الفصل 19 | من 29 فصل

رواية و هل ينتهي الحُــــب ؟ الفصل التاسع عشر 19 - بقلم Misoo

المشاهدات
16
كلمة
10,321
وقت القراءة
52 د
التقدم في الرواية 66%
حجم الخط: 18



: ننظر للجزء الممتلئ للكأس و ما ننظر للجزء الفارغ منه .. خواتك واقفين معك .. و مصدقينك بعد .. صحتك بدت تتحسن و ربي كتب لك عمر جديد .. و الاهم انك واثقة من نفسك .. انتِ واثقة من نفسك و خليك على طول كِذا .. لا تغلبك الاوهام و لا تغلبك السلبية .. ان كنتِ واثقة من نفسك و ايمانك بـ رب العالمين قوي فـ ليه الخوف ؟

تتدفق كلمات تلك الطبيبة الى مسمعيها ، تجلس على السرير بينما تُقابلها تلك الطبيبة التي تُحاول ان تفهم احتياجاتها و تسمع منها .. تستفزها احياناً بالأسئلة .. و لكنها تُعاود تذكريها بثقتها بنفسها .. و ان كانت حقاً واثقة من نفسها كما تقول فعليها ان تُجاوب على اسئلتها و لا تخجل و لا تُستفز ايضاً ..
الطبيبة : خلينا نفكر في ايجابية و بدل ما الوقت يضيع في التفكير و الصياح و ندب حظك .. هذا كله ما يفيد و ما يغير من اللي صار .. ليه ما تحاولين تلقين حلول لمشكلتك .. و ترجعين لورا شوي .. و من وين جت الصور ؟
كوَّرت اللحاف بقبضتيها .. لتنزلق نظراتُها الحانقة الى الاسفل .. قطبت جبينها و قالت بغيظ : مـ ا اعــ ر ف .. ما اعرف
باغتتها الطبيبة باعادة السُؤال عليها : لا تتهربين من السؤال هالة .. انتِ واثقة من نفسك صح ؟ يعني ضروري تلقين جواب لهالسُؤال .. من وين جت الصور ؟
رفعت رأسها و رفعت صوتها : مـا أعرف .. قلت لـ ك مـا اعـ رف .
الطبيبة بحزم : طالعيني هالة .. حطي عينك في عيني و جاوبيني .. فكري اكثر .. اسمحي لنفسك تفكرين اكثر .. و من وين جت الصور ؟
نظرت الى عيني الطبيبة .. دمعت عينيها و قالت بنحيب : و الله مـ ا اعـ رف و الله .
قامت الطبيبة لتجلس على طرف السرير ..احتضنت كفي هالة و قالت بهدوء : هـالة .. انا مو جاية هنا لأحاسبك او احكم عليك .. انا ابيك تسمحين لنفسك تفكرين اكثر .. تتذكرين اكثر .. تربطين الاحداث ببعضها .. و تفكرين بمنطقية .. انتِ واثقة من نفسك و تقدرين .. لازم فيه طرف خيط يوصلك للجواب .. لازم !!
نظرت هالة نحوها بضياع .. فقالت الطبيبة : خليني اساعدك .. فيه احد وثقتي فيه لدرجة العمى ؟ فيه احد دائماً كانت تصرفاته غريبة لدرجة كنتي تشكين فيه ؟ فيه احد يكرهك لدرجة يضرك بهالطريقة ؟ ..
قامت الطبيبة بهدوء لتبتسم : فكري .. انتِ واثقة من نفسك .. و ما ابي اسمع الأجوبة منك الحين .. فكري و خذي وقتك في التفكير .. و جواب هالسؤال بيساعدك انتِ مو انا .
خرجت و اسندت هالة رأسها على الوسادة .. من أين اتت الصور ؟ و لِمَ ؟ ان كانت حقاً واثِقة من نفسها انها لم تفعل شيئاً خاطئاً .. اذاً فالتُحلل و تُجيب على هذا السُؤال .. " من أين اتت الصور ؟ " ... اخذت تُفكر في كلام الطبيبة .. و تلك الأسئلة الاخيرة التي طرحتها عليها .. فلتُفكر بإيجابية و تُحسن الظنون .. فلتجد حلاً .. فلتجد جواباً ..
بينما هي في غُمرة أفاكرها .. تفُكر و تُفكر .. نور و ليلى والدُها و حامد و المرحومة والدتُها كُلهم تثق بِهم ثقة عمياء .. أبعدت تلك الفِكرة من بالها .. من المُستحيل ان يضُرها أحدهم من المُستحييييل ...السُؤال التالي .. تصُرفات غريبة لدرجة الشك .. لا أحـد .. هي لم تشُك بأحدهم يوماً .. هي ليست نور التي تشُك دائماً في كُل شيء و حتى زوجها لم يسلم من شكوكها .. نور تُحب ان تتقمص دور المُحقق كثيراً و حتى معهم .. اما هي فلا .. لم تشُك في احدهم ابداً و مُطلقاً .. دائماً تُحسن الظن و تُصدق ما يُقال عليها بدون تفكير .. رُبما هُنا المشكلة !! لأنها ساذجة بريئة تُصدق دائماً ما يُقال لها فاستغلها احدهم و ضحك عليها .. و لكن لِمَ ؟ هي لم تضُر احدهم يوماً لتُضر بهذه الطريقة الفظيعة !!!

فُتح الباب لتُنتشل من افكارها برُؤية ياسمين .. و ما ان رأتها حتى هتفت في وجهها : أبـ غى أكلـ م نــو ر ..الحين ابغى اكلم نور !!!
توترت ياسمين من كلامها .. لقد اعتقدت ان هالة نست الموضوع .. و اقتنعت بكلامها .. و ان وضعها النفسي المُضطرب سيجعلُها تنسى و يخُف اصرارها على اخبار اهلها بما فعلهُ وليد .. لقد تهربت مُسبقاً بحُجة ان هاتفها قد نفِذ شحنه .. و لكن الى متى ستبقى تتهرب ؟
قالت برجاء : هالة حبيبتي تكفين .. ما له داعي تكبرين الوضوع اكثر ..انا عطيتك كلمة انه ما بقرب عليك و لا حتى بتشوفينه مرة ثانية
صمتت باحباط و هي ترى هالة تُهُز رأسها نفياً .. قالت باصرار : أبي اكلـ م نـور .. بقـول لهـا .. انـا مو ناقصـ ة بلاوي ثانـية من ولد زوجـك ..اي اي .. مو ناقصـ ة .. مو ناقصة .. .
تقدمت ياسمين لهـا .. وقفت امامها .. مسكينة هالة عانت كثيراً و لازالت تُعاني .. رُبما يكون ظُلماً و رُبما تستحق قليلاً جُزءً من الذي حدث لهـا .. في النهاية هي لا تعرف عنها شيئاً !! و لكن لا ينفي ذلك ان ما قام به اهلُها كان قاسياً جارحاً و لا يتحملُه أحد ... هي تتعاطف مع هالة كثيراً بل انها تُذكرها بأختها نرجس كثيراً لذاك تشعر بأن لهـالة مكانة ما في قلبها .. و لكن لكُل شيء حد .. احتدت عينيها و قالت : شوفي يا هالة .. ترى ابداً مو من مصلحتك ان تخلقين عداوة و مشاكل بيني و بينك .. في النهاية انا اللي ببقى معك في الدار و انـا اللي بكون مسؤولة عنك هناك .. و لعلمك المُوظفات في الدار هناك كلهم ما بتلقين وحدة فيهم تساعدك و تتعاطف معك كثري !! و انتِ حرة اذا تبغين تخبرين اهلك باللي صار و تتسبين لي بمشاكل .. فأولاً و اخيراً انتِ الخسرانة .. و انتِ حرة !!!
اتسعت عيني هالة بصدمة .. فأكملت ياسمين : اعتبري كلامي نصيحة لك !!! انـا وعدتك ان وليد ما راح يقرب عليك .. فانت اقصري الشر و اسكتي عن الموضوع و خلينا نظل اصحاب .. و اذا لازلت ِ مصرة على رايك فتراك بتخسرين اشياء كثيييرة .. و انت حُرة !!

خرجت من الغُرفة .. هل ما فعلتهُ للتو يُسمى " نذالة " .. فهالة رُغم كل شيء مريضة و نفسيتُها مُرهقة .. لا هي فقط كانت تُحاول درء المشاكل قبل ان تتفاقم .. بغض النظر عن الاسلوب و الطريقة .. الا انها ايضاً يجب ان تُفكر في مصلحة نفسها .. ان اخبرت هالة اهلها .. و اهلها اشتكوا في ادارة الدار.. ستسبب لها بمُشكلة هناك ثُم المشكلة ستتزايد اذ ان سامي حتماً سيعلم .. و سيُحرج .. و هو لن يقبل ان يُصغر في عين الناس و خصوصاً انه هو من توسط لها بهذه الوظيفة .. ثُم قد تمس المُشكلة وليد ايضاً !!!! و يغضب سامي أكثر و تكون راحة باله في طلاقه منها !! فهي فقط زوجة يستطيع ابدالها بأخرى ..و هو عِندما تزوج اراد راحة باله و لم يُرد مشاكلاً جديدة فوق رأسه !! سيناريو اخترعته من رأسها و رُبما حقاً يحصُل !!

*

هوت سماعة الهاتف من أذنها بعد ان تحدثت مع رانيا .. طمأنينتها اختلت بابتعاد ابنتها عنها .. تشعر بضيق شديد في قلبها .. لم تعتد الابتعاد عن ابنتها يوما !! فكيف تبتعد عنها كُل هذه المدة و بدون سابق انذار !! و لكن رانيا طمأنتها بقولها " منصور قال لي ان مو ناوي يحرمك من بنتك .. اصبري شوي هو أكد لي هالكلام "

تكورت حول نفسها بضيق .. حسناً هي أخطأت في حقه و كثيراً و لكن هي ايضاً كثيراً ما كانت تتحمل تقلُبات مزاجه .. و تصبر عليه عِندما يُفرغ غضبه - الذي تجهل سببه - عليها ، تتحمله و هو في اسوء حالاته .. فهو اذا فقد اعصابه يتحول لشخص آخر .. استفزازي ، قاسي ، عديم احساس .. يُمارس عليها افعال ساديَّة و بكل عنجهية و غرور .. و كأنه ذا شخصيتين مُتناقضتين .. يحل احداها محل الأخرى على التناوب .. و هي تُحبه بجميع حالاته لذلك تتحمل كل شيء يصدر منه .. و لأنها تُؤمن بأنه رجُل ذو معدن طيب .. و لِكُل رجُل عيوبه .. و لأنها زوجته.. يجب عليها ان تقبل به كما هو .. بحسناته و سيئاته .
بدأ عقلها بسرد الذكريات المُتشابهة .. لتُأكد لها تلك الذكريات .. انَّها حقاً كانت صبورة عليه و تتجاوز و تتغاضى كثيراً .. و تُسامحه مهما فعل .

دخل الى شُقته حيث كان عائداً من عمله .. و كانت هي كعادتها .. انتهت من تجهيز الغذاء و تنتظر قدومه .. بادرته بابتسامة لطيفة لم يُبادرها مثلها .. كانت ملامحه جامدة .. نظر لها من طرف عينه بدون ان ينطق بـ شيء .. قالت و هي لازالت تحتفظ بابتسامتها : قواك الله حبيبي .. شكلك تعبان من شغلك او متضايق . ؟
تجاهلها ليجلس على الاريكة في الصالة .. و تجاهله ايَّاها اكد لها انه في مزاج سيء .. و عليها ان تُقدر ذلك .. ابتعدت لتُرتب سُفرة الغذاء على الطاولة .. و كان يُراقبها و هي مشغولة في نقل الصحون من المُطبخ الى غُرفة الطعام .. حيث انها يجب ان تمُر بالصالة لتنتقل من الغُرفتين .. و بعد ان انتهت .. وقفت امامه لتقول بلُطف : السفرة جاهزة .. قوم اتغذا و ريح لك شوي .
اجابها بجفاف : ما لي نفس .. اتغذي انتِ .
صمتت .. هي تطبخ لأجله .. و ذلك الغذاء الذي بذلت جُهداً من الصباح لإعداده له .. لا لتتناوله وحدها .. و هو بكل جحود لا يُقدر .. بل لا يُكلف نفسه بأن يُجاملها و يشكرها و لو بكلمة .. قالت بهدوء : طيب كان قلت من اول .. انت تشوفني و انا احط السفرة قدامك .
رمقها بنظرة مُستخفة .. ثُم قال : انتِ ما سألتيني .. شيلي السفرة مثل ما حطيتيها .
ابتعدت عنه دون ان تنطق بشيء .. لتُرجع الاطباق التي وضعتها الى الثلاجة .. و هي تُصبر نفسها و تُحاول ان تُقدر وضعه و تضع له اعذاراً .. خرجت من المطبخ بعد ان سمعت بُكاء سارة ... نظرت اليه و هو يتأفف من سارة التي تحبو على الارض بجانبه و تحاول التودد اليه ببراءتها و هو بدوره لا يستجيب لها و يُبعدها عنه فبكت .. رفع صوته : تعالي خذي بنتك من وجهي .. و الا ما بصير لك و لا لهـا طيب !!
تقدمت بهدوء و حملت سارة و قالت بخفوت : و انت ليه ما تحملها ؟ وش ذنبها الطفلة تطلع حرتك فيها ؟
وجَّه اليها نظراته الحادَّة المُلتهبة لتصمت ... و كم يهوى إخراسها بنظراته !! ابتعدت عنه و هي تحمل ابنتها .. جاءها صوته المُستفز : ما ابي اسمع نفس .. اخذيها و روحي الغُرفة و سكتيها .
دخلت الى الغرفة و اغلقت الباب .. تُلاعب سارة بألعابها لتهدئ .. و لكي لا تُفسد مزاج - حضرة جنابه - اكثر .
بعد مرور نصف ساعة .. و كانت سارة هادئة مُنشغلة بألعابها .. فتحت باب الغُرفة تطل عليه بقلق و هي تتساءل عن السبب الذي يجعله عصبيَّاً هكذا .. خرجت من الغُرفة و جلست بجانبه على الأريكة .. تتأمل شروده و ملامحه القاسية هادئة التقاسيم .. ملامح تحمل خليطاً من الوسامة و الصرامة و الغرور .. و فيها من الجاذبيَّة الكثير لتنجذب و تُؤسر بنظراتِه الغامضة المُنبعثة من عينيه البُنيتين ، بشرة قُمحية .. انف طويل معقوف و حاجبان حادَّان .. حنك عريض مع بُروز فكه السُفلي بشكل واضح و.. لحية مهذبة من الصدغ الى الصدغ و شارِب مُتناسق .. مأسورة هي به و تتمنى ان تُرزق في المستقبل بصبي يرث جاذبيَّة والده و وسامته ... اقتربت منه بهدوء و تفهم لوضعه .. التصقت بجسده قوي البُنية و احاطت عُنقه بذراعيها .. عقد حاجبيه و قابلها بتعابير جامدة لا مُبالية .. ابتسمت له : حبيبي وش فيك متضايق ؟
قرّبت وجهها لوجهه لتطبع على خده قُبلة تمتص منه ضيقه .. و ما إن لامست شفتيها بشرته الخشِنة حتى أحست بيده تدفعها عن جسده بجلافة و غِلظة .. شهقت بخِفة و هي ترتد الى الوراء لتجلس على الأريكة فاغِرة عينيها تنظُر نحوه بانكسار و خالجها الهوان و الشجن من ردَّة فعله الجاحدة .. بينما كانت ملامحه بذات الجمود و لم تتغير نظرة الا مُبالاة من عينيه .. قال ببرود : ماني رايق لك .. لا تزعجيني و فارقي عند بنتك .
ابتلعت غصتها و نهضت عنه و ملامحها تنقبض بضيق .. صامِتة تشعر بالذل و الإهانة منه .. اسرعت بالذهاب عنه تجُر خلفها اذيال الخيبة .
بقيت جالسة في غُرفتها بجانب سارة التي لازالت تلهو بألعابها .. باهتة بانزعاج و ضيق منه .. ما ذنبُها هي ليُقابل لُطفها بجلافته ؟ .. و ما ذنبُها ليُفرغ ضيقه الذي تجهل سببه عليها و على ابنتها ؟ رفعت ناظريها له و هو يدخُل الغرفة قاصداً الحمام الذي يُجاورُها .. اغلق عليه باب الحمام بعد ان رمقها بنظراته القاسية .. و كأنها هي المُخطئة في حقه لا هو .
وصلها صوت رشاش الماء .. اذْ من الواضح انه يتحمم .. تنهدت و هي تُحاول تمالُك نفسها .. و كتم غيظها .. هي مُعتادة على مثل هذه التصُرفات منه .. مُعتادة على ان تتحمل تقلُبات مزاجه دائماً فلِم الحزُن ؟ ... في بداية زواجها منه كانت تبكي عِندما يُعاملها بهذا الاسلوب الجاف و بهذه التصرفات القاسية على أنثى مثلُها .. و لكنها الآن و بعد مُضي سنوات معه .. اصبحت مُعتادة بل و تتفهمه ايضاً .. لذلك تصمت و تُحاول ان تكون هادئة قدر المُستطاع .. لأنها تعلم انها اذا قابلت حدة مزاجه بالمثل فستزداد الأمور سوءً و سيحدث مالا يُحمد عُقباه !!!
حملت سارة و احتضنتها بحنان .. و هي تمسح على شعرها الخفيف و تهزها بخِفة و عقلُها في شرود يُحاول تفسير سبب ضيق منصور .. و تدعو في داخلها بـأن يُهدئ الله من باله و تُحل مشكلته ..و يُطفئ من غضبه ..
بعد مُضي وقت لا بأس به .. خرج من الحمام كاشِفاً عن صدره .. اقترب منها و رمى ملابسه المُتسخة بجانبها .. لم تنظر اليه و بقيت تحتضن سارة و تُحاول اخفاء انزعاجها .. قال بنبرة آمرة : وديهم الغسيل.. و بعدها نومي بنتك عشان ناخذ راحتنا .
بملامح مُكابرة نهضت من السرير تحمل سارة التي غفت من الاساس في حُضنها لتضعها في مهدها و تُغطيها .. ثم اخذت ملابسه المُتسخة الى الغسيل و هي تُحاول تمالك اعصابها و تُصبر نفسها و تتوعد بأنها غداً او بعد غد عِندما يروق مزاجه ستنفجر في وجهه !!!
عادت الى الغُرفة و كان منصور يستلقي بجزئه السُفلي على السرير .. يعبث بهاتفه الخلوي.. نظر لها بطرف عينه ثُم اغلق هاتفه و ابعده ..ليقول ببرود : اطفي الضو و تعالي .
تُنفذ ما قاله بصمت .. ثُم تجلس بجانبه على السرير ليسحبها نحوه بقسوة يُخالطها لين .. يحشُرها بين احضانه ..و يُحاصرها بأنفاسه.. و تُقابله هي بهدوئها و انهزامها لتُعطيه حقه الشرعي بخاطِر مكسور .. بينما هو يستمتع بكسر هيبتها و تحسس ضعفها و فرض قوته عليها .

و كثيراً ما كانت تمُر عليها ايام شبيهة .. و تصُرفات أشد جلافة و جفاء .. و هي التي لا ذنب لها بتعكر مزاجه .. تتحمل و تصبر و تُنفذ اوامره المُستفزة بكل حُب .. و لكنها احياناً تفقد اعصابها مثله .. فهي بشر في النهاية .. و هو بدوره يُخرسها بردَّة فِعل اقوى من سابقتها .. تذكرت ذلك اليوم عِندما كان يصرخ عليها لأسباب تافهة .. فقط لأن مزاجه ليس في محله .. كان يقف في الصالة و يتذمر و يصرخ في وجهها : انا كم مررة قايل لك .. ان اذا انا معصب لا تجادليني !!! تبلعين صوتك و تنفذين الا اقوله بالحرف الواحد و انتِ منخرسة !!
تجاهلته و ابتعدت عن طريقه تتفادى التلاسن معه من جديد ليصرخ مجدداً : تعالي انا ما خلصت كلامي !!!
امسكها من ذراعها بقوة و هو يهتف : غبية و الا طرشة ؟
صايرة تتمادين معي كثير ..وش هالحركات الجديدة بعد ؟؟
نظرت اليه بوجوم و قالت بقهر : روح فرغ غضبك برا البيت مو علي .. انا مو مجبورة اتحمل اخلاقك الضيقة و عصبيتك كل مرة !!
لم يُعجبه كلامها لذلك ضغط على ذراعها أكثر : نبرة صوتك المرتفعة تضايقني ..
رفعت صوتها مجدداً : و انت بعد نبرة صوتك تقهرني !!
صرخ بها : قلت لك لا ترفعين صوتك !!!
صمتت و انزلت رأسها للأسفل و قالت بانكسار : اترك ايدي تعورني .. و روح و اتركني في حالي ما ابي اشوفك .
ترك ذراعها بعُنف و كأنه يرمي بها من يده ثُم قال و هو يرفع حاجبه بتحدي : ايه على امرك يا حبيبتي .. بروح و بريحك مني .
نظرت اليه بعدم فِهم و هو يبتعد عنها حاملاً مفتاح سيارته قاصداً الخروج .. قطبت جبينها و هي تراه يُمسك بالمزهرية الخزفية الموضوعة على الطاولة ..نظر نحو نور بتحدي ثُم القى بالمزهرية بقوة على الأرض .. لتتحول الى حُطام مُتناثر على ارضية الصالة .. شهقت بصدمة بينما قال هو بأمر : روقي مزاجك و انتِ تلميها من الارض .
ابتسم باستخفاف و سُخرية .. و كانت ابتسامته قاسية .. تُوجعها !! انحنت بضعف نحو تلك القطع الخزفية المُتناثِرة .. وزهورها الجميلة التي أسقِطت منها .. و كأنه لم يُحطم المزهرية و ينثر زهورها .. بل نثر و عبث بمشاعرها المُرهفة .. حطَّم معنوياتها و كسر كرامتها و احترامها .. القطع الخزفية المفتتة المرمية بهوان على الأرض .. تُشبه كرامتها التي يلعب بها كما يشاء و متى أراد و الزهور المنثورة تُشبه احاسيسها و عواطِفها التي ينثُرها و يجمعُها كما يهوى .انحنت و بدأت بجمع تلك القطع و كأنها تُحاول جمع كرامتها من الأرض .. رفعت رأسها بذُعر و هي تسمع صوت ارتطام آخر .. و قد رمى بتُحفة أخرى على الارض .. يبتسم ذات الابتسامة المُستهزئة و يقول : لِمِّي هاذي بعد ..
ثم فتح الباب ليخرُج من الشقة .. ليتركها وحدها مع أشلاء التُحف المُلقاة على الأرض .. و صوت بُكاء سارة يضُج في ارجاء المكان .

ثُم بعد يومين .. عِندما تهدئ أعصابه و تعود الاحاسيس الطبيعية الى قلبه .. عِندما يشعر مجدداً .. و تعود الدماء تجري في عروقه بشكل طبيعي .. و يخلع قِناع القسوة عن وجهه .. يعود سامِحاً لعواطفه الجياشة بأن تتفجر و تظهر في عينيه و في ابتسامته و في نبرة صوته و هو يقول جُملته المشهورة لهـا " و الله ما تزعلين !! خلاص حلفت لا تخليني ارجع في جُملتي "
تتابع صمتها و تعابير وجهها لا تُفسر .. تُعطيه ظهرها و تُكمل غسل الأطباق المُتسخة التي أمامها .. تتحرك يديها بتِلقائية في فرك الصحون البيضاء بالإسفنج ثُم شطفها بالماء و تنشيفها ثُم وضعها في السلة التي تُجاور المغسلة .. مُطبقة شفتيها بصمت بائس و تضع قهرها و غضبها في الصحون التي امامها .. بينما يقف خلفها منصور قاصِداً جمع شتاتها الذي بعثره .. و لأنه لا يُجيد الاعتذار بالكلام .. يكون كلامه ثقيلاً غير مُتناسق.. مُتجرداً من فنون الاعتذار !! .. لِهذا يُحاول ان يراضيها بُقبلة رقيقة يطبعها على خدها و هو يُحيط خصرها من الخلف .. و لكن قُبلته لم تُطفئ حُرقة قلبها الذي اشعله في مشاعرها فاحترقت !! صمتت تُكمل غسل الأطباق و هي تُحاول ان تتجاهل وجوده .. ليعود بتلك الجملة المُعتادة " نور تراني حلفت !! قلت و الله ما تزعلين .. خلاص افردي وجهك و انهي الموضوع "
قالت بنبرة مقهورة : يا سـلام .. شي حلو والله !! بس عشان حضرة جنابك حلفت المطلوب مني انسى كل اللي صار و اضحك معك عادي !!! و انت على اي اساس تحلف ؟ على كيفك هو ؟ يعني غصب تمشيني على مزاجك !! حتى زعلي و قهري عادي تتحكم فيهم !!
زفر بضيق و هو يقول : كنت معصب .. و انتِ اكثر وحدة تدري انِّ اذا عصبت ما اعرف امسك اعصابي .. و انتِ بعد استفزيتيني .
قالت و هي تضع صحناً اخر في السلة : و انت تستغل حُبي لك و تدوس على كرامتي .. معيشني في مذلة !!
منصور : ما عاش من يذلك
قالت باستهزاء : لا تدعي على نفسك ..
منصور : انـا ما ذليتك في شي !!
أجابته بانكسار لم تستطع اخفاءه : ابداً ..محشـوم !!
تنهد ثُم قال جُملته المشهورة الأخرى : وش اللي يرضيك ؟
صمتت .. لا تُريد ان ترضى !! ليس بهذه السهولة .. شعرت به يحتضنها من الخلف و يُعيد تلك الجُملة مُجدداً : خلصيني وش اللي يرضيك ؟؟
حاولت إبعادهُ عنها بنفور : بعد عني !! ما اعرف اغسل المواعين و انت لاصق فيني كذا !! اتركني فحالي منصور .
مد يده تحت صنبور المياه و هو لازال مُعانقاً ظهرها ..امسك بمعصمها المبلول و هو يقول : اتركيني اغسل عنك المواعين .. يرضيك كذا ؟ انتِ روحي ارتاحي و انـا بكملهم عنك .
استدارت له .. لتصطدم نظراتها المُستاءة بنظراته المُسترخية .. قالت بقهر و هي تنظر في عينيه : تدري وش الشي اللي ممكن يخليني ارضى ؟ انِّي اكسر هالصحون كلها على الأرض و اخليك انت الي تلمهم مثل ما سويت فيني .. بس اعرف نفسي غبية ما يطاوعني قلبي اسويها !!
قال بهدوء : اكسريهم .. اذا بترتاحين كذا مو مشكلة انـا اقولك اكسريهم و عادي بلمهم .
استدارت عنه لتقول : ماني همجية مثلك !!
صمتت تُكمل غسيل الصحون .. بينما يقف هو وراءها ينظُر إليها بحيرة .. انبعث اليهم صوت بُكاء سارة .. لتقول نور دون ان تنظُر اليه : روح احملها بما انك حالياً ما انت معصب !! .. حبيبتي بنتي صار لها يومين تحاول تحتك فيك و انت مكشر في وجهها و مطنشها .
خرج من المطبخ صامِتاً .. اخذت تُكمل غسيل الأطباق تُراودها رغبة في تحطيمها من القهر لا غسلُها ..تركت الصحون بعد ان تبدَّل صوت بُكاء سارة الى ضحكات .. طلت عليه من الباب المفتوح نِصفه .. كان يرفع سارة الى الأعلى و تلك تضحك ببراءة .. يُنزلها ليُقبلها و هو يقول " حبيبة أبوها و روحه "
لم تتغير تعابير وجهها الحانِقة .. يتعامل معهُم كالدُمى .. يُلاطفهم و كأن الجو المتوتر العصبي الذي خلقه لم يكُن ...عصبيته كقُنبلة موقوتة مزروعة في المنزل !! .. لا تنكُر انه رجُل طيب و ذو اخلاق كريمة و يُحبهم و هذا واضح و انه يُخفي خلف قِناع القسوة قلباً حنوناً عطوفاً .. و لكن طبعه العصبي مُشكلة مُرهِقة و التخلُص منها ضرب من ضُروب المُحال !! .. هو لا يستطيع التحكُم في انفعالاته .. يثور بسرعة .. و تكون هي مُتنفسه في التفريغ عن غضبه .. بل واحياناً على سارة ايضاً .. عِندما يتذمر من بُكاءها بصوت مُرتفع و لا يُحاول تهدئتها عندما تبكي .. بل ينفر منها و يعبس في وجهها .. واذا زاد الحد يأتي و يرمي بالطفلة بكُل فضاضة عليها .. سارة الآن طِفلة و لا تُدرك ما يحدث حولها .. و لكنها عِندما تكبُر قليلاً ستفهم و تتحسس .. يراودها القلق و الخوف من ان يُؤثر طبع منصور العصبي على ابنته يوماً .. بالنسبة لها فقد اعتادت و لم تعد تفرق معها كثيراً .. و لكن طِفلتها الصغيرة .. قُطعة هشَّة من روحها .. و لن تسمح ان تتأذى نفسيُتها و لو لأدنى سبب .
قطع شرودها البائس صوته الذي اقترب منها .. كان يحمل سارة بيساره و يضع هاتفه على أذنه باليد الأخرى .. صمتت تتأمل ملامحه المُسترخية و ابتسامته .. تتمنى ان يبقى هادئاً طوال الوقت هكذا ... و لكنها عرفت مع مرور الزمن بأن تلك الأُمنية مُستحيلة !!
انهى مُكالمته و اقترب منها و هو يقول : أخذت اجازة من العمل لمُدة اسبوع .. اختاري بلد عشان نسافر و نغير جو .
ابتسم لهـا و هي تابعت صمتها .. يُحاول ان يُراضيها بالسفر ..يُجبرها على ان تقبل عرضه و ترضى .. و ترضى !

دائماً ما كانت ترضى .. تتحمل قوسته و تأخذُها مثل العسل .. تتحمل عصبيته عليها و غضبه الذي لا ذنب لها به .. و - مثل العسل - .
و لكِن لِم عِندما فقدت اعصابها عليه و للمرة الاولى .. كانت هي المُخطئة .. فقدت اعصابها تماماً مثل ما يفقد هو اعصابُه عليها كثيراً و لاسباب لا دخل لها فيها .. لِم لم يتحملها ؟ لِم لم يتحملها و ابتعد ؟ ما الذي يُريدها ان تعطيه اكثر ؟ هل لو أرسلت له رسالة نصية الآن .. تستخدم طريقته ذاتها حين يراضيها .. تستخدم جمله المعتادة .. لو ارسلت له " و الله ما تزعل .. وش اللي يرضيك ؟ " .. هل سيرضى عنها مثل ما ترضى هي عنه دائماً ؟
*




لم تتغير ملامح ليلى و هي تستمع لتلك الكلِمات من حماتها .. رُبما اعتادت و لم تعد تفرِق معها .. و رُبما انها لازالت تحت تأثير هالة .. لقد بكت كثيراً اليوم حتى آلمها حلقها من كِثرة البُكاء و ابتلاع غصاتها .. تشعُر بالدوار و صورة هالة العليلة لا تغيب عن مُخيلتها .. امَّا يوسف فكان يتأمل ردَّة فِعل ليلى و لم يلحظ شيء .. وجَّه نظراته لوالدته التي خرجت من المطبخ نحوهم لتقول بلا مُبالاة : انتم هنا ؟ ما شفتكم .. على بالي انكم فوق في جناحكم او طالعين كالعادة .
زفر يوسف بنفاذ صبر من والدته و حركاتها المقصودة .. ثُم تُمثل انها لا تقصد .. و هي تقصد اغاظة ليلى و كأن مابـليلى من حُزن لا يكفيها .. يجب ان تُنغص حماتها عليها حياتها اكثر .
ابتعدت ليلى لتصعد الى الأعلى دون ان تنطق بشيء .. فقالت لولوة : لا سلام و لا كلام .. داخلة على كُفار انتِ عشان ما تسلمين ؟
يوسف بملل : يُمه اتركيها فحالها يكفي .
رفعت لولوة صوتها : زوجتك ما تعرف السنع .. هاملتك و هاملة بيتك و انت ساكت .. كله عند اهلها و كأن ماعندها رجل و بيت مسؤولة عنهم .
اما ليلى فكانت تستمع اليها و دُوارها يزداد .. تُريد ان تصرُخ بـ " يكفي " .. لا تُريد ان تسمع شيئاً .. تُريد ان تُريح عينيها قليلاً من الدموع .. ان تُصفي عقلها و تفكيرها و لو قليلاً .. الا يكفي ان مشهد هالة لا يغيب .. و حُزن نور من حُزنها هي ايضاً .. حامد و جنونه و تهربه .. ثُم والدها المريض .. و الآن حماتُها و كلامها السام ..ماذا تُريد منها هذه المرأة الآن ؟ تُريد ان تصرخ في وجهها بأقوى مالديها .. هل تُريد حماتُها ان تُسبب لها الجنون ؟ ام ماذا تُريد بالضبط ؟ حلقُها يُؤلمها و رأسها يدور و عينيها تحرقانِها .. و تشعر بالغثيان .. شعرت بالدُوار يسلب منها تركيزهـا فانحنت بألم .. كانت على وشك السقوط الا انها احست بيد هنادي تُمسك بها ..: بسم الله ليلى وش فيك ؟
التفتت لهـا بألم و هي تشعُر بألم في معدتها و دوار شديد .. بينما اقترب منها يوسف و تقِف لولوة تنظُر اليهم بامتعاض : يوووه .. قامت تمثل الحين و تتمسكن !!
امسك يوسف بذراع ليلى الأخرى لتستقيم في وُقوفها و ابتعدت هنادي عنهُما و هي تراقب ليلى بتوجس .. يوسف بهدوء : وش فيك ؟ تعبانة ؟
اومأت ايجاباً ثُم وضعت كفها على فمِها لتبتعد عنه و تتجه نحو الحاوية لتستفرِغ .
اتسعت عيني لولوة على مِصرعيها .. استدارت و ابتعدت و هي تكاد تلطم على رأسها قهراً .. هل يُعقل ان تكون ليلى حامل ؟ ليس وقته أبداً .. لا تُريد .. لا تُريد .. دخلت الى المطبخ لتصطدم ملامحها المذعورة بملامح ابنتها يُسرى .. و تقول بتحسر : الله يستر .. الله يستر ما تكون حامل بس .. وش اللي يفكنا منها بعدين يا يسرى !!!!

*

دخل الى منزل رانيا اخته بعد ان تقابل مع زوجها عِند الباب ليُسلم عليه و يتحدث معه قليلاً ثُم ودعه اذ انه كان خارجاً من المنزل و منصور داخل .. جلس على الأريكة و مزاجُه العصبي يُسيطر عليه .. سارة نائمة !! .. لقد علِم من اسراء ابنة اخته ان سارة الآن نائمة !! .. لقد عرِف الآن سر نشاطها ليلاً و لماذا ترفض النوم و تسهر .. تسهر و يسهر معها مُضطراً ..و النتجية هو احراجه هذا الصباح في المشفى !! .. وقف على قدميه ليقول لاسراء بحدة : وين سارة نايمة ؟ و وينها امك ؟
اشارت باصبعها نحو الغُرفة في الزاوية .. ليتحرك نحوها و هو لا ينوي خيراً أبداً .. تقابل مع رانيا التي خرجت للتو من الغُرفة : لساتها نايمة ؟ صحيها ابي اخذها و امشي .
امسكت رانيا بكفه و قالت ببرود : منصور ابي اتكلم معك .. اترك البنت نايمة و تعال ابيك .
منصور : اذا بتكلميني عن نور .. فانا اعتذر منك ما ابي اسمع شي .. و لا عاد تتدخلين بيني و بينها .
رانيا : كلمتني اليوم و قطعت قلبي .. حرام عليك ليه تبعد بنتها عنها ؟ مو انت قلت انك ما تفكر تحرمها منها .. اجل ليه هالحركات ؟ تبي تكرهها فيك اكثر يعني ؟
تنهد بنفاذ صبر : رانيا قلت لك لا تتدخلي !! و اذا كلمتك مرة ثانية لا تردين عليها .. و حركة انك تنومين سارة الصباح عشان تسهر في الليل صارت مكشوفة !! فبطلي منها .. انا لجأت لك عشان تساعديني ما هو عشان تضيقين علي زيادة .
رانيا باصرار : انا ام و حاسة بشعورها و مايرضيني الا انت قاعد تسويه !! ابي افهم بس وش ذنبها نور ؟؟ و اذا كانت فضيحة اختها انتشرت و الكل عرف فيها .. نور وش ذنبها ؟
نظر اليها بحِدة .. لا يُريد ان يُناقش هذا الموضوع معها .. لا يُريد ان يتحدث به مع احد .. و ليس من حق اي احد ان يتدخل في قراره !!
منصور : مشكورة على وقفتك معي يا اختي .. ما قصرتي والله .
تجاوزها ليدخُل الى الغرفة .. تبعته و هي شعرت بتأنيب ضمير خفيف اتجاهه .. : بنتك على عيني و راسي و ابداً ما يضايقني وجودها و بالعكس حبي لها من حبي لك .. بس اللي تسويه اسمه ظُلم !! انت تظلم نور و هي ما غلطت في حقك .
منصور بانفعال : اذا بتحكمين علي على حسب كلامها لك .. فالمشاكل الزوجية ضروري تسمعين من الطرفين و بعدها تقدري تحكمين و تحددي موقفك .. مو بس عشانها كلمتك و قامت تتمسكن عليك و تتبكك تعاطفتي معها !! .. ابيك تعرفين انِّ اللي قاعد اسويه فيها الحين هو نتيجة افعالها !! و اعرفي انِّي ما وصلت فيني المواصيل للطلاق الا لأن قدرة التحمل عندي صارت صفر .
ابتعد عنها ليدخُل الى الغرفة بينما كانت رانيا تُراقبه بضيق و تساؤل .. رفعت صوتها ليسمعها : وش اللي صار بينكم بالضبط ؟
لم يأتها جوابٌ منه لذلك تبعته الى الغُرفة .. كان يقف امام مهد سارة النائمة .. يُحدق اليها بجمود .. ملامحها البريئة مُسترخية في نوم من الواضح انه مُريح .. و ستستغرق في النوم حتى الليل ثُم تصحو و هي في أوج نشاطها لكي لا تنام الا فجراً و بصعوبة !! ..
: اتركها تنام حرام عليك .. ما تشوفها كيف مرتاحة ؟ ترى ما نامت الا ساعتين .. ما رضت تنام على طول بعد ما جبتها لي .
لم يُجبها و هو لازال يُحدق في ابنته .. بالطبع ستكون هانِئة في نومها فقد سهرت البارِحة كثيراً و هذا هو وقت الراحة الآن .. هل يقوى قلبُه على ايقاظها الآن ؟ من الواضح انها مُسترخية تماماً .. و تُراودها احلام سعيدة اذ انها تبتسم في نومها .. بريئة وديعة كالملاك .. لا تعي شيئاً مما حولها .. هل سينزع راحة نومها منها الآن ؟ ان لم يفعل فسيضطر ان يسهر معها الليلة ايضاً .. هل يقوى قلبُه بانتزاعها من راحتها الآن ؟
لامست رانيا ذراعه و هي تمنعه : شوفها كيف نايمة و مرتاحة .. اتركها تنام .. و اذا عشان السهر فمو مشكلة اتركها عندي الليلة و انت روح بيتك و نام و ارتاح
ضم حاجبيه و ما بين عينيه و عبس .. لينتزعها بحركة سريعة من مهدها مُباعداً البطانية عنها بخشونة .. ارتعشت الطفلة من البرودة التي أخلت بدفء نومها استيقظت باضطراب ثُم تعجنت ملامحها المُسترخية لتتزعزع سكينتُها و تصرُخ بُكاءً .. اخذها و مشى خارجاً ... و هو يتوعد بها انه لن يجعلها تنام الا بعد خمس ساعات من الآن .
بينما هتفت رانيا بضيق : قلت لك لا تصحيها .. يا الله منك .. كيف طاوعك قلبك تصحيها كذا !! هاتها من ايدك اسكتها .
قال بانزعاج من بُكاء ابنته : ما فيه داعي ..انا اعرف كيف اسكتها .
خرج من المنزل مُتجهاً لسيارته ليضع سارة الباكية في مقعدها في الخلف .. يـقيدها بالحزام الخاص بالمقعد .. و هي تُقاومه ببُكاء و دموعها تنهمر من عينيها .. صرخ في وجهها : بس اسكتي يكفي .. فجرتي راسي يا بنت الهبلة .
زفر بضيق ليُغلق الباب بقوُة بعد ان قيدها بالكُرسي .. يركب في الامام ليقُود سيارته بلا هوادة .. و افكاره تنجرف لنور بقهر و غضب .... هو عِندما قال بأنه سيُساعدها و يقف معها .. و تنازل ليتحدث مع معارفه عن موضوع هالة الذي يُحرجه و يستعر منه .. و لكنه تنازل لأجلها .. و صدقها عندما قالت " اختي بريئة " .. صدقها رُغم جميع الأقاويل المنتشرة .. صدقها بالرُغم من ان حامد كاد ان يقتل اخته بسبب تلك الفضيحة ... تجاهل كُل شيء و صدقها هي فقط .. و بينه و بين نفسه كان قد أعطاها فُرصة .. فُرصة ليُساعدها و يكون عوناً لها .. أعطاها كلمة منه .. وعداً قطعه امام عينيها .. بأنه سيبذل كُل ما يستطيع و عليها فقط ان تُطيعه . وبالفعل بدأ في تنفيذ وعده لها .. و أحرج نفسه امام سُلطان و والده ، ابن عمه الذي يعمل في مركز الشرطة و غيره من معارِفه و اقرباءه ذوي المناصب المُهمة .. كان يُحاول ان يحل الموضوع بسُرية لكي لا تُفضح اختها أكثر .. هو صدَّقها و تنازل عن الكثير لأجلها و كان يُنفذ وعده لهـا بُكل ما يستطيع .. ثُم ماذا فعلت ؟ كيف قابلت تلك الفُرصة التي اعطاها إيَّاها ؟
هل لانها ضمنت حقوقها في قلبه تمادت ؟ هل كانت تعتقد بتفكيرها بانها تستطيع بأن تستغفله او بمعنى آخر - تاكل بعقله حلاوة - .. الهذه الدرجة استصغرته ؟
لا .. ليس هو من يقبل بأن يُوضع في موضع الغشيم .. "ظلها فقط من يتبعها .. أنا لا اتبع أحد !!
كانت من المُفترض ان تضعني اوّل أولوياتها .. ان تُعاملني بالمثل و أكثر .. "
عندما كذبت عليه ..و تمادت في كذبها ..ثُم استفزته بإصرارها على خطأها و بدأت تُبرر و بكل ثقة... و بصوتٍ عالٍ ايضاً ... لعبت في أعصابه !!! استفزته !! جرحته بكذباتها المُتتالية و بنُكرانها لأفضاله عليها .. جرحته عندما قللت من قيمة وعده لهـا .. جرحته عندما عصته ثُم بكل ثِقة استصغرته و كذبت و هي تنظر في عينيه !! جرحته !!! ثُم استفزته !! ثُم لعبت بأعصابه !!!
لينقلب عليها .. و يتأكد بعينه من صدق مقولتها " اختي بريئة " .. ليُخرج ذلك القُرص و يرى مُحتواه .. ليقطع الشك باليقين و يتأكد بعينه ان كانت هالة بريئة .. ام ان نور تكذِب مثل ما كذبت للتو عليه !!
و ذلك المقطع كان بالصوت و الصورة .. كان واضِحاً جداً .. و كذباتها صارت اوضح من الوضوح .. و يسخر على نفسه بأنه صدَّقها منذ البداية .. و جعلها بكُل بساطة - تاكل بعقله حلاوة -
ثُم انها بتلك الصفعة حسمت الأمور .. وضعت للحُب حد .. و للمعزة حد .. و للتحمل و التسامح حد .. و للصبر حد !! و انتهت تلك الفُرصة التي منحها ايَّاها !!
هي تلاعبت بأعصابه .. ضغطت و ضغطت و ضغطت و .... الى ان انفجر و الآن هل هي قادرة على تحمل هذا الانفجار ؟

*

في صباح يوم جديد .. يقِف امام المرآة يتعطر و يُرتب من شكله .. بينما تستلقي ليلى على السرير و قد استيقظت للتو .. رمقها يوسف من خلال المرآة ليقول : بعدك تعبانة ليلى ؟ اوديك المُستشفى ؟
ليلى و هي تحتضن اللحاف لستلقي على جانبِها الأيمن : لا مايحتاج مستشفى .
اغمضت عينيها باسترخاء .. تشعُر بأن صُداعها خف و حالتها أفضل الآن .. ربُما تكون قد نقلت صُداعها لزوجها .. فهي البارِحة بكت امامه و هي تشكو و تُفضفض و ترثي نفسها .. تشرح له حال هالة المأساوي و انها اصبحت كالمومياء و تتحدث كالأطفال .. تتلعثم و تُكرر الكلام .. و ان قلبها لا يقوى على رؤية اختها على هذا الحال حتى لو كانت على حسب قولِها تكرهها .. ثُم تبكي و تبكي و تُكرر عليه الأحداث التي حدثت في منزلهم .. حامد و تغيره عليها .. و عندما تحدث مع الهنوف عنها و انه لم يُرحب بها في المنزل و عاملها بجفاء .. و والدها الذي يزداد مرضه و بُؤسه مع الأيام و هو يرفض مُراجعة المشفى و كأنه يُريد الموت .. ثُم تبكي و هي تشكو له من أمه و كلامها و انها تتجاهلُها لأجله هو فقط و هي تستطيع ان تلجمها بكلامها و ترُد عليها و لكنها لا تفعل لأجل خاطره هو فقط و لكن ان لم تتوقف والدته عن تصرفاتها فهي في النهاية ستُخرج كُل مالديها عليها و تصرُخ في وجهها كالمجانين !! ... احترقت عينيها دمعاً و غفت و هو يُتابعها و قد اوجعه رأسه من نحيبها و شكواها .. يستلقي بجانبها و قد نقلت اليه صُداعها .. يغفو قليلاً ثُم يستيقظ بهلع من شهقة ليلى وسط نومها .. ينظُر اليها و قد استيقظت من نومها و قد رأت كابوساً .. لتُخبره بصوتها المُنتحب : شفت امي في المنام .. كانت تبكي دم .. و وجهها احمر .. و تصيح بصوت عالي و تقول ان ابوي بيلحقها قريب !!
تبكي و كأن والدها حقاً مات .. فيحتضنها يوسف و هو يتثاءب بنُعاس و يقول : تعوذي من الشيطان .. الله يرحم عمتي و يطول في عُمر عمي .. اقري الأذكار و ارجعي نامي حبيبتي .
تقرأ من الأذكار ما حفِظته ثُم تنام في حُضنه و لكنه يبقى يُحدق في السقف و قد طار النوم من عينيه .. و صُداع يجتاح رأسه .. و لا يعلم لِمَ و هو يُحاول النوم كان يُفكر بـهالة .. و وصف ليلى لها ترك أثراً في نفسه .. هل هو الشجن ؟ هل يُؤلمه قلبه عليها و على ما وصل اليه حالُها ؟

استدار يوسف اليها : متأكدة ما تحتاجين مستشفى ؟
ليلى بخفوت : لا
يوسف : طيب بتروحين الجامعة و الا لا ؟
ليلى : لا .. وصلني بيت اهلي .
يوسف : مو كأنك هاملة دراستك ؟ صار لك فترة ما تداومين .
ليلى : وين يصير لي مزاج اداوم ؟ انـا الغبية كان المفروض اسمع كلامك و ما اسجل صيف .
استدار عنها نحو المرآة .. يُكمل هندامه .. لن يوجع رأسه بنُصحها و الحديث معها حول دراستها ايضاً .. ان لم ترغب في الذهاب فلا تذهب ..و ماذا تفرُق عنده ؟ قطب جبينه و قال كمن يُبرئ نفسه : نهاية الترم اذا حملتي مواد و رسبتي ..لا تجين و تبكين عِندي !!!
لم يكُن هُناك مُتسع لِدراستها .. مزاجُها ابداً لا يسمح لتُرغم نفسها لتلقي المُحاضرات و استذكار الدروس .. بالإضافة الى انها لا تُريد ان ترى وجه أحد !! خُلقها ضيق هذه الأيام .. و تصرُفات حماتها تجعلُها عصبية و جداً .. ثُم هالة و نور و والدها .. تتمنى لو تُحل احدى هذه المشاكل على الأقل .. مُشكلة واحدة تُحل و سترتاح حتماً .. استقامت بظهرِها لتتدلى قدميها من السرير و تنهض .. ترتدي بجامة قطنية عاديَّة ..شعرُها مُبعثر و ملامحها باهِتة مُتورمة من أثر البُكاء و النوم الطويل .. اذ انها عِندما تتضايق و تحزن .. يكون النوم هو ملاذُها للهروب عن الواقِع .. و عِندما تستلقي في حُضن يوسف يكون نومُها اهنئ .. اذ انها تشعُر به يحتويها بهُمومها.. و يُنسيها الدُنيا برُمتها .. و لكنها ما ان تستيقظ حتى ينتهي ذلك الدفء الجميل .. و تتفعل الهموم داخِلها من جديد ..
بينما كان يوسف يُمعن النظر اليها عبر المرآة .. هل ما يفعلُه نحوها دافِعه الحُب كما يدعِّي امامها دائماً ام الشفقة ؟ .. ليلى تُثير شفقته و تدفعه للتعاطف معها دائماً ..بالرُغم من انه مل من ذلك السيناريو الكئيب .. الا انها مُثيرة للشفقة بالنسبة اليه .. و هي من تدفعه الى ان ينظُر اليها بتلك الطريقة .. التفت بهدوء يُراقبها و هي تُحدق في الفراغ .. شعرها مُبعثر على وجهها و ترتدي بيجامة بيضاء برسمة دُب مُبتسم على وجهها .. كم يكره تلك الملابس الطفولية التي ترتديها اثناء النوم !!!! يشعُر و كأنه ينام مع طِفلة كثيرة البُكاء تحتاج لِمن يهزُها لتسكت ... ثُم انها في الآونة الأخيرة لم تعد تهتم بِه كالسابق .. و لم تعُد تهتم بمظهرها امامه كالسابِق ايضاً .. تقدم نحوها يُحدق بها بتعاطف اعتاد عليه .. كم هي مُثيرة للشفقة !! و خصوصاً بمظهرها الفوضوي الطفولي هذا !! طِفلة حزينة مُثيرة للشفقة تُجبِره على التعاطف معها لدافِع الشفقة لا غير .. لحظة صمت و هو يُحاول ان يستمع لصوته الداخلي .. هل دافعه الحُب ام الشفقة ؟ ... مرر اصابعه على وجنتها الرقيقة و هو يُحفز نفسه ايجابياً .. ماذا يُريد افضل من زوجة تُحبه و تُقدر ظروفه تُنفذ اوامره و رغباته و تحسب له الف حساب و هو يعرف مكانته في قلبها جيداً .. يستطيع التأثير عليها بسهولة و فرض سيطرته عليها في كُل مرة .. و هي و حتى و أمه تستفزها و تُهينها الا انها لا تتلاسن معها و ترُد عليها لأجله ..الذي يُسبب له صُداعاً الآن هو نكدُها .. و نكدها و تعاستها يُنغص عليه جوُه .. بالإضافة الى انها كما قالت والدِته البارحة " اصبحت تُهمله "... قال بهدوء و هو يُخلل شعرها باصابِعه : كلمت منصور امس ..و اليوم بروح اشوفه و اتكلم معه بخصوص اختك .
رفعت ناظريها نحوه.. لتتعلق عينيها بعينيه .. تُرسل له نظرات تستمد فيها الحُب و الحنان مِنه .. بينما كانت ملامحه جامِدة لم تتغير .. : بس ما اضمن لك انِّي بقدر اثر فيه ..و علاقتي مع منصور ما كانت ذاك الزود .
وقفت لِتُوازيه و تضع كفيها على صدره لِتُغلق ازرار قميصه المفتوحة
: اعرف زوجي حبيبي دبلوماسي و يقدر يأثر في اللي قدامه و يقنعه غصب ..نظرت اليه و قالت بتأمُل : و انا واثقة فيك .
يوسف بجمود : ان شاء الله خير .. و يلا اذا بتروحين بيت اهلك اخلصي بسرعة ..لا تأخريني عن شغلي .
اومأت ايجاباً ثُم ابتعدت عنه مُتجهةً للحمام .. وقفت لبُرهة و قالت بنبرة غريبة : اذا رجَّع نور و انحلت امورهم بقوله له يدبر لي اعذار طبية للجامعة .. عندي غياب بدون عذر كثيير و على كِذا بجيني حرمان .
نظر اليها يوسف باستنكار .. فأكملت و هي تتظر نحوه ببراءة : مالي وجه اطلب منه عذر طبي بعد ما طلق نور .. مو مثل قبل كان الوضع عادي و مافيه غيره يظبط وضعي في الجامعة .
اتسعت عينيه بصدمة من كلامها .. وهل هذا وقت هذا الكلام ؟ ... هل تمزح ؟ ..ام انها فقدت صوابها ..و من فرط بُؤسها تسخر ؟
بقي ينظُر اليها بصدمة .. يُحلل ملامحها الباهتة و نبرتها الغريبة .. هل هذا وقتُ المُزاح أم انها فقدت صوابها ؟ رفع حاجبيه باستنكار ثُم قال بنبرة هازِلة : صدقت امي لما قالت دموع التماسيح .. فجرتي راسي بصياحك و دعاويك على الرجال .. و ما خليتي دعوة ما دعيتيها عليه .. و انا اقول مسكينة متضايقة لأختها و تحاتيها .. و في الاخير كل هالدراما عشان عذر طبي يا المصلحجية .. يا ام المصالح !!!
انقبض ملامح ليلى بتهكُم قالت بانفعال : امزح !! يعني مايبين علي انِّي امزح بالله ؟ اصلا من سابع المستحيلات انِّي اطلب منه شي بعد اللي صار .. حتى لو رجع نور .
ضحك بخِفة ثُم قال : يا ظريفة
تضاءل انفعال صوتُها لتقول بنبرة اهدأ : احاول اخفف على نفسي بأن افكر في اشياء تافهة .. هه و اتمسخر على وضعي المُزري .. و شر البلية ما يُضحك .
تقول انها تمزح و لكنها غارِقة في الوجوم .. تعاستها تنعكس عليها في كُل شيء .. و هل وصل بها الحال الى ان تسخر على نفسها .. اقترب منها و قد كانت اجمل قبل قليل عِندما كانت على حسب قولِها " تمزح " و كيف يكون المُزاح بهذه الطريقة البائسة ؟ هل فقدت صوابها حقاً من فرط بُؤسها.. لتسخر على وضعها و وضع اختها الذي يُبكيها .. وضع كفيه على طرفي رقبتها ..ليُبعد شعرها الفوضوي المُنسدل بعشوائية على جانبيها .. يُباغت عينيها المُطفأتين بنظراته الساخرة : قاعدة معي بهالفوضوية و حالتك حالة .. فيه اختراع اسمه مشط ... و لوعتي كبدي بهالبيجامة و اشباهها .. ، وضع يده على بطنها ليُنزل نظراته الساخرة نحو الدُب المرسوم عليها : حتى الدب اللي فيها انعدم شكله من كثر الغسيل ... متزوج بزر انا ؟
اسفزتها سُخريته و لكنها لم تُؤثر بها كثيراً و لم تهتم .. : يعني توني صاحية من النوم .. كيف تبيني اكون ؟
يوسف : انا بعد توني صاحي من النوم .
افحمها بتلك الجُملة .. نظرت اليه بانشداه و تُقارن شكلها الفوضوي بشكله المُرتب المُأنق .. لقد استيقظ قبلها و رتب شكله سريعاً عكسها .. بل انه كُل يوم يستيقظ قبلها و يتأنق بينما هي لا تقوم من نومها الا بعد ان يوقظها هو .. ثُم ان كانت ستخرُج للجامعة تترتب و ان لم تخرج فانها تبقى بشكلها الفوضوي طوال اليوم و الى ان تنام .. لقد اصبح هذا حالُها مُؤخراً .. هي لازالت تُدرج تحت مُسمى " عروس جديدة " اذ انه لم يمُر على زفافِها سوى ستة أشهر .. و الآن تقِف امام زوجها الذي يسخر منها لأن شكله يبدو ارتب من شكلها .. اعتلت حُمرة طفيفة وجنتيها .. ابعدت عينيها عنه لتتفادى نظراته الساخرة عليها .. قالت بانزعاج : يوووه .. لا تقعد تدقق على اقل الشي الحين .
يوسف : طيب يلا اجهزي و الا بمشي عنك .
ابتعدت عنه لتدخل الى الحمام بينما خرج هو من الغُرفة .. توقفت لبُرهة تُفكر في كلماته قبل قليل .. كلماته تلك ذكرته بكلام احدهم !! .. انزلت رأسها بضيق .. هل أصبح الآن يُردد كلام والدته عليها ؟ .. في البداية قال " دموع التماسيح " كما تتحدث عنها حماتها .. ثُم أخذ يتحدث عن مظهرها و كأنه يقصد انها " تُهمله " كما قالت حماتها البارحة له !! .. تحركت راكِضةً نحوه لتخرُج من الغُرفة سريعاً لتتبعه و تُمسك بذراعه بقُوة .. استدار لها و هو يعقد حاجبيه باستغراب .. ليلى بشجن : انت تعرفني اهتم بنفسي و طول عمري و انـا احب اكشخ بمُناسبة و بدون مناسبة .. شفتني كيف كنت في بداية زواجنا .. و في فترة خطوبتنا .. تذكر صح ؟
جمدت ملامحه و هو يُحدق اليها .. ما بِها ؟ هل ستتحسس من هذا السبب السخيف الآن ؟ لا يعتقد ان كلامُه الذي قاله قبل قليل يُضايق الى درجة انها على وشك البُكاء الآن .. الهذا الحد وصلت حساسيتُها ؟
ابتسم .. حتى وهي فوضوية لا ينفي ذلك انها جميلة على العموم .. اليس لهذا السبب اختارتها لهُ والدته ؟ .. وضع كفيه على شعرها الفوضوي و قد اغراه .. اغراه بأنه يجعله فوضوياً اكثر .. : امزح معك من شوي .. يعني بس انتِ اللي تعرفي تمزحين ؟
انبعثت منه ضِحكة ساخرة .. و قد اصبح شعرُها فوضوياً و منكوشاً اكثر من ذي قبل بفعله .. لقد اصبحت مُضحكة مُثيرة للشفقة ... وقفت تنظُر اليه بانشداه.. هل نجحت حماتُها في التأثير على ابنها ؟ هل يتأثر بكلامها بعكس ما يدعِّي ؟

*

انتهى 

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...