الفصل 17 | من 29 فصل

رواية و هل ينتهي الحُــــب ؟ الفصل السابع عشر 17 - بقلم Misoo

المشاهدات
17
كلمة
11,638
وقت القراءة
59 د
التقدم في الرواية 59%
حجم الخط: 18






‎ورقة في مهب الريح انا
‎تسحقني الاقدام
‎أتعلمون ما معنى الموت حياً ؟
‎أتعلمون ما معنى الموت صبراً ؟
‎مؤلم هو الخذلان ممن كنت ترى فيهم الحياة
‎أبكيكم سرا وعلانية وانتم لا تبالون
‎لا أعلم ما الذي حدث ؟ لا أعلم ماهي تهمتي ؟
‎اليك يا رب العباد أشكو ظلم العباد
‎اليك يا رب ارجو أن أشد الرحال
‎فأنا كالطفل الوليد الذي لفظته بطن أمه
‎في غابة ذئاب
‎ففي عالم الانسان لا قانون سوى
‎الدم والافتراس لا لشيء سوى
‎العبث والجنون
‎ويعيبون على الذئاب شهوة الافتراس
‎لأجل الحياة

إهداء من الراقية : نداء الحق ( عضوة من المنتدى الثاني )


هل غفت ام تخدّرت بفِعل تلك الحُبوب الضئيلة الحجم ؟ .. لكنه كان نوماً مُريحاً خالياً من الكوابيس .. لم تحلُم بأحد .. لم تسمع أصـواتهم و لم ترى ملامحهم ..نامت كما لم تنام من قبل .. أرجعت برأسها الى الخلف .. تستند على وسادة بيضاء ناعِمة .. و رائحة المُعقمات تخترق حواسها .. تهتز مُقلتيها بدُوار و خِدر .. تشعُر بارتخاء عضلاتها حتى ان حركة أطرافها صارت بطيئة .. الوقت يمُر سريعاً .. مُنذ متى و هي تتأمل اندلاع الصباح عبر النافذة ؟ و ذلك الخدر داخلها يتلاشى شيئاً فشيئاً .. فتشعر بالدماء الحارة تجري بعروقها بسرعة أكبر من ذي قبل .. و تعود عضلاتها للإنقباض و الإنبساط بصورة طبيعية ... تجحظ عينيها و يزداد الدُوار .. لينفجر ذلك الكابوس في عقلها من جديد .. و تتنشر الهلوسات عبر أُذنيها .. وهم تلك الليلة يعود .. و كأنها تشعر بتأثير ضربات حامد على وجهها من جديد .. كُل شيء في تلك الليلة عاد على صورة وهم و هلوسات سمعية تُسيطر على أذنيها كـطنين .. نعـم تسمعهُ مجدداً و هو يُزمجر " مـين هو ؟ الحقير اللي معك في الصور مـين ؟ من متى ؟ و وين و كيف ؟ مـين هو ؟ وش اسمه و من متى و وين ؟ " يُسدد اليها اسئلته كـ رصاص يخترق قلبها كما تخترق ضرباتُه القاسية جِلدها .. لتُجيبه بصوت مخنوق " ما ادري " ... ثُم يشتمها بألفاظ لم تسمعها من قبل و يُعاود تسديد ضرباته نحوها .. و تُعاد تلك الأسئلة في عقلها من جديد .. " من هو ؟! " .. تخللت اصابعها خُصلات شعرها الجافَّة لتسحبها حتى تُنتف في كفيها .. تُغمض عينيها بقُوة لتتجعد جفونها الرقيقة .. تصرخ بانهيار : مـا أدري !!!!
فتحت عينيها بِبُطء و صدى صرختها يصدح في داخلها .. " ما ادري ..ما أدري .. ما أدري .. ما أدري ..
ثُم ماذا ؟ .. هل عادت تلك الصرخات و الهلوسات و الاضطرابات ؟ .. استدارت بفزع نحو الطاولة الصغيرة بجانبها .. تبحث بعينيها عن تلك العُلبة الصغيرة المليئة بالأقراص .. لقد تناولت منها البارحة فتخدرت و ارتاحت .. حتماً إن تناولت تلك الحبوب مجدداً سترتاح و يختفي كابوس ليلة زِفافها من عقلها .. أين تلك العُلبة ؟
شتت نظراتها بعشوائية حول الغـرفة البيضاء لتُفتش عن تلك العُلبة و لم تجدها ..ماذا تفعل ؟ فصوت حامد لازال يتردد في داخلها يشتمُها ثم يُكرر ذلك السُؤال مجدداً " مـين هو ؟! "
استلقت على السرير و هي تتلوى و تتأوه بصوت مُتقطع .. تضع كفيها على رأسها لتنتف شعرها .. علَّ ألم تمزُق شُعيرات رأسها يطغى على ذلك الألم الداخلي فيها .. شعرت بأحدهم يفتح الباب .. صوت أنثوي سمِعته و لكنه بدى مُشوشاً فلـم تفهمه .. فتحت عينيها و استدارت برأسها ناحيته .. و قد كانت امرأة بزي أبيض و حجاب أبيض أيضاً .. أدركت بأنها مُمرضة .. قالت بوجع : راسي يعورني ..
ابتسمت تلك الممرضة بتعاطف و احتوت كفيّ هالة بكفيها لتُبعدهما بلُطف عن شعرها .. ارتخت اصابع هالة و ابعدتهُما بتلقائية .. نظرت ببهوت نحو خُصلات شعرها الكستنائية التي تمزقت في كفيَّها رفعت بصرها نحو الممرضة التي تُحدثها بصوت مُتعاطِف : بسم الله عليك .. الحين تشربين دواك و ترتاحين .. و بعد شوي بتِجي الدكتورة تشيك على وضعك .
ابتعدت قليلاً لتفتح الحقيبة الطبية التي بحوزتها .. و تُخرج عُلبة صغيرة .. مدت بتلك العُلبة نحو هالة .. ففتحت هالة كفها باستسلام .. قلبتها ليسقط قُرص ارجواني صغير في راحة كف هالة .. وضعته في فمها بانصياع .. ثُم تناولت من تلك الممرضة كوباً من الماء لينجرف ذلك القرص الى حلقها .. ابتعدت الممرضة الى نِهاية الغرفة و عادت و هي تدفع عربة صغيرة احتوت طعاماً .. كانت مُتواجدة مُنذ فترة في الغُرفة .. قدمتها نحوها لتُدخلها بشكل عرضي على السرير و هي تقول : لازم تاكلين عشان الدوا ياخذ مفعوله .
فتحت قارورة الحليب الصغيرة ..ثم قالت و هي تشير الى صحن البيض و صحن السلطة الصغير بجانبِه : ابي اشوف الصحون فاضية و تلمع .. اوكي ؟
ابتسمت و اومأت هالة لها إيجاباً .. أمسكت بقارورة الحليب لترتشف منها رشفتين ثُم تبدأ بتناول طعامها بهدوء .. بينما جلست الممرضة على الكُرسي الذي بجانبها لتتحدث بتلقائية : انا اسمي جِنان .. ما ادري ان كنتِ تتذكريني او لا .. بس انا كنت الممرضة المساعدة على حالتك قبل .. لما كنتي تتعالجين بعد العملية
استدارت هالة نحوها لترمقها بنظرة مُتفحصة .. بشرة فاتِحة و وجه مُمتلئ قليلاً .. نظارة طبية كبيرة بحدود سوداء تُغطي نصف وجهها تقريباً .. و الحجاب الأبيض ملفوف عليها بإحكام فلا تظهر و لا خُصلة من شعرها .. لم يبدو لها ذلك الوجه مألوفاً .. فقد مررن عليها الكثيرات من الممرضات و غيرهُن من الأطباء و الطبيبات في الفترة الأخيرة .. و الجميع بدو متشابهين لها .. قالت بهدوء بعد ان مضغت اللقمة في فمها : لا مـا اتذكر .
ابتسمت جنان : طيب .. كملي أكلك حبيبتي .
رجعت تأكل بهدوء .. تضع لُقم صغيرة في فمها .. تأكلها دون تلذذ .. و دون الإحساس بطعمها حتى .. و كأنها تشرب ماءً .. بدى لها طعم البيض و طعم الحليب و السلطة سواء .. أفلتت الملعقة من يدها .. و قطبت جبينها من وجع رأسها الذي لم يختفي .. قالت بتأوه و هي تنظُر نحو جِنان : الوجع مو راضي يروح .. يصير تعطيني حبة ثانية ؟
جنان : لا .. مايصير ازيد لك الجرعة بدون اذن الطبيبة .. لازم تاخذين دواك بدون زيادة او نقص .. و اصبري شوي توك ماخذة الدوا .. اكيد يحتاج وقت لحتى يبان مفعوله .
أبعدت العربة عنها بنُفور و هي تلفظ من بين اسنانها بألم : ما اقدر اكمل اكلي .. احس بستفرغ كِذا ..
جلست جِنان بجوارها : الدكتورة شوي و بتِجي .. خليك صبورة .. و الدواء لازم تاكلين ليبان مفعوله و تتحسنين .
وضعت جِنان كفيها على كتفي هالة مُحاولةً تهدِئها : خذي نفس عميـق من انفك .. تنفسي بعـمق هالـة ..
بدأت هالة بالإنصياع لِم تُملي عليها الممرضة .. تملأ رئتيها بالهواء ثُم تزفُره من أنفها باضطراب .. و تُكرر فِعلتها و أطرافها ترتعش .. بينما تربت جِنان على ظهرها بلُطف و تردد : قولي بسم الله الرحمن الرحيم .. و اللهم صل على محمد ..اللهم صل على محمد و آله و صحبه و سلم
بدأت هالة بترديد تلك الجُمل الروحانية .. تستمع لِجنان و هي تُلقنها آيات من سورة الكوثر و الفلق و الناس .. و تُردد وراءها ببُطء .. شيئاً فشيئاً بدأت تشعُر بالاسترخاء .. و بأن أعصابها بدأت تهدأ .. اسندت ظهرها على السرير .. و تنهدت بضعف ... جنان : ارتحتي شوي ؟
اومأت بالإيجاب .. فقالت جنان : يلا كملي اكلك الحين .
ابتلعت هالة ريقها و هي تنظر الى الطعام بعدم رغبة ..تشعر بان شهيتها مسدودة .. و انها فقدت الرغبة في كُل شيء .. و كيف لا تكون ؟
جنان و هي تنهض و تضع جِهاز صغير بالقُرب من هالة : انا بروح اشوف الدكتورة ليه تأخرت .. و انتِ كملي أكلك .. و هذا الجهاز اذا احتجتي اي شي اضغطي على الزر الأحمر و انا او غيري على طول بنكون عندك .
ابتسمت و انصرفت عنها بلباقة .. بينما بقيت هالة تنظُر نحو طعامها بعدم رغبة و شبع .

خرجت جِنان من الغُرفة و هي تشعُر بأعين تُراقبُها .. مشت بهدوء تُكمل عملها ، لقد انتقلت اليوم للعمل في قسم آخر غير قسمها المعتاد .. بسبب تغيب الدكتور منصور المُفاجئ لذلك نقلها الطبيب المناوب لقسم آخر و لفترة مُؤقتة .. اكملت خُطواتها و هي تشعر بخُطوات سريعة تقترب منها ..لم تلتفت و بقيت تنظُر امامها و تكمل مسيرها .. سمِعت صوت رجولي يهتف باسمها : جِنان ..لحظة شوي .
توقفت بدون ان تلتفت .. و قد ازعجها بأن يُناديها باسمها هكذا .. ثُم من أين يعرفُها اصلاً لكي يُناديها باسمها ؟ .. لم ترتبط معه بعلاقة عمل مُسبقاً .. و لم تكن يوماً في قسمه حتى .. اعتصرت قبضتها بقهر .. حتماً من تلك المُتملقة منيرة التي حشرتها معه في لُعبة غبية ظناً منها بأن الجميع مثلُها .. رفعت رأسها و هي تنظر اليه يتقدم نحوها بكُل ثِقة ليقف أمامها .. الدكتور جهاد بابتسامة : كيف شغلك اليوم في قسم التنويم و مع الدكتورة نادية ؟ اذا تحبي انا اقدر اكلم المسؤول و ينقلك لهالقسم بشكل دائم .
جِنان ببرود و بنظرات جامدة بلا اي تعبير : مافيه داعي .
اتسعت ابتسامته : او اذا تحبين تنقلين لأي قسم ثاني انا في الخِدمة .. قسم العمليات او قِسم العِظام او مثلاً قسم الأطفال و الوِلادة عشان تكونين معي ..
اتسعت عينيها من جُرأته في الحديث معها .. ماذا يقصد بـ جُملته الأخيرة ؟ و من يظُن نفسه ؟ و هل يعتقد بأنها ستقبل لعرضٍ مُثير للشبهة مثل هذا ؟ ..شعرت بـرغبة في شتمه و ان لِسانها يُريد ان ينطلق بأنواع مُختلفة من الشتائم .. و لكنها تمالكت اعصابها فهذا ليس المكان المُناسب لتفعلها .. قالت باحترام : لا.. و لو سمحت دكتور ممكن تبعد عن طريقي .. عندي شغل .
ابتعد من امامها بعدم فِهم لتصرُفها و مشت هي بدون ان تلتفت له .. راقبها و هي تبتعد و هو يُحاول ان يستوعب تصُرفها .. لقد كان عرضه لها مُغرٍ جداً .. و لكنها لا تبدو مُعجبة به كما قالت منيرة ..ابتسم و قد رجَّح سبب ذلك بأنها قد تكون من النوع الثقيل و الذي يتدلل كثيراً .. ابتعد و هو يبتسم تبدو لُعبة مُسليَّة جِداً بالنسبة إليه .


*

يستنشق بِدايات النهار .. يستشعر هدوء ساعاته الاولى .. ينظُر نحو انعكاس اشعة الشمس على مِياه الخليج .. بينما يُرخي رأسه على مقعد سيارته .. مُثبتاً هاتفه الخلوي بسبابته على أذنه .. لم تُجب على مُكالمته .. لذلك و بكُل انانية طلب رقمها مرةً أخرى .. يعلم جيداً بأنها ستكون نائمة في مثل هذا الوقت من الصباح .. و انه باتصاله لها الآن يُزعجها و يقطع عليها نومها .. او رُبما يُقلقها لأنها لم تعتاد اتصاله عليها في مثل هذا الوقت .. و لكنه يعترف بأنه شخص اناني و مُزعج و يفتقد للذوق العام ..خصوصاً مع الأشخاص الذين يُحبهم .. و هي تحتل الأسم الأول في قائمة الأشخاص المُهمين في حياته .. بل و تتربع في قلبه بحُب فِطري أزلي قديم .. ابتهجت اساريره و هو يسمع صوتها الذي يتسرب عبر هاتفه .. كان صوتها ناعساً و كأنها تتحدث و هي لا زالت نائمة : وليـد !! خـير وش عندك متصل هالحزة ؟ فيك شي ؟
ابتسم و هو يقول : يعني ضروري يكون فيني شي عشان اتصل و اسمع صوتك .. يُمه .
قالت و هي تتثاءب : الله يستر .. دامك قلت يُمه اكيد وراك بلا .. اخلص وش عندك ؟
انبعثت منه ضِحكة بائسة .. اراد ان يُؤكد كلامها بـقول " وراي بلاوي يا يُمه ما هو بلا واحد " و لكنه رد عليها و هو يضحك : افـا يا فطيم .. يعني انا ما اتصل الا اذا وراي بلا و الا ابي منك شي ؟ بصراحة جرحتي مشاعري
قالت بقلق : اكـيد ما وراك شي ؟ .. صوتك متغير ..شوف وليد اذا فيه شي قول لي من الحين .. احسن من ما اسمع من الناس بعد فتـرة .. مو انت اخبارك اسمعها من الناس مو منك .
وليد : لا تحاتي مافيني الا الخير .. بس مشتاق لصوتك و قلت أصبح عليه .. صباح الحِنيَّة يا ست الحبايب .
صمتت لتستوعب انه اقلقها بلا داعٍ .. و انه بمُكالمته تلك لم يقصُد إلا التسلية .. رفعت صوتها بغيظ : مالت عليك و على اللي يرد عليك و يحاتيك .. مزعزني من نومي و مخرعني عبالي فيك شي .. و آخرتها يطلع ما عندك سالفة .
ضحك بقوُة : ههههههههه أعصابك يا الغالية .. وش فيها اخلاقك قافلة من الصبح ؟ بدل ما تقولين لي .. صباح الورد و صباح الحُب و الشوق و الـ
قاطعته : بسك مغازل مو رايقة لك ... و يلا اذلف بكمل نومي .
وليد برواق : ما تشبعين نوم فطومي ؟ على قولتك سهر في الليل و نوم في النهار لا صلاة و لا ديانة .
فاطمة بسخرية : يعني انت اللي مو سهران ؟ اقص ايدي ان ماكنت سهران من امس و للحين ما نمت .
وليد : اي و الله يُمه .. صار لي مواصل اكثر من اربع و عشرين ساعة .. و بكملها بعد .. مشوار الطريق و انا عندك يُمه .. اربع او خمس ساعات بالكثير و بكحل عيوني بشوفتك .
فاطمة : عن الهبل و روح نام .. لا تمسك خط للكويت و انت مو نايم .. مو ناقصة يصير فيك شي بعد .
وليد : و الله الشوق واصل حده يُمه .
فاطمة : عيارتك يا الچذاب !! من متى و انا اقولك تعال و تعال و انت مطنش .. كل مرة تقول لي "اليوم بجي فطومي " و بعدها ما اشوف الا الطل .
وليد بضحكة : اليوم اكيد جايك فطومي ..خلاص شوقي مل مني يا بعدهم كلهم .
فاطمة : بياع حكي ما منك رجا .. المهم لا تنسى تجيب معاك مروة حق تونسني .. معروف انت بتقعد معي يومين و بعدها بصير البيت عندك مثل الفندق .. بتروح تصيع مع الخبول ربعك كالعادة .
وليد : كله طايح من عينك .. افا بس وانا اللي بموت من شوقي و انتـ
قاطعته بنفاذ صبر : بسك چذب و يلا اذلف .. نشفت ريقي و طيرت النوم مني .
اغلقت الخط في وجهه .. و ابتسم هو برحابة صدر ...سيذهب للقصر الآن .. يرتاح قليلاً ثُم يصحب مروة معه الى الكويت .. حيث والدتُه .. أراد ان يُعيد هاتفه الى جيبه و لكنه اهتز مُعلناً عن تلقّي رسالة جديدة .. فتحها باشمئزاز بعد ان قرأ اسم صاحبتها " خيـال " ..
" قُصة شاب ينتقم من صديقه بالطريقة ذاتها .. بعد ان اكتشف خيانته مع حبيبته .. يعُود مجدداً ليقضي ليلة حمراء مع مخطوبة ذلك الصديق الغدار .. لـيُشفي غليله منه .. و يُثبت له وفاء الأصدقاء و لكن هل ينتهي الحُب ؟ تنفع قِصة مسلسل مكسيكي صح ؟ ههههههههه اتوقع ينجح نجاح باهر خصوصاً بأداءك الممتاز في المسرحية .. عشرة على عشرة يا وليد "
رمى بهاتفه جانباً و هو يهمس بقهر " حقـيرة " .. صمت يُفكر بهدوء أعصاب .. لن تفعل تلك الشيطانة شيئاً و ليس عليه ان يخاف منها .. لو كانت ستفضح وجهه لسُلطان .. لكانت فعلتها قبلاً .. و يضمن أنها لن تفعلها الآن ليس و هو يملك الكثير ضدها .. هي فقط تُهدد مثل ما هددها هو قبلاً .. و تستعمل ذات اسلوب السخرية الذي استعمله معها .. و لكنها لن تُنفذ تهديدها بلا اي سبب مُقنع .. حتماً لن تفعل فهي تخاف منه ايضاً ان يفضحها باسرارها التي اكتشفها عنها من ترويج المُخدرات و اسمها الحقيقي الكامل و معلومات تُثبت هويتها و تُثبت الاشخاص المشبوهين الذين تتعامل معهم .. و ذلك الفُندق المشبوه " فُندق شجرة السرو " الذي تتُاجر مع مُديره في تلك الأعمال الحقيرة المشبوهة ..
ادار مِفتاح سيارته و انطلق بها براحة بال .. مثل ما تملك هي شيء ضده هو يملك الكثير ضدها ايضاً .. لن تُنفذ تهديدها بدون داعٍ .. و ليس هو من يخضع لتهديدات امرأة مثلُها .. سيقضي باقي اجازة الصيف في الكويت .. ليُشبع شوقه من والدته و يُصفي ذهنه .. ثُم يعود الى تلك الشيطانة .. ليتفرغ لها بذهنٍ صافٍ و رواق .. ان كانت هي خبيثة فهـو أخبث .. ان كانت لعينة فسيكون هو ألعن منها .. ان كانت تملك اساليب حقيرة .. فهو أيضاً ليس سهلاً .. و سيقلب اساليبها الحقيرة عليها .. هو من سيقلب الطاولة عليها في النهاية .. لن يرأف بها و سيجعلها تدفع الثمن .. ليس هو من يخضع لتهديدات امرأة عجوز مُتصابية مثلُها .



" بابا انا اذا كبرت ابي أصير مثلك "
نفض سامي غُبار تلك الجُملة من ارشيف ذكرياته القديمة .. لقد كان وليد طفلاً وديعاً تنبع البراءة من عينيه و هو يتفوه بتلك الجملة له .. يحتضنه سامي و يرفعه بين ذراعيه قائلاً " لا يا بابا .. انا ابيك تصير احسن مني "
لقد كان والده مثله الأعلى .. يُقلده في كُل شيء .. و بريق الإعجاب يسطع من عينيه .. و لكن ذلك البريق اصبح يحمل معنىً آخر مُختلف الآن .. و يبرُق من عينين تحملان نظرات حادة مُستصغرة .. عندما ينظر سامي الي عيني ابنه الآن .. يرى انعكاسه القديم فيهما .. لقد تحققت أُمنية وليد البريئة .. و أصبح يُشبه والده كما تمنى .. و لكن تلك الأمنية لم تتحقق بالمعنى الذي قصده وليد حينها .. لقد حمل صورة والده السابقة المُشوهة .. لقد أدرك وليد ان والده في السابق ليس كما هو عليه الآن لقد ادرك ذلك عبر ذكريات قديمة مُخزنة في عقله الباطن .. ايقظتها فيه والدته و شوهت صورة والده المثالية في عقله .. لقد اهتزت صورة سامي في عينيه الى ان جعلتها تسقط .

زفر سامي أنفاسه الثقيلة المكبوته في صدره بضيق ، زفرها و هو يُقنع نفسه بأن وليد ليس سيئاً كما كان هو .. لقد حمل بعض مساوئه لا كُلَّها .. هو فقط طائش قليلاً و مُتهور بعض الشيء .. يتواقح و يُقلل من احترامه .. و لكنه يفعل ذلك بعفوية و لا يقصد الإساءة ..هو فقط عفوي صريح و الكلام الذي في قلبه ينطلق بسُرعة على لسانه ..و طيشه و تهوره سيختفيان مع الأيَّام ..

دخل الى غُرفته و اغلق الباب خلفه بهدوء .. ينظر من طرف عينه نحو السرير ..تُخفي رأسها تحت اللحاف .. تُمثل النوم و لكنها حتماً ليست نائمة .. فأنفاسُها المُتسارعة تفضحها بل من الواضح انها تنتفض و ترتجف ايضاً ..و لكن لِمَ ؟ هل هي خائفة منه و لازال تأثير كلماته الغاضبة تُؤثر عليها ؟ تستحق ذلك .. نعم تستحق !! فقد تجرأت و نعتت مروة أمامه بذلك اللفظ البذيء ... لقد قالت بكُل أريحية " الشاذة " .. و تلك الكلمة لا تنطبق على ابنته التي كفل تربيتها مُنذ ان كانت رضيعة ..هي اطهر و انقى من تلك الكلمة .. هو واثق بأن تلك الكلمة لا تُعبر عن ابنته .. هي فقط تُهمل شكلها لا اكثر .. تُهمل شكلها لأنها عاشت معه و مع وليد و مع غياب العنصر الانثوي في حياتها .. فوالدتها لم تتخلى عنها و حسب .. بل انها تجرحُها بكلماتها و تقول لها كلاماً لا يُقال .. مروة تُهمل شكلها فقط .. و تفعل ذلك عناداً في والدتها كردة فعل عكسية لأنها تخلت عنها .. ابعد ناظريه عن ياسمين و تجاهلها و ابتعد عنها قاصداً الشُرفة .. يستنشق نسيم الصباح و تسطع الشمس على ذكرياته القديمة المُخزنة في عقله .


ذكرى قديمة تركت أثراً لم يزول
قبل ثمانِ سنوات

دخل سامي الى صالة القصر الواسعة ، يحتضن كف مروة الباردة في كفه .. ينظر الى ملامحها الشاحبة المُتعبة بتعاطف أبوي ..يبتسم لها بحنان و لكنها لا تُبادله الإبتسام ... تقف امامه كـوردة ذابلة و التعب بادٍ على ملامحها الباهتة .. اعتصر قلبه شعور حاقد يحمل لوماً و كُرهاً لوالدتها المُهملة التي لا تُفكر إلا بالمال ..و تضع مروة في مُنتصف مشاكلها معه .. تُفرغ حقدها الذي تحمله ضده على ابنتها التي لا ذنب لها .. لقد تحطمت نفسية مروة بسببها .. و اصبحت تزور العيادة النفسية كُل اسبوع بسببها .. او رُبما هذا ما كان يعتقده سامي .

اقترب منها ليضُمها الى صدره و يُقبل جبينها بحنان .. لاحظ الُحمرة التي اكتسحت وجنتيها و انعقاد حاجبيها بشكل يدُل على النُفور .. حاولت التحرر منه و لكنه قاومها بعدم اقتناع لهذا النُفور الّا مُبرر له .. قالت مروة بصوت مخنوق : يُبه لا تحضني كِذا ما احب .. خلاص انا كبرت .
ارخى ذراعيه عنها فابتعدت عنه و هي تُشيح بوجهها المُحمَّر جانباً .. حاول ان يتفهمها و يُبرر سبب نُفورها منه .. رجّح سبب ذلك بأنها قد تكون مُحرجة منه .. و لأنها بدأت بالإنتقال من مرحلة الطفولة الى مرحلة المُراهقة فأصبحت تخجل منه .. لم يرُق له حالها و لكنه مع ذلك يتفهمّه .. فهو يشعر بحرجها منه و بالذات في هذا اليوم .. فقد عاد معها للتو من المشفى .. حيث اخذها الى العيادة النسائية بعد ان اكتشف بأن ابنته جاهلة عن تفاصيل مُهمة تخُصها .. و ان اهمال والدتها لها تعدَّى الا معقول .. فهي لم تُكلف نفسها تعليم ابنتها في ما يخُص الدورة الشهرية .. لم تُعلمها كيف تعتني بنفسها في هذه الفترة .. و كيف تُخفف من حِدة الآم التي تصحب الحيض .. لم تُعلمها شيئاً !!!
لقد كانت مروة تتلوى ألماً في هذا الصباح .. تستلقي على السرير مُحرجة من ان تطلب من والدها مُستلزمات ضرورية تحتاجها و تفتقدُها اذ انَّ هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها للحيض .. لقد شَّك سامي في وضعها ..و فهِم في الأخير مُشكلتها بعد ان اصَّر عليها بأن تُخبره .. لقد كان مُحرجاً أكثر منها .. أخذ يلعن خلود في خاطره و يلعن إهمالها .. و قد اضطر بأن يشرح لمروة تلك الأمور الحساسة .. ثم اخذها الى الطبيبة النسائية لكي تُعالج آلامها و تشرح لها باقي ما شرحه لها .. اذ انه لم يستطع ان يشرح لها كُل شيء بسبب إحراج مروة و إحراجه هو ايضاً .
قال بهدوء و هو يُعاود الاقتراب منها : والحين كيف صُرتي يُبه ؟ تحسنتي و الا بعده فيه ألم ؟
قالت و هي تتهرب منه : بنام و بصير كويسة
صمت يُراقب عينيها التان تتحركان بتوتر واضح .. لقد اعتقد بأنَّها فقط مُحرجة منه .. و لم يُدرك بأن ذلك لم يكُن حرجاً و حسب ! فنفور مروة منه له اسباب كثيرة لا تخطر على باله .
امسكها من ذراعها بلُطف ... التفتت لُه بارتباك .. قابل ارتباكها بالرفض .. لا يُريد ان يتحكم بها خجلُها و تنُفر منه .. هو والدُها و لا مانع لو احتضنها او قبَّلها .. ، ضمّها إليه برفق و لين قائلاً : تكبرين على الناس كلها بس ما تكبرين عليْ أنـا .
صمتت للحظات ثُم قالت بتذمر : يُبه لا تعاند .. قلت لك ما احب تحضني ...و لا حتى تبوسني .. ما ابي
سامي و هو يضحك : مو شغلك .. بنتي و انا حُر فيها .
أبعدها عنه لُيُقبل وجنتها بعِناد لها قاصداً ممُازحتها .. لكنها أطرقت برأسها الى الأسفل و ملامحُها تنقبض بعدم إرتياح .. رن هاتف سامي في جيبه ليقطع عليه تأمل ملامح مروة الباهتة .. اخرجه من جيبه لينظُر الى شاشته و يتأفف بضجر إذ ان المُكالمة من مدرسة وليد .. و لا شك بأنّه قد تسبب في مُشكلة جديدة : هذا اخوك الزفت .. اكيد وراه بلا .. ما يتوب عن المشاكل !!!
لم تُعلق مروة و بقيت تُبعد عينيها عنه ببهوت .. قال سامي و هو يربت على كتفها : اركبي غرفتك عشان ترتاحين و أنا شوي و لاحقك ..لا تنامي انتظريني ابي اتكلم معك شوي .
اومأت لهُ بالإيجاب ثُم استدارت عنه مُتجهةً الى غُرفتها ، نظر سامي الى هاتفه بتردد .. هل يُجيب ام يتجاهل .. فوليد لا يُسبب له إلا الإحراج .. تساءل عن نوع المُشكلة التي سببها هذه المرة .. هل اعتدى بالضرب على احد زملائه كما يفعل دائماً .. أم انّه أهان احد المُدرسين و تواقح معه .. أم انه خرّب إحدى ممتلكات المدرسة .. أم تراه فعل جميع ما سبق دُفعةً واحدة ؟
ردَّ على المُكالمة بعد تردد شديد : الو مرحبا
الطرف الآخر : مرحبا يا ابو وليد .. طالبينك في المدرسة ضروري
سامي : ما اقدر اجي .. ما عندي وقت
الطرف الآخر : اسمح لي يا ابو وليد بس بدون تواجدك نعتذر ندخل ولدك المدرسة .. الوضع زاد عن حده و نبي منك توقع تعهد
تنهد سامي بنفاذ صبر ثم قال بتحدي : ايه ماهي مشكلة لا تدخله .
اغلق الخط في وجهه .. مُتجاهلاً كلام المسؤول .. ليتجرد من مسؤوليته اتجاه وليد بحُجة انَّه ملَّ و سأم و لم يعُد يحتمل أكثر .. و لأنه مُحرج من مُواجهة سُمعة وليد السيئة في المدرسة .. هو يتعمد افتعال المشاكل و لا حل يُجدي معه .. و ليتحمل نتيجة اخطاءه وحده ..و رُبما حُرمانه من دخول المدرسة عُقوبة مُناسبة له .
صعد الى الأعلى حيث غُرفة مروة .. دخلها بعد ان طرق الباب .. كانت مروة تُسند ظهرها على وجه السرير و تُمدد ساقيها تحت اللحاف .. تحمل وجنتيها بكفيَّها و تُحدق في الفراغ بشُرود .. اقترب منها ليجلس مُقابلاً لها و هو يُدندن بأغنية : هيله يا رُمانة و الحلوة زعلانة .. منهو اللي يراضيها ؟
قالت و هي لازالت عابسة : ماني زعلانة .
قال بهدوء : الدكتورة النفسية تقول انك ما تقولين لها كل شي .. و ما تفضفضين لها بكل شي .. تقول ان فيه كلام كثير مكبوت داخلك .
رفعت ناظريها اليه ثُم شتت نظراتها عنه بتوتر .. نعم هي تُخفي شيئاً .. تُخفي تلك البُقعة السوداء التي شوهت طُفولتها .. و ها هي الآن تُشوه مُراهقتها ايضاً .. تشعر بالخزي و العار يسحقانها .. تشعر بالخجل من والدها الذي تُحبه .. و تهديدات انس الحقير تُلاحقها .. و بعد كلامه الأخير لها و بعد ان فهمت منه انَّها لم تعد عذراء .. اصبحت تنظر لنفسها بنظرة دونية .. قالت بحِدَّة و هي ترفع رأسها بثِقة كاذِبة : و الدكتورة النفسية وش عرَّفها ؟؟ لا يكون ساحرة و انا مدري !!
سامي بمُراوغة : مروة اذا فيه اي شي يضايقك .. مهما كان هالشي صعب في نظرك ..فكوني واثقة ان انا بوقف معك و بساعدك فيه .. لا تترددي و لا تخجلي مني .
صمتت لفترة ثُم فتحت شفتيها و اغلقتهُما سريعاً .. كانت على وشك ان تنجرف له و تُخبره عن كُل شيء .. و لكنها تراجعت عن ذلك .. لا ينبغي لهُ ان يعرف .. و ليس بمقدورها ان تُخبره و هي تنظر في عينيه .. هُناك حل آخر لمُشكلتها .. حل آخر فكرت به مُنذ مُدة و ستتجرأ للقيام به قريباً لترتاح و تُريحه هو أيضاً .
امسك سامي كفها الصغيرة و شَدَّ عليها و قد لاحظ ارتباكها و توترها : ها يُبه .. فيه شي ودك تقولين لي اياه ؟
مروة بسرعة : لا .. انا من البداية قلت لك ان مافيه شي أخبيه عنك .
اومأ لها بالإيجاب بتفهم .. فصمتت و اطرقت برأسها للأسفل تتحاشى النظر الى عينيه .. سحبت كفها من قبضته .. و كان سامي يُدقق النظر في ملامحها الباهتة و شكلها المُهمل .. رُبما لا يكون ذلك حُزناً .. رُبما فقط تعب و ارهاق .. رُبما حقَّاً لا تخبئ صغيرته عنه شيئاً .. و هي فقط مُحرجة بسبب ما حدث هذا الصباح لا أكثر .. و لكن حاجز الخجل الذي يحُول بينهما يُضايقه .. كونه هو رجُل و هي فتاة صغيرة .. و هو ايضاً مُحرج مثلها و يخجل أحياناً من التحدث معها في امور تخُصها ..و لكن مروة تحتاج بأن يُحدثها أحد عن شكلها المُهمل .. لم يرها قط ترتدي ثوباً او تنورة ما عدا مريول المدرسة الرسمي .. بل ان ملابسها تُشبه ملابس وليد !! شعرُها دائماً قصير و لا يتجاوز رقبتها . .. في السابق كان يُبرر لهـا لأنها كانـت طِفلة و لكن تلك الطفلة بدأت تكبُر الآن و إهمال شكلها بهذه الطريقة أمر مُزعج .... هو لا يُريد ان يتدخل في هذه الأمور الانثوية البحتة و لكنه مُضطر بأن يتجاوز حاجز الخجل الذي بينهما .. فوالدتها بدلاً من ان تنصحها برفق و لين تقوم بجرحها بكلماتها و تقسو عليها .. نظر اليها و هي تتأفف و تقول : يُبه أبغى أنام !!!
قال بهدوء : لحظة شوي انا جايب لك معي هدية .. ان شاء الله تعجبك عاد .
خرج من الغُرفة و هو يُقنع نفسه بأن لا حرج لو دخَّل نفسه في خُصوصيات الفتيات .. فليفعل ذلك لأجل مروة .. و لا حرج و يجب عليه ان يتجاوز ذلك الحاجز .. فمروة تحتاج بأن ينصحها احد بخصوص شكلها .. رجع اليها و هو يحمل في يده كيساً .. وقف امامها و هي تُحدق اليه بعدم فِهم .. أخرج من الكيس ثوباً أرجواني اللون .. قال بابتسامة : شفته صدفة .. و تذكرتك على طول .. ابي اشوفه عليك .
عقدت حاجبيها باستنكار و عدم رِضا و قالت : يُبه انت لا تدخل نفسك في امور البنات .. لأنك ما تفهم فيها
سامي : طيب انتِ فهميني
قالت بنفور : لا تضغط علي مثلها !!!
جلس بجُوارها و قد فهم بأنها تعني والدتها .. فوالدتها دائماً تضغط عليها و تقسو .. و لا تعرف كيف تتعامل مع عِناد مروة فيزداد !! قال بهدوء : ما أضغط عليك .. بس أنا احب اشوفك و انتِ في احسن صورة .
صمتت تُحدق إليه بارتباك و نُفـور ... و الأفكار السلبية تُسيطر عليها .. فهي فتاة مُراهقة في عُمر حساس و تعرضت لضغوطات نفسية تفوق عُمرها .. اخذت تُفكر بأن والدها ايضاً يشمئز منها كما تشمئز منها والدتها .. فهي في الحقيقة ليست ابنته بل ابنة اخيه اليتيمة .. و أخذها لدافع الشفقة لا غير .. قد يكون يشمئز منها هو ايضاً و يُحرج منها و عالة و ثقل كبير عليه .. قالت بـخيبة : انـا آسفة يُبه .. سامحني .. انا ما اسبب لك الا المشاكل و اضايقك و ما انت مضطر تتحملني لأني ماني بنتك ..بس انا ما عندي مكان اروح له غيرك .. امي تكرهني و عمي عادل ما يبيني اعيش معاهم .. انـا أسفة سامحـ
قاطعها بغضب و ذهول من كلامها : مروة !! عيب هالكلام !!
صمتت و صمت هو ايضاً .. يرمقها بنظرات مؤنبة مُوبخة .. و هو في حالة من الإستنكار ..منذ متى و هي تُفكر بهذه الطريقة السوداوية ؟ .. و كيف تُشكك في حبه الأبوي لها و تُفسر اهتمامه لها بشكل آخر .. قال مؤنباً : ما ابي اسمع هالكلام الغبي منك مرة ثانية .. انا ابوك و انتِ بنتي و غصباً عليك .. انا حتى احق من بدر في ان اكون ابوك .. هو بس عطاك اسمه بينما انا حبيتك من كل قلبي و اهتميت فيك من اول ما انولدتي .. يقولون العم اب ثاني ..بس في مثل وضعنا انا اعتبر نفسي ابوك الاول مو الثاني !!
توقف و هو يُحاول من ان يُخفف من حِدة نبرته .. و يُلين من اسلوبه معها لكي يحتويها .. تابع كلامه و هو ينظر في عينيها المُكتئبتين : و امك ما تكرهك ..هي بس تعصب عليك بس اكيد ما تكرهك
قالت و هي تُكور اللحاف في يدها و تضغط عليه بحنق : يُمكن صحيح ما تكرهني و تحبني .. بس ما تحبني كثر ما تحب الريم .
تنهد بنفاذ صبر .. قال مُلاطفاً و هو يقرُص ارنبة انفها : انـا بعد احبك اكثر من وليدوه المشكلجي اللي ما يجيب لي الا الهم .
نظرت اليه ببهوت فقال و هو يبتسم ابتسامة دافئة : ايه احبك اكثر منه .. بس مو تقولين له .
ابتسمت .. و هذه المرة كانت ابتسماتُها حقيقية .. تشعر بحُبه لها يغمُرها و هي ايضاً لم تُحب احداً بقدره قط .. هو الحياة بالنسبة إليها .. تشعر بصدق احاسيسه اتجاهها و هي بدورها ستُصدق كلامه و تثق به ..كما اعتادت .. فهو مُختلف عن الجميع ..
بادلها سامي الإبتسام و قال بهدوء : اتركك ترتاحين الحين .. و لا تنسين لما تصحين تاخذين الادوية .
قبَّل جبينها و قام عنها ليتجه الى الخارج .. توقف و قد تذكر شيئاً .. التفت لها و هو يقول : و شوفي الفستان اذا كان مقاسك او لا .
ابتسم لها و انصرف .. و تركها تائهة وسط تزاحم أفكارها السلبية في عقلها .. و اليأس يفرض سيطرته عليها .. تشعر بالخزي و العار بعد ما ادركت حقيقة ما فعله بها انس .. و كلامُه الاخير يتردد في مسمعها دائماً .. هل حقاً ان مصيرها ارتبط بأنس الحقير الى الأبد ؟ هل ستتزوجه في نهاية المطاف ؟ .. الخزي و العار يأكلانها و هي تتذكر والدها و طيبته .. هو لا يستحق منها هذا الخزي و العار .. فعلى حسب كلام انس و تهديداته لها فهي لم تعُد عذراء و انه الحق بها وصمة عار لا تختفي و لا تزول .. رجعت السودواية تُسيطر عليها من جديد .. امها تكرهها و عمُها سامي لا يستحق إبنة مثُلها و هي تتعبه كثيراً بمشاكلها .. هي مُقززة و قبيحة كما تقول والدتها .. و انس الحقير يضغط عليها و يُهددها .. يستغل ضعفها الذي تكرهه .. يُشعرها بذلها و هوانها ..لتنظر بنظرة دونية الى نفسها .. هي تكره نفسها و تكره حياتها فلِمَ تعيش ؟
قامت من السرير و قد قررت ان تمضي و تُقدم على قرارها الذي اتخذته منذ فترة .. فالينتهي هذا البؤس و لتنتهي هذه الحياة الكئيبة .. و لترتاح هي من انس المُقرف و مُستقبلها الذي ارتبط به و لترتاح امها منها .. سيحزن والدُها في البداية و لكُنه سيرتاح هو الآخر ايضاً منها ومن سرها المُخزي الذي تُخفيه عنه .. أخرجت ذلك المشرط الذي احتفظت به منذ مدة من الدُرج ..
نظرت إليه بتردد و يديها ترتجفان .. قاومت ارتجافها و مضت قِدماً بجُرأة يائسة .. دخلت الى الحمام و اقفلت الباب عليها .. و بسُرعة فائقة و كأنها تخشى التراجع .. قطعت شرايين معصميها .. سقطت على الأرض تُراقب نزف دمائها الى ان فقدت وعيها .. كادت تُفارق الحياة .. لولا لُطف قدرها بها لانتهت .. رُبما كانت خيرة من القدر .. رُبما كانت خيرة من القدر بأن يُطرد وليد من المدرسة في ذلك اليوم ليرجع الى بيته مُبكراً .. يُرسله القدر إليها فيلحق على حياتها قبل ان تفقدها في لحظة انهيار .

انزل عينيه يتفادى اشعة الشمس التي ازداد سطوعها .. و مع ارتفاع الشمس أكثر في السماء تحول دفئُها المُتداخل مع نسيم الصباح الى حرارة حارِقة .. هي الحياة تتقلب مثل تقلب أجوائها من ربيعيها الى خريفها ، شتائها القارص و حرارة صيفها .. و اشعة الشمس التي يتقلب دفؤها الى ان ينطفئ و يغيب .. وكذلك كانت ذكرياتُه .. تتقلب صفحاتُها بين الحُلو و المُر .. بين الصدمات المُتتالية و الراحة التي تأتي بعد استيعابها و احتوائها .. بين ماضيه الحقير و ما تلاه من حياة مِثالية شريفة .. و تنطوي تلك الذكريات الى ان تنتهي .. تنتهي و لكنها تترك اثراً لا يزول .. لقد ذاق المُر في تحمُل مسؤولية طفلين وحده .. كان يقف عاجزاً امام طيش وليد و سلبيَّة مروة .. لقد كاد ان يصل الى مرحلة من الجنون المُطلق عندما حاولت مروة الانتحار و عندما هرب وليد المُراهق من البيت و لم يعُد ... كانت تلك اصعب مرحلتين مر بهما .. خصوصاً مروة و قد كانت على شفا حُفرةٍ من الموت .. لم يُهمه كلامُ الناس حينها .. لم يُلقي لهُ بالاً و لم يلتفت لكلامهم حين قالوا بأن ابنة اخيه حاولت الانتحار و هي في منزله .. و كلام والدتُها العاتب نحوه عندما اتهمها بأنها السبب في جعل ابنتها تُقدم على الانتحار .. لترُد عليه بكُل بجاحة .. " انـا السبب و الا انت !!! ليه هي عايشة معي و الا معك ؟؟ انت اللي الله اعلم وش مسوي فيها عشان تفكر تنتحر "
كان كُل ما يُفكر به وقتها هو سلامة ابنته و ان لا يفقدها مثل ما فقد اخيه قبلها .. ان لا يفقدها و هو يشعر بالذنب مثل ما حصل سابقاً مع اخيه .. و ذلك المجنون الآخر وليد عندما أنبه على وقاحته بصفعه على وجهه .. بغضب لم يستطع كتمه لينفجر على ابنه بصفعة قويَّة على وجهه .. فيخرُج وليد من المنزل قاصداً التمرد و الهرب و لا يترك خلفه أثراً ... زفر بضيق و الذكريات تتقلب في عقله بسُرعة .. تتقلب و تتقلب الى ان يُغلق ذلك الدفتر .. لقد انتهت تلك الأيام بصعُوبة .. لقد كانت كالكابوس و عذاب مُقيت لم ينتهي الا و قد أخذ جُزءً من قوَّته و عمره و روحه .. ثُم تأتي زوجته الطفلة و تُهين تربيته لابنته بَِكلمة ..بالطبع لن يقبل .. و بالطبع سيغضب .. بل و يغسلُها غضباً و استياءً ... امسك بمقبض الباب الزُجاجي ليدخل الى الغُرفة هارباً من حرارة الطقس التي لا تُحتمل .. هو دائماً ما يُبرر لأبنائه و يُصغر من اخطائهم .. فيُغير من مُصطلح وقاحة الى عفويَّة .. و مظهر مروة فقط إهمال و عِناد لا أكثر .. تهور وليد و طيشه تضاءل و خف بكثير عن السابق و سينتهي مع الايام .. دائماً يُبرر لهم اخطاءهم و يتناسى انهم لا يُعدون اطفالاً بعد الآن .. نظر بهدوء نحو تلك المتمددة تحت اللحاف تُمثل النوم خوفاً منه .. ان كان لا يزال ينُظر لمروة و وليد على انهم لا زالوا اطفالاً .. ان كانت صورتهم في عينه لم تتغير و توقفت عند الطفولة .. فياسمين ايضاً طِفلة .. فعُمرها مُقارب لهم .. ان كان يتجاوز عن تمادي وليد معه و يتجاهل انجراف مروة في الحديث معه فتُخطئ في صِياغة كلماته معه .. فيتعامل مع زلاتها بقرصة على أُذنها و هو يهتف بنبرة هازلة " قليلة أدب " .. و ثم يتناسى وقاحتها معه و يُبرر لها بأنها لا تقصد و تلك فقط كانت عفوية في الحديث ... ان كان يفعل ذلك مع مروة .. فياسمين أيضاً عندما تمادت في كلامها معه قد لا تكون تقصد الاساءة .. قد تكون تجاوزت حدودها دون قصد .. و قد نالت عقابها و كان عقاباً ذا تأثير قوي عليها بدليل انها لازالت ترجُف الى الآن .. تقدم نحوها بهدوء .. شعرت بخطواته نحوها فارتجفت أكثر .. أغمضت عينيها ثُم فتحتهُما بعد ان جاءها صوته الرجولي الأجش : ياسمين أدري مو نايمة .. قومي ما بتروحين دوامك ؟
لم تنطق بشيء و بقيت تُخفي وجهها خلف اللحاف .. شهقت بخفة و هي تشعر بانسحاب اللحاف عن وجهها لتتحرر أنفاسُها المُحتجزة تحته و تختلط مع اجواء الغُرفة البارِدة .. نظرت الى جمود ملامحه بعينين مُهتزتين مُتسعتين .. تُشتت نظراتها نحوه بخوف .. قال و هو ينظر الى ساعة معصمه : الساعة صارت عشرة و نص .. بتتأخرين كِذا على دوامك ، أعاد نظره اليها و شبح ابتسامة ظهر على شفتيه : مو تقولين انك بتبيضين وجهي .
لازالت نظراتُها الخائفة نحوه ذاتها .. و لكنها كانت تتساءل .. هل ابتسم حقاً ام انها تتوهم ؟ .. لا يبدو غاضباً .. و كأن كلامه البارحة لم يكُن .. و كأنه لم يُهدد و لم يُؤنب و لم يصرخ عليها البارحة .. و يُحدثها عن عملها و كأنه لم يُؤنبها بشأنه قالت بخُفوت : بس أنت امس قلت ...
قال بهدوء : وش قلت انا ؟
انزلت نظراتها عنه باضطراب و توجس .. شعرت به يُقيد معصمها و يقول : قومي عشان تفطرين معي .. و الا شكلك رجعتي للكسل ؟
استقرت نظراتها نحو كفه التي تُقيدها ثم ارتفعت تلك النظرات نحوه .. فغرت فاهها و هي تُحملق في ملامح وجهه المُسترخية .. ثم نهضت بجُزئها العلوي .. لتعتدل في جلستها على السرير .. انزلت رأسها لينسدل شعرها الطويل على وجهها .. قالت بخُفوت : انـا آسفة .. ما كنت اقصد الكلام اللي قلته امس ... بس حط نفسك في مكاني .. انا ما اعرف مروة زين و لا اعرف امها .. و لما جات امها ذاك اليوم لهنا و تهاوشت مع مروة و قالت لها ...
صمتت فهي لا تُريد نطق تلك الكلمة مُجدداً .. ليس بعد ما جاءها منه .. رفعت رأسها لتقول بهدوء : مع هذا انا اسفة .. المفروض كنت احتـ
قاطعها بجُمود : لا تفتحي هالموضوع قدامي .. خلاص انا نسيته .. و انا فاهم ان ردة فعلك ما جت من فراغ .. طبيعي اذا بتسمعين ام تتكلم عن بنتها بهالطريقة فبتصدقينها .. وما بجي في بالك ان هالأُم ممكن تكون حقودة و مريضة و لسانها متبري منها و ما تسمع وش قاعدة تقول .
صمتت للحظات ثُم قالت باستنكار : و ليه امها كِذا ؟
قال بهدوء و كأنه يتحاشى الخوض في هذا الحديث : مشاكل و حسابات قديمة .. لا تعكري مزاجي من الصباح بطاري خلود !!
اومأت بالإيجاب بسُرعة و اردفت : آسفة مو قصدي .
قال بتأنيب : تراك اذيتيني من الصباح بهالكلمة .. آسفة و آسفة و آسفة و .. خلاص ادري انك آسفة .
نظرت اليه و هي لازالت تفغر فاهها .. لازالت اطرافُها ترتجف .. هل هذا تأنيب ام مُزاح ؟ .. لم تعُد تُفرق بين مُزاحه و جده .. هل انتهى غَضُبه ام مازال ؟ ..
: بتكملين نومك و الا بتداومين ؟
قالت بارتباك : انت تبيني اداوم و الا لا ؟
سامي : اشتغلي صح و اكيد ما عندي مانع انك تداومين
ياسمين : اوعدك ان هالغلط ما بيتكرر .
تأملها .. لن يكذب على نفسه .. هي حقاً تبدو طِفلة بجانبه .. لن يُضائل و يتناسى فارق العُمر الكبير بينهما .. تبدو الآن و كأنها طفلة مُذنبة وُبخت للتو .. يرُق قلبُه لـها فهي عاشت طُفولة سيئة و حُرمت من والديها في عُمر صغير و تعرضت لقسوة و عُنف من اخويها ثُم وحدة و اغتراب في الدار .. سيُرق قلبه لهـا حتماً .. ان كان يرُق لمروة فسيرُق و يلين لها ايضاً .. فهو بطبيعته سريع التأثُر و لا يحتمل ان يرى عيناً تدمع و ان يشعُر بقلب بريء خائف و لا يتأثر .. قال بهدوء : ياسمين لا تخافي مني .. انا ما بضرك في شي .
صمتت و قد ارتاحت دواخلُها .. ليعود أمانها به من جديد و تتعلق عيناها بِـ عينيه تُرسل لهُ شُحنات الضعف و الإحتياج .. احتياجُها المعنوي و المادِّي له يجعلُها تتعلق .. و لأنهُ ملاذُها الوحيد و لأنها - لا تملك أحد غيرُه - ببساطة تتعلق ..
اشاح بوجهه عنها ..ليس غشيماً لكي لا يُدرك نظرتها الداخلية له .. فهي - كما ينظُر لها هو على انها طِفلة - هي ايضاً تنظُر له على انه رجُل في مقامِ والدها .. فارق العُمر ليس بسيطاً ليتخطياه بسهُولة .. قام عنها بهدوء لينصرف و هو يقول : انزلي افطري معي .. و الا بتتركيني افطر لحالي ؟
انزلت قدميها من السرير و قالت : شوي و لاحقتك .
راقبته بعينيها الى ان اختفى حِسُّه من الغُرفة .. تنهدت و هي تُفكر في معنى وجودها في حياته .. تشعر بأنها مُجرد إضافة صغيرة للأشياء التي يمتلكُها .. و انها مثل قُطعة أثاث جميلة في قصره .. او زهرة ياسمين عطِرة يحتفظ بها في غُرفته .. يسقيها لكي لا يختفي عبيرُها و تذبل ... هي فقط مُجرد اضافة بسيطة للأشياء التي يمتلكها .


على بُعد مسافة قريبة .. كان يوسف قد أوقف سيارته عند مدخل المُستشفى ..استدار لـ ليلى التي تجلس بجواره .. تُشبك اصابع يدها بيدها الأخرى و تُطرق برأسها الى الأسفل و التردد واضح عليها .. بينما فتحت نور الباب الخلفي للسيارة و هي تقول بأدب : مشكور يوسف .. ما تقصر
أجابها يوسف بلباقة : و لا يهمك يا ام سارة .. اكيد ما كنت برضى تركبون مع السايق و انـا موجود .
نور : تسلم و رحم الله والديك
ترجلت من السيارة و تبعتها الهنوف .. بينما بقت ليلى في السيارة على وضعها .. استدار لها يوسف و هو يقول : ليلى ما بتنزلين ؟ غيرتي رايك و الا ؟
رفعت رأسها و هي تنظُر اليه بعينين دامعتين : مادري .
ازاح نظارته الشمسية عن عينيه قليلاً ليرى عينيها ثُم ارجعها و اشاح بوجهه بتأفف .. دُموعها دائماً تلتصق بعينيها كغِطاء .. قال بنفاذ صبر : انزلي خلصيني .. دامك وصلتي لعند الباب خلاص انزلي .. انتِ بتجننيني و الا كيف ؟
همست : طيب ، و استدارت لتفتح الباب و تترجل من السيارة .. قال بهدوء : وقت ما تخلصون اتصلي و اعطيني خبر .. اذا كنت اقدر اجيكم و الا ارجعوا مع السايق . اومأت له بالإيجاب و ابتعدت لتُغلق الباب خلفها. تابعها بعينيه الى ان تخطت الباب الزُجاجي للمشفى و تابعت طريقها مع اختها .

ارجع سيَّارتهُ للخلف .. ليستدير خارجاً من مواقف السيارات .. أبطأ من سُرعة قِيادته و هو يرى منصور يترجل من سيارته المركونة في إحدى المواقِف .. تذكَّر طلب ليلى منه هذا الصباح .. اخذ يُفكر بأنه لن يضُره شيء لو تحدث معه .. و لا مُشكلة لو تنازل و تحدث مع هذا المغرور .. رُبما يُؤثر عليه و تُحل الأمور .. فتح النافذة التي بِجانبه و هتف بلباقة لمنصور : يا هلا بـ دكتور منصور ..
استدار منصور لمصدر الصوت خلفه .. توقف ينظُر ناحية السيارة السوداء الصغيرة .. نزع يوسف نظارته الشمسية عنه و ترجل من السيارة : كيف حالك دكتورنا ؟
بادره منصور بالابتسام .. ردَّاً لتحيته اللَبِقة و مشى اتجاهه ليُصافحه : حياك الله .. اخبارك انت عساك طيب ؟
يوسف : تـمام الحمد لله
منصور : سلامات .. عسى ما شر ؟
يوسف : الله يسلمك .. لا ابد ماشر بس موصل زوجتي تزور اختها .
صمت بجمود و ببديهية اعتقد ان هاء الغائب في " اختها " تعود لـ هالة لا نور .. لم يُكلف نفسه بالسؤال عن حالها او عن سبب تواجدها في المشفى مُجدداً .. لم تعُد تعنيه .. و لم يعُد امرها يُهمه .. بل هي في الحقيقة اصل مشكاله الاخيرة !! .. قطع شروده صوت يوسف الهادئ : إذا ما عندك مانع .. انا عازم نفسي في بيتك بُكرة .. عندي موضوع ابي اتكلم اياك فيه .
قبط جبينه بغرابه .. ثُم ارخى ملامحه و ابتسم مُجاملةً له : و لا يهمك ..بس خير وش الموضوع ؟
يوسف : بُكرة نتكلم على راحتنا افضل .. ما ابي اعطلك عن عملك الحين .. و ان شاء الله ما اكون ضيف ثقيل عليك
جاملهُ منصور بالترحيب : لا ما بينا هالأمور و يا هلا فيك .. بس اتصل لي قبل و حدد لي وقت .
يوسف : خلاص تم يا الحبيب .. و يلا فمان الله .
اومأ له منصور بابتسامة و افترقا عن بعضهما ..ليمضي كل منهما في طريقه .. اتجه منصور الى المشفى ليدخُله و هو يُفكر بغرابة في كلام يوسف .. فـعلاقته مع يوسف ليست علاقة تفاعلية او عميقه .. هي فقط علاقة رسمية مبنية على المُجاملات كونه عديلُه .. القاء السلام و رده و تبادل الأخبار بشكل رسمي و بقصد المُجاملة لا أكثـر .. دخل الى المشفى قاصِداً المصعد الكهربائي .. و في طريقه لمحها .. و بالرُغم من انها مُنقبة الا انه بالطبع يستطيع تمييزها .. و كيف لا يُميزها ؟ فهي الأنثى الإستثنائية في حياته ..حتى لو كابر على تلك الحقيقة الا انه لا يستطيع نفيها .. شغلت مكاناً في قلبه و كيانه لم يشغله فيه احدٌ قبلها .. هي الحنين المُستفز .. هي تسارع نبضات القلب .. هي الحقيقة التي يتكبَّر عليها فتَغلِبُه ..
استدار لتتمركز نظراتُه عليها .. كانت تقِف عند قسم الاستقبال تتحدث مع المُوظفة باندماج و لا يبدو بأنها شعرت به كما شعر هو بها .. هيأتُها و طريقة وُقوفها ،حقيبتُها الأرجوانية على كتفها .. صوتها الذي مر في مسمعيه سريعاً و هو يتجاوزها ،عينيها و شكلُها عموماً .. كل ذلك يُؤكد له بأنها هي و لا شك .. ليس هو من يُخطئ في معرفتها و تمييزها من بين مِئات النساء المُتشحات بالسواد .. فهو يحفظُها و و بتفاصيلها الصغيرة .. يحفظها بكُل مافيها عن ظهر قلب .. كُل شيء فيها مُخزن في الذاكرة .. تنهد و هو يُبعد عينيه عنها فهي بالطبع جاءت لأجل هالة .. لأجل ذات السبب الذي انهدمت حايتُهما لأجله .. لأجل ذات السبب الذي اهانت كِبرياءه به .. هي عصتُه مُسبقاً و كذبت عليه لتزورها و قد كانت على ذِمته وقتها .. فما الذي يمنعُها الآن من زيارتها بعد ان انحَلَّ قيدُه عنها ؟ .. مشى بُخطوات مُضطربة الى داخل المصعد .. في ضيق مُغلف بالجمود .. هل كان هو مُجرد قيد بالنسبة لها ؟ مثل دخان يُكدر عليها راحتها و عائق عن رغباتها ..او انها تراه على انه كان سجَّانُها الذي يسلب منها حُريتها ....و الآن ارتاحت منه و نفِذت منه أخيراً و بعد طول صبر ....هل هذه هي نظرتُها له ؟ و ما الذي يُثبت عكس ذلك ؟ اليس من المُفترض ان تكون نادِمة هي الآن ؟ لم تمضي إلا ثلاثة أيام على انفصاله عنها .. و على انفجار بُركان غضبه عليها .. أليس من المُفترض ان تكون نادمة ؟ ام ان ما حدث لا يعنيها و هي لا تعترف بأخطائها الواضحه التي اقترفتها بحقه ؟ .. احقاً لا تشعُر بأنها بتلك الأخطاء الفادحة جرحته ؟

*

في غُمرة راحتها .. في انسيايبية أفكارها الشيطانية التي تُسيطر على أفعالها .. تقِف امام طاوِلة عريضة تضُم الكثير من العِلب الصغيرة .. عِلب مُغلفة بغُلاف هدايا طُفولي جميل .. غِلاف ورقي أصفر برسوم كرتونية مشهورة بألوانها الفاقعة المُتعددة .. و شرائط حمراء جميلة تربط تلك الأغلِفة المرِحة على العُلب .. امسكت بعُلبة فارِغة لتملأها بِما ملأت بها سابِقها .. حُقن هيرويين و بعض من مشُتقات الأفيون على هيئة بودرة بيضاء .. مُهلوسات و مُنشطات على شكل اقراص مُنمقة في صفائح من الورق البلاستيكي .. أغلقت العُلبة لتربطها بشريطة حمراء أُخرى .. و تضعها على الطاولة بجانب العشرات من العُلب التي تُماثلها قلباً و قالباً .. ابتسمت و هي تتخيل الأرباح الطائلة التي ستجنيها عبر هذه المواد المحظورة .. فأعداد مُتعاطي المُخدرات تضاعفت في الفترة الأخيرة .. و تِجارتُها تُدر عليها ذهباً ... ابتعدت خيال و هي تقول للعامل الشرق آسيوي : البضاعة صارت جاهزة .. تقدر توصلها للعنوانين المطلوبة الحين .
ابتسمت و هي تُراقب العامل و هو ينقل تلك العُلب .. عُلب جميلة طُفولية لا يخطر على بال من يراها بأنها تحمل سموماً فتَّاكة !!

*
‎عبرت الشط على مودك وخليتك على راسي

بكل غطه أحس بالموت وبقوه أشهق أنفاسي

وسميتك أعز ناسي 

كل هذا وقلت أمرك أحلى من العسل مرك

وين تريد أروح وياك بس لا تجرح إحساسي
‎أمر وعيوني بعيونك وأنت عيونك لغيري

فضلتك على روحي وضاع وياك تقديري

قول أيش قصرت وياك وش تطلب بعد أكثر

على ذراعي تنام الليل وأقول إرتاح وأنا أسهر
‎وصلت لشاطئ أحلامك بتضحيتي وسهر ليلي

ولا مرة قلت ممنون وأنا الل منهدم حيلي
ق
ول أيش قصرت وياك وش تطلب بعد أكثر

مضى وليد يُدندن بكلمات تلك الأغنية القديمة ، يُدندن و هو يتخيل ألحانُها ، و بالرُغم من ان صوته ليس جميلاً بل هو مُزعج ايضاً الا انَّهُ و بكل ثِقة يُغني !!.. يرتقي الدرج الحلزوني بمعنويات مُحطمة ..و مزاج سيء مع مُحاولاته الفاشِلة في ترويق مزاجه و تصفية ذِهنه .. الا انَّه كُلما يتذكر تلك الشيطانة يتعكر .. و بتلقائية يشتُمها و يتوعَّد فيها .. و يُوجه لها تهديدات لا يسمعها احد غيرُه .. توقف عن الدندنة .. لتصطدم نظراتُه الجامدة بملامح مروة المُنزعجة .. تجاوزها و هو يقطب جبينه بانزعاج مُماثل لإنزعاجها ..تجاوزها و هو يقول : بريَّح لي كم ساعة و بعدها بنمشي الكويت .
صمتت تُوجه له نظرات حادَّة مُغتاظة .. بالرُغم من انزعاجها منه من تصُرفه الأخير .. إلّا انها تبقى مُتعلقة به بشكل غريب .. تتجاوز تصرُفاته الا مسؤولة و تُحاول تصحيحها .. قالت بغيظ : اسمع يا الرقيق يا الأهبل .. قبل لا نروح ابيك توصلني للمستشفى !!
وليد ببرود : ليه ؟
مروة : بزور هاذيك البنت المريضة هالة .. بعتذر لها عن سواد وجهك .. و عن الموقف الغبي اللي حطيتني فيه
صمت و اسم هالة كان كفيلاً لازدياد ضيقه .. و تعكُّر مزاجه أكثر .. اومأ لها بالإيجاب و انصرف لغُرفته .. دخل و اغلق الباب خلفه .. وقف يسترجع ملامح تلك الفتاة و جسدُها الصغير .. كانت تبدو صغيرة في السن ..أدخل يده في جيب بِنطاله .. ليُخرج تلك القيادة .. قرأ اسمها مرة أُخرى " هـالة "
صمت سامِحاً لصوت الضمير بأن يسترسل داخله .. لحظات و لحظات ...ثُم رمى بتِلك القيادة بقُوة على الأرض.. و ليخرس صوُت الضمير .. لا يُريد ان يسمع ..و من تكون تِلك المدعوَّة بـ هالة .. لو كان يعلم بأنها خطيبة سُلطان لما فعل بِها ما فعل .. ثُم ماذا عساها ان تكون ؟ .. رُبما مُدمنة مُخدرات او رُبما فتاة طائشة تتبع هواها كالفتيات اللاتي يعرفُهن .. او كالذين هُم على شاكِلته .. و الا من اين تعرفت عليها خيال ؟ ان كانت شريفة او بريئة .. فـ كيف تعرَّفت عليها خيـال ؟ و بهذه التبريرات التي بدت له منطقية أخرس صوت ضميره داخِله .

*

ابتعدت مروة عن غُرفة وليد و هي تشتمه في داخلها .. دخلت غُرفتها تُجهز متاعها .. اخرجت من حقيبة يدِها عُلبة بغلاف أصفر برسومات طفولية .. مربوط بشريطة حمراء .


*

انتهى 

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...