نظرت إليه العجوز بنظرة حادة تحمل هيبة غامضة، وقالت له بصوت صارم هز جدران الكوخ: «لا تقاطعني يا عاصم! إجعلني أكمل خيوط السجادة حتى النهاية.. فكل كلمة أقولها هي قطرة دم في عروقك، وصبرك الآن هو مفتاح معرفة أمك!»
أنزل عاصم رأسه مجبراً، وعاد الصمت ليطبق على المكان، فتابعت العجوز وعيناها تبحران في عاصفة الماضي:
«عندما نطق الملك بتعاويذه الأخيرة واختفت العائلة الملكية كالأشباح، انشق الهواء بعنف في بقعة أخرى من العالم.. ووجدوا أنفسهم يتساقطون فوق أرض رطبة، في عمق الغابة السوداء المخيفة. كانت أشجارها شاهقة تتشابك غصونها كأصابع الموت، وكلما ضربها الهواء، تمزق سكون الغابة بأصوات عويل تبعث الرعب الشديد في النفوس.
أول شيء فعله الملك المذعور هو أنه سطح ابنه الأكبر ذو الثلاثة عشر عاماً فوق كومة من الأوراق الجافة. وضع أصابعه المرتجفة على عنق الفتى يتفقد نبضه.. وهنا كانت الصدمة المزلزلة! لقد توقف النبض تماماً، وخمدت أنفاس الفتى الصغير.
في تلك اللحظة، مزق سكون الغابة الملعونة صراخ الملك وزوجته.. صراخ بكاء مرير على فراق فلذة كبدهما الذي ذُبح أمام أعينهما. مرت الساعات الثقيلة والدموع لا تجف، لكن لم يكن باليد حيلة أمام الموت. بعد أن هدأت العاصفة قليلاً، حفر الملك بقواه السحرية المتبقية قبراً دافئاً تحت جذور شجرة عتيقة، ودفن ابنه هناك، تاركاً قطرة من دمه وثأره في أرض الغابة السوداء.
التفت الملك لزوجته التي كاد يقتلها الإعياء والحزن، وقال بنبرة مكسورة: (نحن مطاردون وسنعيش هنا في عتمة الغابة كالموتى.. ولكن طفلتانا التوأم لن تحتملا هذا الجحيم، وبقاؤهما معنا خطر يهدد حياتهما. لدي صديق مخلص قديم يعيش في القرية المجاورة، سأذهب إليه الآن وأطلب منه أن يربيهما ويعتني بهما كبناته.. هناك، وسط بيوت الفلاحين البسيطة، لن يجدهما خليل أبداً، ولن يشك في أمرهما).
بكت الملكة بحرقة وقالت: (ولكن.. كيف أعيش دون طفلتاي؟). قاطعها الملك وهو يمسح دموعها بقسوة الظروف: (بدون "لكن" يا حبيبتي.. هذا أفضل خيار لحمايتهما، وسنظل نراقبهما ونحميهما من بعيد دون أن يشعر أحد).
وفي النهاية، وافقت الأم وقلبها يقطر دماً خالصاً. أخذ الملك الطفلتين اللتين لم تكفا عن البكاء من هول برودة الغابة، ونقلهما عبر تعويذة خاطفة إلى القرية المجاورة، حيث وضعهما أمانة في كوخ بسيط.. هناك كبرت الطفلتان التوأم كفتاتين ريفيتين يتيمتين، بلا أم تحنو عليهما، ولا أب يحميهما.
ومرت السنوات مسرعة كالعاصفة، حتى بلغت الطفلتان الحادية عشرة من العمر، وكانتا قمتين في الجمال والبهاء، وخصوصاً الفتاة التي سُميت "قمر". وفي أحد الأيام المشؤومة، خرجت قمر إلى أطراف الغابة لجمع الحطب لتُدفئ الكوخ، وابتعدت قليلاً عن الأمان.. وصادف في ذلك اليوم الخبيث أن مرت حملة عسكرية من حراس الملك الجديد "خليل"، وكانوا يمارسون طغياناً باختطاف أي فتاة جميلة يجدونها في طريقهم ليجبروها على العمل كخادمة في القصر الملكي.
لمحتهم قمر، وأدركت الخطر برعب فطري، فاستدارت وركضت بكامل قوتها عائدة نحو القرية.. لكن شاءت الأقدار وسوء الحظ أن يلمح حراس النخبة طيفها الراكض. تعالت صيحاتهم، وانطلقوا خلفها كالذئاب، فأمسكوا بها فوراً رغم مقاومتها وبكائها المستميت، واقتادوها مع بقية الفتيات المخطوفات إلى القصر الملكي العتيق.
في ذلك الوقت، كان خليل قد استقر على العرش، وجلب زوجته وابنه "وسيم" ليعيشوا معه في ترف القصر. وكان وسيم يكبر قمر بسنتين فقط؛ شاباً يافعاً تظهر عليه علامات النبل العسكري لكنه يختلف عن قسوة أبيه.
عندما وصلت الحملة إلى ساحة القصر، كان وسيم جالساً على سور حجري قريب يتأمل النجوم بالملل. التفتت عيناه نحو الفتيات المخطوفات، وهنا.. وقعت نظرته على وجه قمر الشاحب المذعور. تيبس وسيم في مكانه، وسرح في جمالها النقي الذي لم تدنسه المدينة، وشعر بقرابة غامضة نحوها. نزل فوراً من السور بخطوات حازمة، وأوقف الحراس بغضب قائلاً: (فكوا وثاق هذه الفتاة حالاً!.. أريدها أن تكون خادمة خاصة في جناحي، ليأخذها أحدكم إلى غرفتي فوراً!).
سار وسيم نحو غرفته وجلس على مقعده الخشبي لدقائق يحاول استيعاب دقات قلبه المتسارعة، حتى سمع طرقاً خفيفاً متردداً على الباب. قال بصوت هادئ: (ادخل). انفتح الباب، وظهر الحارس وهو يدفع قمر برفق إلى داخل الغرفة ثم أغلق الباب خلفها تاركاً إياهما بمفردهما.
تراجعت قمر إلى الخلف حتى اصطدم ظهرها بالباب الخشبي، وقالت بتأتأة وخوف شديد: (أرجوك.. أرجوك لا تؤذيني، أنا فتاة ريفية بسيطة ولم أفعل شيئاً يستحق العقاب!).
ابتسم وسيم ابتسامة دافئة محاولاً طمأنتها وقال: (لا تخافي.. لست وحشاً كبقية الحراس، لا أريد إيذاءك أبداً.. كل ما في الأمر أنني شعرت بالوحدة في هذا القصر المظلم، وأريدكِ أن تكوني صديقتي).
نظرت إليه بعينين دامعتين وقالت بخوف: (ولكنني أريد العودة إلى بيتي.. إلى أختي التوأم).
نظر إليها وسيم بتفهم وقال: (إذا وعدتِني أنكِ ستكونين صديقتي، وتأتين إلى هنا بانتظام لنتحدث سويًا.. سأدعكِ تذهبين الآن وأضمن سلامتك وحريتك، ما رأيك؟).
انفرجت أسارير قمر، واختفى الرعب من وجهها وحلت مكانه فرحة بريئة وقالت: (نعم.. أعدك!). ومنذ ذلك اليوم، أصبحت قمر تعود إلى بيتها بحرية، وتلتقي بوسيم بشكل يومي في خبايا القصر والحدائق الملكية. توالت الأيام والسنين، وتحولت الصداقة البريئة إلى حب جارف وعميق، حب تحدى فارق الطبقات، حتى صارت قمر في الخامسة والعشرين من عمرها.
هنا، قرر وسيم أن يضع حداً للسرية، فدخل على أبيه الملك خليل وصارحه برغبته في الزواج من قمر. لكن خليل انتفض غضباً، ورفض رفضا قاطعا قائلاً بصوت مرعب: (ابن ملك العنقاء يتزوج من فتاة ريفية مشردة لا أصل لها ولا نسب؟! هذا لن يحدث ما حييت!).
لم يستسلم وسيم، وحاول مع أبيه مرات ومرات، لكن قسوة خليل كانت كالجدار الأصم. وفي إحدى الليالي المظلمة الشديدة البرودة، دخل وسيم إلى جناح والده ليتكلم معه للمرة الأخيرة. احتدم النقاش بينهما، وصاح خليل باحتقار: (إنها بنت ريفية قذرة لا تستحق حتى أن تطأ قدمها القصر!).
لم يتمالك وسيم أعصابه؛ فقد أعمى الحب عينيه وغذى الغضب عروقه.. وبسرعة فائقة استل خنجره الملكي المرصع، وقبل أن ينطق خليل بحرف، ضرب أباه بطعنة خاطفة وقاتلة استقرت بجانب قلبه مباشرة!
سقط خليل غارقاً في دمائه، ولكنه لم يمت.. فالأقدار شائت أن تجعله يعيش ميتًا؛ حيث سببت له تلك الطعنة شللاً كاملاً أفقده القدرة على الحراك والكلام. تولى وسيم العرش مجبراً، وأخفى والده المشلول في غرفة سرية خاصة داخل القصر، مدعياً أمام الشعب والحراس بأن الملك العجوز أصيب بمرض مفاجئ وعضال أقعده عن الحكم.
تزوج وسيم من قمر وعاشا حياة سعيدة مليئة بالحب على العرش، وظن وسيم أن أسرار الماضي شُلّت مع أبيه.. حتى جاء يوم عاصف، ظهر فيه عند بوابات القصر عجوز غريب، قبيح المنظر، ترتدي أسمالاً وملابس رثة بالية، وكان يلح كل يوم على مقابلة الملك وسيم لأمر خطير.
بسبب إلحاحه الغريب ومجيئه اليومي، وافق وسيم أخيراً على إدخاله ليعرف ماذا يريد. تنحنح العجوز القبيح، ونظر لوسيم بعينين تلمعان بخبث أسطوري وقال: (أيها الملك الشاب.. أتريد قوة مرعبة وعظيمة تجعلك تسيطر على العالم بأسره وتخضع لك الممالك؟).
اشتعل الفضول والوجل في قلب وسيم، وشده كلام العجوز ليعرف ما وراءه. وهنا، انحنى العجوز واقترب من أذن الملك وسيم وبدأ يسرد له المؤامرة التاريخية القديمة كاملة، منذ ليلة احتلال خليل للعرش، وصولاً إلى المفاجأة الصاعقة.. نظر العجوز لوسيم وقال بابتسامة صفراء: (والقوة التي تبحث عنها.. موجودة في دم زوجتك الملكة! إن "قمر" ليست فتاة ريفية كما ظن أبوك.. إنها ابنة الملك الحقيقي للسلالة، وصاحبة الدم الملكي النقي للعنقاء!).
صعق وسيم وتراجع خطوة قائلاً بذهول ورعب: (ماذا تقول؟! وكيف لك أن تعرف هذا السر الذي طواه الزمن؟! ومن تكون أنت أصلاً لتنبش في قبور الماضي؟!).
ضحك العجوز القبيح ضحكة خرجت كالفحيح من بين أسنان مكسورة وقال: (لأنني ببساطة.. كنت المستشار الأول والأقرب لأبيك خليل! كنت عقله المدبر.. ولكن أبوك، بطبعه الخائن، شك في ولائي بعد الانقلاب، ونفاني ورماني في كوخ متهالك منسي على أطراف ريف المملكة.. ويا للمصادفة العجيبة! كان كوخي البائس يقع بجانب الكوخ الذي وُضعت فيه قمر وأختها التوأم.. ولقد رأيت الملك الحقيقي الحاكم السابق بعيني هاتين قبل ثلاثين عاماً وهو يتركهما عند صديقه لحمايتهما!)».
الكاتب /عاصم حسن زاهر حسن زاهر
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!