي الغلطانة .. كل شي جايز و انا مادري باللي بينكم بس انا عارف انك فيك الخير و بنتك تهمك و تظل نور امها .. و انت عارف كيف الام تكون متعلقة بأولادها و خصوصاً ان بنتك طفلة صغيرة .....و حتى لو كان الطلاق هو الحل الوحيد و انا ما اقدر اناقشك في هالشي .. بس حتى الطلاق يكون بتفاهم و اخذ و عطا .. و مثل ما بديت مشروع زواجك منها بخير و تفاهم .. تقدر تنهيه بنفس الطريقة ... {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * } ..انا عارف انك داري بهالايات و فاهمها و انت رجال تقي و النعم فيك .. بس احياناً المشاكل و الضغوطات تخلينا نغفل و نحتاج احد يذكرنا ... انا مو جاي عشان اعلمك انا بس جاي اذكرك .. و لاني متأكد ان فيك الخير .. و اللي صار بينك و بينها ضايق زوجتي و ضايقنا كلنا .
عقله مُشتت .. استمع لكلام يوسف و هو لا يستطيع ان يُجادله .. يُريد ان يُخبره بأن يتوقف عن الحديث و يكفي و ان نصيحته و صلت و حسب ..و لكن كلامه ترك تأثيراً جعله يبقى مُتمعناً حائراً فيه .. اعاد ناظريه الى يوسف الذي اكمل حديثه بذلك السُؤال الحاسم. : ها وش قلت ؟؟!! تروح معي الحين لبيت عمي عشان تتفاهم معها ؟؟؟

**
انتهى 

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...