الفصل 5 | من 8 فصل

الفصل الخامس

المشاهدات
11
كلمة
1,005
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 63%
حجم الخط: 18

رواية وتيد ضي الجزء الخامس 5 بقلم ياسمين الهجرسي وتيد ضيرواية وتيد ضي الحلقة الخامسة “دفاتر الماضي.. ونوافذ العتق” ***** خفايا الروح وحسابات الغد “حين تسقط الأقنعة دفعة واحدة، لا يشعر المرء بالصدمة بقدر ما يشعر بالخفة؛ كأن حملًا ثقيلًا كان جاثمًا فوق صدره وتبدد في الهواء. يدخل إلى غرفته ليس هربًا من الواقع، بل مواجهة مع ذاته، يغلق الباب وراءه ليفتح دفاتر الماضي التي أرهقته،

فلاش باك يمر أمام عينيه كشريط سينمائي مرير، يسترجع فيه كل المرات التي انحنى فيها للعاصفة كي لا ينكسر بيته المستقبلي، وكل دبلة رُميت في وجهه كإهانة لرجولته ونخوته. لكن لكل شيء في هذه الحياة نهاية، وحين يفيض الكيل، يتحول رجل القانون إلى إعصار لا يرحم. يمسك هاتفه ليتشابك الخيط بالخيط، وتبدأ معركة أخرى خفية، معركة عنوانها الحقيقة والقصاص لفتاة لم تجد لها في الأرض نصيرًا! *****

دلف كريم إلى غرفته وأغلق الباب وراءه بهدوء يحمل في طياته ضجيجاً داخلياً لا ينتهي. نزع سترة قميصه المدني، وألقى بها فوق المقعد، ثم جلس على حافة فراشه يتنفس الصعداء. شعر بوزن ثقيل ينزاح عن منكبيه العريضين، لكن غريزته الشرطية، ووعيه الذهني المتوقد، لم يتركا له مساحة للاسترخاء الطويل. هناك فتاة مكسورة تقبع في الصالون مع والدته وأخته، وهناك ذئب بشري يدعى “جلال” لن يترك فريسته تفر بسهولة.

التقط هاتفه المحمول، وضغط على عدة أزرار ليجري اتصالاً هاماً بأحد أكفأ الضباط المعاونين له في القسم، وهو ذراعه الأيمن في جمع المعلومات. جاءه الصوت على الطرف الآخر سريعاً ومفعماً بالاحترام: “تمام يا كريم باشا معاليك تؤمرني بقضية جديدة؟ رد كريم بنبرة خفيضة، جادة، تقطر حسماً وأمراً: “اسمعني كويس يا فلان.. عايزك تقلب لي الدنيا وتجيب لي قرار واحد اسمه جلال، شغال محامي.

عايز صحيفة أحواله الجنائية، علاقاته، القضايا اللي مسكها، وكل شبهة دارت حواليه. ومش بس هو عايز تفاصيل كاملة عن بيته، وعن ابنه بالذات! عندي معلومات تؤكد إن الواد ده اتحرش ببنت مراته اللي هي أنسه ضيّ عايز كل تاريخ العيلة الأسود كله يكون قدامي على المكتب في أسرع وقت. التحريات دي تطلع بدقة، وبسرعة مفيش فيها غلطة مفهوم؟ “علم وينفذ يا فندم، ساعات وتكون كل الملفات والتاريخ بتاعه كله تحت إيدك بتقرير مفصل”

أغلق كريم الهاتف، ووضعه جانباً، وقبل أن يسترسل في تفكير الخطوة القادمة، اهتز الهاتف في يده مجدداً. نظر إلى الشاشة، فوجد المتصل هو “والد مي” اللواء المتقاعد الذي نُقل مؤخراً إلى إدارة أخرى، مما رفع الحرج وعوامل الضغط عن كاهل كريم. أخذ كريم نفساً عميقاً، وفتح الخط متمسكاً بوقاره واحترامه الشديد للرجل الكبير: “السلام عليكم يا فندم مرحب بحضرتك”. جاءه صوت الرجل وجعاً، مليئاً بالأسف والخجل من تصرفات ابنته التي لا تنتهي:

“وعليكم السلام يا كريم يا ابني أنا مش عارف أقولك إيه “مي” جت البيت قالبة الدنيا وعمالة تصرخ وتشتكي بقلة ذوق وكبرياء، وبتقول إنك سبتها في المول وجبت بنت غريبة بيتك، أنا أسف بالنيابة عنها يا ابني” تنهد كريم تنهيدة طويلة خرجت من أعماق قلبه، وتحدث بنبرة صادقة عارية من الزيف:

“يا فندم، حضرتك على راسي من فوق وأنا بكن لك كل احترام وتقدير، لكن دي مش أول مرة ولا التانية، دي المرة التالتة اللي بنتك تعمل فيها الحركة دي وترمي لي الدبلةوأنا خلاص ما عنتش مستحمل! السلوك ده، والطريقة دي في التعامل، بتهين كرامتي ورجولتي لو أنت ترضاها على ابنك، هترضاها عليا يا فندم؟ صمت اللواء على الطرف الآخر لثوانٍ، صمت ثقيل نطق بكل قلة حيلة الأب أمام تمرد ابنته، ثم خرج صوته رزيناً ومكسوراً:

“لا طبعاً يا ابني ما رضاهوش على ابني، ولا أرضاه عليك أنت شخص محترم وابن ناس، وأنا عارف ومتأكد إنك صبرت على بنتي كتير واستحملت اللي ما حدش يستحمله، وهي اللي بغرورها وعصبيتها كسرت كل حاجة جميلة بينكم، ربنا يوفقك في حياتك يا كريم، وأنا مش زعلان منك أنت عملت بأصلك” انتهت المكالمة، وأغلق كريم الخط وشعر بغصة حزن على هذا الأب المحترم، لكنه شعر براحة مباغتة.

توجه نحو الحمام، توضأ بالماء البارد الذي أعاد لجسده توازنه الذهني والبدني، ثم عاد إلى غرفته، وفرش سجادة الصلاة. وقف بين يدي الله، وكبر.. صلى ركعتين كاملتين بنية الشكر لله؛ شكرٌ لأن الموضوع مر بسلام، ولأن الله كشف له حقيقة الأمور قبل أن يغلق عليهما باب بيت واحد.

طوال صلاته، كان يقاوم مشاعر الإحباط؛ فقد كان طوال فترة خطوبته يحاول جاهداً أن يقوم سلوك “مي”، ويصلح من اعوجاج كبريائها وعصبيتها، لكنه لم يكن قادراً كانت دائماً تأخذه إلى مناطق من العناد والتفاهة لا تليق برجل في مكانه. بعد أن سلم من صلاته، جلس على السجادة، واستند برأسه إلى الجدار وراءه، ليدخل في حديث نفس عميق، وينفتح بداخل عقله شريط الذكريات المريرة يعيد صياغة المرات السابقة التي تهاوت فيها دبلته. الفلاش باك الأول:

(معركة النايت كلوب) يتذكر كريم ذلك اليوم بوضوح؛ كانت “مي” ترتدي فستاناً قصيراً براقاً، وعيناها الغزلانية تلمعان برغبة عارمة في السهر داخل أحد الموانئ الليلية (النايت كلوب) الفاخرة مع صديقاتها. وقف كريم أمامها بجسده الفارع كالحائط، ملامحه حادة وصارمة لا تقبل النقاش: “مي أنا قولت كلامي واضح، خطيبتي مش هتدخل الأماكن دي، واللبس ده مش هيتلبس بره البيت انتهى! برقت عيناها بالغيظ والعصبية، وارتفع صوتها

المتكبر في وسط ردهة بيتها: “أنت عايز تتحكم فيا؟ أنت فاكر نفسك مين؟ أنا هروح يعني هروح! وحين تمسك برفضه المطلق وهدوئه الحاسم، خلعت الدبلة من يدها بغضب أعمى، ورشقتها في صدره قائلة بصلف: “دي آخر مرة تشوف فيها وشي إحنا ما نصلحش لبعض!

يتذكر كريم كيف أنه، حباً في والدها ورغبة في الحفاظ على بيته، حاول في اليوم التالي أن يرضيها، فأخذها وخرج بها إلى مكان آخر راقٍ وهادئ، لكنها ظلت طوال السهرة تلوح بوجهها باعتراض، ترفض الحديث معه، وتعامله بكبرياء جاف كأنها تتفضل عليه بوجودها. الفلاش باك الثاني: —[ عيد الميلاد المبتذل] يمر الشريط سريعاً ليصل إلى المرة الثانية التي اهتزت فيها رجولته. كانا يستعدان للذهاب إلى حفل عيد ميلاد إحدى صديقاتها المقربات.

وحين وصل ليتسلمها من بيتها، فوجئ بها تهبط إليه وهي ترتدي ثياباً مبتذلة بشكل صارخ، ثياب تخدش الحياء وتكشف أكثر مما تستر، ضاربة بعض النصح القديم عرض الحائط. توقف كريم في مكانه، ورفض حسم ركوبها السيارة، وقال لها بنبرة حادة كالشفرة: “مش هنمشي غير لما تغيري القرف ده، أنا ظابط شرطة، وقبل ما أكون ظابط أنا راجل شرقي ومش هسمح لحد يبص لخطيبتي النظرة دي!

ثارت ثائرتها، وارتفع صوتها العالي في صالون بيتهم، وبكل غطرسة وجحود خلعت الدبلة للمرة الثانية وألقتها فوق الطاولة أمام والدتها التي كانت تقف حائرة وخجلة من سلوك 1 2الصفحة التالية مدونة كامومنذ 6 ساعات 0 5 دقائق

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...