تجلس نور مُقابل مكتب الطبيبة و تجلس بجانبها الهنوف بينما تقف ليلى قُرب الباب تستمع الى كلام الطبيبة النفسية بصمت ، كانت الطبيبة تشرح حالة هالة و وضعها النفسي .. وانها لم تخرُج من تأثير الصدمة بعد .. تُعاني من اكتئاب حاد لأن لا احد تعرِفهُ حولها .. أعصابُها مُنهارة و تُراودها هلوسات سمعية عن تلك الليلة .. و ارتجاعات صُورية ذهنية ايضاً .. هي فتاة حساسة في الأصل و ما حدث قد زادها حساسية فأي كلمة خاطئة و لو كانت بسيطة ستجرحها !! و الخوف الأكبر من انها قد تُفسر بعض الكلام العادي على حسب اكتئابها .. فتُفكر بسلبيَّة .. و تجرح نفسها بتفكيرها .. ثُم تنظر لنفسها بدونية .. لا تُهمها الحياة لعدم وجود هدف تصل اليه فيها .. و الخوف من ان تُراودها افكار انتحارية !!
شهقت الهنوف من تلك الفِكرة بينما انزلت ليلى رأسها و قالت نور بِثقة : لا .. هالة عِندها ايمان قوي و مستحيل تفكر بالانتحار .
وافقتها الطبيبة بأن ذلك قد لا يحدث فِعلاً و لكن يجب أخذ الحيطة و الحذر .. ثُم بدأت الطبيبة بسرد تفاصيل العلاج و انها تحتاج لراحة نفسية و مُساندات عاطفية و يجب ان تُعامل بحرص جديد و حذر من اي كلمة قد تتحسس منها .. نظرت نور الى ليلى و قالت بتحذير : سمعتي ليلى .. انتبهي لكلامك معها .. البنت اللي فيها يكفيها .. لا تزودين عليها .
اشاحت ليلى وجهها ثُم همست بـ : ان شاء الله
و عادت لصمتها البائس و نظراتها المُتأثرة الحزينة ، اكملت الطبيبة بأن الصدمة ليست بسيطة لتُعالج بسُرعة .. سيأخذ ذلك وقتاً وِفقاً لقُدرة هالة في تقبل الواقع بشرط ان لا تتعرض لصدمات جديدة .. و هناك ايضاً العلاج التعبيري و هو السماح لهالة بالتحدث و التعبير و الابتعاد عن الكبت و الانعزال .. ثُم يأتي دور العقاقير التي يجب ان تلتزم بها دون زِيادة او نقصان .. ثُم ان العقاقير لا تُعالج الإكتئاب .. بل انها فقط تُخفف من اعراضه .. مثل نوبات الصراخ التي تُراود هالة و التصورات و الهلوسات و الأرق الليلي و انسداد الشهية ، ...و المُساندة العاطفية هي اساس العلاج .
قامت نور بعد ان شكرت الطبيبة بلُطف و أكدت لها انها ستلتزم بكلامها ..
و عند قسم التنويم .. دخلت الهنوف الى غُرفة هالة أوَّلاً كانت ستتبعُها نور و لكنها توقفت لتلتفت الى ليلى التي تقف مُبتعدةً قليلاً .. قالت بهدوء : ليلى اذا بتجرحينها بكلامك لا تدخلي .
اطرقت برأسها للأسفل و لم تُعلق .. اقتربت منها نور و امسكت بيدها : اخذي راحتك .. اذا لسا مو مستعدة انك تشوفينها فلا تجبري نفسك .
ابتعدت نور لتدخل و تُغلق الباب خلفها .. وقفت ليلى تنظُر للباب الأزرق العريض امامها .. هل هي مُستعدة لمواجهتها ام لا ؟ .. هل تستطيع التحكم بأعصابها عندما تراها ؟ .. بعد مرور عدة دقائق .. تحركت ساقيها بانصياع لأفكارها .. تقدمت ببطء الى ان امسكت بمقبض الباب الأزرق لتدفعه بهدوء.. و بتردد كبير دخلت الى الغُرفة .
*
في جهة أخرى من المُستشفى ... بعد التعقيم المطلوب قبل الدُخول لغُرفة العمليات .. دخل الى القسم الخاص بالعمليات .. و ها هو يسير داخلها قاصِداً الغُرفة المحجوزة لعمليته التي اتضح انَّها لم تُؤجل و لم تُلغى بسبب تأخُره بل ان رئيس القسم .. الدكتور فيصل قد حلَّ الأمر .. و تولَّى هو تلك العملية عِوضاً عنه .. دخل الى تلك الغُرفة الباردة المليئة بالأجهزة .. و يتوسطها ذلك السرير الممد عليه المريض و قد شُق بطنه لتظهر أعضاءه الداخليَّة .. يحيط به الجرَّاحون و المساعدون .. و كان الدكتور فيصل على رأسهم .. اقترب منصور و هو يُمسك بِماسك اخضر اللون و يُقربه من فمه .. ليحجز انفاسه و لا يُفسد تعقيم الُغرفة .. قال بهدوء مُحاولاً إخفاء احراجه : اعذرني يا دكتور على التأخير .. اقدر آخذ مكانك الحين و اكمل عنك .
اجابه الدكتور فيصل و هو مُنشغل في الجِراحة : ما فيه داعي .. مرَّت خمس ساعات يا دكتور .. و العملية على نهايتها .
انحرج بشكل واضِح ..اعتذر بلباقة و خرج ...من جِهة ارتاح بأن العملية لم تُؤجل و لم يتضرر المريض اذ ان الدكتور فيصل انقذ الموقف و من جِهة أخرى وُضع في موقفٍ مُحرج مع رئيسه في العمل .. و عذرُه الواهي " راحت عليْ نومة " زاده إحراجاً .
*
ذِكرى :
تجلُس مروة ذات الست سنوات في حضنه .. و تضع يديها الصغيرتين على صِدغيه لتُجبره على سماعها بينما كان سامي مشغول في قراءة بعض الملفَّات و الاوراق التي تخُص عمله .. تُثرثر ببراءة و تنشُر كلام سمعته من والدتها و زوجها ..: بابا .. امي تقول ان انت حرامي !!
ترك الاوراق من يديه .. و جُملتها تلك جعلت حِقده على والدتها يتحرر.. و يعتصر داخله بالغضب و الغيظ .. ليقطب جبينه و يُمسك معصميْ مروة الصغيرة .. و يقول بُجمود : و انتِ وش قلتي لها ؟
رفعت كتِفيها بلا مُبالاة : قلت لها عادي ما يهمني .. حتى لو حرامي أحبه .
ارتخى حاجباه و ابتسم رُغماً عنه .. ثُم انفلتت منه ضِحكة ساخرة على تلك الطفلة و براءتها ..وضع قبضته على شعرها و ليُقربها الى صدره و هو يقول : هههههههههه و انـا اموت فيك ...بس مرة ثانية تدافعين عني و تقولين لهـا ما الحرامي الا المعفن زوجك .. اتفقنا ؟
تضحك ببراءة ثُم تقول بمكر : اتفقنا .. بقول لهـا .
يحتضنها بحُب .. و هو يشعر بأن هذه الطفلة أقرب اليه من وليد الذي يُصدق كلام والدته المذموم عنه .. امـا هذه المُشاغبة فلا تهتم من الأساس .. بل و بكُل جرأة تقول انه حتى لو كان صحيحاً فلا تفرُق معها .
*
دخل سامي الى غُرفة المعيشة .. حيث كانت مروة تجلس و تُقابلها ياسمين ..كانت مروة تعبث في هاتفها و تبتسم لشاشته بعدم اكتراث لياسمين التي تُدقق النظر اليها بغرابة .. لاحظ سامي توتر الأجواء بينهما .. قال بهدوء : مسـاء الخير
ياسمين بابتسامة : مساء النور
امـا مروة فكانت مُنشغلة في هاتفها و تبتسم و هي تُحرك اصابعها على شاشته .. سامي : السلام لله يا بنت .
ردت بعدم اهتمام و هي لازالت تبتسم بل و تضحك لشاشة هاتفها : هلا يُبه .. هلا
اومأ برأسه بأسف ثُم جلس بجانب ياسمين التي تأكل مروة بنظراتها الغريبة .. كانت ياسمين تتأمل شكل مروة الذي بدى أنثوياً بحتاً بعباءة الكتف السوداء و الطرحة التي تلفها على رأسها .. كانت تبدو كفتاة رزينة ناعِمة .. و ملامحها بدت أكثر وضوح بعد ان رفعت شعرها عن وجهها بسبب الحِجاب .. اذ انها كانت دائماً تُسدل جُزء من شعرها الأسود على وجهها .. للمرة الأولى تُدرك ياسمين ان مروة فتاة جميلة المحيا .. و ملامحها تصرُخ أنوثة .. بشرة بيضاء و ملامح حادة قوية .. انف دقيق و عينين حادتين بنظرات مُتتابعة كالسِهام .. تعابير وجهها توحي بالشقاوة المُفرطة و الدهاء ... هي فتاة ذات ملامح مُميزة فاتِنة فلِم تُشوه شكلها و تُخفي جمالها بتلك الطريقة الغريبة ؟ .. لم تستطع ياسمين كبت استغرابها و ذهولها من مروة .. ان كانت بهذا الجمال الصارِخ فلِمَ تُشوه انوثتها بتصُرفات صبيانية ؟
تحدث سامي موجهاً كلامه لمروة : وش قِصة البنت اللي اسمها هالة .. يا مروة
مروة بعدم اهتمام و لازالت مُنشغلة في الهاتف : مادري .. اسأل وليد .
سامي : بس ياسمين تقول انك متفقة معه .
وجهت ياسمين نظراتها الثاقِبة المُغتاظة لمروة .. و هي تنتظر ان تسمع جواباً مُقنعاً منها .. و تتشوق لسماع توبيخ قوي من سامي لها ... بينما رفعت مروة رأسها و قالت ببرود : ياسمين فاهمة غلط .. اصلاً انـا اللي انقذت الموقف يُبه .. من اول ما سمعت صراخها طلعت اركض و حاولت اهديها و افهم وضعها .. و فعلاً لو ما انـا كانت ما هدأت ..و انت تعرفني يُبه ما اقدر حتى أأذي نملة .. ما بالك في بنت مسكينة مثلها !!
انهت كلامها ثُم انزلت رأسها للهاتف .. نظرت ياسمين نحو سامي باستنكار و صدمة من برود مروة .. تتأمل ان تسمع منه شيئاً يُشفي غليلها .. بينما التفت سامي لها و قال باريحية : شفتي يا ياسمين .. قلت لك ان مروة ما لها ذنب .
انعقد لسانها بخيبة و لم تنطُق بشيء و استدارت عنه تكتم قهرها داخِلها ..
مروة ببراءة مُصطنعة : تعرفني يُبه قلبي عطوف .. عشان كِذا قلت بروح للبنت عشان اعتذر لهـا عن اللي صار .
فغرت ياسمين عينيها و قالت باعتراض : لا .. اخاف تصير مشكلة جديدة .. ما له داعي تروحين و يكفي اللي صار .
مروة بلا مُبالاة : من واجبي اروح .. البنت تعبت عندنا و وليدوه ما قصر فيها مسكينة خرعها !!
سامي بتأييد : ايه زين تسويين .. راعية واجب
مروة بابتسامة : طالعة عليك يُبه .
تُراقبُهما ياسمين بقهر واضح في عينيها .. مروة كانت تكذب و لازالت تكذب !! و هي مُتفقة مع وليد لسبب مجهول .. و هي مُصرة على رأيها .. و ما يزيدُها قهراً ان سامي يُصدق مروة بكُل راحة و بلا مُبالاة بكلامها هي .
سامي : متى طالعين الكويت ؟
مروة بسُخرية : انتظر صاحب السمو الملكي وليد ينزل و بنروح .
سامي : ايه يلا فارقوا عني و فكوني من فوضتكم و ازعاجكم .. اجازة لا شغلة و مشغلة و مسببين لي صُداع بضجتكم
مروة بأريحية : ايييه يُبه تزوجت و تكبرت علينا .. وصرت تدور الفكة منا عشان يخلى لك الجو .. و تجدد شهر العسل مع زوجتك .
احمّر وجه ياسمين بإحراج ..من تلك الكلِمات " يخلى لك الجو " و " شهر عسل " .. تعجبت و بشِدة .. ليس لهذه الدرجة !! كيف تُحدث والدها بهذه الأريحية !! و هي التي كانت تخشى من ان تنظر في عيني أخيها .. تخشى ان تُعارض اخويها بكلمة .. و تخجل منهُما بتلقائية !!
التفتت لسامي الذي استدار و التقط الصحيفة التي بجانبه تاركاً كلام مروة بـلا تعليق .
قامت مروة بعد ان سمعت صوت خُطوات مُنبعث من الخارج : هذا وليدوه شكله نزل .. يلا فمان الله
سامي بهدوء : درب السلامة .. قولي لأخوك المجنون ينتبه للطريق ..و لا يزود السرعة !!!
اومأت بالإيجاب و خرجت تحمل معها حقيبتها المُتوسطة الحجم الخاصة بالسفر ... اما سامي بدأ بتصفُح الجريدة براحة تامَّة .. ليست المرة الأولى التي تُسافر فيها مع وليد .. ثُم انهم لكِثرة تنقلهم بين دول الخليج القريبة نسبياً اليهم فهو لا يعتبر ذلك سفراً .. و هو يثق بمروة كثيراً و يعتقد انها اصبحت في عُمر ناضج مسؤول .. و يُفكر براحة تامة انها لن تُخطئ .. و هي تميز بين الخطأ و الصواب لذلك لن تُخطئ ... ثُم ان ام وليد امرأة مُحترمة و يعرفها جيداً ... لذلك لا داعي للقلق بنظره ... اما بالنسبة للطائش ابنه .. فقد أصبح رجُلاً و ليتحمل أخطاءه بنفسه .
اما ياسمين فلازالت في حالة من عدم الإستيعاب في ما يخُص علاقة وليد بمروة .. حتى لو انهما عاشا مع بعضِهما منذ الصغر و جمعتهما التربية و نشأت بينهما علاقة اخوية .. الا ان هذا لا ينفي كونهُما ليسا اشقاء .. و لا يجب ان تتجاوز عِلاقتهما الحدود .. و استغرابُها الأعظم من سامي الذي يسمح لهُما بهذه التجاوُزات .. و قد أدركت بل و تيقنت ان سامي رجُل مُلِم بالدين و أحكامه .. فهو يُصلي و يصوم و يُراعي حدود الله في كثير من الامور .. بل انه يُنفق مبالغاً طائلة على الصدقات و الأعمال الخيرية و ما شابه .. هو يُحب عمل الخير و يسعى اليه بشتى الطُرق ... فكيف يتجاوز عن عِلاقة غير صحيحة في منزله !!
قالت باستفسار و قد طرأت عليها فِكرة قد تنفي استغرابها : سامي بسألك سُؤال .. بس من الفضول مو اكثر
سامي وهو يُقلب الصحيفة : اسألي
ياسمين : وليد و مروة اخوان بالرضاع ؟
سامي بدون ان ينظُر اليها تفوه بلا مُبالاة : لا
صمتت و حيرتُها تزداد .. لِمَ هو مُتهاون معهُما هكذا ؟ كيف يسمح لها بالسفر معه ؟ لا تتحجب عنه و تتعامل معه براحة تامة .. و سامي يرى و يُدرك كل شيء و لا يهتم !!
طرأت عليها فِكرة قد تشرح طريقة تفكيرُه .. رُبما هو مُخطط مُسبقاً لتزويج وليد بمروة .. رُبما هما مخطوبان لبعضِهما مُنذ الصِغر كما يحدث في الكثير من العائلات .. لذلك هو يتهاون معهما .. بدت لها تلك الفِكرة منطقية و جِداً و لكنها صمتت و فضلت عدم التأكد منها و سُؤال سامي عن صِحتها .. لا تُريد ان تحشر انفها في امورهم .
*
قد لا تكون راحتها النفسية الآن بفعل العقاقير ، بل بفعل وجودهم حولها .. استنشاق رائحتهم و رؤية ملامحهم .. سماع اصواتهم و الإحساس بأنفاسهم في الغُرفة .. عينيها تتجولان في الغُرفة .. تطوفان عليهم بغير تصديق انهم هُنا حولها .. نور التي تجلس بِجانبها و تُسرح شعرها و هي تتحدث : ابي افهم بس ليه قصيتي شعرك ؟ كنتي تحبينه طويل .
صمتت و هي تستشعر تمرير الفُرشاة على شعرها بواسطة نور التي لازالت تتحدث : دامك قصيتيه لازم تهتمين فيه اكثر .. شعرك من النوع اللي يكش بسرعة .. فاذا كش و هو بهالطول مشكلة لانه حتى ما ينربط !!
قالت الهنوف : هي شعرها حلو و ناعم بس يتشبك و يتطاير مع الاهمال .. مثل شعر محمود ولدي .. في الأخير بحلقه اصلع و بريح نفسي
ابتسمت هالة لتعليقها .. و لكن ابتسامتها اختفت و هي تنظُر نحو ليلى الجالسة في الزاوية مثل الغريبة .. مُنذ ان دخلت لم تقُل الا جُملةً واحدة " طهور ان شاء الله "
ثُم جلست على الكُرسي بدون ان تنزع نقابها حتى !! تجلس و تُطرق رأسها بالأسفل و لا تتحدث و كأنها غريبة بينهم .
كانت ليلى تُخفي انفعالات وجهها خلف النِقاب ..يُعتصر قلبُها بأحاسيس موجعة مُتناقضة .. احاسيس مُشوهة !! احاسيس اخت آلمها منظر اختها الكئيب .. وجهها الذي نحف كثيراً ..ملامح شاحبة كالأموات !! لازال الهلع يسكُن في عينيها !! نظرات مُريبة تنطلق من تلك العينين .. و صوتُها عِندما تتحدث مُؤلم ..تتلعثم في حديثها كثيراً و تُردد الكلمات بشكل غريب ... تبدو مِثل طفلة خائفة تائهة بكت طويلاً حتى جفت دموعها و لكن عبرة البُكاء لازالت تمتزج بصوتها .. بوادر البُكاء مُعانِقة لملامحها دون ان تبكي .. شعور مُؤلم ان ترى هذا التغيير الجذري على شخص تعرفه .. حتى لو كانت هالة عدوتها ستتألم لرؤيتها بهذا الشكل الموجع .. و لكن هالة ليست عدوتها ! هالة أختها الغالية .. هالة توأم روحها .. لذلك قلبُ ليلى لا يتألم فحسب بل ينزف ألماً و قهراً
لاحظت نور نظرات هالة لليلى .. كانت مُنذ ان جاءت تخترع احاديث بسيطة لتغيير مزاج هالة مثل التعليق على شعرها و ان تنصحها بأن تلتزم بالأدوية ثُم التحدث عن سارة و التطورات الجديدة في نُموها و هكذا .. قالت بهدوء : بكرة بتطلعين من المُستشفى .. و بترجعين للدار مثل ما اتفقنا هالوضع مُؤقت و لا تتضايقين منه و حاولي تتأقلمين معه .. و انا بتكلم مع ياسمين عشان اتكلم معك يومياً من خلالها اوكي ؟
اومأت هالة ايجاباً و هي لازالت تنظُر نحو ليلى .. و ضيقت حدقتي عينيها و انقبضت عضلات وجهها بشجن .. هل لازالت غاضِبة ؟ هل هي الى الآن تُصدق تلك الصور ؟ و ماذا عنِّي ؟! اذناها مفتوحتان و لكنها لن تستمع الى ذرائعي و حججي ان تحدثت !!!
انقبضت قبضتيها بقهر و رفض .. ليس عليها ان تُصدق تلك الصُور و لا تُصدقني انـا !! هي اقرب انسانة مني .. كُنَّا نُطلق على بعضنا لقب " توأم روحي " .. هل اطلقنا ذلك اللقب عبثاً ؟ .. كُنا نُساند بعضنا مهما حدث .. و على " الحلوة و المُرة " فما الذي حدث الآن ؟
قالت هالة بغضب : وش فيها جالسة كِذا ؟ حتى نقابها ما فسخته .. ، رفعت صوتها و قالت بشكل هستيري : وش فيها ؟ وش فيها ؟ وش فيها ؟
نظرت الهنوف الى نور بذُعر .. بينما صمتت نور و احاطت هالة بذراعها و هي تقول بلطف : تولِّي ما عليك منها ... و انتِ يا ليلى اذا بتقعدين كِذا اتصلي لزوجك يجي ياخذك .. ماله داعي تضايقين نفسك و تضايقينا احنا بعد .
اما هالة فأخذت تتنفس بسُرعة و تقبض على اللحاف الأبيض بأصابعها المُرتجفة .. بينما تُحيطها نور بذراعها و تحتضنها و تهمس في اذنها بـ " بسم الله عليك " و توجه نظرات اللوم و العِتاب لليلى التي قامت من مكانها بهدوء ظاهري .. نزعت نِقابها عن وجهها .. لترفع هالة رأسها بتلقائية و تُحدق اليها بعينين جاحِظتين .. كم اشتاقت لملامحها !! صمتت و هي تعُض على شفتها السُفلى .. توجه نظراتها المُشتاقة نحو ليلى التي لم تكن تنظُر اليها .. بل تقف بارتباك واضِح .. و كانت بشرتُها الفاتحة مُحمرة .. عينيها اللوزيتين مُحمرتين ايضاً .. ارنبة انفُها محمرة و نظراتُها تتوجه الى الأسفل .. و سيلٌ من المياه ينحدر على وجنتيها ... من ما اثار رفض هالة أكثر .. قالت بصوت يرتفع بالتدريج : لـيه تـبكي ؟ ليوول !! يعني انـا خلاص مت مثل ما انتِ قلتي من قبل .. عشان كِذا تبكين ؟
انزلت رأسها مخنوقة العبرات .. و انفاسها تضيق عليها .. تشعُر بحياتها تتحطم على رأسها .. تعُض شفتها حتى أدمتها .. و تُكور قبضتيها بألم .. و دموعها المالحة تنساب الى فمِها .. أحاطتها نور و احتضنتها اكثر و هي تُحاول تهدئتها و تتجه نظراتُها لليلى عِتاباً و تأنيباً ..قالت نور بحِدة : ليلى اطلعي برا ..
بينما كانت ليلى تقِف حائرة .. تتعلق عينيها بهالة و تنساب دموعها على خديها ..وضعت كفها على فمِها تكتم شهقتها ..
رفعت هالة رأسها و قالت بنحيب : انـا حقيرة و وسخة و رخيييصة .. صح ؟ انا كل شي وسخ في الدنيا .. انـا ..
لم تستطع ان تُكمل اذ ان عبراتُها تخنُقها و تجعلُها تُطلق انيناً .. موجع ذلك الأنين المقرون بالآهات ..و غالباً ما تأتي الدموع من العين بدلاً من القلب .
احتضنتها نور اكثر وهي تقول : لا تقولي عن نفسك كِذا .. انتِ اطهر من هالكلمات .. هالة اسمعيني !!
كانت لا تسمعُها .. صوت عويلها يطغى على اذنيها لذلك كانت تهز رأسها يميناً و يساراً بقوة .. و جسدُها يرتعش .. و نور تحتضنها و هي تتحسس ارتعاشها و تُحاول تهدئتها و هي تردد : هالة لا تضعفي .. لا تظلمي نفسك بهالكلام انتِ اطهر .. انتِ اقوى .
بينما ليلى كانت دموعها هي دموعها .. و لكن عبرتها ازدادت و هي تتذكر هالة القديمة .. هالة المرِحة البريئة .. هالة التي كانت ستُزف عروساً !! ..اما التي تراها الآن ليست هالة .. هي حُطام هالة .. موجع ان ترى هالة معلولة مُنهارة .. حتى لو كانت مُقتنعة بأن هالة هي من جنت على نفسها بفعلتها .. الا انها لا تستطيع الا ان تتألم لرؤيتها هكذا .. كانت ليلى تبكي لأن هالة لا تبدو طبيعية !!
تراجعت الهنوف الى الوراء بهلع و هي ترى نتيجة غدرها و خِيانتها لِمن أمِنو لها و اعتبروها أُختاً .. كانت تقِف تتُابع و تُنافِق .. و تُحاول محو غدرها و لكنه لن ينمحي .. و كيف ينمحي و هي كالشيطان الأخرس !! .. تعلم الحقيقة و ترى هالة تتبخر امامها و تُكمل تمثيلها .. قالت بصوت مهزوز : بروح اشوف الطبيبة و الا ممرضة .. وضعها ما هو طبيعي و يخوف !!
هرولت خارجاً .. بينما لازالت نور تُكرر مُحاولاتها في تهدئة هالة التي بدأت بتنتيف شعرها .. و هي تنتحب : انـا و لا حاجة !! انـا ابي امووت .. يا ربي خذ روحي و خلصني .. ما ابي اعيش .. ابغى امي ..، صرخت : يُـمــه
اتسعت عيني ليلى المُحمرتين بصدمة من تلك الصرخة .. بينما رفعت نور صوتها : ليلى و بعدك واقفة !! اطلعي برا لا تجلطيني .. ما تشوفينها كيف حالتها !!
تحركت ليلى و لكنها لم تخرُج بل مضت قِدماً نحوها .. لتختلط دموعها مع دموع اختها .. احتضنتها بألم .. تربت على ظهرها بلين .. تُغمض عينيها و الدموع تنساب بغزارة .. لو ان دُموعها تُرجعها الى الوراء .. لو يدور الزمن و يعود .. و ترجع ضِحكاتنُا و تتصافى القُلوب .. لو نعود كما كُنا و حيث كُنا .. لو انها تستطيع محو ذلك اليوم المشؤوم من الوجود .. و تبقى صورة هالة في عينها ذاتها القديمة لا تتغير ... تحتضنها لا لأنها سامحتها .. بل لأنها لا تقوى على رؤيتها مكسورة الجناحين .. تصرُخ تستغيث و لا تُغاث .. تحتضنها لا لأنها سامحتها بل لأن قلبها لا يُطاوعها .. و دموعها دليل المحبة لا الغُفران .
جفلت هالة و هي تُحاول ان تستوعب ذراعي ليلى التين تُعانقانها .. فغرت فاهها و هدأت انفاسُها ..و عينيها في سكون .. توقف الدمع تاركاً آثاره على ملامحها .. و ما ان استوعبت ما يحدُث .. حتى تشبثت بِها و شبكت عليها بعشر اصابِعها .. لقد عادت اليها اخيراً و لا تُريد ان تفقدُها مجدداً .. فلتتشبث بِها .. علَّها تبقى ..
تخللهم الهدوء و كان الصمت سيد الموقف .. تنهدت نور بارتياح و هي ترى اختيها قد هدأتها أخيراً .. ابتسمت بفتور ..و هي تتمنى لو ان كُل شيء يعود كما كان .. لو ان ذلك بسهولة العِناق .. لو ان العِناق يكفي لتهدأ النفوس !!
قامت من مكانها بهدوء .. لتتركهم و هي مُطمئنة .
وقفت عِند الباب و كانت الهنوف قد عادت و معها الطبيبة .. قالت الطبيبة في استفسار : وش اللي حصل بالضبط
نور : بكت و صرخت و نتفت شعرها .. بس هدأت من تو .. ، اكملت بقلق : انـا خايفة من هالوضع .. ما هي على طبيعتها !!
قالت الطبيبة بهدوء : تكلمنا من شوي .. قلت لك مع العلاج ان شاء الله يستقر وضعها و ترجع مثل قبل و احسن .
نور : ان شاء الله
الطبيبة بابتسامة عملية : انـا مرت عليْ حالات تشبه حالتها .. هي بس تحتاج دعم نفسي من الأهل .. اما الأدوية و غيره هذا بس مُكملات .. مثل ما تكلمنا قبل .. و ربي يمن عليها بالصحة و العافية .
شكرت نور الطبيبة ثُم استدارت تُحدث الهنوف : رايك اروح اكلم منصور بما ان احنا هنا .
الهنوف بارتباك : هاه ... لا .. لا تسببين لنا مشكلة هِنا .. خلي حامد يكلمه افضل .. هو قال بشوف حل .
صمتت مُحاولة ان تجعل يأسها يُسيطر عليها .. هل سيتصرف حامد حقاً ؟ ام انه سيستمر في التهرب ؟.. تشعُر برغبة عارمة في الذهاب لمنصور و التحدث معه الآن .. على الأقل لأجل سارة .. كم اشتاقت لهـا !! .. و هي التي لا تستطيع النوم بعد ان اعتادت ان تُمسي على صوت بُكائها .. تشعُر بأنها ناقِصة من دونها .. حتى مع عِلمها بأنها مع والدِها الذي من المُستحيل ان يتعمد ايذاءها الا انها قلِقة .. فمنصور غير مُعتاد على العِناية بسارة وحده .. ثُم ان طبعه عصبي و لا يصبُر كثيراً .
رفعت رأسها تنظُر لياسمين التي تقدمت اليها و هي تبتسم .. قالت بهدوء و هي تُصافحها : مرحبا نور أخبارِك ؟
اجابتها برسمية ثُم بدأن بالحديث عن هالة و وضعها .. و استفسرت نور عن اوضاع الدار و طُرق التواصل مع هالة هُناك .. و ابدت قلقها بأن هالة قد لا ترتاح ُهُناك و لكن ياسمين كانت دائماً تُطمئنها و تُخبرها بأن هالة ستكون في الحِفظ و الصون .
قالت نور و قد تذكرت شيئاً : بالنسبة لفاتورة المُستشفى .. قالت لي الهنوف انك دفعتيها ..عطيني حسابك في البنك عشان احول لك المبلغ اللي دفعتيه .
رمقتها الهنوف باستنكار بينما قالت ياسمين بود : مافيه داعي .. المبلغ اندفع و انتهينا و بالنسبة للباقي انا ماعندي مشكلة ادفع .. انـا اشوف ان الأفضل لهالة تتعالج هِنا .. احسن من ما تتبهدل في زحمة مستشفى حكومي و مواعيدهم تتأخر و فوضى .. الدكتورة نادية معروفة و الكل يمدحها .. و انا اوصي فيها .
لم تستغرب نور كثيراً من رغبة ياسمين في التكلف بدفع قيمة عِلاج هالة .. اذ انها تعلم ان زوجها من اثرياء المنطقة .. و ان هذا المشفى مُلكه .. و ثمن عِلاج هالة بالنسبة لهُم لا شيء .. و قد اخبرتها ياسمين بأنها احبت هالة كثيراً و تُذكرها بأختها .. لذلك لم تستغرب هذا الاهتمام من ياسمين .. و لكن من المُستحيل ان تقبل نور بعرض مثل هذا .. و كأنها تتصدق عليهم .. قالت بكبرياء : مشكورة يا ياسمين .. بس ما اقدر اقبل عرضك .. هالة عندها اهل .. و انا بعد معك في ان تتعالج هِنا .. و الدكتورة نادية واضح انها فاهمة و سمعتها طيبة.. عشان كِذا هالة بتتعالج هنا بس طبعاً احنا اللي بندفع .
ياسمين بهدوء : طيب على راحتكم
نور : ارسلي لي حسابك في البنك
اومأت ياسمين ايجاباً .. كانت تتحدث و لكنها لمحت مروة تقِف نهاية الممر و تتقدم الى هُنا .. اعتذرت بأدب : عن اذنكم شوي و راجعة .
ابتعدت عنهما .. و امسكت الهنوف بذراع نور و قالت باستنكار : و انتِ من وين لك تدفعين ؟ ترى العلاج هنا غالي .. و حامد اغسلي ايدك منه يدفع !!
نور : من ابوي طبعاً .. ترى ابوي عنده علم ان هالة مريضة .. و هو اللي دفع قبل و عطاني بعد زيادة عشان اذا احتاجت هالة .
الهنوف : و يدري انه مرضها نفسي ؟
نور : لا قلت له عشان الجرح اللي فيها .
الهنوف : لو يدري انه نفسي .. ما دفع و لا ريال
نور بانكار : و ليه يعني ؟ .. ترى ابوي ما هو مثل زوجك المحترم اللي نسى اخته و تهرب من مسؤوليتها !! مهما صار هالة تظل بنته و مستحيل يتخلى عنها .. بس لأنه حالياً مريض و ما ابي ازيد عليه فما قلت .. و الا انا ما راح اخبي عليه شي
الهنوف بامتعاض : ايه واضح .. بدليل انه للحين مادرى عن طلاقك !!
في نهاية الممر .. كانت ياسمين تقف امام مروة التي تقف امامها بملل .. ياسمين : كلامك يمشي على ابوك بس ما يمشي علي انا .. كنتِ متفقة مع وليد و ابي اعرف السبب
مروة بملل و باسلوب مُستفز : شوفي يا حلوة .. انا اللي عندي قلته لابوي و انتِ سمعتيه .. صدقتي كان بِها .. ما صدقتي فمع نفسك .
ابتسمت بسُخرية ثُم ابتعدت .. اتسعت عيني ياسمين باستنكار لوقاحتها !! رفعت صوتها بغضب : و الحين ليه جاية ؟ لا يكون وليد موصيك على شي ثاني بعد !!
استوقفتها تلك الكلمات .. رفعت حاجبها بعدم رِضا لتلك الفِكرة .. هي لم تأتي الا لتعتذر .. و ليست مُضطرة لتُبرر لياسمين او غيرها .. اقتربت ياسمين منها و قالت بأمر : ماله داعي تروحين لها مهما كان السبب .. اقصري الشر و اطلعي من هنا .
ازداد عِناد مروة في الدخول لهالة .. لم تكُن تأبه كثيراً بلقاء تلك الفتاة .. و لكن دافعها الآن ازداد في الدخول .. عِناداً لياسمين فقط !! قالت ببرود دون ان تلتفت : لا يكون شايفتني وحش و الا بعبع ههههههههه ترى ما باكلها .. و خيــر تقولين لي اطلع من هنا !! تراك مررة مصدقة حالك .
زفرت ياسمين بنفاذ صبر .. ثُم قالت باستسلام : طيب بس انتظري شوي .. اهلها هنا و تراهم ما عندهم عِلم بعملة اخوك .. الا اذا كنتي ناويه تفضحينه !!
استدارت بهدوء و جلست على احد الكراسي المُلتصقة في جِدار الممر : اوكي .
اخرجت هاتفها لتعبث به بلا مُبالاة .. بينما ابتعدت ياسمين و هي تتمالك اعصابها .
*
كاذِبة !! كاذبة هي عِندما قالت انها تكرهُها .. كاذبة عندما ادعت انها لا تُهمها .. كاذِبة عِندما قالت ان هالة ميتة بالنسبة لها .. و دعوتها لها بالموت لم تكُن الا لقلقة لِسان .. لم تكُن الا من القهر .. تُدقق النظر اليها و تتألم أكثر .. لا تهون هالة عليها .. لا تهون.. و كُل ما حدث من خِصام و جفاء لا يُساوي ألمها عليها الآن .
بينما كانت هالة تستند بظهرها على الوِسادة .. و عينيها في غفوة حالِمة / كاذِبة .. ليلى عادت .. المُهم هو انها عادت و لا يُهم عبوسها او دموعها او صمتها .. المُهم انها عادت .. ابتسمت .. و ابتسامتُها تلك كانت غريبة .. و غرابتها اخافت ليلى !! تبدو كمن يبتسم اثناء الاحتضار .. تبدو و كأنها مومياء تبتسم .. جُثة شاحِبة و ابتسمت فجأة !! .. قالت بتوجس : هـالة لا تهملي ادويتك .. انـا اعرفك تنسين و ما تجيبين خبر العلاج !! انتبهي بليز و لا تتعبين نفسك اكثر ..، اكملت برجاء : هالة ارجعي مثل ما كنتي .. ابيك مثل ما كنتي تفهمين !!
لازالت هالة في غفوتها و شرودها .. اومأت ايجاباً و هي لازالت شارِدة تبتسم .. استقامت بظهرها لتطبع قُبلة على وجنة ليلى .. ثُم اتسعت ابتسامتها اكثر .. نظرت لها ليلى بريبة !! تحدثت هالة لتزداد ريبة ليلى اكثر : ليلول انتِ مو مصدقة الصور صح ؟ كذب هاذيك الصور ماهي صحيحة .. مصدقتني انتِ صح ؟
عقدت ليلى حاجِبيها .. لِمَ تتحدث هالة كالأطفال ؟ و كأنها طِفلة في السابعة .. اومأت ايجاباً تُجاريها .. و ملامحها باهتة لا تُفسر .. ستُجاريها حتى لو كانت مُقتنعة .. تلك الصور صحيحة و لا شك .. بالإضافة الى ذلك القُرص الذي قالت بِه نور .. و شكوكها السابِقة اتجاه هالة تُؤكد لها انها مُذنبة .. و لكنها ستُجاري .. ستُحاول التغاضي .. على الأقل الى ان تعود هالة الى طبيعتها .
امسكت هالة بكف ليلى و قالت برجاء : قولي انك مو مصدقة ..قولي انك مو مصدقة .. قولي ليول قولي !!
اومأت ايجاباً بريبة ثُم قالت بسُرعة و كأنها تُحدث طِفلاً لتُسكته : ماني مصدقتها .. خلاص سكري الموضوع .
استندت على الوسادة مُجدداً تُمعن النظر في ليلى و تبتسم .. مرت لحظات و الجو مشحون بالتوتر .. ثُم دخلن نور و الهنوف .. و بدأت نور بسرد قُصص و احاديث تافهة لتُحسس هالة ان الوضع طبيعي .. و الهنوف تُمثل و تُنافق باتقان و ليلى صامِتة .
تأخر الوقت و قارب على انتهاء وقت الزيارة .. لتودع نور هالة و توصيها على نفسها ثُم تُؤيدها ليلى بهدوء و تتبعهم الهنوف و هي تحتضنُها بحرارة .. تُكمل تمثيل البراءة و تعتقد انها تستطيع غسل ذنبها بهذه الطريقة .
هالة و هي تُشتت نظراتها حولهم : خليكم بعد .. خليكم بعد .. باقي عـ لى وقت الزيارة شوي .. باقي على وقت الزيارة .. خليكم
ارادت نور ان تتصرف باعتيادية و تكُمل ادعاءاتها بان الاوضاع طبيعية و ستتحسن : لا هالة ما اقدر لازم ارجع البيت .. عشان بطبخ الغذا لمنصور .
ابتسمت بأسى .. لم تُميز هل ما قالته للتو كِذبة ام امنية ؟ .. هل ستبقى دائماً تطلي امنياتها بالكذب ؟
هالة و هي تُكمل تلعثُمها في الحديث : طيب .. طيـ ب بس بُكرة بتجـ ون بعد صح ؟ صح ؟ صح ؟
اومأت نور ايجاباً ثُم ابتسمت .. ادارت هالة رأسها حول ليلى .. ابتسمت ابتسامة عريضة حتى بانت اسنانُها : ليول بتجين بعد ؟ بتجين صح ؟
لو تُدرك هالة ان ليلى تتألم الآن.. تتألم لرُؤية هالة ليست هالة .. و انها السبب الاول في ان تُصبح دموعها سهلة .. و اسهل من ماكانت عليه سابقاً .. تنزلق بسُرعة .. و كُل شيء يتمحور حولكِ يا هالة .
اغتصبت ابتسامة على وجهها و قالت ببهوت : بجي ..اكيد بجي .. و انتِ نامي الحين و لا تتعبين نفسك بالتفكير .
اومأت ايجاباً ثُم خرجن جميعاً .. و بقيت هالة تبتسم و تحُلم بحالٍ افضل .
و لا تعلم انه كان يُراقبها .. رآها عِندما دخلت ثُم انتبه اليها مُجدداً عِندما خرجت .. سأل عن وضع هالة ايضاً ..و عِندما خرجت نور من المشفى خاب أمله .. الم تكُن هالة هي اساس المُشكلة .. هي التي عصته لأجلها .. و ها هي الآن تعود لتُثبت له ان اختها اولى منه ..
لقد كان يُريدها ان تعتبره اول اولياتها .. تُحبه أكثر من ذاتها يريدها ان تكون مشغولة به و فقط .. هو يستحق !!
ليس من حقها ان تتعدى خطه الأحمر الذي وضعه له .
يعتقد انه كان لهـا نِعمة و هي لم تكُن من الشاكرين .
أخرج هاتفه من جيبه ليتأكد من سجل مكالماته .. لم تتصل نور اليوم !! لقد كانت تتجاوز مكالماتها له العشرون او الثلاثون مكالمة غير مجاب عليها .. و هو يتجاهلها متعمداً ثم يغلق هاتفه بالكامل ليحرق اعصابها .. و اليوم نور لم تتصل .. وقد ازعجه هذا كثيراً .. و عندما رآها هنا في المشفى .. تزور اختها غير آبهةً بوجوده .. استفزته اكثر بهذا التصرف .. و كأنها تتحداه !! هل فعلاً هي تتحداه ؟
و ماذا عن ابنتها ؟ الم تفكر بها .. الم يأتي في بالها انها كلما استفزته بتصرفاتها سيُعاندها هو بسارة ... ام انها تعتقد بهذه الطريقة انها قادرة على جعله يعود اليها .. و يرجع اليها سارة بنفسه .. هل واثقة هي لهذه الدرجة ؟ هه اذاً فـلتحلم .. ظِلها فقط من يتبعها أنا لا أتبع أحد !!
*
اسندت نور رأسها على نافذة السيارة ... متى سينتهي هذا الجفاء ؟ ادركت الآن كم ان مشكلاتها السابقة مع منصور كانت تافهة و لا تساوي شيئاً .. عندما كانت تعاتبه على طبعه العصبي و اسلوبه المتعالي .. عندما كانت تشك به و تراقبه .. لم تكن تشك به لانها لا تثق به .. بل لتريح رأسها من وساوسها و تتأكد بنفسها فترتاح .. و لأنه لا يتحدث كثيراً معها بخصوص عمله في المستشفى .. فيوسوس الشيطان في عقلها .. و عندما يضع قفلاً على هاتفه تزداد رغبتها في تفتيشه .. و لانها تسمع كثيراً عن قصص تحدث في المستشفيات .. لذلك تفضل ان تتأكد بنفسها دائماً
تذكرت ذلك اليوم الذي كان بعد انقضاء فترة نفاسها ، كانت قد قضت شهرا كاملا في بيت والدها ليساعدنها اختيها في العناية بالطفلة بينما كانت هي متعبة .. كانت ستُكمل فترة الاربعين في منزل والدها و لكنها وساوسها كالعادة سيطرت عليها لتُخبر منصور انها قررت العودة فيجيبها ببرود ان لا تكترث به و تكمل فترة الاربعين في منزل والدها و لا داعي للاستعجال... ليزداد اصرارها على العودة أكثر !!!! دخلت الى شقتها معه وكان اول شيء فعلته بعد ان وضعت طفلتها في مهدها هو الاستطلاع والتحري عن ملابسات و ادلة قد تدين منصور وتثبت عليه ما يبثه الشيطان في عقلها ..فتشت جواله و تفقدت خزانته واغراضه ، كانت تريد ان تريح عقلها من هواجسها ويطمأن فؤادها وترتاح من شكوكها ، لقد غابت عنه شهرا كاملا فماذا حدث في غيابها ؟ صحيح انه كان يزورها يوميا ويقضي معها ساعة او ساعتين ، ولكن يبقى ذلك الوقت الناقص الذي تجهله عنه ... تُريد ان تتأكد فقط .. فالنبش وراء زوجها و تقمُص دور المُحقق معه اصبحت عادة من عاداتها .. و من الصعب ان يستغني المرء عن عاداته ..لفت نظرها قميص ابيض يخصه مرمي على السرير ، تناولته بيدها والصقته في انفها كحركة اعتادت عليها ، وكانت الصدمة ..!!!! لقد كانت رائحة عطر نسائية واضحة ، طمست وجهها بالقميص اكثر لتعاود استنشاق تلك الرائحة ، انها فعلا رائحة نسائية ولا مجال للشك !!! ... ثُم ان هذا القميص هو من الأقمصة الخاصـة بالعمل ... ماذا يعني ذلك ؟؟ ابعدته عنها وهي تعتصره في يديها بقهر وبدأت الدموع بالتجمع في عينيها ... وتركت لعقلها تفسير مصدر تلك الرائحة التي ادانت خيانته .... لم يستطع الصبر لأجلي وفعلها ..وانا التي تجرعت الألم لأجل ان امنحه طفلة تحمل اسمه ، وهو لم يقدر تعبي وشقائي وفعلها ، او ربما كان يفعلها مسبقا و لكن الحقيقة انكشفت امامي للتو ، ومن هي تلك الحقيرة التي ارخصت بنفسها لأجله ؟ وماذا تعني له ؟
كانت الافكار تسمم عقلها وقلبها ودموعها ، وهي تستشعر طعم الخيانة والجحود منه ، احست به يدخل الى الغرفة لم تستدر له و بقت تُعطيه ظهرها و هي تشعر بنار تحرقها من الداخل ..امَّا هو فلم يكُن يستطيع إخفاء بسمة شفتيه التي كان مصدرُها هي .... و فرحته برجوعها اليه و قد عاد حسُّها أخيراً الى بيته .. و عادت حياتُه مُلوّنة بعد شهر من غيابها .. و يتضاعف الفرح داخله و يختلط بالحُب و الامتنان ..لتلك الطفلة الصغيرة التي أحيت مشاعر مُختلفة داخله ..اقترب من مهدِها ليُلقي عليها نظرة .. وضع كفيه على حافَّته الخشبية .. و اخذ يتأملها و هي نائمة و مشاعر جديدة أبويَّة يشعُر بها لأول مرة قال مُحدثاً نور : متى تصحى ؟ انا ما اشوفها الا نايمة .
لم تُجبه .. صمت و ملامحه ترُق لنعومة ملامح تلك الصغيرة الملفوفة بِوشاح قطني وردي اللون .. من شِدَّة وداعة و نعومة شكلها ..يشعر برغبة غريبة في قضم وجنتيها الناعمتين .. قال بضِحكة : اخاف اتهور و اعضها بدون ما احس .
مد يده نحوها ليُداعب وجنتيها بحذر ..و ما ان احسَّ بنُعومتها .. سحب يده عنها خِشيةً من ان تكون لمساته خشِنة مُقارنةً بهشاشتها و رقتها .. استدار بهدوء نحو نور و قد ادرك انها تتعمد تجاهله ..ازعجه ذلك و لكنه يفهم طِباع زوجته العاطفية .. هي تنتظر منه ان يُعبر عن شوقه و حُبه لها و يتغزل بها .. لذلك تتدلل عليه الآن و تتجاهله لأنه لم يتفوه بأي كلِمة غزل لها الى الآن .. و قد ملَّ من اخبارها مُسبقاً بأنه لا يُجيد التعبير عن مشاعره بالكلام - يخونه التعبير - فلا يستطيع صِياغة مشاعره في كلِمات .. و لكنه لن يخلُق مُشكلة الآن ليس و هذه الليلة الأولى لها معه بعد وِلادتها .. ابتسم بخِفة و هو يُمرر اصابعه على جبينه ..يُحاول ايجاد كلمات تشرح شوقه لها .. استغرق منه ذلك دقيقة كاملة و هو يُحاول ان يكون - رومانسياً - كما تُريد هي ... قال بارتباك : تدرين نور .. حياتي من دونك سلطة بدون ليمون .. ماصخة ما لها طعم .
بقيت جامدة مكانها .. و هو لازال يحتفظ بابتسامته .. حسناً .. يعترف بأنه فاشل في صياغة الكلمات الغزلية .. و يبدو بأن تشبيهه لها بالليمون لم يُعجبها .. ولكنها اذا نظرت الى عينيه ستفهم كم هو مُشتاق و مُتلهف لها.. و انه ليس بحاجةٍ للكلمات ليشرح حرارة شوقه لهـا ..دنى منها ليميل برأسه و يُطفئ غليله بقُبلة على جانِب نحرها .. ليتنفس أريج رائحتها المميزة التي اشتاقها .. وضع كفيه على ذراعيها ليقلبها ناحيته .. استدارت له بتلقائية لتقابله بضيق ملامحها ودموع عينيها ، اتسعت عينيه بذهول و تساؤل .. لقد كانت بِخير قبل دقائق .. ما الذي قلب حالها فجأة !! : بسم الله عسى ماشر وش فيك ؟؟؟
مدت له القميص وهي تلفظ من بين اسنانها : امسك وشمه وتعرف وش فيني
لم يفهم ما تعنيه بكلامها ، قطب حاجبيه وقال : نور وش فيك ؟ ليه دموعك اربع اربع !؟
رمت بالقميص نحوه ورفعت صوتها الباكي في وجهه : اقولك شمه .. الله فضحك قدامي خلاص ماتقدر تنكر
التقط القميص الملقى بجانبه بارتباك من كلامها ، انصاع لها وبدأ بشم القميص كما قالت ، ابعده عنه بعد ان عرف المغزى من تصرفها ، رمى به وهو يرمقها بنظرات حادة غاضبة ، لم تمر ساعة منذ ان عادت الى المنزل وها هي ذا تعود الى عاداتها القديمة وتشك فيه للمرة المليون ربما ،
قالت بصوتها الباكي ذاته : ليش ساكت ؟؟ وينه لسانك الشبرين اللي متعود تسكتني فيه ؟؟
، نظر اليها ببهوت وعينيه تراقب دموعها المنهمرة واذنيه تنصت الى صوتها المتقطع وكلماتها المقهورة الغاضبة ، كان من المفترض ان يكون غاضبا وحانقا منها ومن كلامها ومن تشكيكها المستمر له الذي طالما ما زجرها ونهرها عنه ولكنه نظر اليها بجمود ثم بدأت ملامحه ترتخي شيئا فشيئا ، انفرجت شفتيه بابتسامة عريضة ثم انفجر ضاحكا في وجهها ، توقفت عن التذمر والبكاء واتسعت عينيها وهي تنظر اليه وهو غارق في ضحكاته ، اقتربت منه وهي تمسكه من ساعده بقوة : انت ما عندك قلب ؟ فوق خيانتك تضحك بعد !!
ابعدها عنه وهو يحاول ان يقاوم ضحكاته ولكنها تزداد كلما نظر اليها و قابل ملامحها البائسة ، ابتعدت عنه بيأس وهي تكاد تنفجر من قهرها : ما عندك احساس و لا دم ... لكن ما اقعد معك دقيقة زيادة الحين ترجعني بيت ابوي..
اندفعت الى مهد الطفلة لتأخذها وهي تبكي و تتوعد بهمس ، اقترب منها ومسكها من ذراعها ليوقفها ، صرخت في وجهه : وش تبي بعد ؟؟؟ اتركني آخذ بنتي واروح ف حالي ... وانت كمل خيانة على راحتك و ورقة طلاقي توصلني
قال وهو يبتسم وقد دمعت عينيه من الضحك : غبية ...وتطلبين الطلاق بعد ؟؟ ههههههههه نسيتي انك انت الي رشيتي العطر على القميص عشان على قولتك اشتاق لك ؟ وهاذي ريحة عطرك يا هبلة
نظرت اليه و قد جمدت ملامحها وفغرت فاهها بغباء وهي تستوعب ما قاله ، بقيت لحظات تتذكر و تستوعب و تُحلل ، وبدأت تتذكر احداث تلك الليلة التي سبقت ولادتها بايام قليلة حيث كانت تحزم اشيائها لتستعد للذهاب لبيت والدها ، و كانت قد ملأت قميصه بعطرها حتى فرغت تلك القنينة منه " عشان اكون على طول في بالك و هالريحة تذكرك فيني فغيابي عنك ...خليه جنبك في البيت ... اتفقنا ؟؟"
تذكرت عندما سحب القميص منها بعصبية وهو يقول : هذا القميص اروح فيه المستشفى يا هبلة .. وش تبغين الناس تقول عني ؟؟ اتركي باقي ثيابي واياني واياك اشوفك راشة من عطرك عليهم ... فاهمة ؟ "
ابتعدت عنه حينها و هي تقول " ماعندك ذرة رومانسية "
أدركت كم هي حقاً " هبلة " كما يقول ، كيف جعلت غيرتها تسيطر عليها وتنسيها انها هي من رشت العطر على قميصه ؟ وقفت امامه وهي تشعر بأن جبهتها " طارت " من الاحراج ، بينما كان ينظر اليها بسخرية لاذعة ، قال بضحكة : صرتي ام وبعدك على نفس الهبل ... الله وكيلك من ذاك اليوم والقميص مرمي على السرير ما شلته
قالت بجمود : يعني ما لبسته ؟؟
رفع كتفيه بلا مبالاة : طبعا لا
ابعدت عينيها عنه بصمت وامسكت بالقميص واعادت شمه ، نظرت اليه وهي ترفع حاجبها وقالت بشك : بس غريبة ان ريحة العطر ما راحت مع ان مر شهر
اتسعت عينيه بغير تصديق ، رغم كل شيء لازالت تشك به ، رفع صوته بنفاذ صبر : نوور مجنونة انتِ ؟؟ ما راحت لأنك فرغتي نصف غرشة العطر على القميص ... وبعدين كيف لك وجه تتكلمين بعد .. لقطي وجهك بس
قالت بتبرير وهي تطرق برأسها الارض باحراج : انا بس قلت غريبة ان ما راحت الريحة ما اقصد شي .... وآسفة ان ظنيت فيك سوء بس هذا مو مني. هذا كله من اكتئاب ما بعد الولادة .. بسرعة اتأثر و ابكي ... انت دكتور وتعرف ان هرموناتي متخربطة وانسى كثير و ..
قاطعها وهو يطرق باصبعه على رأسها : انا من عرفتك وانت هبلة لا تأثير هرمونات ولا شي هههههه. متى بتعقلين وينتهي الهبل اللي انت فيه ؟ .... الله يستر لا تطلع بنتي هبلة على امها .. شكلي باخذها منك خوفا على مستقبلها هههههههههههههههه
قالت بانزعاج : قلت لك هذا من اكتئاب ما بعد الولادة .. لا تقعد تمسكها عليْ الحين !!
بقي يضحك امامها .. و عينيه تلوحان بنظرة مُستخفَّة لها .. استفزَّها ذلك و ابتعدت عنه : ايه انت وش درَّاك !! ما ذقت المُعاناة الا انا ذقتها .. حمل و ولادة و بعدها رضاعة و سهر و خربطة هرمونات و ارهاق .. و فوق هذا زوج بدل ما يعاونني .. يضحك و يتمسخر !!
تابعها بعينيه و هو يُحاول ان يمسك نفسه عن الضحك عليها .. هتف لها لكي لا تخرج من الغرفة : تعالي يا اكتئاب ما بعد الولادة .. عشان خاطر هرموناتك بحاول ما اضحك و امشيها لك .
اكملت ابتعادها : ايه تمسخر خذ راحتك
يقترب منها مُسرعاً ليقف امامها و هو يقول : و الله ما تزعلين ..ها تراني حلفت !! يلا عن الدلع و لا تقلبيها زعل من اول يوم ..!!
ابتسمت له لتعود الحياة بعدها الى مجاريها .
لقد كان يمازحها فقط ولم يكن جاداً وهي ايضا لم تكن جادة عندما طلبت الطلاق كانت تتدلل كعادتها ولكن احداث ذلك اليوم تتكرر الآن وبصورة اخرى وبشكل مختلف وانقلب ذلك المزاح الى واقع ، لقد طلقها حقا بل واخذ سارا منها ايضا ولكنه هذه المرة لا يمزح ، وضعت يدها على جبينها و هي تشعُر بالألم يعتصر قلبها .. أخذت تُفكر انه في النهاية كان دائماً يسامحها لأنها على حسب قوله "هبلة " ويجب ان لا يضع عقله في عقلها ، دائما ما كانت تنتهي شجاراتهم بقول " انا بمشيها لك لأنك هبلة ... وانا المفروض ما احط عقلي في عقل هبلة " او بصيغة اخرى " بتظلي طول عمرك هبلة وبظل طول عمري اسامحك لهالسبب " ، وهي لم تكن تعتبر كلمة " هبلة " اساءة او شتيمة لها بل بالعكس ، فهي تعشق تلك الكلمة منه ، لانها تعلم انها تعد كلمة غزل في قاموسه ، ولأنه عندما يقولها يكون قد راق مزاجه اخيرا وعاد لطبيعته المسالمة ، ولانه يقولها وهو يضحك وتلتمع عينيه بنظرات هائمة وتنفك عقدة شفتيه بابتسامة عاشقة ، و لان نبرة صوته تترجمها لها بمعنى " حبيبتي " او " احبك " ، تسامحني لأنك تحبني وليس لانني كما تقول " هبلة " بل لانك تحبني ولا تقوى دموعي ، ولكنك بسبب جلافة طبعك وغلظة الفاظك ولان قاموس كلماتك شحيح من الكلمات الرقيقة اللطيفة تقولها لي بمصطلح آخر مختلف ، فكلمة " هبلة " أدركت بل تيقنت انها تعني " احبك " .
*
*
كان وليد يقف عند مواقِف المشفى .. ينظُر امامه بشُرود .. هذا المشفى الضخم الذي امامه الآن .. هو أحد مُستشفيات والده .. مُستشفيات والده ذات السُمعة و الصيت .. المعروفة بجودة عِلاجها و خِبرة أطبائها و يقصدها الكثير لهذا السبب .. اما هو فلا يأبه بها و لا تشغل تفكيره أبداً .. نظر الى ساعة مِعصمه .. لقد مرت نِصف ساعة من دخول مروة الى المشفى .. لتزور تلك الفتاة هـالة .. عِندما يمر اسم تلك الفتاة عليه .. تسطع تلك القيادة الذهبية في مُخيلته .. و كأنه يقرأه مُجدداً من تلك الحروف المنقوشة من الذهب .. " هـالـة " ..ثُم تبرُق تلك الحروف الأربعة في ذِهنه .. ابتسم مُستخفاً لتلك الفكرة .. و هو يُحاول محي تلك الحروف الأربعة من سماء مُخيلته .. لن يُشفق عليها الآن .. فلتذهب للجحيم !! .. لقد تورط بِها مثل ما تورطت به ... و هو ليس في وضع يسمح له بأن يُشفق على أحد.. و ان كان سيُشفق على احد فسيُشفق على سُلطان المسكين الذي اُلغي زفافه بسببه .. و السبب بأنه لمس مخطوبته قبله !! انفلتت منه ضِحكة مُستخِفة لتلك الحقيقة .. هو لا يستطيع الإشفاق على سُلطان الاحمق مهما حاول .. و ان كان هُناك من يستحق الشفقة فهي تلك المسكينة التي ترقُد في المشفى الآن بسبب ما حدث .. و لكنه ايضاً لن يُشفق عليها ..من تكون هي ليُشفق عليها ؟ .. لا يعرفُها و لا تمُت له بصِلة .. ثُم من أين تعرِفُها خيال ؟ سُؤال ينحصر جوابه في خيارين .. اما ان تكون هالة فتاة طائشة تتبع هواها مثله .. او تكون مُدمنة مُخدرات .. لا شيء يشرح سبب معرفة خيال بها غير ذلك .. و هو لن يشغل نفسه أكثر بالتفكير بها .. فلتذهب هي و سُلطان و خيال الى الجحيم !!
استدار بهدوء الى مروة التي فتحت باب السيارة لتجلس بجواره .. ادار مِفتاح السيارة ليُحركها و ينطلق خارجاً من مواقِف المشفى .. تحدثت مروة و هي تنظُر اليه : الله يلعني مرة ثانية اذا سمعت كلامك !!! البنت مسكينة و تعبانة .. قال تلاحقني قال هه .. العتب ما هو عليك .. على اللي يصدقك و يحسب لك حساب .
لم يستطع كبح فُضولِه .. لقد علِم مُسبقاً بأن هالة تكون ابنة خالة ياسمين .. لذلك كانت ذلك اليوم في القصر .. و لكنه يُريد ان يعرف أكثر .. و ما قِصة تلك الفتاة بالضبط .. : وش صار ؟ كيـف اعتذرتي لهـا ؟
مروة : قلت لها انك ما تقصد تأذيها .. بس غازلتها لأنك مشبه عليها و هي انخضت عشانها كانت مريضة من الاساس .، اكملت باحتقار و هي تنظر في عينيه : مرة ثانية اذا جيت تغازل .. غازل لك وحدة صاحية !!
اتسعت عينيه و قال باستنكار : غـازلتها !! و من اللي قالك انِّ كنت اغازلها .. من زينها بعد !!
رفعت حاجِبها و قالت بمكر : أجل وش كنت تبي فيها ؟
صمت يُحاول كتم ما بِداخله .. ادار مُقود السيارة .. لينعطِف الى طريق آخر .. قاصِداً الطريق الى الكُويت .. مُحاولاً ابعاد تلك الفتاة عن عقله و الانشغال في القيادة .
اكملت مروة حديثها قاصِدةً استفزازه : غريـب امرك .. البنت تركوها اهلها في دار الحماية .. و معها اكتئاب حاد .. و تجي انت يا الفاضي و تخرعها زيادة .. اكملت بحِدة و نظرات عاتِبة : البنت جاها انهيار عصبي بسبتك !!!
" دار الحماية " اليس هذا هو المكان الذي تلجأ اليه الفتيات المُضطهدات من قضايا اخلاقية او تعنيف اسري ؟ هل انتهى الأمر بتلك الفتاة بأن تُحجز في تلك الدار و يتخلى عنها اهلُها ؟ و كل ذلك بسببه !! أغمض عينه بقوة ثُم فتحها بمُكابرة .. ليس هو السبب بل خيال !! ليس هو السبب بل خيال .. هو لا ذنب له و لن يُشفق عليها !! لن يُشفق عليها !!
اكملت مروة : انت من وين تعرفها ؟ وش قصتك معها ؟
تجاهلها .. نظرت اليه بازدراء ثُم قالت و هي تُشيح بوجهها الى النافذة : مصيري بعرف .. لأن فضايحك بسرعة تطلع ريحتها .
تجاهلها و الأفكار تأخذ به يُمنةً و يسرى .. يحاول إخراس صوت ضميره و ان يجد حلاً يُخرجه من تلك المعمعة .. قال بجمود : جد ترى انـا بس مشبه عليها ما اعرفها !!
نظرت اليه بطرف عينها بشك و عدم تصديق .. تعرِفه جيداً .. يُحب المشاكل و يبحث عنها .. و مُتأكدة ان هُناك سراً وراء تلك الفتاة .. قالت بقهر : معدوم احساس انت .. اقول لك جاها انهيار عصبي !! و انت عادي و لا كأنك مسوي شي .. انـا حسيت بتأنيب الضمير كيف انت ؟
لم يتغير جموده .. و لكن هدوءه و جمود ملامحه كان ظاهرياً فقط .. يُرغم نفسه على عدم الإكتراث .. بينما ضميره يُعاتبه بتحدٍ .. و هو يُحاول جاهِداً اخراسه بلا فائدة .. هو في صِراع داخلي .
تحدثت مروة. لتزيد عليه اللوم : وش شعورك و انت أذيت بنت ضعيفة و مسكينة و ما لها أحد ؟ مرتاح و عادي الوضع عندك ؟ ابي افهم وش تحس فيه ؟
نظر اليها بامتعاض .. الا يكفيه صوتُ ضميره ؟ لتُكمل عليه مروة الآن !! .. قال بنفي : ما اعرفها عشان اتعاطف معها .
مروة : ماهو ضروري تعرفها عشان تتعاطف .. في شي اسمه تعاطف انساني.. بس طبعاً عقلك المريض ما يعرف هالشي .. ، قالت بشرود و هي تُعاود النظر الى النافذة : ذكرتني بنفسي .. كانت حالتي تشبه حالتها تذكر ؟
قال بهدوء : كنتي مُراهقة و تفكيرك على قدك .. عشان كِذا كنتِ تفكرين بغباء لين ما مرضتي نفسك .
مروة : بس انا وقتها كان معي ابوي و وقف معي و ما تركني .. بس هاذي مسكينة من لها و هي مرمية في دار الحماية ؟ .. يا خوفي حالتها تنتكس اكثر .
ضغط على مُقود السيارة .. لا يُريد ان يُشفق .. يريد ان يصرُخ بمروة بـ " انخرسي " .. فهو لا يُريد ان يسمع شيئاً يُحفز صوت ضميره أكثر .. لا يُريد !!
مروة : تراها هي بعد صغيرة .. مادري كم عمرها بالضبط بس واضح انها مُراهقة .
كان كلامها كالملح على الجُرح .. هل آذى فتاة صغيرة مُراهقة ؟ .. و لكن خيال اخبرته بأنها عشرينية .. هل كانت تكذب ؟ ام ان شكل تلك الفتاة لا يُوحي بعُمرها ؟
زفر انفاسه بازدراء و قهر .. لن ينجرف لصوت ضميره .. لن ينجرف !!
قال مُحاولاً تغيير الموضوع .. و ان يصُب قهره في موضوع آخر : مروة تراني بعدني مقهور من اللي صار بينك و بين ابو حنان .
رمقها بحِدة نظراته .. يعلم ان ما حدث كان محض صُدفة .. و لكن مروة بجُرأتها الزائدة زادت الطين بلاً .. تتصرف بجُرأة و كأنها رجُل !! و هذا ما يـخيفه ..هي جريئة لدرجة ان يُتوقع منها أي شيء .. و دائماً تدعي الا مُبالاة .. و انها قوية و لا تحتاج لأحد .. و لكن الحياة ليست كما تشاء !! حتى لو كانت قوية و ذكية الا ان هذا لا يكفي .. تبقى هي فتاة و عليها ان تتصرف دائماً على هذا الاساس .. فالمُجتمع لا يرحم .. و الحياة مليئة بشياطين على هيئة بشر ..
لم تتوقع مروة ان ذلك الموضوع لازال في بالـه .. قالت بعدم اكتراث : طيب و المطلوب ؟
وليد : المطلوب منك تحترمين نفسك و ما تدخلين نفسك في شي ما يخصك .
اكمل بقهر : كان يتكلم عنك قدامي على انك ولد .. كيف تسمحين له يشوفك !!!
مروة و هي تنظُر الى أظافرها بلا مُبالاة : هو اللي دخل بدون احم و لا دستور ..، رفعت رأسها و قالت بتأنيب : و كان جايب معه خمر !! فلا تقعد تسوي حالك علي .. و على اساس انك تنصحني و انت اردى مني بمليون مرة !! و انـا ما كان قصدي انه يشوفني ..و ماني مضطرة ابرر لك موقفي !!!
زفر انفاسه بقهر .. برودها و لا مُبالتها يجعلانه يفقد صوابه !! رفع صوته : هالكلام اللي اقوله لصالحك يا غبية .. حتى لو شافك و انتِ بشكلك العبيط ذاك و فكرك ولد هالشي ابداً ما يشفع لك !! و عقاباً لك فبتغطين وجهك لأنه احتمال يشوفك .. لا تقهريني اكثر و اسمعي الكلام .
استدارت له ببرود و قالت بتحدي : اقول بس كِل تبن .. اذا ابوي سامح لي ان اكشف وجهي و اتحجب بس .. فانت تنطم و ما تتدخل فيني سامع ؟؟ و صاحبك الغبي ابو الخمور ما يهمني .. و حريقة تحرقك انت و اياه .
مُشكلته انه ليس في موضع يسمح له أن ينصح .. ليس و هو غارِق في الذنوب من رأسه الى أخمص قدميه .. و التي يخاف عليها و يُريد نُصحها تعلم بذلك .. و لكنه أدرك الآن انه يجب ان يخاف !! .. و خصوصاً على مروة .. فنظرة المُجتمع للفتاة تختلف عن نظرتها للرجُل .. فالمُجتمع دائماً ما يُعظم خطأ الأنثى و اما خطأ الذكر ..فهو قابل للتعديل و النسيان .. و مروة بلا مُبالتها تلك تُخيفه ..
رفع صوته مجدداً : من اليوم و رايح ما ابي اشوفك لاحقتني للشاليه .. لأنك وين ما اروح تلحقيني ابو الخمور على قولتك شافك !!
مروة : طيب و بعدين يعني ؟
وليد : انتبهي لنفسك .. و هالغلط ما ابيه يتكرر .. و حالياً غطي وجهك ما ابيه ياخذ عنك فكرة غلط
مروة بسخرية : لا تضحكني وليد .. لا تقعد تفتي في الدين و انت ما تعمل فيه .. طيب ؟ و انا طول عمري اكشف وجهي و هالشي حلال و ابوي ولي امري سامح لي .. و مين انت عشان تتدخل فيني ؟ تكفى لا تقول اخوي لا تخليني اضحك هههههههه و على اساس ان علاقتي فيك الحين ما تجاوزت حدود الشرع .. لا نقعد نكذب على بعضنا اكثر ..انت ولد عمي ما انت اخوي .. و هذا انت سامح لنفسك تشوفني من غير حجاب و تلمس ايدي و تتعامل معي بكل راحة .. و الحين جاي تتفلسف على راسي تغطي و مادري ايش .. اقول روح نـ
شهقت بقوة و اتسعت عينيها و هي ترتد الى الأمام لأنه اوقف سيارته التي كان يقودها بسُرعة فجأة .. فرتطم جسدُها الى الأمام بقُوة .. تأوهت بوجع .. بينما كان وليد يرمُقها بحدة .
استدار لها بملامح غاضبة : اسمعيني يا مريو زين و حطي هالكلام حلقة في اذنك .. حجابك ما تتهاونين فيه و تحترمين نفسك و تعقلين و عن الجُرأة الزايدة الا فيك .. و اذا رحنا الكويت بتغطين وجهك عشان هذاك لا يظن فيك سوء و خلينا نرقع السالفة بما انه مايعرفك و يفكرك واحد من الشباب .. احمدي ربك انها مرت بس على كِذا و الا كان لي تصرف ثاني معك .
نظرت اليه بقهر و تساؤل .. ما بِه ؟ يبدو غريباً بعض الشيء .. مُنذ متى و هو يُدقق في تصرافاتها و ينصحُها بتلك الحدة ؟ .. قالت بخفوت : وش فيك ؟ وليه توقف السيارة كِذا ..وجع يوجعك عورتني !!
اخذ نفساً و هو يُحني رأسه للمقود قليلاً .. زفره بضيق و وهن .. انزاح ذلك الغضب من عينيه ليحل مكانه شيء آخر لا يفهم ما هو ؟ هل هي الشفقة على حالته الميؤوس منها .. ام هو انكسار و انعدام حيلة .. ام انه الضمير يتحدث في عينيه .. قال بنبرة خافتة : انـا اعتراضي ما هو على مسألة تتغطي او لا .. التزمي بحجابك و بحشمتك عموماً و لا تتهاوني فيهم !! هالمسألة ما فيها مزح ...و انـا اعترف انِّي ضايع و ان الغلط راكبني من ساسي لراسي .. اعترف اني ضايع و لا تفكرين انِّي مبسوط بهالشي ، نظر اليها بنظرة لم تفهمها : و انتِ لا تضيعين نفسك مثلي .. اذا مو عشان نفسك عشان ابوي الواثق فيك .
تتأمل هيأته الغريبة التي لم تعتدها بعدم فِهم و هي التي كانت دائماً ما تفهمه حتى قبل ان يتحدث .. الا انها لم تفهمه الآن .. و بهذه النظرات المُريبة و هذا الخِطاب الغير اعتيادي .. قالت بكبرياء : انـا طول عمري عند ثِقة ابوي فيني .. و محافظة على حجابي بدون ما حضرة جنابك تتكلم .
قال بهدوء : و خليك على طول كِذا .. و لا تخوفيني عليك .
حرَّك السيارة مُجدداً ليُكمل طريقه .. بينما كانت مروة تُتابعه في صمت .. استغربت وضعه .. و كلماته تلك بالرُغم انها لا تُناسبه الا انها أثرت فيها .. " لا تخوفيني عليك " .. جميلة تِلك الجُملة منه .. عميقة و ذات معانٍ تحسست صِدقها ..
اسندت ظهرها على الكُرسي .. و هي تُفكر في كلامه .. يخاف عليها او انه يغار بأن يراها صديقُه و يربُط الاحداث ببعضها .. ام انه فقط مُحرج ؟ .. لا يُهم فهذا لا ينفي حقيقة حرصه عليها و مهما كان السبب
التفتت اليه و هو يتحدث و كأنه عاد لطبيعته الساخِرة : يعني وش تبينه يقول عنك .. خُنثى ؟ و الا عبد الناصر درويش متحجب ؟
لم ترُقها كلمة " خُنثى " و لكن تشبيهه لها بـ " عبد الناصر درويش " جعلها تتفجر ضحكاً : ههههههههههههههههههههههههه
نظر لهـا بطرف عينه و ابتسم .. قالت بعد أن هدأت ضحكاتها : ما عندي نِقاب .
قال بهدوء : تلثمي .
حسناً ستُنفذ رغبته و لا تفرُق لديها كثيراً .. وليد لا يعلم بحقيقة ان حنفي رآها فِعلاً بعد تلك الحادثة و ميَّز بأنها فتاة .. و هي في جميع الأحوال لا يُهمها امر ذلك الأبله .
مروة بتحدي : لا تفكر انِّ بتغطى عشانك قلت .. بس لأنِّ ما ابي هذاك الغبي يطالعني و يروح فكره بعيد .
اومأ لهـا بالايجاب يُجاريها ..استدار لهـا و هو يراها تتلثم بطرف طرحتها .. تقوست عينيها بضحكة و قالت بسُخرية : كِذا زين ؟ ارتحت ؟ ... لا تقول عبد الناصر متلثم بعد ههههههههه .
تسمرت عينيه على عينيها .. و تلك العينين أخذته بعيداً .. اخذته لذكرى تلك الفتاة ذات العينين الغزاليتين .. الفتاة التي جعلته يتبعها و يركض وراءها و هو يمقُت ان يركُض وراء أحد !! عِندما غطت مروة نِصف وجهها .. و اقتصر نظره على عينيها و حاجبيها فقط .. بدت عينيها تُشبهان عيني أُختها الريم كثيراً ..جاءه صوتُها مُجدداً و هي تسخر بتغنُج مُصطنع و مُيوعة .. ترمش بعينيها بطريقة مُلفته .. : ما قلت لي وش رايك ؟
استدار عنها لينظُر الى الطريق و هو يبتسم قال بنبرة ساخِرة : ما هقيت ان البراقع تفتني .
ضحكت لسُخريته بينما تصنع هو الضحك .. اكملت مروة مُزاحها و هي تتصنع دور الفتاة المُتغنجة و تتحدث بميُوعة لا تُناسبُها : وليـد لا تسوق بسرعة .. اخاف تطيح لثمتي .. و شغل لنـا شي نسمعه الطريق طويـل و تفش .
صمتت تنتظر ردة فِعله .. تُخفي ضِحكة على وشك ان تظهر .
قطب جبينه يُمثل الانزعاج بسُخرية : وييع انتِ بدون شي صوتك ماايع و بعد تميعينه زايدة !! .. تكلمي عدل لا تخليني استفرغ .
انفلتت ضحكتها .. ثُم قالت تُكمل مُزاحها بذات الصوت المُصطنع : الحين صار اسلوبي ما يعجبك ؟ ليه حبيبتك الريم ما كانت تتكلم الا كِذا .
ابتسم و قد فهِم انها كانت تُقلد الريم و تسخر عليها قال بضحكة : ترى جد صوتك يجيب الغثياان .. اتكلمي عدل و الا اسكتي تراك لوعتي كبدي ..
قالت بعناد بذات الصوت المتغنج المائع : يا ربي هو كذا صوتي ليه ما تفهم
استدار لها و رفع صوته بضحك : ترى بحذفك من السيارة الحين !!!
ضحكت و ضحك هو ايضاً بسُخرية .. بينما وضع كفه على كفها و نظر بعينيها و قال بجدية : و انـا ما انظر لك الا على انك اختي .. و انـا سواءً كنت ولد عمك و الا اخوك فما يفرُق عندي المُسمى .. انا مُستحيل اضرك في شي او انظر لك بنظرة غلط .. و حتى لو تحجبتي عني فما تفرق لأني حافظ شكلك عن ظهر قلب ..، اكمل بضحكة : فاذا تحجبتي عني انا كِذا و الا كذا حافظك فـ وش تفرق ؟
صمتت و انزلت نظرها الى كفه التي تُعانق كفها .. بكلامه الآن يختصر طريقة تفكيره و نمط حياته الذي يسير عليه .. هو يُطبق أحكام دينه على حسب مزاجه و هواه .. يأخذ منها ما يُريد و الباقي يفتي من رأسه فيه و يُبرر فيه جهلاً او تجاهلاً ... و هي التي تُدرك جيداً كم هو شخصٌ ضائع و مُتهور و تسير حياته على حسب مِزاجيته .. تراهُ و هو في اسوء حالاته .. عِندما يُصبح مخموراً بين غِياب العقل و الهذيان .. حينها يهذي و يهذي و يفضح نفسه و يُفشي بأسراره لهـا دون ان يشعُر .. يفضح نفسه و يُفصح لها بالكثيـر !!
*
انتهى
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!