الفصل 24 | من 29 فصل

رواية و هل ينتهي الحُــــب ؟ الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم Misoo

المشاهدات
19
كلمة
9,281
وقت القراءة
47 د
التقدم في الرواية 83%
حجم الخط: 18



خيال

مرضها مُزمن لا علاج له .. هل من الممكن ان يحقد المرء الى هذه الدرجة المستعصية ؟ الى درجة انها تود ان تحرق تلك العائلة بصغيرها و كبيرها ؟ و الى درجة ان ما حدث من كوارث لا يكفي !! بل لازالت تطمح للمزيد .. علَّ النيران التي تشتعل داخلها تنطفئ .. فهل تنطفئ ؟
لم تعُد خيال او ( حياة ) تُصنف من البشر .. بل انها قد تحولت و-مـنذ زمنٍ بعيد- الى شيطان !!

بعد ان تحولت حياة الى حُطام .. حاولت ان تُعاود بِناء حطامها من جديد .. اعتقدت انها نجحت !!
اعمال مشبوهة .. ليالي حمراء ، مسكرات ، مخدرات و الكثير ..استغلالُها الى شُبان تائهون يعبدون شهواتهم .. و جرها لفتيات مسكينات لم يعُد لهُن خيار سوى التجارة بأجسادهن و كرامتهن .
و لكن حياة بذلك الطريق تحولت الى مسخ ، اكلت و شربت من القذارة الى ان ازدادت قُبحاً و اسوداداً .. اشتد عودها ، و بنت لنفسها سوراً يحميها .. و وشاحاً تتخفى به ، اسماً مُستعاراً و ووجهاً جديد .. لتضع الخُطط لتجُر محمود نحو القذارة التي اتسخت بها ... فليس من العدل ان تتسخ هي وحدها !!
في البداية كانت عيناها تُركزان على الابنة الكُبرى نور .. و انها ستكون الطُعم !!
عن طريق الهنوف حصلت على رقم هاتفها .. و مقر دراستها و معلومات كثيرة عنها .. و حاولت اغواءها كما اغوت الكثير قبلها .. وَكَّلت شاباً لتلك المُهمة .. يتتبعها و يتلصص عليها .. و يُحاول اللعب على وتر مشاعرها حيث انها كانت عازبة آن ذاك .. و لكن جميع تلك المُحاولات باءت بالفشل .. حيث ان نور فتاة صلبة و مُلتزمة بمبادئها .. غير ان والديها لا يغفلان عنها حتى و هي في ذلك الوقت تدرس في الرياض بعيداً عن منزل اهلها .
ثُم وصلها خبر ان نور خُطبت الى شخص غريب عن العائلة .. و كان زواجاً تقليدياً كما هو الدارج في هذا المجتمع .. اعتقدت ان ما حدث فُرصة لا تُعوض بما ان الخاطب بالطبع لا يعرف عن نور الكثير .. و علاقته معها لازالت في اولها
عثرت على رقم هاتفه .. لفقت الاكاذيب و الحيل .. ادعت انها شاب مُرتبط مع نور بعلاقة سابقة غير شريفة و ان هذه العلاقة لازالت مُستمرة .. اعتقدت انها أثرت عليه عندما بدأ فعلاً بالتواصل معها و انجر لها و كان يتواصل معها بالرسائل النصية ..اعتقدت انها كانت تستدرجه و لكنه في الحقيقة كان هو من يستدرجها .. اعتقدت انها ذكية و لكنه كان اذكى .
كان في الوقت الذي يتواصل معها فيه .. يتواصل معها أيضاً من رقم آخر و يتنكر بشخصية اخرى و يلعب لُعبتها عليها .. الى ان وصل منصور آن ذاك الى اول الخيط .. و اكتشف ان من يتواصل معه لم يكُن سوى امرأة تدعي انها شاب !!
هددها بأنه سيشكوها للشرطة اذ انها قذفت مخطوبته باطلاً و تحدثت في عرضها بغير وجه حق .. و لكنه لم يكُن يعرف عنها الكثير ليفعلها و استطاعت خيال ان تنجو من فعلتها و تختفي كالخيال !!
سافرت الى دولة اخرى و حاولت محو أي دليل و طريقة يمكنه الوصول اليها فيها او ان يتعرف فيها على هويتها .. لكنها لم تنسى فكرة الانتقام .. فبعد اربع سنوات عادت من جديد .. مُعتقدةً ان قصتها مع منصور ستكون منسية بعد كُل هذه المُدة .. و قررت ايضاً انها ستبتعد عنه .. و اتجهت مُخططاتها نحو الاختين .. هالة و ليلى !!
كان الحظ السيء نصيب هالة .. اما ليلى فلم يكُن مناسباً ان تلعب معها كـ نور .. خافت ان تقع في نفس المصيدة .. و كان سُلطان هو الورقة الرابحة .. شاب طائش يدعي المثالية .. صورة بيضاء واهمة من الخارج و من الداخل شديدة السواد .. كانت تستطيع توقع ردة فعله .. لم يكن شريفاً او شهماً او نبيلاً ليستُر عليها و لن يُتمم الزواج ..كان ذلك مُتوقعاً من شاب يحمل شخصية ازدواجية كـ سلطان .. و بتصرف اهوج منه كانت النتيجة كارثية .. و افضل من ما توقعت !!

ابتعدت لتُكمل عملها في منزلها المشبوه .. تستخدم الهنوف التي تُعتبر عبد مأمور لديها و لن تعتقها و لو بأغلى الأثمان .. و من جهة اخرى .. خيال أيضاً عبد مأمور لـ " الراس العود " الي تُنظم له أعماله و تُديرها له .. و هي استغلت اعماله لتنتقم .

 





*
ما الذي جعلها تُصبح بهذه الخسة و الدناءة ؟
لقد كانت فقط زوجة لحامد الذي تزوجته زواجاً تقليدياً منذ ثمان سنوات تقريباً .. و بعد عام من زواجها رُزقت بمحمود .. و حياة زوجية طبيعية عادية .. صحيح انها كانت كثيرة التذمر و الشكوى بسبب سكنها مع اهل زوجها في البيت نفسه .. و ليس لها الا غرفة واحدة في المنزل .. و ان حياتها تخلو من الخصوصية و ان حامد يهتم لرأي اهله اكثر من رأيها .. و لا يُفكر أبداً بالانتقال الى منزل منفصل و من الأساس هو رجل كسول و اتكالي يعتمد كثيراً على والده في الامور المالية و المسؤوليات ...و لا يطمح أبداً بأن يُحسن دخله مثلاً .. او ان يُحاول ان يجد وظيفة اخرى يجني منها دخلاً افضل .. كانت كُل تلك الامور مشاكل عادية و ليست السبب لما حصل لها و جعلها تفعل فعلتها بهالة !!
صحيح انها كانت تتضايق من اخوات زوجها المدللات و لكنها أبداً لم تكن تكرههم .. كانت تشكو من انعدام الخصوصية و تتذمر من تفاصيل حياتها الرتيبة و لأنها تملك شهادة جامعية و عاطلة عن العمل أيضاً كان كُل ذلك يدفعها للشكوى و التذمر و تشحنها تلك الظروف بالطاقة السلبية .
كانت دائماً تبحث عن وظيفة .. تنتظر ان تحصل على فرصة تُؤهلها لتكون مُعلمة و تستفيد من شهادتها الجامعية حبيسة الادراج .. قدمت على الكثير من الوظائف الى ان جاءتها فرصتها اخيراً و بعد طول انتظار .. تحدثت معها " أبلة عواطف " و قالت أنها استلمت " توصية " بخصوص توظيفها في احدى المدارس الأهلية ..لم تسعها فرحتها حينها و اسرعت لتقديم اوراقها بعد ان استأذنت من زوجها الذي لم يكن لديه مانع من ان تعمل .. و عمِلت كـ معلمة اجتماعيات و كانت " ابلة عواطف " تطلب منها في بعض الاحيان ان تُعاونها في الارشاد الطلابي .. استغربت في البداية لكنها لم تُعارض و لأنها مع الوقت كانت قد كونت صداقة مع " ابلة عواطف " فلم تُمانع بأن تتعاون مع عواطف التي تبدو لطيفة جداً .. و تطورت تلك العلاقة مع عواطف لدرجة انهن اصبحن بتبادلن الزيارات ..و في احدى الأيام عرفت عواطف الهنوف على امرأة تُدعى " روابي " .. امرأة ذات وجه جامد كالتمثال من كثرة عمليات التجميل التي خضع لها .. كان ذلك واضحاً فلم يكن ذلك الوجه طبيعي .. و شعر مصبوغ بلون غريب مُلفت احمر مُختلط بالأسود .. ارتابت الهنوف من تلك المرأة في البداية و لم ترتح لها و لم تعلم انها تورطت معها في جريمة ترويج المخدرات بسبب " ابلة عواطف " التي تُظهر خلاف ما تُبطن !!
عندما اكتشفت أن وظيفتها من الأساس كانت فخاً .. و ان روابي او " خيال " مع ابلة عواطف كانوا قد استدرجنها الى اعمالهم المشبوهة .. كان قد فات الاوان !!
فقد تورطت بشكل كامل و خيال لم تُقصر في تهديدها بأنها ستفضحها و لن تستطيع النجاة .. و ستكون نهايتها مثل نهاية " ابلة عواطف " التي سُجنت !!
قدمت استقالتها من المدرسة مُحاولةً الفرار من خيال و لكنها كانت لها بالمرصاد " راح تكون نهايتك مثل عواطف .. شفتي كيف عواطف انسجنت و اكلت التهمة كلها و ما قدرت تبرئ نفسها !! انتي راح يكون حالك اردى منها اذا ما سمعتي الكلام !! .. روابي او خيال هاذي كلها اسماء وهمية و ما تقدرين تثبتين شي ضدي .. اختاري واحد من الاثنين .. يا ترجعين للمدرسة و تكملين شغلك لصالحي و انتِ ماكلة تبن .. او ابغى منك معلومات عن خوات زوجك "
و تحت التهديد و الرعب الذي كانت تعيشه الهنوف كان الخيار الثاني أهون الخيارات .. لا تُريد ان تُسجن كـ عواطف !! و لا تريد ان تعود لترويج المخدرات .. تفاجأت من طلب خيال معلومات عن اهل زوجها و لكن ذلك بالطبع اسهل الخيارات !! و انصاعت لخيال و بدأت تنفيذ ما تُريد منها مُجبرة .. الى ان وصل الامر الى هالة المسكينة .. كانت هي صاحبة الحظ السيء من اخواتها و كان اكبر نصيب من التعاسة لها ... و هي الآن تجهل لماذا خيال حاقدة على عائلة محمود لهذه الدرجة ؟



بدون ان تُخبر نور احداً في المنزل عن خروجها خرجت .. و قد اصبحت تتصرف بهذه الطريقة في الآونة الاخيرة .. لم تعد ترى حامد شيئاً .. لقد خذلها و آذاها و هو يعتقد بتفكيره المتحجر ان ما فعله هو الصواب .. و هي منذ ذلك الحين و هي لا تأبه به و لا تعتبره موجوداً ..و هي ليست بحاجة احد !! ستأخذ حقها بيدها ..
اوقفها السائق السيارة .. و ترجلت منها و هي تقول له : لا تروح مكان .. انتظرني هنا ان شاء الله ماراح أطول .
اغلقت باب السيارة بعد ان أكدت عليه مجدداً ان لا يتحرك من هنا .. قصدت العمارة التي كانت تسكنها .
لاحظت وجود سيارة منصور في المواقف التابعة للعمارة .. اذاً هو هنا و لا شك .. و دخلت و هي تقصد شقتها ..و هي تملك مفتاحاً لقفل بابها لذلك لن تطرق الجرس و لن تستأذن قبل ان تدخل .. و يا حبذا لو يكون منصور نائماً الآن لتأخذ ابنتها بدون أية ضوضاء و تجعله يستقيظ من نومه مذعوراً .. تماما كما فعل معها عندما طلقها و اخذ الطفلة منها و هي نائمة !!
نعم .. هي ناقمة لهذه الدرجة !! و جروح مشاعرها لازالت تنزف .. و عاطفة الامومة لديها تصرخ ..و كبرياءها يُحاول ان يلملم نفسه و يعود من جديد !!
ادارت مُفتاحها و فتحت قفل الباب و دخلت .

*
أحياناً اقول لو يوسف تزوج هالة كان أفضل !!
قالت سهام تلك الجملة و هي تتذمر لاختها هنادي التي لا تُوافقها الرأي و تشكو لها ليلى التي تشاجرت معها للتو : وش تقولين انتِ ؟ بالعكس احمدي ربك ان اخوك ما تزوجها .. نسيتي اللي صار لهالة ؟
قالت سهام باستنكار : الحين انتِ مصدقة اللي يقولونه عن هالة ؟
هنادي : و ليه ما اصدق ؟ .. اذا اهلها و هم اهلها صدقوا و رموها في الحماية !!
سهام باصرار : لو اشوفها بعيني ما صدقت !!
لا تستطيع التصديق .. هالة كانت قريبة منها كما كانت ليلى قريبة من هنادي .. هالة فتاة خجول ، عفوية و جبانة و بلهاء أيضاً .. هالة هي التي كانت تغُش منها في الاختبارات المدرسية و تستغلها و تتركها تحل لها واجباتها ايضاً.. تستغل صداقتهما و تدفعها لمساعدتها في امور غير محمودة .. مثلاً عندما اجبرت هالة ان تهرب معها من المدرسة .. قامت سهام بكسر جرس الانذار لتعم الفوضى في المدرسة بسبب انذار حريق كاذب ..و سحبت سهام هالة و هي تقول " يلا نهرب من المدرسة و نرجع بيتنا .. مع هالفوضى ما احد بحس " ... و عندما رفضت هالة قامت بتهديدها " اذا ما هربتي معي راح اقول للأبلة ان انتِ اللي كسرتي الجرس !! "
نعم .. كانت هالة بذلك المقدار من الجبن و الانصياع الذي يجعلها تخاف من تهديد سهام و تنصاع لها و تُعاونها على شقاوتها !!
تتذكر ايضاً عندما كُن يمشين في الشارع هاربات من المدرسة نحو المنزل الذي لا يبعد كثيراً عنها ... كيف كانت هالة ترجف و تهمس بالمعوذات و هي تدعو ان لا تُلاحظ المعلمة غيابها .. و عندما تبعهما مجموعة من الشباب المتسكعين كانت هالة ستموت رعباً لدرجة انها بكت في الشارع .. كيف لمثل هالة ان يرتكب ذلك الجرم و هي بهذا المقدار من الجبن و الحياء ؟
تُتابع تذكر احداث ذلك اليوم .. كان الوقت مُبكراً من الصباح .. حيث ان الشارع خالي من الناس .. و ليس هناك الا تلك السيارة التي تتبعهما و رؤوس الشباب التي تخرج من نوافذها و هم يرمونهم بكلمات الغزل .. و احدهم يحاول ترقيمهم و " فيه مجال يا غزال ؟ " و " خلونا نوصلكم حرام الغزال يحترق تحت الشمس " .. كانت سهام بالرغم من خوفها الا انها لا تُظهره و تحاول ان تبدو قوية و تشتم اولائك الشباب و تبحث في الارض عن بعض الحجارة لتقذفهم بها.. بعكس هالة التي اخذت تسرع في خُطاها .. عندها مر يوسف بسيارته بالصدفة .. بغض النظر عن ان كان يعرف الفتيات او لا .. الا ان ذلك الموقف لا يُمكن السكوت عنه اطلاقاً ..
عندما واجههم و كان في صدد ان يتشاجر معهم و يوقفهم عند حدهم فروا هاربين .. فهم مُجرد حمقى .. و وقاحتهم لم تظهر الا على فتيات وحيدات يمشين في الشارع .
على كُل حال .. كان ذلك اليوم هو أول يوم التقطت فيه الشرارات المُتبادلة ما بين يوسف و هالة .
عندما ركبن معه في سيارته كان غاضباً في البداية و قام بتأنيبهن بصوت مُرتفع و هو يحقق معهن عن سبب خروجهن من المدرسة في مثل هذا الوقت .. و لكنه فجأة عندما عرف ان الفتاة التي معها هي هالة . هدأ و استكان .. و تغيرت نبرة صوته و اصبح يتحدث بلُطف !!
و قال لها " نوصل بنت الناس لبيتها و بعدها اتفاهم معك .. و اقنعيني ليه كسرتي جرس الانذار يا الداشرة "
حينها قالت له سهام بسرعة " لا لا ..خلي هالة تنزل معي البيت !! احنا كانت كذا خطتنا ان نروح بيتنا و نتونس .. و بعدين بيت هالة مافيه احد و تكفى يا يوسف ما ابغى امي تدري باللي صار .. و حتى اهل هالة ماله داعي يدرون .. و هالة مالها ذنب الغلط كله علي انا "
الغريب انه لم يُناقشها و فعل ما قالته .. و الغريب أكثر عندما رفع هاتفه و اجرى مُكالمة مع حامد و هو يُخبره أنه اوصل اخته مع سهام الى منزلهم .. " المدرسة عندهم خلل في الكهربا عشان كذا طلعوا البنات من بدري و انا وصلتهم .. تقول اختك ان مافيه احد في بيتها فهي مع اختي عندنا لا تخاف عليها "
و عندما اوصلهم الى المنزل قالت هالة لها " و الله اخوك طيب و فلة ..لو هو اخوي حامد كان كسر رجليني على هالعملة " و عندها توردت وجنتيها و هي تقول " هههه حتى انه ما قال لاهلي و مشَّى خطتنا بالتمام .. و شكله ماراح يقول لامك بعد عشان ما يفضحنا "
حتى هالة كانت تميل اليه .. لقد لاحظت سهام عليها .. و اصبحت تُدقق اكثر في تصرفات يوسف .. و لم يخفى عليها اهتمامه و اسئلته الكثيرة عنها .. و عرض خدماته لها عندما تكون بصحبة هالة .. و لكنه عندما افصح برغبته في خطبتها كانت هي أول المعارضين
اكملت و هي تُحدث هنادي : كلنا ندري ان يوسف كان يبغى يخطب هالة .. كان معجب فيها و يميل لها .. بس انا مادري ليه وقفت مع امي ضده .. يمكن عشاني غرت ؟ او لأنني ما كنت اشوف هالة مناسبة لاخوي .
هنادي بعدم فهم : طيب وش فايدته الكلام هذا الحين ؟ هو تزوج ليلى و واضح انه مرتاح معها و متمسك فيها .. و انتهى هالموضوع من زمان .
سرحت سهام في مخيلتها نحو هالة .. كيف هي الان و ما اخبارُها ؟ رُبما لو تزوجها يوسف لكان افضل .. رُبما كان ذلك احفظ لها .. رُبما لم يكن ليحدث لها ما حدث .. و لكن ماذا يُفيد التمني الآن ؟ لقد انتهى كُل شيء و كُتب قدر يوسف مع ليلى و انتهى كُل شيء .
رمت الملابس التي في يديها في الغسالة و قالت بغيظ : ماني بطايقتها الغثيثة !! جالسة فوق و تنتظر نخدمها مثل البرنسيسة .. ثياب يوسف احنا اللي نغسلها و نكويها .. و طبخ ما تطبخ يوسف غذاه و عشاه كل يوم عندنا .. و لمتى يعني ؟ وش فايدتها من زوجة .. لا و فوق هذا تزعل على امي اذا كلمتها .. كلام الحق ما يزعل !! .

 



تحاملت على وجعها و استنكرت : احسان ؟؟؟ اللي سويته لي احسان ؟؟؟ ، رفعت صوتها و صرخت و لم يعد بوسعها ان تتحمل اكثر : انت ليه دايماً تشوف انك متفضل علي ؟ ليه دايماً تشوف نفسك ارفع مني ؟ اصلاً سخرية القدر ان انت اللي تقول لي هالكلام بينما انا المفروض اللي اقولك اياه !! سخرية القدر ان انت اللي تتركني بينما المفروض انا اللي تركتك و انهيت هالعلاقة الفاشلة و من زمان !!
اتسعت عينيه من كلماتها القوية و من شراسة نظراتها و هذه المرة هي من فقدت اعصابها و انهارت كُلياً و دفعت بساعدها التُحف المنزلية الموجودة على الرفوف و حطمتها .. و هو ينظر اليها و لا يكاد يتعرف عليها .. هل هذه هي نور ؟
بح صوتها من صراخها و هي لازالت تنهار
.. : عاجبك كذا وضعي ؟؟ مو انت كان قصدك تأدبني .. ايه ابشرك ادبتني و وعيتني .. ادبتني عن غبائي و عن الاوهام اللي كنت اعيشها وحدي .. كنت متفاءلة فيك لدرجة الغباء !!
و هي تُريد ان ترميه من قلبها .. تُريد ان تكون قاسية مثله .. و ان ترميه بذكريات لياليه .. و تتخلص من سُلطته على قلبها .. سحبت المُفرش الاحمر الموضوع على الطاولة الجانبية .. ليسقط برواز ثقيل يحمل صورته و هو يحتضن ابنته .. و يتحطم !! .. لم تكتفي و هي تقوم و تفتح الدولاب الزُجاجي الذي يكشف عن الكثير من الذكريات .. لماذا لازالت صورة زفافهما موجودة ؟ رمتها ببروازها أرضاً لتتحطم !! داست عليها بقدمها و لم تكتفي ..رمت شموع الزينة على الارض و تتخلص من باقي الاواني و الاكواب .. و لكن يدها شُلت عن الحركة عندما امسكها من أعلاها بقوة .. لدرجة انها شعرت بأن اصابعه انغرست في لحمها .. و اظلمت نظراته و هو يُحدق في وجهها .. يُقيدها من ذراعها مانعاً اياها من تكسير المزيد .. لم تتمالك نفسها و هي تُحاول ان تخلص نفسها من قبضته و هي لازالت تهذي بصوتها المبحوح المرتفع : ارتكني !! انت ما عمرك سامحت .. و انا عشت حياتي معك بس اسامح .. صبرت و يا حسافة الصبر اللي صبرته عليك
امسك بها من يدها الاخرى و هو يحاول السيطرة على حركتها العشوائية : نزلي صوتك و لا تقلي أدبك و يكفي !!
تُقاطعه باصرار و هي تشعر بأن النار ستخرج من رأسها : لا ماراح انزل صوتي !! انقرفت منك و من غرورك !! يعني تفكر ان انا ما اقدر اخذ حقي بإيدي ؟ تفكر انك خلاص كسرتني ؟ لا تتكلم .. سمعتك كثير و جا دورك الحين انت اللي تسمعني
تُحركها عاطفة الامومة .. و كالقطة التي انتُزع منها صغارها و تُحاول استردادهم بإثارة الفوضى حولها ..
: اسمع اخر شي عندي !! انا بيني و بينك المحاكم !!! ما انتظر منك تتفضل علي عشان بنتي .. و حقي بجيبه لي القانون !! فهمت ؟؟
كان هو مُقارنةً بانهيارها اكثر ثباتاً .. و على غير المعتاد كانت هي المُشتعلة و هو يبدو من صدمته بها كـ كتلة من الجليد حاول اخراسها بنظراته الحادة و صوته المرتفع و لهجته الامرة و هو يمسكها من ذراعيها و يردد اسمها بتأنيب .. و لم يأخذ كلمتها الاخيرة على محمل الجد !
نور : ما راح اسكت لك و بيني و بينك المحاكم !!!

ينظر اليها و هو لا يكاد يعرفها .. هل هذه التي تتحدث الآن نور ؟؟ بدت غريبة .. غريبة جداً عليه و ليست هي التي عاشرها و عاش معها و ألفها .. بدت مُختلفة تماماً
افلتها من يديه و هي تقول بألم : يا عساني اشوف فيك يوم .. و مثل ما دارت علي الدنيا و المتني و انا مالي ذنب تدور عليك !
ابتعدت عنه تُحاول تهدئة ثورانها و تُغمض عينيها لتسحب دموعها الى اعماقها .. لا تُريد ان تبكي الآن و تضعُف ...و لكنها عندما عندما سمعت صوت صغيرتها المحبب الى قلبها .. تتباكى و هي تتقدم نحوهما بشعرها المُبعثر و ملامحها الناعسة .. نكست رأسها و هي تحاول اخفاء وجهها .. و خائنة يا دموعي لا تسقطي أمامه .. لا تسقطي !!

*

تشعر ليلى بأنها مثل كرة الثلج .. عندما رماها حامد على زوجها لازمها ذلك الاحساس الى الآن و لا تستطيع التخلُص منه ..
لقد صرخ حامد في وجهها عندما لاحظ كثرة تواجدها في منزلهم .. و أين يُريدها ان تذهب ؟ .. فهي أيضاً مكروهة في بيت زوجها و تتضايق من حماتها و بناتها .. " انتِ ما عندك بيت و لا زوج ؟ وش عندك مكثرة قعدتك عندنا ؟ لا يكون تطلقتي ؟ و الا مزعلة رجلك منك ؟. انطقي يا ليلى لا تخليني اجن عليك "
و كعادتها .. دموعها دائماً تسبق كلماتها فلا تستطيع ان تتحدث .. و هو جـن عليها و هو يريد ان يحصل على تفسير منها .. يُريد ان يسمع منها ما يُريحه و لكنه لا يفهم ما تقوله لاختلاط صوت كلماتها بصوت بكاءها " تكلمي مثل الناس !! ليه الصياح الحين .. فهميني وش صاير بينكم ؟؟ "
ظن من بُكاءها ان حقاً هناك مشكلة بينها و بين زوجها و لم يعلم ان بُكاءها كان من ردة فعله اتجاهها و من احساس الضياع الذي تشعر به .. لذلك عندما وصل يوسف الى منزلهم بعد دقائق .. سحبها من ذراعها و رماها عليه .. و ارتطم جسدها النحيل بصدر زوجها . و اعتذر حامد بلا سبب واضح : ما عليه يا النسيب سامحها .. و حقك علينا !! خذها معك و أدبها فيما بينكم .
لم يفهم يوسف ما الذي يحدث بالضبط .. ينظر نحو ليلى التي اجهشت بالبُكاء و هي تتشبث به .. و حامد الذي يرميها بنظرات غاضبة : و انتِ يا بنت !! اسمعي كلام زوجك و حطيه على راسك .. المرة مالها الا بيت زوجها .. و انتِ مالك الا بيت زوجك او القبر .. و ما ابغى اشوفك كل يوم في وجهي .. سامعة ؟؟
لازالت كلمات حامد ترُن في اذنيها .. لقد قلل من قيمتها أمام يوسف !! منذ ذلك اليوم و هي تشعر بالخجل يعتريها .. و تشعر انها - تماماً - مثل كرة الثلج التي يتقاذفها الجميع و كلما تدحرجت على الأرض تكبُر .
تدُس وجهها في رُكبتيها و تتخيل الأسوأ و تبكي .. لا احد لها .. اخوات زوجها يتنمرون عليها و حماتها تكرهها و اهلها من بلاء الى بلاء .. كُلما تتذكر شكل والدها المُقعد تبكي و تدعي على هالة .. تتوقع الأسوأ و تغلبها السلبية و تزداد لوعتها .
كان يوسف قد عاد من عمله قبل قليل .. و اصبح في الآونة الاخيرة يهُرب من المنزل و لا يعود الا مُتأخراً .. يذهب الى " الديوانية " او الى القهوة .. هارباً من الحرب التي تقوم يومياً في منزله ..والدته تظُن انه يهتم لزوجته اكثر منها و ان ليلى تتحكم فيه و " ساحرته " ..و ليلى تلومه لأنه لا يوقف والدته و اخواته عند حدهم .. فهم يتنمرون عليها و يُضايقونها و هو لا يردعهم أبداً .. و هو في الاصل ليس في صف احد هو فقط يُريد السلام و راحة باله .
دخل الى غُرفته متجاهلاً ليلى التي تتوشح بتعاستها .. غير ملابسه و استلقى على السرير دون ان يرمي عليها اي كلمة .. سيأخذ قيلولة الآن ثُم الى سيذهب الى " الديوانية " .
و لكن ليلى بالطبع لن تصمت .. بل انها ما أن تراه حتى تبدأ بالفضفضة لتُثير شفقته نحوها : ابغى اروح بيت اهلي و اتطمن على ابوي بس خايفة من حامد .. نور صارت ما تتكلم معي ما الومها مسكينة اللي فيها يكفيها .. تكسر خاطري اختي ماحد واقف معها .. يوسف لا تقولي احضر عرس هنادي اختك .. حالتي في الحضيض و ما اقدر افرح و اهلي في كربة !!
كان مُستلقياً و يوليها ظهره .. يتفهم حُبها لأهلها و حزنها لمعاناتهم .. يتفهم انهم يمرون بظروف صعبة و لكنه يرى انها تُهول الامور و تُضخمها .. حالها افضل من حال نور و افضل من حال هالة .. بل انها لا تُقارن بهن و هو ايضاً يُراعيها لأقصى درجة .. و مع ذلك هي مُصرة على ان تكون مُثيرة للشفقة و ان تتوشح رداء الحزن و تتغطى بالتعاسة .. لو انها تتوقف عن اثارة شفقته و تُثير فيه احاسيس اخرى .. رفع جسده و استدار لها .. حاول تغيير الموضوع و هو يضع راحته على بطنها : متشوق لبكرة عشان موعد السونار
ابعدت كفه عن بطنها و هي تقول : ماله داعي نفرح الحين .. يمكن حملي يكون عنقودي مثل قبل ..ننتظر التشخيص احسن .
القى رأسه في حجرها واضعاً يده على جبينه .. و هو يستعد لسماع السيناريو الكئيب الذي تردده عليه منذ اكتشفت حملها .. ربما يكون حملاً عنقودياً كالسابق .. و ربما تكون الامور تعقدت اكثر و يضطرون لاستئصال انبوب الرحم المُتبقي لديها و عندها تُصبح هي عقيماً .. او رُبما يكون الجنين مُشوهاً او ميتاً .. تتوقع الأسوء و تغرق في التفكير السلبي و تشحنه هو أيضاً بالسلبية .. قال بملل : تعوذي من ابليس .. ان شاء الله ما فيك الا الخير .. بكرة نروح موعدك و نتطمن .
اغلق عينيه مُحاولاً النوم و لكنها تستمر بالتباكي و الشكوى .. لو انها تتوقف من ان تكون مُثيرة للشفقة و تُحاول ان تُثير فيه مشاعر اخرى .. قاطعها : اخبار اختك هالة .. كيف صارت ؟
صمتت للحظات ثُم قالت : خفت عن قبل .. بس لسا ما وقفت علاج .. احاول ما اقسى عليها عشان حالتها .
يوسف : ايه لا تقسين عليها يكفي اللي فيها .. مسكينة الله يشفيها و يساعدها .
لم يُعجبها كلامه .. تعاطف مع هالة رغم عارها .. و رغم كل المصائب التي جلبتها لهم .. بل وصفها بكل بساطة بـ " مسكينة " .. تجاهلت الامر و عادت الى موالها الحزين و هي تُحاول اثارة الشفقة من جديد : اخاف اصير عقيم .. وقتها بتتركني ؟
اتسعت عينيه و احتدت .. قال بتأنيب : وش هالكلام ؟ أكيد لا . .. و بعيد الشر عنك .
يقولون انه مُتمسك بزوجته .. رغم كآبتها و نكدها و بالرغم من الضغوطات التي يتعرض لها من والدته التي لم تعد تطيقها الا انه لا يُفكر بأن يتخلى عنها .
نعم هو متمسك بها و متسمك بأي شخص يدخل حياته و يُحدث فيها تأثيراً .. و من يدخل حياته لا يُمكنه ان يخرُج منها بسهولة ..و كانت الجملة الاخيرة عميقة جداً .

*


رُبما لو انني نسيتك و لم أكُن طوال هذين الشهرين أفكر فيك لما كُنت رأيت دموعي و ما كنت رأيت هذا السواد الذي يُحيط بعينيْ .. و ما كنت سمعت صوت عبراتي و أنا احاول ان أخفي عنك صوت خيبتي .. لكنني هُنت عليك و اكتشفت أنك لا تجيد التمسك بأحبائك و أن يديك سريعتا الانزلاق .. تنسحب و تنسى و كأننا لسنا من أحببنا و عشنا !! و انتهت العلاقة و انا انكسرت و انت مضيت قدماً و كأن كُل ما كان بيننا لم يكن !... عودتني على الدموع و جعلتني أتعرف على الندم .. و مع كل دمعة خائنة تسقط من عينها تمسحها و تتوعد بأنها لن تصمُت و أن هذا الوجع مع الأيام سيخُف و يرجع عليه .. و ان كان هو ناراً فهي ستكون انفجاراً .
مرَّت ساعة و هُما يحاولان تقبل وجودهما معاً في نفس المكان .. تحتضن نور ابنتها و هي تجلس على الكرسي المُقابل لمهدها في غرفة النوم .. تشعر بالراحة لأنها نفست عن ما في داخلها و تحدثت اخيراً و اطلقت العنان لمشاعرها المكبوتة و اشبعت حنينها لطفلتها و هي تحتضنها و تشمها .. و لكنها تعلم جيداً ان هذه الراحة مُؤقتة !!
ينظر لها منصور من طرف عينه و هي تمسح دموعها و تُكابر .. يقف خارج الغرفة و ينظر اليها من بُعد .. ينظر لها بغضب مكتوم .. لا يملك كلاماً ليقوله ..ابتلع كلماته عندما تلفظت عليه بتك الجمل العنيفة و صرخت و حطمت صُوره و التُحف .. شعر بأن التي تقف أمامه ليست نور .. و لكنه و هو يراها الآن و هي تبكي و تحتضن ابنتها تعرف عليها مجدداً.. هذه هي نور التي يعرفها .. تتباكى و تدعي المظلومية و و بدموعها تقلب الأدوار فتتحول من مُذنبة الى مظلومة و هو من صاحب حق الى مُعتدي !! و تتحدث و كأنها مُضطهدة و هو جلادها .. و هذا ما يرفُض صحته و ينفيه .
تحررت سارة من حضن امها .. و تنظر نحوها نور و هي لا تُصدق عينيها .. سارة اصبحت تمشي وحدها و تتراكض .. شعرت بطول تلك المدة التي غابتها عن ابنتها و انها لم تشهد الخطوات الاولى لها .. و تتحسر على كل لحظة كانت ابنتها فيها بعيدة عنها و لكن ما يُهون عليها هو ان سارة رغم الشهرين الذين مرا لازالت تقول " ماما "
كانت خائفة ان تكون سارة قد نست ملامحها .. لان الاطفال ينسون بسرعة .. و لكن كلمة " ماما " افرحتها و اثلجت فُؤادها .
انطلقت سارة راكضةً بمرح نحو والدها .. تُمسكه من يده و هي تلفظ كلمات غير مفهومة .. هذه الطفلة لا تشعر بالأجواء المشحونة التي تعصف في حياتها .. و لا تفهم مايجري بين والديها و لا تُدرك انها الآن ضائعة بين امها و ابيها .. و ليس لها ان تختار .
تتنقل نظرات منصور من سارة الى نور التي تُبعد عينيها عنه .. هو لازال يشعر بالإهانة .. و انها تفننت في تقزيمه ..جرحت كرامته و استهانت بكبرياءه و هو حبيبها و زوجها و أقرب الناس لها فكيف تجرؤ ؟؟ كرامته أهم شيء في حياته و الحُب بالنسبة اليه هو التقدير و الاحترام ..و أرقى المشاعر تلك التي يشعر بها بعزة نفسه .. لو لم يكُن بينهما طفلة لما كان بهذه المرونة معها من الأساس و لكان اكثر قسوة و حزماً في قراره بخصوصها .. لذلك هو مُتفضل عليها فيجب عليها ان تعتذر اولاً بسبب وقاحتها و جرحها لكبرياءه .. ثُم عليها ان تشكره لأنه يُحاول التفاهم معها من جديد لأجل ابنتهما
و لكن نور ترفض فهي تعتقد انه لو كان يُحبها بصدق لكان سامحها و تنازل .. و أن الحُب هو التسامح و التضحية !!
لذلك هي الآن غاضبة و مـستاءه لأنه خذلها .. كانت تنتظر منه ان يُقدم تنازلاً و لكنه لم يفعل ! و لازال مُصراً على موقفه و لازال ينظر لنفسه بأنه أعلى منها .. تُريده ان يرجع يُحبها كالسابق .. يهتم لها و يسأل عن حالها .. يشعر بها و يُراضي زعلها... ودت لو ترى الشوق في عينيه و لكنها لم ترى الا صدوده و قسوته ..و يا لقسوة خيبة الامنيات !!
اقتربت نور منه و وقفت امامه و دموعها كانت قد حفرت آثارها على وجنتيها .. اخفضت عينيها و سحبت ابنتها عنه .. رفعتها و اولته ظهرها و ابتعدت .. رآها و هي تلتقف حقيبة ما و تفتح الخزانة لتجمع ثياب سارة و تضعهم فيها .. لم يُحرك ساكناً و بقي يتأملها و هي تُجهز اغراض ابنتها لتأخذها مُتجاهلةً وجوده و حتى دون ان تسأله اولاً .
الثواني تمر تتبعها الدقائق دون يكسر حواجز الفراغ بينهما .. و الصمت يلف المكان عنوة .. ماذا عساه ان يفعل بتلك المجنونة الآن ؟ اثارت الفوضى داخله و حوله من جديد و هو الذي كان يعتقد انه تخلص من ضعفه اتجاهها و تأثيرها عليه .. و أنها حتى لو قطعت روحها بكاءً لن يلتفت لها و لن يكترث .. و لكن لِم هو الآن بهذا الهدوء .. شيء من الحسرة جاء من الماضي السجين داخله و بقايا احاسيس خدرت حواسه و ضللت عقله .. احاسيس لا يعرف ما منطقها ؟ و لكنها تُحرك فيه الرغبة بأن يقترب من حبيبته و يحتضنها ليمتص منها احزانها و يُهدئ من ارتعاش صوتها و يمسح من وجنتيها دموعها الغالية .. و لكن العقل يرفض اي منطق خارج عن منطقه .
دخل الى الغرفة مُحاولاً تجاهل مشاعره بل و التصرُف عكسها و كأن الحُب و الحنين اهانة لكيانه المُعظم .. قال لها : اتركي اللي في ايدك .. تاخذي البنت و بعدها اخوك الثور يرجعها لي .. مشكلتك ماهي معي يا نور مشكلتك مع اهلك حليها .
نظرت نحوه و هي لازالت تتمسك بابنتها التي تُحاول الفكاك منها : مشكلتي راح احلها بالقانون و بيني و بينك المحاكم .. انا بنتي مش لعبة عند احد .. و حامد مايقدر ياخذ بنتي مني مرة ثانية .. ماراح اسمح له لا هو و لا غيره !!
نظر الى عينيها و لم يستطع ان يـسيطر على مشاعره الفائضة من عينيه و تحدث بصوتٍ مُتعاطف رُغماً عن انف كبرياءه : أنا لو كنت ابغى احرمك من بنتك ما كان شفتيني رجعت .. كنت ظليت في جدة و استقريت هناك و على فكرة انا بعد أفضِّل تكون سارة معك و هي فهالعُمر .
اشاحت وجهها عنه و تجاهلته .. يتحدث و كأنه ليس السبب في كُل ماحصل .. تود من قهرها لو انها تصفعه من جديد !! انفكت سارة منها و هي ترفض ان تُقيد حركتها .. انحنت نور اليها و هي تقول : يلا يا ماما عشان نمشي من هنا .
و لكن سارة بشقاوتها المُعتادة .. رفضت ان تحملها والدتها من جديد و انطلقت تركض هاربةً و هي تتضاحك .. هتفت نور بها : سارة !!
ارادت ان تتبعها و لكنه تحدث معها مُعارضاً : مو ملاحظة انك قاعدة تتصرفين من كيفك و بتاخذينها بدون ما تسأليني .. انا ما سمحت لك تاخذيها .
نور : انت مو قلت ان ماظل كلام بينا ؟ ترى ما عاد لك كلمة علي يا حبيبي .
ابتعدت عنه .. و هو لازال يشعر بارتعاش صوتها و اهتزازه .. لازال يشعر ببكاء قلبها دون عينيها .. و كلمة " حبيبي " بالرغم من انها لم تعنيها حرفياً .. بل رُبما كانت تقصد المعنى المُعاكس لها .. الا انها و بشكل ما حركت شيئاً في داخله .. و كلماتُها و تواجدُها معه في نفس المكان يستفز فيه الحنين ... يحُن لتفاصيل صغيرة كانت تجمعهما .

تبعها و هو يستمع لصوتها المرتعش من جديد : نتفاهم في المحاكم ان شاء الله .. عشان مررة ثانية ما تقدر تاخذ بنتي مني و تسافر معها بدون اذني ..لما حضانتها تكون لي رسمياً .
استهجن كلامها و لكنه استخف به .. رفع حاجبه بتهكم و قال باستخفاف : هذا تهديد يمشي على ولد عمره عشر سنين أما انا ما يمشي علي هالكلام .
جلست ليتناسب طولها مع طول ابنتها و هي تُحاول حملها من جديد و سارة تتشاغب ..امسكت بجيب عباءة والدتها لتُقاومها .. شهقت نور و هي ترى عباءتها فُتحت من الاعلى و ظهر قميصها الضيق و بان عُنقها مع الجزء الاعلى من صدرها .. هي من الاساس كانت قد سهت عن شكلها .. فحجابها ملفوف على رأسها باهمال و جزء كبير من شعرها كان قد ظهر منذ مدة طويلة .. و لكنها احست على نفسها الآن و خصوصاً ان منصور اخذ يُدقق النظر اليها اكثر .. ارتبكت و استدارت عنه لتُغلق عباءتها و تُعدل حجابها و هي تشعر بغرابة الموقف .. تتحجب عنه لأول مرة في حياتها و تُغطي عنه جسدها الذي يحفظ هو كل تفاصيله .. لم تتصور انها ستفعل ذلك يوماً .
قالت بارتباك : ترى انا اعني الكلام اللي قلته .. سارة و هي فهالعمر الصغير اكيد بكون القانون في صالحي .
منصور بذات الاستخفاف : بس ما هو من صالحك انك تكبرين الموضوع و توصلينا للمحاكم .
رفعت صوتها و نظرت اليه شزرا : انت ما تركت لي الا هالحل .
ابتعدت عنه لتُعاود اللحاق بسارة التي تتراكض و كأنها تلعب معها لعبة الصياد .
يُراقبها منصور و عينيه لا تكادان ترمشان .. يستخف بها و يستهين بما تقول .. و لو كان في مزاج مُختلف لرُبما ارتفعت ضحكاته في وجهها .. صرخت نور في وجه ابنتها : انتِ وبعدين معك ؟ مو وقت عنادك الحين .
استاءت ملامح سارة و تعكر مزاجها المرح فلم يُعجبها صراخ والدتها عليها .. برمت شفتيها و ابتعدت تتراكض الى والدها متجاهلةً نور التي صرخت مجدداً : تعالي هنا .
قالت بنفاذ صبر و هي ترى سارة قد تعلقت بساقي منصور : و الله ما كنتي كذا !! اصلاً متى امداك تخطين عشان تصيري تركضي و تشاغبي بهالشكل !!
علق على كلامها و هو يرفع سارة و يُجلسها في حضنه : صارت تركض و تنط مثل القردة .. و عنيدة و قوية و ما ترضى تروح معك الا بإذني .
تأملت طفلتها .. لقد تغيرت و نمت .. شعرها طال و قامتها أيضاً طالت قليلاً و اصبح جسدها اكثر قُوة .. لن تُسامحه أبداً على حرمانها من هذه التفاصيل التي لا تُقدر بثمن .. لن تُسامحه .. الف سُؤال و سُؤال يطرأ على عقلها .. هي أم هوسية و تهتم لأدق ادق التفاصيل : انت وش كنت تأكلها ؟؟ مررة نحفانة البنت .. كنت تحممها كل يوم ؟ تعصب عليها و الا قدرت تصبر على دلعها ؟ واضح انك كنت هاملها !! ..
لازالت تتواقح عليه و تقلل أدبها ..رفع صوته : انا بنتي ما كنت مقصر عليها في شي و مدللة عندي و آخر دلع .. و لا تبالغي .. كل شي كانت تاكله .. حتى ضبان اكلت .
شهقت و اتسعت عينيها .. هل حقاً سمح لطفلتها ان تأكل من تلك الوجبة المُقرفة بنظرها ..انفعلت : الله يحوم كبدك .. تتكلم جد انت و الا تستهبل !! الله يستر لا يكون صار لمعدة البنت شي .. هذا و انت دكتور بعد !!
قاطعها : قدامك و مافيها الا العافية
بان التقزز على ملامحها و هي تتخيل ان ابنتها حقاً اكلت من تلك الوجبة ..قالت بتهديد : لكن و ربي ما اخليها عندك .
امسكت بالحقيبة التي جمعت ملابس سارة فيها ووضعتها على كتفها : عطني بنتي و اتركني اروح..
منصور : ترى انا بعد ابغاك تاخذينها و تريحيني من حوستها ... بس مو بهالطريقة..لا تتذاكي و تسوي شي اكبر منك و قتها بتكوني انتِ اكبر خسرانة
اعادت جملتها عليه : قلت لك اعطيني بنتي !!
تحدث براحة تامة و موسيقى المشاعر بدأت بالعزف على اوتار الماضي في وقت غير مُناسب ابداً ..: تعالي اخذيها من حضني وش مانعك ؟
لقد نسي نفسه تماماً .. و استولت عليه هذه اللحظات المُشابهة للحظات كانت قد قضاها سابقاً معها .. اختلطت الامور في بعضها .. كلامه الآن لو كان قبل شهرين لكان طبيعياً و مؤلوفاً .. و لكن الآن بعد ورقة الطلاق التي تفصل بينهما .. لم يعد كذلك بل انه قد اصبح خطيراً .. و تُسيطر عليه بقايا مشاعر .. بقايا مشاعر تأثيرها عليه كإبرة تخدير .. و كأنه الآن تحت تأثير بنج كامل .. قال لها و قد غلبته العواطف : تعالي اجلسي نتفاهم .. اما اذا كنتي حابة توصليها للمحاكم فارجعي مثل ما جيتي و مالك شي عندي .
يُقنع نفسه ان ماقاله الآن لأجل ابنته فقط .. و انه سيتفاهم معها لأجل الطفلة التى لا غنى لها عن والدتها و لأجله هو أيضاً فهو لا يستطيع تحمل عبء تربية سارة وحده ..و انه سيتغاضى عن سوءات نور التي لا تُغتفر لخاطر سارة فقط .. و لكنه في الحقيقة يُكابر هراءً .
لم تستوعب في البداية ما قاله .. و لكنها انصاعت اليه و نست نفسها هي الاخرى .. نست انه لم يعُد هنالك رابط شرعي يربُط بينهما .. و من الخطأ ان تجلس بجواره بهذا الشكل .. و ان هذه الشقة المُغلقة لا يجب ان تتواجد معه فيها وحدها .. و لكنهما لم يشعرا بذلك و موسيقى المشاعر تُعزف .. و الحنين للوئام القديم ينتصر .. بدى كل شيء مألوف لديهما و لا خطأ .. بل كانا يشعران ان الوضع عادي و لا حرج و هذا هو المكان الذي جمعهما لسنين فما الفرق ؟

*

ابلة عواطف سُجنت .. و طلقها زوجها و تبرّأ اهلها منها .. لم تستطع ان تُبرِّئ نفسها و لم تستطع ان تُثبت اي شيء ضد خيال .. و هي خافت ان يكون مصيرها مثلُها .. و ان تبقى بلا حيلة .. لذلك رضت ان تكون جاسوسة عند خيال .. استسهلت الأمر في البداية .. و ماذا يعني انها تُريد كُل جديد عن نور او هالة او ليلى او امهم سارة او عمها محمود .. كان ذلك لا يُقارن أبداً بما سيحصل لها لو استمرت في ترويج المخدرات .. او فضحتها خيال و رمت بها في السجن مثل عواطف !!
كانت صورة عواطف لا تُفارق عقلها كُلما هددتها خيال بها تموت رُعباً .. الى ان توصلت طلبات خيال الى هالة المسكينة .. لم تكُن تعلم ما تُريده خيال من هالة .. و لكنها امام هواجس خوفها رضت ان تُقدم هالة قُرباناً لخيال .. لم يكُن هناك خيار .. اما هالة او نفسها !!
و الآن هي مُحاصرة ..نور من جهة و خيال من جهة و حامد دائماً في وجهها .. فأين المناص ؟ و ماذا عساها ان تفعل لتنجو ؟
تحتضن ابنها الذي يلعب بهاتفه .. و هي خائفة .. خائفة ان يكون غداً موعد ذبحها .. او موعد زجها في السجن بجانب عواطف .. هل تقتل نفسها و تختصر الطريق ؟
هزها ابنها من كتفها : ماما ابغى اروح البقالة .
قالت بصوت لا حياة فيه : روح قول للسواق يوصلك .
ابتعد عنها محمود و هي تتأمله ..تعض على شفتها و تتعجن ملامحها بأسى .. و قريباً ستلد طفلاً اخر أيضاً .. ماذا سيحدث لاطفالها بعدها ؟
تنهدت و بكت و هي تضرب رأسها و تعُض شفتها .. أين المنفذ و اين المناص و متى سترتاح من هذه الحياة التي تحولت الى جحيم !!
عاد اليها محمود و هو يقول بإحباط : ماما .. السواق مش هنا .. اتصلت عليه و قال انه يوصل عمتي نور مشوار .
قالت باستغراب : عمتك نور طالعة ؟
نظرت نحو ساعتها التي تُشير الى الثامنة مساءً .. دار الحماية لا تفتح ابوابُها للزوار في مثل هذا الوقت .. الَّح عليها فضولها ان تتحقق من الامر .. هي تتوجس من اي حركة تقوم بها نور و تخاف منها .. امسكت هاتفها و اتصلت الى السائق الهندي لتعرف منه التفاصيل .
" مدام نور في بيت زوج .. و انا ينتظر برا "
سألته عن كم من الوقت مر و هي في داخل شقتها فأجابها انه قد مرَّ أكثر من ساعة و هو ينتظرها في الخارج .. لحظات من التفكير .. هي لم تمر بكُل هذه المخاطر لتفضحها نور في النهاية .. يجب ان تضع لنور حداً .. تفكيرُها السريع الذي يدفعه خوفها و توجسها حثَّتها ظروفها بأن تأمر السائق للعودة و يترك نور هناك .. و لكنه رفض لأن نور نبهته بأن لا يتحرك من المكان .. صرخت الهنوف : اقولك ترجع الحين انت ما تفهم ؟ اذا مارجعت و الله لاخلي حامد يفنشك و يرسلك لبلدك .. مين كفيل انت .. حامد و الا نور ؟ "
عندما سمع السائق اسم حامد خاف على لـقمة عيشه .. و انصاع لكلام الهنوف و حرّك سيارته عائداً الى المنزل دون ان يُخبر نور بذهابه .
و الهنوف تُخطط بسرعة .. تخطط بأن تتغذى في نور قبل ان تُصبح هي عشاءً لها .

انتهى 

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...