الفصل 6 | من 8 فصل

الفصل السادس

المشاهدات
1
كلمة
880
وقت القراءة
5 د
التقدم في الرواية 75%
حجم الخط: 18

رواية وتيد ضي الجزء السادس 6 بقلم ياسمين الهجرسي وتيد ضيرواية وتيد ضي الحلقة السادسة ” دفء البيوت وعقدة الغريب” ***** “رشفة شاي وعلى عتبة الأمان” حين تشعر أنك عبءٌ ثقيل على كتف الغربة، وتظن أن خطاك لم تجلب سوى العواصف لدارٍ آوتك، يتسلل حنان الأمهات كدثارٍ دافئ يلم شتات قلبك المكسور. على حافة المائدة، تتصارع الأحاسيس في صدر ‘الضيّ’؛ حرجٌ يطوق عنقها، وخوفٌ من غدٍ مجهول.

لكن النخوة في هذا البيت لا تُقدّم مجزأة؛ تبدأ بلقمة رغماً عن الخجل، وتنتهي بعهدٍ يقطعه رجلٌ صلب في شرفةٍ تطل على ليالي القاهرة الصاخبة. هناك، بين رائحة الشاي الساخن وسكر الوعود، تذوب قسوة الأيام قليلًا، لتبدأ أولى خيوط الروابط الصامتة التي تنبت في عمق الروح دون استئذان! ***** التف الجميع حول مائدة الطعام في غرفة المعيشة، حيث تفوح رائحة البيوت المصرية الأصيلة والدفيئة.

جلس كريم على رأس المائدة بوقاره المعهود، وبجواره والدته السيدة “سميحة” وشقيقته سارة، بينما جلست “ضيّ” في الطرف المقابل، تكاد تختفي داخل ثيابها من فرط الخجل والحرج. كانت نظرات ضيّ معلقة بالأرض، تنكمش على نفسها كعصفورٍ غريب دخل قفصاً من ذهب. كانت مشاعرها متضاربة، تغلي كمرجلٍ واجف؛ إحساس طاغٍ بالذنب ينهشها، ففي مخيلتها أنها السبب المباشر في فسخ خطوبة كريم وتدمير حياته المستقرة منذ دقائق.

لكن أكثر ما أربك حساباتها النفسية، هي نظرات السيدة سميحة؛ لم يكن في عيني الأم ذرة حزن أو أسف على رحيل مي، بل كانت ملامحها تشع براحة خفية، وكأن عاصفة مي التي انقشعت كانت غمة وانزاحت عن صدر العائلة. لاحظت السيدة سميحة أن ضيّ لم تمد يدها إلى الطعام، فقرّبت نحوها طبقاً ممتلئاً بحنانٍ أمومي دافئ، وقالت بنبرة عفوية مازحة لترفع عنها كلفة الحرج: “جرى إيه يا بنتي؟ هو أنتِ فاكرة نفسك إننا بخلا ولا إيه؟

دي أكلة واتحسبت عليكِ خلاص، فإنتِ لازم تأكلي وبعدين في واحدة ما تأكلش في بيتها؟! أجبرت ضيّ شفتيها على رسم ابتسامة خجولة انكسرت سريعاً فوق وجهها، وتحت إلحاح نظرات سميحة الحانية، رفعت الملعقة ببراعم مرتجفة، وتناولت معلقتين من الشوربة الساخنة، ثم وضعت الملعقة بهدوء وهمست بصوت خفيض: “الحمد لله شبعت والله يا طنط” نظرت إليها السيدة سميحة بتمعن، ثم مدت يدها الدافئة وقبضت على كف ضيّ الباردة بحنو بالغ، وقالت لها بنبرة

جادة تطمئن قلعها الجريح: “بصي يا حبيبتي أنا لازم أقولك اللي هيحصل عشان ترتاحي ،أنتِ مش هتمشي لحد ما كريم يتأكد إن زفت الطين جوز أمك ده بعد عنك خالص، وناخد لك حقك منه بالقانون دي حاجة الحاجة التانية، أنتِ هتقعدي معانا هنا كأنك في بيتك، فلازم تأكلي وتتعودي إن البيت ده بيتك وما تحسيش بأي غربة” اشتد حرج ضيّ، وشعرت بغصة في حلقها، وقالت بنبرة تقطر خجلاً وأسفاً:

“أنا مقدرة كل اللي بتعملوه معايا يا طنط، والله العظيم ما عارفة أشكركم إزاي بس أنا مش عايزة أتسبب لكم في مشاكل وقلق أكتر من كده، أنا ممكن أمشي حالاً وأروح أبات عند واحدة صاحبتي لحد ما أشوف هعمل إيه” في تلك اللحظة، دفع كريم مقعده للخلف وقام واقفاً بطوله الفارع، ملامحه الصارمة عادت لتفرض هيبتها في الغرفة، ونظر إلى ضيّ بنظرة صقرية قاطعة وقال بحسم ينهي الجدال: “ممنوع الكلام ده خالص!

مفيش خروج ، ومفيش بيات بره البيت ده ولو سمحتي، أنا عايز أشرب من إيدك كوباية شاي، هاتيها لي في البلكونة بعد ما تخلصي أكل” نظرت إليه ضيّ بدهشة، وقبل أن تنطق، التفت كريم نحو والدته وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل أمراً مبطناً: “لو سمحتي يا أمي اوصفي لها مكان المطبخ، وما تدخليش معاها هي اللي هتعمل الشاي بنفسها وتجيبهولي تعالي لي البلكونة يا ضيّ” تركهم كريم وتحرك بخطواته الجسورة نحو الشرفة (البلكونة)

، ساحباً وراءه صمتاً مطبقاً. التفتت السيدة سميحة نحو ضيّ المذهولة، وابتسمت لها قائلة بحنو: “قومي يا حبيبتي اعملي لكريم الشاي، وأنا هاجي معاكي نشيل السفرة” انتفضت ضيّ واقفة وقالت بسرعة: “لا يا طنط خليكي مرتاحة، أنا هشيل السفرة كلها لوحدي” ردت سميحة بضحكة خفيفة: “عيب يا بنتي أنا متعودة على كده كل يوم مع سارة وكريم، إحنا إيد واحدة هنا”

وبالفعل، بدأت ضيّ وسيمحة في جمع الأطباق وأدوات المائدة بخفة ونشاط، ودخلتا إلى المطبخ الدافئ المرتب. وقفت ضيّ أمام البوتاجاز تشعل النار، فاقتربت منها السيدة سميحة وقالت لها بوعي الأمهات الخبير بطباع أولادهن:

“اعملي لي معاكي كوباية شاي أنا كمان يا ضيّ أنا بحب معلقة شاي ومعلقة سكر واحدة، أما كريم بقى، فبيحب الشاي سكر زيادة حطي له تلات معالق سكر، ونص معلقة شاي بس، ما بيحبوش ثقيل وأنتِ شوفي شايك إيه عشان تشربي مع كريم في البلكونة” هزت ضيّ رأسها بخجل وقالت: “حاضر يا طنط” أعدت ضيّ الأكواب بدقة متناهية، سكبت الشاي الساخن الذي تصاعدت منه أبخرة دافئة عطرة، ووضعت الأكواب فوق صينية صغيرة.

حركت السكر في كوب كريم كما وصفته والدته، ثم أخذت نفساً عميقاً لتستجمع شجاعتها، وتحركت بخطوات بطيئة، تحمل الصينية وتتجه نحو الشرفة حيث ينتظرها “الهواري” وسط عتمة الليل ونسمات الهواء الباردة. تسللت نسمات الليل الباردة عبر الشرفة، محملة بهدير ضوضاء القاهرة البعيدة. كان كريم يقف مستنداً بسانديه العريضين على السور الحديدي، يتأمل الفراغ وعقله يزن خيوط التحريات القادمة.

انفتح الباب الزجاجي ببطء، وخرجت “ضيّ” تحمل صينية صغيرة عليها أكواب الشاي. تقدمت بخطوات وجلة، وضعت الصينية على الطاولة الصغيرة، ثم رفعت كوب كريم ببراعم مرتجفة ومدت يدها به قائلة بنبرة خفيضة: “اتفضل الشاي يا كريم” التفت كريم بكامل جسده الفارع، ووقع اسمه من بين شفتيها في أذنيه بوقع غريب. تملكه الاندهاش واستغرب تماماً أنها نادته باسمه مجرداً دون ألقاب، فارتسمت على شفتيه ابتسامة رجولية دافئة، ورفع حاجبه الأيمن بخفة

وقال بنبرة تمازح خجلها: “كويس إنك أخدتي عليا وبقيتي تقولي يا كريم من غير تكليف” لقراءة الفصل التالي : لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية وتيد ضي) مدونة كامومنذ 6 ساعات 0 4 دقائق

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...