مرت أيام وها هو اليوم المنتظر أخيرًا .،
صحت من نومها أخيرًا ، حركت رجولها بتعب .. لامست أقدامه المرتخية جنبها ، تحركت ببطء ناوية تقوم عن السرير .. لكن يده منعتها وهو يجذبها أكثر له مانعها تقوم : وين ؟
لفت عليه وبإبتسامة خجولة : خلاص بقوم ، وراي شغل
نطق والنوم يغلبه ولا زال مغمض : شوي بس ..
استرخت بحضنه حتى حست فيه يرجع يستغرق بنومه ، تسللت من بين يدينه بهدوء ومشت بخطوات بطيئة ، قبل أقل من أسبوع شالت الجبس عن رجلها ولا زالت تعرج بشكل خفيف .. دخلت الحمام وجلست تحت المويا ، ابتسمت بحب وخجل وهي تشوف آثاره على جسدها البكر ، الفترة اللي كانت تعبانة فيها أجبرته يداريها أكثر ويقضي أغلب وقته معها يساعدها .. كانت كفيلة بإنها تقربها له وتسمح له أخيرًا بمسح آثار زوجته السابقة ، حتى ليلة البارحة غرق في تفاصيلها أكثر وذابت في حبه ..
طلعت من الحمام ولبست ، وهو لا زال نايم .. توجهت لغرفة فداء الملاصقة لهم ، قبلت خدها وغطتها أكثر ..
قادتها رجولها مثل كل صباح لغرفة المرسم الخاصة فيهم ، مكان إلهامها وعالمهم الخاص .. كانت مليئة باللوحات المبعثرة في كل مكان ، والألوان تلطخ الأرض المفروشة بكيس شفاف .. جلست على الكرسي واللوحة اللي ما بعد انتهى منها موضوعة قدامها ، داهمتها رغبة عنيفة تعبث بها وتضيف عليها بعض اللمسات .. لبت رغبتها وهاهي من ساعة جالسة تحوس فيها .
فتح الباب وتأملها وهي مو حاسة فيه مندمجة مع لوحته ، تقدم بهدوء وجلس خلفها : صباح الخير
فزت على صوته ، التفتت بسرعة واصطدمت به : صباح النور .. متى صحيت ؟
ابتسم وهو يفرك عيونه : قبل شوي - نقل نظره لها وبهمس مبتسم على خجلها - الحين أقدر أقول صباحية مباركة يا عروس ؟
بعثرت نظراتها بربكة ، لكن سرعان ما انفلتت منها ضحكة خجولة .. ضحك لضحكتها : خجلك زايد ..
ما علقت ورجعت تعبث باللوحة من جديد بإبتسامة مشرقة تحت نظراته ، تابع ريشتها بإعجاب شديد .. تكلم بعد مدة قصيرة : ملاك ، أفكر جديًا يكون ركني بالمعرض الجاي مشترك بيننا
التفتت بصدمة : تمزح ! المعرض عالمي .. لا تستهين فيه
صقر : العكس كذا بيجذب أكثر ، لوحات مشتركة لزوجين رسامين .. -ابتسم-فكرة جذابة ، وكذا بتثبتين نفسك أكثر في مجال الرسم
هزت راسها بتفكير : ممكن ! ... - لفت عليه وهي تذكر موضوع شاغلها - لا تنسى اليوم زواج أقاربي
وقف : ذكرني فهد ، لا تنسين أخوه عريس بنت عمك
ساعدها على الوقوف وأسندها عليه ، رغم قدرتها على المشي لكن اعتاد على مساندتها بالفترة الأخيرة .
-
"خلاص لفي شوفي نفسك "
أخيرًا التفتت على المراية وسرعان ما ابتسمت برضا ، وجهت كلامها لريان اللي تقفل أزارير الفستان : حلو ؟
ريان عدلت الفستان وبإبتسامة كبيرة : جمييييييلة والله !
تالا بضيق تتابع وهي تدقق في ملامحها : بس الميكب اب ..
قاطعتها ريان بصرامة : ولا تقولين شي .. أنتِ مو متعودة على المكياج وحاسة نفسك محيوسة ، بس صدقيني مرتب والله
تنهدت بصوت عالي بينما ضحكت ريان : ايه خذي شهيق وزفير تروقين وتهدين أعصابك
زمت شفاتها : مو متوترة ، العكس أحس بسلام على قلبي - بحلطمة وبؤس - بس شايلة هم الزفة !
قبلتها على خدها : لا تشيلين هم شي ، بيمر الوقت بسرعة .. تعالي الحين نشوف البنات
طلعوا من غرغة التبديل الصغيرة اللي تطلعهم مباشرة على غرفة واسعة .. مجرد ما طلعت اتسعت إبتسامة ميرا وشهقت شادن بانبهار : شهالزين تالا ؟ والله ما توقعت تطلعين كذا
ضحكت تالا بخفة : حيوانة ، يعني توقعتيني شينة
اكتفت بضحكة شادن بينما شوق تكلمت بتوتر واضح : يا برودك ، ترى بعد شوي بيجون ، ملاذ بالغرفة مع جواد ..
تقدمت تالا وجلست جنبها وبضحكة خفيفة : ليش هالتوتر شوق ! ، يا ساتر على كثر توتري أمس أحس إني الحين بقمة الروقان !
تنفست بعمق شوق وهي تهز رجولها ، ماردت لأن عقلها ببساطة ماكان يم تالا ..
-
قبل بوقت قصير ..
كان جالس جنب أبوه والفرحة مو سايعته ، وأخيرًا بتنزف له حبيبة طفولته .. تقدم رامي "أخو راكان الكبير " : جاهز يالعريس ؟
رفع راسه بحماس : خلاص أدخل أسلم عليها ؟
ابتسم أبو فهد لابنه اللي يحسه وحيده، والتفت على رامي زوج بنته : روح شوف لنا طريق
بهاللحظة جاء راكان وهو يسمعهم : خلاص العروس تنتظركم .
وقف جواد جنبه ومشوا خلف أبو فهد ورامي ، همس جواد لراكان وهو يلاحظ ضيقته ما راحت حتى بالزواج : ابعد هالوجه المتضايق أقلها عشان زواج أختك إذا مو مقدر الصحبة !
لف عليه راكان بضيق من كلامه ، وسرعان ما ابتسم : مبسوط والله ، لا تشغل بالك فيني بليلة عمرك !
جواد والوقت ما يسمح له يناقش صاحبه : خلني بس أرجع من شهر العسل وبستلمك وأعرف وش انت مهبب
اكتفى بضحكة و لا علق وبخاطره متضايق ..
-
بقاعة النساء الفخمة ..
فرغت طاقتها بالرقص مع أختها سهى وملاك ومنى ، نزلت من الدرج وسرعان ما توجهت للطاولة اللي جالسة عليها مشاعل وريتاج
جلست بتعب وهي تفرك ساقها ، ضحكت عليها ريتاج ورمت عليها كم تعليق .. بينما مشاعل كانت ملتزمة الصمت ، تأملت عن كثب ملامح سحر .. تشبه له كثير ، ولأول مرة تلاحظ الشبه الشديد .. غمازة بأسفل الذقن تميز عائلتهم وكأنها بصمة يعرفون بها ، قاطع سبيل تأملها وشوقها صوت ريهام اللي جلست بجنبها ونطقت بصوت أشبه للهمس : شفتِ لمار ؟
عقدت حواجبها مشاعل وهي تبحث حولها : لا .. أظنها ما حضرت
زمت شفاتها بضيق ريهام وبعد تردد نطقت : وائل حضر طبعًا !
بققت عيونها بدهشة : وائل مسافر ! ما بلغك !
ريهام تداركت صدمتها وضحكت بسخرية : لا والله ، تعرفين يعني لي أسبوعين ما شفته
هزت راسها استياء على حال خالها وزوجاته ، كلّ بوادي .. لمار من شهر مقلوب وضعها وتاركة البيت ، ريهام من أسبوعين ببيت أهلها ، وخالها متغير كليًا ومسافر مع صاحبه عبد العزيز بدون لا يبلغ زوجاته ! ، حطت يدها على فخذ ريهام وبإبتسامة : الله يهديه ، ويلم شملكم
زمت شفاتها بضيق وبداخلها تعرف إن طريقها مسدود .. قررت تنهي كل شي لكن ضعفها وخوفها يمنعونها
-
مجرد ما فتح الباب غمرته عواطف عميقة ظهرت على شكل إبتسامة عريضة ، أخيرًا هذي هي جالسة قدامه بالفستان الأبيض .. كانت لحظة أقرب للحلم ، تقدم لها بخطوات ثابتة ما يشوف غيرها ، ما كانت مثل أي عروس تدفن نظراتها للأسفل ، العكس كانت رافعة راسها فوق تراقب خطواته بإبتسامة مشرقة ..
وقف قدامها وبإبتسامة سحب كفوفها من حضنها ولمها بين يدينه : أخيرًا تالا !
اكتفت بإبتسامتها ، نزل لمستواها وقبل جبينها : الله يبارك لي فيك ويبارك لك فيني ..
أحمد اللي كان واقف خلفهم يتأمل وحيدته وحبيبة قلبه ، طفلته اللي ما تكبر عنه أبد .. اليوم أقسى يوم على قلبه ، حتى وإن تظاهر بالفرح .. اليوم بس يرجع لبيته وحده من دون أي حس ثاني ، ليلة ثقيلة على روحه ، تقدم بهدوء مما أجبر بدر يبتعد ويجلس جنب عروسه .. إبتسامتها العريضة سببت له غصة ، قبل لا ينزل لمستواها هبت واقفة ولفت ذراعها على بطنه ، دفنت راسها بصدره الواسع : الله يخليك لي أبوي ..
أحمد فلتت منه دمعة على حبيبته حمد ربه إنها ما شافتها كونها مغمورة بحضنه ، لكنها ما خفت عن الجالس قدامهم .. : الله يسعدك يا بنتي و يوفقك - أبعدها عنه شوي وتابع بإبتسامة - تدرين إن قلبي ما يطاوعني أبعد عنك
وقف بهاللحظة بدر بعد ما أثر فيه الموقف الأبوي لتالا ، ضحك بمرح : لو سمحت يكفي ، خلاص ترى أنا الحين المسؤول عنها .. بذلك مثل ماذليتني
ضحك أحمد : تنتقم الحين ؟؟ تراها بنتي من لحمي ودمي ، لا تسوي روحك علي ولا أشيلها الحين للبيت معي !
أبعدها بدر عن أبوها بخفة وضمّ عمه بامتنان صادق : الله يقدرني وأكون عند حسن ظنك عمي أحمد ، تالا بقلبي وعيوني استودعتها لا تشيل همها ..
طبطب كتفه أحمد : هذا عشمي فيك ..
-
بالغرفة القريبة :
كانت جالسة بتوتر كبير ، زوجة أبوها بجنبها تهديها .. لحظات حتى انفتح الباب ، طل منها أخوها نواف بإبتسامة عريضة .. تقدم ودخل وراه رواف بإبتسامة خفيفة نادرًا ما تظهر عليه ، يتبعهم أبوها وعمامها أحمد وتركي .. وأخيرًا فارس الطفولة والصبا بندر يظهر ببشته الأنيق ..
أخذها أبوها بالأحضان ، باركوا لها عمامها وأخوانها .. أخيرًا جاء العريس و كل ما تقدم خطوة هبطت نبضات قلبها أكثر ، قبّل جبينها وبصوته الجهور : مبارك شوق ..
نطقت بهمس بالكاد ينسمع : الله يبارك فيك
-
بمكان بعيد عنهم ، بروح الحجاز وطيبتها ..
( مدينة الحبيب المصطفى )
أغلق جواله بعد ما كلمها وأخذ أخبارها ، الطمأنينة غصب تسري بروحك بهذا المكان الطاهر .. توجه للروضة الشريفة ، سلم على رسوله وصاحبيه .. وابتهل يصلي لله يشفي روحه ونفسه ويطهّرها من كل أذى ، ألح في دعائه لها .. يالله وأنت العظيم الجامع الرؤوف ، أصلح ما بيننا ودمّر كيد كل ساحر .. دعا لصديقه ورفيقه ، مشاركه في محنته .. اللي ضحى بحياته لأجله .
اعتدل جالس ، سلّم وأنهى صلاته .. مسح على وجهه يشيل أثر البكاء ، وصله رنين جواله .. وكالعادة لا متصل غيره ( الغالي وائل ) يطلبه يجي لساحة الحرم يتعشى معه ..
كان وائل واقف عند اواخر الساحة ، وفي وقت متأخر مثل هذا الأعداد المتواجدة قليلة جدًا مما يضفي سلام وهدوء أكبر ..
جلسوا مقابل بعض ، مد وائل حبة الشاورما الصاروخ لعزيز اللي أخذها بتلذذ كبير : زين ما جبت لنا البيك !
ضحك وائل وهو ياكل أول لقمة : خابرك ما تحبه
تناولوا بعض التعليقات على أجواء المدينة ، حتى نطق أخيرًا عزيز بجدية : متى ناوي ترجع زوجاتك ؟
ابتسم بسخرية : لا خلني كذا مرتاح
وائل : طيب كلمهم على الأقل ، صدقني جفاك هذا بيرجع لك ..
تنفس بضيق ونطق أخيرًا : المشكلة الجفاء منها والله ، انا مقدر أجافيها كل هالفترة !
أطرق عزيز بضيق على صاحبه ، خاصةً أنه يعرف كونه هو السبب الأول في كبر الفجوة بينهم : وائل ... غلطت غلطة كبيرة يوم تزوجت ، لا تلومها
بيأس : كنت ... أتمنى أعيش معها لحظة بلحظة فرحة أول طفل ، لكن هي مقفلة كل طريق لها !
عزيز بضيق على حال صاحبه : قايل لك ، لا تجازف بحياتك عشاني .. هذا أنت هدمت عمرك وعمرها
تحولت نظراته للشر : لا ، أنا ما زلت عند خطتي .. الشي الوحيد اللي ما ندمت عليه ، وجود بنتها معي بيسهل علي المهمة .. أنتظر بس نرجع وتنحل المشكلة وأطلقها وأرجع لمار وينفك اللي مسبب لكم أذى
هز راسه بيأس من صاحبه : بنتها مالها دخل ، الحين ترميها مطلقة عشان أمها !
ما رد وائل ، تنهد عزيز بقلة حيله .. صاحبه ويعرفه عنيد وشربة شر تلوح بنفسه ..
-
جالسة على كرسيها المتحرك بصمت مطبق ، كانت تتمنى هذا اليوم لأجل أقرب ثلاث لقلبها .. لكن مرضها منعها حتى من إنها تلبّس تالا العباية أو تعدل الفستان لملاذ أو حتى ترقص لأجل شوق .. وهاهم يطلعون مغادرين كل وحدة مع عريسها ، كانت تتمنى لو تطلع بالسيارة مع راكان وتراقب زفة الشباب لهم بالسيارة لكن راكان راح مع ملاذ وجواد يوصلهم المطار و هاهي وحدها أخيرًا
طلعت من الغرفة اللي كانت فيها ملاذ بعد ما ودعتها بدموع وشوق مسبق .. طيارتها بعد ساعة لأسبانيا
مسحت دمعتها بحزن شديد ، رفعت راسها واصطدمت عيونها بـ منى الواقفة قرب الباب الخارجي الخلفي تراقب بتوجس .. عقدت حواجبها باستغراب وهي تسمع صوت عمها أحمد من ورا الباب يبتعد ، غريبة وش تسوي منى هنا ؟ .. فزت منى بخوف وهي تنتبه لميرا : يمه خوفتيني
اكتفت ميرا بنظرة استغراب ، بينما منى تقدمت لها تبعد التوتر .. وش تقول ؟ كنت أراقب عمك وهو طالع من القاعة ؟ ..
تقدمت لها وامسكت بكرسيها ناوية تدفها لداخل ، لكن رنين جوال ميرا قاطعهم .. طلّعته ميرا من جيب الكرسي وسرعان ما عقدت حواجبها وهي تشوف اسم عمها أحمد على الشاشة ..
فتحت مكبر الصوت وهي تحث منى تكلمه بدلًا عنها بطبيعة الحال .. : هلا حبيبتي ميــرا ، قولي لشادن ولا سحر تساعدك وتطلعك عندي .. أنا برى أنتظرك كان ودك تشوفين زفة الشباب
حستّ روحها بتطلع من الفرحة ، وكأن عمها كان يقرا أفكارها .. لطالما كان القريب والحنون للجميع ، هزت راسها بحماس لمنى اللي كان وجهها مقلوب وهي تسمع صوته وحنانه يلمسها قبل لا يمس ميرا .. مسكت الجوال وقربته لفمها وكأنها تخاف ما يوصله صوتها المرتعش / الواهن : أنا ... منى ..
ما استوعبت كلمتها إلا بعد ما شافت تعقيدة حواجب ميرا المستغربة وشبه ضحكة مرتسمة عليها ، نطقت بسرعة وكأنها تخاف إنه يقطع الاتصال ويروح : الحين نجيك !
الصمت المطبق كان رد أحمد ، نطق أخيرًا بصوت مختلف كليًا عن صوته أول : اوك .. أنتظركم لا تتأخرون
وببساطة روحها عزمت نفسها معهم ، سحبت ميرا بسرعة وحماس للغرفة اللي فيها أغراضهم .. لبستها العباية ولبستها : بسرعة بسرعة لا يروح علينا
ميرا كانت الدهشة ما كلتها وهي تشوف انقلاب حال منى ، لبسوا وسرعة ودفتها منى باستعجال للباب الخلفي اللي طلع منه أحمد ..
سرت رعشة رهبة وحنين وهي تشوفه واقف بكل أناقته الرجولية جنب السيارة ، التفت عليهم وتقدم بخطوات سريعة لهم
هبط قلبها وهي تشوفه عن قرب ورائحة العود تسبقه ، ماكانت تفصل بينهم سوى خطوة ..
أما هو وقف جنب منى يبيها تبعد على أساس يساعد ميرا ، لما ما شاف أي بادرة للتحرك منها رفع عينه لها وتعلقت بعيونها الفاتنة وهي تتأمله عن قرب ، نزلها بسرعة ونطق أخيرًا وهو يمسك أطراف الكرسي : شوي يا " بنتي " ، بشيل كرسي ميرا ..
انتفضت على صوته القريب جدًا ، ابتعدت وكأنها ملسوعة على وقع كلمة ( بنتي ) ! ، وكأنه يذكرها بالفارق العمري الكبير بينهم ! قاطعها صوته : افتحي باب السيارة منى ..
اسمها ، ولأول مرة تحبه .. هو كان ينطقه بكل أمان بينما هي كانت تسمعه وكأنه أغنية طلالية !
تقدمت وفتحت باب السيارة الأمامي ، ابتعدت للخلف شوي سامحة له يقرب الكرسي ويشيل ميرا بكل خفة ويحطها بالمقعد .. قفل باب السيارة ولف للباب الخلفي فتحه والتفت لها : تفضلي بنتي ..
دخلت بخفة قلبها اللي تحسه طاير يحوم حوله ،
كان بشته مرمي بإهمال بجانبها ، شال كرسي ميرا وقبل لا يدخله بجنب منى ..رفعت البشت بسرعة لحضنها سامحة له يدخل الكرسي بكل أريحية ، نطق وهو يعدل الكرسي : يضايقك ؟
هزت راسها نفي ، أي ضيقة ممكن تحسها وهو بكل هالقرب منها ..
قفل الباب وتوجه لمقعده ، أول ما حرك السيارة نطق بإبتسامة عريضة ووجهه لميرا : حيا الله بنتي ميرا !
ميرا اكتفت بإبتسامة ، حرك السيارة وهو يسولف لميرا عن زواج الرجال ..
اما بالخلف ، كانت تستمع لكل كلمة منه وكل ضحكة .. تأملت أدق تفاصيله ، انفراجة شفاته مع كل حرف ، أصابعه اللي تمسك بالدركسون .. ثوبه الأبيض وشماغه .. لحيته الخفيفة ، الشيب المعدود المتناثر حولها .. كل شي يفتن ، رجولته مفعمة بالحنان .. صوته العميق يدغدها ،
نطق بابتسامة : هذا هم العرسان !
لفت ميرا للسيارات اللي حولهم ، الشباب كانوا متحمسين وأصوات البوري تملا الشارع .. بندر بسيارته اللي يقودها نواف ورواف .. وخلفهم سيارة بدر اللي يسوقها تركي ، أما ملاذ وجواد كانت وجهتهم للمطار مخالفة لطريقهم ، لذلك ما شافتهم ..
أبعدت سيارات الشباب عن سيارة أحمد ، سامحين له يتقدمهم لسيارات المعاريس ..
مجرد ما شافت تالا أبوها وبجنبه ميرا لوحت لهم بيدها بحماس وميرا تضحك بفرحة حقيقية ، أما شوق الرهبة كانت ماكلتها واكتفت بإبتسامة داخلية لهم ..
رافقوهم في موكبهم ، وأخيرًا ابتعدت سيارات العرسان بطريقها للفندق .. أصوات السيارات انخفضت ، رجعت بعضها للقاعة والبعض أكمل مشواره مبتعد ..
أحمد كان يراقبهم وقلبه يرفرف فرحة لبنته وحزن لأجله ، تنهد بصوت عالي : الله يوفقهم .. - حس بيد ميرا تقبض على كفه وتشدها ، ابتسم لها - عقبالكم بناتي
تهدج قلب منى كونه حاسس بوجودها ، شدت على بشته وهي تلويه بين أصابعها .. بهاللحظة علا رنين جوالها ، ارتبكت وطلعته من شنطتها ، كان المتصل ( ريانتي ) .. ردت بتوتر كبير منتظرة تهزيء ريان : هلا ريان
ريان بضيق كبير : وينك أنتِ ؟؟ دورت عنك بكل مكان مالقيتك !
خفضت صوتها وبهمس مسموع : أنا مع ميرا و ... أبوها !
شهقت ريان بصدمة : وش تسوين ؟ تمزحين ؟
منى بلعت ريقها تدور عذر : لا بس رحت أساعد ميرا
زفرت بورطة ريان : الحين بنطلع من القاعة ، وش أقولهم ؟ تعرفين إن خالتي أم رائد هي اللي بتوصلنا مع أخوها
انتابها خوف شديد : ريان ! لا تروحين وتخليني !
ريان بعد صمت خفيف : يالله ، وش هالورطة منى .. ياسر لو عرف مشكلة ، احمدي ربك مسافر
مع ذكر اسم ياسر زاد الخوف أكثر ، لو بس كان موجود ممكن يذبحها !
بهاللحظة وصلها صوته وهو حاسس بالتوتر اللي صابها : انا بوصلك مع ميرا ، لا تشيلين هم
ابتسمت بصدق وتناثر كل قلقها وخوفها وحل محلهم عواطف دافية سرت فيها .. نطقت أخيرًا لريان : خلاص الحين بيوصلوني البيت طريقهم طريقنا ..
قفلت ريان والقلق ياكلها على منى ، بينما منى تعيش أجمل لحظات عمرها ..
كان يسولف سوالف عابرة لميرا يقطع الصمت بينهم ، ومرة حاول يشرك منى بالكلام وهو يوجه كلامه لها : ولا وش رايك منى ؟
تلخبطت ولا عرفت وش ترد خاصةً إنها ماكانت يم سوالفه ، كل اهتمامها منصب على هيئته وحضوره القوي بقلبها .. همست : اممم صح اللي قلته !
انتبابته ضحكة خفيفة على ردها كون تأييدها لكلامه اللي كان يعلق فيه ساخر على بنته تالا من باب المزح غير متوقع ، حس إنها ما كانت معهم وفسر ذلك بقلقها الشديد ..
كانت تتمنى لو يوقف الزمن بهاللحظة ، لكن هذا هو الطريق ينتهي بهم أخيرًا عند بيتهم ..
نزلت من السيارة والود ودها لو تجلس وتبات فيها ، وقفت بجانب السيارة تنتظر أحمد اللي طلع لياخذ كرسي ميرا ويساعدها ..
مشت تسبقه لتفتح له الباب ، غابت عنها ضيقته الشديدة مجرد مادخل العمارة .. المكان اللي مهما حاول مايقدر يتجاوزه بدون ضيقة ، رفع عينه لها وهي تفتح الباب .. الحياة تدب فيها بكل أشكالها ، تجاوزت صدمة الاعتداء بشكل مبهج ما توقعه أبدًا ، منى ما غابت عن باله يوم من حادثة الاعتداء .. عاش نفسية سيئة جدًا لفترة طويلة وهو يتخايل وضع البنت الشابة وماذا لو كان مكانها بنته أو إحدى بنات أخوانه ! لذلك كان إحساسه بالأبوة اتجاهها كبير فترة الاعتداء عليها .. كان بشكل شبه يومي يزورها بغرفتها بالمستشفى ، يجلس معها وقت طويل يقويها ويمحي الآثارالسلبية عنها .. ما راحت عن باله يوم حتى بعد انقطاعها ، وهاهي ترجع له هالسنة مصادفة بعد ما عقدت صداقة قوية مع البنات ..
دخلت البيت وفتحت الباب كامل ، ليدخل بكرسي ميرا بأريحية ..
دخل ميرا لبداية الصالة ولف طالع : ميرا إذا جات أمك روحي لبيتكم ، جبتك هنا أفضل ولا تجلس كل وحدة بروحها ..
هزت راسها تطمنه وهي تشيل الحجاب عن راسها ، بينما منى لحقته تففل الباب وراه .. لكن قبل لا يختفي عن عينها ويتوجه للدرج لحقته بخطوات سريعة وبدون تفكير : أحمـــــد !
لف باستغراب وعقدة حواجب : آمري ..
انربط لسانها وتنفسها يزيد ، لاحظ توترها .. تقدم بهدوء وإبتسامة حنونة : منى ، في شي بنتي ؟
زمت شفاتها بحزن من كلمته ، تابع يوم شاف صمتها : منى .. الله يعلم إنك غالية والله ، إذا في شي ولا مضايقك أي شي أنا موجود .. اعتبريني أبوك ! لا تترددين قولي
نطقت بغصة : أنا مو بنتك ! لا تقولي بنتي !
بهت وجهه من كلامها اللي ما توقعه أبد ، مسح جبينه وبتوتر من انقلاب حالها ..
جمعت أنفاسها وزفرتها بحرارة تقتلها : كنت أبي ... أشكرك .. بس !
عقد حواجبه وهو يشوف انقلاب حالها ورجفتها الواضحة ، وهاهي أول دمعة تنزل باستسلام .. لكن سرعان ما اعتلته صدمة شديدة وهو يشوفها تتقدم نحوه .. وهاهي تقرب بشدة وتقبل كتفه بشفاتها المرتجفة ، وبسرعة البرق اختفت !
وقف لدقيقة مذهول من الموقف وحركتها اللي ما توقعها أبد ، استرجع الموقف ونزل عينه لمكان قبلتها .. مسح وجهه وهو يتنفس بشكل عالي ، داهمته رغبة يرجع للبيت ويكلمها ، لكن استدرك بالنهاية ونزل بخطوات ثقيلة .. جلس بسيارته بدون لا يحركها ..
أما عندها ، مجرد ما هربت منه دخلت البيت وقفلته مرتين وتسندت على الباب وهي تتنفس بشدة وكأنها خارجة من حرب ضروس ، مسكت وجهها الملتهب تحاول تخفف حرارته .. زفرت بقوة لكن توقفت بذهول وهي تشوف ميرا بطرف الممر تناظرها بنظرة غير مفهومة !
للتو استوعبت إن ميرا موجودة ! ، ووجودها بقرب الباب يأكد لها إنها سمعت ولو القليل من الكلام !
ميرا ابتسمت ابتسامة خفيفة ما عرفت منى كيف تفسرها ، ابتسامة سخرية أو شفقة ! .. واستدارت بكرسيها داخلة الصالة ..
عضت منى شفاتها بتوتر كبير فوق توتر موقفها مع أحمد ، هي لازالت تشم ريحة عطره وكأنها انغرست بجسدها !
تقدمت لمغاسل المجلس ورشت وجهها بمويا باردة ، علها تخفف حرارتها .. توجهت لغرفتها عند ميرا بعد تردد كبير ، كانت جالسة على كرسيها بغرفة منى وتمسح المكياج قدام التسريحة ، رفعت بصرها للي دخلت ووجهها مخطوف لونه .. تجاهلتها وأكملت شغلها ..
تقدمت منى بخطوات ثقيلة ، جلست على طرف سريرها .. : ميــرا
قبل لا تسترسل بالكلام لفت ميرا ورفعت يدها تطلب منها تسكت ، طلعت جوالها .. فتحت الملاحظات ، كتبت شوي ورفعتها بوجه منى اللي سحبت الجوال بتوتر وقرأت المكتوب : ( صحيح ما فهمت شي .. ولا قدرت أستوعب ، ربكتك وتوترك من دق عمي أحمد يبيني أطلع ما خفت عني .. ما أعرف وش بينكم ولا أعرف القصة ، لكن لأني أحبك أقولك لا تعلقين قلبك بوهم - انسابت دموع منى بحرقة وهي تقرأها ، أكملت - بس لاتشيلين هم .. مابقول لأحد وكأني ما كنت موجودة معكم )
تركت الجوال بحضنها وغطت وجهها تبكي ، ومن بين بكاءها تنطق بفضفضة : هذا اللي يعور ميرا ! ، وهم .. يالله حتى أنتِ تشوفينه وهم ! شقول طيب لقلبي ولهفتي عليه ! - صمتت تهدي نفسها ، تابعت وهي تستشعر ميرا تقرب منها - صحيح هو عمك ، وأبو صديقتي .. لكن .... والله أحبه !
ميرا اللي كانت تسمع مصدومة ، ماتوقعت الكلام من منى .. سحبت منى لحضنها وضمتها والصدمة لازالت تاكلها ..
وصلها صوت منى بحضنها وببكاء : عمك أحمد سوى لي شي كبير بحياتي ... من زمان ، قبل لا أعرفكم بثلاث سنوات ، انتشلني من قبري و طلعني فوق للسماء .. والله يا ميرا !
ميرا كانت تعرف إن عمها قبل سنوات ساعد منى بعد حادث أصابها على حسب كلام ريان ومنى ، لكن كان مجرد حادث عادي بنظرها ! كيف تتعلق منى فيه بهذا الشكل ؟
ابتعدت منى شوي عن صدر ميرا ، مسحت دموعها وطاحت عينها على ميرا ونظرة حيرة وتساؤل كبير تلقي بها .. نزلت عيونها وبضيق : لا تسأليني ميرا عن شي ! ، تكفين مافيني أقولك .. لا تحمليني فوق طاقتي
تفهمتها ميرا واكتفت بطبطة تهديها ، عم الصمت بينهم غير صوت شهقات منى المتفرقة .. نطقت بعد ما هدأت : أعرف إنه ما يشوفني إلا مثل تالا .. وهالشي يوجعني والله ! لكن خليني كذا على الأقل ألقى لي سبب أعيش لجله ! ... ممكن تقولين حقارة وشذوذ أني أعلق قلبي وروحي بشخص ممكن يكبرني بـ 18 سنة وأنا بحسبة بنته ، لكن ... القلب مايعرف ولا يفهم !
بهاللحظة وصلهم صوت انفتاح الباب الخارجي .. مسحت دموعها بسرعة منى وتوجهت لحمامها الخاص تغسل وجهها وآثار الدموع ..
-
حرارة شديدة تنهشه ، نسى حبوب علاجه بالشقة .. ومضت ساعات على موعدها ، تحامل طول وقته فقط ليشوف أخوه الوحيد عريس .. رغم إن وجوده مثل عدمه لكن إحساسه بفرح أخوه خفف عنه الألم ، تلفت بضيق وانهاك شديد يدور على وليد اللي راح يسلم على مجموعة رجال من ربع ساعة ولا ظهر ..
وقف متحامل الوجع ونيته يروح يسترخي بالسيارة على بال ما يجي وليد ويرجعون ، لكن بهاللحظة وصله صوت رسالة على جواله ( مرحبا فهد ، إذا باقي ما رحت انتظرني .. لو ما بشغلك ياليت توصلني - سحر )
سحر .. اللي باقي ماراحت ، أرسلت الرسالة لأخوها فهد .. وكلها أمل إنه باقي موجود ماراح ، في ساعة متأخرة مثل هذي مستحيل تطلع بروحها مع السواق .. زوجة أبوها طلعت من ساعة ولا خبرتها ، واكتشفت للتو هذا .. أكلها الخوف في البداية خاصة إنها كانت معتمدة على زوجة أبوها وودعت بنات جيرانهم ، لكن تذكرت أخيرًا أخوها فهد ..
كانت لابسة عبايتها وماسكة الجوال بقلق تنتظر رده ، فزت بفرح بمجرد ما شافت رسالته ( أنا بالسيارة ، أنتظرك عند باب الحريم )
لبست حجابها ورمت الطرحة على وجهها .. خرجت وشافت أخيرًا سيارة فهد ،
توجهت لها ودخلت .. سلمت ووصلها رده بصوت ضعيف ، لاحظت تعبه الشديد حتى إنه ما كلف نفسه يسأل عنها ..
اعتلاها الاستغراب كونه ما حرك السيارة ، كان جالس بكل سكينة ومرخي جسده على الكرسي .. نطقت بخفوت وهي تظنه ينتظر زوجة أبوهم : خالتي راحت ، بس باقي أنا ..
هز راسه ولا علق ، كان التعب ماكله ومثقل عليه حتى الكلام ..
مرت دقيقتين وهم جالسين بدون حركة ، حتى اعتدل فجأة فهد وطلع من السيارة .. راقبته وهو يلتف حول السيارة ويتوجه للمقعد اللي بجانب مقعد السواق ! ، قبل لا يزيد فضولها ظهر أخيرًا مقترب من السيارة .. دهشت وهي تشوفه يدخل السيارة ، كان مختلف كليًا عن آخر مرة شافته فيها قبل مدة طويلة ، وكأنه كبر عشر سنين ، تمامًا مثل فهد !
مجرد ما قفل الباب نطق بقلق : تأخرت عليك ! - شغل السيارة وبذات القلق - مدري كيف تنسى دواك !
سعل فهد بشدة سعال متتابع مما أثار خوف وليد ، زاد سرعة السيارة : شوي ونوصل - استخرج علبة مويا كانت بجنبه ومدها لفهد عل نوبة السعال تخف ..
أخذها فهد بيدين ترتجف ووجهه قلب أحمر ، ارتشف المويا ونطق بصعوبة : أختي سحر ....معنا !
بهتت ملامح وليد بصدمة ، وبتلقائية رفع عينه للمرايا خلفه وطاحت عليها تناظرهم بتوتر من حالة أخوها .. قلقه الشديد على فهد منعه يحس بوجودها ،
تابع فهد اللي هدأت نوبة سعاله بصوت متحشرج : نوصلها أول ..
كان بيعترض وليد كون بيت أبو فهد طريقه مخالف كليًا عن شقتهم وبعيد وحالة فهد تزداد سوء ، لكن مابيده حيلة !
عم الصمت لدقائق معدودة قبل لا ترجع النوبة لفهد بشكل أقوى ، فتح أزرار ثوبه بضيق .. سحب منديل وسعل فيه بشدة ،
مدت كفها لكتفه بخوف ،وصله صوتها الخايف : فهــد !!
كان عاجز عن الرد وسعاله يمنعه حتى من إنه يسمع أو يدرك شي .. وليد ، التفت على صديقه وصدمه منظر الدم الخفيف على المنديل ، بدون وعي فرمل بسيارته ورجع للطريق السريع لشقتهم .. كان يسوق بسرعة جنونية متجاوز كل السيارات
ازداد خوف سحر مع هذا المجنون اللي ممكن يصدم بهم بأي لحظة ، تمنت لو رجعت مع السواق بهذي الساعة ولا ركبت معهم .. لاحظت الطريق اللي اختلف وانتابها القلق الشديد ، مرت ربع ساعة وبكل دقيقة تزيد حالة فهد سوء .. وقف وليد بشكل عشوائي وهو يستشعر السكون اللي حل على فهد فجأة بهذي اللحظة ، كان قريب من فقدان الوعي !
نزل بسرعة وتوجه لباب فهد ، فتحه وسحب فهد .. سنده على كتفه وهو يرمي المفتاح لسحر بعصبية متوترة : قفلي السيارة واطلعي افتحي الشقة .. بسرعة !
ما تحركت من مكانها غير مستوعبة لأي شي .. صحاها صوته : بسرعة سحر !!
طلعت من السيارة بتعثر قفلتها ولحقتهم بربكة وخوف ، دخلوا المجمع السكني الفخم والطويل .. توجهوا للمصعد ، فتحته بسرعة وسمحت لهم يدخلون قبلها .. وصلها صوت وليد : الدور السادس
ضغطت عليه و استكانت بعيونها عليهم ، فهد حالته صعبة وواضح إن ضيق التنفس عنده شديد ، يسنده وليد على كتفه وبيده الثانية يمسح بمنديل العرق اللي مبلل وجه فهد وعيونه تنطق الخوف الكبير على فهد .. عضت شفاتها بحزن على حالة أخوها ، لأول مرة تشوفه بهالضعف الشديد ..
انفتح المصعد ، طلعوا وتبعت وليد اللي توجه لشقتهم .. كان واقف قدام الباب ينتظرها تفتحه ، توترت كونه ما أبعد لها المكان .. فتحته بيدين متوترة وبسرعة البرق تخطاها وولج لداخل مع فهد واختفى عن عينها ..
فتح باب غرفة فهد بخطوات سريعة ، ومدده على السرير .. توجه للمكتب الصغير بالزاوية وطلع الدواء أخيرًا ، ساعد فهد على ابتلاعه ، طلع جهاز الأكسجين ، حقنه بعلبة دواء مخصصة وركبه على أنفه وفمه .. جلس بجنبه على السرير يراقبه بضيق وعقله وقلبه مشغول فيه ، انتابته هذي الحالة آخر مرة قبل شهر .. مرض صاحبه يوجعه ، يعتصر قلبه وهو يشوفه يذبل بين يدينه .. !
بعد دقائق قصيرة بدأ يسترجع فهد لونه ، فتح عيونه بتعب وتلفت .. ابتسم وليد بصدق : خوفتني عليك والله !
رفع راسه بعقدة حواجبه وعيونه تتنقل في المكان ، أبعد الجهاز عن فمه شوي وبصوت ثقيل : سحـر ...وينها ؟
فتح عيونه وليد وللتو يستوعب إنها معهم ! ضرب جبهته : اوف نسيتها ! .. -وقف بسرعة - تلقاها بالمجلس ، بناديها تجلس عندك وبنتظر برى
وقبل لا يسمح لفهد يتكلم توجه خارج الغرفة قاصد المجلس .. لكن قبل لا يوصل انصدم بالباب المفتوح وهي واقفة بجنبه بقلق وبمجرد ما شافته استعدلت بوقفتها ، تقدم عند الباب وبهمس متضايق : ليش ما دخلتِ.. سحر ؟
سحر لمت كفوفها ونزلت عيونها ، ترددت تدخل لشقة تعرف إنها لأخوها وصديقه العزابي فقط !
فتح الباب على مصراعيه : ادخلي لاتوقفين هنا ..- دخلت بخطوات بطيئة وتردد ، وصلها صوته هامس وهي تمر بجنبه - آسف ، اضطريت أجيبك هنا .. البيت بيت أخوك مو أحد غريب
هزت راسها علامة تفهم بدون ما تتكلم ، تقدمها ليدلها على غرفة فهد .. أول ما دخلت الغرفة ارتفع صوت آذان الفجر ، تقدمت وجلست على كرسي المكتب بزاوية الغرفة .. بينما وليد تقدم لفهد ، تفقده .. عدل المخدة بحيث يسترخي فهد بشكل مريح : أنا بطلع للمجلس ، إذا حسيت بشي أنا موجود
هز راسه فهد بدون تعليق ، توجه وليد للخارج وقبل لا يطلع لف على سحر : إذا ساءت حالته ناديني على طول
راقبته وهو يطلع ويقفل باب الغرفة تارك لها مجال ترتاح ، تقدمت لفهد بهدوء .. ملامحه مسترخية وتنفسه بدأ ينتظم ، أبعد الجهاز عنه للمرة الثانية وتكلم بصوت مبحوح : اعذريني .. انجبرنا نجيبك هنا .. بعد شوي بنوصلك
هزت راسها نفي : لا تشيل هم ، انت تعبان .. بكلم السواق يجيني
عقد حواجبه بضيق من ردها : لا .. لا تروحين وحدك بهالوقت !
هزت راسها إيجاب : ولا يهمك ، بس الحين رجع الجهاز عليك ..
ركب الجهاز واسترخى ، بينما هي راحت تجلس على المكتب من جديد .. تأملت نفسها لثواني ، فصخت الكعب تريح رجولها .. جلست لفترة مستندة على الكرسي تراقب الوضع ، فهد ارتخت ملامحه وعيونه منسدلة بأريحية .. تنفسه يدل إنه دخل بنوبة نوم ، هزت رجلها بتوتر .. ما تعرف وش تسوي ، لكن الأكيد إنها تبي الحمام تمسح المكياج والمناكير وتتوضى للصلاة ، ما تعرف كيف تتصرف بهاللحظة .. فهد تعبان ونايم ومو يمها ، قبل لا تدخل الغرفة لمحت دورة مياه قريبة جنب الغرفة مباشرة .. ترددت هل تخرج من الغرفة أو لا ، وش بتسوي إذا قابلت وليد .. كيف تدخل الحمام ؟ انتابها إحساس بإنه مكان محظور على بنت مثلها بشقة عزاب ..
طلعت جوالها ، كانت تنوي ترسل لوليد تستفسر عن وجوده .. لكن تذكرت إنها حذفت رقمه من زمان ، كانوا قديمًا يتبادلون الرسايل تحت غطاء ( شهد أخته ) حتى انكشف لها هيامه بها ، وقطعته نهائيًا .. تمنت إنها ما حذفت الرقم بهاللحظة ، لكن خطر على بالها حسابه بتويتر .. بسرعة دخلت تويتر ، فتشت عن حسابه بين ( المتابعين لها ) وبسهولة لقته .. كانت آخر تغريدة له قبل ست ساعات:
( عبارة عن صورة قديمة لمراهقين أشعثين ، كل واحد مرخي ذراعه على كتف الثاني .. وتعليق " صورة التقطت لآخر يوم لي في الثانوية ، أنا مستند على أكثر الأشياء ثباتًا في هذا العالم ، أخي فهد )
تأملت الصورة والعبارة الدقيقة ، ليتضح لها مدى العلاقة الوطيدة اللي تجمعه بأخوها فهد .. انتقلت لزر الرسالة بعد تردد صغير ، كتبت بسرعة لئلا يتغلب عليها التردد
( موجود ؟ )
انتظرت لخمس دقائق حتى وصلها رده ( فهد بخير ؟ )
( بخير ، نايم .. بس عادي أطلع المطبخ ؟ )
اختارت المطبخ لتظهر أكثر لباقة من ( دورة المياه ) ، وكأنها قرأت ضحكته من بين السطور رغم إنه رد بـ ( خذي راحتك ، أنا طالع أصلي )
تنفست الصعداء ، كانت نيتها فقط تنبهه لا يدخل ونجحت .. فصخت عبايتها وتركتها على الكرسي
دخلت دورة المياه وقفلت الباب ، كانت نظيفة ومرتبة لا تظهر وكأنها لشباب ، وقفت قدام المراية وهي تمسح المكياج والمناكير بمناديل خاصة ، توضأت .. وقفت عند الباب لثواني تنصت لو في أي حركة ، ارتاحت والهدوء يعم المكان .. طلعت بحذر ودخلت الغرفة مثل ما خرجت منها ،
تلفتت وشافت سجادة صلاة على الكومدينه ، أخذتها وبدأت تصلي .. أنهت صلاتها وما تحركت من مكانها ، ما تعرف وش تسوي ؟ وجودها هنا أكبر غلطة ، في قمة تفكيرها كانت تلعب بأصابعها .. وفجأة هبت واقفة وهي تلاحظ إن دبلتها مو موجودة ، تذكرت إنها فسختها عند مغسلة الحمام قبل لا تتوضأ .. وقفت ، فسخت عبايتها وتوجهت للباب وقلبها مطمئن إن وليد غير موجود ..
فتحت الباب وطلعت وهي لافة تقفله ، ومجرد ما استدارت جمدت مكانها وهي تشوفه بثوبه وأزراره المفتوحة والشعر محيوس وعيونه مسلطة عليها ..
كان بالمطبخ المكشوف كليًا على الصالة ، مستند على الدولاب وبيده كوب مويا للتو أنهاه .. رفع عينه بتلقائية لها و تبعثرت قوته وهو يشوفها بفستانها القصير واللي يظهر معالم أنوثتها بشكل صارخ ويوجع قلبه .. شعرها القصير جدًا يكشف عن نقطة ضعفه عنقها الطويل واللي يزينه عقد لؤلؤ .. زفر هواءه الحار وزم شفاته ، هي أقل من ثانيتين حتى اختفت من جديد لكن هذي اللحظات قلبته وشدت نبضات قلبه ، أعادته لنقطة الصفر بعد ما تناساها وظن إنه نساها ..
جلس على الكرسي يستعيد أنفاسه بعد ما سلبتها ، مسح وجهه بكلا كفينه ..
أما هي دخلت الغرفة وقفلتها وتنفسها يزيد .. ما توقعت وجوده أبدًا ، لعنت نفسها كونها فكرت تطلع ..
لبست عبايتها وتكتفت بها ، راقبت فهد تتمنى يصحى ويرجعها لبيتهم وترتاح .. وكأن أمنيتها وصلت لروح فهد وفتح عيونه بتعب ، فزت عنده بسرعة تتأمله وتذكرها بوجوده ..
نطق بهمس : كم الساعة ؟
جلست على طرف السرير قربه : خمسة الفجر
مرت دقيقة صمت وهو يستوعب ما حصل له وسبب وجود أخته سحر بجنبه ، استدرك ونطق بصعوبة : وليد وين ؟
هزت كتوفها : مدري ، يمكن في المجلس !
سعل سعال خفيف ، اعتدل بعد ما هدأ وهو يلحظ توترها : الحين نوصلك .. بس بصلي
وقف بتثاقل وتوجه للحمام يتوضأ ، أنهى صلاته بعد معاناة وهي تراقب حركاته الثقيلة ..
وقف متجه للمجلس وهي تتبعه وقفت برى المجلس بحيث تسمعهم تنتظر فهد ،
كان وليد مرخي جسده وعيونه في الفراغ سرحانة .. مجرد ما شاف فهد فز واقف : ليش قمت ؟
فهد بضيق : بنوصل سحر
وليد اللي حس بوجودها بالخلف ، تأمل ملامح فهد التعبانة بضيق : فهد .. أنا بوصلها تطمن ، أنت ارتاح
فهد عقد حواجبه يفكر وهو فعلًا حيله مهدود ، مفعول الدواء مازال فيه يسلب قوته .. تابع وليد يشجعه وبهمس ما يوصلها : تطمن عليها معي ، دامها أختك فهي بعيوني
لف فهد لسحر يستشف ردة فعلها ، كانت بترفض لكن نظرة التعب على فهد خلتها تتراجع .. نطقت بهمس وهي تهز راسها : خذ راحتك فهد
انزاح ثقل كبير على فهد ، لف على وليد : خلاص وصلها بس لا تسرع ، وخذ سيارتي !
هز راسه وليد ومر متجاوز سحر للباب ، فهد تقدم لسحر وبإبتسامة يطمنها : وليد أخوي الثاني ، تطمني .
هزت راسها ولفت تلحق وليد ، نزلت تتبعه وهاهم أخيرًا في السيارة ..
تحركت السيارة والهدوء يطغى عليهم ، مرت دقائق وهاهي الشمس أخيرًا تظهر أول خيوطها ..
قطع صمتهم صوتها مستفسر : أخوي فهد .. وش فيه ؟
مارد بسرعة ، رفع عينه لها وبسخرية : مفروض أنا أسألك ، هو أخوك أنتِ ، كيف ما تعرفين !
زمت شفاتها بغيض من أسلوبه الساخر على توتر العلاقة بينهم وبين أخوها الكبير .
رد أخيرًا : ورم رئوي
شهقت بصدمة وحزن / خوف على أخوها : ليش ما قال لنا !
تابع يطمنها : ورم حميد ، لا تخافين .. ومافي مجال يتطور
هدأت روحها على كلامه ، لكن الحزن ما زال ياكلها عليه ..
طغى الصمت عليهم بقية الطريق ، أخيرًا شارفوا على الوصول .. كانت مطمئنة كون السيارة سيارة فهد ، بحيث لو أحد لمحها تخرج منها ما تساوره الشكوك
وقف بجانب الفيلا من الجهة الخلفية ، فتحت الباب وقبل لا تنزل سمع صوتها : شكرًا وليد .. تعبناك معنا
ونزلت
-
في مكان ومشاعر أخرى تمامًا ..
الظلام يغطي الغرفة ، عدا عن أشعة الشمس اللي تتسلل على جسدهم باعثة الدفء فوق الدفء اللي يختلجهم ..
كان حاشرها بجسده بتملك ، يراقبها بسكينة من دون ما تحس ، الظاهر التعب هدها ودخلت بنوبة نوم عميق .. على عكسه اللي يدب النشاط فيه مطير النوم عنه ، ابتسم بدفء وهو يمرر أصبعه على وجهها .. بدايةً من جبينها ومرورًا بعيونها وأنفها حتى شفاتها المكتنزة .. زادت ابتسامته وهو يذكر خجلها القاتل الليلة الماضية ، كانت أشبه بعصفور بردان .. أقلقه توترها ، هدأ من روعها بكلمات مطمئنة وحضن طويــــل دافئ يطمئنها فيه ، حتى تجاوبت معه أخيرًا بعد إحساس الأمان اللي غمرها فيه .. مضت ساعتين ولازالت نائمة ، والوقت يداهمهم .. رحلتهم لأسبانيا بعد ساعة ونصف
عانقها بقبلة دافئة علّها تحس وتفيق ، وفعلًا تحركت بعقدة حواجبها غير مستوعبة ..
شوق رمشت أخيرًا رمشة تلامس خده القريب ، فتحت عيونها بنعس وكسل واصطدمت فيه .. سرعان ما استوعبت وغرقت بخجل كبير ملازمها ، غمضت عيونها تتظاهر بأنها مازالت نائمة .. كانت تتمنى لو صحت قبله حتى تتسلل بكل أريحية ، نبضات قلبه تشعر فيها وكأنها في قلبها من ملامسته لها .. وصلتها صوت ضحكته الخفيفة على حركتها ، وحتى يزيد إحراجها متلذذ بحمرة وجهها .. راحت أصابعه تلعب بعنقها وانحناءات جسدها ومع احمرار وجهها ورجفة شفاتها تعالت ضحكته ، همس بمتعة وكفه تستقر خلف ظهرها : داري إنك صاحية ، خلاص قومي عاد
زمت شفاتها ولا زالت مغمضة تلعب دور النائمة .. أنقذها رنين جواله العالي ، بتكاسل ابتعد عنها ووقف تاركها خلفه .. توجه للتسريحة مكان جواله ، ابتسم وهو يشوف اسم المتصل : يا هلا بالعريس !
أخوه بدر بضحكة مرحة : أهلًا بالعريس ، صحيتوا ولا باقي ؟
بندر مرر يده على شعره وهو يلف لشوق اللي استعدلت بجلستها أخيرًا منتهزة بعده عنها ، وهي لافة اللحاف حولها تغطي جسدها عن عيونه ، جاوب أخوه وهو مبتسم : تونا صحينا ، وش هالإزعاج اللي عندك ؟
بدر تنفس بقوة : طالعين نفطر .. - وبشكوى- الله وكيلك مانمت ومن الفجر جالسين نهجول بالشوارع !
اعتلت بندر ضحكة على وضع أخوه : مو صاحيين !
بدر : هذي هي عروسي جات ، خلاص أخليك كنت بنبهك تصحى .. أشوفك بالمطار
بندر وهو يلمحها تقوم باتجاه الحمام نطق بسرعة : زين يللا
قفل الجوال وأسرع خطواته لها ، رمى اللحاف عنها ولمها له ساحبها معه للحمام
-
عند بدر ،
مجرد ما قفل الجوال دخلت عنده بالسيارة وهي حاملة كوبين قهوة باردة : أنا العروس وأجيب لك القهوة ! مو مفروض أنت تجيبها
ابتسم بحب وهو ياخذها منه : والله طابور الشباب طويل بنجلس ساعة عليه - لف عليها وضربها بخفة بمرفقه وبإبتسامة : بعدين وش فيها زوجتي تخدمني !
ضحكت وهي ترتشف القهوة : لا لو سمحت لا تفكر إني أخدمك بيوم من الأيام ، هذا تفضل مني عليك
تابعوا مشوارهم والراحة تسري بروحها ، وعدها ما يقرب منها وتكون بحكم الزوجة شرعًا إلا بعد ما يتأكد إنها تهيأت نفسيًا وجسديًا له ، قربه بهالشكل يبعث السلام لقلبها .. وقربها منه أقصى مناه ومنى طفولته ، تمكينها منه مسألة هينة بيصبر عليها لأجلها ..
-
مرت 3 أيام
كان يجلس وحده بمكتبه الكبير ، يأكله التفكير من المسألة اللي طرحها عليه إخوانه الاثنين .. أحمد ويوسف ، كان مجرد اقتراح ونصيحة أخوية ، لكنها سلبته النوم .. انفصل عنها من سنين ، والحين رجع ينفتح الموضوع !
هي .. كانت زوجة مخلصة ، ما ينكر العشرة الحسنة بينهم ، لكن مشاكل وعدم توافق بينهم أدى لانفصالهم أخيرًا .. اقترحوا عليه يلم شمل عائلته من جديد ، مابقى من العمر إلا قليل .. بنته الوحيدة والصغرى مرضها اللي سلب منها الحركة كأي بنت بعمرها تصارع مرضها بعيد عنه .. وكواجب أبوي كبير يقوم برعايتها تحت جناح بيته ، لكن اللي شاغل تفكيره هو ردها ! ، لأول مرة من طلاقهم يفكر بعودتها لعصمته .. جلس وحده لساعات غارق بتفكيره .. وأخيرًا قرر
تنهد بهم كبير ورفع السماعة : بلغ رايد يجيني بسرعة .
دقائق معدودة حتى انفتح الباب وطل منه ابنه رائد : هلا يبه ، آمر
اعتدل بجلسته وأشر لابنه يجلس ، نطق أخيرًا : أختك ميرا ، شفتها قريب ؟
هز راسه رايد : ايه لسى أمس الليل كنت عندها ...
صمت أبوه مو عارف كيف يبدأ ، نطق رائد وابتسامة داخلية تعتليه .. الظاهر الموضوع اللي كلمه عنه أحمد بدا يجيب مفعوله : آمر يبه .. في شي ؟
شبك كفوفه ببعض واستند برأسه عليها : أمك ..
سوى نفسه متفاجئ : وش فيها أمي الله يخليها ؟
تنهد بقوة أبوه وأراح ظهره للخلف : مو عاجبني وضعكم وأنا أبوك .. أختك مريضة وأنا بكل مرة أزورها أحس بالحرج ، هي بنتي وأبيها تتعالج وتقوى تحت عيني .. وتعرف ... وضع أمك مو ذاك الزود
تكلم رائد بحمية يدافع عن خاله قدام أبوه : خالي مو مقصر يبه ، وأنا ولدها .. كل اللي تبيه تامر به بس
ابتسم على لهجة ابنه : الله يديمك لها ذخر .. خالك ما قلت عنه شي ، رجال والنعم فيه .. لكن يظل وضعنا أفضل منهم بكثير ، ليش نكلفه هم فوق همه ؟
رائد تكتف : بالمختصر يبه وش تبي ؟ تبي تجيب ميرا عندك أقولك من الحين هي رافضة ومحد بيقوم فيها مثل أمي
تنفس عمر وبهدوء : إذن نجيبهم كلهم عندنا !
رفع حاجب رائد وكل مراده أبوه ينطقها : شلون ؟
أبو رائد : أرجع أمك لعصمتي
ابتسم بانتصار أخيرًا : الساعة المباركة والله يا بو رايد !
أبوه وقف : قوم نادي عمامك وقولهم يتجهزون ، وأنا بروح أجيب جدك .. بكرة خالك مسافر مافي وقت
خلال نصف ساعة كانوا مجتمعين ببيت أم رائد اللي انصدمت من الطلب ، بعد كل هالجفاء والسنين يفكر أخيرًا يرجعها ؟ ، مشاعر الحب غير موجودة بينهم .. لكن المودة والرحمة غصب تجمعهم
ما خفت عنها فرحة بنتها ميرا اللي راحت تترجاها بعيونها ! .. تأملتها وبداخلها تفديها بكل روحها ، إن كانت بتوافق فهو فقط لأجلها .. لفت على أخوها الكبير : موافقة
ضحكت ميرا بمجرد ما سمعتها ، رفعت يدينها وحاوطت أمها بامتنان كبير ..
كان لهذا الحدث أثر كبير على العائلة ، أقيم عشاء فخم في بيت الجد بعد ما تم كتب الكتاب ..
ماخفت فرحة ميرا عن الجميع ..
وهاهم أخيرًا في بيتهم بعد غياب سنين ، رائد دخل ميرا غرفتها بفرحة كبيرة : يا هلاااا والله أسفرت وأنورت الدنيا .. أم رائد وأخت رائد أخيرًا !
ريتاج اللي كانت بالغرفة تجهزها وترتبها ، عدلت المخاد لميرا : اي والله ، أخيرًا بيرجع حس البيت ! ، خاصة بعد ما راحت ملاذ
كان جواب ميرا الوحيد هو الابتسامة الكبيرة ، تركوها ترتاح وطلعوا لجناحهم ..
استلقت براحة فاقدتها من زمان على سريرها ، أخذت الجوال وفتحت الواتس .. أرسلت رسالة مطولة تحكي جميع التفاصيل للمجموعة اللي تجمعها بـ شوق وتالا فقط .. ضحكت لقهر تالا كون هالحدث العظيم فاتهم .. أما شوق كانت الفرحة فعلًا غامرتها ، تركت الجوال بعد مافرغت اللي داخلها أخيرًا .. وبمجرد ما استرخت فزت بخوف على صوت خبط خفيف على الشباك !
كانت تقدر تشوف ظلاله من خلف الستارة ، تنهدت بحنين لتلك الأيام .. من طفولتهم كان دائمًا يسوي هالحركة بمشاغبة وتخويف ، كون غرفتها مطلة على سيب صغير خارجي مجهز بجلسة خاصة من تصميمها .. اعتدلت بجلستها ، سحبت الكرسي القريب منها وبصعوبة سحبت نفسها له .. حركته متوجهة للشباك الكبير ، أزاحت الستارة ومثل ما توقعت كان طالع على الكرسي ومتمسك بالجدار ينتظرها ..
ناظرته بضيق بدون أي تعليق ، أشر لها بكفه تفتح الزجاج .. زفرت بضيق وهزت راسها نفي ، ترجاها بعيونه وشفاته اللي ما يوصلها صوته .. ترددت في البداية ، لكن خضعت أخيرًا وهاهي تفتح الشباك كامل ..
راكان ، دفع بنفسه للأعلى وجلس على طرف الشباك من دون ما يدخل لداخل الغرفة ..
ابتسم : أخيرًا ميرا !
تابع بفضفضة : تدرين إني صاير مو طايق البيت ! ، ما أجي إلا الليل أتطمن على أمي ..
تكتفت وأراحت ظهرها على الكرسي تسمع لثرثرته .. لف عليها وبإبتسامة حنونة : فقدت حسك والله ، عرفت مقدارك عندي ..
تقدمت وقربت له ، سحبت جواله بمباغتة من جيبه ، مسكت أصبعه ووثبتتها على الزر لينفتح لها .. تفاجأ من حركتها ، تابعها وهي تطقطق عليه وأخيرًا حطته قدام وجهه .. قرأ المكتوب بعقدة حواجب ( في شي ثاني كمان ؟ لأني تعبانة وأبي أنام .. لا تفسد الفرحة اللي أحسها )
تأملها لثواني .. شعرها الأسود الطويل معقود بظفيرة ، وجهها وجسدها اللي نحفوا كثير وكأنها فقدت عشرة كيلو .. نطق بصوت هامس : زين - رفع أصبعه كتهديد - بس لا تفكرين تهربين مني !
سحب جواله من يدها وقفز من الشباك لأسفل ، المسافة بسيطة وغير مرتفعة .. تقدمت شوي تراقبه وهو ينفض يدينه .. رفع راسه لها وبمباغتة ضم شفاته بقبلة هوائية أرسلها لها ، فتحت عيونها بصدمة وسرعان ما شافته يضحك بشقاوة قبل لا يعطيها ظهره ويبعد .. تنهدت بنرفزة منه وتراجعت للخلف تنام .
-
منعزلة في غرفتها ، الحزن ياكلها .. مسكت جوالها تسترجع الرسائل النصية اللي تمت ليلة البارحة
( هي : أعتذر أحمد ، أتمنى ما تفهم غلط ، بس كنت عاجزة عن شكرك )
بعد ساعتين ( أحمد : انسي الموضوع ، أنا ما أشوفك غير بنت ثانية لي .. الله يوفقك ، وانتبهي لعمرك .. حافظي على قلبك ولا تتركينه سبيل ، مازلتِ يا بنتي بعمر الزهور )
حافظي على قلبك ولا تتركينه سبيل ! هالعبارة شطرتها نصفين ! ، سبيل ؟ سبيل فقط لأنه سمح له بالدخول والاطمئنان فيه ! ليه يستهتر فيها وفي قلبها ! رسالته هذي سلبتها النوم من أمس .. أيقنت إنها فعلًا تقاسي اتجاه وهم وسراب ، مهما حاولت الفارق العمري بينهم يجبره يشوفها مثل بنته بشكل فطري ، قرأت ردها اللي كتبته وهي بقمة جرحها وقهرها منه : ( سبيل ؟ شكرًا لك .. ممكن أجل تعلمني كيف أحول هذا السبيل لطريق مسدود ما يدخله أحد ؟ شاكرة لك سخريتك مني .. ما ألومك ، أظن إني ورطتك مع وحدة ما تشوفها غير مراهقة ساذجة .. ليت الصدفة ما جمعتنا وليتني مت قبل ذاك اليوم )
وصلها رده مباشر ( الله يسامحك ، ما أسخر منك ، منى .. لا تضيعين عمرك بهباء منثور مازلتِ صغيرة .. صدقيني بتكبرين وتفهمين .. الله يوفقك )
ضمت نفسها وهي تبكي بقهر على عمرها الضايع ، معقول يكون اللي تحسه مجرد نزوة ؟ لأن مافي أحد قدامها غيره تعلق قلبها فيه ؟ زفرت بحزن علها تخفف النار اللي تاكلها .. سحبت جوالها من جديد ، وبعصبية كبيرة حذفت رقمه .. قامت وتوجهت لدولابها ، طلعت من الدرج الأعلى كيس قماشي رقيق .. تأملت الشماغ اللي داخله ، القطعة الحمراء اللي رافقتها سنين ، ناظرته بغيض شديد ورمته فوق الدولاب ..
بهاللحظة انفتح الباب ، لفت لريان اللي دخلت بضيق : منى .. يكفي عاد ما تبين تطلعين من الغرفة !
بضيق توجهت لسريرها : لا
تقدمت ريان وجلست بجنبها على السرير ، وبحنان : ماودك تقولين لي وش فيك ؟
زمت شفاتها بحزن ، مافيها تحكي عن خيبتها وسخريته !
ريان بإبتسامة : على راحتك ، بس ... ما سمعتِ آخر خبر !
هزت راسها نفي وهي تنسدح معلنة نهاية الحوار : لا
ريان تربعت : أم رايد جارتنا رجعت لزوجها !
لفت باستيعاب والخبر يشدها : متى ؟
ريان : اليوم .. - وبضيق - يعني خلاص ماعاد لنا جيران ، والبنات ما بنشوفهم كثير !
فتحت عيونها بصدمة ، يعني حتى هو مارح تشوفه مصادفة أبدًا بعد اليوم ! حتى آخر سبيل بينهم انقطع ، وكأن كل شي ضد حبها الغريب !
رجعت تضم لحافها وبحشرجة صوتها الضيق : خلاص اطلعي بنام
قامت ريان بضيق من حالة منى : زين .. وترى ياسر رجع قبل العشاء ، لا تنسين تسلمين عليه
هزت راسها من تحت اللحاف ولا علقت ، وبمجرد ما أغلقت ريان الباب انخرطت ببكاء مكتوم
أما ريان ، طلعت من الغرفة وتوجهت لغرفتهم .. قفلتها ووصلها صوته : شلونها ؟
ريان تنهدت : بخير لا تشغل بالك
ياسر بضيق : لو أدري وش فيها بس !
جلست بجنبه ومسكت كفه ، بإبتسامة حنونة : عادي لازم الواحد ينفس .. بكرة تلقاها رايقة
ابتسم لها من دون تعليق .. تمددت على رجله وسحبت كفه لشعرها ، تجاوب معها وراح يمسح راسها بخفة ، نطقت : وخالتي كيفها ؟
ياسر بهم : مثل حالتها ، ما طلعت من المستشفى .. برجع لها وننقلها هنا بالرياض
سحبت كفه وقبلتها : تطمن ، كل شي بيكون بخير لا تشغل بالك ..
نزل لمستواها وطبع قبلة امتنان على راسها
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!