تحميل رواية «وريث العنقاء: رمح الثأر» PDF
بقلم عاصم حسن زاهر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حيثُ يمتزجُ نصلُ الدمِ بهمسِ الأساطير.. وحيثُ يُكتبُ القدرُ بمدادِ المسندِ العتيق.في بقعةٍ من الأرضِ لا تعترفُ بالرحمة، وحيثُ لا ينجو إلا من طوعَ الحديدَ لإرادته، ينهضُ "عاصم" -الفتى الذي نبتَ من رحمِ المجزرة- ليعيدَ إحياءَ إرثٍ ظنّ العالمُ أنه فنيَ للأبد. ليس مجرد طفلٍ هارب، بل هو حاملُ القلادةِ التي تُحاكي الجان، ووريثُ الرمحِ الذي نُقشت عليه أسرارُ الممالكِ المنسية.هل هي صدفةٌ أن يختارَ الموتُ أن يتركَه حياً؟ أم أن النارَ التي تُحرقُ الشعابية هي ذاتُها التي ستصهرُ روحَ "وريث العنقاء" ليصبحَ...
🩸 "قطرة الدم والوشاح الأبيض"
، في أحضان قرية ريفية يمنية يكسوها الجمال، ومع بزوغ خيوط الفجر الأولى، كان هناك طفلٌ في التاسعة من عمره يجلس عند عتبة منزله المتواضع والمتهدم بعض الشيء. كان الطفل يشاهد ولادة الشمس، سارحاً بفكره في سحر الشروق، حتى صدح في الأرجاء صوتٌ حنونٌ يفيض دفئاً: «عاصم! هيا لتناول الفطور يا بني».
التفت الطفل قائلاً ببهجة: «سأشاهد شروق الشمس وآتي فوراً يا أمي، إنه منظر جميل جداً!»
ردت الأم مبتسمة: «هيا يا بني سيبرد الطعام، أنت تشاهد الشمس كل يوم ولا تملّ منها أبداً! ادخل وأيقظ أخويك حتى أجهز الصحون».
«حسناً يا أمي، سأوقظهما الآن».
ركض عاصم إلى الغرفة الملحقة بالمنزل، اقترب من شاب يناهز الثامنة عشرة من عمره وقال: «هيا يا آسر، لقد جُهّز الطعام»، ثم التفت إلى طفل آخر في الثالثة من عمره وتابع: «وأنت يا أسعد، هيا استيقظا».
خرج عاصم يركض مسرعاً نحو أمه، وعندما وصل، وجد المائدة ممدودة على الأرض، وكانت أخته إسراء ذات السبع سنوات جالسة تأكل بوجوم وسرعة فائقة، وكأنها في معركة طاحنة مع الطعام!
قال عاصم بحنق طفولي: «أختي إسراء، لِمَ لا تنتظرين إخوتي؟ هذا ليس عدلاً!»
توقفت إسراء عن الأكل فجأة، رفعت رأسها ونظرت إليه، وكانت في عينيها لمعة غامضة وغريبة وهي تقول بنبرة باردة: «لأنه بعد نصف ساعة.. لن يكون لنا وجود!»
تعجب عاصم وقال: «لماذا تقولين هذا يا أختي؟ أنتِ دائماً تتحدثين بكلام غريب لا أفهمه!»
نظرت إليه بعمق وتابعت: «اليوم، وبعد نصف ساعة، ستتغير حياتك رأساً على عقب، وستمضي في هذه الدنيا وحيداً، وحينها ستفهم كل شيء يا أخي.. ستعرف معنى كل كلمة قلتها لك ولم تستوعبها».
«ولكن يا أختي...»
قاطع حديثهما وصول أخويه وجلوسهما معاً. اجتمعت العائلة كلها حول المائدة في جو لطيف وجميل، يتبادلون النكات والضحكات. كانت لحظات دافئة تسلب القلوب، ولكن هيهات أن تستمر اللحظات الجميلة في هذه الغابة الملعونة.
قال عاصم: «لقد شبعت، سأذهب لأغسل يدي».
وما إن دخل الحمام، حتى اهتز البيت بأكمله إثر ارتطام عنيف بالباب الرئيسي، وكأن فيلاً ضخماً اصطدم به!
تقوقع عاصم في مكانه برعب شديد، لا يدري ما يدور في الخارج، لكن أصوات والدته وإخوته تداخلت مع صرخات رجال غرباء خشنة. حشر الصغير نفسه في زاوية الحمام الضيقة، ولم يجرؤ حتى على رفع رأسه. اشتد الصراخ في الخارج، وتمايز صوت أخيه الأكبر "آسر" وهو يشتم الغرباء ويلقيهم بكلمات بذيئة دفاعاً عن شرفه، لكن الطامة كبرى وقعت عندما سمع عاصم وبوضوح صوت رجل يبدو أنه قائد هؤلاء الغزاة يصيح: «أسكتوهم في الحال! لا أريد سماع أي صوت.. إلا هذا الشاب (آسر)، نحتاجه لينضم إلى الجيش، أما الباقون فلا حاجة لنا بهم!»
هنا، انفجرت أصوات العائلة بصراخ مرعب، وتبعتها أصوات ضرب مبرح وشديد. أغلق عاصم أذنيه بيديه الصغيرتين بكل قوته، ساعياً ألا يسمع صرخات الموت الصادرة من عائلته.. وفجأة، انقطع الصراخ تماماً! ساد صمتٌ قاتل لم يمزقه إلا صوت أخيه الأكبر وهو يصرخ بوجع ويبكي بحرقة وهم يجرونه بعيداً.
لم يعد عاصم يتحمل، وفي تلك اللحظة السوداء، ومضت في عقله كلمات أخته إسراء التي قالتها قبل قليل: بأنه سيبقى وحيداً في هذا العالم، وسيفهم معنى كلامها. انفتح جرح الحقيقة المرة في رأسه، وأدرك لِمَ انقطعت أصوات عائلته فجأة.. وعام عقله في الظلام، فأغمي عليه في الحال.
مرّ اليوم بأكمله وعاصم غائب عن الوعي، ولم يستيقظ إلا مع حلول عتمة الليل. عندما فتح عينيه ووجد نفسه في الحمام، داهمه شريط الأحداث المرعبة.. فاستجمع شجاعته وفتح الباب بخطوات وئيدة، وقلبه يقرع صدره كطبل حرب. خطا خطوته الأولى لداخل المنزل، فهاله ما رأى! لم يصرخ ولم تبكِ عيناه، بل تجمدت ملامحه كصخر الجبل.
نظر إلى أمه.. ورأسها لم يعد يربطه بجسدها إلا القليل! وأخوه الصغير "أسعد" قابعٌ في حضنها وقد التوت رقبته بزاوية مرعبة غابت معها فقراتها. كتم عاصم أنفاسه، وشعر بأن روحه غادرت جسده ولم يبقَ منه سوى هيكل باهت. تقدم ليخرج من البيت فاراً من هذا الجحيم، ولكن عند العتبة، صُدم بمشهد أخته إسراء.. كانت مرمية على الأرض بلا ستر، يغطي جسدها الكدمات والدماء، ورأسها مفصول عنها بالكامل!
بدأ الانهيار يشق طريقه إلى جسده؛ إنه طفل في التاسعة، كيف لقلب طفل أن يتحمل كل هذا الخراب؟! انهار على ركبتيه، وبدأت عيناه تحمرّان بشدة، ومن بين جفونه المشتعلة، لم تخرج دموع.. بل خرجت قطرة دم واحدة، قطرة دم نقية مسحها بقوة عن وجهه، ثم نهض بصلابة مرعبة، وضرب صدره بقوة وقال بصوت حازم: «لن تبكي هذه العين بعد اليوم.. ولن ينبض هذا القلب بضعف!»
انحنى إلى الأرض، وأخذ وشاحاً أبيض يخص أمه كان ملطخاً بدمائها الزكية، وتلثم به مغطياً وجهه بالكامل، وأقسم: «ولن يرى أحدٌ أبداً هذا الوجه.. حتى آخذ بثأركم جميعاً! أعدكم بهذا».
خرج من منزله، ليفاجأ بأن القرية بأكملها قد أُبيدت، وأن كل المنازل شهدت نفس المجزرة التي حلت بعائلته. لم يلقِ بالاً لأحد، وسار بلا هوادة، يدفعه غضبٌ صامت. مشى حتى وصل إلى أطراف القرية، وصعد الجبل الشاهق الذي يفصل موطنه عن القرى الأخرى. وقف فوق القمة، ونظر إلى الأسفل مودعاً: «وداعاً يا أمي.. لن أعود إلى هذه القرية التي شهدت موتكِ ما حييت، سأسير حتى أصبح أقوى مقاتل في اليمن، بل في العالم بأسره! أعدكِ بهذا، وحينها لن يجرؤ كائن أن يقف في طريق انتقامي!»
وغادر الطفل عاصم قريته.. ولكنه لم يعد ذلك الطفل الذي يعشق بزوغ الشمس؛ الآن هو شخص مختلف تماماً، لقد نضج قبل أوانه. مشاهد عائلته الممزقة وأصواتهم قبل الموت جعلته رجلاً في ليلة وضحاها. غادر قريته التي ترعرع فيها، والتي كان يراها أجمل قرية في اليمن، غادرها وهو يحمل نفساً أخرى.
في قرية بعيدة نسبياً، وداخل صالة تحت الأرض مخصصة لاجتماعات نخبوية، كان هناك جمعٌ من قادة الفرسان. الصالة كانت مكاناً لتدريبهم، ويبدو أن شجاراً عنيفاً قد نشب بينهم.
كان هناك رجلٌ شديد البنية، طويل القامة، وعلامات الانفعال الشديد تكسو وجهه، فصرخ فيهم بصوت هز الجدران: «أحذركم! إن لم تكفوا عن قتل الأبرياء والأطفال.. ستندمون ندماً شديداً!»
رد عليه أحد القادة الموجودين باستهزاء وتحقر، والكره يملأ عينيه: «وماذا سيحدث إن لم نتوقف عن القتل يا هذا؟»
استل الرجل هيبته وصاح: «حينها سأقف لكم أنا "زاهر" بنفسي.. وسأقتلكم بيدي هاتين!»
ألقى كلماته النارية وخرج من الصالة قابضاً على قبضتيه بقوة تكاد تفجر عروقه. عند المخرج، واجهه شخصٌ ذو رتبة أعلى، ونظر إليه قائلاً: «زاهر، ما بك؟»
أجاب زاهر محاولاً كبح غضبه: «لا شيء.. ولكن أريد العودة إلى قريتي لأرتاح هذين اليومين، فإني مرهق جداً».
هز المسؤول رأسه وقال: «حسناً، عد وارتح جيداً، وعندما أحتاجك سأستدعيك فوراً. وخذ حصاني معك، إنه الأقوى بين الأحصنة وسينفعك بالتأكيد في طريقك».
شكره زاهر، واعتلى صهوة الحصان الأقوى، وبدأ طريقه نحو قريته.. غير عالمٍ بما يخبئه له القدر.
نهاية الفصل الأول
توقعاتكم:
ماذا سيفعل عاصم ليصبح أقوى مقاتل؟
وما هو دور الفارس زاهر في مستقبله؟
الرمح الصدئ والدم الساخن
في منتصف الليل، حيث كان الجو بارداً لدرجة التجمد، كانت الرياح تعصف بأغصان الأشجار بعنف يصم الآذان. في تلك العتمة القارسة، كان عاصم يطوق جسده الذابل بذراعيه الصغيرتين محاولاً التشبث بآخر ما تبقى من دفء في جسده. بدأ الجوع يقرص معدته الخاوية بقسوة، ليذكره-رغماً عنه-أنه ما زال على قيد الحياة، رغم أنه أقسم قبل ساعات بأن قلبه لن ينبض بضعفٍ أبداً.
وبين ألم الجوع القاتل والبرد الشديد، ومضت في مخيلته كلمات أخته الراحلة إسراء، وهي تخبره بأنه سيمضي في هذه الحياة وحيداً. تذكر مشهدها وهي مرمية على العتبة غارقة في دماء شرفها الطاهر، وفي تلك اللحظة بالذات، انبعثت في روحه جذوة عنادٍ مرعبة، واشتد عزمه على البقاء.. لن يموت هنا!
بدأ عاصم نزوله الصارم من الجبل متجهاً نحو الجهة الأخرى، ومع أولى خطواته عند سفح الجبل، خطت قدماه داخل "الغابة السوداء". سُميت بهذا الاسم لأنه لم يكن هناك رجلٌ واحد يملك الجرأة ليطأ أرضها وحيداً، لكن عاصم، ورغم صغر سنه وجسده النحيل، اقتحم عتمتها بشجاعة مئة رجل، ولم يداخل قلبه ذرة من خوف.
كانت الغابة موحشة، أشجارها شاهقة ومتشابكة لدرجة تحجب الضوء وتبعث الرهبة في النفوس حتى في وضح النهار، فما بالك بطفل في التاسعة من عمره يخترق مجاهلها في حلكة منتصف الليل؟!
ما إن توغل عاصم في الداخل، حتى سرت قشعريرة في جسده؛ شعر وكأن عيوناً غير مرئية تراقبه من بين الظلال. التفت يميناً ويساراً، باحثاً في العتمة، لكنه لم يجد شيئاً. واصل تقدمه بثبات، وأثناء سيره، ارتطمت قدمه بقطعة حديدية قديمة وصدئة جداً، تشبه الرمح في تصميمها. انحنى وأخذها، متسلحاً بها ليدافع عن نفسه إذا ما هاجمه أي خطر مجهول.
أكمل طريقه حتى بلغ منتصف الغابة، حيث أصبحت الأشجار أكثر كثافة وتشابكاً. هناك، لمحت عيناه شجرة توت بري تحمل بضع ثمرات. تحرك نحوها بلهفة، وتحت وطأة الجوع المبرح، خف حذره للحظة وتناسى شعور المراقبة الذي كان يلاحقه. مد يده الصغيرة ليقتطف التوت، ولكن فجأة.. انشق ظلام الغابة الدامس عن جسد رمادي ضخم!
وثب باتجاهه ذئب شرس، كشّر عن أنيابه الفتاكة التي يسيل منها اللعاب جوعاً وفكاً يطلب الموت. تراجع عاصم خطوة إلى الوراء بغريزة البقاء، واستل القطعة الحديدية عن ظهره؛ ورغم أن قلبه كان يرتجف خوفاً، إلا أن روحه رفضت الاستسلام. قفز الذئب بضراوة عمياء وطرح الصغير أرضاً. استقر جسد الوحش الفروي الثقيل فوق صدره، كاد يسحق عظام قفصه الصدري، لكن عاصم جاهد بكل ما يملك من قوة برية ليتحرر من تحته. اقترب فم الذئب من وجهه، وأنفاسه الكريهة الساخنة تضرب بشرته، وكان على وشك قضم عنقه، لكن عاصم جمع كل قوته في قدميه وضرب بطن الذئب بدفعة هائلة، ليقذفه بعيداً ويتحرر من قبصته.
نهض عاصم في الحال كالمجنون، والقطعة الحديدية مشهرة في يده. اندفع الذئب مجدداً في قفزة مميتة نحو عاصم، لكن هذه المرة، انخفض الصغير بذكاء نحو الأسفل، ووجّه ضربة قاطعة بالقطعة الحديدية نحو بطن الذئب مباشرة! اخترق النصل الحديدي الصدئ أحشاء الوحش وخرج من ظهره، لتتناثر الدماء الساخنة بغزارة وتغطي جسد عاصم بالكامل.
سقط عاصم على ركبتيه بجانب جثة الذئب الهامدة، يلهث بعنف، وعيناه مثبتتان في الفراغ من فرط الذهول. وفجأة، كسر هدوء الليل القاتل صوت حوافر حصان تقترب بسرعة جنونية، وشعاع ضوء خافت يشق الأشجار الكثيفة. حاول عاصم غريزياً رفع رمحه الصدئ مستعداً لمواجهة الموت المحتوم، لكن جسده المنهك خانه، فخارت قواه وسقط على الأرض فاقداً الوعي.
ومن بين ضباب الأشجار، ظهر فارس طويل القامة، شديد البنية، يمتطي جواداً أصيلاً. اتسعت عينا الفارس بذهول مرعب وهو يشهد هذا المنظر غير القابل للتصديق: طفل صغير غارق بالدماء، وبجانبه ذئب ضخم مقتول.. لقد كان الفارس "زاهر".
ترجل زاهر سريعاً عن جواده، واقترب من عاصم ليتفقد إن كان حياً أم ميتاً. وعندما جثا بجانبه، تملكه الانبهار؛ طفل في التاسعة من عمره، ملثم بوشاح أبيض مدمى، والدم يغطي كامل جسده، وبجانبه ذئب صُرع بقطعة حديد صدئة تشبه الرمح!
صدم زاهر لثوانٍ، ثم مد يده ليخلع الوشاح الأبيض عن وجه الصغير ليكتشف هويته، لكن عاصم، ورغم غرقه في اللاوعي والملامسة الوشيكة للإغماء التام، جاهد بآخر رمق لديه، وأمسك بيد زاهر بضعف، ونطق ببضع كلمات خرجت بصعوبة بالغة: «أرجوك.. لا تنزعه!».. قالها، ثم غاب عن الوجود بالكامل.
احترم زاهر رغبة الصغير الجريء ولم يلمس الوشاح. رفعه بين ذراعيه الفولاذيتين بعناية، واعتلى صهوة جواده، متوجهاً بإنقاذ نحو قريته المجاورة لقرية عاصم.
ومع انقشاع ظلام الليل وتنفس صبح جديد يحمل في طياته آلاماً وجروحاً لا دواء لها، وصل زاهر إلى أطراف قريته. أبطأ سرعة الحصان، وتجمدت الدماء في عروقه وهو ينظر بذهول.. كانت معظم المنازل مهدّمة ومحترقة، وأصوات عويل النساء تملأ الأفق وتصم الآذان! لقد تعرضت قريته لنفس المجزرة السوداء التي حلت بقرية عاصم.
ضربت الرعدة قلب الفارس، وتذكر زوجته وابنته الوحيدة اللتين تركهما بلا حميد في المنزل. صرخ في عقله: هل حدث لهما مكروه؟!
انطلق بالجواد بأقصى سرعته، وما إن وصل إلى بيته حتى قفز عن صهوة الجواد وعاصم ما زال مغمى عليه بين يديه. ركض نحو المدخل، ودفع الباب بقوة تحطيمية، ليتسمر في مكانه من هول المشهد.. كان المنزل مهدماً ومديراً بالكامل، ولكن زوجته وابنته لم يكن لهما أثر! وعلى الأرض، تمددت قطرات دماء طازجة، جعلت قلب الفارس الصنديد على وشك التوقف.
انهار زاهر بالكامل، وجثا على ركبتيه وعيناه تفيضان بالدموع التي بدأت تنزل ببطء لأول مرة في حياته. ومن شدة الصدمة التي شلت حواسه، سقط عاصم من بين يديه على الأرض.
أفاق عاصم إثر السقوط، وجسده يئن من الإنهاك، لكن ما أذهله هو المكان الغريب الذي وجد نفسه فيه، ومن هذا الرجل القوي الذي يبكي بنحيب بجانبه؟ وقف عاصم على قدميه بتثاقل، ونظر إلى أرجاء المنزل المهدم، فاستدعى عقله مشهد عائلته ومجزرة قريته فوراً. في تلك اللحظة، لم يضعف عاصم، بل اشتعلت في داخله عزيمة وقوة وإصرار على الانتقام لدرجة أنه نسي جوعه ولم يعد يشعر بأنه لم يذق طعاماً طوال يومه.
تقدم الفتى بخطوات ثابتة نحو الفارس المنهار، ووضع كفه الصغيرة على كتف زاهر العريض. كانت عينا عاصم المشتعلة من خلف الوشاح تشعان بقوة وإصرار لا مثيل لهما على وجه بشر، وقال بنبرة حازمة: «لا أعرف من أنت.. ولكن أرجوك، لا تبكِ! لقد حدث معي ما هو أشد مروعة من هذا، ولم تبكِ عيني قط.. لكني أعدك، أنني سأصبح أقوى مقاتل في هذا العالم، وسأنتقم لعائلتي، وبعدها.. سأنتقم لك! أعدك بهذا».
عندما تغلغلت كلمات عاصم في مسامع زاهر، صدم الفارس، وأدرك أن هذا الصغير قد مرّ بحدث جهنمي ومروع جعله يتحدث بهذه الصلابة في هذا السن المبكر.
تماسك زاهر ونهض واقفاً بكل طوله، ونظر إلى الطفل قائلاً بنبرة ولد فيها أمل جديد: «لا أعلم ما الذي حلّ بك يا صغيري.. ولكن بهذه الكلمات وتلك العزيمة، أدركت أنني أنا الفارس الذي لا يهاب شيئاً ولم يخسر معركة طوال حياته، قد خسرت اليوم أمام طفل! لأنني بكيت بينما أنت لم تبكِ رغم فداحة مصابك. ولكن، بعد رؤية هذا الإصرار الحارق في عينيك، أعدك.. من اليوم، سأعلمك كل فنون القتال، والمبارزة بالسيف، والصيد بالسهام! ولن أتوقف عن تدريبك حتى تتفوق عليّ في كل شيء.. وبعدها، سنمضي وننتقم لعائلاتنا معاً! والآن...»
كان زاهر على وشك إكمال عهده، ولكن قاطع كلامه صوت امرأة ينبعث من الخارج بنبرة لاهفة: «زاهر؟! وأخيراً عدت!»
التفت زاهر بلهفة جنونية شقت صدره، وإذا بزوجته "سمية" واقفة وهي تحمل جرة ماء فوق رأسها، وبجانبها طفلة صغيرة تقارب السابعة من عمرها. لم يصدق زاهر عينيه، ركض نحوهما كالمجنون، وارتمى يحتضن زوجته بلهفة وحرقة وهو يهمس: «سمية! هل أنتِ بخير؟!»، ويرفع رأسه للسماء حامداً الله ومستعظماً شكره على سلامتهما.
هنا، قاطعته الطفلة الصغيرة بعبوس طفولي لطيف، وقالت: «أبي! وأنا؟ هل لن تحتضنني أنا أيضاً؟»
جثا زاهر قبالتها فوراً، وضّمها إلى صدره بكل قوته، يستنشق عبير شعرها وهو يكرر بنحيب فرح: «الحمد لله على سلامتكما.. الحمد لله!»
في هذه الأثناء، كان عاصم ما زال واقفاً عند عتبة الباب.. ينظر إلى مشهد العائلة المجتمعة، والضم الحنون الذي حُرِم منه للأبد. شدّ على قبضتيه الصغيرتين بكل غيظ وقهر حتى كادت عروق يديه تنفجر، واحمرّت عيناه بشدة، حتى خُيِّل للناظر أن جفونه تقطر دماً خالصاً من فرط الألم والحقد على من حرمه عائلته!
🔮 "حصانة الذئب وصدمة الفارس"
بينما كان زاهر غارقاً في بهجته، يغمر زوجته وابنته بالأحضان والقبل، مستمتعاً بلم شمل العائلة الدافئ، كان عاصم يرقب المشهد من عند عتبة الباب بصمت قاتل. قبض بيمينه على شماله بقوة مفرطة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه، واشتد احمرار عينيه من فرط الغيظ والقهر، حتى خُيِّل للناظر أنها ستقطر دماً خالصاً.
لم يعد الصغير يطيق احتمال هذا التناقض الحارق، فصاح بنبرة حاسمة مزقت دفء المكان: «كفى!»
اتجهت كل الأنظار نحوه بغتة. شهقت سمية بذهول وقالت بنبرة يسكنها الخوف: «زاهر! من هذا الطفل؟! ولماذا يتلثم بهذا الوشاح الأبيض المغطى بالدماء، وتكسو ثيابه الأشلاء؟ أخبرني ماذا حدث!»
سرد زاهر على زوجته باختصار قصة لقائه الصادم بالفتى في مجاهل الغابة السوداء، ثم التفت إليها وقال بلهفة: «أخبريني أنتِ الآن، ماذا حدث هنا؟ وأين كنتِ في هذا الوقت العصيب؟»
كانت سمية على وشك الإجابة، لكن حركة مفاجئة جذبت انتباه زاهر؛ كان عاصم قد أدار ظهره وبدأ يسير في الاتجاه المعاكس للبيت.
ناداه زاهر بصوت جهوري: «يا طفل! توقف.. توقف يا ذئب!»
تراجع الصغير ووقف قبالته، فاقترب منه زاهر وسأله بعطف: «من أنت حقاً؟ وإلى أين أنت ذاهب في هذه العتمة؟ وكيف انتهى بك المطاف وحيداً في الغابة السوداء الخطرة؟ أخبرني بكل شيء، ويمكنني مساعدتك».
نظر إليه عاصم من خلف لثامه وقال بصلابة: «أولاً.. اسمي هو "الذئب"، وأنا من قرية تُدعى "الشعابية"».
وقصّ عاصم على الفارس كل ما حلّ بقريته وعائلته من مجزرة وإبادة، لكنه كتم في صدره اسمه الحقيقي وأسماء أفراد عائلته ولم يظهرها قط.
تأثر زاهر بشدة وقال بأسى: «أنا آسف يا بني.. آسف لأنني جعلتك تشاهد فرحتنا بلم شمل عائلتي وأنت في هذه الحال. ولكن، أعدك عهد فرسان أنني سأساعدك وسننتقم لعائلتك معاً. والآن، يمكنك نزع هذا اللثام عن وجهك لندخل ونأكل، فيبدو أن الجوع قد نال منك».
رد عاصم بجمود لا يلين: «لن أنزعه أبداً.. لقد قطعتُ عهداً لوالدتي».
تعجب زاهر وسأله: «ولكن، كيف ستأكل وتشرب وهذا الوشاح يغطي وجهك؟»
أجاب عاصم: «عند الطعام أو الشراب، سأختبئ في مكان لا يراني فيه كائن».
تنهد زاهر محترماً رغبته: «كما تشاء.. والآن دعنا ندخل لتخبرنا سمية بما جرى».
دخلوا جميعاً إلى المنزل، وما إن وطأت أقدام سمية وابنتها الدار، حتى صُدمتا بآثار الدمار الهائل وقطرات الدماء المتناثرة على الأرضية. قالت سمية برعب: «زاهر! ماذا حدث لمنزلنا؟!»
هنا تملكت الصدمة زاهر نفسه، التفت إليها وقال بعجلة واستنكار: «لا تقولي إنكِ لا تعرفين شيئاً عما حدث!»
أجابت سمية مدافعة عن دهشتها: «بالفعل لا أعلم شيئاً! عندما نفد الماء من الدار، أخذتُ "إسراء" وذهبت إلى البئر، وبما أنه بعيد نسبياً، خشيتُ أن تظل الطفلة وحدها في البيت فأخذتها معي، ولا علم لي بأي شيء آخر».
في تلك اللحظة، ضربت صدمة صامتة وجدان عاصم؛ حين علم أن الطفلة الصغيرة تحمل اسم أخته الراحلة "إسراء". تحولت نظراته القاسية نحو الطفلة، ونظر إليها بحنان دافئ وغموض دفين.
تنفس زاهر الصعداء وقال: «لحسن الحظ أنكنّ غادرتنّ الدار، وإلا فلا أدري أي مصير كان ينتظركنّ! ولكن، ما يحير عقلي هو من الذي دمر المنزل هكذا؟ ولمن تعود هذه الدماء؟»
ثم التفت إلى زوجته وتابع: «أنتِ أعدّي لنا ما تيسر من الطعام، وأنا وإسراء والذئب سنبحث في الأرجاء عن أي أثر يدلنا على الفاعل».
انتشروا في زوايا المنزل المهدم، يفتشون بعشوائية بين الحطام. بحثوا حتى نال منهم التعب دون جدوى، فجلسوا جميعاً في بقعة واحدة لالتقاط أنفاسهم. وعندما أقبلت سمية وتحمل الطعام، لمحت عينا عاصم الثاقبتان شيئاً يلمع بشكل غريب، عالقاً عند حافة الباب المكسور.
نهض عاصم وسار بتروٍ وهدوء حتى وصل إليه، وإذا بها قلادة ذهبية اللون، محاطة بكتابات ونقوش غامضة، غارزة في خشبة الباب المهشمة.
انتزعها عاصم بيده الصغير، فلمحها زاهر ونهض بسرعة خاطفة، وانتزع القلادة من يد عاصم ليتفحصها بتمعن دقيق. سكنت الملامح وجه الفارس، وصاح بغضب: «اللعنة! يجب أن نرحل من هنا اليوم.. اليوم قبل أن يعودوا!»
سألته سمية بذعر: «ومن هم الذين سيعودون؟»
أجاب زاهر وعيناه تملؤهما الرهبة: «هل تعلمين ما هذه القلادة ولمن تعود؟ إنها رمز "السحرة" التابعين للملك! ولا أحد من البشر يمكنه مجابهتهم وجهاً لوجه. ولذلك، سنلوذ فوراً بأعماق الغابة السوداء؛ لقد عثرتُ في أحد الأيام هناك على كهف واسع جداً، سيكون مخبأنا المثالي في هذا الوقت، فحتى السحرة يخشون اقتحام الغابة السوداء، وهناك سأتمكن من تدريب "الذئب" بكل أريحية ودون أن يكتشف أمرنا أحد. والآن، لنتناول طعامنا، ومع حلول الظلام سنغادر».
عندما جلس الجميع حول المائدة، بقي عاصم واقفاً ينظر إليهم دون نطق بكلمة. فهم زاهر على الفور أن الفتى يرفض خلع لثامه أمامهم، فغرف له طبقاً وافراً من الطعام وقال: «إذهب إلى غرفة إسراء وتناول طعامك هناك»، وكانت الغرفة تقع في مواجهتهم مباشرة.
ما إن دخل عاصم وأغلق الباب، حتى التفتت سمية إلى زوجها وقالت بهمس يحمل الحيرة: «زاهر.. هذا الطفل، عيناه تشبهان تماماً عيني أختي التوأم التي اختُطفت ونحن في سن الخامسة عشرة.. تشبهها كثيراً، وكأن عيني أختي الراحلة تنظران إليّ من خلف ذلك الوشاح!»
صدم زاهر وقال بنبرة حازمة: «مستحيل يا سمية! بعد اختطاف أختك بأشهر قليلة، وصلتنا أخبار مؤكدة بأنها ماتت لأنها قاومت الخاطفين البغاة وكانت ستكشف هويتهم فقتلوها. وحتى عندما انضممتُ إلى سلك الفرسان، نبشتُ في هذا الأمر وتحققتُ ووجدتُ أنها ماتت بالفعل».
طأطأت سمية رأسها وقالت بأسى: «حسناً، لا تشغل بالك.. لعلي بالغت في تفكيري من فرط الصدمة».
هنا، قطعت الطفلة إسراء الصمت الطويل بسؤال بريء: «أبي.. هل "الذئب" هو ابن خالتي؟»
ابتسم زاهر مسيحاً على رأسها وقال: «لا يا ابنتي.. ولكن من اليوم، اعتبريه أخاكِ الأكبر، وعندما تنادينه، ناديه بـ "أخي"، اتفقنا؟»
قفزت إسراء ببهجة وقالت: «اتفقنا!»
انقضى بقية النهار سريعاً، وحل الظلام الحالك. كان عاصم ما زال مستلقياً في غرفة إسراء، يغط في نوم عميق، وجسده يتصبب عرقاً غزيرًا تحت وطأة كابوس مرعب يمزق روحه.
كان يرى في منامه أمه الراحلة، تمسد على رأسه بحنانها المعهود وتقول له: «يا بني.. عش حياتك ولا تحزن من أجلنا. لقد أتيتُ إليك الآن لأفشي لك سراً عظيماً لا يعلمه كائن في هذا الوجود غيري.. في أعماق الغابة السوداء، يوجد كهف جميل، لقد خبأتُ في جوفه شيئاً تفوق قوته كل خيال.. لقد....»
وقبل أن تكمل الأم جملتها، انتفض عاصم واقفاً في فراشه يرتجف رعباً ويلهث بعنف، إثر طرقات متتالية على الباب. استجمع شتات نفسه على عجلة، وفتح الباب ليجد الصغيرة إسراء أمامه.
نظر إليها بحنان وقال: «ماذا هناك؟»
قالت الطفلة بلهفة: «سنغادر المنزل الآن يا أخي، ولولا ذلك ما كنتُ لأوقظك».
ربت عاصم على رأسها بلطف وقال: «لا مشكلة.. لنذهب الآن».
حزم الجميع أمتعتهم على عجل، وتحركوا متسللين نحو الغابة السوداء. اعتلت سمية وإسراء صهوة الحصان الأقوى، بينما كان عاصم يسير بصلابة عن يمين الجواد، وزاهر يحرسهم ماشياً عن جهة اليسار. واصلوا مسيرهم الصامت وسط عتمة الليل الشديدة، حتى وصلوا أخيراً إلى أطراف الغابة السوداء.. وهناك، شلّت المفاجأة حركتهم!
كان هناك "ساحرٌ" متشح بالغموض، واقفاً بانتظارهم عند مدخل الغابة مباشرة!
نظر الساحر إلى زاهر بابتسامة خبيثة تفوح بالمكر، وقال بنبرة متهكمة: «أوه.. صديقي القديم! أين تظن نفسك ذاهباً في عتمة الليل؟ لقد اشتقتُ إليك كثيراً يا زاهر.. تعال إلى هنا لأضمك، ونسترجع معاً أيام الطفولة الخالية!»
برقت عينا زاهر بغضب لاهب، واستل سيفه قائلاً بوعيد: «إنه أنت إذن! لم أكن أتوقع وجودك هنا أبداً.. ولكن بما أن القدر قد ساقك إلى طريقي الآن، فاشهد على روحك، لأني سأقطع رأسك النجس اليوم!»
ضحك الساحر باستهزاء وقال: «وهل تظن حقاً أنك قادر على التغلب عليّ؟»
وفي لمحة عين، مد الساحر يده بالهواء باتجاه زاهر، وقبض على أصابعه بعنف وكأنه يمسك بعنقه ويخنقه من بعيد. والغريب في الأمر، أن زاهر شعر بالخنق فعلياً! انقطع الهواء عن صدر الفارس، وبدأ جسده يرتجف. زاد الساحر من ضغط قبضته السحرية بقوة مفرطة، بينما كانت سمية وإسراء تصرخان وتبكيان بحرقة، ترجوان الساحر أن يترك زاهر، لكنه كان كالأصم لا يسمع عويلهما، واشتد الضغط حتى شارف زاهر على لفظ أنفاسه الأخيرة والوقوع صريعاً.
في تلك اللحظة القاتلة، وثب عاصم بشجاعة مذهلة واستقر بجسده قبالة الساحر مباشرة، مشهراً في وجهه الرمح الصدئ، وصاح بغضب: «توقف.. توقف وإلا قتلتك الآن!»
انفجر الساحر بضحك مجنون وساخر، وقال بتحقير: «أنت؟! أنت من سيقتلني أيها الصغير؟!»
أرخى الساحر قبضته عن زاهر-الذي سقط على الأرض يتنفس بعنف وتسارع-وحوّل طاقته السحرية وقبض يده باتجاه عاصم ليخنقه ويميته. ولكن.. حدث ما لم يكن في الحسبان! لم يحدث لعاصم أي شيء!
تعجب الساحر، وحاول مرة أخرى بقوة أكبر وبتركيز شديد، وقبض يده بالهواء.. ولكن عاصم بقي واقفاً كالجبل الصامد، دون أن يتأثر بذرة من السحر!
تراجعت ثقة الساحر، وامتد الرعب إلى أوصاله، وبدأ يتأتأ بكلمات متقطعة وخوف مهيب: «مـ.. من أنت؟! لماذا.. لماذا لم يعمل سحري معك ي هذا؟! ما هذا الجحيم!»
وقعت كلمات الساحر المرعوبة كالصاعقة على مسامع الجميع، وتملكت الصدمة زاهر وهو يراقب المشهد من على الأرض، ويحدث نفسه بذهول: من يكون هذا "الذئب" حقاً؟! إن كان هذا اسمه الفعلي.. وما هي خلفيته وسلالته حتى يخرّ السحر عاجزاً أمام جسده الطفولي؟!
لكن الفارس المتمرس أدرك أن هذا ليس وقت الأسئلة، بل وقت الدماء! استغل رعب الساحر وانشغاله بالصدمة، فاستل سيفه بلمحة البرق، ونهض بخفة فارس خاض مئات الحروب. وبسرعة خاطفة لا تدركها الأبصار، لوّح بسيفه الفولاذي ضربة قاطعة هائلة.. فصلت رأس الساحر عن جسده، ليتدحرج الرأس على الأرض وعيناه ما زالتا متسعتين من فرط الرعب من عاصم!
🔥 "الوهج الناري وزلزال الكهف"
على أطراف الغابة السوداء، خيّم ذهولٌ ثقيلٌ وصدمةٌ ألجمت الألسن. كان عاصم واقفاً في مكانه، تتجمد الدماء في عروقه وهو يشهد جثة الساحر الغارقة بالدماء أمامه. في تلك الأثناء، كان زاهر يغرق في لُجّة من الرعب على عائلته؛ فالسحرة الآن عرفوا مكانهم، والقادم سيكون أشد فتكاً.
وفي عمق ذلك الرعب، تسلل الشك إلى عقل الفارس.. نظر إلى عاصم وتملكه تساؤلٌ حارق: "من هذا الطفل بحق الجحيم؟!".
التفت زاهر نحو عاصم، وعيناه تشتعلان بالريبة: «ذئب.. من أنت؟ ولماذا لم يؤثر سحر الموت فيك؟»
ارتبك عاصم، وتلعثمت الكلمات على شفتيه: «حتى أنا.. أنا متفاجئ! لا أدري ماذا حدث حقاً!»
تراجع زاهر بخطوة للوراء، وحدّث نفسه: «هذا الطفل ليس عادياً أبداً.. هناك سرٌّ مظلم يكتنفه، ويجب أن أكتشفه بنفسي، لكن الوقت الآن لا يرحمنا».
أطلق زاهر نظرة تفحص حادة اخترقت ملامح عاصم، فلم يجد فيه أي أثر لقوة خارقة. ولكن، وعندما كان على وشك خفض عينيه، لمح شيئاً جعله يتسمر في مكانه.. الرمح الصدأ!
في قبضة عاصم، كان الرمح ينبض بوهج خفيف جداً، خافت بالكاد يُرى بالعين المجردة، وبدأت قشور الصدأ تتساقط عنه ببطء شديد. شخصٌ عادي لن يلاحظ هذا التغير الطفيف، لكن زاهر لم يكن شخصاً عادياً.. إنه فارس متمرس وشديد الملاحظة.
هنا، انجلت الحقيقة لزاهر كصاعقة: السر ليس في عاصم، السر يكمن في هذا الرمح اللعين!
كتم زاهر سرّه ولم ينطق بكلمة، بل صاح محفزاً: «دعونا نتحرك من هنا فوراً!»
انطلقوا كالسّهام بين الأشجار المتشابكة، يمزقون عتمة الغابة، لا يلتفتون خلفهم، وكل خطوة تزيد من توجسهم من أن يكون السحرة قد بدؤوا بالاقتراب وهم يسمعون أصوات الرياح تضرب الأشجار وتبعث الرهبة في نفوسهم.
لكن عاصم كان في عالم آخر، غائباً عن وعيهم، يغرق في تساؤلاته: لماذا شعرت بتلك الحرارة الشديدة تسري في الرمح عندما هاجمني الساحر؟ هل كان ذلك حقيقة، أم أن الرعب والتوتر خيِّل إليه ذلك؟
لكن الأكيد، أنه في تلك اللحظة الرهيبة، أحس وكأن الرمح قد التحم بجسده، أصبح جزءاً من روحه وليس مجرد أداة جامدة يمسكها بيده!
كان زاهر يراقب شروده ونظراته المعلقة بالرمح، فتيقّن الفارس أن عاصم شعر بشيء ما، وعرف في الوقت نفسه أن الفتى مسكين لا يفقه شيئاً عن حقيقة القوة المرعبة التي يحملها.
استمر الصمت والتفكير يعصف بعقولهم حتى قادتهم الخطى إلى فوهة كهف سحيق.
تقدموا إلى الداخل، ومع أولى خطواتهم، ابتلعهم ظلامٌ دامس حجب عنهم كل رؤية. توغلوا بحذر شديد، تتلفت عيونهم رعباً وترقباً. وعندما وطأت أقدامهم منتصف الكهف، سرت قشعريرة في أجسادهم؛ لقد شعروا جميعاً بأنهم محاصرون ومراقبون من قِبل أزواج لا تحصى من العيون المتوهجة في الظلام!
انتابهم خوفٌ صاعق، وكان عاصم أول من رصد التحرك، فنظر نحو العيون مباشرة هو وزاهر، وتأهبوا للقتال في الحال.. وفي تلك اللحظة، هجمت عليهم تلك الكائنات دفعة واحدة!
رفع عاصم الرمح بكلتا يديه غريزياً ليحمي وجهه من الموت المحتوم.. لكن، لم يحدث ما توقعوه! لم تكن تلك الكائنات سوى سرب ضخم من الخفافيش العملاقة. وبما أن الخفافيش ترى في أحلك الظلمات، فقد أبصرت الرمح بوضوح مرعب، فالتفت بحلقات سريعة نحو سقف الكهف، وهربت مذعورة من فتحة صغيرة في الأعلى.
وهنا.. انطلقت المعجزة!
توهج الرمح في يد عاصم فجأة بوميض أحمر ناريّ، متفجر ويعمي الأبصار، أضاء أركان الكهف المظلم كأنه شمس انفتحت في جوفه. في ثوانٍ معدودة، تلاشى كل الصدأ عن جسد الرمح ليظهر معدنه الفخم، وطار ببطء وهيبة ساحرة من يد عاصم تحت أنظار الجميع المخنوقة بالصدمة والرعب الحقيقي!
استقر الرمح في الفتحة العليا التي هربت منها الخفافيش، متخذاً وضعاً أفقياً مهيباً، ثم دار نصف دورة محورّية، ليزداد سطوعه لدرجة تكاد تعمي الأعين. ومع تلك الدورة، اهتزت جدران الكهف بعنف، وتساقطت الحصى والصخور من السقف، كأن زلزالاً مدمراً يضرب الأرض من تحتهم.
⚜️ "السليل والقلادة الذهبية"
في جوف الكهف الذي كان يرتجّ كأن زلزالاً مدمراً يمزق أحشاء الأرض، انبعثت من الرمح إضاءةٌ شديدة، بيضاء ناصعة تعمي الأبصار. كان الرمح مستقراً في الفتحة العلوية لسطح الكهف بشكل أفقي مهيب، يتحدى الجاذبية، والحصى والصخور تتساقط من حوله كالمطر.
وسط هذا المشهد المرعب، كان زاهر وعائلته وعاصم-الذئب-يشهدون ذهولاً حقيقياً أمام هذه القوة غير الطبيعية التي لم تدر بخلد بشر من قبل. ولكن، ومع اشتداد وطأة الاهتزاز وعنفوان الأرض، حدث ما لم يكن في الحسبان.. انشقت الأرض فجأة، وانفجرت من تحت أقدام عاصم لتكشف عن هوة سحيقة، مظلمة ولا قاع لها!
هبط عاصم في العتمة، ومزق صوته جدران الكهف بصرخة رعب حارقة: «آآآآهه!».. حاول بكل ما أوتي من قوة وجبروت أن يتشبث بحافة الهوة، يصارع السقوط بأصابعه، ولكن هيهات.. فقد خانته الأرض، وهوى في الأعماق السحيقة.
في تلك اللحظة القاتلة، انقشعت الصدمة عن عق الفارس زاهر؛ وبحرفية وخبرة السنين، وثب بجسده كالفهد ليمسك بيد عاصم قبل أن يغرق في الظلام، ولكن.. كان الوقت قد فات، وابتلعت الهوة الفتى. ولمّا أراد زاهر دون تردد أن يقفز خلفه في أعماق الهوة ليلحق به، اصطدم فجأة بجدار خفيّ، صلبٍ وبارد كأنه مصنوع من الزجاج غير المرئي، ليرتد الفارس للخلف بعنف.
وفي تلك اللحظة الرهيبة، دوى صوتٌ جهنمي، عميق ومرعب، تغلغل في أرجاء الكهف واهتزت له القلوب، وكأنه قادم من قاع الجحيم قائلاً:
«لا أحد يستطيع دخول المكان السري.. إلا السليل المباشر!»
تملكت الصدمة زاهر، واشتعل عقله بالتوتر والغضب. صار يدور في أركان الكهف كالمجنون، يضرب بقبضتيه الفولاذيتين ذلك الجدار الخفي ويصرخ بأعلى صوته: «اللعنة! ما هذه القوى الملعونة؟! ومن يكون هذا "الذئب" الذي دخل حياتنا بدون استئذان، ليقلب عالمنا رأساً على عقب؟!»
في هذه الأثناء، عند فوهة الكهف، كانت سمية وإسراء تجلسان ملتصقتين ببعضهما، والدموع تنهمر من عيونهما من شدة الرعب والهلع. نظر زاهر إليهما، فاستعاد عقله واتزانه كقائد وفارس، واقترب منهما بخطوات ثابتة ليربت على كتفيهما قائلاً بنبرة حازمة تحاول طرد الخوف: «لا تخافوا.. سنجد طريقة بإذن الله تمكننا من إخراج "الذئب" من هذه الهوة اللعينة. لن نتركه هناك!»
في تلك الأثناء، كان عاصم ما زال يهوي في غيابات الجب السحيق، يمزق الصمت بصرخات رعبة المتواصلة. استسلم الفتى لفكره الأسود، وظنّ واثقاً أنها النهاية المحتومة؛ فجسده الغض لن يتحمل وطأة الارتطام بالقاع، وسيموت في الحال.
ولكن، ومع اقترابه الوشيك من جحيم القاع، حدثت معجزة برمجتها قوةٌ خفية؛ تباطأت سرعة هبوطه بشكل مفاجئ كأن هناك أيادٍ غير مرئية تسنده برفق، وعندما حطت قدماه على الأرض، استقر بنعومة فائقة وكأنه هبط على فراش وثير من الحرير.
وقف عاصم على قدميه، يرتجف رعباً، يتلفت يميناً ويساراً ويشخص ببصره إلى الأعلى، لكن العتمة كانت كفناً يلف المكان. تقدم بخطوات مرتبكة، تكاد تخذله من شدة الوجل. ومع كل خطوة يخطوها في ذلك القبر المظلم، اخترق المسامع صوتٌ حنونٌ دافئ، يقطر عطفاً من مكان قريب قائلاً: «بني.. لقد أتيت أخيراً.. لقد كنت أنتظرك منذ ثماني سنوات!»
انتفض عاصم، وبدأ يبحث عن مصدر الصوت بجنون وهلع، صارخاً: «أمي؟! أهذه أنتِ؟! أين أنتِ؟ أرجوكِ يا أمي.. لماذا لا أراكِ؟!»
جاء الراد هادئاً كالنسمة: «لا يمكنك رؤيتي يا بني.. لا تتعب نفسك بالبحث، واستمع إليّ جيداً».
صمت عاصم للحظة، استجمع سمعه، ثم قال بنبرة متشككة: «ولكن.. صوتكِ مختلف بعض الشيء.. أنتِ لستِ أمي!»
دافع الصوت عن حقيقته الشجية: «أنا هي أمك الحقيقية يا بني.. أما تلك التي عشت في كنفها فليست والدتك التي أنجبتك؛ لقد اضطررتُ لتركك عندها لتربيك، عندما كان أعدائي يلاحقونني في كل حدب وصوب ليقتلونني ويمحوا سلالتنا».
اشتعلت النخوة في صدر الفتى، وصاح: «ومن هم أعداؤكِ؟! أنا سأنتقم لكِ! ولكن.. يجب أن تثبتي لي أولاً أنكِ أمي الحقيقية!»
أجاب الصوت بحكمة أزلية: «منذ اللحظة الأولى التي تفاعل معك فيها الرمح، شعرتَ في أعماقك أنك مختلف عن الجميع. وهذه المرة الثانية التي يظهر فيها الدليل؛ أنت استطعت عبور الهوة والدخول إلى هذا المكان السري، بينما الفارس الذي معك اصطدم بجدار خفي ومنعته القوة. هذا أكبر دليل على أنك ابني.. وأنك الوريث الوحيد الباقي من عائلتي الملكية».
سألها عاصم بلهفة حارقة: «ومن هم أعداؤكِ؟ أخبريني!»
فقالت بنبرة يسكنها الأسى: «لا أستطيع إخبارك الآن.. ولكن عندما تكبر، ستتكشف لك الحقيقة بنفسها. السر كله يكمن في هذه البلاد، وسوف تدركه كاملاً عندما تبلغ سن السادسة عشرة».
في تلك اللحظة، انشقت العتمة عن قلادة ذهبية على شكل قلب، تشع بوهج ناري مهيب يحاكي توهج الرمح، طفت في الهواء واستقرت أمامه. وتابع الصوت: «هذه القلادة ستمنحك قوة مهيبة وجبارة، وعندما تستخدمها بذكاء، لن يستطيع كائن على وجه الأرض الوقوف في وجهك.. ولكن، لن تتمكن من تفعيل طاقة القلادة الكاملة إلا عندما تبلغ عامك السادس عشر».
هنا، فاض به الكيل، ولم يعد يحتمل ثقل هذا المصير المرعب؛ صرخ بصوت باكٍ ومتهدج: «أمي! أنا لا أريد كل هذا! لا أريد قوى ولا أسلحة! أنا أريدكِ أنتِ فقط.. أريد حياة هانئة مستقرة مثل أي طفل عادي!»
همس الصوت همسة أخيرة تلاشت كالدخان: «أنت لست كأي طفل يا عاصم.. لقد كُتب مستقرك ومستقبلك بالفعل.. وداعاً يا بني».
واختفى الصوت، وعاد الصمت المطبق ليعم المكان.
انهار عاصم في مكانه بجمود، والدموع تحرق وجنتيه، وفجأة.. اشتد سطوع القلادة بقوة مفرطة، مطلقةً وميضاً حارقاً أعمى بصره بالكامل، وفي اللحظة ذاتها، شعر بجسده يرتفع عن الأرض، وكأنه يطير في الهواء متجهاً نحو مصير مجهول!
«وميض الرمح وقاهر الكوبرى»
في جوف الكهف السحيق، كانت الأنفاس محبوسة والقلوب تواجه اضطرابها، حيث جثا الفارس زاهر وزوجته سمية وبنتهما الصغيرة إسراء، يعتصر عقولهم التفكير بحثاً عن حيلة أو وسيلة ينتشلون بها عاصم من قاع تلك الهوة الملعونة.
وفي ذروة ذلك الصمت الواجف، انشق العدم بغتة! وبزغ من رحم الفراغ جسدٌ مادي طفولي في التاسعة من عمره، يطوق عنقه قلادة تشع بوهج أسطوري يكاد يطمس ضياء الرمح المعلق في السقف. وما إن حطت قدماه على الأرض الصلبة بجانبهم، حتى بدأت تلك الأنوار العنيفة تخبو وتتلاشى، مفسحة المجال لخيوط الفجر الأولى لتشق عتمة الكهف.
ومع انجلاء الغبار، تجسد المشهد بوضوح هائل؛ كان عاصم واقفاً هناك، تكسوه هيبة الملوك، والقلادة الذهبية تستقر على صدره بوقار مرعب. وفي تلك اللحظة، أصدر الرمح المعلق طقطقة خفيفة، ودار نصف دورة محورّية عكس اتجاهه الأول، ليسقط طيعاً مستقراً بجانب عاصم تماماً. هنا، خرقت الصغيرة إسراء جدار الصمت بصيحة مبهجة وقالت: «أنظر يا أبي! لقد عاد الذئب!»
تحلق زاهر وعائلته حول الفتى مذهولين، وتقدم منه الفارس وسأله بلهفة: «يا ذئب.. أخبرني ماذا حدث معك في الأسفل؟»
أجاب عاصم بجمود وهو يحاول استجماع شتات نفسه: «لا شيء.. فقط شعرت وكأنني أهوي في فراغ سحيق، وعندما ارتطمت بالملجأ في القاع لم يمسسني سوء، بل ظهرت هذه القلادة بغتة أمام عيني، وما إن طوقت بها عنقي حتى وجدت نفسي بينكم مجدداً».
هنا، تغلغلت الريبة في وجدان زاهر، وتيقن أن هذا الصغير الذي يلقب نفسه بـ "الذئب" ليس طفلاً عادياً بالمرة، وأن هذا الكهف والرمح والقلادة يرتبطون به برباط سحري غامض وضارب في القدم.
نظر زاهر إلى صدر الفتى وقال: «هل لى أن تعطيني هذه القلادة لأفحصها وأقارنها بالتي أحملها معي؟»
ناول عاصم القلادة للفارس، فأخذ زاهر يقلبها تحت الضوء بتمعن دقيق، لكنه لم يجد فيها شيئاً غير مألوف سوى رسمة لتاج ملكي فخم مرصع بالجواهر، ونقش على وجهها الآخر حرف (أ) مكتوباً بـ الخط المسند اليمني القديم. أما القلادة الأخرى التي كانت بحوزة زاهر، فقد حوت كلمات قليلة ومبهمة عجز الفارس عن فك طلاسمها، فنفث بضيق وقال بحنق: «ما هذه الكلمات؟ لم أستطع قراءتها أبداً!»
ثم تابع محاولاً حسم الموقف: «لا يهم الآن.. خذوا قسطاً من الراحة جميعاً، وسأخرج أنا لاستطلاع الأرجاء والبحث عن صيد نقتات به، فلا يمكننا البقاء هكذا بلا طعام».
أعاد زاهر القلادة إلى عاصم وهمّ بالخروج، فتشبثت به الصغيرة إسراء قائلة بخوف طفولي: «أبي! لا تذهب وتتركنا.. أنا خائفة جداً!»
التفت إليها الأب وربت عليها مطمئناً: «لا تخافي يا ابنتي، إن "الذئب" معكم هنا وهو سيحميكم بالتأكيد». ثم رمق عاصم بنظرة حازمة وقال: «لقد تركتهم في أمانتك حتى أعود».
غادر زاهر مسرعاً دون أن ينتظر رداً من الصغير، لتخيم على الكهف مجدداً أجواء من الترقب الخانق. انزوت إسراء في حضن والدتها سمية، التي أخذت تمسد على شعرها وتقبل رأسها بهدوء وهي تهمس: «لا تخافي يا حبيبتي، سيعود أباكِ بعد قليل».
في تلك الأثناء، كان عاصم جالساً بمفردة يقلب القلادة الذهبية بين أنامله بتمعن شديد، ولم يكن قد مد يده بعد ليرفع الرمح الراقد على الأرض. وفجأة، بدأ جسد الرمح يصدر ومضات ضوئية خافتة حركت فضول الفتى. اقترب عاصم منه ورفعه، ليتفاجأ بأن الرمح أصبح أخف وزناً بكثير من ذي قبل! وعندما تفحص نصله، لمح بصدمة نفس علامة التاج المرصع بالجواهر، وبجانبه نفس حرف (أ) المحفور بالخط المسند.
لم يستمر تأمل عاصم طويلاً، إذ مزق سكون المكان صراخ ذعر وحشي انطلق من حنجرة إسراء: «آآآه.. أمي! إنها أفعى عملاقة!»
انتفض عاصم واثقاً في مكانه، وتحركت جوارحه بشجاعة صنديدة لا تليق أبداً بطفل في التاسعة من عمره. تقدم بخطوات ثابتة نحو أفعى "كوبرى" مرعبة وخرافية الحجم، انبعثت من شقوق الكهف ووقفت تشهر أنيابها في وجه إسراء ووالدتها التي شلّ الرعب حركتها وألجم لسانها.
صاحت إسراء ببكاء مرير: «أين أنت يا أبي؟ أرجوك أسرع لتنقذنا!»
وفي تلك اللحظة الحرجة، تمترس عاصم بجسده النحيل فاصلاً بين الأفعى والعائلة، مواجهاً الوحش وجهاً لوجه، ورغم التردد والتوتر الذي تملك ملامحه، إلا أن عزم البقاء كان أقوى. اقتربت الكوبرى منه وهي تطلق فحيحاً مرعباً وتخرج لسانها المشقوق باتجاهه، فاستجمع عاصم كل ذرة شجاعة في روحه، ومد الرمح نحوها.
فجأة، أضاء الرمح إضاءة طفيفة كأنه يوجه رسالة تحذير صارمة للوحش، مما جعل الأفعى تتردد للحظات وتتراجع خطوة. لكن غريزة القتل دفعتها للهجوم مجدداً، ولما انقضت لتلدغه بصورة مميتة، أغمض عاصم عينيه بقوة ورفع الرمح بوجهها وصاح بكل ما أوتي من قوة: «ابتعدي عناااااا!»
ومع تلك الصيحة، انفجرت طاقة الرمح العنيفة، وانطلق من نصله شعاع أحمر قاني كأنه كتلة من الجحيم المتفجر، ليصطدم مباشرة برأس الأفعى. إثر الارتطام، حدث انفجار مهول تزلزلت له جدران الكهف وبدأت صخوره تتشقق نتيجة الموجات الارتدادية العنيفة.
كان عصف الانفجار مدمراً لدرجة أنه كاد يطيح بعاصم وسمية وإسراء ويسحقهم، ولكن في تلك الأجزاء من الثانية، انطلقت من القلادة المعلقة في عنق عاصم كرة هائلة وشفافة، غلفتهم جميعاً كدرع حصين. ضربت موجات الانفجار جدار القبة الشفافة كالصواعق المتتالية وانتشرت شرارتها في أرجاء الكهف، بينما ظل الثلاثة في مأمن تام داخل الدائرة.
مرت دقائق معدودة حتى انقشع الضوء، لينظروا بذهول وصدمة لا توصف إلى جثة الأفعى العملاقة وهي تتلوى في نزعها الأخير على الأرض.. بلا رأس!
صدح صوت الصغيرة إسراء بانباهار شديد وهي تقفز قائلة: «واااااو! أخي الذئب، أنت قوي جداً! عندما أكبر سأصبح مقاتلة مثلك تماماً!»
زجرتها أمها على الفور بملامح ممزوجة بالصدمة: «إسراء! اصمتي، ما هذا الكلام؟!»
ثم التفتت سمية بنظراتها نحو عاصم، وغرقت في بحر من الأفكار والهواجس وهي تحدث نفسها: "هذه القوة المرعبة.. لقد كان أبي يمتلك نفس هذه القوة عندما..."
لكن حبل أفكارها انقطع فجأة مع وصول زاهر، الذي اقتحم الكهف يركض بأنفاس متلاحقة، وجسده يتصبب عرقاً، ويمسك بيده أرنباً برياً كبيراً. نظر إليهم بهلع وقال: «ماذا حدث هنا؟! لقد سمعت دوي انفجار عنيف رجّ أركان المكان وأنا عند أطراف الغابة، فأتيت راكضاً بأقصى سرعتي.. طمئنوني!»
أسرار القلائد وطيف الأم الحقيقية
اندفع الفارس زاهر إلى داخل الكهف وهو يركض بأنفاس متلاحقة، وجسده يتصبب عرقاً تحت وطأة الهلع، بينما يقبض بيده على أرنب بري كبير كان قد اصطاده للتو. التفت نحو عائلته وصاح بذعر: «ماذا حدث هنا؟! لقد سمعت دوي انفجار عنيف رجّ أركان المكان وأنا عند أطراف الغابة، فأتيت راكضاً بأقصى سرعتي.. طمئنوني!»
لم يجبه أحد؛ إذ خيم على الجميع صمتٌ مطبق من هول الصدمة التي شلت ألسنتهم. وفي تلك الأثناء، وقعت عينا زاهر على جثة الأفعى العملاقة الراقدة على الأرض وهي تنزف بلا رأس، فالتفت فوراً نحو الفتى وصاح بقوة: «يا ذئب.. ماذا حدث هنا؟!»
أجاب عاصم بتلعثم وتوتر، محاولاً استجماع شتات نفسه: «حقا.. لا أعرف ماذا حدث، ولكن عندما هاجمتنا الأفعى، أغمضت عيني بقوة ورفعت الرمح باتجاهها.. وعندما فتحتهما مجدداً، وجدتها على هذه الحال».
هنا، تقدمت الزوجة سمية وقطعت جدار الصمت، لتسرد على مسامع زاهر كل ما حدث بالتفصيل الدقيق؛ من لمعان الرمح إلى انطلاق الشعاع المدمر وظهور الكرة الشفافة. وحينها، بادرت الصغيرة إسراء بقفزة مبهجة قائلة بعفوية: «أليس أخي "الذئب" رائعاً يا أبي؟ إنه قوي جداً وسأصبح مثله تماماً عندما أكبر!»
ارتسمت ابتسامة دافئة على محيا الفارس، وربت على رأس ابنته بحنان قائلاً: «حسناً يا ابنتي، ستصبحين أقوى امرأة في العالم، اتفقنا؟»
قفزت إسراء من شدة الفرح وهتفت بنبرة طفولية: «ياااااه.. أنا أحبك كثيراً يا أبي!»
في تلك اللحظات الدافئة، كان عاصم يرمق الصغيرة بنظرات مليئة بالحنان واللطف، نظراتٌ صادقة لا تخطئها عين، وقد التقط زاهر تلك الإيماءة بعينيه الخبيرتين وراقبها بصمت.
لكن خلف ذلك الهدوء، كان عاصم غارقاً في بحر من الأفكار والهواجس بعد سماعه لشهادة سمية عن الدرع الذي حماهم، وأخذ يحدث نفسه بحيرة: "لقد قالت لي أمي إن القلادة لن تتفعل إلا في سن السادسة عشرة.. فلماذا تفعلت الآن وحمتنا؟ هل أخطأت أمي في قولها أم أن هناك أمراً آخر؟"
ولم يكن عاصم وحده من تلتهمه الحيرة؛ بل كان زاهر بدوره يسترجع الأحداث ويقول في عقله بوجل: "كيف خرجت من الكهف وتركتهم وحدهم وأنا أعلم يقيناً مدى خطورة المكان؟ عندما خطوت إلى الخارج، شعرت وكأنني أُساق بلا إرادة، والقلادة التي بحوزتي أصبحت باردة كالثلج! هل هناك سحر أسود يحيط بهذه القلادة؟ يجب أن أكتشف حقيقة كل شيء، وإلا فلن نعيش طويلاً هنا".
انقطع حبل أفكار الفارس على صوت ابنته إسراء وهي تشد ثوبه وتقول: «هيا يا أبي، أنا جائعة جداً».
تذكر زاهر الأرنب الذي في يده وهبّ واقفاً بحماس: «نعم.. الآن سأقوم بشواء الأرنب لنأكله جميعاً، إنه كبير بما يكفي ليسد جوعنا».
أشعل زاهر النار وجهز الصيد، وما إن اكتمل الشواء وانتشرت رائحة اللحم المطهو، حتى قطع قطعة كبيرة وناولها لعاصم. أخذها الفتى على عجل، ثم توغل بهدوء نحو عتمة الجزء الداخلي من الكهف، ليتناول طعامه وحيداً دون أن يرى أحد ملامح وجهه خلف اللثام.
لاحظت إسراء ذلك فقالت بتعجب: «لماذا لا يريدنا أخي "الذئب" أن نرى وجهه يا أبي؟ هل هو بشع؟»
رد عليها زاهر مسرعاً ليدرأ النميمة: «لا يا ابنتي، إياكِ وأن تقولي هذا الكلام مجدداً.. إنه فقط ينفذ وعداً قطعه لأمه الراحلة».
عندما انتهوا من تناول الطعام وعاد عاصم لينضم إليهم، التفت زاهر نحو العائلة وقال بحسم: «حسناً الآن.. ناموا جميعاً لترتاحوا وتستجمعوا قواكم، وأنا سأتولى حراستكم خارج فوهة الكهف».
استسلم الجميع للنوم، وفي غمرة استغراقهم، بدأت تظهر على محيا عاصم علامات اضطراب واضحة، تشي بأنه يعيش لحظات حزن عاصفة في منامه.
داخل الحلم، كان عاصم يمشى وحيداً في مكان مظلم، مهجور، يلفه برد قارس وزمهرير شديد. كان يشعر بحزن خانق يعتصر صدره دون أن يدري سبباً لكل هذا الأسى. وفجأة، لمح في أقصى ذلك العمار المهجور طيف امرأة جالسة على حجر صخري، والماء يتدفق من حولها بغزارة. رفعت المرأة رأسها ومدت ذراعيها نحوه تدعوه لاحتضانها، فركض عاصم باتجاهها بأقصى سرعته وهو يصيح بلهفة: «أمي! هل أنتِ أمي الحقيقية؟!»
قالت له بنبرة حانية: «نعم يا بني، أنا هي أمك».
نظر إليها عاصم بذهول وتخبط، وسألها مستغرباً: «ولكن.. لماذا عندما رأيتكِ في منزل زاهر (الفصل الثاني) كان وجهك يشبه تماماً وجه أمي التي ربتني في القرية؟ والآن.. لماذا تبدين شبيهة جداً بأم إسراء (سمية)؟! لماذا يتغير وجهكِ؟»
أجابته بابتسامة غامضة: «لقد ظهرت لك في المرة الأولى بصورة المرأة التي ربتك لأنك لم تكن تعرف بعد من هي أمك الحقيقية.. أما الآن، فأنت تعرفني، ولم يعد ذلك مهماً.. كل ما يهمني الآن هو أن تكبر؛ لنجمتع سوياً من جديد».
هتف عاصم بذهول وعدم استيعاب: «نجتمع؟! كيف نجتمع وأنا معكِ الآن؟ فلماذا تقولين هذا؟»
ردت عليه بنبرة حاسمة: «ستعرف الإجابة عندما تكبر وتتفعل طاقة القلادة بالكامل».
وفي تلك اللحظة، تواردت إلى ذهن عاصم الأحداث المرعبة التي عاشها في الكهف والدرع الذي أنقذهم، فهتف بحماس: «أمي! أخبريني.. لماذا تفعلت القلادة وحمتنا اليوم، بينما قلتِ لي سابقاً إنها لن تعمل حتى أبلغ سن السادسة عشرة؟»
رمقته بنظرة وداع دافئة وقالت: «إنها لم تتفعل بعد يا بني.. كل ما في الأمر أنها تدخلت لتحميك في لحظة الخطر الأكبر المحقق فقط، ولا شيء غير ذلك.. وداعاً يا حبيبي».
تذكر عاصم كلمتها عن اجتماعهم المستقبلي، فصرخ متمسكاً بطيفها المتلاشي: «توقفي يا أمي! أرجوكِ أخبريني.. هل أنتِ ما زلتِ على قيد الحياة وسنلتقي حقاً عندما أكبر؟!»
تردد صدى صوتها وهي تبتعد خلف الضباب: «يا بني.. لا يمكنني إخبارك بشيء الآن، لقد قلت لك إنك ستعرف كل شيء بنفسك.. وداعاً».
ومع تلك الكلمة الأخيرة، انتفض عاصم مستيقظاً من نومه، وهو يلهث بتسارع، وعرقه يبلل جسده النحيل بشدة تحت عتمة الكهف الساكن.
«شُقوق في جِدار الأسرار»
كان الكهف غارقاً في ظلام دامس، حين انتفض عاصم مستيقظاً وهو يتصبب عرقاً غزيرًا. التفت حوله بوجل، فوجد أن الجميع يغطون في نوم عميق، وأنه الوحيد المستيقظ وسط هذه العتمة الموحشة. استعاذ بالله من الشيطان الرجيم وهو يستحضر كلمات والدته في الحلم؛ وحينها انشرح صدره الصغير وتبدد خوفه، فربما تكون والدته الحقيقية ما تزال على قيد الحياة وبخير. لكنه سرعان ما حسم أمره داخلياً: سيركز الآن على تدريبه أولاً، وبعدها سينطلق للبحث عنها، ولينتقم لأمه الحبيبة التي ربته في قريته الراحلة.
حاول عاصم العودة إلى مضجعه، لكن النوم جافاه تماماً وعجزت عيناه عن الانغلاق. نهض ببطء، وأمسك برمحه، وتحرك بخطوات وئيدة متجهاً نحو مخرج الكهف ليمكث مع زاهر. وفي طريقه وسط العتمة، صادف سمية وهي نائمة في ركنها. اقترب منها خطوة فخطوة، ودقق النظر في تفاصيل وجهها الساكن، ثم تمتم بصوت خافت يكاد لا يُسمع: «إنها تشبه أمي كثيراً.. لماذا كل هذا الشبه؟ وكأنها هي..»
في تلك اللحظة، فتحت سمية عينيها فجأة، لتجد الفتى واقفا فوق رأسها يحدق فيها بعينين شاردتين. قالت له بنبرة تفيض حناناً: «ما بك يا بني؟ لِمَ لا تنام؟»
فزع عاصم وتراجع إلى الوراء بسرعة رتبكت معها خطواته وكاد أن ينقلب على ظهره، فقالت بذعر: «ماذا بك يا بني؟ تكلم!»
حاول عاصم استجماع شتات نفسه ورد باضطراب: «لا شيء.. فقط لم يأتني النوم.. ولكن، لم أكن أظن أنكِ تشبهين أمي إلى هذا الحد، وكأنكِ هي تماماً».
هنا، كانت الصدمة العنيفة من نصيب سمية؛ إذ انتفضت واعتدلت في جلستها وهتفت بلهفة شديدة: «ماذا؟! قل لي.. ماذا كان اسم أمك؟ بسرعة أخبرني!»
نظر إليها عاصم بنظرة شاردة وقال: «لا أعلم..»
ولم يكن يكذب أو يراوغ، فهو حقاً لا يعلم اسمها لأن أمه الحقيقية في الحلم لم تخبره به قط.
مدت سمية يدها وربتت على كتفه برفق قائلة لتحتوي موقفه: «لا تقلق يا بني.. اعتبرني أمك منذ الآن، حسناً؟ والآن عد إلى نومك هيا».
تراجع عاصم خطوة وقال بنبرة حملت عزة نفس واضحة: «أنا آسف.. ولكن لن أناديكِ "أمي".. سأناديكِ "خالتي" فقط. أما عن النوم، فلم يأتني بعد، سأخرج قليلاً لأجلس عند زاهر».
اندفع عاصم نحو الخارج مباشرة، تاركاً سمية غارقة في بحر متلاطم من الظنون، وتحدث نفسها بذهول: "خالتي؟! هل يمكن أن يكون هذا الفتى هو ابن أختي المفقود؟ وهل كان الخبر الذي عثر عليه زاهر بأنها ماتت مجرد كذبة؟ يجب أن أكتشف حقيقة هذا الأمر مهما كلفني الثمن!"
عندما خطى عاصم إلى خارج الكهف، وجد زاهر جالساً يشعل بضع حطيبات لتنير عتمة الليل، فاقترب منه وجلس بجانبه دون أن ينطق ببنت شفة.
التفت إليه زاهر وقال مستغرباً: «لماذا لم تنم يا ذئب وخرجت إلى هنا؟»
رد عاصم بهدوء: «لم يأتني النوم، فخرجت لأتحدث معك».
سأله زاهر وهو يزيد الحطب في النار: «وبماذا تريد أن تتحدث؟»
قال عاصم بجدية: «هل تتذكر بالأمس عندما قلت إنك ستعلمني كل ما تعرفه من فنون القتال، والرماية بالسهام، والمبارزة بالسيف؟»
تنهد زاهر ورد بنبرة حذرة: «نعم أتذكر.. ولكن في ظل هذه الأحداث المريبة، كنت أفكر ملياً في تلك القوة المرعبة التي انطلقت منك وكيف بدأ الكهف ينهار بسببها. أريد أن أضع خطة لتدريبك بحيث تستوعب هذه الطاقة وتتحكم بها، حتى لا تؤذي من حولك إذا استخدمتها بهمجية».
رد عاصم بثقة: «لا تخف.. لن تتفعل قوة القلادة بكامل طاقتها حتى أصبح في سن السادسة عشرة».
توقف زاهر عن الحركة، ولمعت عيناه بدهاء عسكري عتيق، ثم قال ببطء: «توقف.. كيف عرفت أن القوة لن تتفعل حتى تصل لسن السادسة عشرة بالذات؟»
توتر عاصم فوراً، وبدأت حبات العرق تظهر على جبينه وهو يجيب بتردد: «لقد.. لقد حلمت بأمي قبل قليل، وهي من أخبرني بذلك».
في تلك اللحظة، أدرك زاهر بيقين أن عاصم يخبئ سراً كبيراً يبدو في غاية الخطورة، وفهم أن المفتاح لفتح هذا السر هو جعل الفتى يثق به أولاً دون ضغط. فقال له مهدئاً: «حسناً.. بخصوص تدريبك، سنبدأ في الصباح الباكر بعد أن آخذ قيلولة قصيرة. سيكون تركيزنا الأول على تدريبك الجسدي، لأنك بهذا الجسد النحيل والضعيف لن تستطيع فعل شيء أبداً. والآن.. أدخل وأكمل نومك، فالصباح سيكون يوماً شاقاً جداً عليك». ثم حدق في عينيه وأردف بنبرة صارمة: «وضَع كلامي هذا حلقة في أذنك.. لن أرحمك ولن أتأرجح أو أتساهل معك أبداً، حتى لو كنت طفلاً!»
نهض عاصم دون كلام وعاد إلى داخل الكهف، وهذه المرة، استسلم لجسده المنهك ونام بسرعة شديدة.
مر الوقت سريعاً وتعاقبت الساعات حتى اقترب منتصف النهار. استيقظ عاصم وسمية وإسراء معاً، وعندما خرجوا إلى فم الكهف، وجدوا زاهر متكئاً بجانب الصخور وقد غلبه النعاس. وما إن همّوا بإيقاظه، حتى انتفض زاهر بسرعة خاطفة، واستل سيفه من غمده ومده في الهواء باتجاههم بحركة دفاعية مرعبة.
وعندما استوعب هوية الواقفين أمامه، تنهد وأعاد السيف إلى غمده وقال بأسف: «أنا آسف.. لقد غفيت دون أن أشعر من شدة التعب. والآن، انتظروني هنا ولا تخرجوا أبداً؛ لقد صادفت شجرة توت بري مليئة بالثمار قريبة جداً من هذا المكان، لن أغيب سوى لثلاث دقائق وأعود، لا تخافوا».
أنهى كلامه وركض مسرعاً متوغلاً بين الأشجار. في هذه الأثناء، كانت سمية تقف في الخلف وتنظر إلى عاصم الصامت بنظرات عميقة دون أن يلاحظها. كانت ملامحها تشي بأنها قطعت الشك باليقين في قلبها بأنه ابن أختها الراحلة، ورغم أنها لا تملك دليلاً قاطعاً بنسبة مئة بالمئة، إلا أنها أقسمت في خوالج نفسها يميناً مغلظاً بأن تعامله وترعاه مثل صغيرتها إسراء تماماً.
قاطع شرود الجميع عودة زاهر السريعة وهو يحمل بين يديه كمية وفيرة من حبات التوت البري الطازجة. وكعادته التي تنم عن اهتمام خاص، كان أول شيء فعله هو أنه قطع قسماً من التوت وناوله لعاصم. أخذ الفتى نصيبه وتوغل صامتاً إلى أعمق نقطة مظلمة في الكهف ليأكل وحيداً كالعادة دون أن يلمح أحد ملامحه خلف اللثام.
هنا، نهضت الصغيرة إسراء بخفة وحذر شديدين، وأرادت أن تتبعه خلسة لتستكشف سره. انتبه زاهر لحركتها والتفت إليها قائلاً بصوت منخفض: «إسراء.. إلى أين؟ تعالي وأكملي طعامكِ أولاً».
التفتت وقالت بابتسامه طفولية: «سأعود حالاً يا أبي، لا تقلق».
تتبعت إسراء خطوات عاصم بهدوء تام، تسير وراءه كظله دون أن يشعر بوجودها بفعل انشغاله بالطعام. توغلت خلفه حتى وصلت إلى الزاوية المظلمة.. وهنا، جمدت الدماء في عروق الصغيرة، واتسعت عيناها بذهول مطلق تحت تأثير الصدمة المرعبة، عندما رأت عاصم وهو يأكل التوت البري...!
عهد الجحيم وأجنحة الطيف
تراجعت الصغيرة إسراء بخطوات مرتعشة، وقد جمدت الدماء في عروقها واتسعت عيناها بذهول مطلق تحت تأثير صدمة مرعبة لم تكن في الحسبان. في زاوية الكهف المعتمة، رأت وبوضوح شديد هيئة طائر مهيب، صقر ضخم لا عهد لها بمثله، واقفا بثبات على كتف عاصم، باسطاً جناحيه الكبيرين ليحجب بهما وجه الفتى تماماً وهو يأكل ثمار التوت. والغريب في الأمر، أن عاصم نفسه كان يتناول طعامه بهدوء، لا يرى ذلك الطائر الطيفي ولا يشعر بوجوده الجاثم على كتفه!
اندفعت الطفلة راكضة نحو فم الكهف بأقصى سرعتها، والذعر يسبق خطواتها. وعندما وصلت إلى والدها، كانت تلتقط أنفاسها المتلاحقة بصعوبة وهتفت بذعر: «أبي! هناك طائر.. طائر يشبه الصقر يقف على كتف "الذئب" ويغطي وجهه بجناحيه!»
اتسعت عينا الفارس زاهر ونهض مستنكراً: «ماذا تقولين؟! صقر على كتف الذئب؟! هل رأيتِ هذا حقاً أم يتراءى لكِ؟»
ردت بنبرة حازمة والدموع تترقرق في عينيها: «نعم يا أبي، أحلف لك أنني رأيته بعيني هاتين!»
صمت زاهر لوهلة، ثم عقد حاجبيه وتذكر واجب الحرمة، فقال بنبرة عاتبة: «ولكن.. ما الذي جعلكِ تتلصصين على الذئب وتتجسسين عليه من الأساس؟»
طأطأت إسراء رأسها بخجل وقالت: «لقد أردت فقط أن أرى وجهه المخفي.. ولكنني رأيت ذلك الطائر المرعب بدلاً من وجهه».
تنهد زاهر وقال بصرامة: «لقد حذرتكِ سابقاً، الفتى قطع وعداً لأمه الراحلة بألا يرى أحد وجهه حتى ينجز انتقامه».
أجابت بنبرة منكسرة: «حسناً يا أبي.. لن أكررها مرة أخرى أبداً».
جلس زاهر مجدداً والشكوك تعصف برأسه وتكاد تذهب بعقله، وأخذ يحدث نفسه بقلق: "ما هذا الغموض الكثيف والأسرار المرعبة التي تلف هذا الطفل؟ هل هو حارس روحي؟ أم يا ترى كانت إسراء تتوهم تحت أضواء الظلال المرتعشة؟"
قطع حبل شروده وهواجسه صوت عاصم الواثق وهو يخرج من عمق الكهف قائلاً: «أنا جاهز الآن لبدء التدريب».
التفت إليه زاهر، ونفض عنه غبار الشك، ثم قال بحسم: «حسناً هيا بنا.. دعنا نبدأ».
خرجا معاً إلى الساحة الترابية الفسيحة الممتدة أمام الكهف، والتي تقارب مساحتها ثلثي مساحة ملعب كرة قدم. التفت زاهر نحو الفتى وأشار بيده إلى الميدان قائلاً: «أولاً.. ستركض حول هذه الساحة مئتي دورة كاملة، ولا أريدك أن تتوقف لثانية واحدة».
نظر إليه عاصم بطرف عينه وقال مستخفاً: «هل هذا هو التدريب الشاق والإنذار الصارم الذي توعدتني به ليلة أمس؟»
ابتسم زاهر ابتسامة داهية وقال بنبرة جافة: «نعم، هذا هو التدريب.. ولكن، ستحمل معك هذه الصخرة فوق كتفيك طوال الركض! ابدأ حالاً ولا تجادلني».
كانت الصخرة تزن حوالي ثلاثة كيلوغرامات، ورغم أن الوزن قد يبدو يسيراً، إلا أنه كان ضخماً وثقيلاً على جسد طفل نحيل في مثل عمره.
لم ينطق عاصم بحرف اعتراض؛ انحنى ورفع الصخرة بكلتا يديه، ووضعها فوق كتفيه الصغيرتين، وبدأ يركض بصعوبة بالغة. ومع كل خطوة، كان الوقت يمر بطيئاً وثقيلاً كالجبال، والشمس قد كبدت السماء واشتدت حرارتها في منتصف النهار.
ركض عاصم عشر دورات فقط، ومع نهاية الدورة العاشرة، خارت قواه تماماً وسقط على الأرض الترابية يلهث بعنف، وقد بلل العرق جسده ووشاحه.
اقترب زاهر منه بخطوات عسكرية صارمة، ووقف فوق رأسه قائلاً ببرود: «انهض.. وابدأ من جديد!»
نظر إليه عاصم بذهول تام وهتف وهو يلتقط أنفاسه: «ماذا؟! أبدأ من جديد؟! لقد قطعت عشر دورات كاملة بالفعل!»
رد زاهر بملامح جامدة: «عشر دورات؟ لم أرك وأنت تقطعها.. أريدك أن تبدأ العد من الصفر والآن!»
قال عاصم بإنهاك: «ولكني لا أستطيع.. بالكاد أكملت تلك العشر!»
هنا، انفجر زاهر بصراخ هادر وشديد، رج أرجاء الساحة وأرعب عاصم في أعماقه، حيث صاح زاهر بقسوة: «إذن انهض واغرب عن وجهي واخرج من هنا! أنا لا أحتاج إلى طفل عاجز لا يستطيع تحمل التدريب من أجل الانتقام لأمه! لا أريد انتقاماً باهتاً لشخص يترك منظر عائلته المضرجة بالدماء ويسستسلم عند أول عقبة!»
نزلت كلمات زاهر كالسياط الملتهبة على روح عاصم. اشتد عزمه فجأة، وتفجر إصراره برغم الألم النفسي والجسدي العنيف الذي تسببت فيه تلك الكلمات القاسية. نهض الفتى من الأرض كالمبعوث من الموت، وأحكم قبضته على الصخرة وبدأ يركض من جديد، لكن هذه المرة بعزيمة فولاذية، عازماً على إكمال المئتي دورة كاملة؛ من أجل والدته، ومن أجل أخته الراحلة، ومن أجل كل من أحبهم وسقطوا ضحايا.
في تلك الأثناء، كان زاهر يراقب ركض الفتى، وشعر بألم خفي في قلبه لإجباره على القسوة عليه، وقال في خوالج نفسه باعتذار صامت: "أنا آسف يا ذئب.. ولكن هذه هي الطريقة الوحيدة لأصنع منك محارباً ومقاتلاً فذاً لا يهاب شيئاً في هذا الوجود.. فهذا العالم لا يرحم الضعفاء".
مضى اليوم بأكمله، وغابت الشمس وتسلل الظلام، وما زال عاصم يركض ويعد خطواته بصوت متهدج يملأه الإعياء: «مئة.. وثمانية.. وتسعون.. بقي القليل.. سأتحمل هذا من أجلكِ يا أمي...»
ومع ذكره لاسم أمه، انطلقت في جسده دفقة طاقة مفاجئة، فركض بسرعة أكبر وكأن التعب قد تلاشى من عروقه سحراً. وأخيراً.. أكمل الدورة المئتين بنجاح، فرمى الحجرة الثقيلة من فوق كتفه، وسار بخطى متعثرة متهالكة حتى دخل الكهف حيث يجلس زاهر وسمية وابنتهما.
قال لهم عاصم بنبرة متقطعة ونفس أخير: «لقد.. أكملت الدورات.. بالكامل».
وما إن أنهى كلمته حتى تهاوى جسده وسقط أرضاً مغشياً عليه مباشرة.
انتفض زاهر من مكانه بهلع، وحمله من الأرض بخفة، ثم أسجعه برفق ولين فوق كومة من القش الدافئ في زاوية الكهف. لاحظ زاهر أن عقدة اللثام الأبيض قد ارتخت وكانت على وشك الانفتاح وكشف وجهه، فمد يده بحرص وأحكم ربط اللثام بنفسه دون أن يتلصص على ملامحه، ثم وقف عند مدخل الكهف ليحرسهم.
نظرت إليه سمية بعينين باكيتين وقالت بمعاتبة: «زاهر.. أرجوك، لا تقسُ عليه إلى هذا الحد.. إنه ما زال طفلاً صغيراً ولا يتحمل كل هذا العذاب».
رد عليها زاهر وهو ينظر إلى الأفق المظلم: «أعرف ذلك يقيناً يا سمية.. ولكنها الطريقة الوحيدة لأجعله الأقوى.. إن هذا العالم الذي نحن فيه لا يرحم أحداً أبداً».
قطع حديثهما صوت أنين خافت ومتقطع قادم من زاوية القش.. كان عاصم يتقلب في غيبوبته ويهذي بصوت طفولي حزين: «أمي..... أمي.....»
«السَّهمُ الوَحِيدُ ومَتَاهَةُ الظِّلَال»
تنفس الصباح الباكر ونشر خيوطه الأولى فوق الغابة السوداء، بينما كان عاصم يئن فوق فراش القش بخفوت. في الخارج، كان الفارس زاهر ينتظر بثبات، ممسكاً بسيفه وبجواره فأس حادة لقطع الحطب. استيقظ عاصم وهو يشعر بآلام مبرحة تنهش كل أنش في جسده الصغير بفعل جحيم الأمس، لكن عقيدته وفكرة الانتقام لم تتركا مكاناً للتكاسل أو الرغبة في النوم؛ نهض بعزيمة فولاذية، وخرج بخطى ثابتة نحو زاهر وقال بصوت يملأه التحدي والوثوق: «أنا جاهز لتدريب اليوم».
التفت إليه زاهر بملامح جامدة، ودون مقدمات، رمى الفأس الثقيلة باتجاهه مباشرة وصاح: «اقطع لي عشر شجرات الآن.. ودون توقف!»
قبض عاصم على مقبض الفأس دون أن ينطق بكلمة اعتراض واحدة، وباشر فوراً بهز الجذوع الكبيرة وضربها بقوة. وكلما تمكن منه الإنهاك وكادت ذراعاه أن تخذلاه، استدعى في عقله طيف أمه الراحلة ومشهد قريته المضرجة بالدماء، فتدب في عروقه طاقة متفجرة تزيده قوة. واصل العمل على هذا المنوال الشاق حتى أطاح بعشر شجرات ضخمة. التفت نحو زاهر وقال بنفَس لاهث: «لقد انتهيت».
رد زاهر ببرود: «والآن.. حوّلها إلى قطع صغيرة!»
لم يتردد عاصم؛ عاد إلى الحطب وبدأ يقطعه قطعة قطعة دون أدنى تذمر، واستمر في الصراع مع الخشب والحديد حتى أتم المهمة بالكامل مع حلول منتصف النهار والشمس تكوي الرؤوس. تقدم نحو زاهر وهو يترنح من فرط الإعياء وقال: «لقد انتهيت».
نظر إليه زاهر بنظرة رأت حجم التعب في جسده، فقال: «خذ قسطاً من الراحة الآن».
بعد مرور حوالي ساعة ونصف، وقف زاهر فوق رأسه مجدداً وقال بصوت قاطع: «انهض.. وتسلق هذه الشجرة، واجلب لي السهم المغروز في أعلاها».
رفع عاصم عينيه ليرى شجرة شاهقة الارتفاع، كانت ملساء تماماً بلا فروع دنيا أو حواف باردة يمكن التمسك بها. ورغم استحالة المهمة لبشر عادٍ، لم يحتج عاصم ولم يرفض؛ بل اندفع بكل ما أوتي من جهد يحاول الالتصاق بالجذع والتسلق. سقط في المرة الأولى، وخدش جلده في المرة الثانية، وانزلق في الثالثة، لكنه واصل المحاولة بشراسة مستميتاً حتى نجح في نهاية المطاف والتقط السهم من القمة العالية.
وما إن هبط إلى الأرض، حتى تيقن أن معلمه لن يمهله ثانية واحدة للراحة؛ إذ ناوله زاهر قوساً خشبياً عتيقاً ووضع السهم الوحيد في يده وقال بصوت صارم: «بهذا السهم الوحيد، يجب أن تأتي لي اليوم بطائر! سأعلمك طريقة الرماية مرة واحدة فقط، وبعدها ستبحث بنفسك وتأتيني بالصيد.. أو لا تعد إليّ بدونه!»
شرح له زاهر قواعد التصويب بسرعة، وكيف يركز نظره ليصيب الهدف بدقة متناهية، ثم أردف محذراً: «الآن اذهب.. وتذكر، لا عودة دون الطير».
انطلق عاصم وحيداً في دياجير الغابة المخيفة، يتخبط بين الأدغال، ويبحث هنا وهناك عن أي طائر يحلق في الأفق ليكون صيده الثمين.
وفي تلك الأثناء، كان زاهر يقف مكانه ينظر إلى الأثر الذي تركه الفتى ويحدث نفسه بأسى مكتوم: "أعلم أنني أجعلك تغامر في هذه الغابة المرعبة وحيداً يا بني.. ولكن لتصبح قوياً، يجب أن تواجه مخاوفك بمفردك، وتعيش التدريبات وتطبقها بنفسك؛ هكذا فقط ستكون الأقوى في هذا العالم.. فاعذر قسوتي عليك".
نعود لعاصم، الذي كان يذرع الغابة جيئة وذهاباً دون جدوى؛ فالغابة السوداء كانت خالية تماماً من الطيور، وأوشك الليل البري أن يسدل ستاره المظلم وهو ما زال يبحث بلا فائدة. وفجأة.. اخترق سكون الموت صوت طائر عجيب، صوت لم يسمع له مثيلاً في حياته قط؛ كان غاية في العذوبة والجمال، يبعث في الجسد ارتخاءً غريباً ويجبر الروح على الاستماع إليه بكل جوارحها.
انساق عاصم وراء النغمات الساحرة، وتقدم بحذر ممسكاً بقوسه وسهمه الوحيد. وعندما وصل إلى مصدر الصوت تماماً، التفت حوله بذهول؛ لم يكن هناك أي أثر لطائر برغم أن الصوت ينبعث بقوة من هذا المربع بالذات! وبينما هو غارق في حيرته، جذبت عينه حركة سريعة ومفاجئة بجانب جذع الشجرة التي يصدر منها الصوت.
دقق النظر، فوجد أرنباً برياً كبيراً يحفر الأرض بنشاط بجانب الجذع.
اشتعلت الفرحة في قلب عاصم، واستحضر في جزء من الثانية كل القواعد والتعليمات التي لقنه إياها زاهر. ركّب السهم الوحيد في مجراه، وشد وتر القوس بكل ما يملك من عزم وإصرار، وتركزت عيناه على طريدته، وظهرت فيهما لمعة غريبة متوهجة تفيض بالتركيز الخارق. تمتم بخفوت: «بِسْمِ اللَّه».. وأطلق الوتر!
شق السهم عباب الهواء بقوة مدوية، محدثاً صفيراً حاداً، لينغرز بدقة متناهية وخارقة للعادة في رأس الأرنب مباشرة، ليسقط الصيد قتيلاً في توه.
قفز عاصم من شدة الفرح والبهجة وصاح: «بالرغم من أنني لم أصطد طيراً، فقد نلت أرنباً! أنا متأكد أن معلمي سيقبله بدلاً من الطير، فلا وجود للطيور في هذه الغابة أبداً!»
ركض الفتى مسرعاً، ورفع الأرنب من الأرض بزهو قائلاً: «والآن، لنعد إلى معلمي ونبشره بهذا الإنجاز.. هيا بنا!»
ولكن.. ما إن التفت عاصم ليعود من حيث أتى، حتى نزلت عليه الصدمة كالصاعقة المرعبة وجمدت أطرافه؛ التفت يميناً ويساراً فتشابهت الجذوع والظلال. كيف سيعود الآن؟! إنه لا يعلم من أي إتجاه أتى، فقد تخبط طوال النهار ولم يسلك طريقاً واحداً مستقيماً!
الآن.. أصبح "الذئب" ضائعاً، منفرداً، يلفه ظلام الغابة السوداء الحالك بلا دليل ولا أنيس.. فماذا سيفعل في هذه الليلة المرعبة؟!