الفصل 26 | من 29 فصل

رواية و هل ينتهي الحُــــب ؟ الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم Misoo

المشاهدات
15
كلمة
5,131
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18



قال حامد لزوجته " انا بروح معهم .. بتطمن على وضع ابوي هناك و برجع .. و انتِ بتظلين مع محمود في بيت اهلك "
و تنهيدة ارتياح اطلقتها الهنوف و هي تشعر بانها الان في بر الأمان .. تطوي ملابسها مع ملابس ابنها و تضعهم في الحقيبة .. و اخيراً ستبتعد عن الجحيم .. على الاقل الى ان تضع مولودها .. ثُم لكل حادث حديث .
قالت بهدوء " تروح و ترجع بالسلامة "
و ملامح حامد جامدة و لكنها تُخفي الكثير !!

*


الاحلام في بدايتها جميلة و لكننا كُلما اقتربنا منها كلما اتضحت لنا حقيقتها الفارغة .. و أن الحلم مهما طال الا ان ينتهي .
كان يجب عليها ان تُلاحظ منذ البداية .. أن مناهل فقدت القدرة على ان تحلُم .. و أن احلام مناهل انتهت بكارثة الخيبة و الاستسلام .
بدلاً من ان تكون ياسمين في صالة الأفراح تحضر حفل الزفاف .. كانت بـ هيئتها الملونة بالفرح تجلس على الأريكة في فيلا زوجها ..بفستانها الثمين و تسريحة شعرها المُرتفعة المتكلفة .. و مُكياجها الثقيل تُحدق بقدميها الحافيتين و ترثي احلام شابة قُتلت للتو ..
تعود للوراء قليلاً .. عندما اخبرت سامي بأنها بعد ان تعود من صالون التجميل ستذهب الى دار الحماية لتُفاتح مناهل بموضوع الزواج .. و " ما قلت لي عريسنا كم عمره عشان اذا سألتني مناهل ؟؟ " فأجابها " في عز شبابه يعني في عمري تقريباً " و ضحك ساخراً فضحكت معه و كانت تلك آخر محطة للحلم .
فعندما عادت من صالون التجميل و ذهبت الى الدار كان كُل شيء قد انتهى و فات الأوان .
كانت الاحلام قد شنقت نفسها مع مناهل .. انتهت مناهل و انتهت احلامها .. لقد قتلت نفسها و قضى عليها يأسها و شبح الاكتئاب انتصر في النهاية .

تجردت من ملابسها الثمينة .. و تحررت من مجوهراتها و حليها .. و من قال ان المال يشتري السعادة ؟؟
رمت بجسدها في حوض الاستحمام .. لتغتسل من زيف احلامها السخيفة .. نرجس ، سُهيلة ، رزان ، مناهل .. و الكثيرات !! و كم من مناهل ماتت ظُلماً و لا أحد يعرف قصتها ؟
ما الفائدة من دار الحماية ان كانت تُوفر الحماية من الخارج و لا تُوفرها من الداخل ؟ ما الفائدة ان كانت دواخلنا ستقتلنا عوضاً من ان نموت من فعل فاعل... ما الفرق ؟




بعد دقائق قامت الريم مع زوجها و هو بقي يُحدق في وجوه الناس المبهمة حوله و يتحسر .. و شعور الحسرة مُؤلم و مقيت .
قام من مكانه ليتجول خارج المقهى .. يتمشى موازياً للبحر و هو يُجري مكالمة كان منها
" مادري ليه احس انك فيك شي غير عن باقي البنات .. شي خلاني انجذب لك انتِ بالذات .. على فكرة ترى انا مو راعي بنات و خرابيط و أول مرة اتكلم مع بنت بهالراحة "
و الفراغ يدفعه لتكوين علاقات عشوائية مع فتيات .. و يتحدث مع رُدينا كما يتحدث مع سمر و كما يتحدث مع جيداء و عبير .. و غيرهن الكثير و لكن و لا واحدة منهن تعطيه و لا حتى رُبع المشاعر التي كان يشعر بها مع الريم .
بعد ان عاد من الكويت و امه ترسل له رسائل عتاب و لوم و تُحدثه بلهجة التهديد و الوعيد و لا فائدة تُرجى .
و ما المطلوب منه ؟ .. كيف تُريد منه ان يرتب حياته الفوضوية و هو يجهل الطريقة ؟؟ يعتذر من زوجها و يجعله قدوةُ له و هو لا يكُن له الا الكره .. و تريده ان يُحسن الفاظه و يلتزم بوعوده و يتصرف بتدين و يترك طريق اللهو و يبتعد عن اصدقاؤه الذين تصفهم بـ " الخمة " ..و يقلب شخصيته رأساً على عقب ...كيف تريد منه ان يفعل كل ذلك و هو لم يتربى الا على " أن جميع طلباته مستجابة " ..
هي تركته عندما اصبح في العاشرة من عمره لأنه على حد قولها قد اصبح " كبيراً " و في عمر مناسب لتتركه اخيراً و تتفرغ لحياتها التي سلبها سامي منها .
و كانت كُلما يذهب لزيارتها تحشو رأسه ضد والده لأنها لا تريده ان يُصبح مثله .. و لا تُصدق عندما يخبرها ان والده اصبح فقط يعمل و انه توقف عن شرب ذلك العصير كريه الرائحة .. و أنه فقط يعمل .. لم تصدقه و اصرت على تشويه صورة سامي المثالية في عقله .
اين امه عنه عندما كان يبحث عن شخص يرتمي في احضانه فلا يجد الا الخادمة ؟ اين امه عنه عندما كان يبحث عن احد يُشاركه همومه و أفكاره فلا يجد الا مروة الصغيرة .. اين امه عنه عندما كان يبحث عنها ليخبرها بأن درجاته في المدرسة مرتفعة فلا يجد الا والده المشغول الذي يخبره بأنه لا يجب عليه ان يُزعجه و هو يعمل .
كبر و امه مشغولة مع زوجها و ابناءها و والده مشغول في العمل .. و هو يُحاول لفت انتباه والديه حوله بإثارة الفوضى و التخريب و الوقاحة .. و تحول وليد الطفل السمين المدلل الى مراهق وقح يثير الشغب في المدرسة و في كل مكان ... يتعارك مع الطلاب و يقلل من احترام مدرسيه.. و يحاول لفت الانتباه .
كان حينها في السادسة عشر من عمره .. عندما ذهب والده لاستلامه من المدرسة و توقيع تعهد بأن يتوقف ابنه عن اثارة الفوضى و الا سيُطرد ..
عندها حاول سامي لأول مرة في حياته بأن يُؤدب ابنه و يُقوم سلوكه و لكنه لم ينجح .. فوليد ينظر لوالده من منظور مُشوه كانت قد زرعته والدته في عقله ... لذلك ببساطة لم يستمع الى نصائح والده و تأنيبه بل تلاسن معه و تواقح الى ان فقد سامي السيطرة على اعصابه و لينفجر على ابنه بصفعة قويَّة على وجهه .. فيخرُج وليد من المنزل قاصداً التمرد و الهرب و لا يترك خلفه أثراً .
ثُم يعثر عليه والده بعد يومين ... و قد كان سامي يبكي حينها لشدة خوفه على ابنه و لأنه ظن ان مكروهاً قد حدث له .. فاحتضنه و احتواه و عاد لتدليله و بشكل اكبر من السابق لأنه يخاف ان يهرب مجدداً و يخسره الى الابد .
لم يقف احد في وجه رغبات وليد ابداً منذ كان طفلاً .. و تصرفاته الوقحة لم يتصدى لها احد ابداً ..و رُبما لازال عالقاً في مرحلة الطفولة و لم يكبُر ... فتصرفاته لا تدُل الا على ذلك .
و هو يستغرب لما والدته غاضبة لهذه الدرجة .. فهو بنظره لم يفعل شيئاً لها و لا لزوجها .. ام أن كلمة " طز " التي قالها الى زوجها لهذه الدرجة سيئة ؟
" طز" كلمة من حرفين تشرح حالته فـ طز في أي شيء يُعكر مزاجه الآن !!
الان و هو في الخامسة و العشرين لم يعد هناك مجال للتربية و توجيه النصائح ، و التوبيخ لم يعد ينفع .. لقد انتهى وقت التربية و الآن هو الوقت الذي تجني فيه امه حصاد تربيتها .. و هي كانت مشغولة مع اسرتها التي تخلو منه و الآن تفرغت له ؟
لقد فات الاوان و الان هو من يخبرها بأنه " مشغول " كما كانت هي مشغولة .. هو مشغول بحياته المرفهة المزاجية الفوضوية الجميلة .
و " طز " في خيال و في سلطان و في هالة و في برهوم و " طز " في كل شيء يعكر صفو مزاجه .
و يستظل تحت مظلة " الرجال ما يعيبه الا جيبه " لذلك مهما قام من اخطاء فهو رجل لا يُعيبه شيء .. و ليس هو من قال هذا الكلام و ليس هو من جعله صحيحاً .. بل انها نظرة المجتمع التي جعلت من " طيش الشباب " امراً هيناً عندما يكون " جيبه مليان " ... كلام المجتمع ليس ثابتاً بل مطاطي يستطيع ان يُفصله و يلبسه كما يشاء .
و هو من الاساس لا يهتم بما يُقال عنه او ما سيقولونه .. فهو يعيش حياة بوهيمية بلا هدف .. هو شخص فارغ مثل البالون المنتفخ بالهواء .. يأخذ مساحة اكبر من ما يستحق .

 

*

و لم تكن نور وحدها من تستعد للذهاب الى بريطانيا .. كان هناك شخص يتشقق من السعادة لأنه يجني حصاد أفعاله .. و الثمار أينعت و حان قطافها .
لم تترك خيال هذه الفرصة تمر من بين ايديها .. لقد جهزت نفسها لتُسافر في الرحلة التي تلي رحلة محمود .. و ستذهب لتُقابله أخيراً هناك .. و تنظر الى الدمار التي تسببت به وجهاً لوجه .



لقد كان ابناً من بين عشرون من الأبناء من ثلاث زوجات لوالده .. و من بين ستة ابناً و ابنة لوالدته .. عاش طفولته من مناطق مختلفة من المملكة ..من حائل الى الرياض الى ان استقر والده مع زوجاته الثلاث و عائلته الكبيرة في جدة ..
بعد ان انهى الثانوية انتقل الى الدمام حيث ان نصيبه في دراسة الطب كان هناك .. انهى دراسته ثُم توظف في نفس المنطقة و ليتخصص في الجراحة الباطنية في الوقت ذاته .. كانت فرصة ممتازة لذلك لم يُكلف نفسه عناء البحث عن فرصة افضل منها في جدة ..كان مشغولاً جداً في سنوات التخصص لذلك لم يُفكر بالزواج بينما جملة والدته التي تقولها ما أن ترى وجهه
" لازم نزوجك .. لا يغويك الشيطان " حيث انها لم يُعجبها ان يبقى عازباً كُل تلك المدة و لاسيما انه يعيش وحده اما هو فكانت حياته الهادئة التي يُكرسها في اثبات ذاته في التخصص الذي اختاره ..تُعجبه جداً و لم تكُن تضايقه .. ربما كانت تلك السنوات هي أفضل فترة في حياته .
و بعد ان اصبح طبيباً جراحاً ذا مكانة رفيعة و سُمعة حسنة .. تفرغ حينها للزواج و استجاب لطلب والدته في ان تفرح به على حد قولها و كانت تريد نور .. التي استغرب في البداية انها اختارت له فتاة ليست من نفس جماعتهم او قبيلتهم .
على كل حال هو لم يكترث كثيراً و لا يُهم فالتكن نور او غير نور .. ان كانت تُعجب والدته فلا فرق عنده ان كانت نور او غيرها .. و لا يُهم من هي نور و كيف تبدو نور و ماهي صفات نور .. لم يكن يهتم كثيراً و لكنه من كثرة مديح والدته و رانيا عنها ظن انها ملاك .
و بعد اربع سنوات عاشرها فيها اكتشف انها لم تكن الا صُداع .. نعم صداع تماماً كما تفعل ابنتها الآن و هي تُخرج الاواني المعدنية من المطبخ و ترمي بها بقوة على الأرض مصدرةً صوت ارتطام مزعج يسبب صُداااع .. صوت الارتطام المزعج يُشبه نور .. الصُداع بحد ذاته يُشبه نور .
لقد جعلت حجته ضعيفة امام حامد ..في كُل مرة تصدمه بتصرف اقوى من سابقته و تُهينه اكثر .. لم يهنه احد من قبل كما أهانته نور !! لقد جعلته يتجرع مرارة الإهانة على دُفعات .. لازالت كلماتها الاخيرة تتردد على عقله و عندما قالت " اصلاً سخرية القدر ان انت اللي تقول لي هالكلام بينما المفروض انا اللي اقولك اياه "
ما اوقحها !! و ما اجرأها و هي تُصر على انها ضحية و هو جلادها عندما قالت " يا عساني اشوف فيك يوم "
و ماذا فعل لها هو ؟ لقد واضحاً جداً و لم يُؤذها .. تجاوزت حدودها معه فطلقها .. اراد ان يُريح رأسه من صداعها .. ما الذنب الذي ارتكبه ؟ امَّا مسألة ابنتها فهي بينها و بين اهلها .. و الا فهو ايضاً يُعاني من سارة و لا يستطيع تحمل عبء مسؤوليتها وحده .
لم تُسبب له صداعاً فقط .. بل احاطته بالإهانات و اصغرته في عين نفسه ..تلُح عليه نفسه بأن يذهب و يُحطم رأس حامد و لكنه لا يملك حجة .. لأول مرة في حياته يشعر بهذا الذل .. يبتلعه الذل و كل هذا بسببها و بسبب حماقاتها !! هي من جاءت له برجليها و أثارت الفوضى و هو كان عليه ان يطردها و لكن قلبه رق لها و استقبلها و حاول ان يسمع منها .
" بيني و بينك المحاكم !! "
اهاناتها تدخل اليه و تغوص في جوفه مُحدثةً زلزالاً .. لا بأس هي من بدأت اولاً .. لن يذهب اليها و لو كان المقابل ان يتحمل شغب سارة و فضاضتها وحده و طوال عمره .. هي من بدأت لعبة العناد تلك .. فلتكن بحجم ما تفوهت به و لتقف أمامه في المحاكم كما ادعت .. فلتفعلها و لتتحمل نتيجة كلماتها .. و هو أيضاً سيكون لها بالمرصاد .. اراد ان يكون طيباً معها و لكن يبدو ان الطيبة لا تنفع معها و لا تنفع مع الحثالة من عائلتها .. و سيكون لها بالمرصاد !!
اغمض عينيه بانزعاج شديد من الاصوات المزعجة التي تُحدثها سارة بلعبها بالأواني .. القى نظرة على المكان فوجده في منتهى الفوضى و القذارة .. صرخ بها : وش سويتي انتي يا بنت !!
توقفت عن اللعب و اثارة الفوضى و حدقت نحو والدها الذي وقف أمامها مُباشرةً .. صرخ بها و هو يركل الانية المعدنية التي تلهو بها : قومي عن خلقتي احسن ما العن شكلك يا بنت الهبلة !!
صحيح انها لا تفهم ما يقوله و لكنها تستطيع تمييز غضبه من صوته المرتفع و معالم وجهه الحانقة .. برمت شفتيها و نهضت و هي تتراكض الى ان اختفت عن ناظريه و لا يصلُه الا صوت بُكائها .


*

في داخلها عقدة عمياء و شبح .. العقدة كلما حاولت فكها تتعقد اكثر .. و الشبح الرمادي المكتئب المخيف يتوغل في اعماق روحها و يحاول ان يزرع فيها اليأس و القنوط و الهلاوس و الكوابيس .. يُحاول ان يستفزها للتعارك معه و هي لا تراه و لا تعلم مدى خطورة التعامل معه .. و أنه لا يلعب !!
تُقابل صور عائلتها .. امها الحنونة و والدها الطيب و صورة لها مع اختيها عندما كُن صغاراً و صورة لحامد و هو يحمل ابنه لاول مرة عندما كان محمود حديث ولادة ... و صورة صغيرة لابنة اختها سارة و هي ترتدي فستاناً اكبر منها .. تجمع الصور و تُخبؤهم تحت الوسادة .. حتى صورة جنين ليلى لم تنسها .. خبأتها أيضاً تحت الوسادة مع بقية الصور .
و تضع رأسها فوق الوسادة و الصور .. لانها تعتقد بأن هذه الطريقة ستسمح لها بأن تراهم في أحلامها .. فلا تشعر بالوحدة .
ترتدي محرمة الصلاة لتشعر بالطمأنينة ..و تحتضن المصحف و تُغمض عينها و هي تقرأ مـعوذات ما قبل النوم .. و لم تنسى ان تتناول ادويتها قبلاً .. فهي لا تريد ان تُهزم من شبح مجهول يُحاول هزيمتها من الداخل .. يحاول ان يتمكن منها و يهزمها .. هي لا تريد ان تموت قبل ان تفك عقدتها العمياء .. و لا تريد ان تـظلم ثم تموت و تُدفن دون ان يعرف بمظلوميتها احد .. و دون ان يكون لقصتها صدى يكشف خُبث البشر .



*

في نهاية اليوم كانت فوزية تجلس بجوار ياسمين .. فوزية هي امرأة من الطبقة المخملية تُدير جمعية خيرية تُقدم المساعدات الى دور الأيتام و دور العجزة و دور رعاية و حماية الفتيات ... فوزية قدمت الكثير من المساعدات لياسمين و عن طريقها تزوجت بسامي .
اعتذرت ياسمين لفوزية لأنها لم تستطع حضور حفل زفاف ابنتها .. و لكن فوزية تفهمت الامر و قالت لها بكل هدوء " لا تعتذري و لا تهتمي في الموضوع .. زوجك خبرني بكل شي .. و عظم الله أجرك "
ثم مرت لحظات صمت طويلة .. الى ان نطقت ياسمين بقهر : ليه الحل الوحيد اللي نقدر نحل فيه مشاكل البنات هو الزواج ؟ و يمكن حتى الزواج ما يكون حل ممكن يكون مشكلة جديدة !!
أنا تعبت و ما عاد فيني اقدر أتحمل يا فوزية .. الظاهر الشغل في دور الحماية ما يناسبني .. اترك الشغل افضل لي .
ربتت على كتفها و قالت بتعاطف : لا تستعجلي في قراراتك يا ياسمين .
ياسمين عندما تنظر الى فوزية تشعر بأن الدنيا لازالت بخير .. و أن لازال هناك ناس يكرسون حياتهم لمساعدة الضعفاء و المخذولين .. فوزية هي المرأة التي وقفت معها و اكتشفت موهبتها في الرسم و نمتها و حاولت التأثير على عائلة ياسمين بأن يسمحوا لها بأن تكمل دراستها في الجامعة و نجحت .. فوزية امرأة مليئة بالأمل و الحياة و التفاؤل .. و لكنها لا تعتقد أبداً انها من الممكن ان تخدم الفتيات كما تفعل فوزية ... من الصعب جداً ان تكون مثل فوزية مهما حاولت !!
حاولت فوزية التخفيف من بؤس ياسمين و ان تتحدث معها في مواضيع أخرى : سامي خايف عليك .. تدرين انه قال لزوجي ان ممنون له و لي لأني عرفته عليك .
تحدثت ياسمين و هي تطرق رأسها للأسفل : حتى سامي احياناً احس اني مقصرة معه و هو متفضل علي في اشياء كثير و انا مو قادرة ارد له و لا قطرة من جمايله .. و أنا طماعة !! كأن ما يكفي انه عوضني عن كثير اشياء خسرتها .. لما اكون معه احاول ادور فيه بابا الله يرحمه .. و أصدق أوهامي .. و لما استوعب نفسي و استوعب ان تراه زوجي و ما يصير افكر فيه كذا وقتها ما أحس بالانتماء .. احس اني غريبة و ما أنتمي الى احد!!
عقدت فوزية حاجبيها و لم تفهم من كلمات ياسمين شيئاً و لكنها ضربتها على كتفها بخفة و هي تقول : هالأفكار اللي تجيك كلها من الفراغ .. اتشطري و جيبي لك ولد و انشغلي فيه عن هالأفكار التعيسة ... و كل البنات في بداية زواجهم تجيهم احاسييس غربية بس مع الوقت تختفي .
صمتت ياسمين و هي لازالت تُفكر بأن تترك دار الحماية لأنها تشعر بأنها لا تصلح بأن تعمل فيه .. و لا يُمكنها ان تُصبح مثل فوزية مهما حاولت .. و ان تتفرغ لسامي و تنجب له أطفالاً ربما يكون الخيار الأفضل .



*
في المطار
لم يتبقى الكثير على موعد الطائرة .. تجلس في قاعة الانتظار.. تتفرج على عمها و اخيها و هم يتصرفون بأمرها و حياتها اصبحت هامشية لا قرار لها فيها .: لقد عاندت و صرخت و تشاجرت و لكن مهما كانت ردة فعلها قوية الا انهم اقوى منها .. و بين زحمة افكارها كانت تُقلب هاتفها بيدها و تفكر بـ شخص لا تريد ان تمر اسمه في ذاكرتها ...هل تتصل له ؟ تُخبره انها لا تستطيع العيش بدون ابنتها و انها ستُسافر الان رغماً عنها .. و الوحدة تقتلها بدونه و بدون سارة و تطلب منه ان يُرجعها الى ذمته .. و أنها ستموت لو أن هذه هي فعلاً نهاية قصتهما و تتنازل عن كل ما يمت بكبريائها بصلة و " أرجوك ابوس ايدك لا تتركني انا ضعيفة من دونك و انا غلطانة و أعتذر عن كل شي بس تكفى تعال رجعني " تجزم انها عندما تقول هذا الكلام و تعلن ضعفها و احتياجها له سيعود و يتحدث مع حامد و يُنهي الموضوع في ثواني .. .. و هي ستعود زوجة مطيعة راضخة له و مبتغاها الوحيد هو رضا زوجها عنها .. تجزم لو أنه سمع تلك الكلمات الذليلة منها سيعود .. ربما تكون حياتها معه أكثر ذلاً و لا تعود كسابقها و لكنه ان علم بأنها ستسافر الآن سيعود تجزم أن مشكلته فقط مع كرامته المزعومة و هي تعرف دواءه و لكنها لن تقدمه له ... و رفعت راسها و اغلقت الهاتف و اعادته الى حقيبتها .. شيءٌ ما في داخلها يأبى ان تذل نفسها له من جديد .. رغم الاحتياج و رغم الامومة و رغم المشاعر و رغم كل شيء .. تقنع نفسها بأن لا احد يموت من فراق احد و تُحاول ان تُقسي قلبها اتجاه الطفلة ... فلتُقسي قلبها و تقول " فليتحمل أعباء ابنته وحده .. اليس هذا ما يُعاندها لأجله ؟ اذاً فاليُثبت لها " شطارته " "
هل يريد تركها ؟ اذاً فليتفضل و يعطيها " عرض اكتافه " و ليذهب بعيداً .. الحياة لا تتوقف عليه و لا على غيره .
تُحاول تمُثل الصلابة و تتجرد من احاسيسها كما يفعل هو .. و تفشل !!
يصلها صوت حديث عمها و هو يتحدث في الهاتف ...و من الواضح انه يتحدث مع ابنه امجد الذي يدرس في بريطانيا و هو من رتَّب لوالدها حجوزاته في المشفى هناك .. لقد غيَّر عمها من لبسه التقليدي و ارتدى قميصاً و سروال .. التفتت الى حامد الذي يقف على مسافةٍ منها .. لم يُغير حامد من هيأته المُعتادة و لازال يرتدي ثوبه الابيض التقليدي .. لم تُفكر في الامر كثيراً و عادت الى سرحانها ..و تفكر في ابنتها .. هل ستلومها مستقبلاً على هذا القرار .. هل سيطول السفر لدرجة ان تنساها سارة ؟
على الرغم من عشرتها الطويلة بمنصور الا انها للتو تدرك انها لم تكن تُبالغ عندما تصفه بـ " الجلف " و يا لقساوة قلبه !! للتو تدرك انه حقاً قاسي القلب و اكثر من ما كانت تتصور .. مر اسبوع عندما كانت معه في الشقة و لم يُكلف نفسه بأن يتصل لها و يُحاول اكمال حديثه معها لاجل سارة على الاقل .. ماذا ينتظر ؟ الحياة اقصر من ان تنتظر منه شفقة او التفاتة ...من اين له كل هذه القسوة ؟ لم يكن هكذا عندما أحبته .. ام ان في المواقف الصعبة تتوضح الوجوه كما لم تتضح من قبل و تتساقط الأقنعة ؟
لو انها تتقن القسوة كما يُتقنها هو .. و تصبح بدون احساس مثله .. تتمنى لو انها كذلك . تتمنى لو انها تستطيع محو و تصفية اي شخص و مهما كان دوره في حياتها ..تصفي حياتها من اي شخص يزعجها كما يفعل هو و بدون ايَّة شفقة !
قامت بعد ان سمعت النداء للرحلة .. تتبع عمها بتردد و قلبها يتفطر .. هي تُكابر بضُعف و عديم الاحساس لا يعرف الا الكبرياء و ضاعت الطفلة بينهما .
رفعت هاتفها المحمول مجدداً .. لا تستطيع ان تتجرد من امومتها لهذه الدرجة و فليعلم على الأقل انها مُسافرة .. و لكنها لا تريد ان تسمع صوته لذلك كتبت رسالة نصية سريعة مفادها " انا مسافرة مع اهلي عشان علاج ابوي .. بنتي أمانة في رقبتك و اتمنى تكون عند كلمتك و تطمني على بنتي ما ابغى احاتيها و أنا بعيدة عنها و ..

توقفت عن كتابة الرسالة و هي تراقب حامد الذي حاد عن المسار الصحيح ...تسمرت في مكانها و اتسعت عينيها بعدم فهم لما يجري حولها .. حامد تحدث مع عمها و صافحه و ذهب .. التفتت له و نادته باستنكار : حااامد !!
و هو يبتعد و يبتعد دون ان يلتفت لها .. تدور الاسئلة و الاحداث في عقلها و تدور .. هل كان يحمل حامد شنطة سفر من الاساس ؟
لم تتذكر و لكنها جفلت و عيني عمها تُؤكد لها ما يجري الان .. نطقت و هي تشعر بأنها ستنهار " لا "
تراجعت عن المضي و لكن عمها احكم قبضته على ذراعها .. و هو يرغمها بأن تكمل مسيرها الى المسار الذي يُؤدي الى الطائرة .. رفعت صوتها حتى اثارت انتباه من حولها عنها " ليه تكذبون علي .. قلت لي ان حامد بسافر معنا و طلع كذب !! .. انتم وش ناويين عليه !! "
همس في اذنها و هو يرمقها بحدة " نزلي صوتك و امشي معي .. لا تعلين صوتك قدام الناس لا تحرجينا "
لم تستطع مُقاومته .. اطرافها ترتجف و تشعر بانها ستنهار .. كيف انطلت عليها خُدعة بأن حامد سيترك كل شيء قبل ان يغسل العار !! لم تشعر بالعجز مثلما تشعر به الان .. هل تطلب المساعدة من الغرباء .. ام تُثير فضيحة في المطار او ماذا تفعل ؟ .. كيف تستغل الوقت الضائع .. لتتصدى لجريمة بشعة على وشك ان تبدأ ... و ليس هناك اكثر سوءً من ان تخشى الفضيحة اكثر من ان تخشى ظلم البشر .. و ان تخاف المجتمع و لا تخاف الله !!

و مشى حامد في طريقه .. و ليس في رأسه الا شيء واحد فقط .. هو ان يتخلص من هذا العبء الثقيل الذي ارهق كتفيه .. الجميع يعتقد أنه مسافر مع والده .. حتى زوجته .. فقد ارسلها الى بيت اهلها و الساحة الآن خالية من الجميع ... و يمكنه ان يُخرج هالة من الدار و يُنهي أمرها !!

*
انتهى


ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...