تحميل رواية «وريث العنقاء: رمح الثأر» PDF
بقلم عاصم حسن زاهر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حيثُ يمتزجُ نصلُ الدمِ بهمسِ الأساطير.. وحيثُ يُكتبُ القدرُ بمدادِ المسندِ العتيق.في بقعةٍ من الأرضِ لا تعترفُ بالرحمة، وحيثُ لا ينجو إلا من طوعَ الحديدَ لإرادته، ينهضُ "عاصم" -الفتى الذي نبتَ من رحمِ المجزرة- ليعيدَ إحياءَ إرثٍ ظنّ العالمُ أنه فنيَ للأبد. ليس مجرد طفلٍ هارب، بل هو حاملُ القلادةِ التي تُحاكي الجان، ووريثُ الرمحِ الذي نُقشت عليه أسرارُ الممالكِ المنسية.هل هي صدفةٌ أن يختارَ الموتُ أن يتركَه حياً؟ أم أن النارَ التي تُحرقُ الشعابية هي ذاتُها التي ستصهرُ روحَ "وريث العنقاء" ليصبحَ...
«طَيْفُ العَجُوزِ وعِقَابُ الفَجْر»
كان الليل البري قد بسط نفوذه الحالك على أرجاء الغابة السوداء، واشتدت البرودة لتقرص العظام، بينما كان عاصم يتخبط بين الأدغال الموحشة يمنة ويسرة، يسير في دروب عشوائية دون أن يملك أدنى فكرة عن الاتجاه الذي يسلكه.
وفي تلك الأثناء، أمام باب الكهف، كان القلق الشديد ينهش قلب سمية ويسلبها طمأنينتها. التفتت نحو زوجها وقالت بنبرة حزينة ومستعطفة: «زاهر.. أرجوك، اخرج وابحث عنه! لقد حل الظلام الدامس والفتى لم يعد بعد.. إنه ما زال طفلاً صغيراً، وأجزم أنه الآن يرتعد خوفاً بمفرده في هذه العتمة».
رد عليها زاهر بملامح هادئة مستنداً إلى سيفه: «لا تقلقي يا سمية، سيعود بالتأكيد. القلاد والرمح العجيبين ما زالا معه، وأنتِ شهدتِ بنفسكِ بالأمس ما يمكن لتلك القوة أن تفعله.. لا داعي للخوف، إنه قادم بلا شك».
نعود إلى عاصم، الذي شق طريقه وسط الظلال مستجمعاً كل ما بقي له من عزم. سار لمسافة ليست بالقليلة، وفجأة.. انشق الظلام واعترض طريقه رجل عجوز بهي الطلعة، وقور الملامح، يتدثر بوشاح يوحي بالهيبة وكأنه انبعث من العدم!
تقهقر عاصم إلى الوراء من شدة المفاجأة، واختل توازنه وكاد أن ينقلب على الأرض، لولا أن العجوز سارع بخفة غير متوقعة ومد يده العطوفة ليأخذ بيده ويساعده على الوقوف بثبات.
نظر عاصم إلى الرجل الصامت، وهمّ أن يتحدث قائلاً: «يا جدي.. هل يمكنك أن تدلني على...»
ولكنه قطع كلامه فجأة، واستيقظ حذره الفطري وتحدث في نفسه صائحاً: "تباً! لا يمكنني أن أدلي بمكان الكهف السري لرجل عجوز التقيته للتو في هذه الغابة الملعونة!"
قاطع حيرته صوت العجوز الهادئ وهو يقول: «عاصم.. أنا أعرف طريق الكهف جيداً، هل تريد العودة إليه؟»
اتسعت عينا عاصم بصدمة وذهول عارم، وتراجع خطوة وهو يشد قبضته على رمحه وقوسه وقال باضطراب: «من أنت؟! وكيف تعرف اسمي؟! »
ابتسم العجوز بوقار وقال: «لقد أخبرتك.. أنا أعرف كل شيء، وأعرف من تكون أنت، ومن هي عائلتك الحقيقية، وأعلم كل تفصيلة تخصك».
رد الفتى بذهول مستنكر: «كيف تعرف كل شيء عني وأنا لم أرك في حياتي كلها، ولا أعلم من أنت؟!»
دنى العجوز منه خطوة وأردف بصوت عميق: «قلت لك إنني أعلم كل شيء.. حتى سر هذه القلادة المعلقة في عنقك، والرمح المستقر على كتفك».
هنا، انفجر عاصم بوابل من الأسئلة المتلاحقة التي كتمها في صدره طويلاً، وصاح بلهفة: «إذن أخبرني! أين أمي؟ وماذا حدث معها؟ وما هو السر الحقيقي وراء هذه القلادة والرمح؟ أخبرني بكل شيء أرجوك!»
نظر إليه العجوز بنظرة غامضة مليئة بالأسى وقال: «لن أستطيع إخبارك بشيء الآن.. ولكن، عندما تكبر وتشتد سواعدك، ستعرف كل شيء بنفسك».
انفجر عاصم مجدداً بقلب مستشيط وغاضب، وصاح بصراخ مكتوم: «لماذا؟! لماذا أنت وأمي في الحلم تقولون نفس الكلمة دائماً؟! لماذا يخفي الجميع عني الحقيقة؟!»
أجابه العجوز بثبات وهدوء: «لأن بعض الأسرار يا بني لا يجب أن تنكشف إلا في وقتها المحدد.. وهذه الأسرار العظيمة لم يحن أوانها بعد».
حاول عاصم كبح غيظه وقال: «إذا كنت لا تريد إخباري بشيء.. فلماذا ظهرت لي إذن؟ قل لي لماذا؟»
قال العجوز: «لقد رأيتك تسير في طريق خاطئ يبتعد عن الكهف مسافات شاسعة، فأردت أن أوصلك إلى مأمنك بنفسي.. ما رأيك؟»
شك عاصم في النوايا وسأله بحذر: «وكيف يمكنني أن أثق بك؟»
اقترب العجوز أكثر، وهمس بصوت منخفض جداً كأنه ينقر على أوتار عقله: «لقد رأيت والدتك في منامك مرتين.. هل هذا صحيح؟»
تسمر عاصم في مكانه، وأصابته الصدمة بالشلل لثوانٍ؛ فكيف لهذا الغريب أن يعلم تفاصيل أحلامه؟! ورغم هول المفاجأة، استجمع شجاعته وقال: «حتى لو كنت تعلم.. فهذا لا يثبت أنك لا تريد أذيتي».
تنهد الرجل الوقور وقال: «حسنًا.. كما تشاء، سأغادر الآن.. ولكن احذر، فهذا الطريق الذي تسلكه بمفردك سيودي بحياتك حتماً».
استدار العجوز وكان على وشك الاختفاء بين الجذوع، فناداه عاصم بتردد وخوف من المجهول: «انتظر!.. حسناً، يمكنك مرافقتي إلى الكهف الآن.. فأنا بالفعل ضائع ولا أدري من أين هو طريق العودة».
التفت العجوز وقال بنبرة قاطعة: «حسناً.. اتبعني بصمت وسأوصلك إلى باب الكهف، ولكن بشرط واحد».
سأله عاصم: «وما هو شرطك؟»
أجابه العجوز وهو يحدق في عينيه: «ألا تخبر أحداً كائناً من كان بأنك وجدت رجلاً عجوزاً في هذه الغابة.. اتفقنا؟»
أومأ الفتى برأسه وقال: «أعدك بذلك، لن أخبر أحداً.. ولكن، هل يمكنك أن تخبرني ولو بشيء بسيط جداً عن هويتي؟»
قال له العجوز بصرامة مبطنة بالدُّعابة: «لقد قلت لك اتبعني بصمت وليس بثرثرة! هيا تحرك قبل أن أغير رأيي وأتركك هنا».
تحرك الاثنان في جوف الغابة، والصمت المطبق يحفهما من كل جانب، وعاصم يسير وراء العجوز الذي كان يشق الأدغال كأنه يعرفها شِبراً شِبراً. واصلا السير حتى وصلا إلى بقعة مألوفة قريبة جداً من فم الكهف.
توقف العجوز وقال بصوت خافت: «أنا إلى هنا ينتهي حدي، لا يمكنني التقدم خطوة أخرى.. سأرجع الآن، وداعاً.. ولا تنسَ وعدك بأن تكتم السر».
وما إن أنهى كلمته، حتى اختفى العجوز في الحال، متلاشياً وسط الظلام بنفس الطريقة السحرية التي ظهر بها، وكأنه لم يكن سوى طيف من خيال عاصم المشتت!
شعر عاصم في تلك اللحظة وكأنه على وشك الجنون؛ ما هذه الأشياء الخارقة للطبيعة التي تتوالى عليه؟ تقدّم نحو الكهف بخطوات متعثرة، وعقله شارد ومشتت تماماً يبحث عن تفسير لما حدث.
وما إن خطت قدماه عتبة الكهف، حتى أيقظه من شروده العميق صوت زاهر الهادر الصارم وهو يقف أمامه بملامح حادة كالسيف قائلًا: «أيها الذئب.. لقد تأخرت كثيراً برحلتك، والآن.. يجب أن تُعاقب بشدة!»
«نُضْجُ الذِّئْبِ وظِلَالُ السِّنِين»
«أيها الذئب.. لقد تأخرت كثيراً برحلتك، والآن.. يجب أن تُعاقب بشدة!»
صدحت كلمات زاهر القاطعة كالصاعقة في مسامع عاصم، فنزلت عليه مباغتة لدرجة أن الأرنب البري سقط من يده الضعيفة ليرتطم بالتراب دون أن يشعر. ورغم هول الموقف والتعب الذي يفتت جسده، لم ينطق الفتى بحرف اعتراض واحد، بل بلع ريقه وقال بثبات: «حسناً.. عاقبني بما تشاء».
نهض زاهر فوراً والتفت قائلاً بصرامة: «اتبعني». فتبعه عاصم بصمت مطبق وعقل ما زال شاردًا بأسرار العجوز الطيفي. سارا حتى وصلا إلى بقعة مكشوفة في الغابة، خالية تماماً من ظلال الأشجار، حيث تسقط أشعة الشمس مباشرة. التفت زاهر إليه وأمره: «اخلع قميصك!»
نظر إليه عاصم للحظات، وباشر فوراً بخلع قميصه دون كلمة واحدة. أردف زاهر قائلاً: «والآن.. استلقِ هنا على ظهرك، وضع يديك خلف رأسك».
وما إن امتثل عاصم واستلقى فوق التراب الساخن، حتى رفع زاهر الصخرة الثقيلة ذاتها ونزل بها ليضعها مباشرة فوق بطنه وصدره، ثم قال بنبرة جافة لا تقبل النقاش: «يُمنع أن تنهض من هنا أو تزحزح الصخرة حتى منتصف النهار!»
تركه زاهر وغادر المكان. مرت الدقائق والساعات بطيئة كالجحيم، واشتدت حرارة الشمس اللاهبة لتكوي جسد عاصم العاري. بدأ تنفسه يثقل تحت وطأة الوزن الحجري، وتصبب عرقاً بغزارة شديدة، لكنه ظل يقاوم ويقاوم مستدعياً كل ذرة إصرار في روحه. تحول جسده بالكامل إلى اللون الأحمر من لظى الشمس، ونزلت دموعه من شدة الألم دون إرادة منه، لكنه لم يستسلم، وظل متسمراً في مضجعه والصخرة جاثمة فوق صدره حتى تعامدت الشمس في كبد السماء.
في تلك اللحظة الحاسمة، أقبل زاهر، وانحنى ليرفع الصخرة عنه، ثم قال بنبرة حملت تقديراً مخفياً: «يمكنك النهوض الآن.. لقد أعددت الأرنب الذي اصطدته بنفسك؛ خذ نصيبك منه وتناول طعامك، ثم خذ قسطاً من الراحة.. فبعدها، لا وجود للراحة أبداً، وسنبدأ التدرب على المبارزة بالسيف من هذا اليوم».
نهض عاصم بصعوبة بالغة وعظامه تكاد تئن، وكعادته الصارمة في حفظ سره، أخذ حصته من اللحم المشوي وتوغل داخل أعماق الكهف المظلمة ليأكل بعيداً عن الأعين. وما إن أنهى طعامه، حتى خرج مجدداً، ووقف أمام معلمه وقال وعيناه تشتعلان حماساً: «أنا جاهز للتدرب على السيف». تقدم زاهر وناوله أول سيف خشبي يصنعه له بيده...
ومرت الساعات، وتعاقبت الأيام، وتوالت الأسابيع والأشهر.. وانقضت أربع سنوات كاملة!
أربع سنوات مرت كأنها الجحيم المستعر بالنسبة لعاصم، قضاها كلها بين التدريبات الشاقة التي تكسر العظام، والعقوبات العسكرية الصارمة. لكن تلك السنوات صهرت جسده النحيل وحولته إلى شيء آخر؛ فقد أصبح عاصم الآن يجيد كل فنون القتال المعقدة، من مبارزة شرسة، ورماية دقيقة بالسهام، وإطلاق خارق للرماح.. ورغم كل ما وصل إليه، كان يتدرب يومياً دون كلل أو توقف قط.
في هذه الأثناء، كان عاصم يبدو عليه النضج بشكل يثير العجب؛ فعندما تنظر إلى بنيته الجسدية الفارهة، وطوله، وهيبته، ستقول دون تردد إن عمره قد تجاوز الثامنة عشرة، برغم أنه ما زال في الثالثة عشرة من عمره فقط!
كان يقف تحت حر الشمس الحارقة يبارز زاهر بالسيف الخشبي، واشتبكت أسلحتهما بقوة أحدثت صوتاً مدوياً في أرجاء الساحة. وعندما تنظر إلى حركات عاصم السريعة، وخفته، وطريقة تلافيه للضربات، ستقول بيقين: لا أحد في هذا العالم يستطيع هزيمة هذا الفتى أبداً!
ولكن.. برغم كل تلك المهارة الأسطورية، لم يتطلب الأمر من زاهر سوى ثلاث ضربات خفيفة ومباغتة، حتى طار السيف الخشبي من يد عاصم وارتطم بالتراب!
نظر إليه زاهر بملامح جامدة وقال بنبرته الصارمة المعتادة: «ما زلت ضعيفاً يا ذئب!»
في تلك الأثناء، كانت الصغيرة إسراء تشاهدهما من جانب الكهف. كان يبدو عليها الجمال الشديد رغم أنها بلغت الحادية عشرة من عمرها فقط؛ فقد نمت ملامحها لتصبح جميلة بشكل ساحر لا يصدقه عقل. كانت تتابع ملحمة الاشتباك بأعين متسعة، وعندما رأت سيف عاصم الخشبي يسقط أرضاً، قفزت وصاحت بأعلى صوتها بنبرة طفولية فخورة: «واااااااو! يا أبي أنت قوي جداً!.. أما أنت أيها "الذئب"، فلا يمكنك الصمود أمام أبي أبداً!»
مَأْزِقُ المَوْتِ وبَرْقُ السُّلالَة
كان السيف الخشبي ما زال ملقى على الأرض، وإسراء تبتسم بعفوية وتفاخر، بينما وقف زاهر بثباته المعهود ينتظر ردة فعل "الذئب" المباغتة. وعندما انحنى عاصم وهمّ بالتقاط سيفه الخشبي ليعاود الهجوم على معلمه بروح لا تعرف الاستسلام، انشق السكون فجأة بصوت زمجرة هزت أوراق الشجر!
ومن بين الغابات والأشجار الكثيفة، خرج نمر ضخم جداً، هائل البنية، مكشراً عن أنيابه الفتاكة التي تقطر لعاباً حامضاً، وقذف بجسده المرعب في الهواء مستهدفاً عاصم مباشرة. وفي تلك الأجزاء من الثانية، رأت إسراء الموت يقترب من الفتى، فغطت عينيها بقوة هرباً من بشاعة المشهد ونادت بأعلى صوتها بصرخة هزت أرجاء الساحة: «انتبه يا ذئب!!!»
لكن سنوات الجحيم الأربع صنعت من عاصم كتلة من اللحم والدم لا تعرف المباغتة؛ فبسرعة احترافية إعصارية لا يتقنها ولا يملك ردة فعلها الخاطفة إلا ذو السلالة الملكية العريقة، تدحرج عاصم لجهة اليمين ملتصقاً بالتراب، ليمر النمر فوقه مخترقاً الهواء الساخن ويرتطم بالأرض بزمجرة غاضبة بعد أن أخطأ هدفه!
استقر النمر على الأرض، وانفجرت غريزته الوحشية بالشرر. وقف زاهر فوراً بتأهب شديد ممسكاً بسيفه وجسده مشدود كالقوس، بينما كانت إسراء لا تزال مغطاة العينين ترتجف. أما عاصم، فلم يضع جزءاً من الثانية؛ ففي نهاية تدحرجه، امتدت يده كبصمة البرق واستل الرمح الخشبي المستقر على كتفه وانتصب واقفاً كالمارد.
تقدم النمر بخطوات ثقيلة ومرعبة باتجاه عاصم، وعيناه الصفراوان تشتعلان حقداً ومصرّتان على التهامه. في تلك اللحظة الحرجة، شعر عاصم فجأة بموجة عاتية من الحرارة تتدفق في عروقه وتتفجر في عضلاته؛ إنها القوة الملكية تستجيب للخطر! ضبط وضعيته القتالية بثبات فولاذي، وحبس أنفاسه، ثم رمى بالرمح بكامل ما يملك من عزم وقوة في جسده.
انطلق الرمح يشق الهواء، ولكن النمر راوغ برأسه في آخر جزء من الثانية، فلم يصب الرمح مقتلاً، بل أحدث جرحاً صغيراً في رأس النمر سالت منه الدماء. مع لسعة الجرح ونزيف الدم، جن جنون الوحش تماماً، وتغيرت حساباته؛ التفت برأسه نحو زاهر وصار يركض بكل سرعته وجبروته اتجاهه، ماداً مخالبه ليمزقه.
أظهر زاهر هيبة الفرسان العظام؛ لم يتراجع خطوة واحدة، بل قفز في الهواء بارتفاع مذهل مستغلاً اندفاع الوحش، وباغته بضربة سيف حديدية قاطعة نزلت كالصاعقة على ظهره، فشقت الفراء وأسالت الدماء بغزارة، ليطلق النمر عواء ألم يمزق الصمت.
هنا، وسط بركة الدماء، أدرك النمر غريزياً وخلف ذكائه الحيواني أنه لا يستطيع مجاراة هذين الوحشين البشريين في قتال متكافئ. التفتت عيناه الخبيثتان يمنة ويسرة لتبحث عن مخرج أو ثغرة ليتشفى منها، وكان هو في هذه الأثناء الأقرب خطوة إلى إسراء! انتهز الوحش الفرصة الغادرة، وارتد في لمح البصر، وصار يركض بسرعة جنونية مرعبة باتجاه الفتاة الضعيفة.
انخلع قلب زاهر من الصدمة، وطارت الهيبة من ملامحه ليحل محلها رعب الأب؛ ركض خلف النمر بكل ما أوتي من قوة، وسيفه يرتجف في يده وهو يصرخ بصوت مزلزل يملأ الفضاء هلعاً: «ابنتي!!! لااااا!»
كانت المسافة بعيدة، وكان زاهر يدرك في أعماقه أنه لن يصل في الوقت المناسب، وأن مخالب النمر ستسبق سيفه إلى جسد طفلته...
في تلك اللحظة الحابسة للأنفاس، عندما بدا أن كل شيء قد انتهى، انتبه عاصم للحركة الغادرة. انحنى وخطف رمحه الملقى على الأرض بسرعة تفوق الوصف، وثبت قدميه في التراب كالجبل العتيق الذي لا تزلزله الرياح. أغمض عينيه للحظة واحدة، مستدعياً كل قطرة طاقة مخبوءة في دمه، وعندما فتحهما.. انطلقت منهما تلك اللمعة الغريبة والمخيفة جداً؛ لمعة الدم الملكي الثائر!
أطلق عاصم الرمح بكل قوى روحه وجسده، وفجأة.. حدث الشيء الخارق! شق الرمح طريقه في الهواء بسرعة البرق وهو يسطع ويشع بنور سحري وضياء أبيض شديد خطف الأبصار، مطلقاً صوتاً مزمجراً كصوت الرعد. طار الرمح الساطع، واستقر في مكانه الصحيح بالمليمتر؛ إذ اخترق جبهة النمر بدقة متناهية وفجر جمجمته من الداخل!
تهاوى النمر الضخم كالجبل المهدوم، وارتطم بالتراب جثة هامدة تصعد منها الأنفاس الأخيرة، مستقراً على مسافة قريبة شديدة من أقدام إسراء، التي كانت تصرخ بكامل صوتها وترتجف من شدة الخوف والهلع، غير مدركة أن الرمح الساطع قد أنقذ حياتها في الجزء الأخير من الثانية!
غَدْرُ الذِّئَابِ وتَفَجُّرُ العَهْدِ المَلَكِيّ
ساد صمت مطبق على أرجاء المكان؛ النمر جثة هامدة ممزقة ينساب دمها على التراب، والرمح الخشبي المغروس في جبهته ما زال يسطع ويتوهج بنور سحري وضياء خارق يخطف الأبصار. وفي زاوية الساحة، كانت الصغيرة إسراء تبكي من فرط الرعب وجسدها ينتفض، بينما وقف الفارس زاهر متسمراً في مكانه كالصخرة الأصيلة، واجماً وعيناه الحادتان تتساءلان بذهول وصدمة عن سر هذه القوة الملكية العتيقة التي تفجرت من الفتى للتو. أما عاصم، فقد وقف بشموخ كالمارد، يلفه الغموض، وعيناه مشدودتان بقوة وتركيز مرعب على جثة النمر الملقاة عند الأقدام.
وفي وسط هذا الذهول، انشق باب الكهف فجأة؛ وخرجت سمية تركض من الداخل بسرعة وهلع بعد أن هالتها الأصوات الصاخبة، وقالت بنبرة لاهثة: «ماذا حدث؟! لِما أصواتكم عالـ...»
ولم تكمل كلمتها؛ إذ تجمد الحرف في حنجرتها وشُلّ لسانها بسبب الرؤية الصادمة التي جثمت أمام عينيها. رأت النمر الضخم المتهالك جثة هامدة عند أقدام ابنتها، وفي رأسه رمح يسطع بضوء غريب ومهيب لم تره طوال حياتها. لم تستطع تمالك نفسها أو حبس مشاعر الأمومة الجياشة؛ ركضت بجنون نحو ابنتها وهي تنادي بنحيب: «ابنتي! هل أنتِ بخير؟!». ولما وصلت إليها، ارتمت أرضاً وضمتها إلى صدرها بحنان جارف وهي تحاول تهدئتها، بينما كانت إسراء ترتجف وتشهق بالبكاء بين يديها.
لكن لحظات الأمان لم تدم سوى ثوانٍ معدودة؛ إذ قاطع هذا المشهد العاطفي صوت جهوري حاقد، قادم من جهة ممر القرية المظلم، صوت يحمل نبرة السخرية والموت، وهو يقول: «وأخيراً وجدناك يا زاهر.. لن ترى الشمس بعد هذا اليوم!».
التفت زاهر وعاصم بسرعة إعصارية وبنفس اللحظة نحو مصدر الصوت، وفي تلك اللحظة، شخُصت عينا زاهر بذهول وصدمة زلزلتا كيانه، وقال بنبرة مخنوقة لا تكاد تُصدق: «أنت!!»
قهقه الشخص القادم من الظلام بضحكة هستيرية ملأت أرجاء الوادي، وقال ممتعاً ناظريه بصدمة الفارس: «ههههه! لم تتوقع ذلك، صحيح؟ ولكن.. اعلم أنني قد كرهتك بشدة منذ اليوم الأول الذي انضممت فيه إلى الجيش! والآن، انظر حولك.. أنت محاصر بالكامل من فرساني النخبة ومن السحرة الأقوياء، فماذا ستفعل الآن أيها القائد العظيم؟»
تراجع زاهر خطوتين إلى الخلف بثبات، ملقياً بجسده كاملاً كدرع بشري ليحمي ابنته وزوجته خلف ظهره. وفي هذه الأثناء، وبحركة خاطفة لم يلاحظها أحد من الغزاة لشدة انشغالهم بالحديث، اقترب عاصم من جثة النمر بهدوء وصمت كأنه ظل، وانتزع رمحه الساطع بضربة واحدة، وتراجع بخطوات وئيدة ليتمركز بجانب زاهر، مشكلاً حائط صد يحمي إسراء وسمية من أي غدر.
نظر زاهر إلى الخائن، وصدح صوته بتساؤل مرير: «ولِماذا أعطيتني حصانك الشخصي أول ما خرجت من العاصمة وأنت تكرهني إلى هذا الحد الفظيع؟!»
فضحك الشخص مرة أخرى بخبث هز الأشجار، وقال بنبرة تفيض بالشماتة: «من أجل أن تثق بي لا غير! ولتستعمله في رحلتك فتدلنا خطى الحصان وسحره إلى هذا الفتى الذي يقف بجانبك.. لأنه يملك شيئاً ثميناً يخصنا ويرجع إلينا!»، وكان يشير بإصبعه الحاقدة مباشرة نحو عاصم.
نزلت الكلمات كالصاعقة؛ صدمة عنيفة ألجمت عاصم وزاهر معاً. تضاربت الأفكار في عقولهم كأمواج البحر: ماذا يريدون من عاصم بالذات؟! وما هو هذا الشيء السري الذي يمتلكه الفتى ويريدونه بهذه الشراسة والتتبع؟!
قبض زاهر على مقبض سيفه الحديدي حتى ابيضت مفاصله، وقال بنبرة تزلزل الأرض: «لن تأخذوا منه شيئاً إلا على جثتي!»
رد الرجل الخائن ببرود قاتل وهو يشير لفرسانه وسحرته: «إن كنت ستتحمل الموت أنت كفارس، فزوجتك وابنتك الصغيرة لن يتحملا وطأته! لذلك، سلمني إياه وفوراً دون مقاومة، وإلا ستموت زوجتك وابنتك الجميلة هذه أمام عينيك!»
هنا، في لحظة حبست الأنفاس، تقدم عاصم بخطوات واثقة ومهيبة خطفت الأنظار، ودخل إلى ساحة المفاوضات مضحياً بنفسه، وقال بنبرة حادة وصارمة: «ماذا تريد مني؟ قل لي وأنا سأعطيك إياه وسآتي معك.. ولكن، يجب أن تعدني عهداً قاطعاً ألا تمسهم بسوء أبداً».
ابتسم القائد الغادر بخبث وقال: «حسناً.. أعدك بهذا، ولكني أريدك أنت بالكامل، بجسدك وروحك، أن تأتي معي الآن».
صاح زاهر بصراخ هستيري وعيونه تفيض بالخوف على الفتى: «ماذا تفعل يا مجنون؟! لن أسمح لك أن تذهب معهم أبداً! أنت لا تعلم ما يمكنهم فعله بك.. إنهم وحوش!»
التفت عاصم إلى زاهر، ونظر إليه باحترام عميق وإجلال تلمذت الأيام، وقال بصوت هادئ: «معلمي.. أنا آسف جداً، ولكن لا يمكنني رؤيتكم تتأذون أو تموتون أمامي دون أن أفعل شيئاً». ثم التفت واقترب من سمية الجاثية على الأرض، ونظر إليها بعاطفة جياشة وقال بنبرة دافئة: «وأنتِ يا خالتي.. أحبكِ جداً، لقد عاملتِني طوال هذه السنوات الأربع وكأنني ابنكِ الحقيقي».
وهنا، انفجرت سمية بالبكاء المرير، وصارت شهقاتها تمزق القلوب، وقالت من بين دموعها المنسكبة: «لا تذهب معهم يا بني! يمكننا تحمل كل شيء.. حتى لو كان الموت هو المصير، سنموت هنا معاً كعائلة واحدة، ولا تسلم نفسك لهم!»
أخذ عاصم دقيقة صمت، ثم قال بثبات لا يتزحزح: «لقد اتخذت قراري بالفعل.. وإذا صار الشيء الذي يدور في رأسي الآن، سأبحث عنكم من جديد ونلتقي».
ثم التفت في لقطة وداع أخيرة إلى الصغيرة إسراء التي كانت تبكي ودموعها الحارة تملأ وجهها الرقيق، وانحنى قليلاً وربت على كتفها بحنان وقال مطمئناً إياها: «لا تخافي يا إسراء.. سيصلح كل شيء بإذن الله».
استدار عاصم بكبرياء ملكي، وصار يمشي بخطوات ثابتة ووئيدة باتجاه كتيبة الأعداء. وعندما وصل إليهم، رفع القائد الخائن يده مشيراً لرجاله؛ فتقدم رجلان ضخمان من الفرسان وأمسكا بعاصم بعنف وقسوة، وجذبا ذراعيه بقوة وأجبروه على الركوع تحت أقدامهم على التراب.
وفي تلك اللحظة، انطلقت من حنجرة القائد ضحكة هستيرية ساخرة دوت في أرجاء الغابة، وقال بوقاحة: «يا لك من مغفل ساذج! هل صدقت حقاً أنني سأتركهم يذهبون هكذا بسلام؟! إنك تحلم يا فتى!». ثم التفت لرجاله وصاح بدموية: «اقضوا عليهم جميعاً الآن.. أبيدوهم!».
مع سماع أمر الإبادة، اشتدت عروق عاصم وبرزت في رقبتي وجسده كالحبال من شدة الغضب، وصار يصرخ ويهتز محاولاً الفكاك وهو يصيح: «اتركوهم يا غدارين! قلت لكم اتركوهم!!»
وفي الجانب الآخر، تأهب الفارس زاهر بكل ما يملك من غريزة حربية، دافعاً بزوجته وابنته خلفه مجدداً، وصاح بصوت هز الجبال: «من يقترب اليوم.. سيفارق رأسه جسده، أقسم بهذا بالدم!».
اقترب اثنان من الفرسان المدججين بالسلاح ولم يأبهوا بتهديده، فاندفع زاهر نحوهما ببراعة وسرعة لا تليق إلا بقائد جيش مخضرم، وراوغهما بحركات سيف سحرية خاطفة، وفي لمحة بصر وجيز، شق سيفه الحديدي الهواء ليقطع رأسيهما معاً في لحظات، لتتطاير الرؤوس وتسيل الدماء على الأرض.
ولكن، في لحظة غادرة وخاطفة، أحاط به ساحران من الأعداء، ووجها نحوه طاقة سحرية سوداء كبلت حركته وشلت أطرافه، ليكتفه اثنان من الفرسان من خلفه بفعل السحر الأسود مستغلين عجزه.
وفي نفس الوقت، تحرك فرسان آخرون بخطوات واثقة وأسلحة مشهرة نحو زوجته سمية وابنته إسراء لذبحهما. هنا، اشتد صراخ عاصم وزاهر بدوي عاصف، وبحناجر تمزقت من القهر والجنون ألّا يلمسهم أحد.
وفي تلك اللحظة الرهيبة الحابسة للأنفاس.. انفتحت بوابات الجحيم الملكي! تفجرت ولمعت لمعة غريبة ومرعبة جداً في عيني عاصم، وفجأة، انبعثت طاقة حرارية هائلة تذيب الصخر، وظهر على كتفه طائر أسطوري مهيب مشكل بالكامل من النيران المشتعلة!
فرد الطائر الناري جناحيه العظيمين في الفضاء، وبدأ يشع ويفج بهالة أرجوانية ملكية شديدة وضخمة، هالة مرعبة ومظلمة تقذف الرعب والذعر القاتل في قلب وعقل كل من تجرأ ونظر إليه!
بَوَّابَةُ العَنْقَاءِ وكَشْفُ النِّقَابِ عن المَاضِي
صَرَخَةٌ مُدَوِّيَةٌ عاصفة انطلقت من حنجرة الطائر الناري زلزلت أركان الغابة السوداء بأكملها، وتحولت ضحكات القائد الغادر في جزء من الثانية إلى شهقة رعب قاسية جمدت الدماء في عروقه المرتجفة، وهو يرى بأم عينيه تلك الهالة الأرجوانية المهيبة وهي تبتلع المكان وتخطف الأبصار. في هذه اللحظة الرهيبة، تشتت انتباه الأعداء وضاعت صفوفهم وهم غارقون في بحر من الخوف والذعر الشديد، فما كان من عاصم وزاهر، وبسرعة خاطفة لا تليق إلا بمحاربين مميزين وفوارس نخبة، إلا أن استغلوا هذا التشتت الذهني للأعداء؛ فأطاحوا بقوة وجسارة بالفرسان الذين كانوا يمسكون بهم ويقيدون حركتهم، واندفعوا كالسِّهام إلى الخلف ليحموا إسراء وسمية ويكونوا دروعاً لهن. وعندما استعاد رجال الكتيبة شتاتهم وحاولوا السيطرة على الموقف، صُدموا بأن عاصم وزاهر وعائلته واقفون بثبات أمام فوهة الكهف، بينما كان الطائر الأسطوري الناري يحلق فوق رؤوسهم بهيبة مرعبة تلف المكان بالحرارة.
شعر القائد بالخطر يداهم خطته، فصاح برجاله بنبرة يملأها القهر والجنون: «إلى ماذا تنظرون أيها المغفلون؟! اقتلوهم فوراً، وأسروا الفتى حياً!».
ولكن، مع بداية اقتراب الفرسان والسحرة ببضع خطوات، وقبل أن يصدر من عاصم أو زاهر أي حركة للدفاع، ضرب الطائر الأسطوري المحلق الهواء بجناحيه العظيمين ضربة إعصارية هائلة؛ فاندفعت عاصفة رملية ونارية قوية جداً ضربت الرجال وأطاحت بأجسادهم إلى الوراء لمسافة تزيد على عشرة أمتار كاملة، ليمتلئ المكان فجأة بغبار كثيف وحالك حجب الرؤية تماماً. وعندما بدأ ذلك الغبار الخانق ينقشع تدريجياً ويهدأ، كان أول من استجمع شتاته ووقف على قدميه هو القائد الغادر، فوجه نظره المليء بالغل باتجاه تلك البقعة التي كان يقف فيها عاصم وزاهر وعائلته قبل ثوانٍ.
لكن الصدمة الجمته وشلت أطرافه؛ لم يكن هناك أحد! ساحة الكهف فارغة تماماً، ولا وجود لأي أثر للأقدام. أخذ القائد يتلفت بجنون وحيرة في كل الجهات، يمنة ويسرة، باحثاً عن بقعة دماء أو خيط يدل عليهم، ولكن دون جدوى، فكل شيء قد تلاشى. وقف القائد في منتصف الساحة مذهولاً، ونطق بصوت خافت يملأه الرعب والوجوم: «هل يمكن.. هل يمكن أن يكون هذا الطائر هو طائر العنقاء الأسطوري المتحول؟! مستحيل.. مستحيل جداً! لقد اختفت هذه السلالة الملكية العتيقة وانقرضت منذ زمن بعيد!».
وفي تلك الأجزاء القليلة من الثانية، ساد سكون غريب، بارد، ومفاجئ. فتح عاصم وزاهر أعينهما ببطء شديد، ليتفاجآ بأنفسهما واقفين وسط أشجار غريبة، ضخمة ومتشابكة لم يرياها طوال حياتهما من قبل، تفصل بينهما وبين كهفهما القديم أميال وأميال قطعتها طاقة العنقاء الخارقة في غضون رفة عين.
انبهر زاهر والكل من هول هذه المفاجأة المزلزلة؛ فقبل ثوانٍ معدودة كانوا محاصرين يواجهون الموت المحتم أمام السحرة والفرسان المدججين بالسلاح، والآن يجدون أنفسهم فجأة في بقعة غامضة ومجهولة، يروها لأول مرة في عمق الغابة السوداء الكثيفة.
بعد أن زال التوتر قليلاً وهدأت الأنفاس المخنوقة وخفت الصدمات المتتالية، التفت زاهر نحو عاصم ونظراته تشتعل بالفضول والذهول، وقال متسائلاً: «ذئب! ما هذا الطائر المرعب الذي ظهر فجأة ونقلنا إلى هنا ثم اختفى في ثانية؟ وكم من الأسرار والأشياء ما زلت تخبئها عني وعن عائلتي؟».
وقبل أن يفتح عاصم فمه ليجيب، قاطعته الصغيرة إسراء وهي تلتقط أنفاسها، وقالت بنبرة حماسية: «هذا الطائر! لقد رأيته من قبل يا أبي ونحن في الكهف، وقد جئت وأخبرتك بأمر رؤيته حينها، ولكنك وبختني بشدة ونهرتني لأنني تلصصت على الذئب، ولم تصدق كلامي أبداً!».
هنا، كانت الصدمة الكبرى والذهول الخالص من نصيب عاصم وحده! اتسعت عيناه بنظرة ذهول ونظر إلى إسراء مستغرباً، إذ قال وعقله مشوش: «كيف رأيتِ هذا الطائر في الماضي، وأنا نفسي لم أره قط طوال حياتي إلا في هذه اللحظة العصيبة؟!».
عندها، وبنبرة نادمة وخجولة، قصت عليه إسراء كل التفاصيل وكيف لمحته يتوهج حول جسده في الكهف، وقدمت له اعتذاراً رقيقاً لأنها تلصصت على خصوصيته في ذلك الوقت دون إذنه.
ولكن، قاطع حوارهم العائلي صوت مهيب، خشن وعميق، انبعث من بين الأشجار الكثيفة قائلاً: «لقد التقينا مرة أخرى.. يا عاصم!».
التفتت كل الأبصار بسرعة خاطفة نحو مصدر الصوت؛ وكان يقف هناك رجل عجوز بهي الطلعة، يلفه وقار مهيب، وملامحه تحمل هيبة ملوك الحكمة بشكل كبير وواضح. انصدم عاصم حتى تجمد الدم في عروقه، ونطق بنبرة منذهلة: «أنت!!».
قاطعهم زاهر وهو ينقل نظراته المندهشة بين الفتى والعجوز، وصاح بصدمة: «توقف هنا! هل تعرف هذا الرجل العجوز؟! ولماذا ناداك باسم عاصم من الأساس؟!».
تلكأ عاصم في مكانه، واضطربت كلماته ولم يعرف بمَ يجيب أو كيف يبرر الموقف لمعلمه وزوجته، فضحك العجوز ضحكة دافئة ووقورة وقال مطمئناً الفتى: «لا تخف يا بني.. لا بد من أن يعرفوا اسمك الحقيقي في يوم من الأيام، فأنتم عائلة واحدة الآن، لذلك لا ضير ولا بأس من معرفته في هذه اللحظة».
نزلت الكلمات كالصاعقة؛ فشلّت الصدمة والذهول عقول عائلة زاهر بأكملها، وهنا صاحت سمية وإسراء معاً بصوت عالٍ ملأه العجب: «أإسمك الحقيقي ليس ذئب؟!».
شعر عاصم بالأسف والاضطرار، لكنه نظر إليهم بصدق وقال: «لقد أُنذرت وعهدت ألا أكشف اسمي الحقيقي لأي أحد كان حمايةً لحياتي وحياتكم.. أنا آسف جداً لأنني أخفيته عنكم، ولكن ها هو الأمر يكشف أمامكم الآن رغماً عني».
نظرت إليه إسراء بحب طفولي نقي، وقالت بسرعة ودون تردد: «لا توجد مشكلة أبداً يا عاصم! أنا أساساً أحب اسمك (ذئب) كثيراً وقد تعودت عليه، وسأظل أناديك به دائماً مهما حدث!». فابتسم عاصم في وجهها الصغير بامتنان وراحة، وقال لها بصوت دافئ: «حسناً.. شكراً لكِ يا إسراء».
قاطعهم العجوز مرة أخرى بصرامة وهيبة أخرجتهم من جو النقاش، وقال محذراً: «فلتأتوا معي حالاً دون إبطاء، فهذا المكان ليس آمناً بتاتاً، وعيون الغابة وأرواحها قد ترشد الأعداء إلينا في أي لحظة!».
بدأ العجوز يسير بهيبة ملوكية وخطوات واثقة بين الممرات الملتوية، وساروا خلفه بصمت يلفهم، وكل واحد منهم يدور في رأسه ألف تفكير وتفكير، وأسئلة هائلة لا تجد جواباً. استمروا في المشي حتى وصلوا أخيراً إلى كوخ جميل، متواضع ودافئ بعض الشيء يختبئ بين الشجيرات. ولما دخلوا، وجدوا بداخل الكوخ امرأة عجوزاً كبيرة في السن تفوح منها رائحة الطيبة.
التفت العجوز نحوها وناداها بنبرة ودية حنونة: «حبيبتي.. جهزي لنا بعض الطعام فورا، فمعنا ضيوف كرام متعبون اليوم».
نظرت المرأة العجوز إليهم برحب، ثم التفتت إلى زوجها وقالت بنبرة حازمة ومضحكة في آن واحد: «حسناً.. دقائق معدودة وسيكون كل شيء جاهزاً على المائدة. ارتاحوا في الداخل حتى آتي بالزاد.. وأنت، إياك ثم إياك أن تزعج أحبائي الضيوف بأسئلتك أو تضايقهم أبداً وإلا سأقتلك بيدي هاتين، فهمت؟!».
ضحك العجوز بهدوء ورفع يديه مستسلماً وملاطفاً إياها: «لا تقلقي يا امرأة.. لا أجرؤ أبداً أن أخالف كلامكِ أو أعصي لكِ أمراً».
ولما دخل الجميع وجلسوا داخل الكوخ الخشبي الدافئ، تلاشت ملامح المزاح، والتفت العجوز بوجهه المهيب ونظراته الثاقبة مباشرة نحو الفتى، وقال بصوت عميق هز وجدان الحاضرين: «والآن يا عاصم.. يا بني، هل تريد حقاً أن تعرف من أنت؟ وما هو سر هذه القلادة المعلقة في عنقك، وهذا الرمح السحري الذي تحمله؟».
الكاتب /عاصم حسن زاهر حسن زاهر
خيوط الماضي المنسوجة بالدم
جلس العجوز في صدر الكوخ الدافئ، يلفه وقار مهيب وتشع من عينيه حكمة السنين، بينما كان عاصم وزاهر وعائلته يطوقونه بنظرات تشتعل بلهيب الانتظار والترقب.
كسر عاصم الصمت المطبق، وصدح صوته بنبرة تخنقها العبرات والرجاء: «نعم.. أرجوك أخبرني بكل شيء، ولا تخفِ عني سراً.. وأخبرني، هل أمي ما زالت على قيد الحياة؟»
نظر إليه العجوز بنظرة حانية، وربت على الهواء بيده قائلاً بصوت عميق: «لا تتعجل يا بني، فالاستعجال في موطن الحقائق قد يقتل الفهم.. سأروي لك كل خيط في هذه الحياه المعقدة، ودعنا نبدأ أولاً بالقلادة».
شخصت الأبصار نحو صدر عاصم، وتابع العجوز مشيراً بأصبعه: «هذه القلادة المستقرة على عنقك ليست زينة، بل هي المستودع الذي يحوي القوة العظيمة لسلالتك النادرة؛ سلالة العنقاء الملكية. أرأيت ذلك الرسم الدقيق لتاج ملوكي بجانبها؟ إنه الرمز المقدس للعرش، أما ذلك الحرف المنقوش بخط المسند اليمني القديم، فكان أجدادك يرمزون به للعنقاء المشتعلة.. باختصار يا بني، أنت الوريث الشرعي والدم الخالص لسلالة العنقاء الملكية».
صمت العجوز لبرهة، ثم ألقى بالقنبلة الثانية: «والسبب الذي جعل السحرة وفرسان النخبة يتتبعون أثرك بهذه الشراسة المستميتة، هو أن الملك.. والدك الحقيقي.. هو من أصدر أمراً ملكياً صارماً بجلبك إلى مضجعه حياً بأي ثمن! ولتجيبك كلماتي عن سؤالك الحارق: نعم، والدتك الملكة ما زالت على قيد الحياة تتنفس».
وفي تلك اللحظة، انتفض عاصم من مكانه كالملسوع، وتغيرت ملامحه وهاجت مشاعره، وصاح بنبرة تملؤها الحيرة والقهر: «ولماذا؟! مادام أبي هو الملك، فلماذا تشتتت عائلتي؟ ولماذا أجد نفسي وحيداً تتقاذفني هذه القوى المرعبة، وأتربى في أحضان عائلة دافئة لكنها ليست عائلتي بالدم؟! أين كان هذا الملك طوال سنوات ضياعي؟!»
نظر العجوز إلى ملامح زاهر وسمية التي ألجمتها الصدمة، ثم تنهد بأسى وأكمل كلامه: «قلت لك لا تتسرع واستمع بإنصات يا عاصم.. إن والدك الذي تبحث عنه هو الخائن الأكبر! هو الرجل الذي مزق عائلتك بيده طمعاً في قوة مظلمة، وعندما أدركت والدتك الملكة حقيقة غدره وخيانته لعهد السلالة، لم تأمن عليك بين يديه. كان معها خادمة وفية جداً، تكتم أسرارها وتفديها بالروح، فاستأمنتها عليك وهي غارقة في دموعها، ودبرت لها ممرًا سرياً مجهولاً في خبايا القصر لتهرب بك بعيداً عن بطشه».
بلع العجوز ريقه، وعيناه تفيضان بالمرارة: «وعندما علم والدك الملك بأنك هربت مع الخادمة، استشاط غضباً جنونياً، لكنه لم يقتل أمك الملكة؛ بل حبسها في زنزانة معتمة، منفردة ومعزولة في عتمة القصر السفلية.. لم يبقِ عليها حباً فيها، بل جعلها ورقة ضغط ملعونة، يعلم أنه إذا عاد الفتى يوماً ما طالباً الثأر والإطاحة بالعرش، سيضغط بها على رقبتك، ويجبرك على الاستسلام تحت وطأة التهديد بحياتها».
نزلت الكلمات كالصواعق المتتالية على رأس عاصم، تداخلت الأصوات في أذنيه، وشعر بأن جدران الكوخ تدور به، ولم تسعفه قواه أو يتحمل عقله الصغير حجم هذا الغدر الذي يأتي من دم أبيه؛ فخارت قواه تماماً، ووقع على الأرض جثة هامدة من فرط الصدمات والإنهاك النفسي.
اندفعت سمية نحوه، لكن العجوز أشار إليها برفق وقال بصوت حازم: «يجب أن يرتاح الفتى الآن، فالعقل يحتاج وقتاً ليهضم السموم.. اتركوه يستجمع شتاته، وزوجتي ستتولى إخباركم بالأحداث الفظيعة التي تلت تلك الليلة».
انسحب العجوز بخطوات وئيدة، تاركاً العائلة في ذهول صامت، وخرج إلى حيث تقف زوجته في باحة الطهي، ونظر إليها بنبرة ودية وقال: «لقد أخبرتهم بدوري وانتهيت، وبقي دوركِ الآن.. عليكِ أن تخرجي إليهم لتكملي القصة، وتخبريهم من نكون نحن بالضبط، وما هي العلاقة الخفية التي تجمع عاصم بعائلة الفارس زاهر، وما الرابط الأسطوري الذي يجمعنا بهم جميعاً في هذا الوادي».
نظرت إليه العجوز بتوتر بدا واضحاً في رجفة يديها، وقالت وهي تحرك الأواني: «حسناً.. سأفرغ من إعداد هذا الطعام الآن، ومباشرة بعدها سأجلس معهم وأكشف المستور».
في تلك الأثناء، كان الصمت الثقيل يخيم على الغرفة الداخلية للكوخ.. كان صمتاً ظاهرياً فقط، فالواقع أن عقولهم كانت تغلي كمرجل من نار؛ ولم تكن هادئة أبداً. كان كل واحد منهم يصارع تلالاً من الأفكار المتزاحمة، ويتدبر بالذهول في تفاصيل المعارك والخيانة وطائر العنقاء الناري والروابط الملكية التي وقعت معهم مؤخراً.
قطعت هذا الصمت الخانق زوجة العجوز وهي تدخل الغرفة بوجه بشوش، تحمل بين يديها صحاناً يتصاعد منها بخار الطعام الدافئ ورائحته الشهية، وقالت بنبرة أمومية: «هيا يا أحبائي.. دعونا نتناول هذا الزاد أولاً لترتد إليكم قوتكم، وبعدها سأخبركم بكل شيء بالتفصيل».
في تلك اللحظة، وقفت سمية وعاطفة الأمومة تقود حركاتها، فجمعت من كل أصناف الطعام في صحن خاص، ثم اقتربت من عاصم المنكسر وناولته إياه قائلة بحنان: «خذ هذا يا بني.. ابحث عن أي زاوية هادئة هنا وتناول طعامك لتستعيد عافيتك».
رمقت المرأة العجوز الموقف باستغراب، وقالت بعفوية وطيبة: «ولماذا يتناول طعامه وحيداً في الزوايا؟ ولماذا لا يجلس معنا على المائدة ويبعد هذا اللثام عن وجهه ليأكل براحة؟»
ردت سمية بسرعة وبنبرة مدافعة تحمي خصوصية فتاها: «إنه لا يرفع هذا اللثام أبداً منذ أن وجدناه في صغره، لقد نشأ متمسكاً به كجزء من روحه.. حتى أنا، ورغم أربع سنوات قضيناها معاً كأم وابن، لم أرَ ملامح وجهه أبداً».
هزت العجوز رأسها بحزن عميق، وقالت بصوت خافت تملؤه الشجون: «نعم.. أعلم هذا جيداً.. كنت أعلم أنه لن يرفعه، ولكنني تمنيت فقط في نفسي أن أرى ملامحه الشابة».
وقعت كلمات العجوز كالصدمة الثالثة في الغرفة! اتسعت عيون زاهر وسمية، والتفت عاصم بنظرة حادة؛ كيف لهذه المرأة العجوز التي لم يعرفوها سوى قبل نصف ساعة فقط أن تكون على علم تام بسر اللثام الملتصق بوجهه منذ طفولته؟ أدرك عاصم في تلك اللحظة، بذكائه الحذر، أن هذا الشيخ وزوجته ليسا مجرد زوجين عاديين يقطنان الكوخ، بل هما حارسان لأسرار مرعبة.
قطعت العجوز حيرتهم ونظرت لعاصم قائلة بنبرة دافئة: «إذهب خلف الكوخ يا بني، فهناك بقعة مظللة بالأشجار لن يراك فيها أحد.. تناول طعامك براحة، وعندما تعود، سأكون بانتظارك لأكشف لك كل شيء».
مضت عشر دقائق ثقيلة كأنها دهور، عاد بعدها عاصم وقد شد لثامه بإحكام، ووقف أمام العجوز بثبات وقال بصوت حازم: «الآن.. أنا مستعد، أخبريني بكل شيء».
نظرت إليه العجوز بعينين غائرتين تحملان عبء السنين، وقالت: «حسناً.. استمع إلي جيدا يا بني، واحفظ عني ما سأرويه». ثم أغمضت عينيها، لتبحر عقول الحاضرين مع كلماتها في ذكريات الماضي...
(فلاش باك - قبل 14 عاماً)
داخل القصر الملكي العتيق، وفي عمق ممر سري ضيق وموحش، لا يتسع عرضه إلا لمرور شخص واحد بالكاد، كانت الأجواء مشحونة بالموت. الممر كان يغص بإنارة خفيفة ومتراقصة تقذفها شعلات النيران المثبتة على الجدران الصخرية الجانبية، ملقية بظلال مرعبة.
وسط هذا الغموض، كانت هناك امرأة تركض بكل ما أوتيت من عزم وقوة، تلهث أنفاسها وتتسارع نبضات قلبها؛ وبين أحضانها جسد صغير يتدثر بالخرق، يبدو أنه طفل رضيع في شهوره الأولى من العمر. وفي يدها الثانية، كانت تقبض بقوة وإصرار على مقبض رمح حديدي جميل، ذي نقش فريد يشي بأنه سلاح غير عادي.
من ثيابها المتواضعة والممزقة، كان من الواضح أنها خادمة تعمل في أروقة القصر، لكنها الآن لم تكن تخدم، بل كانت تركض هاربة من مصير أسود يطاردها. استمر ركضها في ذلك الممر الملتوي المظلم لما يقارب نصف ساعة، والوقت يمر كأنه سياط على ظهرها. وعندما وصلت أخيراً إلى نهاية الممر وانشقت الأرض عن مخرج سري، لم تلتفت وراءها أبداً، بل ظلت تركض وتشق طريقها بكل عزم متبقٍ في جسدها باتجاه الغابة السوداء الكثيفة.
لكن، بعد خروجها بلحظات معدودة، انفتح المخرج السري وراءها بعنف، وخرج منه رجال مدججون بالسلاح والدروع الحديدية، يبدو من شعارهم أنهم حراس النخبة للقصر الملكي. وقف أحدهم ونظر إلى أثرها، ثم صاح بنبرة غاضبة: «لقد سبقتنا الخائنة! انتشروا في كل مكان وابحثوا عنها فورا!». وانطلقت مجموعة منهم كالسِّهام في الاتجاه الذي سلكته، يعدون بسرعة فائقة تفوق قدرتها الجسدية على الركض.
ورغم فارق القوة، إلا أن غريزة حماية الطفل منحتها أجنحة؛ فسبقتهم ودخلت بين أحضان الغابة السوداء الكثيفة، وظلت تخترق الأشجار بأقصى سرعة لديها حتى وصلت إلى منتصف الغابة تماماً، حيث تتشابك الغصون وتحجب ضوء السماء. هناك، توقفت لاهثة، ودموعها تنهمر على وجنتيها الإنسانيتين، ونظرت إلى الرضيع بين يديها وقالت بنبرة باكية ممزقة: «لا أعلم إلى أين أذهب بك يا صغيري.. المؤكد أنهم إذا وجدونا معاً سيقتلوننا دون رحمة.. ولكن، إذا تركتك هنا في رعاية أرواح الغابة، فهناك فرصة ضئيلة أن يجدك عابر سبيل وتعيش.. سأعود أنا إليهم لأشتت انتباههم عنك».
انحنت بجسدها المنهك، ووضعت الرضيع برفق فوق بساط من العشب الجاف، وألقت الرمح الحديدي الجميل بجانبه مباشرة ليكون حارساً وسنداً له، ثم استدارت وعادت تركض باتجاه أطراف الغابة، مضحية بحياتها.
ولم تكد تخرج إلى الحواف حتى تواجهت وجهاً لوجه مع الحرس الملكي المدجج بالحديد. انقضوا عليها بعنف وقيدوا حركتها، وتقدم منهم رجل يبدو من درعه المذهب أنه قائد الحملة، فقبض على شعرها وصاح بنبرة حاقدة: «أيتها الخائنة! أين وضعتِ الطفل؟! تحدثي فوراً وإلا جعلت مقبرتك هنا!».
نظرت إليه الخادمة الوفية بعينين تشتعلان بالتحدي والموت، وبصقت الدم من فمها وقالت بابتسامة ساخرة: «لن تجدوه أبداً.. ولن تجرؤوا على التقدم خطوة واحدة داخل هذه الغابة، فالسحرة الذين معك يخشون أرواحها السوداء بشدة!».
استشاط القائد غضباً، والتفت إلى رجاله وصاح بدموية: «اقطعوا رأسها فوراً!».
تردد أحد الفرسان وقال محذراً: «ولكن يا سيدي.. إذا قتلناها الآن، فأين سنجد الطفل الملكي؟ كيف سنستدل على مكانه؟».
ضحك القائد بسخرية وقسوة، ونظر نحو أعماق الغابة المظلمة قائلاً ببرود: «الطفل رضيع في شهوره الأولى، ولا يمكنه العيش في هذه الغابة الملعونة على أية حال؛ فإما أن يأكله ذئب كاسر في هذه الليلة، أو يموت من الجوع والبرد القارس.. لذلك، اجهزوا على هذه الخائنة ودعونا نعد إلى القصر فوراً ل نبلغ الملك».
وفي تلك الأثناء، وفي البقعة العميقة من الغابة حيث يرقد الرضيع وحيداً يصارع البرد، بدأت غصون الأشجار المتشابكة تتحرك ببطء، وانقشعت الظلال ليتقدم من بينها رجل يخطو بثبات وثقة. كان رجلاً يبدو عليه الهيبة البالغة والوقار الأسطوري، ويشع من جسده هالة مرعبة ومهيبة تذعن لها وحوش الغابة.
وقف الرجل الغامض فوق رأس الرضيع الباكي، ونظر إليه بعينين ثاقبتين تلمعان بنور المعرفة، ونطق بصوت جهوري عميق هز سكون الأشجار: «يا بني.. لك مستقبل حافل بالدم والمجد.. ستكون أفضل ملك يمر على أرض اليمن السعيد، وتوحد كل القبائل المتناحرة تحت إمرتك وسيفك.. لذلك، لا يمكن للأقدار أن تسمح بموتك في هذه البقعة المنسية».
ثم انحنى بجسده المهيب، ومد يديه القويتين ليلتقط الطفل الرضيع من فوق التراب...
الكاتب /عاصم حسن زاهر حسن زاهر
سِفر الخيانة: خمسون عاماً من الدم
انقطع مشهد الماضي فجأة، وعادت أنظار الجميع مجتمعة إلى داخل الغرفة الداخلية للكوخ الدافئ. كان الصمت ثقيلاً كالجبال، لدرجة أن صوت أنفاس عاصم المتسارعة والمتلاحقة كان يتردد بين الجدران الخشبية كصوت الطبول.
شد عاصم على قبضة يده حتى ابيضت مفاصله، وضغط على نفسه مستجمعاً بقايا قوته، ثم قال بصوت حاد يرتجف قهرًا: «وبعدها.. ماذا حدث؟ أكملي!»
نظرت إليه المرأة العجوز بشفقة وأمومة، وهزت رأسها قائلة: «ارتح الآن يا بني.. ملامحك شاحبة وعقلك مثقل بالصدمات، يمكننا أن نؤجل بقية الحديث إلى وقت آخر لتستعيد عافيتك».
لم يحتمل عاصم التأجيل، وتوهجت عيناه من خلف اللثام بنار الحيرة، فقاطعها بصوت صارم: «لا! لا أريد التأجيل، أريد أن أعرف كل شيء الآن.. في هذه اللحظة!».
فتحت العجوز فمها وكانت على وشك أن تنطق بكلمة «ولكن..»، إلا أن عاصم باغتها بسرعة وإصرار مستميت، والدموع تكاد تفر من عينيه: «أرجوكِ.. أكملي، أريد أن أعرف الحقيقة كاملة الآن، لم يعد في جسدي متسع للانتظار!».
أمام هذا الإصرار الحديدي والبركان الثائر في عيني الفتى، تنهدت العجوز وخضعت لرغبته. اعتدلت في جلستها، وألقت بنظرة عميقة على زاهر وعائلته الذين كانوا يستمعون بأنفاس محبوسة، ثم بدأت تتكلم بصوت خافت يحمل صدى السنين:
«حسناً يا عاصم.. لكي تفهم ما حدث بعد ذلك، دعني أولاً أحكِ لك قصة قصيرة تبدو بعيدة، لكنها أصل كل ما نحن فيه اليوم.. تبدأ هذه القصة قبل خمسين عاماً من الآن. في ذلك الزمن الغابر، كانت هناك سلالة ملكية قوية جداً وحاكمة، سلالة لم يسبق أن وُجد في تاريخ الأرض مثل قوتها وجبروتها السحري. كانت العائلة مكونة من الملك وزوجته الملكة، ومعهما طفلتان توأم لا تزالان رضيعتين في المهد، بالإضافة إلى ابنهما الأكبر الذي كان قد بلغ العاشرة من عمره في ذلك الوقت».
ابتسمت العجوز ابتسامة مرة وتابعت: «كانوا يعيشون في قصر أسطوري جميل، مفعم بالحياة والحركة، وكانت سعادتهم عظيمة لدرجة أنه لم يكن هناك مثيل لها في الممالك المجاورة.. ولكن، مهما كانت السعادة جميلاً وصافية، فإن رياح القدر لا تتركها تستمر أبداً. كان الملك، من باب بسط العدل وتشجيع شعبه، يقيم مسابقة كبرى للقوة والقتال في ساحة القصر، ومن يثبت فوزه وجدارته فيها، ينال شرف الانضمام إلى جيش النخبة الملكي».
سكتت العجوز لثوانٍ، وكأنها تسترجع تفاصيل ذلك اليوم المشؤوم، ثم أكملت: «كانت الأمور تسير بشكل طبيعي وعادي جداً في إحدى المسابقات، حتى ظهر فجأة في وسط الساحة شاب غريب.. شاب لم يكن عادياً، بل كانت تبدو عليه علامات القوة المفرطة، وتلمع في عينيه شراسة الدهاء. بدأت النزالات، وكان كلما نزل رجل أو فارس مغوار إلى الساحة ليواجهه، يهزمه هذا الشاب مباشرة وبحركات خاطفة أذهلت الحاضرين. أعجب الملك بشدته وبراعته إعجاباً شديداً، وقرر في نفسه ألا يفرط في هذه الموهبة، فأمر بأن يعمل الشاب معه كحارس خاص داخل أسوار القصر».
تغيرت نبرة صوت العجوز لتصبح أكثر خطورة: «ومرت الأيام، وتوالت السنوات.. وكان هذا الرجل يرتدي قناع الولاء، ويتقرب من الملك خطوة بخطوة بكلامه المعسول وتظاهره بالأمانة، حتى مرت ثلاث سنوات كاملة. في ذلك الوقت، أصبح الشاب المقرب الأول من العاهل، بل إن الملك عينه رسمياً ليكون يده اليمنى ومستشاره الأمين.. ولكن، بين ليلة وضحاها، انقشع قناع الولاء! انقلب القصر بالكامل في ليلة مظلمة، وعم القتل والذبح في كل مكان، وتعالت صرخات الحراس المخلصين وهم يسقطون في الممرات».
«نهض الملك وزوجته الملكة المذعورة من فراشهما بسرعة البرق، محاولين استجماع قواهما لإنقاذ الموقف ومعرفة من يهاجم حصنهما. ولكن.. الصدمة التي جمدت الدماء في عروقهما كانت عند باب الغرفة! بمجرد أن فتحا الباب، وجدا ذلك الشاب المقرب واقفاً أمامهما بثبات، وعينيه تقطران غدراً، والسيف في يده يقطر دماً».
ونظرت العجوز لعاصم وتابعت: «نظر إليه الملك بذهول وقال له: (خليل!.. ماذا يجري هنا في القصر؟ إذهب فوراً وتفقد الأمر واحمِ الأبواب!). لكن خليل لم يتحرك، بل أطلق ضحكة ساخرة مستهزئة هزت أركان المكان، وقال بنبرة تملؤها الخباثة: (أذهب وأتفقد؟ لا بد أنك تتخيل يا جلالة الملك!.. لقد انتظرت هذه اللحظة العظيمة طوال ثلاث سنوات كاملة، تذللت فيها لك لأصل إلى هذه الليلة.. الليلة التي سأقضي فيها عليكم جميعاً، وأستولي على الحكم، ليصبح هذا العرش العظيم ملكاً لي وحدي!)».
«عند تلك الكلمات المسمومة، فهم الملك الحقيقة العارية؛ فاشتدت قبضة يديه، وبرزت عروق عنقه ووجهه بقوة مرعبة من شدة الغضب، وقال بصوت ك الرعد: (هل تعلن انقلاباً عسكرياً عليّ في عقر داري يا خليل؟!). رد عليه خليل ببرود وثقة مرعبة: (ولماذا لا؟ أرني ما أنت فاعل الآن!)».
تابعت العجوز وهي تتنفس بصعوبة: «هنا، مد الملك يده في الهواء ليطلق العنان لقوة العنقاء الأسطورية الكامنة في دمه ليسحق هذا الخائن، ولكنه أصيب بصدمة عمره.. لم تخرج من جسده أي قوة أبداً! تراجع خطوة إلى الوراء وهو ينظر إلى كفيه بذهول، فضحك خليل بقوة وبصوت مرتفع وقال: (لا تحاول وتجهد نفسك يا سيدي.. فقد وضعت لكم طوال الأيام الماضية سماً خاصاً ونادراً في الأكل، سمٌ لا يقتل، ولكنه يستنزف القوى السحرية كاملاً من الجسد ولا يبقي لكم إلا النزر القليل.. وللأسف، هذا القليل لا ينفع معي أبداً). ثم تابع ضحكته الدموية وقال بخيلاء: (لأنني ببساطة.. أملك حصانة فطرية ضد السحر والقوى الضعيفة! والآن.. كفانا تضييعاً للوقت، هل ستسلمني التاج المقدس والقلادة الملكية التي تحمل جوهر قوة العنقاء.. أم أقتل هذا الفتى الآن بدم بارد؟!)».
«وأشار خليل بيده نحو تابعه، ليخرج من عتمة الممر فرسان ضخام وهم ممسكون بابن الملك الأكبر، الذي كان قد صار عمره في تلك الليلة ثلاثة عشر عاماً.. وكان الفتى يصرخ ويقاومهم بكل ما أوتي من شجاعة مستبسلة، لكنهم كانوا يثبتونه بقوة».
شهقت سمية واضعة يدها على فمها، فأكملت العجوز وعيناها تدمعان: «هنا تملك الرعب قلب الملك على ابنه، وصاح بخوف وهلع: (توقف! لا تقتله.. سأعطيك التاج، سأعطيك الحكم وكل ما تملك يداي.. ولكن حقاً، هذه القلادة الأسطورية لا أعرف مكانها، ولا أعلم أين هي الآن!). لم يصدقه خليل، وابتسم بخبث شديد وهو يمرر شفرة خنجره الحاد ببطء على عنق الطفل الصغير مهدداً بذبحه».
«انهار الملك تماماً أمام هذا المنظر وصرخ بصدق: (حقاً لا أعرف أين القلادة!.. لقد خبأها أبي الملك الراحل في مكان سري لا أعلمه أبداً، ووالدي لم يعد موجوداً في عالمنا الآن ليرشدني إليها!). نظر إليه خليل بعينين قاستين كالحجر، وقال ببرود: (مادام الأمر هكذا.. فتحمّل إذاً النتيجة!). ولم ينتظر من الملك كلمة أخرى.. وبحركة خاطفة وقاسية، غرس الخنجر في عنق الفتى مباشرة!».
«تناثرت الدماء الساخنة بقوة وغزارة، وتطايرت لتمسح وجه خليل وتلطخ وجه الملك المصدوم. لم يتحمل الملك هذا المنظر الفظيع لفلذة كبده وهو يذبح أمام عينيه، وبسرعة خاطفة تفوق البصر، أخرج قنبلة سحرية مخبأة في طيات ملابسه ورماها بقوة نحو الأرض.. فانفجرت القنبلة مصدرة دخاناً وبخاراً كثيفاً جداً حجب الرؤية وأعمى أبصار خليل ورجاله».
«استغل الملك تلك الثواني المعدودة من الفوضى، وتحرك كالشبح؛ فسحب جسد طفله النازف بقوة من بين أيديهم، وتراجع إلى داخل الغرفة الملكية وأقفل الباب الخشبي السميك بالمزلاج. ركض مباشرة نحو السرير، حيث تقبع زوجته الملكة وتحتضن ابنتيهما الصغيرتين ذوات السنوات الثلاث.. أمسك الملك بزوجته وبطفلتيه، وضغط بيده الأخرى على جرح ابنه النازف بشدة، ثم أغمض عينيه ونطق ببعض الكلمات والتعاويذ القديمة بسرعة.. وفي لمح البصر، اختفوا جميعاً من وسط الغرفة، وتفتتت أجسادهم كالأشباح في الهواء، تاركين خلفهم خليل ورجاله يضربون الأبواب المغلقة بجنون..»
الكاتب /عاصم حسن زاهر حسن زاهر
وريثة الغدر وقناع الريف
قاطع عاصم المرأة العجوز بنبرة تخنقها الحيرة والغضب، ووقف صارخاً: «وماذا يعنيني من كل هذه الأساطير القديمة؟! خمسون عاماً.. ملوك وخونة! أنا لا أريد تاريخاً، أنا أريد أن أعرف من هي أمي؟ ولماذا تطاردني هذه القوى اللعينة وتحيط بي أنا تحديداً كأنني طريدة في غابة؟!»
نظرت إليه العجوز بنظرة حادة تحمل هيبة غامضة، وقالت له بصوت صارم هز جدران الكوخ: «لا تقاطعني يا عاصم! إجعلني أكمل خيوط السجادة حتى النهاية.. فكل كلمة أقولها هي قطرة دم في عروقك، وصبرك الآن هو مفتاح معرفة أمك!»
أنزل عاصم رأسه مجبراً، وعاد الصمت ليطبق على المكان، فتابعت العجوز وعيناها تبحران في عاصفة الماضي:
«عندما نطق الملك بتعاويذه الأخيرة واختفت العائلة الملكية كالأشباح، انشق الهواء بعنف في بقعة أخرى من العالم.. ووجدوا أنفسهم يتساقطون فوق أرض رطبة، في عمق الغابة السوداء المخيفة. كانت أشجارها شاهقة تتشابك غصونها كأصابع الموت، وكلما ضربها الهواء، تمزق سكون الغابة بأصوات عويل تبعث الرعب الشديد في النفوس.
أول شيء فعله الملك المذعور هو أنه سطح ابنه الأكبر ذو الثلاثة عشر عاماً فوق كومة من الأوراق الجافة. وضع أصابعه المرتجفة على عنق الفتى يتفقد نبضه.. وهنا كانت الصدمة المزلزلة! لقد توقف النبض تماماً، وخمدت أنفاس الفتى الصغير.
في تلك اللحظة، مزق سكون الغابة الملعونة صراخ الملك وزوجته.. صراخ بكاء مرير على فراق فلذة كبدهما الذي ذُبح أمام أعينهما. مرت الساعات الثقيلة والدموع لا تجف، لكن لم يكن باليد حيلة أمام الموت. بعد أن هدأت العاصفة قليلاً، حفر الملك بقواه السحرية المتبقية قبراً دافئاً تحت جذور شجرة عتيقة، ودفن ابنه هناك، تاركاً قطرة من دمه وثأره في أرض الغابة السوداء.
التفت الملك لزوجته التي كاد يقتلها الإعياء والحزن، وقال بنبرة مكسورة: (نحن مطاردون وسنعيش هنا في عتمة الغابة كالموتى.. ولكن طفلتانا التوأم لن تحتملا هذا الجحيم، وبقاؤهما معنا خطر يهدد حياتهما. لدي صديق مخلص قديم يعيش في القرية المجاورة، سأذهب إليه الآن وأطلب منه أن يربيهما ويعتني بهما كبناته.. هناك، وسط بيوت الفلاحين البسيطة، لن يجدهما خليل أبداً، ولن يشك في أمرهما).
بكت الملكة بحرقة وقالت: (ولكن.. كيف أعيش دون طفلتاي؟). قاطعها الملك وهو يمسح دموعها بقسوة الظروف: (بدون "لكن" يا حبيبتي.. هذا أفضل خيار لحمايتهما، وسنظل نراقبهما ونحميهما من بعيد دون أن يشعر أحد).
وفي النهاية، وافقت الأم وقلبها يقطر دماً خالصاً. أخذ الملك الطفلتين اللتين لم تكفا عن البكاء من هول برودة الغابة، ونقلهما عبر تعويذة خاطفة إلى القرية المجاورة، حيث وضعهما أمانة في كوخ بسيط.. هناك كبرت الطفلتان التوأم كفتاتين ريفيتين يتيمتين، بلا أم تحنو عليهما، ولا أب يحميهما.
ومرت السنوات مسرعة كالعاصفة، حتى بلغت الطفلتان الحادية عشرة من العمر، وكانتا قمتين في الجمال والبهاء، وخصوصاً الفتاة التي سُميت "قمر". وفي أحد الأيام المشؤومة، خرجت قمر إلى أطراف الغابة لجمع الحطب لتُدفئ الكوخ، وابتعدت قليلاً عن الأمان.. وصادف في ذلك اليوم الخبيث أن مرت حملة عسكرية من حراس الملك الجديد "خليل"، وكانوا يمارسون طغياناً باختطاف أي فتاة جميلة يجدونها في طريقهم ليجبروها على العمل كخادمة في القصر الملكي.
لمحتهم قمر، وأدركت الخطر برعب فطري، فاستدارت وركضت بكامل قوتها عائدة نحو القرية.. لكن شاءت الأقدار وسوء الحظ أن يلمح حراس النخبة طيفها الراكض. تعالت صيحاتهم، وانطلقوا خلفها كالذئاب، فأمسكوا بها فوراً رغم مقاومتها وبكائها المستميت، واقتادوها مع بقية الفتيات المخطوفات إلى القصر الملكي العتيق.
في ذلك الوقت، كان خليل قد استقر على العرش، وجلب زوجته وابنه "وسيم" ليعيشوا معه في ترف القصر. وكان وسيم يكبر قمر بسنتين فقط؛ شاباً يافعاً تظهر عليه علامات النبل العسكري لكنه يختلف عن قسوة أبيه.
عندما وصلت الحملة إلى ساحة القصر، كان وسيم جالساً على سور حجري قريب يتأمل النجوم بالملل. التفتت عيناه نحو الفتيات المخطوفات، وهنا.. وقعت نظرته على وجه قمر الشاحب المذعور. تيبس وسيم في مكانه، وسرح في جمالها النقي الذي لم تدنسه المدينة، وشعر بقرابة غامضة نحوها. نزل فوراً من السور بخطوات حازمة، وأوقف الحراس بغضب قائلاً: (فكوا وثاق هذه الفتاة حالاً!.. أريدها أن تكون خادمة خاصة في جناحي، ليأخذها أحدكم إلى غرفتي فوراً!).
سار وسيم نحو غرفته وجلس على مقعده الخشبي لدقائق يحاول استيعاب دقات قلبه المتسارعة، حتى سمع طرقاً خفيفاً متردداً على الباب. قال بصوت هادئ: (ادخل). انفتح الباب، وظهر الحارس وهو يدفع قمر برفق إلى داخل الغرفة ثم أغلق الباب خلفها تاركاً إياهما بمفردهما.
تراجعت قمر إلى الخلف حتى اصطدم ظهرها بالباب الخشبي، وقالت بتأتأة وخوف شديد: (أرجوك.. أرجوك لا تؤذيني، أنا فتاة ريفية بسيطة ولم أفعل شيئاً يستحق العقاب!).
ابتسم وسيم ابتسامة دافئة محاولاً طمأنتها وقال: (لا تخافي.. لست وحشاً كبقية الحراس، لا أريد إيذاءك أبداً.. كل ما في الأمر أنني شعرت بالوحدة في هذا القصر المظلم، وأريدكِ أن تكوني صديقتي).
نظرت إليه بعينين دامعتين وقالت بخوف: (ولكنني أريد العودة إلى بيتي.. إلى أختي التوأم).
نظر إليها وسيم بتفهم وقال: (إذا وعدتِني أنكِ ستكونين صديقتي، وتأتين إلى هنا بانتظام لنتحدث سويًا.. سأدعكِ تذهبين الآن وأضمن سلامتك وحريتك، ما رأيك؟).
انفرجت أسارير قمر، واختفى الرعب من وجهها وحلت مكانه فرحة بريئة وقالت: (نعم.. أعدك!). ومنذ ذلك اليوم، أصبحت قمر تعود إلى بيتها بحرية، وتلتقي بوسيم بشكل يومي في خبايا القصر والحدائق الملكية. توالت الأيام والسنين، وتحولت الصداقة البريئة إلى حب جارف وعميق، حب تحدى فارق الطبقات، حتى صارت قمر في الخامسة والعشرين من عمرها.
هنا، قرر وسيم أن يضع حداً للسرية، فدخل على أبيه الملك خليل وصارحه برغبته في الزواج من قمر. لكن خليل انتفض غضباً، ورفض رفضا قاطعا قائلاً بصوت مرعب: (ابن ملك العنقاء يتزوج من فتاة ريفية مشردة لا أصل لها ولا نسب؟! هذا لن يحدث ما حييت!).
لم يستسلم وسيم، وحاول مع أبيه مرات ومرات، لكن قسوة خليل كانت كالجدار الأصم. وفي إحدى الليالي المظلمة الشديدة البرودة، دخل وسيم إلى جناح والده ليتكلم معه للمرة الأخيرة. احتدم النقاش بينهما، وصاح خليل باحتقار: (إنها بنت ريفية قذرة لا تستحق حتى أن تطأ قدمها القصر!).
لم يتمالك وسيم أعصابه؛ فقد أعمى الحب عينيه وغذى الغضب عروقه.. وبسرعة فائقة استل خنجره الملكي المرصع، وقبل أن ينطق خليل بحرف، ضرب أباه بطعنة خاطفة وقاتلة استقرت بجانب قلبه مباشرة!
سقط خليل غارقاً في دمائه، ولكنه لم يمت.. فالأقدار شائت أن تجعله يعيش ميتًا؛ حيث سببت له تلك الطعنة شللاً كاملاً أفقده القدرة على الحراك والكلام. تولى وسيم العرش مجبراً، وأخفى والده المشلول في غرفة سرية خاصة داخل القصر، مدعياً أمام الشعب والحراس بأن الملك العجوز أصيب بمرض مفاجئ وعضال أقعده عن الحكم.
تزوج وسيم من قمر وعاشا حياة سعيدة مليئة بالحب على العرش، وظن وسيم أن أسرار الماضي شُلّت مع أبيه.. حتى جاء يوم عاصف، ظهر فيه عند بوابات القصر عجوز غريب، قبيح المنظر، ترتدي أسمالاً وملابس رثة بالية، وكان يلح كل يوم على مقابلة الملك وسيم لأمر خطير.
بسبب إلحاحه الغريب ومجيئه اليومي، وافق وسيم أخيراً على إدخاله ليعرف ماذا يريد. تنحنح العجوز القبيح، ونظر لوسيم بعينين تلمعان بخبث أسطوري وقال: (أيها الملك الشاب.. أتريد قوة مرعبة وعظيمة تجعلك تسيطر على العالم بأسره وتخضع لك الممالك؟).
اشتعل الفضول والوجل في قلب وسيم، وشده كلام العجوز ليعرف ما وراءه. وهنا، انحنى العجوز واقترب من أذن الملك وسيم وبدأ يسرد له المؤامرة التاريخية القديمة كاملة، منذ ليلة احتلال خليل للعرش، وصولاً إلى المفاجأة الصاعقة.. نظر العجوز لوسيم وقال بابتسامة صفراء: (والقوة التي تبحث عنها.. موجودة في دم زوجتك الملكة! إن "قمر" ليست فتاة ريفية كما ظن أبوك.. إنها ابنة الملك الحقيقي للسلالة، وصاحبة الدم الملكي النقي للعنقاء!).
صعق وسيم وتراجع خطوة قائلاً بذهول ورعب: (ماذا تقول؟! وكيف لك أن تعرف هذا السر الذي طواه الزمن؟! ومن تكون أنت أصلاً لتنبش في قبور الماضي؟!).
ضحك العجوز القبيح ضحكة خرجت كالفحيح من بين أسنان مكسورة وقال: (لأنني ببساطة.. كنت المستشار الأول والأقرب لأبيك خليل! كنت عقله المدبر.. ولكن أبوك، بطبعه الخائن، شك في ولائي بعد الانقلاب، ونفاني ورماني في كوخ متهالك منسي على أطراف ريف المملكة.. ويا للمصادفة العجيبة! كان كوخي البائس يقع بجانب الكوخ الذي وُضعت فيه قمر وأختها التوأم.. ولقد رأيت الملك الحقيقي الحاكم السابق بعيني هاتين قبل ثلاثين عاماً وهو يتركهما عند صديقه لحمايتهما!)».
الكاتب /عاصم حسن زاهر حسن زاهر
خيوط القدر المنسوجة
صمتت العجوز لتلتقط أنفاسها المتهدجة، لكن الصمت الذي خيم على أركان الكوخ لم يكن هادئاً، بل كان يغلي كمرجل من نار تشتعل تحت الرماد.
وقف عاصم فجأة كمن أصابه مسٌّ، وتراجع خطوتين إلى الخلف وعيناه متسعتان بذهول مرعب وهو ينظر إلى يديه المرتجفتين. شعر بأن الدماء في عروقه باتت غريبة عنه، فنظر إلى العجوز وقال بصوت مخنوق تقطعه الصدمة: «مستشار خليل الخائن.. وقمر ابنة الملك الحقيقي.. ووسيم ابن القاتل.. هذا يعني.. هذا يعني أن أمي هي قمر، وأن أبي.. أبي هو وسيم؟! أنا أحمل دم السلالة الملكية النقية، ودم الخائن الذي أبادها في عروقي؟! أخبريني أنني مخطئ.. أرجوكِ أخبريني أن عقلي يتوهم!»
نظرت إليه العجوز بعينين دامعتين، وخرج صوتها مثقلاً بالأسى: «ولكنها الحقيقة المُرّة التي عشنا نداريها يا بني.. حقيقة لا يمكننا تغييرها، مهما كانت قسوتها على قلبك».
وقعت الكلمات كالصاعقة المزلزلة على رأس عاصم، بل على كل من كان في ذلك الكوخ الدافئ الذي تحول فجأة إلى ساحة لمكاشفة التاريخ.
وسط هذا الذهول الصامت، ابتلع الفارس زاهر ريقه، ونطق بصوت حذر يحاول ربط الخيوط: «وماذا.. ماذا كان اسم أخت قمر التوأم؟ الفتاة الأخرى التي تُرِكت في القرية؟».
التفتت المرأة العجوز ببطء، ونظرت إلى سمية الجالسة بجانب زوجها.. كانت نظرة فائضة بحنان جارف وعاطفة جياشة مكبوتة منذ عقود، وقالت بصوت حنّت له الجدران: «لقد كان اسمها.. سمية».
في تلك اللحظة، ساد الكوخ سكونٌ رهيب، كأن على رؤوسهم الطير، وتوقفت الأنفاس بينما كانت قلوبهم تدق بعنف شديد وكأنها ستخترق صدورهم وتخرج منها. التفت زاهر نحو زوجته سمية التي شحب وجهها كالموتى، فنطق مرة أخرى وعيناه تشخصان نحو العجوزين بذهول عاصف: «لا تقولي لي أن كل هذا الذي حدث معنا هو مجرد صدفة!لا.. أنا قائد عسكري ولن أصدق الصدف أبداً!».
ابتسمت المرأة العجوز بمرارة وقالت: «ومن قال لك إن في هذا الأمر صدفة يا زاهر؟».
قال عاصم وزاهر في نفس اللحظة بنبرة حارقة: «ماذا تعنين؟!».
فردت العجوز: «لقد تنبأ زوجي العجوز بكل هذه الأحداث قبل وقوعها بسنوات.. وعمل جاهداً، وخطط لكل خطوة لكي يغير هذا القدر الأسود وينقذ ما يمكن إنقاذه».
هنا.. لمحت سمية الصورة الكاملة في مخيلتها؛ تذكرت طفولتها اليتيمة، والسر الخفي في ملامحها، ونظرات الحنان التي غمرها بها هذا الشيخ وزوجته منذ دخولهم الكوخ. تداخلت الأفكار في رأسها، ووصلت إلى فكرة جعلت قلبها يتوقف عن الخفقان لثوانٍ، فقالت بتلعثم ورجفة هزت كيانها: «هل.. هل أنتِ.. أم الطفلتين؟ هل أنتِ أمي؟».
هزت المرأة العجوز رأسها إيجاباً بنعم.. وفي تلك اللحظة انفرط عقد صبرها، وانهمرت الدموع من عينيها بغزارة كالشلال. لم تحتمل سمية الموقف، فارتمت في أحضان أمها مباشرة بعد عقود من الفراق الوشيك، وأجهشت بالبكاء وعويلٍ مخنوق هز أركان الكوخ الدافئ.
عم الصمت الجميع احتراماً لدموع الأم وابنتها، إلا عاصم.. الذي كان يجلس بجمود تام، كمن فَقَد عقله وشعوره، ينظر إلى الفراغ ببرود أصاب أطرافه، وكأنه يرفض تصديق ما تسمعه أذناه. نطق بصوت جاف خالٍ من أي عاطفة: «وماذا بعد؟.. ماذا بعد هذه القصة؟».
مسحت المرأة العجوز دموعها بكفها المرتجفة، وبكل حنان أبعدت سمية عن حضنها لتواجه الفتى، ونظرت في عينيه الثائرتين قائلة: «بعد أن أعمى الطمع قلب وسيم، وأصبح مهووساً بالحصول على القوة العظمى والسيطرة على العالم، كانت قمر وقتها حاملاً بك في شهورها الأخيرة. حبسها في غرفة معزولة بالقصر، وصار يعذبها على كل يوم بلا رحمة.. كان يريد منها شيئاً واحداً: أن تخبره بمكان القلادة الملكية الخفية.. ولكنها، ويا للمأساة، لم تكن تعرف شيئاً عنها أصلاً!».
قاطعها عاصم بنبرة حادة غاضبة: «كيف تقولين أنها لا تعرف شيئاً عنها؟! لقد أتتني أمي قمر في منامي مرتين.. زارتني في الحلم وأخبرتني بمكان الكهف وأرشدتني إلى القلادة!».
نظرت إليه العجوز بأسى وقالت: «إنها لم تكن أمك يا بني.. بل كان جدك الجالس هناك، استخدم سحره العظيم وقدرته الروحية ليدخل إلى دهاليز عقلك أثناء نومك، وجعل طيفها يظهر لك في الحلم ليرشدك؛ لأنه يعلم أنك لن تثق بغريب، ولن تتبع إلا نداء أمك».
هنا.. انفتحت مغاليق الفهم في رأس عاصم، وفهم أخيراً كيف عرف العجوز بتفاصيل حلمه السري وواجهه بها في أول لقاء بينهما على حافة الوادي. تراجع عاصم خطوة إلى الوراء، وسأله بجمود كمن انتُزِع قلبه: «وبعد هذا.. ماذا حدث لها؟».
تابعت العجوز وعيناها تفيضان بالمرارة: «بقيت أمك مسجونة في تلك الغرفة المظلمة، تتجرع العذاب في كل يوم. لم يكن يُسمح لأحد بالدخول إليها سوى خادمة واحدة وفية تدخل حاملة الطعام والماء، بينما كان هو.. والدك وسيم.. يدخل مرة واحدة كل نهار ليعذبها بنفسه ثم يخرج تاركاً إياها تنزف. كانت تلك الخادمة تتقطع عاطفة وألماً على حال الملكة، وعزمت في سرها أن تساعدها مهما كان الثمن، ولو كلفها ذلك حياتها».
«وتوالت الأيام القاسية وسط جحيم القصر، حتى أتى موعد ولادتك يا عاصم. كان الوقت في منتصف ليلة شديدة السواد والبرودة، وتحت وطأة آلام المخاض، توسلت أمك قمر إلى الخادمة الوفية بدموع رجاء أخيرة: أن تأخذك وتهرب بك بعيداً عن أسوار القصر بمجرد أن تخرج إلى الدنيا. اتفقت قمر مع الخادمة على خطة انتحارية؛ أن تقوم الخادمة بسرقة رمح الملك السحري من خزانته الخاصة.. فلماذا الرمح بالذات؟ لأن الملك وسيم يملك تعاويذ تتبع عبر هذا الرمح، ومن دونه، لن يستطيع السحرة أو الفرسان العثور على أثر الطفل أبداً!».
أخذت العجوز نفساً عميقاً وأكملت: «وبعد شهور من ولادتك، نجحت الخادمة في تهريبك تحت جنح الظلام، لأن الملك وسيم كان قد عزم على قتلك والتخلص منك إن لم تخبره أمك بمكان القوة.. والباقي يا بني.. الباقي أنت تعرفه وتذكره جيداً».
ثارت حيرة عاصم مجدداً، فقال ونبرة الضياع تملأ صوته: «ولكن.. من الرجل المهيب الذي وجدني في وسط الغابة السوداء إذن؟
التفتت العجوز ونظرت إلى زوجها الذي كان يتابع بوقار، وقالت: «لقد كان جدك.. وأخذك وأودعك بين العائله اللتي نشأت بها يا عاصم. والآن، بعد أن دارت السنون، وقتلت كل تلك العائله أتى بك إلى هذا المكان بالذات.. ليدربك على القوة الملكية العظيمة الكامنة في دمك، لتصبح قادراً على مجابهة جيوش الملك وسيم.. وإنقاذ أمك السجينة قبل فوات الأوان!».
الكاتب /عاصم حسن زاهر حسن زاهر
شعلة الوعي والصدمة المزلزلة
انقشع غبار الحقيقة في الكوخ البسيط، لكن الشروخ التي تركتها في نفس عاصم كانت أعمق من أن تُداوى بكلمات. أمٌّ تقبع تحت وطأة العذاب في زنازين القصر، وأبٌ قاده الجشع ليصبح السجّان والجلاد، وجدٌّ ساحرٌ حرك أوتار الأقدار من خلف الستار ليأتي به إلى هنا.
لم يدم البكاء طويلاً، فـدموع الفرح الممزوجة بالصدمة بين سمية وأمها العجوز سرعان ما جفت عندما التفت الجميع نحو عاصم. كان الفتى واجماً كتمثال من رخام، عيناه مثبتتان على الرمح السحري القابع في زاوية الكوخ، يلمع بنور فضي خافت كأنه يستدعيه.
خطا الجد العجوز خطواته الوئيدة نحو عاصم، ووضع يده الثقيلة المليئة بالتجاعيد على كتفه، وقال بصوت حازم طرد كل حيرة من الأجواء: «الوقت ليس ملكنا يا عاصم. في هذه اللحظة التي يمتزج فيها غضبك بذهولك، يزداد عذاب أمك في قصر وسيم. الدماء التي تجري في عروقك ليست ذنباً اقترفته، بل هي السلاح الذي ستنقذ به السلالة.. اتبعني!».
خرج عاصم خلف جده دون أن ينطق ببنت شفة، وتبعهما زاهر بخطوات الفارس المستعد للموت. خلف الكوخ، وفي عمق بقعة خفية بين الصخور الشاهقة، انفتح وادٍ صغير معزول لم تطأه قدم بشر من قبل. كانت الرياح هناك تعصف بقوة، وتحمل في طياتها طاقة سحرية غريبة جعلت شعر عاصم يقف رعباً وحماسة.
وقف الجد في منتصف الوادي، والتفت إلى عاصم قائلاً بنبرة مهيبة: «الملك وسيم يظن أنه امتلك القوة المطلقة بالسحر الأسود، لكنه لا يعلم أن القوة الحقيقية لا تؤخذ غصباً، بل تورث نقية. في داخلك تنام طاقة العنقاء الملكية، والرمح الذي تحمله ليس مجرد حديد، بل هو المفتاح لفتح تلك الطاقة وتوجيهها. تدريبك يبدأ الآن.. ولن ينتهي حتى تفجر النور الكامن في دمك، أو تحترق به!».
«... وأكمل الجد بنبرة جادة: (القلادة الملكية بقيت لها ثلاث سنوات لتُفَعّل بكامل طاقتها.. ولكننا لا نملك ترف الوقت، فأمك هي الأهم الآن، وعذابها يجب أن ينتهي!).
استل عاصم رمحه، وشعر بقشعريرة تسري في كفه، بينما انطلقت شرارات زرقاء غامضة من عيني جده العجوز، إيذاناً ببدء التدريب الأكثر قسوة في تاريخ المملكة.
نظر الجد إليه وقال بصوت أجش: (والآن.. مدّ الرمح أمامك، أغلق عينيك وتخيل.. تخيل وكأنك تلج إلى أعماق نفسك، ابحث عن شعلة نارية هناك، وعندما تجدها.. حاول أن تتحكم بها).
نفذ عاصم كلام جده بالحرف. أغمض عينيه وحاول، ولكن لم يحدث شيء. تكررت المحاولة، وساد السكون، وظل الرمح بارداً في يده. هنا هتف جده بصوت حازم: (تذكر هدفك يا عاصم! تذكر في ماذا تريد هذه القوة ولأجل من تسترخص حياتك!).
ضغط عاصم على أسنانة، واندفع بكامل وعيه إلى داخل دهاليز نفسه. وفجأة.. وجد نفسه في فضاء شاسع ومظلم، كأنه واقف على أرض من زجاج شفاف يلفها السواد من كل جانب، ولم يكن يكسر تلك العتمة إلا ضوء باهت بعيد. ركض عاصم باتجاه ذلك الضوء، وكلما تقدم، كبر الضوء وتجسد أمامه.. لقد كانت شعلة خافتة، ترتعش وكأنها على وشك الانطفاء والزوال.
حاول عاصم السيطرة عليها، لكنها تمردت عليه. في تلك اللحظة الثقيلة، تذكر مأساة أمه السجينة، وتذكر عذابها اليومي على يد والده وسيم، فاشتعلت في قلبه عزيمة حارقة وإصرار شديد. استجابت الشعلة لغضبه، وبدأت تتضخم وتتوهج حتى تحولت إلى نار مستعرة شديدة الاحمرار!
في تلك اللحظة، تناهى إلى وعيه صوت جده القادم من العالم الخارجي وهو يصيح: (الآن بعد أن أعددت التحكم بها.. وجهها بكل قوتك نحو الرمح، واضرب بها الصخرة التي أمامك!).
فعل عاصم ما قاله جده بدقة، وحين هوى برمحه نحو الصخرة، تشتت انتباهه لبرهة من هول الطاقة، فانطلقت النيران العنيفة من رمحه لتنفجر في كل حدب وصوب! لولا تدخل الجد بسحره في الوقت المناسب ليساعده على تهدئة روع الطاقة وإعادتها إلى مجراها.
قضى عاصم اليوم بأكمله يتجرع مرارة التدريب، يتعلم كيف يستدعي النار من رمحه ويطوعها، حتى أتقن التحكم بها تماماً مع مغيب الشمس. وعندما جلسوا ليأخذوا قسطاً من الراحة، صدح صوت القائد زاهر متسائلاً: (إذن.. ما هي خطتكم للهجوم على القصر بعد أن ينتهي التدريب؟).
أجابه العجوز بوقار: (الآن، يجب أن ينصبّ كل تركيزنا على صقل قوة عاصم، وبعد أن ينهي تدريبه، سنرسم معاً خطة محكمة لا يمكنها الفشل).
أومأ زاهر برأسه وقال: (حسناً إذن، في الصباح سأنطلق إلى القرى المجاورة لأجمع الفرسان الذين أثق بولائهم المطلق وما زالوا تحت إمرتي.. وجودهم سيفيدنا بالتأكيد، ما رأيك؟).
تهللت أسارير العجوز وقال: (ممتاز! هذا عين الصواب، فإذا حصلنا على مساندتهم سيكون الأمر أسهل، حتى لو كان عددهم قليلاً، فبأسهم سيفيدنا حتماً).
وفي اليوم التالي.. ودّع زاهر الجميع ممتطياً صهوته ليبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر لجمع الفرسان. وفي الوقت نفسه، عاد العجوز وعاصم إلى ساحة الوادي المعزول، لبدء مرحلة جديدة: التدريب على تجسيد الطاقة وتحويلها إلى شيء مادي ملموس.
وقف العجوز أمام عاصم وقال بملامح جادة: (بالأمس تدربت على إخراج النار السائلة والطاقة الخام.. واليوم، ستتدرب على تطويعها لتصنع منها سلاحاً مادياً. والآن.. أظهر شعلة في كفك، وتخيل في عقلك سيفاً صغيراً مشتعلاً).
أغمض عاصم عينيه، واستدعى حرارة دمه. وعندما فتح الوعي، فعل ما أُمر به تماماً.. ولكن الصدمة المزلزلة كانت من نصيب الجد العجوز، الذي تراجعت خطواته إلى الوراء وشخصت عيناه برعب وذهول وهو يرى الشيء الأسطوري الذي تشكل وتجمد في يد عاصم...! »
الكاتب /عاصم حسن زاهر حسن زاهر