الفصل 17 | من 21 فصل

سِفر الخيانة: خمسون عاماً من الدم

المشاهدات
15
كلمة
1,087
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18
انقطع مشهد الماضي فجأة، وعادت أنظار الجميع مجتمعة إلى داخل الغرفة الداخلية للكوخ الدافئ. كان الصمت ثقيلاً كالجبال، لدرجة أن صوت أنفاس عاصم المتسارعة والمتلاحقة كان يتردد بين الجدران الخشبية كصوت الطبول.

​شد عاصم على قبضة يده حتى ابيضت مفاصله، وضغط على نفسه مستجمعاً بقايا قوته، ثم قال بصوت حاد يرتجف قهرًا: «وبعدها.. ماذا حدث؟ أكملي!»

​نظرت إليه المرأة العجوز بشفقة وأمومة، وهزت رأسها قائلة: «ارتح الآن يا بني.. ملامحك شاحبة وعقلك مثقل بالصدمات، يمكننا أن نؤجل بقية الحديث إلى وقت آخر لتستعيد عافيتك».

​لم يحتمل عاصم التأجيل، وتوهجت عيناه من خلف اللثام بنار الحيرة، فقاطعها بصوت صارم: «لا! لا أريد التأجيل، أريد أن أعرف كل شيء الآن.. في هذه اللحظة!».

​فتحت العجوز فمها وكانت على وشك أن تنطق بكلمة «ولكن..»، إلا أن عاصم باغتها بسرعة وإصرار مستميت، والدموع تكاد تفر من عينيه: «أرجوكِ.. أكملي، أريد أن أعرف الحقيقة كاملة الآن، لم يعد في جسدي متسع للانتظار!».

​أمام هذا الإصرار الحديدي والبركان الثائر في عيني الفتى، تنهدت العجوز وخضعت لرغبته. اعتدلت في جلستها، وألقت بنظرة عميقة على زاهر وعائلته الذين كانوا يستمعون بأنفاس محبوسة، ثم بدأت تتكلم بصوت خافت يحمل صدى السنين:

​«حسناً يا عاصم.. لكي تفهم ما حدث بعد ذلك، دعني أولاً أحكِ لك قصة قصيرة تبدو بعيدة، لكنها أصل كل ما نحن فيه اليوم.. تبدأ هذه القصة قبل خمسين عاماً من الآن. في ذلك الزمن الغابر، كانت هناك سلالة ملكية قوية جداً وحاكمة، سلالة لم يسبق أن وُجد في تاريخ الأرض مثل قوتها وجبروتها السحري. كانت العائلة مكونة من الملك وزوجته الملكة، ومعهما طفلتان توأم لا تزالان رضيعتين في المهد، بالإضافة إلى ابنهما الأكبر الذي كان قد بلغ العاشرة من عمره في ذلك الوقت».

​ابتسمت العجوز ابتسامة مرة وتابعت: «كانوا يعيشون في قصر أسطوري جميل، مفعم بالحياة والحركة، وكانت سعادتهم عظيمة لدرجة أنه لم يكن هناك مثيل لها في الممالك المجاورة.. ولكن، مهما كانت السعادة جميلاً وصافية، فإن رياح القدر لا تتركها تستمر أبداً. كان الملك، من باب بسط العدل وتشجيع شعبه، يقيم مسابقة كبرى للقوة والقتال في ساحة القصر، ومن يثبت فوزه وجدارته فيها، ينال شرف الانضمام إلى جيش النخبة الملكي».

​سكتت العجوز لثوانٍ، وكأنها تسترجع تفاصيل ذلك اليوم المشؤوم، ثم أكملت: «كانت الأمور تسير بشكل طبيعي وعادي جداً في إحدى المسابقات، حتى ظهر فجأة في وسط الساحة شاب غريب.. شاب لم يكن عادياً، بل كانت تبدو عليه علامات القوة المفرطة، وتلمع في عينيه شراسة الدهاء. بدأت النزالات، وكان كلما نزل رجل أو فارس مغوار إلى الساحة ليواجهه، يهزمه هذا الشاب مباشرة وبحركات خاطفة أذهلت الحاضرين. أعجب الملك بشدته وبراعته إعجاباً شديداً، وقرر في نفسه ألا يفرط في هذه الموهبة، فأمر بأن يعمل الشاب معه كحارس خاص داخل أسوار القصر».

​تغيرت نبرة صوت العجوز لتصبح أكثر خطورة: «ومرت الأيام، وتوالت السنوات.. وكان هذا الرجل يرتدي قناع الولاء، ويتقرب من الملك خطوة بخطوة بكلامه المعسول وتظاهره بالأمانة، حتى مرت ثلاث سنوات كاملة. في ذلك الوقت، أصبح الشاب المقرب الأول من العاهل، بل إن الملك عينه رسمياً ليكون يده اليمنى ومستشاره الأمين.. ولكن، بين ليلة وضحاها، انقشع قناع الولاء! انقلب القصر بالكامل في ليلة مظلمة، وعم القتل والذبح في كل مكان، وتعالت صرخات الحراس المخلصين وهم يسقطون في الممرات».

​«نهض الملك وزوجته الملكة المذعورة من فراشهما بسرعة البرق، محاولين استجماع قواهما لإنقاذ الموقف ومعرفة من يهاجم حصنهما. ولكن.. الصدمة التي جمدت الدماء في عروقهما كانت عند باب الغرفة! بمجرد أن فتحا الباب، وجدا ذلك الشاب المقرب واقفاً أمامهما بثبات، وعينيه تقطران غدراً، والسيف في يده يقطر دماً».

​ونظرت العجوز لعاصم وتابعت: «نظر إليه الملك بذهول وقال له: (خليل!.. ماذا يجري هنا في القصر؟ إذهب فوراً وتفقد الأمر واحمِ الأبواب!). لكن خليل لم يتحرك، بل أطلق ضحكة ساخرة مستهزئة هزت أركان المكان، وقال بنبرة تملؤها الخباثة: (أذهب وأتفقد؟ لا بد أنك تتخيل يا جلالة الملك!.. لقد انتظرت هذه اللحظة العظيمة طوال ثلاث سنوات كاملة، تذللت فيها لك لأصل إلى هذه الليلة.. الليلة التي سأقضي فيها عليكم جميعاً، وأستولي على الحكم، ليصبح هذا العرش العظيم ملكاً لي وحدي!)».

​«عند تلك الكلمات المسمومة، فهم الملك الحقيقة العارية؛ فاشتدت قبضة يديه، وبرزت عروق عنقه ووجهه بقوة مرعبة من شدة الغضب، وقال بصوت ك الرعد: (هل تعلن انقلاباً عسكرياً عليّ في عقر داري يا خليل؟!). رد عليه خليل ببرود وثقة مرعبة: (ولماذا لا؟ أرني ما أنت فاعل الآن!)».

​تابعت العجوز وهي تتنفس بصعوبة: «هنا، مد الملك يده في الهواء ليطلق العنان لقوة العنقاء الأسطورية الكامنة في دمه ليسحق هذا الخائن، ولكنه أصيب بصدمة عمره.. لم تخرج من جسده أي قوة أبداً! تراجع خطوة إلى الوراء وهو ينظر إلى كفيه بذهول، فضحك خليل بقوة وبصوت مرتفع وقال: (لا تحاول وتجهد نفسك يا سيدي.. فقد وضعت لكم طوال الأيام الماضية سماً خاصاً ونادراً في الأكل، سمٌ لا يقتل، ولكنه يستنزف القوى السحرية كاملاً من الجسد ولا يبقي لكم إلا النزر القليل.. وللأسف، هذا القليل لا ينفع معي أبداً). ثم تابع ضحكته الدموية وقال بخيلاء: (لأنني ببساطة.. أملك حصانة فطرية ضد السحر والقوى الضعيفة! والآن.. كفانا تضييعاً للوقت، هل ستسلمني التاج المقدس والقلادة الملكية التي تحمل جوهر قوة العنقاء.. أم أقتل هذا الفتى الآن بدم بارد؟!)».

​«وأشار خليل بيده نحو تابعه، ليخرج من عتمة الممر فرسان ضخام وهم ممسكون بابن الملك الأكبر، الذي كان قد صار عمره في تلك الليلة ثلاثة عشر عاماً.. وكان الفتى يصرخ ويقاومهم بكل ما أوتي من شجاعة مستبسلة، لكنهم كانوا يثبتونه بقوة».

​شهقت سمية واضعة يدها على فمها، فأكملت العجوز وعيناها تدمعان: «هنا تملك الرعب قلب الملك على ابنه، وصاح بخوف وهلع: (توقف! لا تقتله.. سأعطيك التاج، سأعطيك الحكم وكل ما تملك يداي.. ولكن حقاً، هذه القلادة الأسطورية لا أعرف مكانها، ولا أعلم أين هي الآن!). لم يصدقه خليل، وابتسم بخبث شديد وهو يمرر شفرة خنجره الحاد ببطء على عنق الطفل الصغير مهدداً بذبحه».

​«انهار الملك تماماً أمام هذا المنظر وصرخ بصدق: (حقاً لا أعرف أين القلادة!.. لقد خبأها أبي الملك الراحل في مكان سري لا أعلمه أبداً، ووالدي لم يعد موجوداً في عالمنا الآن ليرشدني إليها!). نظر إليه خليل بعينين قاستين كالحجر، وقال ببرود: (مادام الأمر هكذا.. فتحمّل إذاً النتيجة!). ولم ينتظر من الملك كلمة أخرى.. وبحركة خاطفة وقاسية، غرس الخنجر في عنق الفتى مباشرة!».

​«تناثرت الدماء الساخنة بقوة وغزارة، وتطايرت لتمسح وجه خليل وتلطخ وجه الملك المصدوم. لم يتحمل الملك هذا المنظر الفظيع لفلذة كبده وهو يذبح أمام عينيه، وبسرعة خاطفة تفوق البصر، أخرج قنبلة سحرية مخبأة في طيات ملابسه ورماها بقوة نحو الأرض.. فانفجرت القنبلة مصدرة دخاناً وبخاراً كثيفاً جداً حجب الرؤية وأعمى أبصار خليل ورجاله».

​«استغل الملك تلك الثواني المعدودة من الفوضى، وتحرك كالشبح؛ فسحب جسد طفله النازف بقوة من بين أيديهم، وتراجع إلى داخل الغرفة الملكية وأقفل الباب الخشبي السميك بالمزلاج. ركض مباشرة نحو السرير، حيث تقبع زوجته الملكة وتحتضن ابنتيهما الصغيرتين ذوات السنوات الثلاث.. أمسك الملك بزوجته وبطفلتيه، وضغط بيده الأخرى على جرح ابنه النازف بشدة، ثم أغمض عينيه ونطق ببعض الكلمات والتعاويذ القديمة بسرعة.. وفي لمح البصر، اختفوا جميعاً من وسط الغرفة، وتفتتت أجسادهم كالأشباح في الهواء، تاركين خلفهم خليل ورجاله يضربون الأبواب المغلقة بجنون..»


الكاتب /عاصم حسن زاهر حسن زاهر

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...