في كل رأس سنة، نقف للحظات نلقي نظرة على ما مضى من السنين، وكأنها قطار يعبر بنا المحطات بسرعة لا تمنحنا وقتًا كافيًا للتأمل. نحمل أمانينا للسنة القادمة، باحثين عن السعادة التي تبدو أحيانًا كوجهة نهائية، لكنها في الحقيقة تكمن في تفاصيل الرحلة نفسها.
كان يجلس على المقعد يقلب حبات سبحته بين أصابعه يراقب زوجته تفتح الخزانة الخاصة بها تستعد لارتداء ملابسها الواسعة وقد طغى اللون الأسود على ردائها وقد بدا عليها وقار من هم في مثل عمرها، ربما أوشكت على الواحد والخمسين تقريبًا أو أزيد عامًا.
استدارت ترمق زوجها بنظرات ملامة فتجاهلها هو. ثم دست الأموال بداخل كيس النقود الخاص بها. مدت يدها على الطاولة تلتقط تلك الصورة الفوتوغرافية التي تجمع أعز ما تملك وهم أبناؤها الخمسة. وكان هبة الله الأولى لها "لقمان"، الابن الأكبر الحنون صاحب الثلاثين عامًا يقف بالمنتصف بين أشقائه بابتسامته الحانية ونظرته لهم تدل على حنانه اللامتناهي. أما عن البقية يجتمعون من حوله وتبدو على وجوههم السعادة الغامرة.
تنهدت بحرقة تهز رأسها في تأثر وانتقلت عيناها تراقب تعابير زوجها المتهكمة. ودون أن تشعر تركت البكاء يعرف طريقه نحو وجنتيها ثم قالت بصوتٍ باكٍ مستنكرًا مختنقًا بسبب العبرات: ـ مش ناوي تيجي معايا المرة دي كمان يانصار؟ هز رأسه نافيًا وترك المكان وتحرك منه بخطوات شبه راكضة يلقي على مسامعها: ـ قلت لأ يانعيمة يعني لأ. تحدثت بألم: ـ انتَ ما بقيتش تنزل من البيت خالص يانصار. أدار ظهره وقال بصوتٍ يحمل في طياته مزيجًا
من الحزن والحزم: ـ عشان من وقت اللي حصل وأنا ما بقيتش أخرج من البيت، بقيت كاره الخروج بره بتخنق بحس إني مش قادر أتنفس. نظرات الناس ليا كل ما أطلع بحس إنهم عايزين ياكلوني بعنيهم. أسئلتهم بتنهش فيا وببقى مش عارف أرد أقولهم إيه.
قطعت خيط كلماته فجأة، إذ لاح لها في عينيه بريق الإصرار الذي لا يقاوم. بصوتٍ متزن، وكأنها تحاول أن تخفف ثقل الكلمات التي توشك أن تنطق بها، قالت وهي تمرر ظهر يدها برفق على البرواز الصغير الذي استقر بين كفيها، وكأنها تلامس ذكريات حية تسكن بداخله: ـ خلاص، خلاص يا حج نصار. اللي تشوفه. هاروح لوحدي المرة دي بس لازم المرة الجاية تيجي معايا.
أوشكت عيناها على اختراق الصورة الفوتوغرافية، إذ اجتاحتها ذكريات كالطوفان، وقلب شارد لا يدري ما يصنع باضطرابه. عادت بذلك القلب إلى الوراء قليلًا، ثم اتكأت بجسدها الهلامي على حافة باب غرفته، غارقة في طيات الماضي. حيث انتفضت ذاكرتها تحمل صورة ابنها الثاني، "نوح"، ذلك الشاب ذو العيون البندقية، حاملًا شقاوة تشيب الرؤوس. رمقت الحاسوب في غرفته الخاصة، وشرَدت بهدوء تام في ما كان، حينما كان ينزع سماعات الأذن عن أذنيه،
ويخبرها: ـ رايحة فين يانعناعة قلبي في الوقت ده؟ استني ماتنزليش، شوفي أنتِ عايزه إيه من تحت وأنا هجيبهولك. بس استني معايا كيكايه. هخلص كلام معاها في المكالمة دي وأفضالك يا جميل. الا بالحق قوليلي أخبار ام عبير إيه؟ لسه بطل ولا الزمن هد البطل؟ انتزعت الحذاء من قدميها ثم ألقته عليه وهي تقول: ـ ما تلم نفسك يا ولا، أنتَ مش عاتق حد حتى أم عبير دي قد أمك.
فاقت من شرودها وهي مازالت تسمع بداخل أذنها تأوهاته من ضربتها بضحكات ساخرة. مسحت عبراتها من على وجنتيها تكمل طريقها للخارج بعدما عدلت من حجابها. أغلقت "نعيمة" الباب خلفها بأحكام بعدما تأكدت من محتويات حقيبتها بعناية. نزلت إلى الحارة بخطى متثاقلة، تحمل بين طياتها ثقل الذكريات.
لم يكن البيت الذي غادرته مجرد بناء من الحجارة والخشب، بل كان شاهدًا على أحلامهم، أفراحهم، وأوجاعهم. ذاك البيت الذي كُتب على واجهته بخطٍ عربيٍ متقن "آل موسى" كان يُعرف بين أهل الحارة، ليس فقط لأنه الأكبر أو الأكثر تميزًا، بل لأنه يحمل بين جدرانه تاريخًا عريقًا، وحكاياتٍ لا تُنسى.
وقفت على عتبة الطريق، ثم استدارت ببطءٍ لتلقي نظرة أخيرة على البيت وخاصةً اسم "آل موسى". ارتسم أمامها وكأنه يهمس لها بأسرار الماضي. امتلئت عينيها بحزنٍ عميق، لم يكن مجرد حزن فراق بيتٍ، بل فراق حياةٍ بأكملها.
وقفت تُحدّق في الطابق الأرضي، حيث النافذة ذات القضبان الحديدية التي كانت تشهد الكثير من الأحاديث بينها وبين تلك المرأة العجوز التي لطالما اعتبرتها كوالدتها. كانت تعيش بداخله. تطل من تلك النافذة. شردت بذاكرتها حين أوقفتها "نجاح" بصرامة: ـ بت يانعيمة، نعيمة! تقدمت نعيمة نحو تلك النافذة ذات القضبان الحديدية بتهكم:
ـ أنا مش قلتلك مية مرة ماتقوليش بت دي تاني ياما. لقمان خلاص على وش جواز وكام شهر ويخلف وهبقى جدة وأنتِ لسه بتقوليلي يابت. في وسط الحارة. مالت على النافذة تقول بغيظ: ـ أيوه بت وهتفضلي طول عمرك في نظري بت ومش هتكبري أبداً. وبعدين فين مقصوف الرقبة يحي بعتاه يجيبلي تمن حلاوة من أول امبارح وواقفه مستنياه لحد دلوقتي ومجاش. عايزه أفطر ياللي منكم لله. ضحكت على قولها وهي تخبرها:
ـ من أول امبارح ولسه مستنياه. أنتِ ما بتتعلميش أبداً. قلتلك يحي لأ، يحي لأ. ماتديش يحي فلوس ولا تبعتيه يجيب حاجة أبداً. كانت تقولها بنبرةٍ لا تخلو من مزاحٍ لطيفٍ. تلك اللحظات البسيطة التي لم تكن تعيرها اهتماماً حينها، باتت الآن أثقل الذكريات في قلبها. عادت للواقع على يد جارتها المقربة لها تهزها ناطقة:
ـ نعيمة، كل سنة وأنتِ طيبة ياحبيبتي. أنا مش ناسيه وعارفة أن عيد ميلادك النهارده مع يوم رأس السنة. يجعل سنة 2025 سنة خير عليكي. ماتيجي تقضي راس السنة معانا النهارده زي ما كنا بنعمل زمان. ده الواد طه جايب تورتايه وحلويات كده على القد. قولتي إيه؟ تخلت عن الصمت وتحدثت رافضة: ـ لا معلش، أنا بحب أقضيه مع العيال. ابتسمت بحسرة وهي تسألها: ـ أنتِ برضوا هاتروحيلهم بالليل كده؟
لم تتلق ردًا. هزت رأسها ببسمة حانية ثم تأملت النافذة من جديد لتجد النافذة خاويةً، موحشةً كحال قلبها. أخذت نفسًا عميقًا، كأنها تحاول جمع شتات روحها، ثم استدارت مرة أخرى لتكمل طريقها تاركة خلفها جارتها "وداد" تهمس بداخلها: ـ ياعيني عليكي يانعيمة. من وقت اللي حصل وأنتِ ما بقيتيش نعيمة اللي أعرفها.
كانت الحارة تموج بصخب الحياة، الأطفال يركضون بفرح بمناسبة دخول عام جديد، والباعة ينادون على بضائعهم. لكن "نعيمة" شعرت وكأنها تسير في وادٍ منفصلٍ عن العالم. خطواتها كانت تقودها بعيدًا، لكن عقلها ظل معلقًا هناك، عند ذلك البيت، وعند تلك النافذة. خرجت من الحارة بخطوات مثقلة، وقلبها يئن تحت وطأة الحزن. كانت تمسح الدموع بصمت، وهي تمضي وسط الزحام تبحث عن أي وسيلة تنقلها بعيدًا عن هذا الضجيج الذي زاد وجعها.
الليل كان مكتظًا بالناس، الحركة لا تهدأ، والأصوات تعلو من كل اتجاه.
وقفت طويلًا على حافة الطريق، تترقب سيارة أجرة، لكن الزحام كان طاغيًا، والانتظار أطول من احتمالاتها. الناس يتدافعون، بعضهم يسرع الخطى، والبعض يصطدم بها عن غير قصد. ومع كل اصطدام بسيط، كانت تلتفت دون وعي، وكأنها تنتظر شيئًا أو أحدًا. لم يكن الاصطدام يؤلمها، لكن كل لمسة عابرة أعادت إلى ذهنها صورة وليدها "أدم" أصغر أبنائها وهو مصاب بمرض "هافييوفوبيا" الذي يجعل الشخص ينزعج أو يشعر بعدم الراحة الشديدة عند لمسه. هذا المرض يُعرف بـ "رهاب اللمس"، اضطراب نفسي نادر يتسم بالخوف المفرط أو النفور من اللمس الجسدي، حتى لو كان من قِبَل أشخاص مقربين.
تحدث "آدم" بصوت متقطع، كأنه يبحث عن الكلمات بين أنفاسه، وهو يعدل سماعة الرأس المثبتة دائمًا على رأسه كأنها جزء منه لم تفارقه أبدًا، وكأنها درعه الذي يحميه من العالم. يبقى حقيبته قريبة من جسده يضمها بيديه بحرص، يتجنب بحذر أي اقتراب أو لمس من الآخرين، وكأن لمسة عابرة قد تزلزل عالمه الصغير. كانت حركاته مدروسة، وخطواته محسوبة، وعيناه تراقب المسافة بينه وبين من حوله بحذر صامت. يخبرها بقلق:
ـ أنا قلتلك، قلتلك ما بحبش أنزل. أنا في يوم راس السنة ده ما بحبش الزحمة، بكرهها. حاولت أن تمسك بيده بابتسامة دافئة وهي تقول بلطف: ـ بس إنت كنت بتحب نجيب الزينة بتاعت رأس السنة وإنت صغير فاكر يا آدم. كل سنة وانت طيب ياحبيبي النهارده رأس السنة. سحب يده بسرعة يحتضن حقيبته من جديد وعيناه تملؤها القلق، يعدل نظارته بتوتر وهو يرد بصوت مضطرب: ـ ما تلمسنيش... ما بحبش حد يلمسني.
استفاقت فجأة من ذكرياتها على صدمة خفيفة في كتفها. التفتت لتجد شخصًا مارًا قد اصطدم بها دون قصد. وعلى الرغم من أن الضربة لا تذكر ولكنها شعرت بذاك الشعور الذي يثقل الروح ويعيد الجراح القديمة. وكأن كل وجه غريب يحمل بين ملامحه طيفه، وكل خطوة تعيدها إلى ذكرى أبعد مما تحتمل. تلك الليلة المزدحمة، حاولت أن تستعيد توازنها لكنها سمعت صوت امرأة خلفها تقول بتذمر:
ـ بسرعة شوية يا حاجة، شايفة الزحمة عاملة إزاي. كلنا عايزين نروح بيوتنا. التفتت إليها وأومأت برأسها اعتذارًا، ثم أعادت نظرها إلى الأمام. وقبل أن تنتبه لما يحدث، وجدت نفسها وجهًا لوجه مع سيارة سوداء فاخرة، تسير نحوها بسرعة. لم تستطع التحرك أو التفكير. وفجأة صدمتها السيارة.
تجمع الناس حولها بسرعة، أصواتهم تتداخل بين القلق والغضب. نزل السائق من السيارة، شاب في منتصف العشرينات، يرتدي بدلة سوداء وقميصًا أبيض، ملامحه تعكس الاحترام والارتباك. ركض نحوها بسرعة وهو يقول بقلق: ـ يا حاجة... إنتِ بخير؟ أنا آسف جدًا، ما خدتش بالي، بس إنتِ كمان ما كنتيش باصة قدام. تعالت الأصوات من بين الحشد؛ قال أحدهم بسخرية: ـ أيوه، هطلع الغلط عليها دلوقتي. وردت امرأة أخرى بغضب:
ـ لما انتوا ما بتعرفوش تسوقوا، بتسوقوا ليه؟ نظر الشاب إليهم بحيرة، ثم قال رجل آخر بنبرة جادة: ـ يا ابني سيبك من الكلام ده، خدها بسرعة على أقرب مستشفى. أومأ الشاب برأسه وهو يقول بارتباك: ـ حاضر، حاضر، أكيد. اقترب منها وانحنى بجانبها ليسندها بحذر، ملامحه تنطق بالأسف وهو يقول: ـ أنا آسف جدًا يا حاجة... والله ما كنت عايز ده يحصل. مش عارف إزاي حصل كده.
ساعدها على دخول السيارة وأغلق الباب برفق، ثم أسرع إلى مقعد السائق. وبينما يقود، التفت إليها وقال بقلق: ـ طمنيني... إنتِ كويسة؟ لم يتلق ردًا. كانت جواره فأسرع يهتف بعيون راجية: ـ لا بلاش تسكتي كده، لو في أي حاجة قوليلي طمنيني الله يخليكي. وقبل أن تنطق رن هاتفه فجأة، وظهر على الشاشة اسم "البيت". ضغط على زر الرد وفتح المكبر يضع الهاتف أمامه وصوته يحمل توترًا واضحًا: ـ ألو، أيوه يارحمة، الحقيني أنا عملت حادثة.
كانت "رحمة" زوجته منهمكة في إلباس طفلها، استعدادًا للخروج، عندما سمعت صوت "عمر" عبر الهاتف يخبرها بأنه قد تعرض لحادثة. سقطت الملابس التي كانت تحملها من يديها دون أن تشعر واتسعت عيناها بدهشة وصدمة، وملامحها التي كانت هادئة تحولت فجأة إلى مزيج من القلق والغضب. هاتفه: ـ يعني مش هنخرج؟
هنا في حي صغير بمحافظة "السويس" يدعى هذا الحي بـ "حي الكويت" وبشارع "جامع بلال بن رباح" بالأخص، توجد صيدلية تخدم الكثير والكثير من أصحاب هذا الحي البسطاء ومالكها هو وليدهم "الطبيب طه". ابن هذا الحي البسيط.
كان "طه" يقف خلف العداد، يتنقل بنظره بين الزبائن في صيدليته، وقد امتلأت نفسه بالضيق والملل. فكل يوم كان يحمل له مفاجآت جديدة، لكن ليس بالمعنى الجيد. فكلما دخل زبون جديد، يزداد الأمر تعقيدًا. البعض يطلب أدوية لم يسمع بها من قبل، وآخرون يصرون على وصفات لا تفهم من أين أتوا بها. كان قلبه يكاد يتوقف من شدة الضغط، وهو يبتسم ابتسامة باهتة محاولًا إرضاء الجميع رغم ما يعانيه في نفسه.
حتى أتت له والدته "وداد" تجلس على المقعد. رأى "طه" الحزن بعينيها فسألها باهتمام وهو يسير بجوارها يحضر طلب الزبائن: ـ مالك يا أمي؟ حصل إيه؟ استدارت تطالعه وقالت بقهر: ـ نعيمة برضوا عملت اللي في دماغها وراحت تحضر عيد ميلادها مع عيالها. استدار وهو يطالعها بخيبة: ـ أنا مش قلتلك يا أمي؟ قولي لها إنها هتحضر اليوم ده معانا وإني جايب تورته مخصوص عشانها. أخبرته وهي تبرر: ـ قلت لها والله بس أعمل إيه؟
مارضيتش وسابتني ومشيت. دي حتى ما ردتش عليا. أردف بتهكم: ـ طب والعمل؟ هنسيبها كده برضو؟ تنهدت قبل أن تضيف: ـ العمل عمل ربنا يابني. بتر حديثهم دخول فتاة صغيرة تطالبه مسرعة: ـ دكتور طه، دكتور طه. أخرج سبابته حين رأى الطفلة أمامه وأخرج صوتًا متهكمًا حينما رآها: ـ ياختي! عايز إيه ياميرو؟ ما هي ناقصاكي على المسا. مافيش غيرك أنتِ عشان أختم بـ 2024. طلبت منه باهتمام وبصوت طفولي والبراءة بعينيها: ـ عندك رنجة؟ نطق مستنكرًا
ما يقال: ـ أنتي جعانة ياميرو! أعادت تكرر طلبها: ـ جعاناه إيه بس أنا عيانة مش جعانة. عايزة رنجة، رنجة. أجابها "طه" وهو يشير لها: ـ هتلاقيها عند الفسخاني في الشارع اللي ورانا ده. هزت رأسها نافية وهي تصحح مسرعة: ـ فسخاني إيه؟ أنا عايزة رنجة اللي بتتحط فيها الإبرة دي عشان آخد الحقنة. قالتها بنبرة عالية هذه المرة وفهم هو مقصدها:
ـ ياختي، حسبي الله ونعم الوكيل. أنا قلت ما حد هيقصر عمري إلا طلباتك دي. اسمها سرنجة، سرنجة يا آخرت صبري. بينما كان يحضر لها مطلبها أخرجت غطاءً ما من جيب بنطال لباس البيت المريح الذي ترتديه وبدت كأنها في عجلة من أمرها. تفاجأ طه من الغطاء سائلًا: ـ إيه ده كمان؟ رفعت الغطاء باتجاهه تمد ذراعيها أكثر ناحيته: ـ عايزة بقى المرهم بتاع الغطا ده.
التفت "طه" خلفه يطالع والدته بلوم وكأنه يلومها على دخوله هذه المهنة. مالت "وداد" إلى الأسفل تحاول إخفاء ضحكاتها التي أوشكت على الانطلاق بصوت عالٍ. أما عنه فتابع بعدم فهم: ـ أعمل إيه أنا دلوقتي؟ أدوق الغطا بطرف لساني. حسبي الله ونعم الوكيل. أمرته "والدته" بغضب: ـ ما تخلص يا طه ادي البت اللي عايزاه خليها تمشي. جذب "طه" الغطاء من الطفلة بعنف ثم قام بشمه مسترسلاً: ـ خدي يا آخرة صبري، طلع مرهم فولتارين. استرسلت "الطفلة"
في طلبها تخبره: ـ وكمان عايزة... بتر حديثها بتهكم: ـ أقسم بالله لو طلبتي حاجة تانية لأكون ضربك بالشبشب. أمشي يا أميرة. هرولت الطفلة للخارج فقام بمناداتها كمن تذكر شيئًا: ـ بت يا أميرة الفلوس. أخبرته وهي تهرول للخارج: ـ أمي بتقولك حطهم عالنوته. حرك "طه" رأسه بعدم رضا وهو يقول: ـ شايفة أهو نص الحارة على كده. كل ما أكلم حد يقولي خليها على النوته لحد ما النوته اشتكت. تجاهلت "وداد" حديثه بقول:
ـ سيبك من النوته دلوقتي وخليك معايا. هنعمل إيه مع نعيمة دلوقتي؟ أخبرها "طه" مسرعًا بعد أن وجد حجته: ـ ما تقلقيش، أنا هستناها ولو اتأخرت هاروح لها لحد عيالها. كانت والدته على وشك أن تكمل حديثها معه، لكنها توقفت فجأة حينما دخلت امرأة إلى الصيدلية. كانت تبدو في منتصف الخمسينات تقريبًا، تمسك بيد طفل صغير، وتجذب الآخر خلفها. كان على وجهها تعبير يدل على العجلة والارتباك. توجهت نحو ابنها بخطوات سريعة وقالت بصوت فيه رجاء:
ـ بالله عليك يا دكتور، عايزة الدوا اللي باجي آخده منك كل مرة ده لما الواد يبقى سخن وتعبان. سألها بحيرة: ـ أخمن أنا بقى، اسمه إيه؟ صمتت لثواني ثم انفرجت شفتيها بضحكة بلهاء كمن تذكر شيئًا للتو: ـ افتكرت، كان اسمه تقريبًا قطفلي الملوخية. وقفت والدته مذهولة للحظة، خطوط الدهشة ارتسمت على وجهها وهي تحاول استيعاب ما قيل للتو. طالعت ابنها بعدم فهم سائلة باستغراب شديد: ـ وإيه اللي بيقطفوله الملوخية ده كمان؟
رفع "طه" يدهُ ليسند بها رأسه على الفاترينة الزجاجية للأدوية، وعيناه تضيقان ببسمة سمجة قبل أن يرد: ـ قصدها كتافلاي للسخونية. ـ نزلني هنا يابني. قالتها "نعيمة" برجاء واعترض عمر عليها بقول: ـ أنزلك فين ياحجة، إحنا لسه ما وصلناش للمستشفى. أشارت لهُ ناحية قدميها تحركها بتمكن: ـ بص كده الخبطة خفيفة. أنا رجلي سليمة وزي الفل مش محتاجة مستشفى ولا حاجة. حدثها بهدوء منافٍ تمامًا بما بداخله: ـ أيوه بس برضوا لازم أطمن عليكي.
طقت بنفاذ صبر: ـ اسمع كلامي يابني أنا لازم أروح أشوف عيالي عشان أنا كده اتأخرت عليهم. فعرض عليها طالبًا: ـ طيب قوليلي فين عيالك وأنا أوصلك لحد عندهم. طالعته "نعيمة" بامتنان: ـ مش عايزة أتعبك معايا السكة من هنا طويلة. هز رأسه موافقًا وهو يقول باسمًا: ـ تعب إيه بس ياحجة أنا زي ابنك، وبعدين أنا راضي بس المهم ماسيبكيش إلا أما أطمن عليكي وأسيبك وسط ولادك. هو أنتِ عيالك فين بالظبط؟ أشارت له برأسها للأمام
تعلمه وجهتها وهي تقول: ـ أطلع على قرية. أوصلها "عمر" إلى وجهتها وبهت وجهه وعاد بنظراته إليها: ـ إحنا بنعمل إيه في الترب هنا ياحجة بالليل كده؟ ابتسمت "نعيمة" تحمل حقيبتها بين يديها تهبط من السيارة شاكرة: ـ تشكر يابني على توصيلتك ليا.
لم يكن في المكان سوى صمت ثقيل تخترقه نباح الكلاب البعيد، وقبور متناثرة تتحدى استواء الأرض، كأنها حكايات قديمة غاصت في الرمل ولم تجد من يقرأها. وقف يتأمل المشهد، وقد انتفض قلبه بخوف غامض حين رأى "نعيمة" تتقدم بخطى مثقلة نحو المدافن. كانت خطواتها كمن يسير فوق حافة الألم، كأن الأرض نفسها تتآمر لتثقلها أكثر.
تبعها دون أن يعي السبب، كأن ظله كان مشدودًا إليها بحبل من فضول وريبة. حين اقترب من المدفن الحديدي، أضاء مصباح هاتفه، لتقع عيناه على لوحة عُلقت على الباب، نُقش عليها بحروف داكنة "مدفن عائلة آل موسى". ازدادت حيرته، ففتح الباب بخفة ليجدها واقفة في الداخل، محاطة بخمسة قبور، كأنها جزء من تلك الوحدة المخيفة.
تقدم نحوها، محاولًا أن يفهم سر هذا اللقاء الغريب بين امرأة مسنة وبين صمت الموت. ركز ضوء الهاتف على القبر الأكبر في المنتصف، فرأى رخامًا أبيض نقيًا، محفوفًا بعمودين، ومنقوشًا عليه اسم "موسى ظهران" بلون أسود شديد الوضوح. كان القبر كأنه مركز الحكاية، بينما تحيط به أربعة قبور أصغر حجمًا، لكنها لا تقل حضورًا. قرأ
الأسماء واحدة تلو الأخرى: "لقمان نصار"، ثم "يحيى نصار". قلبه صار يضرب كطبل أجوف، وكلما نقل الضوء إلى قبر جديد، كان شيء داخله ينكسر. هناك على اليسار، قرأ أسماء القبرين الآخرين: -"آدم نصار" و "أنس نصار". أصابه قشعريرة باردة حين تأمل التواريخ المنقوشة. كان الموت قد جمعهم جميعًا في يوم واحد، 31 ديسمبر. أما أكبرهم، لقمان، فقد توقفت حياته عند ثلاثين عامًا فقط، بينما توزعت بقية الأعمار بين عشرين والثامن والعشرين عامًا.
ارتبك، كأن أنفاسه تتعثر في صدره، لكنه نظر نحو تلك المرأة التي بدت كأنها تقف على حدود عالمين، لا تنتمي إلى الحياة تمامًا، ولا يغمرها الموت كليًا. لم تقل كلمة، لكن عيناها تحكيان قصة لا يستطيع فك شفرتها.
حينما اقترب منتصف الليل، أخرجت من حقيبتها قالب كعك، كأنه شيء مقدس. حملته بعناية كأم تحمل جنينها. وضعته برفق على قبر "موسى"، ثم أشعلت شمعة صغيرة وسط الظلام. لم تكن الابتسامة التي ارتسمت على وجهها فرحة، بل كانت مزيجًا من الحنين الموجع والشوق الذي ينهش القلب. نظرت إلى القبور بنظرة مشبعة بالشجن، وهمست بصوت يشبه الأغنيات الحزينة: ـ ما قدرت أعدي يوم ميلادي من غيركم ياضي عيوني.
وحين دقت الساعة منتصف الليل، أطفأت الشمعة، كما لو أنها سلبت آخر ما تبقى في قلبها من نور. انهمرت دموعها بصمت، وكأنها تُطفئ نارًا عاشت طويلًا في صدرها. لم تكن تبكيهم فقط، بل تبكي نفسها، تبكي ذلك الجزء من حياتها الذي دفنته معهم. تراجع "عمر" بضع خطوات إلى الوراء، تقرب إلى التسحب، عيناه مثبتتان على المشهد الذي أمامه، قلبه ينبض بقوة كأنما يريد أن يهرب من صدره. لم يجرؤ حتى على التفكير في السؤال الذي يتردد في عقله:
ـ يا ترى دول أولادها؟ لم يكن هناك حاجة للسؤال، الإجابة كانت واضحة، محفورة على ملامحها وهي تبتسم لهم برقة. أم تحتفل مع أبنائها، أبناؤها كانوا هم من اختارت أن تبدأ معهم عامًا جديدًا، أن تفتح لهم صفحة أخرى من حياتها.
ابتلع ريقه بصعوبة، وعيناه تهربان منها ومن الحقيقة التي طُرحت أمامه بلا رحمة. استدار بارتباك وسار نحو سيارته، خطواته متعثرة كأن الأرض تهتز تحت قدميه. فتح باب السيارة بعصبية، يداه ترتجفان كأنهما عاجزتان عن تنفيذ أبسط الحركات. أدخل المفتاح في المكان المخصص لهُ، لكن اهتزازه العنيف جعله يسقط من بين أصابعه إلى الأرض. انحنى بسرعة ليلتقطه، وصوت أنفاسه يعلو كأنه يحاول السيطرة على عاصفة تشتعل بداخله.
وفي تلك اللحظة، كسر صوت هاتفه رتابة الليل. وقف متجمدًا للحظة، ثم أخرج الهاتف من جيبه بيد مرتعشة. ما إن رأى اسم زوجته "رحمة"، حتى شعر بنوع من الطمأنينة، أو ربما نوع من الهروب. تنفس بعمق وضغط على زر الإجابة بصوت متوتر، يكاد يخفي ارتجافه: ـ رحمة... أنتِ فين يا رحمة؟ جاء صوتها من الطرف الآخر، حادًا ممتزجًا بنبرة من العتاب: ـ أنا برضوا اللي فين ياسي عمر؟ أنا اللي قاعدة لوحدي؟ دي آخرها؟ تعدي رأس السنة وتسيبني؟
أنا هخرب بيتك لما أشوفك! حاول تهدئتها، رغم أنه بالكاد يستطيع تهدئة روحه. ارتبكت كلماته وهو يقول: ـ اهدي... اهدي يا رحمة، أنا جاي حالًا. الطريق زحمة بس أنا في السكة. بينما كان يتحدث، لمح زاوية شاشة هاتفه. البطارية كانت على وشك النفاد، 2% فقط تفصله عن الانقطاع التام. صوته أصبح أكثر توترًا، وأكمل: ـ التليفون ممكن يفصل في أي لحظة، وأنا مش معايا شاحن بس أنا خلاص قربت، دقيقة وهكون عندك.
لكنه لم يكن يعرف أن "دقيقة" قد تتحول إلى أبدية. فجأة، انقطع الاتصال، الهاتف أطلق أنينه الأخير، ثم خفتت شاشته. حاول "عمر" أن يشغل الهاتف من جديد، لكن لا جدوى. وضع الجهاز بعصبية على لوحة القيادة، بينما تنفلت منه تنهيدة ثقيلة أشبه بصرخة مكتومة.
داس على دواسة البنزين بنية اللحاق بالوقت الذي يبدو أنه قرر معاقبته تلك الليلة. لكن القدر كان يحمل له مفاجأة أخرى. صوت انفجار مدوٍ صدم أذنيه، واهتزت السيارة بشدة. توقف على الفور، قلبه يخفق كأنه يحذر من شيء أسوأ. نزل ليتفقد الأمر، ليجد أحد إطارات السيارة وقد مزقته شظايا زجاج متناثرة على الأرض. انحنى على ركبتيه، يحدق في الضرر كأن عقله يرفض استيعاب ما يحدث.
وقف سانداً بظهره على باب السيارة ينظر إلى السماء التي لم يكن بها قمر تلك الليلة، فقط نجوم متباعدة، كأنها تشاهده من بعيد دون اقتراب. زفر بتنهيدة عميقة يتمتم من بين شفتيه: ـ يارب، ده اختبار ده ولا عقاب؟ صرخ بغضب مكتوم، وصوت أقدامه يركل الحطام بعصبية. توجه إلى صندوق السيارة ليتفقد الإطار الاحتياطي، لكنه تذكر فجأة أنه أخرجه في وقت سابق ولم يعيده.
وقف هناك، في ظلام المدافن، محاطًا بصمت ثقيل وبرودة تلتف حوله كحبل مشنقة. لا هاتف، لا سيارة، ولا حتى سبيل للخروج من هذا المكان الذي بدا وكأنه حُكم عليه بالبقاء فيه وحيدًا، مع أفكاره التي تحاصره بلا رحمة. قطع حبل أفكاره صوت نعيمة التي تقف خلفه سائلة بنبرة مبطنة بالدهشة: ـ أنتَ لسه ماروحتش؟ انتفض جسده والتف مسرعًا إليها. زادت نبضات قلبه عند رؤيتها تكاد أن تسمعها من كثرة خفقانه. تستقبل صمته، أعادت سؤالها بحيرة:
ـ انتَ كويس يابني؟ مامشيتش ليه؟ إيه اللي موقفك هنا لوحدك؟ أسئلة سؤال تلو الآخر يستقبله بعينان تائهتان في ملامحها التي تحمل هدوءًا غريبًا وكأنها اعتادت على المكان وظروفه. حاول أن يبدو طبيعيًا وهو يقول بصوت متردد: ـ أنا كنت مروح، بس كاوتش العربية فرقع، والتليفون الشحن خلص منه مش عارف أتصل بحد ييجي ياخدني. رفعت حاجبها وهي تنظر إلى وجهه الذي صار شاحبًا، كأنه يحمل لون الموتى، وقالت بنبرة شبه مطمئنة:
ـ طيب، ومالك بتعرق كده ليه؟ ابتسمت ابتسامة حانية تسترسل: إحنا في ديسمبر، يعني الجو زي التلج. ولو على التليفون فانا معايا تليفون... سيباه هناك في الشنطة. اتصل بحد ييجي ياخدك بدل ما انت واقف كده، الدنيا ليل، زي ما انت شايف، والمقرئين والزوار مش هييجوا إلا الصبح.
أومأ برأسه بالموافقة وهو عاجز عن الرد. تحركت نحو المدفن الخاص بعائلتها، فتبعها بخطوات ثقيلة، كأنه يسير إلى مصير مجهول. دخلت هي إلى الداخل، لكنه ظل متجمداً عند عتبة الباب، لم يجرؤ على الاقتراب أكثر. أخرجت الهاتف من حقيبتها، والتفتت لتنظر له لتجدهُ يقف خارج المدفن، عينيه معلقتان بها لكنه متجمد في مكانه. ابتسمت وقالت بنبرة تجمع بين الدعابة والحقيقة: ـ أنا عارفة إنك خايف... بس يا ابني الخوف مش من الميتين...
الخوف أكتر من الصاحيين. تجاهل تعليقها ولم يعلق، فقد كان عقله مشغولًا بالتخلص من هذا الوضع الغريب. كل ما أراده هو الحصول على الهاتف والاتصال بشخص ينقذه. أمسك الهاتف واتصل بأحد أصدقائه، وبعد عدة محاولات اكتشف أن لا أحد يستطيع الوصول إليه قبل صباح الغد. الجميع تحدث عن زحمة الطرق وصعوبة التحرك. أغلق الهاتف وهو يتنهد بعمق، وكأن الأمل قد تبخر: ـ مافيش فايدة.
التفتت نعيمة إليه وهي تبتسم ابتسامة هادئة، وكأنها تعرف مسبقًا ما حدث، وقالت: ـ الظاهر إن لينا نصيب نقعد مع بعض كام ساعة كمان.
لم يرد عليها، لكنه نظر حوله كمن يحاول الهروب بعينيه من الواقع. بينما هي تحركت بهدوء نحو قبر "موسى". مدت كف يدها خلفه وأخرجت من جانبه "بابور" قديم و"براد" معدني، ومن حقيبتها الصغيرة زجاجة ماء وكيسًا يحتوي على السكر والشاي. بدا واضحًا أنها زائرة معتادة لهذا المكان، وكأنها تعتبره بيتًا آخر. شغلت الكانون ووضعته على الأرض، ثم ملأت البراد بالماء ووضعته فوق النار المشتعلة. رفعت عينيها نحوه، وهي تمسك بالبراد تسأله بهدوء:
ـ أعملك معايا شاي، عشان تبلع بيه كيكة عيد ميلادي؟ بدت كلماتها عادية، لكنها حملت بين طياتها هدوءًا أربكه. حدّق فيها لبرهة، ملامحه كانت مرآة لخوفه، صامتًا كأنه يخشى أن يخطئ التقدير. أدركت ما يجول في داخله، فهمت تردده، فابتسمت بخفة وهي تحتسي أول رشفة من كوب الشاي، ثم مدت إليه كوبًا آخر وقالت بلطفه: ـ ما تقلقش... ما حطيتلكش في حاجة.
تردد للحظة، لكنه أخذ الكوب في النهاية، وبمجرد أن لامست أصابعه دفء الكوب شعر بشيء من الطمأنينة. أخذ رشفة صغيرة وهو يراقبها بحذر. قطعت قطعة من الكيك بجانبها، قطعت منها لقمة وأكلتها أمامه بابتسامة عفوية، ثم عرضت عليه: ـ تاخد حتة كيك؟ ده أنا عملاها على طريقة أنس، ابني... هتعجبك قوي. تلك الابتسامة، الهادئة كنسيم الفجر، جعلته يشعر بشيء مختلف. مد يده وأخذ قطعة صغيرة وحين تذوقها انطلق لسانه دون أن يدري: ـ الله!
حلوة قوي الكيكة دي... دي أول مرة آكل كيكة حلوة أوي بالشكل ده. ابتسمت مجددًا، لكن هذه المرة كانت ابتسامتها مختلفة، مختلطة بحزن قديم سكن عينيها، وقالت بصوت يحمل الكثير من الذكريات: ـ دي طريقة أنس، ابني... الله يرحمه. كان بيحب الطبخ زي عينيه. كان نفسه يبقى شيف مشهور، لكن الدنيا استكترت عليه فرحته وبقى زي ما أنت شايف كده قدامك. تنهدت بعمق، وكأن أنفاسها كانت تحمل معها ثقل الحكاية. لم يستطع مقاومة فضوله، نظر إليها
وقال بصوت حقيقي لأول مرة: ـ إيه اللي حصل لأولادك؟ انقبض قلبها فجأة، وارتجفت يداها. دمعت عيناها دون استئذان، لكنها لم تنظر إليه مباشرةً قالت بصوت متقطع: ـ دي حكاية طويلة، ما تتحكيش باختصار. أصرّ، بصوت هادئ يحمل مزيجًا من الاهتمام والشفقة: ـ طب احكي. الليل لسه طويل، وإحنا قاعدين ما ورانا حاجة لحد الصبح.
ترددها كان واضحًا، لكنها رأت في عينيه اهتمامًا صادقًا. ربما لأول مرة شعرت أن أحدهم يريد أن يسمعها، لا مجرد سماع كلماتها، بل سماع قلبها. حدّقت في النار الهادئة، ثم بدأت تحكي. صوتها يحمل وجع السنوات، وطريقتها في تحضير الكيك، واحتفالها مع أولادها الخمسة الذين أصبحوا الآن مجرد ذكرى. كل تلك الصراعات كانت تثقل كاهلها، لكنها حملتها بصمتٍ غريب، كأنها تروي للعالم بصبرها: أنا أقوى مما تظنون، وأضعف مما أظهر.
كانت عيناها مليئتين بحكايات لم تخرج إلى النور، مشاعر مكبوتة. تناستها مع الوقت، أو هكذا تظاهرت. وكأن كل دمعة لم تنزل كانت تعبر عن صرخة مكبوتة في قلبها، وكل ابتسامة منكسرة كانت تخبر الحياة: "لن تهزميني، مهما حاولتِ."
كانت تنظر إلى النار المتراقصة أمامها وكأنها ترى انعكاسًا لوجعها، وكأن الشرارة التي تشتعل وتخبو تمثل سنواتها التي احترقت ببطء دون أن ينطفئ وهج روحها. رغم الحزن الذي يلف ملامحها، كان فيها ثبات غريب، ثبات الأم التي فقدت، المرأة التي جُردت، والإنسانة التي اختارت أن تبقى واقفة حتى حينما كان السقوط أسهل. بكلماتها البسيطة، بابتسامتها التي تحمل نقيضها،
كانت كأنها تقول: "الحياة أخذت مني أغلى ما أملك، لكنها لم تأخذ مني إيماني بأنني سأبقى، ولو للحظة أخرى."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!