الفصل 7 | من 8 فصل

رواية و لأنه موسى الفصل السابع 7 - بقلم ماهي احمد

المشاهدات
19
كلمة
9,261
وقت القراءة
47 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

ماذا لو أتت لك الفرصة لفعل شيء كنت تنتظره منذ سنين؟ ماذا لو تركت مشاعرك تقودك، فسلمت لها زمام الأمور، ومضيت خلفها دون رجعة؟ ماذا لو وجدت نفسك تحدق في عيون لا تعرفها، لكنها بدت مألوفة... كأنك رأيتها قبل أن تولد؟ هل ستصدق الإحساس؟ أم تتهم قلبك بالجنون؟

أغلقت السيدة نعيمة صنبور الماء ورفعت ذقنها مغمضة عينيها تنشف ماء وجهها وأدركت في تلك اللحظة أن المنزل هادئ من ضوضاء الشباب. دخلت إلى غرفتهم وتأكدت ظنونها بأنهم قد غادروا المنزل في وقت متأخر كهذا. مدت خطواتها إلى غرفتها تفتح الباب بتذمر. "شوفت، شوفت عيالك يا نصار." انتفض الحاج نصار من نومه بفزع، تدور عيناه يمنى ويسرى قائلاً بنبرة تشوبها القلق. "ايه في ايه... العيال جرالهم حاجة؟

ألقت المنشفة من على كتفها على المقعد الخشبي. "قوم، قوم يا راجل شوف عيالك الساعة داخلة على اتنين بعد نص الليل وعيالك مش فيه يا نصار." قالتها وهي تجلس على المقعد والقلق ينهشها من الداخل. أطلق تنهيدة مرتاحة وسوداويته تعاتبها من خلف نظارته التي قد ارتداها للتو. "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم." أشار بيديه على السرير بجواره. "تعالي نامي يا نعيمة، تعالي نامي ربنا يهديكي." رفعت رأسها أثر ندائه ليسقط بصرها على هدوئه.

اقتربت منه والغيط يعتليها بسبب نبرته الهادئة تلك. "أنام!! "انت ياراجل أنت ما بتخافش على عيالك، بقولك عيالك مش في البيت تقولي تعالي نامي." عقد حاجبيه لغرابة ما تقوله رافعاً الغطاء من عليه بتذمر واضح على ملامحه، نزل من على فراشه يتجاوزها، وأوقفته هي بحديثها. "خد ياراجل أنا مش بكلمك." توقف يضرب يده بيديه الأخرى. التفت إليها يقترب منها مدلكاً صدغيه. "عايزاني أعمل إيه؟

أروح أمسك مكروفون وأمشي في الشارع وأقول ياناس يا خلق، عندي خمس عيال شحطة قد دلفة الباب، أصغر عيل فيهم ييجي ٢٢ سنة، خرجوا كلهم سوا من البيت ولسه مارجعوش." وجه سؤاله نحوها وهو يتوقع إجابتها، يعلم ما ستقوله أو ربما ما ستفعله فهو يحفظ جميع أفعالها عن ظهر قلب. "اتريق، اتريق... اتريق ياخويا اتريق... ماهو ده اللي أنت فالح فيه." أشارت بأصابعها على فؤادها. "ما أنا أقول إيه، قلبك حجر مش بياكلك على عيالك."

طالعها وهي تستند بجانب النافذة ونسيم الهواء يبعثر تصفيفة شعرها. أتى بحجابها الذي وجده بجواره يمد كف يده بقول. "خدي ماتقفيش في الشباك بشعرك." إذ تبسمت بخفة وهي تأخذه منه، وكأنها تسخر من شيء ما. "شعر إيه ياراجل هو أنا عاد فيا شعر." التقطت منه الإيشارب تربطه على رأسها. "ما خلاص كله راح والشعر الأبيض اتنطور في كل حتة." جلست على المقعد أسفلها تشير إلى أسفل ظهرها. "فين، فين أيام ما شعري ده كان لحد هنا، وتقيل وسايح ونايح."

تنهدت بحسرة على ما مضى. "بس الزمن بقى يلا، هنقول إيه كله راح." اقترب يجلس في المقعد المجاور لها وحدقيه تطالعها باستمتاع. "هو إيه ده اللي راح يا أم لقمان، إيه رأيك بقى إنك كل ما تكبري كل ما تحلّي في عيني زيادة." ضحكت بخفة ضربته على كتفه مداعبة. "ياراجل ما خلاص بقى، أنت لسه فيك حيل للكلام الحلو." فتح الدرج القريب منه بانسيابية هادئة يخرج منه علبة مغلفة بكيس أسود، تطلع إليها ثم مد يده بها نحوها.

قطبت السيدة نعيمة حاجبيها تتصنع الفضول والدهشة. "إيه دي." وضع العلبة في حجرها بحركة يعرف أنها ستفهمها، ثم نظر إليها نظرة من اعتاد ألا تنطلي عليه الحيل الصغيرة. "أيوه، أيوه... استعبطي، استعبطي، ما إنتِ عارفة يانعناعة إيه دي." ابتسمت كأنها طفلة تمسك بهدية طال انتظارها، وبدأت تفتحها بشغف ظاهر على ملامح وجهها. "والله أنا قلت نسيت السنة دي... حتى تلاقيني ما عرفتش أنام." أومأ برأسه ببطء، وصوته يقطر حنانًا.

"أيوه قولي بقى إنك ما عرفتيش تنامي قبل ما أديكي هديتك مش عشان العيال مش في البيت." أصدرت صوتًا بجانب فمها بدلال. "لأ ما هو أصل... بتر حديثها بازدياد قربه منها. "لأ أصل ولا فصل وأنا أقدر بردُه يانعيمة ماجبلكيش هدية عيد ميلادك... كل سنة وإنتِ طيبة يا ست الستات." حين لمحت زجاجة العطر التي تعرفها جيدًا، ازداد بريق عينيها. وضعت القليل منه على يدها، ورشت بفرحة لم تحاول كتمانها. "طيب والله...

ده أجمل عيد ميلاد عدى عليا يا نصار... ربنا ما يحرمني منك أبدًا... ولا من دخلتك عليا." وضعت الهدية بجانبها، ثم توجهت نحو خزانتها، أخرجت أسورة ذهبية وارتدتها كأنها تحيي ذكرى. "بص... بص موسى جابلي إيه عشان عيد ميلادي." كانت عيناها تلمعان بفخر لا يخلو من حنان الأم. "عمره ما نسي عيد ميلادي أبدًا، حتى لو مسافر بيبعتلي هديتي مع ابن عمه." انقبض صدره فجأة، وحاول أن يخفي ما راوده، لكن تعبير وجهه خانها.

اقتربت منه وجلست، تسأله بهدوء. "مالك يا نصار، أنا قلت حاجة ضايقتك." رد بصوت خافت، وكأن الكلمة تخرج من مكان بعيد. "أنا عارف إني بقالي كام سنة ما بجيبلكيش هديه دهب زي زمان." قاطعت كلماته بإشارة من يدها، وعيناها تلمع بصدق لا يشترى. "ما تكملش، ما تكملش يا نصار... دهب إيه وزفت إيه.. ده أنت عندي بكنوز الدنيا وما فيها، يا جوزي وراجل عمري وأخويا وسندي." ثم رفعت زجاجة العطر أمامه، تبتسم كأنها تصدق كل كلمة.

"والإزازة دي عندي أحسن من ألف أسورة وغويشة... اخس عليك يا نصار، أنا أبص لدهب وكلام فاضي زي ده." ضحك، أخيرًا، تلك الضحكة التي يعرف أنها تخصها وحدها. "أصيلة... طول عمرك أصيلة وبنت أصول يا نعيمة." ....

مجلس تحوطه المياه من كل جانب يقع جوار أحد الجسور بمنطقة حوض الدرس. الساعات الأولى من الصباح ساعة الشروق والهواء يحرك الأشجار هنا وهناك. شعروا به يحركهم معه. يقفون في دائرة صغيرة، وكل واحد منهم يمسك بكوب شاي بلاستيكي بين يديه. الجو بارد، والأنفاس تخرج من أفواههم على هيئة بخار خفيف، يظهر ويتلاشى بسرعة مع نسمات الصباح. فرك نوح كفيه ببعضهما البعض حتى يستمد منهما الدفء قائلاً.

"هو ده ياسى موسى اللي هعشيكوا في عم جوجل وبتاع.. اخرنا نقف على الكوبري بكباية شاي." ضم موسى سترته على صدره، وارتشف من كوبه بملل يشير إليه برأسه. "مش ذنبي ياسيدنا، مش أنت اللي فضلت ترقص على الكرسي ساعتين، وكل أما أقولك يلا يا نوح عم جوجل هيقفل تقولي استنى شوية لحد ما قفل." أخرج طه كعكة صغيرة من جيبه ليخرس صراخ معدته، ووسط فتحه لها نَبس نحو نوح الذي يستمر بتبادل نظرات لاذعة صوب موسى الذي يزفر بانزعاج.

"ما خلاص بقى يلا مالك، واخدها على صدرك كده ليه، المهم قضينا شوية وقت حلوين سوا." مد أنس كف يده إليه طالبًا. "ما تجيب حتة مولتو ياض ياطه." اقتطع طه جزء صغير من خاصته يعطيه له قائلاً. "فاكرين يارجالة لما كنا بنيجي هنا واحنا صغيرين ونقعد نتنطط على الجسر ده وفاكرينه بحر." اعترض لقمان قائلاً. "ياعم ماتفكرناش بقى كانت أيام زبالة زيكم." ابتسم أنس وسط مضغه للكعكة بفم مفتوح.

"ط.. طب فاكر يلا أنت وهو، لما كنا بنبقى عايزين ننزل في المايه يلا والواد بشر قلع هدومه وكان عايز ينط." اشمأز لقمان من طريقة حديثه هكذا. "ابلع يلا الأكل اللي في بوقك تك الرف، شوفنا البلعوم." فتح أنس فمه أكثر نحو لقمان. "اكشفلي على بلعومي يسطا." ليثير استفزاز لقمان أكثر قائلاً. "يسطا ماتخلنيش أمد إيدي عليك، هضربك وربنا." ليلفت بشر انتباههم بحديثه.

"اعمل لابوكم إيه، ما إنتوا عارفين عمري ما روحت مصيف وببقى عايز أبلبط، حرمت يعني ولا حرمت." رن هاتف نوح فجأة، فأخرجه من جيب بنطاله بنفاد صبر، وما إن علم هوية المتصل حتى عبس وجهه. جذب موسى السيجارة من فم نوح، أخذ نفسًا طويلًا وحين أخرجها من بين شفتيه، تطاير الدخان في الهواء، وقال يلوح بسيجارته. "ماترد ياسيدنا، ماتصدعناش، دي عاشر مرة التليفون يرن." تجاهل نوح حديثه وهو يشيح بوجهه لبشر. "خد يسطا، قولها أي حاجة."

رفض بشر، سائلاً. "مين فيهم دي يسطا." أشار نوح بيده وقال دون رغبة في الحديث. "هتفرق معاك إنه فيهم، يلا انجز." هز بشر رأسه رافضًا، ورفع كفه في الهواء. "لا يا عم، ماليش في." ناول نوح الهاتف إلى آدم، الذي بدا عليه التردد، ممسكًا بالهاتف بنظرات حائرة. "آه بس، أقولها إيه." دس نوح الهاتف في يده. "ياعم قولها أي حاجة، أقولك، قولها إني مت." فتح آدم الاتصال بصمت، والأنظار كلها مثبتة عليه، انتظارًا لرد فعله.

ابتسم بخجل وهو يومئ برأسه، وقد ظهر عليه الارتباك، ثم قال بصوت خفيض. "الو... وانتظر لثواني حتى يجيب. "لأ... أنا، أنا مش نوح." استمع لسؤال الجانب الآخر ثم أضاف. "هو بيقولك إن... إنّه هو مات." انفجر الجميع في ضحك مكتوم، ورمقه نوح بدهشة غير مصدق. ناوله آدم الهاتف بخجل، وهمس وهو يشيح بوجهه. "مش عارف أنا... مش بعرف أقولها إيه." تقدم موسى، وأخذ الهاتف منه وهو يطفئ السيجارة تحت قدمه. ثم قرب الهاتف من أذنه وقال بنبرة هادئة.

"أيوه يا بنتي... صمت قليلًا كأنه يستمع. "أيوه للأسف، الخبر فعلاً صحيح... إحنا بندفنه دلوقتي." تبدلت نبرته، ثم أضاف بلا تردد. "أنا مين؟ أنا... أنا أمه." انفجر الجميع في ضحك هستيري، حتى نوح لم يستطع تمالك نفسه، غير قادر على التوقف من كثرة الضحك. ....

هذه الأمسية ليست لطيفة للبعض فهناك من يجاريه النوم. تأخرت شيماء اليوم في موعد الرقاد بسبب تفكيرها الزائد فيما حدث. تتقلب عن يمينها ويسارها على الفراش. زفرت شقيقتها فاطمة بنعاس واضح بنبرتها. "يــــــوه، ما تتهدي بقى ياشيماء مش عارفة أنام." لتجدها تنظر لساعة رسغها توجه حديثها لها. "قومي يافاطمة بقى الله يكرمك، خلاص الساعة بقت خمسة الفجر، يادوبك عشان تروحي شغلك." قابلت شقيقتها طلبها باعتراض.

"شغل إيه ده ياشيماء اللي هصحاله الفجر حرام عليكي، اقفلي الستاير دي عايزة أخمدلي شوية بفضل واقفة في المحل طول النهار على رجلي عايزة أرتاح." لجأت شيماء للصمت أثر شعورها بالإنهاك الفكري طوال الليل. لاحظت شقيقتها مدى حيرتها. أعتدلت بجلستها تدحرج بصرها سائلة. "مالك ياشيماء، فيكي إيه من وقت أما جيتي أنتِ ولقمان وانتِ ساكتة، حصل حاجة هناك." طالعتها بنظرات ملامة. "تاوك لما افتكرتي تسأليني ياختي."

تنهدت فاطمة بملل تدعك عينيها بثقل. "ما أنا لو كنت سألتك أول ما جيتي ياشيماء مكنتيش هتقوليلي، وهتقوليلي مافيش.. زي كل مرة، سيبتك لما تجيبي آخرك خالص، وتبقي حاسة إنك عايزة تحكي، ويلا بقى احكي بدل والله أسيبك وأنام." دحرجت مقلتيها في اغتياظ من سخريتها حتى في مثل هذه الأوقات وهي لا طاقة لها بمجادلتها. فقالت دفعة واحدة.

"موسى سمعني النهارده وأنا بكلم سمير وبقوله على الواد اللي عجب بيا في الفرح بتاع آخر زبونة ويديله رقمي ويا ريت ما يبقاش زي آخر واحد." شهقت شقيقتها بصدمة تضرب بيديها على صدرها بفزع. "يانهار أبوكي مش فايت وبعدين عمل إيه لما سمع كده." أرادت النهوض لولا إمساك شقيقتها بذراعها الحرة تسألها وسط شعورها بالاحتراق والانزعاج. "تعالي هنا رايحة فين، ماتنطقي موسى عمل إيه لما عرف، قال للُقمان ولا حصل إيه، ماتفهميني."

أزاحت ذراعها عنها بعدما نزلت من على الفراش بعيون مشبعة بالقلق. "المصيبة يافاطمة إنه ما قالش ولا فتح بوقه، أنا اللي اتدلقت وخرّيت بكل حاجة زي الجردل، حسسته إني عاملة عملة." جلست على المقعد مقابلها بغيظ تضرب بكف يدها على ساقها بقوة تضيف. "عارفة، عارفة لو كان قالي مثلاً، أنتِ إزاي تعملي كده، أو حتى غضب، صوته بقى عالي عليا." لكن هذا ما فيش يابت.

"طب حتى يروح يقول للُقمان، يعمل أي حاجة يافاطمة، أي حاجة، كنت هرتاح لكن ده سكت بصلي حتة بصه، اللي ينشك في عيونه الواسعة دي وسابني ومشير." رفعت إبهامها تستردف. "ماقالش غير كلمة واحدة بس." قطبت فاطمة حاجبيها بفضول. "إيه هي." قضمت شيماء شفتيها بغيظ ساخرة من نبرته. "قال إيه، اتنفسي... إيه اتنفس دي." ابتلعت ريقها بخنقة.

"ما أنا برضوا الغلطانة يافاطمة أنا اللي أول ما شفته زي ما يكون شفت عفريت، ركبني الرعب ومبقتش قادرة أقف على رجلي وسابني أضرب أخماس في أسداس، وكل دقيقة أبص في الموبايل أشوف لقمان باعتلي حاجة، طيب ياترى هيقوله إيه." وضعت كفيها على رأسها بتذمر. "بولـــيكه، بولـيكه يابت في دماغي قد كده أهوه، تفتكري يافاطمة هيقوله."

أنهت حديثها وبقيت تحدق بشقيقتها تنتظر أن تنبس بأي شيء تطمئنها به. صمتت فاطمة لثواني تقضم شفتيها تحاول التركيز قائلة. "تؤ، ما افتكرش، موسى أذكى من كده." اقتربت منها وفضولها يسبقها. "ليه..؟ جلست فاطمة على طرف الفراش. "هقولك ليه مش هيقوله، أولاً موسى عارف ومتأكد لقمان بيحبك قد إيه، وهو شخص هادي وراسي بيفكر في الحاجة قبل ما يعملها." أشارت شيماء برأسها بالإيجاب. "أيوه أنتِ صح مش متهور لاء." ضربت فاطمة بكف يديها الاثنتين.

"شوفتي بقى يعني لو كان زعق أو حتى نادى على لقمان، عارفك بجحة وكنتي وقتها هتتحججي بأي حاجة وهتكذبيه وهتقولي إنه كداب وبيكدب ومحصلش، وإنه بيعمل كده عشان هو بيكرهك ومش عايز جوازك من لقمان يكمل، وعشان عارف لقمان بيحبك قد إيه فكان ممكن يخسره قصادك وهو لا يمكن يخسر لقمان مهما حصل." "يابنت اللعيبة تصدقي صح كلمته قصاد كلمتي، وأنا لساني طويل مكنتش هسكت."

قالتها شيماء بنبرة هادئة تناقض زعزعتها من الداخل، أردفت وفوضى من المشاعر تخالجها. "طيب والعمل، ما هو برضوا مش معقول يافاطمة هيسمعني وأنا بدي رقمي لواحد تاني وهيسمع أكيد يعني هيعمل حاجة، ماتعرفيش هيعمل إيه." طالعت شيماء وهي تذم شفتيها والضيق يتفشى بها، لتقرر مراوغتها قليلاً. "طيب وانتِ مالك قلقانة كده ليه، ما يعمل اللي يعمله أنتِ مش بتقولي إنك عايزة حد غير لقمان، يتحكم، ويؤمر، وينهي، ويبقى معاه فلوس."

أومأت شيماء وقد أدركت صحة كلامها للتو، أردفت وهي توجه خطواتها نحو الفراش بنبرة منكسرة. "أنا مش هقدر أنكر إني نفسي بجد في واحد يبقى هو الأمر الناهي في حياتي." تغيرت نبرتها بحدة. "بس الأهم من ده كله إنه يبقى معاه فلوس، عربيات بقى وفساتين، وسهرات ونطلع من أم حي الكويت اللي عايشين فيها دي." تنهدت حين ذكرت.

"بس برضوا اللي عمله لقمان معايا ما يتنسيش أنا بحب لقمان، ولقمان لي فضل عليا كتير، وياما وقف معايا وسندني، بس مش عايزة أعيش في الفقر فهماني، فاهمه عايزة أوصلك إيه." أشارت فاطمة برأسها نافية.

"لأ ياشيماء أنتِ ما بتحبوهوش، اللي بيحب حد بيخاف يجرحه وأنتِ معندكيش أي مشكلة إنك تجرحي لقمان، أول بس ما تلاقي عريس غني يرضى بيكي مش أكتر، هتسبيه وهتسيبي دنيتك وأهلك وناسك عشان حلمك اللي زيك ما بيحبش غير نفسه وبس، لو بتحبيه بجد مكنتيش دورتي على غيره وتروحي أفراح عشان واحد يشوفك ويعجب بيكي وياخد رقمك وتوقعيه زي ما بقالك أكتر من سنة بتعملي كده ومافيش نتيجة."

"لأ وكمان بتشتغلي من وراه في الكوافيرات ومفهماه إنك شغالة في كول سنتر، مافيش حد بيحب حد بيعمل كده ياشيماء، فوقي ياما." نَبست ويدها تعبث بخصالات شعرها. "يـــــوه، أنتِ هتديني خطبة أنتِ كمان، سيبك من ده كله دلوقتي، تفتكري موسى هيعمل إيه في ليلتي الهباب دي." نَبست فاطمة وهي تتابع الفراغ وكأنها ترتب أفكارها. "مــــم، مش عارفة بس اللي أعرفه خللي بالك من خطواتك اليومين اللي جايين دول." تنهدت شيماء بانزعاج. "ربنا يستر."

.... حلو أوي شوية الهوا دول مع شروق الشمس، لاء جو رومانتيكي، رومانتيكي يعني. نَبس بها نوح منهكاً وهو بالكاد يستطيع تحريك عضلة لسانه ينظر للسماء أمامه، بينما أشار أنس بيديه على مقهى مفتوح قائلاً. "دي كافتيريا 'كنكه' فاتحة هناك أهيه ماتيجي نجيب لِنا سندوتشين ولا حاجة." رطب لقمان حلقه لجفاء نبرته ونبس بنبرة ثابتة. "إنت مجنون يلا، إنت عارف كوباية الشاي في كافيه كنكه بكام بـ ١٥٠ جنيه." طرف عين موسى باستغراب.

"ليه الشاي بالكاتل ولا إيه." ابتسامة آدم كانت تتسع شيئًا فشيئًا مع كل كلمة تخرج منهم يذكرهم بما مضى. "فاكرين لما كنا بنيجي هنا زمان وكنا كلنا، كلنا بنحلم إن يبقى عندنا كافيه زي كافيه كنكه كده، وكلنا نشتغل فيه وأنا أفتح ركن فيه للكتب عشان اللي بيحب القراءة." هز الجميع برأسهم إيجابًا، أطلق أنس تنهيدة مرّة تخرج من بين رئتيه وقد غمره الحنين.

"وأنا كنت بقول هطلع طباخ، وهبقى الشيف بتاع الكافيه وهعمل كل الأصناف الجديدة اللي ممكن حد يفكر فيها." تحركوا معًا، خطواتهم تسير على نفس النسق، حتى قال بشر ضاحكًا. "لأ، وأنا كمان حلمت معاكم إني هبقى الجرسون اللي بيقدم الطلبات، والله كانت أيام حلوة يا جدع." التفت موسى إلى لقمان وقال له. "وإنت يا لقمان، فاكر كان نفسك تشتغل إيه في الكافيه اللي كنا بنحلم نفتحه." ابتسم لقمان بشرود، كأن الذكرى تحاوره داخله.

"فاكر.. إلا فاكر يا بني.. أنا كنت هفتح جزء منه لصالة الجيم، علشان اللي يطلع من الجيم يروح يشرب حاجة ويقعد في الكافيه بتاعنا." قاطع نوح شروده. "وأنا كنت هبقى بتاع الحسابات، المسؤول الوحيد الأوحد، وكنت هظبط المكان حتة تظبيطة." نَبس طه، وهو يشير إلى نفسه. "أنا الوحيد اللي مكنش ليا مكان في حلمكم ده، عشان كان نفسي أطلع دكتور، ورسيت على مجموع صيدلة في الآخر." أشار أنس بيديه وهو يقول.

"يا عم احمد ربنا، إنت الوحيد اللي قربت من حلمك، على الأقل... بص كلنا بقينا فين دلوقتي، ومحدش منا حقق حاجة." قادتهم أقدامهم دون قصد، وفجأة وقفوا أمام المقهى الذي طالما حلموا بشرائه، وقلوبهم تخفق بالحنين، كأنهم صغار بأحلامهم البريئة. نظر موسى إليهم، وهم يحدقون في حلمهم المشترك، فقال لقمان بهدوء. "الظاهر إن في حد اشترى الكافيه اللي جنب كافيه 'كنكه' ده بعد ما كان مقفول من سنين."

تقدم موسى خطوة، وقد اختلطت في ملامحه لمعة الذكرى برغبة جامحة في الهروب من الصمت. ثم قال، يخاطبهم كمن ينفخ في جمر خامد. "حد لسه فاكر الأغنية اللي كنا بنقولها لما كنا بنيجي هنا." جاء الرد كسهم، واحدًا موحدًا. "لأ مش ناقصة خالص." تعالت الأصوات فجأة، كأن التعب قرر أن ينطق بلسان الجميع. "أنا عايز أروح، مش قادر، هموت وأنام." وقف موسى أمامهم، كمن يستجدي لحظة حياة من تحت الركام. "ياسيدنا كلنا هننام والله، بس عشان خاطري...

كنا بنغني نقول إيه بقى." كان الهواء قد ازداد برودة، لمح لقمان نظرة موسى، ورأى في عينيه وميض الحنين. أخرج يده من جيب سترته، وبدأ يصفق ببطء، ثم تمتم، وقد سكن الملل صوته. "أرش الماية على الحيطة... تطلع كتاكيت وفراخ بيضا... أبقى أنا كداب." التفت بشر، وقد لمح لوحًا خشبيًا ملقيًا على الأرض. اثنى جسده، أخرج عود ثقاب من جيبه، وأشعله. أحاطوا جميعًا بذلك اللهب الصغير، يشكلون دائرة كأنها مأوى لحلم قديم.

صفق آدم أولًا، وحده، ثم نطق كمن يوقظ الطفولة. "اللاء، اللاء... شجعهم موسى، يصفق ويضحك. "يلا، يالا إنت وهو." ردوا بصوت واحد، لكنه متثاقل. "اللاء، لاء." ردد لقمان، وصوته هذه المرة أقل ترددًا. "أبقى أنا فشار." أجاب الجميع، كأن الكلمات بدأت تخرجهم من صقيع النسيان. "اللاء، اللاء." رفع أنس يده، وابتسم كمن دخل في حالة كان قد نسيها. "أحمد مظهر قبل ما يظهر، كان شغال عندنا في الأزهر... أبقى أنا كداب." رد الجميع، والتصفيق يعلو.

"اللاء، لاء.." "أبقى أنا فشار." تسارعت النبضات، وارتفع التصفيق أكثر، قال طه بصوته الذي كاد يخنقه الضحك. "طب فاتن حمامة وهي علامة، كانت شغالة عندنا خدامة... أبقى أنا كداب." اشتعلت الضحكات، واختلطت التصفيقات بهتاف حماسي. "اللاء، لاء." "أبقى أنا فشار." غمز له أنس بطرف عينيه ممازحًا وسط أصوات التصفيق العالي. "ياواد يابتاع فاتن حمامة إنت." بينما في نفس اللحظة يردد أشقاؤه خلفه. "اللاء، لاء."

التفتوا جميعًا نحو آدم، كان الدور قد وصل إليه. نظر حوله، شعر بارتباك صغير، لكنه نطق بها، وابتسامة بريئة ترتسم على شفتيه. "محمود المليجي قبل ما ييجي، كان شغال عندنا ميكانيكي." ضحك معهم، نظر إليهم واحدًا تلو الآخر، ثم اقترب منه موسى، وضع يده على رأسه بمودة، ثم ابتعد سريعًا. هتفوا كلهم في نغمة واحدة. "اللاء، اللاء." نهض نوح بحماسه الطفولي، وهو يصفق ويحرك جسده كمن عاد لمرحه القديم.

"وأنا أبويا حارب الهكسوس، وهو راكب على الجاموس... "أبقى أنا كداب." تعالت الضحكات، وعَلت الأصوات. "اللاء، اللاء." وأشار نوح إلى نفسه بفخر. "أبقى أنا فشار." أشار الجميع برؤوسهم بالإيجاب. "اهـــا، اهــــا." ضحك الجميع في آن واحد معًا، طالعهم نوح يتوعد لهم. وفي لحظة واحدة، سكنت العيون على موسى. كان الدور له، لف الكوفية حول عنقه، ونظر أمامه، عيناه تستقر على المقهى القديم، ثم بدأ يصفق عاليًا يتمتم.

"انا شوفت في مرة عيال شقيانة، تتمنى يوم تبات شبعانه.." كان الصمت قد بدأ ينسل بين ضحكاتهم، والدفء الخفيف الذي صنعته الأغنية القديمة بدأ يخفت، حين خطا موسى خطوة إلى الأمام، وابتسامة غامضة ترتسم على ملامحه وهو يكمل بصوت فيه حنين بعيد، كأنما يخرج من زمن آخر. " ابقى انا كداب." توقفت الأيدي عن التصفيق للحظة، التفت الجميع إليه بدهشة غامضة، لا يفهمون ما يقصد، لكنهم، كما لو أن الألفة وحدها تقودهم، ردوا بصوت واحد.

"اللّا، اللّا... ثم تابع، بنفس الإيقاع، لكن بصوت أكثر دفئًا. "كنا صغار... نحلم بكافيه. بنرسم خطّ... ونمشي عليه.. ابقى انا كداب." أشار بيده على صدره كأنه يسألهم، لا يغني فقط. " ابقى انا فشار." تبادلوا النظرات في حيرة، بينما ظل موسى واقفًا مكانه، عيناه تلمعان بنور من نوع خاص. سكنت اللحظة فجأة، خفتت الضحكات، توقف التصفيق، كأن الزمن كله قرر أن يتوقف لينصت.

توقف موسى عن التصفيق، ونظر إليهم نظرة غامرة بالحنين، كأب يهمس بسر لِمن كبروا أمامه، وكأنّه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن بعيد. ثم قال بهدوء شديد، فيه شيء من الفخر، وشيء أكبر من الحب. "سافرت بلاد... وشقيت سنين. واتحقق الحلم .. اللي شاورتوا عليه." ومع كلماته الأخيرة، أشار بيده إلى المقهى الذي كان يقف خلفهم، ذاك المكان الذي لطالما حملوه جميعًا في خيالهم، كصورة بعيدة، كحلم لا يأتي.

نظروا حيث أشار، ثم إليه، ثم إلى بعضهم البعض، وكل شيء فيهم تغير. صمت كثيف غلف الهواء، كأن الزمن نفسه قد تجمد، يخشى أن يفسد تلك اللحظة بكلمة زائدة. تحدث لقمان بصوت مبحوح من فرط التأثر، وعيناه تلمعان بدمعة ثقيلة. "لّا... لّا .. أنتَ تقصد إيه يسطا عشان مش فاهمين." خطا أنس خطوة أخرى، يتأمل وجه شقيقه، وأردف بنبرة هامسة، تكابر الانفعال. "يعني إيه، بتشاور على الكافيه ليه يسطا... مش فاهمك وربنا."

لم يجب موسى في الحال. تجمد في مكانه للحظات، كأن داخله طفلًا صغيرًا يقف على حافة الحلم، يتردد أن يخطو إليه خوفًا من أن ينهار تحت قدميه. عيناه دارت على وجوههم واحدة تلو الأخرى... لم يرهم كما هم، بل كما كانوا، أطفالًا بملابس مهترئة، يركضون بين عربات الشاي، يحلمون بالمقهى الخاص بهم، يرسمونه بالكلمات والضحك... وضع يده ببطء في جيبه.

كان الجيب صغيرًا، لكن ما بداخله بدا ثقيلًا، كأنه يحمل كل سنين الغربة، وكل ليل اشتعل فيه الأمل دون ضوء. تنهد بابتسامة دافئة، صامتة، شقت طريقها إلى وجهه، وقال بصوت خفيض، لكنه كان كافيًا ليوقظ قلوبهم. "الحلم اتحقق أخيرًا يا وَلَاد نصار." أخرج المفتاح من جيبه، رفعه ببطء، انفجرت الأصوات من حوله، أشبه بانفجار ضوء في نهاية نفق.

تعالت الضحكات، امتزجت بالدموع، وانطلقت الهتافات، لم يكن أحد منهم يملك الكلمات المناسبة، لكن الفرح وحده كان أبلغ من أي حديث. رفعوه على أكتافهم كما لو أنه الحلم مجسدًا، ثم فجأة، بدأوا يلقونه في الهواء كالأطفال حين ينتصرون، يعلو ويهبط على أيديهم، ووجهه يضحك رغم الدهشة. صرخ موسى وهو يضحك. "نزلوني يا وَلَاد ال... هقَع." لكنهم لم يسمعوه، أو ربما لم يريدوا أن يسمعوا.

ظلوا يرفعونه ويعيدون التقاطه، تتعالى ضحكاتهم، والسعادة تفيض من وجوههم، كما لو أنهم لا يمسكون به... بل يمسكون بزمن كامل عاد فجأة، زمن كانوا يظنونه انتهى، كانوا يحملونه... وكان هو الحلم نفسه. انتشل نوح منه المفتاح، كانت يده ترتجف قليلًا، ربما من الإرهاق، وربما من امتلاء القلب بما لا يحتمل. دفع الباب ببطء... صدر عنه صرير خافت، كأنه شهقة زمن طويل انتظر هذا الفتح. دلفوا للداخل، خطواتهم كانت هادئة، لكنها ثقيلة بالمعنى.

التراب لا يزال يعلو الكراسي، النوافذ مطفأة، والهواء ساكن. لكن أعينهم لم تر ذلك. رأوا الطاولات الخشبية تلمع، والكراسي منجدة بجلد أحمر كما كانت من قبل، تخيلوا الأكواب المصفوفة، والقائمة المعلقة، والزائرين يدخلون. رأوا الحلم... لا المكان. وقفوا جميعًا في المنتصف، يتلفتون حولهم كمن يفيق من حلم جميل، ليكتشف أنه لم يكن يحلم، بل كان يصحو. قال آدم بصوت مبحوح، مبلل بالدهشة. "أنا هعمل ركن للكتب هنا.." لم يجبه أحد.

لم يكن الصمت عجزًا، بل امتلاءً... كأن القلوب امتلأت حتى فاضت، ولم تترك للسان مجالًا للنطق. كان الحلم قد تحقق. ليس فقط لأن بابًا قد فتح، أو لأن مفتاحًا وُضع بين يد ويد... بل لأن ما ظنوه ماضيًا عابرًا، اتخذ شكله أخيرًا، وبقي حيًا بينهم. .... إنه الاتصال الألف بعد المئة الذي وصله اليوم.

فتح موسى تطبيق الواتساب، فوجد سيلًا من الرسائل، أدرك حينها أن الوقت قد نفد، ولم يكن بيده حيلة سوى الاعتذار من أشقائه، والمغادرة على الفور. ورغم اعتراض بعضهم على رحيله، كان دعم لقمان له كافيًا ليدفعه للمضي قدمًا في طريقه. ترك المقهى في عهدته، ووضع أمانته بين يديه حتى يعود. ارتدى خوذته السوداء التي تقطع ظلامها خطوط حمراء دقيقة في الأمام، وأخرج قفازاته، يرتديها ليحمي كفيه من البرد القارس الذي ينتظره بعد لحظات قليلة.

والنتيجة هو هنا الآن، يقود دراجته البخارية على الطريق الصحراوي، بأقصى ما يمكن من سرعة. وكأنه في سباق، لا متسابقين فيه... سوى نفسه. تسلل الضوء من خلف الغيم، يطرد آخر بقايا الليل في خجل بطيء. أعمدة الإنارة على جانبي الطريق انطفأت واحدة تلو الأخرى، كما لو أن الفجر يوقظها من نوبة حراسة طويلة. الهواء مشبع ببرد كثيف، رطب، يتسلل عبر الملابس ويلتف حول العظام.

شبورة خفيفة تغلف الأفق، تموه الرؤية وتغرق العالم في ضباب رمادي، وكأن كل ما حوله مشهد لم يكتمل. ضغط موسى على المقبض، تتسارع الدراجة، وأطلقت صوتًا عميقًا يتردد بين الصخور الصامتة والسماء ملبدة بسحب رمادية توحي بأن المطر بات قريبًا. لكن موسى لم يبالِ، لم يتوقف، لم يرفع عينيه طويلًا. كان الطريق فارغًا، لا شيء على جانبيه سوى الصحراء تمتد بلا نهاية، والرمال تتناثر مع الهواء كأشباح ناعمة.

لمح ضوء المؤشر الأحمر يومض على عداد الوقود، تنبه فجأة. ضرب بيده على مقود الدراجة بضيق، وهو يغمغم لنفسه. "نسيت أزود بنزين... ضغط على المقبض أكثر، فتضاعفت السرعة حتى صارت الدراجة تحك بالأرض كأنها تحفرها. انطلقت العجلات تطلق شررًا خفيفًا، والرياح تصفع جسده من كل الجهات. بدأ يميل بدراجته يسارًا ويمينًا، يتجاوز السيارات كأنه يطير لا يسير.

أضواء السيارات تتراجع أمامه، حتى ظهرت أمامه أخيرًا محطة بنزين وحيدة على الطريق، كواحة وسط تيه لا ينتهي. ابتسم دون وعي، ثم اقترب منها بثبات. أوقف دراجته أمام المضخة، أنزل قدمه بثقل، ثبّتها، ثم التقط فوهة المضخة وثبّتها في خزان الوقود. توجه إلى محل المحطة، ليُروي ظمأه، خرج من الباب يتجرع من زجاجته، بينما كانت قطرات الماء تنحدر على شفتيه، تنزلق على عنقه، وتتحرك "تفاحة آدم" في حركتها الجاذبة مع كل جرعة.

رفع عينيه حين لمح سيارة سوداء تقف بجوار دراجته. نزل السائق، لف حولها بهدوء، وتوقف أمام المضخة الثانية. لكن موسى لم يلتفت للسائق، بل جذب انتباهه شيء آخر... يد خرجت من النافذة الخلفية، يد أنثوية، ناعمة، تمددت بهدوء على هيكل دراجته. لم تظهر صاحبتها، لم ينبس أحدهم بكلمة، فقط يد تمررت فوق المعدن، تنساب أصابعها فوق الأحرف والأرقام التي نقشها موسى على جانب موتووره، كأنها تقرأها بصمت... تجمد موسى في مكانه.

قطرات الماء لا تزال تنحدر، وزجاجته بين يديه. ضاق ما بين حاجبيه، نظراته انشدت نحوها باستغراب ممزوج بفضول غامر. تحركت السيارة وتحرك هو يستكمل طريقه. كان البرد قاسيًا، ينهش أطرافه رغم القفازات. رفع عينيه إلى السماء، وقد بدأت تفرغ أولى غيومها، والمطر ينهمر بغير تمهيد، كأن الصباح قد قرر أن يبدأ على نغمة الماء. قطراته تلامس الطريق، تحدث فيه لمعة متقطعة تحت ضوء رمادي خافت، وموسى يقود دراجته البخارية كمن يهرب من شيء لا يقال.

لمح نفس السيارة أمامه لم تكن تسير بسرعة، وكأنها تنتظره. ثم حدث ذلك من جديد. يد أنثى ناعمة، بيضاء، يلفها كم أبيض مطرز بدقة. كأنها لا تنتمي للطريق، ولا للعاصفة. كأنها خرجت من عالم آخر، وخصلة سوداء انزلقت مع يدها إلى الخارج، تتمايل مع الريح، والمطر يتساقط على الذراع الممتدة في بلل خفيف. شد موسى قبضته على المقود اقترب أكثر فأصبحت الدراجة بمحاذاة السيارة. وذلك الكفّ...

كف رفيع، ساكن، تبلله قطرات المطر دون أن ينسحب أو يختبئ. تباطأ دون أن يشعر، اقترب أكثر، والعالم حوله صار أهدأ. نقرت أصابعها على الباب بخفة. ضربات قصيرة، كأنها تدق على باب داخلي. مدت كفها قليلًا... فردت الأصابع. يد لا تبحث عن شيء، لكنها لا تخشى شيئًا أيضًا. ودون تفكير، رفع موسى يده من المقود ومدها، ببطء، كأن الهواء أصبح أكثر كثافة. تلامس الكفان لم تكن لمسة طويلة ولا واضحة. لكنها كانت كافية.

ما إن لامست أطراف أصابعه أطراف يدها، حتى انكمشت يدها فجأة، كأنها فوجئت بجرأته. رفعت رأسها في حركة حذرة، وببطء... أخرجت وجهها قليلًا من النافذة، ونظرت إليه. رآها أخيرًا. وجه ناعم، مضيء رغم ظل السيارة، عينان عسليتان واسعتان، ونصف عبوس غير واضح، كأنها لم تقرر بعد هل تغضب، أم تستغرب، أم تبتسم. طالعها عبر الخوذة، التي لم تُظهر من ملامحه سوى عيونه الكابولتيه، المائلة للغمقان، تطلان من خلف زجاج مضاد للضوء.

عيناه فقط هما من تحدثا. ضاقت قليلاً، ففهمت أنها ابتسامة. ومع تلك الغمزة الصامتة، أرجعت يدها سريعًا إلى داخل السيارة، بان في نظرتها أنها انزعجت، وكأنها لم تتوقع جرأته. شعرت بشيء من الارتباك، وشيء من الفضول. خفف موسى من سرعته، وكأنه يحترم انسحابها. فجأة، انطلقت السيارة أمامه، سبقته، ثم تباطأت قليلاً... ورأسها خرج من النافذة مرة أخرى، تطل عليه من فوق كتفها، بعينين حادتين هذه المرة، ووجه لا يخفي ضيقه. "Du bist ein Tier."

قالتها واختفت سيارتها وسط الزحام. توقف موسى قليلًا، وهو ينظر خلفها وهي تبتعد. لم يشعر بالإهانة، على العكس، ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيه، تسللت إلى عينيه. رن هاتفه في تلك اللحظة. مد يده لجيبه الداخلي، وقبل أن يخرجه، شعر بشيء صغير يلامس معصمه. أنزل بصره.. ليجد سوار ناعم، مخرّم بخيوط ذهبية دقيقة، كان عالقًا في كم سترته الجلدية. تأمله لحظة... ثم ابتسم.

خلع القفاز عن يده، سحب السوار برفق، ووضعه في جيب سترته بهدوء كمن يخبئ سرًا، ثم أنزل زجاج الخوذة، وأدار المقبض. انطلقت الدراجة مجددًا، تخترق الضباب والمطر، لكن شيئًا فيها أصبح مختلفًا.. .... هناك أوقات يجب عليك فيها معرفة الحقيقة، حقيقته هو. دلف موسى إلى داخل قصر أبيه.

حراس بكل مكان هنا وهناك على الجانبين. تقدم موسى إلى الداخل يلتف بماتوره حول النافورة الضخمة بالمُنتصف. ركن دراجته فأتى أحد الحراس مسرعًا يأخذها منه، ولكنّه رد رافضًا. "مافيش داعي سيبها هنا، أنا ماشي على طول." تقدم ناحية القصر بخطى ثقيلة وكأنه يمنع نفسه من الدخول ولكنّه مجبور على ذلك. ومنذ لحظة وصوله وجد من ارتَمى بداخل أحضانه. ضمه بذراعيه يحتضنها بقوة وهو يقول. "وحشتيني ياحبيبه، وحشتيني أوي."

كانت ستنطق بلهفة مشتاق، ولكن بتر حديثها صوت غليظ يعلمه هو جيدًا. "لو كانت أختك وحشتك بجد يااستاذ موسى كنت تنزل على هنا قبل ما تروح لحد تاني." اعتذر بأدب وهو يبرر. "أنا اسف، بس كان لازم أزور أمي وأخواتي خصوصاً إني بقالي." اقترب والده منه والغضب لمع بعينيه حين نطق كلماته الأخيرة قائلاً.

"انت عارف كويس أوي إن اللي هناك دي مش أمك ولا اللي هناك دول أخواتك، أمك قاعدة فوق مريضة بين الحياة والموت وأختك واقفة جنبك وأبوك هو اللي بيكلمك، فاهم ياموسى، فاهم." لم يجبه موسى فقط نظر إليه بعينين قاتمتين، كأنهما تخفيان كل الردود. ثم قال بهدوء. "أنا مش ناسي... وعمري ما نسيت وعارف كويس أوي إن نعيمة مش أمي."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...