مرَّ الزمانُ وما مرَّ الزمانُ بهِ
فأين كان عن الأيام مُحتَجِبا؟!
ساهٍ عن الشَّعَراتِ البِيضِ يَحسَبُها
مِمَّا تَوَهَّجَ من أفكارهِ شُهُبا
- جاسم الصحيح
*•
مرت الأيام وليالي أسبوعين ثقيلة على الجميع ، باستثناء من يقضون أجمل لحظاتهم بالنمسا وأسبانيا ..
طلع من المحكمة يجر خيبته وصك انفصالهم بيده ..
انفصال أبدي ، روحه الأولى ، زوجته الحبيبة .. الأسبوع القادم من المفترض يحتفل معها بذكرى زواجهم .. لكن ، كل شيء انتهى ، قبل عام كان برفقتها يقضون لحظات حبهم معًا ، كانوا يسمعون عن الطلاق ويتعوذون منه ويضحكون طلاق ؟ مستحيل !
قتله صدها وإصرارها على الانفصال ، حاول يكلمها ، يتواصل معها .. يفهم منها ، لكنها كانت تهرب منه مثل اللي يهرب من مريض أجذم !
ركب سيارته بضيق وهو يرمي الأوراق بالخلف .. تعالى رنين جواله ، رفعه .. كان رقم غير مسجل يدق : هلا ...
وصله صوتها التعبان والمنهك : وائل
أبعد الجوال عنه للحظة يسترجع نفسه ، يدرك إنه ظلمها بزواجه منها .. لكن بهاللحظة مو ناقصها ، رجع لها : هلا رهام
ريهام همست بانكسار واضح : مابي منك شي ، بس في لك شي عندي لازم تجي تاخذه
وائل بضيق :أجليها بعدين ..
بإصرار : لازم وائل .. - خفضت صوتها وكأنها تخشى يسمعه أحد - شي يخصك إنت ولمار ، وعبد العزيز
وكأن صاعقة كبرى نزلت عليه : وش الشي اللي يخصنا ؟ تكلمي رهام !
رهام : تعال وبس الحين أو اليوم الليل ، أمي مابتكون موجودة .. بسرعة قبل لا تصحى !
قفلت الخط بوجهه مما جعلته يفقد أعصابه ، كل الأمور طرت بباله .. موضوع يخص عزيز ؟ هي ما تعرف عن صداقته بعزيز ! مافيه غير موضوع واحد ! ، طـار بسرعة لبيت جدها .. وقف مقابل الباب وهو يعيد الاتصال بها .. : أنا تحت ، تعالي ..
انتظرها لدقيقتين حتى انفتح الباب أخيرًا وطلعت منه .. دخلت السيارة وألقت السلام ، قاطعها بغضب : وش الموضوع ؟ بسرعة رهام
خافت من شكله الغاضب ، ما تقدر تواجهه .. بيقتلها طبعًا ، همست بصوت مرتبك : طيب امشي بالسيارة نبعد
زفر بحدة : رهام لا تقلقيني أكثر !
استجمعت قواها ونطقت أخيرًا : الموضوع كبير .. ما أقدر أقوله لك بالسيارة .. والله وائل !
شعر وكأن روحه تطلع ، استشعر نبرة الصدق والخوف فيها .. تحرك بسرعة متجه لبعيد ، مشى بسيارته مسافة طويلة حتى وقف أخيرًا عند مخططات أراضي فاضية ..
وقف السيارة ولف عليها : قولي
غطت وجهها بربكة : بس ... اهدا وائل
وائل بقلة صبر : أنا هادي .. بسرعة احكي !
ابتعلت ريقها : أولًا أوعدني ما تأذي أمي ولا يوصل الموضوع لأحد غيرنا !
بهتت ملامحه ، ظنونه تصيب .. همس : كملي
سقطت دموعها بضعف : وائل قبل كل شي أعرف إني مو راضية عن أي شي حصل ! ، والله مو قادرة أنام من الخوف .. مافيني أسكت أكثر
كان يراقب ارتعاشة أصابعها وخوفها بترقب .. يبيها بس تنطقها ، تابعت ببكاء : أمي أحبها أكثر من أي شي ! بس هي .. هي اللي تبي تهدم كل شي ! حقدها على أم عبدالعزيز وقلة خوفها من الله طيحوها بحفرة ما تقدر تطلع منها ... ودخلتني بمصايبها !
وائل بهدوء أمسك كفها وأبعدها عن وجهها : اهدي رهام واحكي .. لا تخافين
تابعت وهي تستشعر الأمان : عارفة إنك ما تزوجتني إلا عشان تضمن إنك تقرب من أمي وتعرف السحر اللي سببته لصاحبك وبنت خالي .. لا تحسبني غبية ! - تهدج صوتها ببكاء - غبية لأني تعلقت فيك ! وهدمت حياتك .. بس أبي أعدل غلطات أمي وبعدها بكيفك راضية تطلقني بس لا تمس أمي وسمعتها بشي ! تكفى وائل !
كانت تجهل التغيرات اللي طرت على وجهه وقتلت ملامحه ، تجهل السوء والقهر اللي خلفتها فيه .. نطق بهمس : وش تبين توصلين له ؟
أكملت بكاءها : مابي شي .. أبيك بس تهدا ولا تتهور وتطلق لمار ، لين ...
شد كفها بقوة لما لاحظ صمتها : لمار وش دخلها بالموضوع ؟؟ ليش تزيدين وتعيدين فيها ؟ تكلمي لا تحرقين أعصابي أكثر !
ارتعدت بخوف ؛ وائل وعدتني تهدا
ترك كفها لكن توتره ما زال ، تابعت : أنا خلاص ماعاد يهمني شي .. فقدت كل شي ومايهمني وش بيصير .. - فجرتها بوجهه - ذنوب أمي وصلت للمار تبي تبعدها عنك ..
وكأن الأرض ارتطمت به ودارت ، نطق غير مستوعب : وش تقصدين ؟
قطعته لأشلاء وهو يسمعها تقول : أمي .. كانت تحسبني مثلها ، ماتبي أحد يشاركني معك .. واللي سوته لعزيز سوته فيك .. وأنا والله ماقد شكيت لها
هول الصدمة شله عن الإحساس ، خدر بارد كل مايحس فيه .. صوتها يوصله بعيد وكأنه غريق تحت الأرض ما يسمع إلا همهمات !
بكت برجاء وقهر : كانت تبي تصلح حياتي بس ماتدري إنها هدمتها .. مافيني أعيش مرتاحة بعد اللي سوته ، مجافيني النوم وأتقلب على نار كل ليلة .. صدقني وائل !
همس غير مصدق وصوته يغيب : لمار !
لف على وراء بيدين ترتعش ، أخذ الأوراق وفتحها قدامها بقهر وصدمة : اليوم طلقت لمار ! ، اليوم يا رهام !
حلت عليها الصدمة ، بكت بقهر .. لكن سرعان ما نطقت بين دموعها : وائل لا تخاف ! يمدينا .. انت ساعدني وصدقني بنلقى السحر وبتطلقني وبترجعها .. صدقني عندنا وقت !
-
بحديقة صغيرة أمام المجمع السكني قبيل الغروب ، كان واقف خلف المرجيحة اللي تطير وكل ما قربت منه دفعها لتتعالى ضحكات ريم .. ينتقل بعدها لشهد يدفعها مرة ثانية لتسابق ريم بالطيران ..
يتوجه لـ ليان الصغيرة ويساعدها على الانزلاق بالزحليقة الكبيرة .. وأخيرًا توصل له كرة قذفها ثامر بقوة ليردها له ويسجل هدف ..
تتعالى صرخات ثامر بقهر .. : غشاش !
يضحك وليد : هذي حيلتك كل ما سجلت عليك هدف !
ثامر يمسك الكرة : نعيد نعيد..
يتابع لعبه مع ثامر ، يلمحها تخرج من بوابة العمارة .. تتوجه لهم ، تقرب .. وهاهي أخيرًا تدخل الحديقة وتنتقل لـ ليان ، تساعدها على صعود المرجيحة وتدفها من جديد ..
يرمي الكرة على ثامر وبمزح : كمل العب مع الأولاد اللي هناك .. مافيني أهزمك وتزعل !
يركض ثامر ليشارك مجموعة أولاد من نفس المجمع لعبتهم ..
تقدم بخطواته لها ، كانت ذابلة تمامًا .. نحل وجهها كثير ، وجهها شاحب ، ما كانت سحر اللي يعرفها ..
قاطعه صوت أخته شهد : يللا وليد دفني .. أبغى أطيــر !
قرب منها وبإبتسامة سحب المرجيحة له وأعادها بقوة .. انتشرت ضحكاتها بأرجاء الحديقة
قربت سحر لهم ، فعلت بالمثل لأختها الصغيرة بعد ما استنجدت بها ..
كانت تقف بجواره ، يفصلهم فقط متر .. نطق بهدوء : شلونك سحر ؟
بنبرة باردة خالية من الحياة : نفس ما تشوف
نقل بصره لها وبتشجيع ابتسم : الحمدلله ، أشوفك قوية وبخير ..
وكأن كلمته أنهكتها ، جلست على طرف الممر اللي يقع خلفها بقلة حيلة .. شعرت به يجلس قريب منها لا يفصلهم سوى شبرين ، بجفاف حلقها نطقت وهي تضم نفسها : أحس إن كل شي حلم ! .. جسمي ثقيل وكأني أشيل أحجار داخله - بضياع شديد - ما أحس إني أنا ، كل شي ما أحسه بمكانه !
نزلت راسها وهي تمسح دمعة تسللت لها أخيرًا ، وصلها صوته حنون : كل شي بيمضي .. ابتلاء من الله أقوي فيه !
قاطعته بضعف بحشرجة : ليش احنا طيب ؟ مالي قوة على ابتلاء ..
كان يسمعها وقلبه يعوره عليها ، حالها يذيب الحجر لأي قلب .. فكيف بقلبه الشغوف بها ، تابعت بعد ما هدأت قليلًا : أنا إن كنت قادرة أوقف للحين فهو بس عشان فهد ! .. يظن نفسه قوي ويحاول يلمنا ويتحمل كل شي ، يحسب إني ما أشوف الضعف بعيونه ... أدري إنه بكل ليلة يروح فيها عندك يبي يخفف الحمل عن قلبه ... مابي أخذله وأنهار مثل جواد ... - ضمت شفاتها تقتل بكاء قبل لا يولد - أمس عرفت إنه تعب من جديد ، خفت أفقده .. مابي أفقد الشي اللي نرتكي عليه ، بنضيع من دونه أدري !
تراءى له منظر فهد أمس ونوبة ألمه تزيد ، بمجرد ما داهمه الألم توارى عند وليد خايف يشوفونه إخوانه بهالحالة ! ، حتى اعتدل وقام على رجوله من جديد رجع لهم .. غمض عيونه وليد بقلة حيله ، عاجز عن مواساتها ، عاجز عن حل معضلة صديقه .. أكثر شي قادر يسويه يخفف عنه بكلماته ويشد على عضده ، يشعر وكأن المصيبة حلت عليه مثل ما حلت عليهم ..
مسحت دموعها ، أخذت نفس عميق تهدئ صوتها : كنت بس أبي أشكرك ، ما تعرف كيف وجودك خفف عنا كثير .. يكفيني أشوف ثامر وريم يضحكون من جديد
هز راسه وبصدق وقف معها وهو ينفض ملابسه عن التراب اللي علق فيها : مابي شكر ، هذا أقل شي أسويه لفهد ... ولكم
حس فيها وقفت من دون حركة ، رفع بصره لها .. كانت تناظر لقدام بصدمة وحركتها جمدت ، نقل بصره لحيث ماكانت تنظر وسرعان ما شعر بطوفان يرتطم به .. تمنى لو إنه غير موجود ، لو ما طرت على باله فكرة تنزيه الصغار بالحديقة .. لو ما جلس معها ..
تقدم الشخص اللي كان ناوي يطلع للعمارة ، لكن يبدو إنه غير من طريقه يوم شافها وتوجه بخطوات ثابتة لهم ..
ضحك بسخرية وهو يشوفها بجنب وليد : برافو يا بنت ناصر !
وليد شعر إن موقعه خطأ ، لكن رجوله مو قادرة تتزحزح عن مكانها وهو يشوف ( عبدالله ) خطيبها المزعوم يوقف أمامهم .. وصله همسها : عبدالله !
تراجع للخلف وليد وبتوتر نطق : عن إذنك سحر ..
وقبل لا يبعد أكثر وصله صوت عبدالله هازئ : لا يا طويل العمر .. ما أقاطع جلستكم ! كنت جاي أتطمن على - وبتشديد - خطيبتي ، ولقيتها بأحسن حال !
غمض عيونه بغيض وليد ، رغم إنه كان يتمنى هذي اللحظة من زمان ، لكن موقفه الإنساني وإدراكه لضعفها وإنها غير مستعدة لفقد شخص جديد من حياتها أجبره يتمالك نفسه ..
لف عبدالله متوجه لسيارته بعد ما رمى عليها نظرة زلزلتها ، تبعه وليد قاصد يصحح الخطأ اللي ظنه .. نطق وهو يوقف قريب من السيارة : لا تفهم خطأ ، كانت مع إخوانها الصغار بس ..
عبدالله فتح باب السيارة ولف على وليد وببرود : فعلًا واضح !
زم شفاته يهدئ نفسه ، داس قلبه ورجّح عقله للحديث .. بهدوء : تعرف الظروف اللي يمرون فيها ، كن محضر خير .. لا تزيدها عليها !
عبدالله بنبرته الهازئة : وحضرتك مين تجي تنقل لي أخبارهم .. لاحظ إن موقعك خطأ !
اغتاض جدًا ، غلف غيضه بابتسامة شبيهة لابتسامة البارد اللي قدامه : تبي تساندها وتوقف معهم بمحنتهم حياك الله .. لكن حط ببالك إنهم مو بحاجتك !
ركب سيارته وهو يقول ببرود : مافيني أتورط معهم أكثر ! ، تبي تتورط بهم حياك .. بفسح لك الطريق بكرة ، أوعدك !
حرك سيارته مبتعد عن وليد الواقف بذهول من جملته الأخيرة عاجز عن تفسيرها .. فعلًا كان يبي هاللحظة من زمان ، لكن .. ليش يحس بانكسار الحين ؟ ضميره يذبحه لأجلها .. مايتخايل ردة فعلها لو تخلى عنها الشخص اللي من المفترض يكون زوجها بعد شهر بأشد أوقاتها حاجة له ! مو ناقصهم جروح تزيد وجعهم ..
جر رجوله للخلف وهو يمسح جبينه وسرعان ما اصطدمت عيونه بها واقفة على مقربة ! ، ملامحها كانت باردة جدًا مما جعله يشك إن الحديث بينهم ما وصلها ..
تقدم بخطوات ثقيلة لها وبهمس : آسف ..
هزت راسها نفي ، وبحشرجة صوتها : ما صار شي ، كان جاي ... ينهي كل شي .
رفع عينه لها ، لمح لمعة دمعتها اللي جاهدت تخفيها .. صدت عنه وبصوت حاولت يكون واضح : يللا ريم .. تعالوا
تركته خلفها بموجة مشاعر ملخبطة ، أسى .. شفقة ، حزن .. وبصيص أمل !
هي .. التجأت للشقة ، ملاذ وحدتها وتعاستها تواري حزنها ، كانت تدرك تمامًا إنه بيتخلى عنها .. مافي سبب واحد بقى ليتمسك فيها ، ما تلومه أبدًا .. شعرت قلبها أقوى مما تظنه ، صدمتها بأبوها قتلت بداخلها ذهول أي صدمة أخرى ، وكأن حاجز حديدي بات يغلفها ضد الصدمات ..
توجهت لدورة المياه ، غسلت وجهها بماء بارد .. زفرت بعمق وبداخلها تعتزم تقوي نفسها وتعتمد عليها ، توجهت لغرفة جواد .. فتحتها بهدوء ، كانت باردة جدًا .. تقدمت بخطوات بطيئة لئلا تزعجه ، غمرها الحزن لشكله المرهق .. طيلة الأسبوعين اللي راحت كان حابس نفسه بالشقة رافض مقابلة أحد ، الحمى أنهكته .. والصدمة مازالت تسري بروحه ..
وضعت يدها على جبينه تتحسس حرارته اللي ما نزلت ، رق قلبها له .. انتقلت مباشرة لريموت المكيف ، زادت من حرارته علّه يدفيه ..
خرجت من الغرفة قاصدة المطبخ ، قررت تطبخ له شربة خفيفة علها تفيده ..
تراقب الساعة المعلقة على الجدار بقلق كبير ، انتهى النهار ومازال غير موجود ومنقطع عن جواله .. دخلت منى الغرفة تشاركها القلق : يالله ! مافيني أصبر ..
ريان بضيق : وش نسوي يعني ؟ نركب سيارة ونمشي عالخط ؟
جلست بجانبها : ما صارت ! مفروض واصلين من الصبح ! .. أكيد صار شي
أبعدت الأفكار التشاؤمية اللي قضت عليها من ساعة تأخرهم : أعوذ بالله ، لا تقولين كذا .. توتريني أكثر !
منى مسحت وجهها علها تهدي نفسها ، سحبت جوال ريان من حضنها .. راحت تبحث عن رقم ياسر ، وصلها صوت ريان يائس : مابيرد ..
سرعان ما تهلل وجه منى بعدم تصديق : يدق يدق
سحبته منها ريان بعدم تصديق .. ومجرد ما وصلها صوت الخط تهلل وجهها .. ثواني حتى انفتح الخط أخيرًا ، جفلت وهي تسمع صوته خالي من الحياة .. وكأنه فقد روحه : ايوه ريان
ردت بسرعة وكأنها تخشى الخط ينقطع : ياسر وينكم ؟؟ خوفتونا
تنحنح عله يخفف الحشرجة بصوته : باقي بجدة ..
ريان بقلق كبير وهي تبعد منى اللي لصقت بجانبها لعلها تسمع : ليش ؟ وش صار ؟
ياسر بضيق شديد : ريان ، ما أقدر أترككم وحدكم .. لازم تجون بسرعة !
بلعت ريقها بخوف وهي تتصور كل الأمور السيئة : وش صار ياسر ، نشفت عروقي
ياسر : مافي شي ، بس أمي تعبت شوي وممكن أطول .. ومافيني أترككم وحدكم
ريان : وأبوي وأمي مو على أساس جايين ؟
مرت لحظة صمت ثقيلة على روحها .. : ياسر !
جاوبها أخيرًا ببحة : غيروا طريقهم لعندنا - وقبل لا يترك لها مجال أكثر ، تابع بسرعة منهي النقاش - احجزي من الموقع بسرعة ، حاولي تكون بدري .. ما أقدر أطول معك أكثر
ريان بلعت ريقها : ياسـ..
وقبل لا تنهي كلمتها وصلها صوته هامس : أستودعتكم الله
قطع الخط تاركها خلفه بدوامة قلق أكبر مما كانوا عليه قبل اتصاله ، وصلها صوت منى : وش فيه ؟
مسكت قلبها بخوف : فيه شي صاير بس مايبي يقولنا !
زمت شفاتها منى بصدمة : وش صار ؟
وقفت بسرعة ريان متوجهة للاب توب وهي تقول : مدري مدري .. بس أمك تعبانة ! وأبوي وأمي رايحين عندهم .. ويبينا نحجز لجدة
جفلت منى : يارب ! وش صاير
جلست بجنب ريان اللي تعبث باللاب توب علها تجد رحلة اليوم .. ضربت جبهتها بقهر : يالله ! مافي اليوم ! .. أقرب رحلة بكرة الليل !
منى : حتى ماعندنا أحد نعرفه ممكن يدبر لنا رحلة
ريان ومازالت تحوس باللاب توب : كلمي ميرا .. ممكن أحد من أهلها يعرف
طلعت جوالها وبعجلة فتحت الواتس .. كتبت بشكل سريع ( ميرا ، تكفين شوفي لأخوك ولا أحد من أهلك إذا يعرفون أي أحد يدبر لنا رحلة اليوم لجدة ضروري ! )
تركت الجوال بيدها وانشغلت بشاشة اللاب توب ، أضاء جوالها بتنبيه لوجود رسالة .. رفعته وهي تقول : أكيد هذي مـ.... - انبترت كلمتها وهي تشوف الاسم ، فتحت عيونها بصدمة .. وقفت بربكة وراحت خلف ريان ، فتحت الرسالة اللي تحمل اسمه ( أحمد ) بتوتر .. وسرعان ما شعرت بالدوار وهي تشوف رسالتها تحت اسمه ! كيف ؟ هي متأكدة إنها أرسلت لميرا ! يبدو إن ربكتها الشديدة اختارته هو من بين جميع الأسماء ! ..
( إن شاء الله ، لكم شخص ؟ )
بلعت ريقها وهي تجاوب ريان اللي تسألها وش صار : ولا شي .. اصبري أتفاهم معها
كتبت بسرعة ( خلاص شكرًا ، أرسلت بالغلط .. آسفة )
وبداخلها تدعي ما يكون يظن بإنها متعمدة تختار اسمه ، كانت تشعر بمغص شديد يداهمها وهي تشوفه ( يكتب الآن .. ) ، أخيرًا ظهرت الرسالة ( مافي مشكلة ، أنا من أهل ميرا .. لكم شخص ؟ )
ترددت تكتب في البداية ، لكن خضعت في النهاية ( ثلاثة )
( ابشري .. الحين توصلكم )
داهمها شعور جميل ودافئ ، بالرغم من إنها عزمت تتخلى عن قلبها لكن بكل مرة ترجع من جديد لخط البداية .. اكتفت بـ ( شكرًا )
جلست على طرف سرير ريان وياسر تستعيد قوتها .. تكلمت أخيرًا : خلاص .. قالت بيدبرها عمها أبو تالا
لفت بهاللحظة ريان تراقب تغير ملامح منى ، تدرك إنها تعاني من حبها .. حب نهايته واضحة من البداية ، هزت راسها بإبتسامة خفيفة لمنى : الحمدلله .. قومي جهزي أشياءك
وقفت منى متوجهة لغرفتها وجوالها بكفها ، مجرد ما وصلت وصلها رده ( إن شاء الله خير ؟ )
كتبت بدون تفكير ( أمي تعبانة ، وأبوي وزوجته وأخوي كلهم عندها )
رد مباشرة ( الله يقومها بالسلامة .. خير إن شاء الله ، لا تخافين )
أخذ البيانات منها وخلال نصف ساعة وصلتهم التذاكر الكترونيًا ، تأملت كلماته الدافية .. المطمنة لها ، آخ لو بس يبادلها نفس الشعور !
-
بالمقابل ..
في مكتبه بالمستشفى ، وقف .. توجه لمكتب أخوه يوسف ، نطق بشكل سريع : يوسف وش صار على عقد الأجهزة المستوردة ؟
يوسف رفع راسه له : خلاص بعد بكرة بيروح سالم جدة ويتفقدها لنوقع العقد ..
أحمد : خلاص بلغ سالم يكنسل رحلته ، أنا بروح لها ..
عقد حواجبه يوسف باستغراب شديد : ليش ؟ وش عندك ؟
أحمد بعجلة : مافي شي ، أفضل أحد منا يروح لها لا ننغش ..
يوسف باستنكار : الشركة المستوردة دايم نتعامل معها شفيك ؟
أحمد بضيق : خلاص بلغتك ، أنا رايح .. وبلغ عمر لا يفقدني ، بعد بكرة الليل راجع
يوسف طلع ملف من مكتبه : لحظة ، لا تنسى الأوراق !
خرج من مكتب أخوه بعجلة بعد ما أخذ الملف تحت نظرات الاستغراب الشديد ، طلع من المستشفى .. توجه لمنزله مباشرةً ، وخلال ثلاث ساعات كان متواجد في المطار ..
انتظر حتى وصله أخيرًا نداء رحلته ، توجه لها بحقيبته الصغيرة بالإضافة لحقيبة لاب توبه .. صعد لدرجة الأعمال ، جلس على مقعده بجانب النافذة .. استخرج لاب توبه يشتغل عليه ليقضي وقته ..
ما حس بالبنت اللي وقفت مصدومة وهي تشوفه جالس على المقعد
بلعت ريقها بصدمة منى وهي تشوفه جالس بجانب المقعد الخاص فيها ، طبتها ريان من خلفها تحثها على السير .. لفت عليها منى بتوتر وبهمس : أنتِ اجلسي هنا .. وعطيني مقعدك
ريان باستنكار قبصتها بخفة : اجلسي أنا بجلس مع تالا ، بسرعة لا توقفين
ماتركت لها مجال أكثر وهي تسحب بنتها تالا وتجلس بمقعدها أمام مقاعد أحمد ومنى ، سلمت أمرها لله .. تقدمت بربكة ، وبمجرد ما وقفت عند مقعدها .. رفع راسه بتلقائية ، شتتها بعيد وجلست أخيرًا ، ابتسم بهدوء وهو يبعد شاشة اللاب توب شوي : السلام عليكم ورحمة الله
وجهت نظرها للأمام تحاول تتجاهله ، لكن وصلها صوته من جديد : السلام سنة ورده واجب !
همست وهي تشبك أصابعها بتوتر : وعليكم السلام ..
لفت راسها للجهة المعاكسة ، بطريقة توضح له إنها ماتبي تسمع صوته .. لكن وكأنه لم يفهم تابع : شلونك ؟ وشلون أمك ؟ إن شاء الله تحسنت
زمت شفاتها بدون رد .. مازال جرحه لها برسائله الأخيرة ، بتكون قوية أمام الفرصة المغرية للحديث والجلوس بجانبه لمدة ما يقارب الساعة ونصف ، لتثبت له قوتها ولا مبالاتها به .
استغرب من صمتها المفاجئ ، ما توقعه أبدًا .. عقد حواجبه بضيق : شفيك منى ؟ أمك تعبانة ؟
لفت عليه أخيرًا كانت تنوي تطلع حرتها فيه لكن قربه بهالشكل وملامحه المستكينة بعثرتها .. تمالكت نفسها ، نطقت بصوت مهتز : بخير .. ارتحت !
وعادت من جديد بنظراتها للأمام ، هو .. مازال مصدوم منها ، ومن عدم احترامها .. بمجرد ما وصلته رسالتها حجز مباشرة لهم وله معهم ، إحساس الأبوة والحنان اتجاهها ما يقدر يفرط فيه .. حتى بعد ما اكتشف مشاعرها اللي يعتبرها مجرد طفولة ! ..
أقلعت الطائرة أخيرًا ، وهو ما زال يفكر في سبب غضبها الواضح منه .. مال بطرف عينه لها ، كان التوتر جلي عليها من فرقعتها لأصابعها وهزها لرجولها .. نطق بتلقائية : اهدي بنتي ، أمك إن شاء الله بخير !
لفت عليه والغضب ياكلها من كلمته المصر عليها ( بنتي ) ! : ممكن ما تكلمني ؟ أنا مابي أكلم أحد لأني مابي قلبي - وباستهزاء واضح - سبيل للرايح والجاي
ناظرها بعدم استيعاب من إصرارها اليوم على صدمته ! ما كانت كذا أبدًا ! ، وجّه وجهه للاب توب ومازال يفكر في سبب تغيرها ، ما مضت غير أقل من دقيقتين حتى التفت عليها بسرعة وكأنه استوعب : منـى !
اسمها على لسانه كفيل بزلزلتها ، شدت كمها وعصرته بين أصابعها .. تابع باندهاش : لا يكون زعلانة ؟
ما ردت مما أكد له زعلها ، أغلق شاشة اللاب توب بإبتسامة ودودة .. وهو يذكر تالا إذا زعلت منه ، إما تقابله بهجوم وشراسة وممكن تتجاوز حدودها معه أو ببرود قاتل ما تترك له مجال يتعامل معها .. بهدوء : منى
كما توقع ، لا رد .. تابع : منى ، مابيك تشنين هالحرب علي .. لا تفسرين أي شي من راسك
استمرت بصمتها ، أكمل : فهميني أنتِ وش فيك ؟
لفت أخيرًا وعيونها أخيرًا بدأت تلمع بأول دمعة : مافيني شي ، بس أبي أمشي بنصيحتك .. مازلت صغيرة ولا بضيع قلبي بأي مكان .
اتسعت ابتسامته بحنانه المعهود : منى .. لا تخلين هالكلام بقلبك ، ولا تظنين إني متجاهلك ، ما قلت لك هالكلام إلا لأني أغليك والله .. قلته عشانك ، مابيك تضيعين عمرك .. وأنا أدري إن كل هالمشاعر اللي بقلبك مشاعر بنت لأبوها ، صدقيني الحب اللي تظنينه وتظنه كل بنت ماهو حب .. الحب يجي بالمواقف والعشرة ، مو مجرد هالخرابيط اللي ببالكم .. يوم الله بيرزقك بزوج صالح إن شاء الله بتعرفين معنى كلامي
كانت تسمع له و قلبها يتقطع أكثر ، عقلها يصدق كلامه .. لكن قلبها يرفض كل كلمة منه ، تنهدت بصعوبة .. هزت راسها بدون أي تعليق وهي تمسح عينها ..
ابتسم أكثر ، وبنبرة أبوية : خلاص الحين لا تشغلين بالك بأي شي ، اهتمي بدراستك وخلي بالك على أمك الله يحفظها
عاد إلى لاب توبه .. تابع شغله بهدوء بقية الرحلة ، بينما هي كانت تصارع روحها داخليًا من جهة ومن جهة أخرى تراقب أدق حركاته ..
-
بنفس وقت إقلاع الطائرة إلى جدة هبطت الطائرة القادمة من أسبانيا على مطار الملك خالد الدولي ..
همست وهي تطب كتفه : بندر .. وصلنا
تحرك أخيرًا وفتح عيونه ، استكان لثواني حتى استوعب وجوده بالطيارة بجنبها .. مسح وجهه بضيق : يالله ، ليش ما صحيتيني بدري !
شوق : شفتك تعبان ، قلت أخليك تنام ..
انتقلت عينه للنافذة ، ابتسم بشوق : الرياض أخيرًا !
شوق نقلت نظرها لحيث ما يشوف : اشتقت لها ..
وقف ، طلع حقيبته الصغيرة .. وخلال دقائق نزلوا أخيرًا من الطائرة ، أمسكت بكفه ومشت بجانبه حتى دخلوا الصالة ، نطقت وهي تتلفت بعيونها : تشوف أخوي نواف ؟
لف عليها بوجوم : خبرتيه ؟
شوق لاحظت ضيقته : قال يبي يستقبلنا .. بس
زم شفاته وهو يجر حقائبهم : زين بس لا تسمعين كلامه لو قال يبي ياخذنا لأهلك
ابتسمت بالرغم من شوقها الكبير لأبوها : تطمن ..
تنهد : هذا هو .. قدام ، متحمس !
انتعشت وهي تشوف أخوها واقف قدام ، تركت بندر وتوجهت له بخطوات سريعة .. مجرد ما شافها ضحك بحب وهو يتقدم لها ، أخيرًا ضمها بشدة وهو يرفع رجولها بشكل بسيط .. : أخيرًا !
طاحت عينها على بندر وهي بحضن أخوها ، تكلم بهمس : شوق ..
شافت الغيض بعيونه ، ابتسمت له .. وأبعدت عن أخوها : يالله شكثر اشتقت لك ..
ضحك وهو يلتفت لبندر ويسلم عليه ، بينما هي انتلقت للي جاي من بعيد وبيده كوبين قهوة .. ابتسم وهو يشوفها ، ضمها بخفة وهو يحاول يبعد يدينه اللي تحمل القهوة عنها .. : الحمدلله على سلامتكم
أخذ نواف القهوة من يد أخوه وباليد الثانية سحب الشنط مبعد بندر عنها : نمشي على بيتنا ولا يا بندر .
بندر بإبتسامة : على بيتنا ، تعبانين والله
شوق تابعت لتأكد : بكرة بشوفكم لا تشيل هم
نواف بضيق ابتسم : والله أبوي محذرني ما أضايقكم ، بس يللا هو الصبح بيمر يسلم عليكم وبجي معه .. ناشب لكم
بندر بإبتسامة مداعبة : وتحسبني بستقبلك بكل مرة تجي ؟
نواف بضحكة : شسوي ، محد قالك تاخذ أختي بدري مننا
وقف بثقل كبير ، تحامل على وجعه .. ضم بجامته عليه علها تدفيه ، فتح باب غرفته وهو يمشي بخطوات بطيئة متجه للمطبخ .. السكون والظلام كان يغطي الشقة ، مما جعله يدرك إن الليل حل وإخوانه مؤكد إنهم نايمين بهالوقت ..
قبل لا يصل للثلاجة وصله صوت طرق خفيف على الباب .. ما كان فيه حيل يتحرك للباب ، لكن إصرار الطارق جعله يتزحزح من مكانه ويتوجه للباب بخفوت ، فتح الباب .. وكما توقع ، أخوه فهد ..
ظهرت الدهشة والتوتر على ملامح فهد : آ.. صحصحت أخيرًا !
عقد حواجبه بتعب وهو يهز راسه بدون تعليق ، كان ناوي يلف ويكمل طريقه للمطبخ لكن التفت بتلقائية على فهد اللي نطق وهو يزيح عن الباب : تفضلي
ظهرت فتاة بعبائتها من خلف فهد ، للوهلة الأولى ظنها أخته سحر أو سهى .. أو حتى مشاعل طليقة فهد ، لكن سرت الصدمة بملامحه وهو يشوفها .. غمض عيونه عل طيفها يختفي من أمامه ، لكنها ما اختفت !
لف على فهد بتلقائية ، قابلته عيون فهد المتوترة .. همس الأخير وكأنه يؤكد له إنها هي : تفضلي ملاذ ..
غمض عيونه من جديد والعرق بدا يتصبب منه ، سمع صوتها اللي غاب عنه فترة : السلام عليكم ..
حس فيها تدخل وتتجاوزه ، فتح عيونه بضيق واضح ، وصله صوت فهد وهو يدخل الشقة ويقفلها خلفه : تفضلي ملاذ للصالة ، البيت بيتك ..
مجرد ما ابتعدت داخلة الصالة ، ناظر فهد بضيق واستياء شديد .. أمسكه فهد بزنده يحثه على السير : تعال معي للمجلس .. أبيك شوي
سار خلف أخوه رغبة منه للهرب من الموجودة بالصالة تنتظره ، نطق بمجرد جلوسه : ليش فهد ؟
فهد شال شماغه وطاقيته ورماهم بإهمال : عشانك جواد !
بضيق واضح وبصوته التعبان : شكيت لك ؟
جلس مقابل أخوه ، شبك كفينه ببعض : ما يحتاج تشكي لي ، أنا أشوف كل شي .. ما تشوف عمرك شلون تعبان ؟ ولا فكرت في المسكينة اللي كل يوم تترجا أهلها يجيبونها عندك ! .. جواد هذي زوجتك ! ، إذا ما كانت معك الحين متى تبيها توقف معك ؟
جواد بانكسار جلي عليه : وأنا مابيها معي ياخوي ! ، فهد .. انت ما تحس ؟ مافيني أحط عيني بعينها ! ليش تزودها علي ؟
فهد رق قلبه لصوته المنكسر ، تابع بهدوء : وأنا مافيني أشوفك كل يوم تنطفي أكثر جواد ، مافي أحد كثرها ممكن يطلعك من صدمتك ..
جواد ضحك بسخرية محروقة وهو يسند ظهره للكنب : تدري إني لأول مرة أحسدك على شي ؟ .. كونك مطلق بهالأوضاع هذي نعمة لازم تشكر ربك عليها
فهد ضاق من كلمة أخوه ، مايدري شكثر هو محتاج مشاعل بجنبه بهالأزمة .. يعرف قوتها ، والمساندة اللي ممكن تسندها فيهم بهالأزمة : لا تحسد الفقير على فقره ، لا تستهين بوجود زوجتك جنبك .. هي الحين منا وفينا ، اللي صابنا صابها .. لا تقصيها كذا وهي محتاجتك جنبها !
زم شفاته جواد بقهر .. نطق بعد صمت بفضفضة : ماقدرت أعيشها مثل أي عروس أيام تذكرها ، كلها أسبوعين حتى انهار كل شي .. مافيني أتحمل وهي تشوف انكساري بهالشكل .. خذلتها وخذلت أهلها معها
وقف فهد وبحنان كبير ابتسم : لا تحمل نفسك المسؤولية ، هي سحابة سوداء وبتنجلي .. وقف معها واترك لها الفرصة تساندك .
مد كفه لكف جواد وسحبه ليستعدل واقف ، طبطب عليها : روح الحين وشوف زوجتك ، واسجد لله شكر إنها حولك ..
كانت عيون جواد ضايعة بعيون أخوه ، تابع بإبتسامة : وقوّي روحك ، أبيك بجنبي .. مافيني أشيل كل هالحمل وحدي
أخيرًا شقت الابتسامة وجه جواد بعد غيابها ثلاثة أسابيع ، وإن كانت ابتسامة باردة خالية من الحياة .. هز راسه يطمئن أخوه ، ترك يد فهد وطلع من المجلس متوجه للصالة .. قبل لا يدخلها تنفس بعمق يهدي نفسه ، تنحنح أخيرًا ودخل ..
كانت جالسة على الصوفا بالزاوية وعبايتها عليها والتوتر واضح عليها .. بمجرد ما سمعته وقفت بربكة ، تأملت هيئته .. كان نحيل جدًا وأعراض المرض واضحة عليه ، عيونه تغطيها الهالات وشعره منثور حوله بعشوائية ..
تقدم لها بدون ما يطالعها ، كان مشتت نظراته للأسفل .. أخيرًا جلس أمامها وهو ملتزم الصمت ووجه يغوص للأسفل ، حس بخطواتها تتقدم نحوه .. وهاهي أقدامها توقف أمامه مباشرة ، غمض عيونه بشدة يوم حس بكفوفها الثنتين تلامس وجهه ، استسلم لها وهي ترفع دقنه لها .. همست : ارفع راسك ، ليش ما تبي تطالعني ..
فتح عيونه ليظهر لها ألمه وانكساره ، زم شفاته : وش تبين تشوفين فيني ؟ .. القهر ؟ الخذلان ؟ الصدمة ؟ ولا خجلي منك ؟
آلمها قلبها لحاله ، نطقت بصوت مبحوح وكفها تنتقل لشعره تمسح عليه بينما الأخرى مازالت ممسكة بدقنه : أبي أشوف جواد القوي ، مو اللي يهرب ويترك كل شي وراه
نزل راسه بتلقائية على كلمتها ، شد عيونه يحاول يمنع الدموع لأجل ما تشوفها .. لكنها تسللت أخيرًا وبللت كفها ، رمت نفسها بجنبه وهي تسحبه لصدرها .. بكى كثير بحضنها ، شاركته البكاء .. اختلطت دموعها بدموعه ، بكاءه هذي المرة كان يجبره دموعها ، شعر وكأنه للمرة الأولى يتلقى صدمته بأبوه .. بكى قهره وضعفه ، شكى لها ببكاءه قلة حيله ، فقدانه للثقة .. قابلته بحضنها الحنون ، حضن أشبه ما يكون بحضن أمه الراحلة ، بكت لبكاءه ..
شدت عليه بذراعها حتى ارتخى أخيرًا على كتفها ، هدأت أنفاسه .. مازال يغمر نفسه بحضنها ، مررت كفها على جانب وجهه الظاهر لها تمسح بقايا الدمع عنه .. استشعرت الحرارة اللي تسري بجسده ، أبعدت وجهه عن كتفها برفق : حرارتك مرتفعة ، بروح أجيب لك دواء
هز راسه وهو مقفل عيونه ، وده لو تبقى بجنبه وتغمره بعطفها .. لكن الحرارة فعلًا بدأت تأخذ مجراها
توجهت للمطبخ ، استخرجت من الثلاجة حبة البنادول المتبقية .. عادت للصالة ، كانت فارغة منه .. قبل لا تأخذها الهواجيس لمحت حركته بالغرفة المفتوحة ، دخلتها وبيدها الدواء و المويا .. كان واقف يمسح وجهه المبلل بالمنشفة ، تقدمت له بابتسامة وناولته الدواء : اممم ، أنام اليوم هنا ولا ترجعني ؟
كان يدرك إنها تراوغ بسؤالها ، الساعة تجاوزت منتصف الليل .. بطبيعة الحال مابيتركها ترجع ، ابتسم بانهاك وهو يترك كوب المويا على الكومدينة : خليك هنا ..
تسلل الفرح لقلبها أخيرًا ، قفلت الباب خلفها وفسخت عبايتها .. انضمت له على سريره الواسع ، تركت يدها تعبث بشعره بحنية وبداخلها تشكر ربها لأنه سمح لها وأخيرًا تعود لحضنه تشاركه مأساته وتساعده على تخطيها ، والفضل الأول يعود لأخوه فهد اللي جاء لها وطلب منها وجهًا لوجه تجي وتنضم لهم بحسبتها فرد من العائلة ..
-
أمام شاطئ البحر الأحمر ، كان يتناول كوب الشاي لعله يصحصح .. تأمل منظر الشروق المقترن بالبحر من إطلالة غرفته العلوية ، منظر ينعش الروح ويهدئها .. أرخى جسده على الكرسي ، ولولهة راوده سؤال أرقه .. ليه أنا موجود في جدة ؟ ما سر الجاذبية الكبيرة اللي تمتاز بها ( منى ) حتى سحبته معها لجدة ؟ يدرك تمامًا أنها مثل شوق أو ميرا مثلًا بنظره .. مازالت بنت صغيرة مهما كبرت بعينه ، لكن صورتها وصوتها متشبثان دائمًا براسه .. وكأنها ليلة مأساتها ، وقت ما حملها على ذراعيه و تمسكت به وهي تنتحب .. قذفت أحبالها الصوتية وملامحها الوديعة بداخل راسه لئلا ينساها ويبقى يحميها دائمًا وللأبد ..
مسح وجهه وهو يزفر بضيق وكأنه يزفر طاريها من باله ، وقف أخيرًا تارك الشمس خلفه .. دخل لغرفته ، أخذ له شاور ينعشه .. خرج من الحمام بالروب وهو يفرك راسه ، سحب جواله من الشاحن .. وسرعان ما ضرب جبهته بضيق : شلون نسيت !
ومثل ما توقع ، انهالت عليه المكالمات من بدر .. كيف ينسى إن اليوم موعد عودة بنته العروس وزوجها ؟ كان يتمنى يكون أول من يستقبلها ، لكن .. طارت الأمنية من بين يدينه !
قرأ الرسالة المتوجة باسم بدر : ( أنا قايل ما بعتمد عليك ، بس وش أسوي لبنتك ؟ )
كتب مباشرة ( أنا بجدة ، رايح أشوف صفقة الأجهزة .. تعذر لي من تالا )
ما وصله الرد إلا وهو يدخل عتبات المستشفى الحكومي اللي أخذ اسمه من منى قبل لا ينزلون من الطيارة ، ابتسم وهو يشوف الصورة اللي وصلته من بدر .. ابنته تالا الحبيبة مستغرقة بنومها بفوضوية على السرير وتعليق ( خلاص بعد وش جاي تبرر ؟ )
اكتفى بضحكة وبداخله يزداد شوق لوحيدته ..
توجه لموظفة الاستقبال ، سأل عن غرفة أم منى .. عقد حواجبه لسؤالها بعد ما صمتت لثواني : تقرب لها ؟
أحمد : لا .. صديق للعائلة بس
قفلت الملف اللي قدامها : الله يرحمها
اعتلته الصدمة : وش ؟
الموظفة : أمس العشاء توفت ، ادعي لها ..
مسك راسه يتدارك صدمته ، هزه بقلة حيله : لا حول ولا قوة إلا بالله ...
نطقت الموظفة بتخفيف : عظم الله أجركم ، زوجة الابن منومة بالدور الأول غرفة 23 ، فيك تساعدهم ..
هز راسه بضيق والدنيا تدور فيه ، مشى بخطوات تائهة للمصعد ، كان جل تفكيره كيف ممكن يقدم المساعدة لهم ..
طلع من المصعد ، توجه للغرفة المقصودة ، طرق الباب أخيرًا ..
انفتح الباب لتظهر له بوجهها الميت ، الإرهاق جلي عليها .. عيونها الواسعة ذابلة تمامًا ، وجهها بهالمنظر يذكره بوجهها قبل سنتين .. بارد !
نطق بصوت جعله متماسك أمامها : عظم الله أجرك .. منى
تعلقت عيونها بعيونه ، وكأنها تبحث عن شي فيها يكذب الواقع .. ما وجدت غير المواساة ، تنهدت وهي تنزل عيونها للأرض .
شتت أنظاره بعيد جاهل ما عليه فعله : الله يرحمها .. أخوك ياسر وينه ؟
نطقت بوهن وشحوب : بالمغسلة .. الجامع اللي قدام
ألقى عليها نظرة مواساة كأكثر شي بيده يسويه لها : ادعي لها وقوي روحك .. راحت للرحيم .
اكتفت بهز راسها بدون تعليق ، استدار للخلف ونزل قاصد مغسلة الأموات .. جلس منتظر عند الباب وهو يستغفر ربه ويدعي من قلبه لام ياسر ، حتى خرج له ياسر ووجهه يغطيه الدموع ، كان وكأن حمل الدنيا بثقلها ارتمى عليه .. رجعت له صورته قبل 16 سنة ، بعد ما كفّن زوجته الراحلة .. وابنته تالا على خفتها كان يشعر بثقل المسؤولية اتجاهها وكأنها جبل ! ، جلس بانهاك ياسر قرب أحمد وهو يبكي بحرقة .. البكاء اللي كتمه عنوةً قدام زوجته وأخته تفجر أخيرًا ،
تقدم أحمد ، جلس مقابله على أطراف أصابعه وهو يشد على كتفه : عظم الله أجرك ، الله يبدلها دار الخير .. ادعي لها ، تحتاج الدعاء .. اصبر والله مع الصابرين
رفع راسه للشخص اللي قدامه ، هول الموقف على روحه كان أقوى من إنه يستغرب وجود الشخص اللي دايمًا يتواجد بجانبه بأي مصيبة تقصم ظهره ، انتحب بقهر وهو ينزل راسه من جديد : شلون أتحمل ؟ .. شلون تبيني أصبر وأنا أغسل أجسادهم الثلاثة مع بعض ؟ .. مافيني قوة والله !
انصدم أحمد من كلمته ( الثلاثة ) ، لكن بطبيعة الحال الموقف ما يسمح له يسأل .. طبطب على كتف ياسر : قوي نفسك ، زوجتك وبنتك وأختك محتاجيننك ! كن قوي ليقوون هم .. الله مع الصابرين يا ياسر الله معك ..
تابع ياسر نحيبه وهو يبكي أمه ، أبوه وزجة أبوه .. استفاق أخيرًا بعد نوبة البكاء على صوت الإمام والموظفين وهم يطلبون منه يدخل يساعدهم بحمل الأجساد لداخل المسجد ، وقف وحيله يخونه .. حملهم وساعده أحمد بحملهم ، حتى صلى عليهم الصلاة الأخيرة ..
ساعده أحمد ومجموعة مصلين بتشييع الجنائز الثلاث حتى أودعوهم مأواهم الأخير .. بكى عند قبورهم ، دعا لهم .. ودعا الله يقوي قلبه على تحمل المسؤولية اللي كانت دائمًا على عاتقه .. لكن وقعها اليوم أقوى .
قاده أحمد لسيارته ، هدأ نسبيًا بعد ما دفنهم بيدينه .. كان شارد وكأنه مو بعالمهم ، بينما أحمد يلقي عليه كلمة مواساة ودعاء بين فترة وفترة لعلها تهدي وتريح باله ، نطق أخيرًا ياسر بأسى : أمي تعبت كثير ، كلمت أبوي .. قرر يجينا لجدة مع أم ريان - زم شفاته وكأنه يحاكي نفسه - ليتني ما كلمته ، ليت لساني انقطع قبل لا أحاكيه
التزم أحمد الصمت يترك له مجال للتنفيس والفضفضة ، تابع بعبرة ياسر : صار عليهم حادث قريب من جدة ، وراحوا ... - غطى عيونه بألم وتابع - أمي ردت على جوالي وقت ما نقلوا الخبر ، ومن وقتها زادت حالتها سوء .. حتى فقدتها هي الثانية أمس ! ... أحس الدنيا تاكل روحي ، ماتبي تتركني حتى تنهيني !
أحمد تنهد بضيق من تأزم وضعه : إنا لله وإنا إليه راجعون ، هذا يومهم .. وهذي سنة الحياة ، وقف واسند أهلك اللي ينتظرونك .. هذا أعظم شي تسويه لأبوك .
استمر بتهدئته حتى وصلوا للمستشفى ، تمالك نفسه ياسر وهو يدخل الغرفة .. استقبلته منى برباطة جأش ، أذهلته قوتها من سماعها للخبر ، تقدم نحوها وضمها لصدره .. أخته الوحيدة ، وطفلته المدللة .. كان دائمًا ملجأ قوتها وأمانها ، لكن هذي المرة امتص قوتها وتشربها ، لعله يقوى بثباتها ..
بادلته حضن بارد طويل ، حتى وصلتهم همهمة ريان .. رفع راسه لها والتقت عيونه بعيونها ، كانت ذابلة والدموع ما جفت عنها .. ابتعد عن منى متوجه لحبيبته اللي تيتمت للمرة الثانية ، أنينها اخترق صدره ببكاء موجع .. ضمها بقوة علها تهدأ : اشششش ريان ، خلاص يا أمي .. -
زاد بكاءها بألم على كلمته ( أمي ) وهي اللي فقدت أبوها بطفولتها وما إن انضمت لعائلة ياسر حتى كان لها أبو ياسر الأب الحنون ، وأمه اللي كانت أقرب لها من أمها .. لكن بلحظة واحدة فقدت الثلاثة لتعيش اليتم من جديد .. انتحبت بصدره ، متمنية لو يكذب الخبر ويصحيها من كابوسها ، لكن عبراته وهي تتحشرج بصدره المرتمية عليه تؤكد إنه واقع ..
مسح على راسها تارك لها مجال تفرغ بكاءها ، بكت كثير حتى غلبها النوم أخيرًا ..
منى ، كانت تناظرهم بتعب .. ومنظر انهيار ريان يقتلها أكثر ، تركت تالا الصغيرة اللي كانت حاملتها على الكرسي وخرجت بهدوء لعلها تتنفس هواء نقي يطلعها من صدمتها .. الدموع استعصت عليها ، تحاول تبكي .. لكنها غير قادرة ، وكأن كل دموعها جفت .. مازالت غير مستوعبة .
خرجت من الغرفة ونزلت للأسفل .. لباحة المستشفى المكتظة ، جلست على أحد الكراسي الموزعة بالمكان .. رفعت رجولها عن الأرض وضمتها تاركة راسها على ركبها ،احتوت نفسها مستدرة البكاء .. لكن لا جواب ، تشعر وكأنه داخلها حرب ضروس .. قلبها يبي يتنفس ، لكن عيونها تأبى ..
ما حست بالشخص اللي جلس بجانبها وينظر لحالتها بأسى حتى نطق بصوته الحنون دائمًا : منى بنتي .. !
رفعت راسها بسرعة وهي تبحث عن مصدر الصوت ، وبمجرد مالفت يمينها اصطدمت عيونها به ..
رفع كفه بحنان بالغ لظهرها ، مسح عليه برقة : كلنا ماشيين على هالطريق يا بنتي .. لا توجعين قلبك
مجرد سماعها لكلمته ( بنتي ) تفجرت أخيرًا ببكاء وهي ترمي راسها على كتفه .. بكت بشدة أخيرًا : خلاص ... راح اللي يقولي يا بنتي ! صرت يتيمة !
انفطر قلبه لها ، احتواها بكفه وهو يطبطب على ظهرها : ياسر موجود .. ريان موجودة ، الله موجود .. .. وأنا موجود ، لا تفقدين روحك ، كلنا معك !
انتحبت بحزن : قولي يا بنتي .. مابزعل ، مابي أفقد هالكلمة بحياتي بعد كل شي فقدته ! مابقى لي غيرها أعيش لأجله ... قولها ، قولها يا ... يبه !
غمض عيونه بألم ، أبعدها قليل عنه .. لكنها رجعت تمسكت فيه بقوة وكأنها تخشى يروح من بين يدينها : أبوي .. وأمي .. راحوا وقلوبهم محروقة علي ! ، أدري ... أمي ما تعبها قلبها إلا بسببي ... بس ... وش أسوي ! مو بيدي ... أنا أموت بكل يوم مية مرة .. وقهرهم علي يوجعني ، والله يوجعني ! ليتني مت بدالهم ..
ضمها له أكثر : اششش يا بنتي .. خلاص ، لا عاد تحرقين قلبك
شهقت بقوة وصوتها يغيب : بقول كل اللي بقلبي لأبوي ولا قدرت أقوله له .. ماكان فيه يطالعني و يشوفني .. أنا كنت أهرب منه ، مابي أشوف كسرة قلبه علي .. وهو .. مايبيني أشوف ضعفه وخذلانه .. يحسب إنه ماقدر يحميني .. وأنا بنته الوحيدة .. بس ... كذا الله اختار لنا .. الشقاء والتعب بهالحياة .. الحين راحوا وارتاحوا ، بس ما أخذوني معهم !
كان يسمع لشكواها وكأنه أبوها ، تعبت قلبه من كلامها .. ليه الله اختاره هو بالذات ليشارك هالعائلة مآسيها ؟ وجعهم دائمًا مرتبط فيه .. حتى صار يشعر إنه واحد منهم ..
مسح دمعة فلتت منه وأبعدها ، كانت ما تزال تبكي .. لكن هذي المرة حيلها مهدود ، وكأن طاقتها تبخرت .. وقفها وهو يسندها ، مشى معها بخطواتها المتعبة وهو مكتفي بقول كلمات باردة لأنه يشعر بأن بكاءها سلب منه كل كلمة ممكن يقدر يواسيها بها .. حتى وصلت غرفة ريان تشاركها باقي ألمها ..
-
جالس بخيبة وهو يتأمل الورقة اللي بيده ، زفر بضيق على دخول وليد عنده ..
كان للتو صاحي من نومه ، عقد حواجبه وهو يجلس مقابل فهد وبصوت مليء بالنوم : وش هالورقة ؟
زم شفاته فهد بضيق ومد الورقة لصديقه ، ما أن مسكها وليد وقرأها حتى انتابته مشاعر مضطربة .. تمالك ملامحه لكي لا تظهر لفهد وهو يعيد الورقة له : إن شاء الله خيرة ..
أخذها فهد بضيق كبير : صراحة كنت أتوقع ، بس مشكلتي ما أعرف طبيعة مشاعرها اتجاه عبدالله ! ، أخاف تتأزم لو عطيتها صك الطلاق .. خاصة بهالظروف !
وليد وهو يدرك تمامًا إنها عارفة ، خاصة بعد موقفها أمس مع عبدالله .. تظاهر بالجهل : الله بيعوضها ..
وقف فهد والملف بيده : بروح أشوف لهم ، وبفتح معها الموضوع .. إن شاء الله تتقبله
هز راسه وليد يؤيده ، تابع فهد بعيونه وهو يمشي ويتخطاه لباب المجلس .. نطق بسرعة : فهد ...
لف عليه فهد ينتظره يتكلم ، نطق وليد برجاء : أدري مو وقته بس ... أنت تدري إني أبيها
فهد لاحت على شفاته إبتسامة خفيفة وهو يهز راسه بقلة حيلة : صدقني بهالوقت متأكد إنها ماتبي ترتبط بأحد .. وممكن تطول هالمدة
وليد ولا زال الرجاء عليه : مابيك تكلمها الحين ، بس أبي أضمن ماحد يسبقني .. حتى لو بعد عشر سنين !
هز راسه فهد ولا زالت الإبتسامة الصغيرة على وجهه ، ترك وليد خلفه وطلع من شقته .. يدرك تمامًا إن مستحيل أحد يتقدم لها بهالأزمة خاصةً ، الأزمة اللي بيستمر تأثيرها على نفوسهم وسمعتهم حتى بعد عشرات السنين ! ، كان دائمًا يتمنى وليد لسحر أخته ، متيقن إن محد بيوقف معها ويسندها مثل وليد مثل ما هو واقف بماله ومواقفه النبيلة معهم حاليًا .. لكن يجهل رأي أخته ، هل بتتقبل وليد أو بترفضه مثل ما رفضته سابقًا ! زفر بهم وهو يدق باب الشقة ، مفتاحه تركه لسحر .. بينما المفتاح الأساسي مع جواد ، ثواني حتى انفتح له الباب .. لتظهر له بإبتسامة مشرقة غابت عنها من زمان ، ألقى السلام وهو يتفحصها : السلام عليكم
دخل وقفلت الباب وراه بإبتسامة : وعليكم السلام .. عارف مين موجود ؟
ابتسم وهو يستوعب سبب إشراقة وجهها : ملاذ .. جبتها أمس معي
دخلت معه المجلس : زين سويت ، جواد محتاجها ..
جلس لتجلس معه : حتى أنتِ وجهك منور اليوم ، شكل جيتها كان مفروض تكون بدري
ابتسمت : ملاذ صديقتي قبل لا تكون زوجة أخوي .. - وقفت - أسوي لك فطور ؟
هز راسه نفي : لا ، بروح بعد شوي وبفطر برى
تابعت سيرها : أجل أجيب لك شاي
نطق يستوقفها : سحر .. انتظري
لفت عليه بعقدة حواجب ، تأملت انقلاب وجهه للجدية المشوبة بتوتر ، تابع : أبيك شوي .. تعالي اجلسي
انتابها القلق من نبرته ، جلست بجانبه تنتظره يحكي .. هو ، كان يجهل كيف يفتح معها الموضوع .. نطق بقلة حيله وهو يمد لها الملف اللي يحتوي بداخله صك طلاقها : الله يعوضك خير منه ..
مسكت الملف بجمود ، كانت تدرك إنه بيتخلى عنها .. وتأكدت من ذلك بحواره أمس مع وليد ، لذلك الموضوع ما صدمها أبدًا .. رفعت راسها لفهد اللي يراقب ملامحها ، نطقت بجمودها : الحمدلله ، راضية بقضاء الله ..
فهد اللي انصدم من جمودها ، استرخت ملامحه براحة .. كان يخشى تنهار أو تتأذى نفسيًا .. لكن يبدو أنها أصبحت قوية جدًا ! : الحمدلله ، الأزمة اللي نمر فيها فتحت عيوننا على الناس اللي فعلًا تبينا وتوقف معنا .. اللي راح الله يوفقه ، والواقف معنا ما بننسى فضله
ابتسمت ببرود ووقفت : بروح أصحي ريم وثامر ..
راحت وتركته خلفها ، وهي تجر بيدها صك طلاقها .. مطلقة قبل لا تُزف بفستانها الأبيض !
-
طلع من المقر براحة كبيرة ، ابتسم وهو يلمح عبدالرحمن اللي يأشر له بيده : تمت ؟
راكان بإبتسامته : الحمممدلله
قرب منه عبدالرحمن : الحمدلله ، هالقضية من 4 سنوات شغالين عليها ومن جيت اختصرتها بسنتين !
راكان زفر : صحيح إنها تعبتني نفسيًا خاصة بعد ما مسكنا أبو فهد وزوجته ، بس الراحة ما حسيت فيها إلا الحين وأبو نواف يقولي تمت المهمة !
ضحك عبدالرحمن وهو يضرب كتفه : باقي بدري عليك ، تجيك أحيانًا قضايا تشيب راسك .. ما تضمن اليوم اللي تعيشه
راكان بضيق : بعدوني عنها ، أنا ما صدقت أخلص من ذي
عبدالرحمن بضحكة : عاد عجبتهم ، ما أضمن لك يشبكونك بأي مهمة قريب !
راكان : الله يستر ..
عبدالرحمن وهو يعدل شماغه : زين روح توكل ، الله يحفظك مافيني أتأخر زيادة ويقلبون علي.
ودعه راكان واتجه لسيارته ، اليوم يوم مهم بالنسبة له .. القضية اللي أرقته انتهت وأخيرًا ، بالإضافة إلى إنه اليوم اللي عزم فيه يخطبها أخيرًا .. ما ينكر إنه خايف ترفضه ، لكن جانب كبير منه يتأمل بالحب اللي يسكن قلبها له حتى وإن أخفته !
وصل للبيت ، أدخل سيارته للمواقف .. طلع منها وتوجه لأطراف حديقة منزلهم ، عند الجلسة اللي تطل عليها نافذتها .. كان ينوي يستكشف ما إذا كانت صاحية أو لا ، لكن وصلته أصوات ضحك وأحاديث مصدرها الجلسة .. مجرد ما ولج اللفة طاحت عيونه على أمه وعمته أم رائد يتبادلون الحديث باستمتاع ، بينما ميرا جالسة معهم بكرسيها المتحرك بملل .. مجرد ما شافته رفعت الطرحة اللي كانت بحضنها على راسها بإهمال .
ابتسمت أمه وهي تشوفه جاي : يا أهلًا بحبيبي
تقدم لها وباس راسها ، وبالمثل فعل مع عمته اللي رحبت فيه .
التفت لميرا أخيرا : شلونك ميرا
اكتفت بإبتسامة وهي تهز راسها ، ابتسم : الحمدلله ! - تلفت حوله - أجلس معكم ولا مالي مكان ؟
أم رائد قربت الكرسي اللي بجانبها : تعال قرب ..
صبت له أمه الشاي وقربته منه ، بينما هو بادر بسؤال : فين ملاذ وأم ليان ما أشوفهم ؟
أم راكان براحة كبيرة تسري بداخلها : ريتاج راحت مع أختها وملاذ راحت لزوجها ما تدري ؟
أم رائد : شلون تبينه يدري وهو مختفي ماحد يشوفه ؟
ابتسم براحة كبيرة : الحمدلله .. يعني جواد تحسن
ارتشف شايه برفقتهم ، استمع لحوارهم عن حالة جيرانهم .. نقل بصره للجالسة على طرف الجلسة وتراقب بصمت ، التقت عيونهم أخيرًا .. ابتسم بسرعة قبل لا تشتتها : تلعبين ؟
عقدت حواجبها باستفهام ، تابع : سعودي ديل ..
تهلل وجهها بفرح ، هزت راسها بسرعة وكأنها تخشى يغير رأيه .. تبسم لتجاوبها ، وقف : بجيبها وأجيك ..
طلع لغرفته وأخذ مجموعة كروت اللعب ، ويوم نزل شافها جالسة على مفرش كبير خلف الجلسة وممدة رجولها على جنب .. وخلفها مركى تستريح عليه ، توجه لها وهو يسمع عمته تقول : كانكم تبون البسكوت تعال خذه وحطه عندكم
اكتفى بأخذ المكسرات وكوبين شاي بالصينية ، تفدم لها وجلس تارك الصينية بينهم .. طلّع الكروت من جيبه وبدأ يخلطها : على ثلاث مجموعات ؟
زمت شفاتها برفض ، رفعت أصابعها وهي تشير بالرقم ستة
زفر وهو يوزع الأوراق : اوكي .. أجل اضمني الخسارة من الحين
اكتفت بنظرة تحدي وبدأت اللعب ، كان يلعب معها بحماس شديد وكأنها ميرا القديمة .. وهي كذلك تناست كل آلامها وإعاقتها وراحت تستمتع بكل مافيها حتى انقضت الساعة الأولى ..
ضحكت بانتصار وهي تتأمل مجموعاتها الخمس ، كانت أقرب منه للفوز .. نطق وهو يسحب ورقتين بهدوء : ميرا ...
نقلت بصرها له تنتظره يحكي ..
تابع وعيونه تنزل للأوراق مشتتها بعيد عن عيونها وبهمس : بعدك زعلانة ؟ أبي أتأكد إنك راضية عني ..
استكانت لوهلة ، شتت عيونها بدون أي استجابة .. مهما كان زعلها منه هي متيقنة ألا أحد يقدر يدخل السعادة لقلبها وينتشلها من ألمها غيره ، معه وحده تحس إنها حرة .. معه وحدة تنسى عجزها عن المشي وعن النطق ، هو الوحيد اللي يقراها ويقرأ مشاعرها دون ما تضطر لتوضيحها بكتابتها على الهواء أو على ورق أو حتى جوال ..
وصلها صوته من جديد برجاء : ميرا !
زمت شفاتها وبدون ما تناظره هزت راسها نفي ، ابتسم وهو يزفر براحة : ما تدرين شكثر يهمني رضاك ..
رفعت بوجهه كرت ( سحب مجموعة كاملة ) وكأنها تنهي نقاشه ..
ضحك بمرح : حيوانة ، استغليتيني
استمروا لساعة ثانية يلعبون متناسين اللي حولهم ، حتى وصل أبو رائد اللي توجه لجناحه يبدل ويغتسل بعد ما ألقى السلام .. وقف راكان بعجلة : اصبري ميرا .. شوي وأجيك
ما ترك لها مجال تعترض وانطلق يلحق خاله ، ومن حسن ظنه لحّق عليه قبل لا يدخل غرفته : خالـــي ..
لف خاله عليه : تبي شي راكان ؟
راكان : أبي أكلمك بموضوع ..
أبو رائد عقد حواجبه : زين ، بس بدخل أتروش .. انتظرني هنا
راكان حك جبينه بتوتر : لا تكفى خالي ، بكلمك أول ..
استدار له أبو رائد بعقدة حواجبه وهو يستشعر أهمية الموضوع : زين ، اجلس نشوف وش عندك
جلس ومقابله خاله ، فرك يدينه بتوتر : خالي .. تواصلت مع المستشفى الألماني اللي حكيت لك عنه وحجزت موعد ،
أبو رائد استبشر وبفرحة كبيرة : الله يبشرك بالخير ! .. - وبحماس - متى ؟
راكان : بعد شهر
أبو رائد : زين .. نروح أنا وعمتك ،
قاطعه راكان قبل لا يكمل : بس خالي صعب تروح وتترك كل شي وراك ..
أبو رائد : كل شي لجل ميرا يهون ، أبيها ترجع تركض وتزعج قدامي .. وباقي الأمور خوالك بيتكفلون فيها
راكان شبك أصابعه بتوتر : خالي ، أنا أبي بنتك بعد رضاكم طبعًا .. نعقد وأسافر معها حتى تتعالج ونرجع
أبو رائد جمد لثواني حتى نطق بهدوء : لا راكان .. بنتي مابي أعطيها لك وأنا أدري إنك تشوفها مثل ملاذ
نطق بسرعة راكان بانكار : خالي والله أنا أبيها .. كنت بفتح معك الموضوع قبل لا يصير لها اللي صار ، بس الظروف منعتني .. ميرا أغلى من روحي ، وإن كنت تشوفني مو كفو هذا شي ثاني ..
زفر أبو رائد : ماقلت إنك مو كفو ، مكانتك بقلبي مثل مكانة رائد .. بس مابيك تظلم نفسك وتظلمها معك كانك ما تبيها
راكان بإصرار : ميرا بقلبي يا خال من صغري ، اسأل ملاذ كانك ما تصدقني ..
تنهد أبو رائد : والنعم فيك ، ما بعطيك كلمة لين أسمع رأيها .. إن كانت تبيك ، عقدنا لكم وتسافر معها ، وإن كانت تشوفك مثل أخوها ورفضت .. أنا وأمها بنروح وكل الأمور بتتيسر ..
وقف راكان بإبتسامة امتنان ، تقدم وقبل راس خاله : الله يديمك لنا ولا يحرمنا منك ..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!