الفصل 25 | من 29 فصل

رواية و هل ينتهي الحُــــب ؟ الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم Misoo

المشاهدات
14
كلمة
8,084
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 86%
حجم الخط: 18



" قبل أربع سنوات .. لما كنا مخطوبين , كان فيه وحدة تتواصل معي تحاول تشوه سمعتك و سمعة أهلك .. ما اخت الموضوع بأهمية لأنها وقفت و حتى رقمها توقف عن الخدمة .. "

تعجبت نور و قالت " و ليه توك تقول ؟؟ "

أجابها " قلت لك ما اهتميت لها و ما كان كلامها واضح و لما هددتها اختفت فما اهتميت .. بس يمكن تكون لها علاقة بأختك .. و سلطان راح لبريطانيا قبل الموعد .. لما كنت اكلمه كان يلف و يدور في الكلام .. خلي اخوك او عمك يكلمه من جديد او يكلم أبوه .. أبوه رجال محترم و اكيد اذا عرف ان ولده له علاقة باللي صار مع اختك ما راح يسكت له "

عندها وقعت نور في دوامة من الأفكار .. و الأسئلة تنهال عليها من كل اتجاه و اسم المرأة التي تحدثت عنها هالة تتوسط مخيلتها الآن .. راودها احساس طفيف بالذنب .. منصور كان أفضل من حامد في التصرف في الأمور .. كان يُحاول ان يفي بوعده لها و هي انفعلت عليه و أهانته دون قصد .. رفعت رأسها لتنظر الي عينيه .. و اهتزت مقلتيها و هي تتحدث " أنا آسفة !! غلطت معك و انت كنت تحاول تساعدني .. بس أنا انفعلت !! كل شي كان ضدي و انفعلت !! انا آسفة "

تنازلت عن عنادها و مبدأها و خضعت له أخيراً .. و هو ينظر لها بوجه جامد .. لقد تأخرت كثيراً لتعترف بخطئها .. الهدوء يسيطر على المكان الا من صوت سارة و هي تلهو بالشموع المُتناثرة على الأرض .. و شظايا من زجاج صورة زفافهما مُتناثر على الأرض .. و تنظر الى عينيه برجاء و هي تعتذر مجدداً " آسفة .. خلاص انا غلطت و انت غلطت و نقدر نبدأ صفحة ..

قاطعها و هو عاقد الحاجبين " انا ما غلطت معك !! الامور ماهي بهالسهولة .. قبل شوي بس قلتي ان علاقتنا فاشلة و كان ودك انك تنهينها من زمان !! تغير موقفك لمجرد ان عرفتي اني كنت قاعد أساعدك !!

مُتخبطة جداً و مُتناقضة جداً .. ما بين أنها غاضبة منه و ما بين انها تتنظر أن يعفو عنها و تعود المياه الى مجاريها من جديد " انت اكثر واحد تقول ان لا تاخذي الكلام من معصب .. طيب انا بعد كنت منفعلة لأنك اخذت بنتي مني "

قال لها " انا ما غلطت معك !! و كلامك صحيح احنا علاقتنا كانت فاشلة .. و ماهي أول مرة احاول اسامحك فيها و الا تغلطين معي .. كنا نختلف أكثر من ما نتفق .. و ياما حكيت و قلت لك لا تحطين راسك في راسي و لا توقفين في وجهي .. بس انتِ ما يعجبك شي و انا تحملتك كثير "

يريد علاقته بها ان تكون كاملة فإما كمال او زوال و تلك العلاقة كانت مُرهقة نفسياً و عصبياً و لا يريد ان يستمر في علاقة مُستفزة ... و هو يراها بانها كانت زوجة عنيدة و غيورة و مزاجية و موسوسة اطاره الفكري جعله ينظر للأمور بهذا الشكل .. هو له السيادة و هي عليها الطاعة فإن خرجت هي من هذا الإطار اختلت المُعادلة و لم يعد بمقدوره اكمال العلاقة و اساسُها قد اهتز .. و هذا حديث العُقل الذي يغلب المشاعر فهو يرى أن مشاعره التي يكـنها لها مهما كانت جميلة إلا أنها ضُعف !

ينما نور إطارها الفكري مُختلف تماماً و عواصف من المشاعر تعصُف بها و جُل تفكيرها في الحُب و التعلُق و هل الحُب ينتهي ؟ تقف عاجزة امام هذا السُؤال و هي تشعر بقلبها يتقطع امام كلماته و هو يُنهي علاقته بها رُغم كل شيء !!

: لهالدرجة شايل في قلبك علي ؟ انت تنسى اللي تبغى و تتذكر الي يعجبك .. لا ترمي الحِمل كله عليْ أنا و كأنك انت بريء و عمرك ما غلطت معي .. انت بعد كنت ..

قاطعها و كان سيُكمم فمها بكفه من شدة انزعاجه و لكنه توقف في آخر لحظة : انا ما طلقتك عشان نرجع نعيد في نفس الدائرة .. و تقعدي تتهميني و تذكرين عيوبي و تضخميها مثل قبل .. و نرجع نتجادل في نفس الحوارات المكررة اللي صارت بينا .. خلاص كل شي انتهى و الكلام ما يفيد .. انا ابغى اكلمك عن سارة و نحل موضوعها و كلٍ يروح في طريقه !!

اشاحت بوجهها عنه .. و هي تشعر بأنها ستختنق بعبراتها المكتومة و دموعها التي تُحاول حبسها قدر المُستطاع .. و هو يُكمل كلامه : نور احنا مو فـ حرب .. في البداية صح انا انفعلت و اخذت البنت و كنت ناوي ابعدها عنك و جا اخوك و كملها و خربت على الآخر .. بس الحين انا بعد ما هديت و اتبهدلت مع سارة وحدي عرفت اني كنت غلطان .

رجعت تنظُر اليه و كانت تتمنى ان يعترف بخطئه اتجاهها و لكنه خيّب ظنها و هو يُكمل جملته بـ : عرفت اني كنت غلطان بحق بنتي .. البنت حرام تتبهدل معي و تعيش بعيدة عن امها و كأنها يتيمة .

كانت تجلس بجواره على الأريكة لا يفصلهما الا مساحة بسيطة جداً .. و بالها المشغول يُنسيها نفسها .. لقد قلب عليها الطاولة و جعلها هي المُذنبة مجدداً .. لم تتوقع ان تكون مواجهته بهذا التأثير عليها .. و بهذه القسوة !! .. و كأنها تقف امام مرآة .. تفضحها امام نفسها .. تفضح كم أذلت نفسها لأجله .. و انها كانت تنتظر منه أن يعود ليمشي بجانبها لا أمامها .. انها عندما تعتذر و تعترف بخطئها سيعترف هو أيضاً بأخطائه و يتنازل .. و لكن يا للخسارة !! الحقيقة صعبة و قاسية .. كان أجمل لو انها بقيت تحلُم و تنتظر .

في هذه الأثناء فُتح باب الشقة حيث أنه لم يكُن مقفلاً من الأساس .. و كان حامد ينظر اليهما و هما يجلسان بجوار بعضهما باستنكار و كلام الهنوف يدور في رأسه .. عنما اخبرته ان نور ذهبت الى طليقها منذ فترة طويلة و جاء ليتأكد و يعرف ما الذي يجري بالضبط .. و هو ينظر اليهما الآن و يكاد يُجن .. " انت وش تقصد ؟ تلعب معنا و الا كيف ؟ مو انت رفضت ترجعها لذمتك !! وش قاعد تسوي معها في شقتك الحين ؟؟

و كان حامد كالثور الهائج لا يُفكر و ينطح أي احد يراه أمامه و شرارات الغضب تخرج من عينيه .. ابتعدت نور عن منصور و قامت من مكانها بتوجس .. بينما اقترب حامد من منصور و لكمه على وجهه بقوة .. و منصور ينظر اليه و لا يكاد يفعل شيئاً من الصدمة .. امسك حامد بساعد نور و هو يسحبها و يصرخ " امشي معي !! انتي ما عندك كرامة ؟؟؟ "

خرج معها و هو يتوعد في منصور و يشتمه بانفعال .. و ينظر منصور الى اثرهما الذي اختفى و كأنه استفاق من غيبوبة .. و سارة تبكي خائفة من ما رأته و كانت قد جرحت أصابعها ببقايا زجاج الذكريات .


ياسمين بعد ان خرجت من الدار و تركت الرياض تمنت ان لا تعود اليها أبداً .. و تنسى كُل ماضيها و ذكرياتها المُؤلمة .. تمنت ان تنتهي اي صلة تربطها بأخيها عبد الرحمن و حتى نرجس تمنت ان ترحل منها كما رحلت عنها .. تمنت ان تنسى دار الحماية هناك و تُمسح اسماء فتياته من ذاكرتها .. تمنت ان تُمسح ذاكرتها كُلها و تتحول الى ياسمين أخرى .
و لكنها وجدت نفسها مجبولةً على تلك الذكريات .. و ان فتيات دار الحماية جزء لا يتجزأ منها .. و ألم كل انثى مظلومة كانت هناك هو ألمها .
عادت الى الرياض مع سامي لحضور حفل زفاف إبنة " فوزية " المرأة التي وقفت بجانبها عندما كانت تعيش في الدار .. و بعد اربعة أيام من وصولها الى الرياض ها هي ذا تعود مجدداً لدار الحماية ..و هي تشعر ان جزءً منها لازال يعيش في هذه الدار .
الفتيات هنا يعيشون لرثاء احلامهم المقتولة و تضيع زهرة شبابهن في هذه الدار .. جاءت لتتفقد سُهيلة التي كان يُعنفها اخيها لتقبل بالزواج من شخص ترفضه .. و رزان التي تُعنف من والدها المجنون .. و مناهل التي يرفض اهلها استلامها بعد ان انتهت قضيتها مع شاب تواعدت معه و لكنه لم يكُن كُفؤاً اذ انه خدعها و كان يُحاول اغتصابها .
عادت الى الدار و لكنها لم تجد سُهيلة و لم تجد رزان .. عرفت ان سُهيلة تزوجت من ذات الشخص الذي كانت ترفضه .. و رزان عادت الى والدها القاسي .. هل انتهت مشاكلهما ام انها تفاقمت ؟ أم انهن فضلن ان يرجعن الى جحيم أُسرهن من ان يبقين مسجونات في هذه الدار ؟
تشعر ياسمين بالأسى و القهر لأجلهن .. تكابل كل شيء ضدهن .. و خصوصاً و هي تجلس امام مناهل .. مناهل في الثامنة و العشرين من عمرها و لكنها من بُؤسها تبدو و كأنها في الأربعين !!
يرفض اهلها استلامها لأنها بنظرهم قد جلبت اليهم العار .. و قد نبذوها تماماً و نسوها .. و هي تعيش بلا هدف و لا غاية .. تعيش حياة رتيبة تُشبه العدم !!
تربت ياسمين على كتفها و هي تُحاول مواساتها كما كانت تفعل سابقاً .. و لكن مناهل لم تعد ترى هذه المُواساة الا شفقة .. فياسمين تزوجت و من الواضح انها تعيش حياة كريمة .. فمظهرها يدل على ذلك .. وجهها مُشرق مليء بالحيوية .. ترتدي عباءة ارجوانية مُزخرفة و حجاب رمادي .. حقيبتها و نظارتها الشمسية التي تضعها على رأسها من أغلى الماركات .. و ساعة من الألماس و أساور ذهبية تُزين معصميها ... تبدو مختلفة تماماً و هي تتحدث مُحاولةً تلطيف الأجواء بينهما تتحدث عن زوجها و هي توصفه بصفات مُضحكة و لكنها لم تُضحكها " يسوي نفسه الأب الديموقراطي و أولاده لاعبين لعب من وراه و حتى قدامه هههه .. بنته تدخن و ما يقول لها شي و حرية شخصية .. ولده فاشل دراسياً و واضح انه داشر و قليل أدب و عمري ما شفته يأنبه و لو بنص كلمة .. اقول في نفسي و هم قدام عينه مو عارف كيف يضبطهم .. كيف و هم صار لهم شهرين في الكويت !! بالغت و هي تقول " اصلاً لو يحرقون أنفسهم اتوقع يقول حرية شخصية هههههه "
و لكنها ابتلعت ضحكتها المزيفة و هي ترى تعابير وجه مناهل هي نفسُها لا تتغير .. قالت و هي تُلامس كتفها " خلاص يا مناهل هونيها و تهون .. ما شدة الا و بعدها رخاء .. و كل شي بيتحسن صدقيني "


ابتعدت عنها مناهل و هي تتحدث ببؤس : يكفي يا ياسمين .. ماله داعي اشوف الشفقة في عيونك .. انتي تزوجتي و امورك تحسنت بس هذا كله حظ .. و انا مالي حظ في هالدنيا !! لا تقولي لي ان حياتي بتتحسن لأن حياتك اتحسنت !! ما هو مقياااس !!
ياسمين و هي تحاوطها من جديد : طيب بس هذا ما يعني انك تستسلمي !!
مناهل : مرت ثمان سنين و أنا هنا !! مافيه شي تغير !! وش الفايدة من اني اكمل حياة سيئة أدري انها ما بتتغير و أدري ان اموري من سيء لأسوء .. اخوي رافض اني ارجع البيت و رافض ان خواتي يزوروني و رافض اني اشتغل او اكمل دراستي .. و الموظفات في الدار مكرهيني في حياتي أكثر !!
.. حاولت انتحر بس ما ظبطت ..، تسللت من حنجرتها ضحكة لا تناسبها : ههههههه و الحين الموظفات حابسيني في ذي الغرفة يعاقبوني لأني حاولت انتحر هههههههههههه .
ضيقت ياسمين عينيها و هي ترى أن مناهل بدأت تفقد صوابها !! استدارت الى الموظفة التي تأمرها بالخروج لأن فترة الزيارة انتهت .. امسكت بكتفي مناهل و هي تقول باصرار : مناهل اسمعيني !! لا تيأسي انتي قوية .. و أنا بوقف معك ما راح اتركك .
و استمرت و هي تردد عليها كلمات تدعو الى التفاؤل .. و الابتسامة الغريبة التي تعلو وجه مناهل لم تزول .. و كلمات التفاؤل التي تطرحها ياسمين عليها تبدو مُضحكة بل مقرفة !!

 





تجلس في نفس الغرفة مع زوجها و هي ترتعش خوفاً ... حامد لم يكُن يستخدم العنف أبداً و خصوصاً مع اخواته .. في البداية مع هالة و الآن نور فـ على من سيكون الدور التالي ؟؟
لقد ضاعت الحكمة من حامد و اهتزت الثقة و انعدمت الرحمة .. لم يعد ذلك الشخص المُسالم بعد الآن .. بل شخص بدائي همجي عنيف مُتعصب لأفكاره و لا يقبل النقاش و التفاهم !!
و لكن ما يجعل الهنوف ترتاح الآن و تحمد الله انها - على الأقل - تخلصت من نور و من أفكارها المسمومة التي كانت قد تقذف بها الى الهاوية !!


*

من المُؤسف ان تتهدم العلاقات الأخوية .. و هو شقيقها الوحيد و بدلاً من أن يكون لها سنداً أصبح عائقاً ..هي تحتاج كتفاً تستند عليها لا كفَّاً تؤنبُها !!
تتأوه و هي تضع كيساً من الثلج على أسفل ذقنها المتورم .. لقد ضربها و كأنها عدوته لا أخته و هو يكرر عليها بجنون " يعني تفكري اذا تطلقتي ما لي كلمة عليك ؟؟!! "
هل الجميع سيُمارس عليها الوصاية الآن !! و هي من كانت تعتقد أن حياتها ستكون أفضل من أن تبقى مع رجل لا يسُامحها و لا يُقدرها .. و لكنه على الأقل لم يرفع يده عليها يوماً !!
و الهنوف تتربص بها و هي تدور حول نفسها في الغرفة و تشرح موقفها بصوت مرتجف " السواق قال لأخوك انك عند ابو بنتك !! انا حاولت أمنعه و اهديه بس مافيه فايدة "
نظرت لها نور باستنكار .. لم تعُد تُميز صدق هذه المرأة من كذبها .. لم تعد تميز ان كانت مظلومة أو تُخبئ مصائباً خلفها : الهنوف اطلعي برا ماني بناقصتك !!
نظرت اليها بحدة و هي تأمرها بالخروج بينما قالت الهنوف برجاء : ماله داعي تقولين لحامد بالخزعبلات اللي قالتها هالة .. روابي مجرد مرة عادية مالها علاقة باللي صار لهالة وو
قاطعتها نور بصراخ و هي تكاد تفقد صبرها : دامها خزعبلات ليه خايفة ؟؟ اطلعي برا يا الهنوف دام النفس عليك طيبة
خرجت الهنوف و بقيت نور تُحاول جمع شتاتها .. و هي تشعر بهالة .. مسكينة اختها بدلاً من ان تُزف عروساً زُفت بضربات حامد على جسدها الهزيل ..تشعر الآن بالخيبة و الألم الذي عاشته هالة و لازالت تعيشه .
بعد ساعة دخل عمها صالح الى غرفتها .. عمها صالح الذي منذ ان عرف بطلاقها و هو ينظر اليها و كأنها كفرت !! التقت عينيها بعينيه .. و نظر نحوها بذات النظرة .. النظرة التي يُشعرها بها انها هم جديد سقط على رؤوسهم !!
قال لها بازدراء : انتِ ما عندك دم ؟؟ وجهك ما فيه حيا ؟
بالطبع قد علم من حامد أنها ذهبت الى منصور و الآن أتى ليُمارس عليها وصايته هو أيضاً و كأنه ينقصها سماع المزيد و ستُؤنب و كأنها طفلة في العاشرة الا امرأة في الثامنة و العشرين من عمرها ..ابتلعت ريقها و هي تُحدق بعينيه بشراسة و حدة .. استفزته نظراتها التي اعتبرها وقاحة منها و صرخ في وجهها : نزلي عينك .. عمى بعينك يا
ابعدت عينيها عنه و ووجها لازال ينطق بالغضب و التمرد .. اقترب و اجتذبها من كمها الواسع بغلظة : اسمعيني زين يا بنت اخوي وحطيني في بالك عدل .. و حطي هالكلمتين في راسك .. لا تفكرين ان راح نخليك كذا هايمة على حل شعرك !! وش هالكلام اللي سمعته من حامد ... بتاخذين حضانة بنتك و برتفعين على أبوها قضية و ما اعرف ايش !! الله يلعنك انتي ما اكتفيتي ؟؟
يعني ما يكفي انك تطلقتي ؟ بعد تبغين تفضحينا في المحاكم و تمرمطينا هنا و هناك ؟ يبغى بنته ؟ هاذي الساعة المباركة خل ياخذها
التفتت نحوه بذات الحدة و تحررت من صمتها : انا بنتي ماراح اتنازل عنها و حتى لو انتم ما وقفتوا معي .. و ماراح اسمح لكم تتدخلون في حياتي اكثر !!
صالح : احنا ما عندنا بنات توقف في المحاكم !! و ما راح تتصرفين من غير شوري و لسانك يبغى له قص يا بنت اخوي .. ما عدتي تحترمين و تحشمين أحد !! لكن انا اعلمك
اكمل بلهجة آمرة : عندك اسبوع تجهزين فيه أغراضك عشان تروحين فيه معي و مع أبوك الى بريطانيا !! تصيرين مرافق لابوك في العلاج .
اتسعت عينيها و قالت برفض: ابوي على عيني و راسي بس ماني برايحة معكم .
" بتروحين و غصباً عليك .. زوجك ما يبغاك خلاص افهمي يا بنت .. و احنا بعد سواد وجهك ما راح نتركك لحالك هنا عشان تصيرين هايمة على حل شعرك و تتصرفين من راسك .. عندك أسبوع تجهزين فيه اغراضك و يتروحين معنا و انتي ساكتة "
خرج منها و بقيت نور مصدومة !! مستحيل لا تريد الذهاب .. هي مستعدة ان تخدم والدها بعينيها و لكنها لا تستطيع الذهاب .. لديها طفلة هنا بحاجتها و لا تستطيع فراقها أكثر .. و كم سيستمر سفر والدها للعلاج .. شهرين ثلاثة او خمسة أو ربما يأخذ سنة كاملة أو أكثر !! .. و هي لا تستطيع ان تُفارق ابنتها كل هذه المدة و أيضاً هالة !!


*
في صباح يوم جديد
حزم حقائبه كلها ناوياً العودة .. قضى شهرين في الكويت نتج عنهما الكثير من الشجارات .. في البداية والدته ثُم زوجها البغيض الذي توصلت الامور في نهاية الامر الى ان يطرده من المنزل .. و بالطبع لا ينسى مروة التي تبدو و كأنها فضيحة مُتنقلة .. و هي السبب الآن في جعله يُصمم على العودة فهي لا تسمع الكلام و تُثير الشبهات حولها .. لم يكن يدقق سابقاً في تصرفاتها او ربما لم يكن يهتم .
و لكن الآن هو يعيش حالة توجس .. فهو يشعر بأنه مراقب من خيال و انها تنصب له كميناً آخر .. فخيال شيطان بل الشيطان بريء من افعالها !!
بينما كانت مروة توظب اشياءها .. تخلصت من باقي الحبوب التي لديها الا من حبَّة واحدة فقط .. لم تستطع التخلص منها و هي تتذكر العالم الغريب الذي تدخله عندما تتناولها .. الترف و غياب الأم و دلال العم و قلة رقابته و العقد التي سببها لها " انس " و حادثة " الهنوف " .. كل تلك الامور جعلتها تفُرط في نفسها لتُجرب هذه المواد الخطيرة و تُؤذي نفسها و لأجل ماذا ؟ شعور واهم بالسعادة .. و تهرب من مُواجهة مشكلاتها .. و محاولة فاشلة لسد فراغ يعيش داخلها .
اغلقت حقيبتها و هي تشعر بالقهر .. ستعود من حيث اتت و ستضطر الى ارتداء هذه العباءة اللعينة رغماً عن أنفها و ستودع سيارتها الحبيبة .
خرجت و هي تجر حقيبتها و تنظر الى وليد بحقد .. هو يستطيع فعل كل ما يحلو له أما هي فلا .. و قال لها بتأنيب : وش بضرك لو طلعتي قدام الناس بشكل محترم و ما فضحتينا !!
قالت باستهزاء : قول لنفسك .. لو تدري امك انك مخاوي وحدة مثل ردينا بتنجلط .. و أنا سويت نفس اللي انت سويته بالضبط فكل تبن و لا تتفلسف
صرخ بها بجملته المكررة : أنـا رجال شايل عيبي .. انتِ بنت
مروة : اوووووه خلاص اقرفتني .. انتِ بنت و انتِ بنت ..
اقترب منها و قال مبرراً : فرضاً جا احد و صورك الا استغلك و الا خطفك ..
قاطعته ضاحكة : هههههههه وش يصورني و الا يخطفني.. وش شغل العصابات هذا .. و بعدين حتى لو صورني وش فيها .. وش في عقلك انت ؟؟
يتذكر خيال و ما فعلته بهالة و ما ورطته بها .. و يشعر بالخوف و مروة لا تفهم ما تعني هي بالنسبة اليه .. و لا تفهم مقدار خطورة ما تورط به .. خيال لا يفرق معها أحد و لا يُهمها أحد .. و يُتوقع منها أبشع الأفعال .

 


*

*
مرت ساعة كاملة و هي تزُن و تئن ..ترتجف كأنها تشعر بالبرد بينما في الأصل الغرفة كانت حارة .. عينين جاحظتين و بُكاء يُشبه بكاء الأطفال .. اذ أن فمها مفتوح و وجهها محمر و بكاء نهايته انين .
كلمة كانت بالنسبة لناهد مجرد كلمة عابرة و رمتها عليها بلا احساس او تفكير .. مجرد كلمة عابرة .. و لكنها كانت مُدمرة بالنسبة لهالة ... جددت جروحها و أوجعتها .
بينما جواهر و غلا يُحاولان تهدئتها و ان اسلوب ناهد دائماً هكذا و تستخدم معم الفاظاً نابية اعتدن عليها .. و لكن هالة هشة جداً و تلك الكلمة مست صميم قلبها .

و في خارج الدار
توقفت سيارته هُنا .. و عينيه تنظران الى هذا المبنى المُسور .. و نوافذه مُحاطة بحواجز حديدية .. تساءل في نفسه هل يرى فتيات دار الحماية الشمس ؟؟؟ و كيف هي حياتُهن و هن يعشن في هذا المكان الأشبه بمُعتقل .
نزع نظارته الشمسية و هو يُدقق النظر في هذا المبنى الكئيب بينما كانت زوجته لازالت تثرثر : ودي تكون بنت و اسميها ليان .. حلو الاسم صح ؟
هزته من كتفه لتوقظه من شروده : يوسف !!
التفت لها و ابتسم : لا ان شاء الله ولد .. يكفي البيت كله بنات .
ليلى : طيب اذا ولد نسميه يزن وش قلت ؟
التفت عنها و قال : اذا ولد غانم و اذا بنت لولوة .
رفعت صوتها باعتراض : وش هالاسماء القديمة هاذي !! و بعدين اسم امك ما ابغاه !!
جاراها و هو يقول : انتِ اولدي بالسلامة اول .. و يلا انزلي لا تأخريني
فتحت باب السيارة لتترجل و هي تقول : انتظرني لا تمشي ما ابغى اطول عندها .
يوسف : بروح اقضي كم شغلة و ارجع لك بعد ساعة .. اجلسي معها حرام من زمان ما زرتيها .. اختك اكيد تحتاجك لا تصيري قاسية .
اومأت ايجاباً و نزلت متجهة الى الدار و هي تشعر بأن يوسف يتعاطف مع هالة اكثر من ما هي نفسها تتعاطف معها .. و لكنها تفسر ذلك بكل صفاء نية ان يوسف طيب جداً و لأنه يعتبر هالة مثل اخته و هو لديه الكثير من الاخوات لذلك يتعاطف معها كأنها تماماً واحدة من اخواته مثل ما حاول مساعدة نور بالسابق .. تشعر بالراحة لأنه رجل مليء بالمشاعر و رحيم و يُشاركها همومها .. و جميل ان يكون شريك حياتها يعتبر اهلها اهله ايضاً .. و كم هي محظوظة .

*

*
يتملكها هوس رهيب للتسوق .. هوس اقتناء الحقائب و الاحذية ذات الكعب العالي و الفساتين ذات الألوان الفاقعة و العباءات المزخرفة الملونة الغير تقليدية و ان تُجرب جميع انواع العطور و تضع في وجهها ما شاءت من المساحيق .. و كأن ياسمين تعيش فترة مراهقتها التي ضاعت منها و لم تشعر بها .. و تُعوض احساسها بالنقص بهذه الطريقة .
و ها هي الآن بعد ان عادت من التسوق تُجرب فستانها الجديد الذي اشترته لحفل الغد .. فستان سهرة طويل برتقالي اللون .. للتو تشعر ان هذا اللون لا يُناسب بشرتها .. و احمّر وجهها و هي تسحب لحم معدتها للداخل لتُحاول اغلاق السحّاب الجانبي للفستان .. تُعاود فتحه لتأخذ نفساً أعمق و تسحبه للأعلى مجدداً و هي تشعر بأنها ستختنق !!
وقفت امام المرآة و عبست و هي ترى كم أنها بهذا الفُستان تبدو سمينة و ان ضيق الفستان اظهر جسدها مترهلاً .. تأففت و تذمرت اذ انها تبدو بهذا الفستان كأنها خيشة رز ممتلئة على وشك الفيضان .
شهقت بذعر و هي تشعر بأصابع تسحب زوائدها الدهنية التي برزت بسبب الفستان و تدغدغها .. و ضحكة مرتفعة جاءت من خلفها " هههههههه ما كان قصدي اخوفك " .. ابتلعت ريقها و احمرت وجنتيها من نظراته لها .. ابتعدت عنه و هي تقول " الفستان طلع مخيس .. مطلعني دبة !! "
بينما اقترب منها مجدداً ليُدغدغ ترهلاتها البارزة ... ارتدت الى الامام و ضحكت بخجل و هي تهتف باسمه : سامي !!
" و الله احلى و انتي دبدوبة .. اول ما اخذتك كنتي جلد على عظم الهوا يطيرك "
احياناً تشعر بأن سامي بتصرفاته و كلماته الهازلة كأنه مراهق كبير .. و حركاته لا تُناسب شيب الوقار الذي غزى شعره و لحيته .. و لكن على كل حال .. افضل من ان يكون ذلك الرجل الجاد الممل الذي لا تستطيع ان تنسجم مع افكاره و احاديثه .
كتمت ضحكتها و هي تراه يُخرج علبة صبغ الشعر من الخزانة و يقول لها : تعالي اصبغي لي شعري .
اجابته : طيب حبيبي ... بس اغير لبسي و اجيك .
دقائق و هي تُقابل الجزء الخلفي من رأسه لتمزج فُرشاة الشعر باللون الاسود و تصبغ ما شاب من شعره . . و انتهزت فرصة رواق مزاجه لتسرد عليه طلباتها و تتدلل و كأنه المصباح السحري الذي تدعكه ليُنفذ لها ما تريد .. و كان طلبها هذه المرة مختلفاً .. اذ انها تريد زوجاً لـ " مناهل " و اخذت تقنعه انها فتاة مسكينة و طيبة و مغلوب على أمرها و ايضاً شابة و جميلة الى ان قال لها : و الله حلوة مواصفتها .. يعني قولك اتزوجها ؟
لم تشعر بالغيرة كما هو من المفترض ان تشعر .. بل انها ضحكت بقوة : هههههههههههههه سامي !! اتكلم جد .
قال لها : ههههه و انا من وين اشوف لها زوج و لا شايفتني خطابة .
كررت رجاءها عليه : تكفى !! اي احد من معارفك او اصحابك .. او حتى لو وليد .. و الله مناهل خوش بنت .
قطب جينه و قال باستنكار : وليد !! لا شيلي هالفكرة من بالك .
صمتت و اكملت صبغ شعره .. بالطبع وليد العظيم المثالي المدلل لا تناسبه فتاة كـ مناهل و هي الغبية التي طرحت عليه هذه الفكرة .. بعد دقائق من الصمت فاتحها في موضوع " ابو سلمان " و من الواضح كُنيته انه متزوج و انه يتحدث معه عن مناهل تلك اذا ارادت .. حينها انفتحت اساريرها و طبعت قبلة عميقة على وجنته و هي تشعر ان سامي فعلاً كالمصباح السحري .. مهما كان طلبها الا انه يلبيه لها .. و لا يهم ان كان ابو سلمان هذا متزوجاً و انها ستفسد استقرار حياة زوجته الاولى و اولادها ام لا .. المهم ان تُحل مشكلة مناهل فمناهل ليس لها الا حل واحد و هو الزواج !!
قالت بعد ان انتهت من صبغ شعره : نعيماً يا عمري .
قام من الكرسي و عاد ليدغدغ خصرها .. و يبحث عن زوائدها الدهنية و هي تضحك بخجل .
منذ زواج ياسمين الى الان الى الآن ازدادت عشرة كيلو غرامات جديدة و لازال وزنها قابلاً للزيادة بسبب الحياة المرفهة التي تعيشها .. و هي الآن تُحاول ان تكون اكبر همومها ان تبحث عن لون جديد تصبغ به شعرها فالصبغة القديمة بدأت تنزل للأسفل .. و أن تجد فستاناً انيقاً اخر بمقاس اكبر .. و لا تُريد ان تشعر بأدنى احساس بالحزن لأي احدٍ كان و لكل مُعضلة ستجد حلاً فسامي مصباح الأحلام يُحقق لها كل شيء و لا تريد ان تشعر بالحزن مجدداً .. و هي عانت كثيراً و من حقها الآن ان تتنازل عن الهموم و تعيش سعيدة .


*

*
واجهت ليلى صعوبات و هي تُحاول الدخول الى الدار .. فناهد - التي تراها لأول مرة - ماطلت كثيراً في ادخالها و عقدت الامور .. و عندما ارادت ان تجلس مع هالة لم تسمح لهما الا ان يجلسا في غرفة صغيرة لم ترها من قبل .. و أيضاً بقيت ناهد تقف عند الباب و لم تتركها تجلس مع هالة وحدها .
تنظر ليلى الى وجه هالة الشاحب و جسدها المرتجف بعدم فهم .. قالت بهدوء : هالة وش فيك ؟ لا يكون اهملتي علاجك مثل قبل ؟
اومأت برأسها نفياً دون ان تنطق .. و كانت هالة في الاصل تحت تهديد ناهد اذا انها قالت لها " اذا تبغين تشوفين اختك وقفي صياح و انطمي .. و بلا دلع " و قالت لها ايضاً " الظاهر ان ياسمين دللتكم كثير و انتم اصلاً ماتنعطون وجه ! "
و هي الآن تُنفذ ما قالته ناهد و تحاول كبت نفسها و ان لا تبكي .. و لكن بوادر البكاء تظهر على ملامحها و ارتجاف اطرافها يُفصح عن الكثير .
التفتت ليلى الى ناهد و قالت بانزعاج : ممكن تتركيني انا و اختي لحالنا ؟
ناهد بصرامة : ممنوع !! هاذي قوانين الدار
ليلى باستغراب : وش قوانينه .. كل مرة اجي عادي اقعد مع اختي و بدون هالتعقيدات
ناهد : اسفة ما اقدر .. و عندك ربع ساعة و بعدها تنتهي الزيارة .
التفتت ليلى لهالة و قالت باستغراب : وين ياسمين ؟ كل مرة ياسمين هي اللي تكون معك و عادي تخلينا ناخذ راحتنا .
تحدثت هالة بتأنيب : ايه لأنك ما تجين تزورني و لا تدرين عني .. فما عندك خبر ان استاذة ياسمين مسافرة صار لها اسبوع .
كان كلامها سريعاً و عينيها ترتجفان .. هل عادت الحالة الى هالة ؟
جلست ليلى بجانبها و بدأت تمسح عليها .. كلما تحاول ان تتصارح مع هالة و تواجهها بمقطع الفيديو ترى حال اختها المتلخبط و تتوقف .. تريد ان تواجهها و تتحدث معها و لكن رغماً عنها تتعاطف .. و يتملكها الخوف من ان تعود هالة مجدداً الى تلك الحالة !!
اخرجت من حقيبتها صورة صغيرة قدمتها الى هالة كما لو انها قدمت حلوى لطفل لتسترضيه : شوفي هاذي صورة ولد اختك .. راح تصيرين خالة للمرة الثانية .
اخذت هالة الصورة و هي تحدق بها ببهوت .. دققت النظر الى ان فهمت ان البقع الصغيرة اللامعة في السواد هي الجنين .. انفرجت شفتيها بابتسامة صغيرة : كنتي خايفة لا يكون برا الرحم مثل القبل .. يعني هو الحين سليم ؟
ابتسمت ليلى : ايه الحمد الله .. تدرين انك اول وحدة تدري من بعد يوسف ؟
ابتسمت لها هالة و رجعت ليلى تُجاريها و تحاول استرضاءها و في قلبها عتاب و لوم كثير ..تريد قوله و لا تستطيع .


و الآن يقف امام منزل امه مُتردد في طرق الجرس و الدخول .. يريد ان يُودعها قبل ان يعود لانه لا يعرف متى ستسمح الفرصة ليزور الكويت مجدداً .. و لكنه لا يريد ان يرى وجه برهوم !!
" ليش جيت ؟ ابوي قال ما يبي يشوف رقعة ويهك "
التفت ليجد اخوه الصغير زياد .. يمسك بكرته و يقول " صچ ترى ابوي معصب منك و امي زعلانة .. و ابوي قال لي ما اقعد معاك .. انت شرير "
قال الطفل كلماته و اسرع في الدخول الى المنزل تاركاً الباب خلفه مفتوحاً ... و ظل وليد واقفاً في الخارج كـ شخص غريب منبوذ .
قرر الدخول و هو لازال يشعر بأنه منبوذ .. و عندما تقابل مع والدته لم يبتسم في وجهها و ظل عابساً .. اقتربت امه منه و هي تضع كفيها على ذراعيه و تقول بلهفة : ليش ما ترد على مكالماتي لك !! مو حرام عليك تتركني احاتيك ..
تلعثمت و هي تقول : انا كلمت عمك ابراهيم .. و الحين هو هادي تعال اعتذر منه و ينحل الموضوع .
امسكت بكفه تشجعه على المُضي معها و لكنه أبى .. و قال بانزعاج : انا جاي اسلم عليك قبل لا ارجع و امشي .. و زوجك بعد ما طردني من البيت لساني ما يجي على لسانه .
اصرت عليه : عمك ابراهيم يحبك و يخاف عليك .. و هو ما طردك !! انت اللي ما تحملت كلامه و طلعت .. هو يقسى عليك لأنه يحبك و يدور مصلحتك و ما يبيك تمشي في الغلط .
وليد : ينشغل في نفسه و ماله شغل فيني .
لم يكمل كلامه عندما رأى ابراهيم يقف على بُعد مسافة منه .. يقف بهيئته الحازمة و ملامحه المقتضبة .. اتجهت فاطمة اليه و هي تقول بابتسامة : وليد جا عشان يعتذر منك و يبوس راسك .
اغاظته بكلامها .. هو لا يُفكر بالاعتذار قط .. وقف مكانه لا يُحرك ساكناً و يشيح ببصره عن ابراهيم الذي تحرك باتجاهه و هو يقول بهدوء : انا ما عندي مانع انك تقعد معانا و هاذي امك و اولادي اخوانك و من حقك تزورهم .. بس انك تكون قدوة سيئة لاولادي هذا ما ارضاه !! و دامك جالس في بيتي لازم تسمع كلامي و تلتزم بقوانيني .. فهمت ؟؟
لا يتحمل وليد ان يُحدثه احد بهذا الاسلوب .. لا يتحمل ان يُملي عليه احد ما يفعله .. لا يتحمل !!
لذلك بقي صامتاً و ملامحه تُفصح عن ما في داخله من لا مُبالاة .. و والدته تنتظر منه اعتذاراً او على الاقل ايجاباً .. و ابراهيم يحاول ان لا يفقد اعصابه .. قال مُؤنباً : تكلم وش فيك ساكت ؟ ما ترد !!
لا يستطيع ان يكون مهذباً و خصوصاً مع برهوم لذلك قال ببرود : طز فيك و في بيتك .
اتسعت عيني ابراهيم و قال بغضب : نعم !!!
سحبه من ياقة قميصه و صرخ في وجهه : احترم نفسك انا في مقام ابوك !! لا تخليني اكسر راسك الحين يا صبي !!
تجهمت ملامح وليد و احتدت .. هو رقيق لدرجة انه لا يتحمل ان يصرخ عليه اي احد .. لم يعتد هذا الاسلوب من احد .. امسك بكف ابراهيم محاولاً ابعادها عنه و لكن ابراهيم كان مصراً بأن يُلقن وليد درساً و هو يصرخ عليه : انت الظاهر يبي لك تربية من اول و جديد !!
تدخلت فاطمة بينهما و هي تقول : مو چذيه يا ابراهيم !!
ازاح وليد كفي ابراهيم عنه و رفع صوته : من انت عشان تكلمني بهالاسلوب !! انا كنت جاي عشان اسلم على امي و اطلع .. و مو انت الا تربيني و لا انت اللي تعلمني الصح من الغلط .
رفع صوته اكثر : و تخسي الا انت عشان اعتذر منك !!
استدار مسرعاً ليترك المكان .. بينما هتف ابراهيم : روح باللي ما يحفظك !! و لا تخليني اشوف ويهك الودر مرة ثانية يا جليل الحيا !!
التفت لزوجته ليقول لها : انا هذا لو ولدي .. من زمان تبريت منه !!
و كانت فاطمة تتابع ابنها و هو يغادر بخيبة .. ذات الوقاحة و ذات التصرفات و الافعال .. و حتى نظراته و تعابير وجهه كانت تراها سابقاً في سامي !! .. انه يحمل الكثير من سامي القديم الذي تكرهه .. لقد اصبح ابنها الدي طالما ما كانت تشوه صورة والده في عقله و تحذره منه .. يحمل ذات النسخة المشوهة من سامي !! ذات النظرات و ذات الوقاحة !!

*
جميع المعارك التي تدخل فيها نور بعواطفها تخرُج منها خاسرة !! قالت ان كان هو ناراً فستكون هي انفجاراً .. قالت انها ستجعله يشعر بجميع المشاعر الموجعة التي جعلها تشعر بها و لكن اتضح لها انه بلا احساس ... أخذت تلعن جميع الرجال في خاطرها و هي تختنق ببكائها تحت اللحاف .. الم يكن حُلمها ان تعمل و تكون نفسها و تصبح امرأة مستقلة و لا تحتاج لاحد ؟
و لكنها بعد ان انهت دراستها الجامعية و تزوجت تغير تفكيرها و كأن الزواج هو الحلقة الاخيرة من المسلسل
و انشغلت به بدلاً من ان تنشغل بنفسها و اولته كُل الاهتمام . حياتُها كانت كُلها تتمحور حوله و حول ابنته ..و صبت جل اهماماتها في " كيف تفهم زوجها " .. و كيف تحلل شخصيته و كيف تُحافظ عليه و كيف تكون ربة منزل ممتازة و بدلاً من تنشغل بنفسها انشغلت به ! اصبح الطبخ هوايتها الوحيدة .. و الانجاب من اجمل احلامها و امنياتها و كم عدد الاطفال الذين ترغب بإنجابهم و ماذا ستكون اسماءهم ؟ .. اما طموحها فهي ان ترى سارة تكبر و تحمل ارث طموحها و احلامها التي لم تتحقق
اهملت نفسها و تخلت عن طموحها و هي الآن خالية الوفاض لم يبقى لها شيء .. و لم تعد تنفع لشيء .. وحيدة بلا دروع لتُقاوم و بلا اسلحة لتنتصر .. لا عجب عندما استخف منصور بكلامها عندما اخبرته بأنها " سترفع عليه قضية " .. لا عجب انه لم يأخذ ما قالت على محمل الجد و تهتز من رأسه شعرة فهو يعلم جيداً انها لا تملك الا الهُراء و انها تتحدث بعواطفها الغبية التي دائماً ما تقودها الى الخسارة أمامه !!
حياتُها كانت كُلها تتمحور حوله و حول ابنته .. منذ ان تستيقظ من نومها على صوت المُنبه و لأن نومه ثقيل لا يستيقظ فوراً و تستيقظ هي قبله لتوقظه و تكرر عليه جملة كل يوم " قوم بسرعة قبل لا تصحى سارة من صوت المنبه .. طفي المنبه و قوم .. منصوور !! " و لكنه لا يقوم من سريره الا عندما تستيقظ سارة و تُصبح عليهم ببكائها عندها تتأفف نور و هي تقوم من السرير لتُسكت سارة " عجبك كذا صحيتني و صحيتها افف.. نفسي مرة تقوم لدوامك بدون ما تصحينا كلنا " .. ثُم تقضي يومها و هي تُلاعب سارة و تُجهز الغذاء تُنظف الشقة و تتصفح التلفاز الى ان يعود من عمله و يتناولا غذاءهم سوياً .. ثُم يبدأ الحاحها عليه ليُخرج معها الى السوق او الى منزل اهلها او حتى جولة سريعة في السيارة .. و في نهاية اليوم تكون قد تزينت و تجملت له لتُعطيه حقه الشرعي .
هي من تخلت عن احلامها و طموحها لأجله .. هي من جعلته محور الكون و اعتمدت عليه في كل شيء و ظنت انه سيكون سندها دائماً ..
ارتفعت شهقاتها و هي تحبس انفاسها تحت اللحاف و تبكي .. الزوج الذي اعطته كل شيء لم يتحملها .. و تخلى عنها و هي في امس الحاجة اليه .. و لن تستغرب لو أنه بعد أيام سار في حياته بدونها و تزوج .. فمن السهل ان يجد امرأة اخرى تسد فراغها .. فهو عديم احساس بلا مشاعر و قلبه كالحجر الصوان لا يُهم من هي المرأة التي سيتزوجها و لا يُهم ان كان سيُحبها ام لا .. المهم ان يمضي في حياته و يعيش و لا مكان للمشاعر .. تمنت من اعماقها لو انها كانت تملك قلباً قاسياً لا يشعر مثل قلبه !!
و ابنتها التي تقطعت لأجلها ليس لها الحق بالمطالبة بها .. لأنها ببساطة بلا سند !!
لو أنه كان لها على الاقل دخل مادي مُستقل !! لو انها بنت من طموحها شيئاً يسندها لما كانت تبكي دماً بدل الدموع الآن .. لما كانت خاضعة لاخيها و عمها و هم يقررون عنها مصيرها .. فهي الان لا تملك الا خيار واحد .. و هو ان تُسافر مع والدها و تترك كل شيء ... و لو طال هذا السفر و امتد الى سنوات فليس بيدها قرار العودة .

انتهى


ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...