الفصل 4 | من 9 فصل

الفصل الرابع

المشاهدات
7
كلمة
1,824
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 44%
حجم الخط: 18

رواية وليفة الشيوخ الجزء الرابع 4 بقلم سالي دياب وليفة الشيوخرواية وليفة الشيوخ الحلقة الرابعة حل الموعد المحدد لاجتماع رجال القبائل وكبار الشيوخ داخل الديوان… فتجمع كبار سيناء ومرسى مطروح والقبائل المجاورة… كما حضر شيوخ من الصعيد ومناطق أخرى… فالعرب لا يقتصرون على سيناء وحدها… بل منهم عرب فلاحون وعرب صعايدة وعرب من الإسكندرية وغيرها…

يتكون مجلس الكبار من عشرة رجال عن كل قبيلة… يتقدمهم أكثرهم حكمة وأقدمهم حملا للقب الشيخ… لا يكفي أن يكون كبيرا في السن… بل لا بد أن يكون كبيرا بالمشيخة والمقام… كما يضم المجلس رجالا ذوي نفوذ سياسي… ومنهم الشيخ إبراهيم العوومي المعروف بين الناس بأسد سيناء… رجل له ثقله وكلمته المسموعة داخل دوائر الدولة…

وكما جرى عرف القبائل… فإن لهم قانونهم الخاص… فإذا أخطأ أحد من أبنائهم اجتمعوا للفصل في أمره وتحديد الحكم الذي يليق بالفعل… انعقد المجلس داخل ديوان عريق في أحد القصور الكبيرة بأرض سيناء… ولأن الجاني من أبنائها فقد تقرر أن يكون الحكم على أرضها…

حضر الشيخ هشام وابنه سلمان… والشيخ سالم بن عبد الله… والشيخ خالد ومعه أبناؤه تميم وسالم ومصطفى… أما أحمد فلم يحضر… إذ إنه تخلى عن لقب الشيخ بنفسه… ومن تخلى عن اللقب لا يحق له الجلوس في مجلس الشيوخ… كما حضر الشيخ صقر ومعه ابناه وشقيقاه وعدد من كبار قبيلته… الجميع يعلم سبب الاجتماع… فهم من تقدموا بالشكاوى ضد يحيى صقر يعقوب…

كان الشيخ صقر جالسا بصمت… ملامحه جامدة كالصخر… لكن من يعرفه يدرك أن في داخله بركانا مكتوما… فليس يسيرا أن يجلس الأب في انتظار حكم قد يسلب ابنه مكانته بين الرجال… ساد الهدوء حين قال كبير المجلس بصوت جهوري يحمل نبرة بدوية واضحة… =نبدأ جلستنا بقراءة فاتحة الكتاب… رفع الجميع أيديهم وقرؤوا الفاتحة… ثم اعتدل كبير المجلس وقال…

= اليوم مجتمعين عقب شكاوي وصلت للمجلس… وتم التحقق من الشكاوي… وثبت إن يحيى صقر يعقوب تاجر بالسلاح المهرب من عرب ليبيا… ولا رجع لأبوه ولا لكبارات القبائل… ثم أشار إلى الرجل الجالس بجانبه فرفع ورقة وقرأ بصوت عال… =أولا التعدي على أبناء القبائل وقتل أربعة رجال… ثانيا الإساءة للقب قبيلته وكنيته… ثالثا الاتجار بالسلاح دون إذن أو مشورة…

ورابعا عقد قرانه على بنت الشيخ راشد من قبيلة الأشراف وعدم حضوره الزفاف ثم طلاقها قبل الدخول بها… وهذا فعل ما يليق بلقب شيخ… ارتفعت همهمة خافتة بين الحاضرين… ثم أكمل كبير المجلس بنبرة حاسمة…

=وبعد التشاور بين كبارات القبائل… تقرر سحب لقب الشيخ من يحيى ابن صقر ابن يعقوب من قبيلة العبابدة… ومنعه من الحضور بديوان القبائل… ولا تقبل شهادته في مجالسهم… وتغريمه أربعة مليون جنيه تدفع للشيخ راشد… ويقدم اعتذار رسمي قدام المجلس على اللي صدر منه… ساد صمت ثقيل بعد إعلان الحكم… وكانت الأنظار كلها متجهة نحو الشيخ صقر… تنتظر كلمته…

التفت كبير المجلس بجسده كاملًا نحو الشيخ صقر… لم يكن في نبرته شفقة… بل وقار وحزم رجال يعرفون وزن كلماتهم….قال بهدوء عميق… =يا شيخ صجر… مقامك بين العربانه محفوظ… ولا حد يقدر ينكره… لكن الحين حنا قدام حكم… والعدل ما يعرف لا ولد شيخ ولا ولد راعي… ثبت نظره فيه وأكمل… =ولدك غلط غلط ماهو بسيط… دم رچال برجبتـه… وسمعة قبيله اتأثرت…إذا انطمران علي ذي الشي اليوم… بكرا يطيح هيبة المجلس…

تحرك بعض الشيوخ في أماكنهم موافقين…فأردف كبير المجلس… =نحنا ما نقصر في قدرك… ولا ننسى وقفاتك مع ابناء العربانه… لكن العرف فوق الجميع… واللي يكسر العرف يتحمل حكمه….. ثم مال قليلًا للأمام وقال بصوت أوضح.. =الحين ودنا كلمتك قدام المجلس … توافق على الحكم ميشان اسم القبيله… ويكون وچه عربانه مصر مرفوع…ذا الحكم مو لانه ولدك بل لانه واحد من القبائل… والعادات ما تنكسر… ضربة خفيفة بالعصا على الأرض… =قول كلمتك يا شيخ صقر…

ظل الشيخ صقر جالسا لثوان… راسه مرفوع وملامحه جامدة كأنها منحوتة من صخر الجبال…لكن من يعرفه كان يدرك ان داخله يتمزق… تحرك ببطء ثم وقف مستندا الى عصاه فوقف بعض الرجال احتراما… نظر الى كبير المجلس اولا ثم ادار عينيه على الشيوخ جميعا وقال بصوت ثابت لا يهتز… =نحن تربينا على ان العدل فوق الدم والقبيله فوق الولد… والعرف ما ينكسر مشان خاطر اسم ولا نسب… ساد صمت كامل….اكمل بنفس النبرة….

=يحيى ولدي…اللي يسوي فعلته ويتعدى على رجال ويكسر كلمة العرب ما يبقى له غطاء من ابوه… قبض على عصاه بقوة حتى ابيضت مفاصله لكنه لم يظهر شيئا في وجهه…. =انا قدامكم وقدام الله اتبرى من فعل يحيى…ولا لي دخل في اللي سواه…وحكم المجلس يمشي… همهمة خفيفة سرت في المكان….ثم قال بلهجة اكثر حسما… =من هالليله ما له اسم يذكر تحت جناحي…ولا له قعده في مجلسي…واللي بينه وبين القبائل يتحمله لحاله… رفع راسه اكثر وكأنه يتحدى المه لا الرجال…

=انا صقر ابن يعقوب…وما ارضى العار يدخل بيتي حتى لو كان من صلبي… وفقط…جلس بعد ان انهى كلمته دون ان يهتز صوته ودون ان تنكسر ملامحه…لكن من كان قريبا منه راى قبضته المرتعشة للحظة واحدة فقط ثم استعادت صلابتها…. لا اعلم لما دمعت عيني ولكن حقا المشهد مرعب ذلك الرجل الذي تمنى ان ياتي له ولدا من صلبه الان رفع الرايه وتبرا منه امام الجميع…ااااه… منك يا يحيى ومن يا اللي سويته…

في تلك اللحظة تحرك الشيخ هشام وقف ببطء وصوته خرج مثقلا بالحزن… =يحيى عاش ببيتي…وانا اللي ربيته بعد ابوه…وعز الله عليه انه ما قصر ولا انا قصرت بزرع اخلاق العربان جواه… نظر نحو الشيخ صقر احتراما ثم قال… =لكن اللي غلط يتحمل غلطه…وانا بعد اتبرى من فعله… ولا ارضى اسمي ينذكر في اللي سواه… ثم اضاف بلهجة حازمة… =من اليوم ما لي وصاية عليه…ولا له عندي غطاء… والمجلس حكم وحكمه يمشي…. عاد الصمت يخيم على الديوان…صمت ثقيل…

اليوم لم يسحب لقب فقط…اليوم انكسر رابط دم امام اعين الرجال….. لمعه الحزن في عيني صديقه سلمان الذي دمعت عينيه دون اراده ليس على هذا الفاجر بل على حال الشيخ صقر ووالده هؤلاء الابوين الذين كانوا لديهم يحيى شيئا اخر… انتبه ان يوجد حركه خفيفه في المجلس فعلم انه لم ياتي فبالطبع قد قاموا كبرات القبائل بارسال دعوه اليه لكي يتلقى الحكم وينفذه ويبدو ان ذلك الفاجر لم ياتي… ولكن لحظه واحده من الصمت ثم…

التفتت الرؤوس جميعها نحو الباب….ووو…دخل يحيى. لم ينحن… لم يتردد… لم تبد عليه ملامح رجل جاء ليستمع لحكم… بل رجل دخل مجلسا وهو يعلم ان اسمه وحده كاف ليقلبه….كان يرتدي ثوبا اسود طويلا مفصلا بعناية… قماشه ثقيل يدل على فخامته… على رأسه شماخ احمر وابيض… طريقه لفه لم تكن تقليدية تماما… فيها شيء من التمرد…

حذاؤه الجلدي الاسود يضرب ارض الديوان بخطوا هادئة محسوبة…في يده سيجارة مشتعلة…رفعها بهدوء الى فمه… سحب نفسا عميقا… ثم اخرج الدخان ببطء في منتصف مجلس الشيوخ…. اسقط رماد السيجارة على الارض…اخيرا رفع عينيه نحو كبير المجلس…قال بصوت منخفض لكنه واضح وصل لاخر رجل في المجلس… =كملتوا الحكم… ولا لسه باقي شي… تصلبت ملامح الشيخ صقر…. بينما بعض الشيوخ انتفضوا واقفين من قلة الاحترام…صاح به كبير المجلس قائلا بغضب…

=التزم الادب واكسر عينك…انت الحين معاقب… ظل واقفا مكانه…كتفاه مفرودتان…ذقنه مرفوعة قليلا… رجل يعرف ان المجلس كله ضده… أطفأ السيجارة في أرضية المجلس وعيناه مثبتتان في عيني شيخ المجلس ببرود… وقف الجميع إلا الشيخ صقر الذي رفع بصره إليه ببطء يرمقه بغضب مكتوم ثم ضغط بجسده على العصا فارتفع تدريجيًا عن مقعده وقال لسلمان وعيناه لا تزالان مثبتتين على يحيى… = سلمان… = هلا شيخ… = اشرد للسيارة واعطني فردك…

توجهت أنظار الجميع إلى الشيخ صقر حين قال ذلك فمن المعروف أنه يُمنع منعًا باتًا إدخال السلاح إلى أرض الديوان لذلك يترك الجميع أسلحتهم في سياراتهم أخفض سلمان عينيه إلى الأرض ولم يستطع تنفيذ الأمر نظر إليه الشيخ بغضب واضح… اندُهش الجميع حين أخرج يحيى سلاحه من الجراب كانت صدمة كبيرة للشيوخ كيف دخل بسلاح إلى المجلس… ولم تقف الدهشة عند هذا الحد بل ازداد ذهولهم حين ألقى السلاح باتجاه الشيخ صقر ليستقر أسفل قدمه

ثم قال بابتسامة باردة وعيناه تجولان في الجدران… = يعجبني فيّ أني أغلي نفسي شوية مريح نفسي من البشرية من الناس تجيب صداع اتنين في واحد مكس أنا طيب وفيّ جاحد ….يا ذئبببب… نظر إليه الشيخ هشام بغضب فالتفت يحيى إليه ونظر في عينيه قائلًا… = شن چوك… (كيف حالك) ثم أكمل بابتسامة ماكرة… = المزرعة راح تنور بالله تشردون للقصره أضوى مطروح بالليل برد جارس… (بالله عليكم تذهبون إلى القصر قبل المغرب فالليل في مطروح برده شديد)

نظر الشيخ هشام إلى سلمان بغضب فهز سلمان رأسه نافيًا لوالده بصمت أنه لم يخبره بشيء انحنى الشيخ ناصر وفي لحظة كان يلتقط السلاح ويوجهه نحوه… وقبل أن يضغط على الزناد كان تميم يقترب سريعًا ويرفع السلاح إلى الأعلى فاستقرت الطلقة في السقف سحب منه السلاح وقال كبير الديوان بغضب… = وييش ذي المهزلة… سحبه يعقوب شقيقه إلى الخارج…بينما أخذ تميم ذلك السلاح…عقد حاجبيه حين قرأ الاسم المحفور على مقدمة الفرد…كان الاسم هو ((اميرة الشيخ)

).. رفع بصره ببطء لينظر إلى يحيى الذي لم يتحرك سنتيمترًا واحدًا…يبدو أن ذلك الشاب يخفي في داخله الكثير من الأسرار…اقترب الرجال حتى وقفوا أمام يحيى تمامًا..ثم قال كبيرهم بلهجة آمرة…. = انت من اليوم مو مقبول تكون بأي ديوان من دواوين الشيوخ والحين بتروح قدام الشيخ راشد وبتجلس على ركبتك وتعتذر له وتعطيه أربعة مليون جنيه…. = رمضااان… = هلا شيخ… دخل رمضان قائلا هكذا ليصيح به احد الرجال…. =مو…شييييخ…. لا تدنس لقب الشيخ…

نظر يحيى إلى ذلك الرجل الذي تحدث بطرف عينيه ليتراجع الى الخلف وقد كسا الارتباك والخوف ملامحه قال يحيى لرمضان… = اعط المال لراشد…. اقترب رمضان ووضع المال أمام الشيخ راشد. نظر يحيى إلى الشيخ سالم حين قال بضيق… = ويش بتسوي انف… احترم الرجل ذا شيخ لا تشيل الالقاب… رمقه يحيى من اعلاه لاسفل بنظره ساخره فاشتعل الغضب في عيني الشيخ سالم وصاح تميم غاضبا… = يحيى لا تتعد حدودك…

= اعتبرني اتعديت الحدود وايش راح تسوي يا تميم باشا…. نظر تميم إلى والده الذي أشار إليه أن يصمت لكنه لم يستطع الصمود فألقى السلاح باتجاه يحيى وقال بابتسامة جانبية… = اعجبني الاسم… دير بالك على اميرة الشيخ زين… اقترب رمضان والتقت الأعين. أما يحيى فابتسم وهو ينظر إلى تميم بملامح مستفزة ولم يبد عليه أنه متأثر بما قيل ومع ذلك قال… = الله يبارك في ولدك يا شيخ سالم… ويبارك بالجويهل… ((ويقصد بالجويهل في السن ويعني ابن تميم)

)…. اشتدت ملامح الشيخ سالم وهو ينظر إلى تميم نظرة حازمة حاسمة…. فالتزم تميم الصمت.. بينما الشيخ هشام اتسعت عينيه بصدمه حينما استمع لذلك الاسم… نظر الى الشيخ تميم ثم عود ببصره ليحيى وانتابه القلق… تنحنح كبير الشيوخ وقال بصوت ثقيل… = اعتذر للشيخ راشد وانه الامر…. تحولت الانظار إليه تنتظر رده. رفع يحيى رأسه ببطء ومرت لحظة صمت قبل أن يبتسم ابتسامة خفيفة تحمل شيئا من الغرور…ثم قال بثبات….

= منو ذا يا اللي يعتذر….انت كبرت وخرفت ولا ايش يا شيخ… تبدلت الوجوه وارتفعت همهمة غاضبة في المجلس. اشتد صوت احدهم معترضا وتحرك بعض الرجال نحوه بخطوات منفعله وكأن الامر على وشك الانفجار… واكن…فجأة دوى صوت طلقات نارية من الخارج. انهالت الرصاصات على جدران المجلس من كل الاتجاهات تتناثر شظايا الحجر في الهواء ويعلو صدى الضربات في المكان… تراجع الرجال بسرعة وانخفضوا ارضا بعضهم احتمى بالجدران وآخرون نزلوا على ركبهم…

الا يحيى…بقي واقفا في المنتصف لم ينحن ولم يتحرك عينيه تجولان في المكان ببرود غريب… اجتمعوا ليجعلوه يجلس على ركبتيه فجعلهم ينحنون امامه دون ان يلاحظوه… فرض زراعيه في الهواء وشد جسده ثم توجه الى الخارج وهو يدندن…. =وطالما بالحب ده مش عاچب… يبجى ده كسرة عينهم واچب…. انا اسمي لوحده يلا حصانه…الشييييخ يحيييي….شيييخ الشييييوخ

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...