بعد مُضي شهرين
الحياة تمضي و لا أحد يموت من فراق أحد
كـ عصفور حُبس في قفص .. مكسور الجناحين و مُقيد القدمين و لكنه لازال يُغرد .. و يحلُم انه يطير .
تبتسم الى الحياة التي سُلبت منها .. و تعيشها واهِمةً في أحلام اليقظة .. هذه الدار لم تعزلها عن الحياة الخارجية و حسب بل عزلتها عن الحقيقة .
استيقظت على ضوء النهار .. و الابتسامة تُزين ثغرها و هي تسمع العاملة تُخبرها " هالة .. عندك زيارة "
اجابت بصوت مليء بالمرح : طيب .. الحين جاية !!
اعتادت على الدار و على ياسمين و الفتيات اللاتي يُشبهنها .. ربما لأنها ادركت انها اكثر الفتيات حظاً هنا .. و اكثرهن قُرباً للسعادة .. صدقت انها سعيدة و تحسنت حالتها .. و استجابت للعلاج النفسي ايضاً و تحولت من فتاة تحتاج المُواساة الى مُواسية .. تواسي شمس و تطبطب على جواهر و تتقاسم الحزن مع غلا .. و هي ترى أن حالهُن أسوء من حالها .
تحسنت نفسيتها كثيراً عن السابق لذلك قللت الطبيبة من جرعة العقاقير التي تتناولها و قللت من الجلسات التعبيرية أيضاً .. و ان استمرت على هذا الوضع ستُشفى قريباً ..و لن تحتاج لمزيد من الجلسات .
حمدت الله و كيف لا تتحسن و عائلتها الحبيبة ايضاً تتقدم الى الافضل .. لقد تحدث معها والدها و اخبرها انه سيُخرجها من هُنا في القريب العاجل .. و هو الان يتعالج من مرضه و حالته تتحسن للأفضل .. نور مشغولة مع طفلتها و زوجها كالعادة .. و زوجها أيضاً يُحاول ان يجد الحقيقة من سلطان .. و ليلى حامل ، و الهنوف ستُنجب بنتاً ..لم تتحدث مع حامد و لكن الهنوف تقول انه صدق انها بريئة و ان ورقة الفحص التي اكدت عذريتها كانت كفيلةً بتغيير موقفه .. همست " الحمد لله .. الحمد لله .. الحمد لله يا رب "
بقي شيء واحد فقط و هو الحقيقة .. لقد تذكرت الكثير من الاحداث الاخيرة التي قد تكون السبب .. قيادتها الذهبية التي ضاعت منها .. حفلة زفاف و امرأة ذات شعر أحمر كثيفة المساحيق .. و تذكرت انها غابت عن الوعي في ذات الليلة و ان اخر مرة كانت قد رأت فيها قيادتها الذهبية كانت هُناك !! .. افصحت بشكوكها حول تلك الليلة الى نور و قالت انها ستتحقق من الامر ..
تمد يدها نحو الحقيقة و لا تكاد تصل اليها و كيف تصل و احدهم يُجيد التمثيل بدقة و يتلون امامها كالحرباء !!
تقابلت عينيها مع عيني زوجة اخيها .. الهنوف .. ابتسمت هالة بعفوية نحوها .. قابلتها الهنوف بابتسامة صفراء ..اقتربت منها هالة و احتضنتها بخفة مُراعيةً بطن الهنوف الذي تدور و كبر بشكل ملحوظ : وحشتيني !! كيفك و كيف البيبي ؟
اجابتها الهنوف بصوت خافت : الحمد لله .. و انتي بعد وحشتيني .
ابتعدت و نظرت نحوها .. صوتُها يبدو غريباً .. لاحظت عينيها المُطفأتين و اهدابها المُحمرة.. و عبوسها الواضح .. : الهنوف انتِ تعبانة ؟؟
جلست الهنوف و جلست هالة بجانبها بقلق .. غطت فمها بكفها و انزلت بصرها .. و اجهشت بالبُكاء .
شهقت هالة بخفة .. و الاستغراب اخذ منها مبلغه .. : وش صاير ليه تبكين كذا ؟؟ اهلي فيهم شي ؟؟ انتِ فيك شي ؟ .. انطقي !!
رفعت رأسها و مسحت انفها بكم عباءتها .. و قالت بصوتها الباكي : انتِ تشكين فيني يا هالة ؟؟ .. ليه تقولين لخواتك اني انا اخبي شي عنكم ؟؟ .. انتِ كيف تفكرين ان انا ممكن اكون سبب اذيتك ؟؟
تلخبطت تعابير وجه هالة و قالت بإنكار : لا لا. الهنوف أبداً مش هذا اللي كنت انا اقصده !! انتي فهمتي غلط و انا
قاطعتها الهنوف : نور جت لي و خانقتني .. تقول انها مش مصدقة كلامي .. تدرين انها صارت تتجسس علي و تراقبني .. يمين بالله اني اعتبركم مثل خواتي و انتم اهلي .. نسيتوا عشرة العمر اللي بينا !!
تحاول هالة التصحيح : انا ما كنت اقصد ان انا اشك فيك .. انتي اصلاً مثل اختي و مستحيل اشك فيك .. انا بس كنت اقصد انو ممكن تكوني ناسية شي .. او مش حاطة ف بالك و ابغاك تركزين في هاذيك الليلة بس و تتذكرين
الهنوف بانفعال : و ربي لو كنت اذكر شي لكنت قلته !! يعني تتوقعين ان راح انسى شي مثل كذا !! هاذيك الليلة انتي تعبتي و اغمى عليك في الحمام .. و هاذيك الحرمة اسمها روابي و جت و علطول قالت لي انك تعبتي و بس .. اخذتك و حاولنا نشوف وش فيك حتى انه اتصلنا للإسعاف .. و بعدها صحيتي و طلع ما فيك الا العافية و رجعنا البيت .. بس !!
بدت الحيرة على هالة و صمتت لا تجد تعليقاً على كلام الهنوف .. بينما انهارت الهنوف مجدداً و هي تقول بهستيرية : و ربي بس هذا اللي صار .. و ربي اني ما اخبي شي ..
طبطبت هالة على ظهرها و هي تقول بارتباك : لا لا الهنوف لا تكبري الموضوع نور يمكن بالغت شوي بس اكيد ما تشك فيك و اصلاً انا مصدقتك وراح اكلمها من جديد
الهنوف و هي على نفس المنوال الحزين : انا خايفة تروح تكلم حامد و تقلبه علي .. حامد صاير ما يفكر و كلام يوديه و كلام يجيبه .. صاير عصبي و يخوف .. انا خايفة يسمع كلمة من هنا و الا من هنا و يشك فيني هو الثاني بعد .. وقتها ما راح يرحمني ، نظرت نحو هالة : لازم تكلمين اختك .. انتِ اصلاً راح تطلعين من هنا و الامور قربت تنحل مثل ما قلت لك .. ماله داعي نسوي بلبلة .. و فكري مررة ثانية يمكن تتذكرين شي بس مش هاذيك الليلة انا متأكدة ان مالها علاقة في الصور و اللي صار لك .
هالة بإحباط : طيب بس خلاص انتي اهدي .. ما راح نعرف نفكر و انتي منهارة كذا .
اخذت نفساً عميقاً .. شهيقاً و زفيراً. و استقامت بظهرها .. حاولت الابتسام في وجه هالة و قالت : مثل ما اتفقنا انتي اللي راح تسمين بنتي .. لقيتي اسم حلو و الا بعدك .
ابتسمت هالة بعمق .. و انخرطت في الحديث مع الهنوف .. ثم بدأت الهنوف بحشو رأس هالة بالأكاذيب .. و ان عائلتها بخير و لا شيء يدعو للقلق .. و تزداد سعادة هالة الواهمة ..
مُغيبة عن الحقيقة تماماً .. تمد يدها اليها و لا تُدركها ..تتوهم السعادة و لا تملك ادنى فكرة عن ما يجري حولها .. تصدق الاكاذيب و لا تعلم ان دمها اصبح حلالاً
*
شقة واسعة .. أنيقة و مُرتبة .. الأرائك منظمة و الطاولات الزجاجية مُلمعة .. و الأرضية تنصع من النظافة و لا غبار و لا أيّة فوضى .. المكان مريح و رائحة الشموع العطرة تفوح و تدعو للاسترخاء .. اضاءة صفراء خفيفة و التلفاز مفتوح على أغنية فيروز .. و طفلة على كُرسيها الوردي الهزاز تمص دميتها و هي على وشك ان تنام
و دندنة .. تُعاتبه على شكل دندنة و هي تُدندن بصوتها الناعم " حبيبي مو رومانسي .. يعاملني بقساوة اقوله نضوي شمعة يقول لي ما ابي عتمة .. أقول له يلا نطلع يقول لي الدنيا زحمة "
يغتاظ من سخريتها و لكنه يتجاهلها و يصر على رأيه : ايه جد الشوارع زحمة .. وش يطلعنا الحين ؟
رفعت بؤبؤي عينيها لأعلى و تذمرت على شكل دندنة أيضاً : و بعدين يزعل اذا قلت انك كله حابسني في البيت .
تستفزه بمُبالغتها هل اصبح الآن يحبسها في المنزل لمجرد انه رفض الخروج .. تُبالغ و تُصدق نفسها و تستفزه .. تنفلت أعصابه و لكنه مع الوقت تعلم كيف يتجاهل استفزازها .. و يتحكم في أعصابه و يهدأ : ما فيه طلعة الحين عجبك و الا اشربي من ماي البحر .
و لكنه رغم كل شيء يُحاول ان يُرضيها .. يُحاول ان يكون رومانسياً كما تريد عندما تطلب منه ذلك " ما علقت على شكلي .. أنا متزينة لمين بالله ؟ ..يعني م يكفي حابسني في البيت ؟
يتفحصها بنظراته .. ملأت وجهها بالمساحيق و ارتدت قميصاً مورداً و تنورة سوداء قصيرة و تعطرت و كأنها استحمت بالعطر ..قال محاولاً التغزل بها : و أنا قلت لك تزيني و الا اكشخي !! تعجبيني بكل حالاتك ..حتى و انتِ مبهدلة و شعرك منفوش و توك طالعة من المطبخ و ريحتك بصل و ثوم تعجبيني .
و لكنها تُجيبه بعدم رضا : لا و الله !! هذا بدل ما تمدح أناقتي .
منصور بهدوء : قاعد أغازلك و أمدحك ..وش فيك ؟
تقول بازدراء : هذا تسميه غزل بالله ؟ بصل و ثوم .. الله يسامحك .
يقترب منها ليُداعب خصلات شعرها : تدرين ان ريحة البصل على جسمك تثيرني .
تدفعه عنها و تقول بتقزز : خلاص تكفى لا تغازل .. انت اصلاً حرام الواحد يكشخ و يتزين لك !! الحين هذا تسميه غزل ؟
لازالت تستفزه .. و لكنه يتجاهل و يحاول ان يكون لطيفاً : انا اصلاً دايم أقولك انك مثل الليمون في السلطة و مثل السكر في الشاهي .. الحياة بدونك ما لها طعم ... تخيلي حياتنا بدون مشاكل .. بتصير مملة و مالها نكهة .. المشاكل بهارات الحياة الزوجية .
لكنها تُصر على استفزازه و هي تضحك بصوت مرتفع : ههههههههههههههههههه انت ما تفكر الا فبطنك ؟ خلاص تكفى لا تغازل .. حتى غزلك مُعاق و جلف اعوذ بالله .
الى هُنا و اكتفى منها .. كلما حاول أن يرضيها تمادت !! .. يُحاول أن يُغير من شخصيته لأجلها و هي تسخر و تضحك عليه ..
قست ملامحه و امسكها من زندها و شد قبضته عليها : انتِ الدلع ما ينفع معك ..اصلاً وش فايدة الزينة و أنا بخليك تغتسلي في دقايق !
تُحرك داخله مشاعر متناقضة في لحظة واحدة .. تلك المشاعر تجعله يرمي بها في أحضانه و يتبادل معها القُبلات و يُمارس معها الحُب على الأريكة .
و في كل زاوية هنا لها ذكرى .. الشقة أصبحت بعد أن غاب عنها شهرين كئيبة لا تحمل الا الغُبار .. متسخة و تراكم الغُبار على أثاثها .. ان تغيب فترة عن شخص كان يتقاسم معك كل شيء حتى أنفاسك .. تبتعد عن الاعتياد .. و تختلي مع نفسك بعد فترة طويلة قضيتها بعيداً عنها .. هذه الفترة التي قضاها بعيداً عن نور .. جعلته يُعيد حساباته من جديد ..
و يُقارن بين منصور قبل الزواج و منصور بعد الزواج .. منصور قبل نور و منصور بعد نور .. و يُفكر حقاً بإمكانية استمرار هذه العلاقة من جديد ؟
عاد من جدة بعد شهر و نصف قضاه هُناك بين أهله .. لم يرتحْ و بشكل غريب لم ينسجم مع أجواءهم و كأنهم باتوا غرباء عنه و تلك المدينة لم يعد يشعر فيها بالانتماء .. سارة كانت تتنقل من بين أيدي أخواته كـاليتيمة و هذا الأمر ازعجه و أثار شفقته على الطفلة... حسناً لم يكن يتمنى هذه النهاية !! .. على الاقل من اجل الطفلة التي بينهما و لكنه سلك طريقاً لا رجعة فيه .
ظلها فقط من يتبعها اما هو فلا يتبع احد ..
موضوع نور خرج من حدود المعقول بالنسبة اليه .. بدأ بسبب سخيف يخص خروجها لأختها دون علمه ثُم تفاقم و اتسع .. الى ان وصل للطلاق . .كانت مشكله تخصه هو و نور فقط ثم أصبحت تعني الجميع ... خصوصاً بعد الشجارات الاخيرة التي جرت بين شقيقها حامد و عمها صالح ... تعقدت الامور كثيراً و لم يعد هناك سبيل للرجعة !!
عينيه تطوفان على زوايا الشقة و أركانها .. هذا المكان من دون نور يبدو مهجوراً .
دخل الى غرفته .. لا يعلم ان كان يتوهم الآن و لكنه يشعر بأنه استنشق رائحتها .. و أن رائحتها لازالت عابقة في الغرفة .
متى كانت اخر مرة رأى فيها وجهها ؟ عاد الى ذاكرته قليلاً ليصل الى اخر لقاء .. لا يعلم لِم كلما تمر نور في ذهنه يستشعر صفعتها الاخيرة على وجهه .. فيشعر بالإهانة !!
ثُم كلماتها الاخيرة " انا ما ادري متى بتعاملني على اني زوجتك .. مليت من هالعصبية ومن اسلوبك المستفز معي مليييت و تعبت "
ثُم يتذكر ايضاً جملاً كثيراً ما كانت تكررها عليه " انت لما تعصب تتحول الى واحد ثـاني وتقول لي كلام يجرح !! ما احبك و انت كذا "
لماذا تُعامله و كأنه مريض نفسي ؟ يلمس هذه الإيحاءات في حديثها حتى دون ان تنطقها
ترددت على عقله جملة سخيفة اخرى " انت ما تحبني !! جاف و ناشف في كلامك !! .. ليه ما تقول لي كلام حلو .. ليه ما تصير رومانسي و تعبر لي .. يعني ما استاهل ؟ "
" ناشف ، عصبي ، جاف ، بغيض ، غير متعاون و جلف و عديم احساس و ما تحبني ... "
كم تستفزه و تُثير اعصابه تلك الاوصاف التي تُطلقها عليه !! تلك الأوصاف التي لم يسمعها الا منها ..فهو يعتقد انه كان لها نعمة و هي لم تكن من الشاكرين .. هل يحصل لها زوج مثله يحاول تدليلها بشتى الطرق .. ينفذ لها طلباتها و يكرمها و يراضيها ويأخذ بخاطرها ..و يغسل عنها الصحون ايضاً !!
و أيضاً وسوستها المبالغ فيها اتجاه كل شيء مقرفة !! .. و شكوكها نحوه و عنادها له عندما تُفتش هاتفه و تتجسس عليه .. ارتفع صوتها مُجدداً في ذاكرته " اذا ما فيه شي تخبيه ليه تحط رقم سري على جوالك ؟؟!! "
يا الهي كم يكره تلك الجملة الغبية منها التي تبرر بها وسوستها و شكوكها !!
اشمأزت نفسه اكثر و هو يتذكر عندما تعتقد انها على صواب و انها افتضحت امره و امسكته بالجرم المشهود " مين دكتورة شيرين !! ؟؟ لا تسوي نفسك ما تعرفها !! رقمها مخزن في جوالك و اتصلت عليك مرتين .. و ارسلت لك صباح الخير بعد !! بسرعة اعترف مين هاذي ؟؟ و على اي اساس تتصل لك ؟ ليه ما تقول لها انك متزوج ؟ "
ثم يبرر لها و هو يكاد يُجن .. فتجيبه برد مُستفز اكثر من سابقه " لا و الله !! حلوة هاذي زميلتك في العمل .. زميلتك في العمل مش في البيت !! و بعدين تعال لحظة !! .. وش رايك انا بعد اذا اشتغلت اكون لي صداقات و اعطي رقمي لرجال ... ايه عادي زملاء عمل !! "
تُثير اعصابه و تستفزه و تجعله يتلفظ عليها بكلمات لا يريد ان يقولها فتقول و هي تدعي البراءة " طيب لا تعصب !! تجرحني كذا !! "
تبكي و كأنها هي المظلومة و تمثل دور الضحية ببراعة .. و تتهرب من المواجهة و عندما تهدأ تقول له " ما احب اكلمك و انت معصب ... ابعد عن الشر و غني له "
فيُجيبها بصدمة " انـا الحين صرت شر ؟ !!! "
كم هي مُستفزة و مثيرة للأعصاب !! بل خرقاء و غبية و تافهة و سطحية ايضاً !! كيف تحمّلها لسنوات ؟؟
لم يكُن يفكر بعواطفه بل يُفكر جدياً بصلاحية هذه العلاقة لتستمر ..
و من دون شعور منه ..يتذكر فقط صفاتها السيئة و عيوبها و الشجارات و الجدالات التي حدثت بينهما دون ان تخطر في باله عيوبه هو الآخر او ان يتذكر أي شيء جميل يخصها ..ام هو يتعمد ذلك ؟
لقد اقتلعها من حياته كما لو أنه اقتلع شجرة .. أرسل لها ملابسها و اغراضها و جميع متاعها مع ورقة طلاقها الرسمية قبل ان يذهب الى جدة .. و قد عاد الآن الى شقته و لازال يشتم رائحتها و صوتها يتردد على ذهنه في كثير من الأحيان فيُسبب له صداعاً ...فكيف يُخرس صوتها ؟
*
تخوض نزاع بينها و بين نفسها .. بين الوعي و الا وعي ..القت تلك المواد السامة في القمامة .. و ها هي ذا تُحدق فيها و تكاد عينيها تخرجان من محجريهما .. تكاد تبكي و لكن ليست مروة من تبكي
مجنونة .. اقل كلمة تصف حالتها هي مجنونة .. كادت ان تُدمر نفسها .. تتلاعب بالجُرعات التي تدُسها في حلقها ظناً منها انها تستطيع ان تنجو .. ان تتلذذ بالمادة المُخدرة و في الوقت ذاته تنجو من الادمان .. و لكن يبدو انها زلّت .. و الجرة لا تسلم في كل مرة و قدمها انجرفت نحو الهاوية و كادت ان تهوي داخلها ..
مجنونة !! مجنونة .. مجنونة .. مجنونة !!
تتلاعب بالقداحة بأصابع يدها و هي تُحدق في داخل القمامة .. هل تحرُق ما تبقى من الحبوب المـخدرة التي اشترتها ؟ و لكن من يحرق السموم التي تجري في دمها .. هل تستطيع ان تُخلص نفسها من هذا البلاء .. من يحرق الماضي ؟؟؟
تُجاول تذكر اسم تلك المرأة التي جمعتها بخيال بالصدفة .. كانت احدى المُعلمات عندما كانت في المدرسة الثانوية .. ثُم استقالت او قيل بأنها طُردت او لا تعلم ما انتهى بها الحال بالضبط .. و لكن ماذا كان اسمها ؟
هل هي الجازي .. ام العنود ام نوف .. او رُبما الهنوف !! ؟؟؟؟
غاصت في الماضي .. عندما كانت طالبة في الثانوية .. مراهقة انطوائية غريبة الاطوار .. تستدعيها المُرشدة الطُلابية كثيراً بسبب شكاوي المُعلمات من تصرفاتها الصبيانية و ايضاً كان مظهرها الشاذ موضوعاً للنقاش دائماً عند المُرشدة الطلابية .. و لكن لم يكُن يتغير شيء .. فوالدة مروة كانت لا تكترث بها و لا تُلبي نداء المدرسة بل تتجاهل عمداً كل ما يتعلق بمروة .. فهي تُحرج من مروة و تستعر منها .
استُدعيت مروة في احدى المرات الى مكتب المُرشدة كما تُستدعى دائماً .. و لكن المُرشدة لم تكن هي من تنتظرها .. بل كانت هي تلك المرأة .. الهنوف !!
لا زالت تذكر الحوار الدي دار بينهما .. كانت الهنوف تُحاول ان تبدو لطيفة و مُهتمة بحالة مروة .. قالت انها تعرف عنها كُل شيء .. و من المُؤسف ان تكون فتاة بمثل ذكاء مروة منبوذة هكذا .. و " حرام ليه امك ما تجي لك المدرسة .. ليه ما تسأل عنك ؟ .. متى اخر مررة شفتيها ؟ .. و عمك مشغول عنك بعد ؟؟ "
و بعد ان اظهرت الهنوف تعاطفاً كبيراً و سألت اسئلة كثيرة عن وضع مروة .. اعطتها حبة .. حبة واحدة فقط .. قالت لها انها علاج يُجدد الدورة الدموية و يُساعد على النوم و يُحسن المزاج ايضاً ..لم تتردد مروة في اخذه فهو من المُعلمة التي بالطبع لن تشك بها .. و لماذا تشك بها و المُعلمات و المدرسة دائماً مصدر ثقة لطالباتهن ؟
" راح اعطيك حبة وحدة .. اذا ناسبك و ارتحتي عليها اعطيني خبر عشان اوفر لك منه لأنه ما هو موجود في اغلب الصيدليات "
و عندما عادت الى المنزل جربت ذلك العلاج .. خدر لذيذ و شعور بالسعادة ملأ فراغها .. شعرت براحة انستها همومها او - هذا ما بدى لها - .. في اليوم التالي حملت معها المبلغ المطلوب و بالرغم انه كان باهظاً الا انه لا يُهم .. فالمال ليس مُشكلةً بالنسبة لها .. المهم الآن ان يعود ذلك الشعور اللذيذ .. و لكن الصدمة انها عندما قصدت مكتب الهنوف .. كان المكان مقلوباً رأساً على عقب !!
امرأة بدت انها ام لطالبة ما تصرخ و تتوعد .. و المرشدة الطلابية بدت متوترة خائفة و تتقبل الاهانات بلا تبرير .. طاقم الادارة موجود ايضاً .. و نسوة يبدو انهن جئن من جهة رسمية ما .. و لكن لم تكُن الهنوف هناك !!
لم تعرف وقتها ما القصة .. و لكنها عِندما انتهى الدوام المدرسي .. وجدت الهنوف تقف خلف اسوار المدرسة و معها امرأة رأتها مراراً من قبل .. تلك المرأة كانت خيال .. رأتها عدة مرات مع وليد عندما كانت تتلصص عليه في المُنتجع البحري او " الشاليه " الذي يملكه والده !!
و انتهت تلك الحادثة بفصل المُرشدة الطلابية من المدرسة و ايضاً الهنوف اختفت و لكن لا تعلم ما الذي حدث لها بالضبط .. فالمرشدة الطلابية شاع خبر انها تُروج للمخدرات و تنال جزاءها قانونياً .. اما الهنوف فلم يشع عنها شيئاً .. !!
كان حظُها جيداً اذ انها لم تتناول سوى حبة واحدة فقط ... و لكنها بقيت تبحث و تربط الاحداث ببعضها .. تتلصص على وليد و تزداد معلوماتها اكثر .... و بعد فترة غلبتها رغبتها الى ان تتواصل مع تلك العصابة التي تستغل الشباب .. لتحصل على ذلك النوع من المخدرات
وقفت على ساقيها .. لا تعلم ماذا ستفعل بالمخدرات التي ابتاعتها .. هل سترميها غداً في البحر و تتخلص منها .. أم انها لن تستطيع مُقاومة الرغبة و ستتجرع المزيد ..
ارادت ان تتبع مسارها .. رُبما تظهر الهنوف ثانيةً او تعرف شيئاً يحل اللغز الذي تورط فيه وليد .. و لكن لم يظهر شيء ..وصلتها العُلبة و هي مُلتصقة بدُمية ما لكي لا يشك احد .. و الذي ارسلها عامل اسيوي يدعي انه يعمل في شركة توصيل معروفة ... كانت ستُبلغ الشرطة و تُدلي بجميع المعلومات التي بحوزتها لهم .. و لكنها خافت من أن تُجبر على القيام بفحص السموم و يُفتضح أمرها ... و خافت أيضاً من أن يتأذى وليد فهي لا تعلم بالضبط بما هو متورط .. لم يُخبرها و لكن من الواضح انه مُتورط بشيءٍ ما !! و من هي هالة ؟
دخلت الهنوف الى المنزل .. نزعت حجابها عنها و تقدمت تحتضن محمود الذي كان بانتظارها : ماما وش جبتي معك ؟ جوعان
مسحت على شعره و هي تبتسم له : الحين يُمه أحط لك الغذا .. تأخذ الولد في حضنها و تُغرقه بحنانها .. تخاف !! تخاف ان يأتي يوم و تُحرم من رؤية وجهه البريء .. رفعت رأسها لتتصادم نظراتها مع نور التي خرجت من إحدى الغرف .. نظرات الشك و الترقب في عيني نور تُميتها رعباً و لكنها تتماسك ..امسكت بكف ابنها لتقوده معها : تعال يُمه احط لك أكل .
ذهبت الهنوف الى المطبخ .. تغرف لابنها الغذاء .. و هو يتحدث اليها : ماما متى بتجي اختي ؟ يصير نسميها سوسو ؟
رفعت الهنوف صوتها متعمدةً لتُسمع أذني نور : بنسميها أرجوان .. عمتك هالة هي اللي اختارت الاسم
محمود بذهول : عمتي هالة كلمتك من بريطانيا ؟ ليه ما قلتي لي انا بعد أبغى اكلمها
كانت ستُجاوب على محمود و لكن سُؤال نور باغتها : انتِ كنتي عند هالة !! لوين تبين توصلي يا الهنوف ؟
نظرت نحوها بغيظ .. تقف قُرب الباب و تتخصر و تنظر نحوها بذات النظرات التي تُفزعها .. شتتت الهنوف نظراتها عنها .. تجاهلتها و قالت و هي تُعطي ابنها صحن الطعام : عوافي يُمه .
خرج الطفل و أغلقت نور الباب .. : لوين تبين توصلي بالضبط ؟ ترى حركاتك صارت بالنسبة لي مكشوفة !!
الهنوف : انتي و بعدين معك !! لا حول و لا قوة الا بالله .. لا هي اول مرة و لا آخر مرة اروح فيها لهالة .. المسكينة تحتاجنا
نور بعصبية : لا تتغابي .. رايحة تتمسكني عندها عشان تكسبيها و تغطين على فعايلك
رفعت الهنوف صوتها : أي فعايل ؟؟ انتي و بعدين معك !! مريضة و الا وش فيك ؟ ما عندك و لا شي ضدي و لا زلتي مستمرة على نفس الموال .
نور : ترى أقدر أشارك حامد أفكاري و شكوكي حولك و حول اللي اسمها روابي .. بس رفقاً بوضعك الحالي ساكتة بس هالسكوت ما راح يطول .
فزعت .. رمت القدر الذي امامها جانباً بفزع .. ما إن تسمع اسم حامد حتى يبلغ الرعب منها أقصى درجاته .. انتفضت و قالت بصراخ أقرب الى الجنون : حسبي الله عليييك !! تبغين تخربين بيتي مثل ما خربتي بيتك يا الحقودة .. تحرميني من أولادي مثل ما انحرمتي من بنتك .. و انا وش دخلني في عقدك النفسية ؟ انا وش سويت لك !!
انهارت و وضعت كفيها على جانبي الفرن لتتماسك .. و هي تشعر بمغص في معدتها ..
حاولت نور التفاهم معها بهدوء : انتي اللي تثيرين الغموض حولك .. خليك واضحة و صريحة و لا تتهربي من الأسئلة .
قالت و أنفاسها أصبحت ثقيلة جداً : حسبي الله عليك.. ما تشوفين عيشتي مع اخوك كيف صارت جحيم .. انتِ ما عندك احساس ؟ على الأقل عشان المسكين محمود و الا حتى ولد اخوك ما يهمك !! انتي وحدة مريضة و معقدة !!
صرخت بهستيرية : تبغين تحرميني من ولدي ؟ و تخربين بيني و بين اخوك لأنك حسودة و معقدة .. تبيني أطيح اللي في بطني !! تتمنين لي الشر عشان حياتك خربت و تبين تخربين حياتي انا معك .. بس أنا مالي ذنب !! حسبي الله عليك ... مريضة !! انتِ وحدة مريضة !!
ابتعدت عنها نور و هي تعجز عن تحليل تصرفاتها .. خرجت من الطبخ لكي لا تثيرها أكثر .. فصراخها بهذه الطريقة مُخيف و هي امرأة حامل في النهاية و لا تريد ان تُسبب لها الأذى .
أما الهنوف فبقت تبكي في المطبخ
تتقاذفها الرياح .. نور من جهة و خيال من جهة و حامد دائماً في وجهها .. يأكلها الرعب كلما تنظر في وجهه .. الى متى و هي تتحمل ؟ فكَّرت ان تطلب الطلاق و تنفذ بجلدها قبل ان تفتضح نور امرها و لكن ان طلبت الطلاق فستغضب خيال و ستفضحها هي من الجهة الاخرى .. لقد وقعت في ظلام .. ظلام دامس لا تستطيع الهروب منه و حوصِرت من جميع الزوايا !!
*
ضعيف و متزمت ، مهزوز الثقة تارةً على اليمين و تارةً على الشمال .. مُتخبط !! .
متحجر ، همجي ، بدائي يتصرف و كأنه في غابة !! .. ضاعت الحكمة منه و اهتزت الثقة و انعدمت الرحمة !!
و بدلاً من أن يجد حلولاً يضع عراقيلاً جديدة .. تنسلخ الانسانية منه شيئاً فشيئاً
لقد تشاجر مع منصور .. تدخل يوسف واسطة بينهما و لكن تلك الوساطة فشلت .. فعندما صرّح منصور أنه لا ينوي ارجاع نور الى ذمته و أنه سيترُك ابنته مع والدتها و لكنه يريد ابنته ان تنتقل الى العيش معه بعد أن تبلغ السابعة من عمرها .. لم يُعجب ذلك الكلام حامد و هو يفكر بعقله المُتحجر كيف لنور أن تبقى مُطلقة ؟؟ غضِب و هاج على منصور و شتمه و شتم أهله و أجداده حتى خامس جد .. ليُدمر ما تبقى من علاقة النسب تلك .. أخذ ابنة أخته من حضن أمها و أعادها الى والدها فقد أصبح عدوه ... و هل سيُربي له ابنته لأيضاً ؟
تصُرفات همجية ... لقد ضاعت الحكمة من حامد و اهتزت الثقة و انعدمت الرحمة !!
لقد طرد اخته ليلى من المنزل لأنه لا يُريدها أن تُصبح مُطلقة مثل نور .. لا يُريد عالة جديدة فوق رأسه .. لذلك بتصرف أهوج أمسكها من ذراعها و رمى بها على يوسف و هو يعتذر منه بلا سبب ..
.. يكادُ يُجن و هو يدور حول نفسه .. يدور في نفس الدائرة و لا يكاد يجد مخرجاً او حلاً .. ضعيف .. ضعيف جداً امام اعيُن الناس التي يتوهم بأنها تصرخ في وجهه لتخبره بأنه " ليس رجُل " و لا يستطيع اطفاء النار التي تتوغل صدره و تحُول كل شيء داخله الى رماد .. فيغدو وحشاً بشعاً ليس في عقله شيء سوى ان يُخرس السنة الناس بغسل العار !!
لقد داس على ورقة براءة هالة بقدميه ...لقد رأى مجونها و فسقها بالصوت و الصورة .. لقد رآها كيف قضت على عفتها و لطخت شرفه و هي تتراقص مع ذلك الوغد الغريب .. تستلقي على ذراعيه و تتركه يُقبلها .. ينزع عنها عفتها و هي تنظر اليه برضا !! رأى المقطع منذ بدايته الى نهايته .. رأى كيف مرغت اخته وجهه بالطين ..فكيف يعفو عنها الآن ؟؟ لقد انتهت هالة !!
لم يبقى لها سوى أيام معدودات و تتطهر الدنيا منها .. سيُنهي اجراءات والده لأجل العلاج ثُم سيتفرغ لها و عندها لن يبقى هُناك أي عائق ليفعلها و يُميتها ميتةً تليق بها .
لقد اقسم ان يجرها كالبهيمة من تلك الدار .. ثم يقف مُعاكساً لاتجاه القبلة لينحرها و يُزهق روحها بين يديه !!
حدقت في وجهه و هي تُريد ان تصفعه .." على الاقل أنا أحاول اخلص نفسي .. انا من اللي شفته في حياتي خلاني اصير كذا .. انت وش عذرك ؟ "
قالت مروة تلك العبارات و هي تُحملق في وجه وليد .. يغُط في نومه العميق و هو متكئ على الأريكة .. نام بعد أن تجرع زجاجة نبيذ كاملة ..
في هذين الشهرين الذين مرَّا .. لم يتغير شيء في وليد سوى انه أصبح يُسوق الشرف عليها و على والدته المسكينة التي تُصدقه
يخرج بعد مُنتصف الليل عندما تخلد والدته الى النوم ثُم يعود مع بداية النهار قبل ان تستيقظ .. ينام ثُم يستيقظ ظُهراً ليُصلي الظهر في المسجد بصحبة زوج والدته و اخويه غير الشقيقين .. و لكن اين يقضي لياليه ؟ كان ذلك الجواب معروفاً لدى مروة .. و الى اين سيذهب وليد بعد منتصف الليل مثلاً ؟ و ايُ الاماكن ستكون مفتوحة في مثل ذلك الوقت المُتأخر ؟ اعتقد ان الجواب اصبح واضحاً جداً ... امام وليد و ازدواجيته و تناقضاته ينتحر المنطق !! و هو الذي كان يتحدث معها عن العِفة و الحشمة و الحجاب و الحياء !! ام ان هي فقط من يجب ان تكون سمعتها طيبة و هو لا ؟؟ و يُساير والدته نهاراً و يدعي انه تاب و اصبح عاقلاً اخيراً و لكن " ذيل الكلب عمره ما ينعدل " .
و لكن ذلك الحال لم يدُم طويلاً .. فقد لاحظ زوج والدته " ابراهيم " تصرفاته المتناقضة .. و كشفه في إحدى الليالي عندما عاد مخموراً الى المنزل .. حينها قامت القيامة .. تشاجر معه و وبخه بشدة الى ان غادر وليد المنزل متجاهلاً رجاءات والدته له بأن يبقى ..
و منذ ذلك الحين و هو يتنقل مع مروة من فندق لآخر ..
أشعلت سيجارتها و هي تجلس بجانبه : يعني عاجبتك حياة الشحططة .. كأننا قطاع طُرق و احنا من فندق لفندق .
في هذين الشهرين الذين مرَّا .. لم يتغير شيء في وليد سوى انه اصبح يُطبق مفهوم الشرف عليها ..
فهو يربط الشرف بها و بـ حجابها و تصرفاتها ..اما هو فليتسكع و ليُذنب و ليذوب في شهواته كما يشاء و بدون قيود .. و المهم ان لا يرى اخته صديق الاستراحة .. ليُصبح بهذه الطريقة رجلاً غيوراً شريفاً !!
ضحكت باستخفاف .. و مُنذ متى و هي تكترث اصلاً ؟؟
هل صدق حقاً انها ستتصنع و تغطي نفسها لأجل ان لا يراها صديق الاستراحة الاحمق حنفي !!
و هنا في الكويت ليس هناك قانون يُلزمها بلبس العباءة .. فهي تخرج بمظهرها الصبياني الذي تُحب و تقود سيارتها أيضاً غير مكترثةً بشيء .. و تعيش حياتها بالطول و العرض .
هي و وليد على نفس السفينة التي تاهت في البحر ...و لكن الفرق بينهما أنه ركبها طواعيةً أما هي فلم يكُن لها خيار آخر سوى ان تركبها .
*
لقد كسرتني ، خدعتني ، اوهمتني .. رفعتني الى السماء ثُم اوقعتني !!
خذلتني و في متاهات الحياة أضعتني .. لا انت تركتني أناضل مصاعب الحياة وحدي و لا انت حميتني !!
سلبت مني كل شيء .. حتى نفسي قلبتها ضدي .. لقد جعلتني أكرهُني !!
انتهينا
تركتني على هامش الحياة .. لم تهتم لأمري .. لم يخطر في بالك ان تسألني " هل انا بخير ؟ "
لم تهتم و عاملتني و كأنني نكرة .. غير مهمة و انني من بعدك ليس لي لا رأي و لا أي كلمة و انت صاحب الرأي و القرار و الكلمة الاولى و الاخيرة لك .. دائماً انت الصواب و انا الخطأ ...تحترف قسوة الاحساس و تُشعرني بأني غير مهمة !!!
انتهينا
و أنا لم يكن لي سبيل الا أن أحبك .. لقد قضيت عمري معك و أنا أتسول الحُب منك و أنتظر منك كلمة غزل تقولها في حقي .. أرضى بقليلك و أنسى أنك قللت من شأني ... و على حساب كرامتي أتغاضى .. و لأجل رضاك خسرت نفسي .
لقد كسرتني ، خدعتني ، اوهمتني .. رفعتني الى السماء ثُم اوقعتني !!
و في سبيل ان أثبت لك نفسي انتهينا
يستعصي عليها الاستيعاب بأنها تُرِكت .. و خُذلت و أهينت و أنها فعلاً غبية و ساذجة و مُهانة ... كم صفعة تحتاج لتستوعب الواقع ؟
بينما هو كان قد مسحها من حياته .. لم يتحدث اليها و لم يلتفت لها .. لم يُعبرها .. فضَّل ان يتشاجر مع حامد بدلاً من ان يسمع منها .. لقد عاملها على أنها نكرة لا وجود لها .. و بينما هو كذلك كانت هي و بكل غباء تنتظر ان تزل قدمه نحوها ليُرجعها الى حياته .. لقد ظنت به خير و ظنت انه لا يستطيع العيش من دونها و ظنت ان كرامتها -كما اخبرها- من كرامته و ظنت انه -كما وعدها- لن يخلف عن وعده .. و ظنت و ظنت و ظنت و نست ان بعض الظن إثم .
.. مرَّ أكثر من شهرين من طلاقها .. عندما أرسل اليها حقائب حاجياتها مع ورقة تُصدق الطلاق .. القت بنفسها على الذكريات و بكت .. بكت كما لم تبكي من قبل كان ذلك هو اليوم ذاته الذي أخذ حامد سارة منها و أرجعها لوالدها .
اللعنة عليك و على جبروتك و على كبرياءك و اللعنة على ذلك اليوم الذي قبلتك لي فيه زوجاً و اللعنة على حياة جمعتني بك و اللعنة على حامد و على تعصبه و غباءه و اللعنة على الحال الذي وصل اليه و اللعنة على شرف العائلة الذي لا تحمله الا النساء و اللعنة على العادات و اللعنة على الناس و ظنونهم و أكاذيبهم .. اللعنة على الجميع !!
لم تعد هناك دموع لتبكي .. فقد جفت الدموع من مقلتيها .. لم يبقى لها سوى لعائن و شتائم لهج بها لسانها .. لقد أصبحت غريبة حتى عن نفسها لم تعد تعرفها !!
ناقمة على الجميع و تشك بالجميع و تلعن الجميع ..
انحنت لتفتح حقائب ذكرياتها .. لقد أرجع كل شيء يخصها.. لم يترك شيئاً .. لقد أرجع كل كل شيء .. و هي التي كانت تعتقد انه لم ينم منذ فراقها .
وضعت كفيها على عُلب مجوهراتها و حُليها ... كل قطعة من هذه الحُلي الثمينة تُشعرها بالإهانة بعد ان كانت ذكريات ثمينة .. اصبحت ذكريات مُهينة و تجدد شعور الذل داخلها .. كل قطعة من هذه الحلي كان هو من اشتراها لها ...تجتاحها رغبة عارمة بأن تذهب و ترمي هذه الحلي في وجهه .. هل هي بضاعة وقد أعادها الآن مع ثمنها ؟ .. بعد ان كانت خادمة مطيعة تكنس و تمسح و تطبخ .. استمتع بها و أنجبت له ثم رماها بعد ان زلت و عصته .. فهي يجب ان تكون له ملاك .. ملاك معصوم لا يُخطئ أبداً أما هو فزلاته مغفورة .. و كيف تجرُؤ و تقارن أخطاؤها بأخطائه لا مجال للمقارنة أبداً فهو السيد المُطاع و الرجل العظيم الذي لا يُقهر أما هي فمجرد جارية عليها السمع و الطاعة .
و لكنها لن تصمت .. اغلقت الحقائب و العلب و دفتر الذكريات .. لن تصمت و حان دورها الآن لتغضب .. و تطالب بحقها منه رغم انف الجميع .. فقطعة من روحها لازالت عنده .. و ذكرياته و ماضيه يجب ان يُسترد اليه .. آن الأوان لتضع نقطة في أخر سطر لهذه العلاقة .
لقد قتل فيها مشاعرها و رحل .. و معه قطعة من روحها .. سافر الى جدة و أصبحت كذبتها التي لفقتها على والدها حقيقة ... و هي منذ ذلك الحين و هي تُراسل رانيا و تسألها عن اخيها .. هل ينوي العودة ؟ تترجاها أن تخبر منصور أن يعود .. تتوسل اليها أن تُؤثر في منصور و يعود ليتفاهم معها من جديد .. القطة اذا أبعدت عن صغارها تنهار فكيف بالإنسان ؟
وصلتها رسالة من رانيا أخيراً بأن اخوها منصور قد عاد .. بقي الآن أن تضع نقطة في آخر سطر في هذه العلاقة و تعود صغيرتها الى حضنها من جديد
*
انتهى
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!