الفصل 10 | من 10 فصل

الفصل العاشر

المشاهدات
3
كلمة
1,732
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

رواية رهان الدكش الجزء العاشر 10 بقلم هاجر عبدالحليم رهان الدكشرواية رهان الدكش الحلقة العاشرة مضى أسبوعان على خروج *الحاج سالم* من المستشفى. لم تعد رائحة الخوف تفوح من “قهوة السلطنة”، بل عادت إليها رائحة البن والهيل. كان *الحاج سالم* يجلس خلف الكاشير على كرسي بعجلات، ضحكته تملأ المكان، والدم عاد إلى وجنتيه. أما *رهف*، فكانت تطير من الفرحة. تعد الشاي، وترص البسكويت للزبائن الذين يتوافدون للتهنئة.

*ياسين*… كان واقفًا في المقهى، لكنه لا يحمل صينية. يحمل مقشة. يكنس الأرض بصمت، ورأسه منحنٍ. ضرب *الحاج سالم* على الطاولة بعكازه، وصوته جهوري: *الحاج سالم*: “يا واد يا ياسين! تعالى هنا.” رمى *ياسين* المقشة، ومسح عرقه: *ياسين*: “نعم يا حاج؟؟ *الحاج سالم*: تعالى اقعد.” جلس *ياسين*. وقفت *رهف* خلف أبيها، متكئة على الكاشير، تراقب بعينين تلمعان. أخرج *الحاج سالم* من تحت الكاشير حقيبة قماش قديمة، مغبرة: *الحاج سالم*: “خد.”

فتحها *ياسين*، وعقد حاجبيه: *ياسين*: “إيه دي؟ أخرج كتبًا. كتب ثانوية عامة. رياضيات، فيزياء، كيمياء. صفراء وقديمة، لكنها مغلفة بعناية، كأنها كنز. *الحاج سالم*: “دي… دي كتب ابني الله يرحمه. كان في ثانوي قبل ما يتوفى. شيلتها. وكنت مستني اليوم اللي أديها فيه للي يستاهل.” تجمد *ياسين*. شعر بثقل الكتب في يده، وكأنها مسؤولية العالم: *ياسين*: “يا حاج… أنا… أنا بقالي عشر سنين مافتحتش كتاب.” خبط *الحاج سالم* بعصاه على الأرض:

*الحاج سالم*: “وإيه يعني؟! دماغك دي دهب! إنت الأول على الإعدادية! تقدمت *رهف*، والتقطت كتاب الرياضيات، وفتحته: *رهف*: “بابا عنده حق. إنت لازم تكمل يا ياسين.” رمى *ياسين* الكتب على الطاولة، وتراجع بكرسيه: *ياسين*: “أكمل إيه؟! أنا عندي 26 سنة! هقعد في فصل مع عيال 17 سنة؟! هيقولوا عليا إيه؟! *الحاج سالم*: “هيقولوا راجل! راجل وقع وقام! وبعدين مين قال فصل؟ هتذاكر منازل. وهتمتحن. وأنا… أنا هدفع مصاريف الدروس كلها.”

*ياسين*: “يا حاج…” *الحاج سالم*: “كلمة واحدة. ده مش طلب. ده أمر. ديني اللي في رقبتك… تسده بشهادتك. عايز أشوفك مهندس… قبل ما أموت.” سكت الجميع. الكلمة كانت ثقيلة، نزلت على قلب *ياسين* كالحجر. اقتربت *رهف*، ووضعت يدها على كتاب الرياضيات: *رهف*: “وبعدين… أنا هديلك درس. أنا معايا بكالوريوس تجارة. وشاطرة في الرياضة.” رفع *ياسين* حاجبيه بدهشة: *ياسين*: “إنتِ؟! هتبقي المدرّسة بتاعتي؟! رفعت *رهف* حاجبها، وابتسمت بمكر:

*رهف*: “أيوه. ولو مسمعتش الكلام… هضربك بالعصاية.” في تلك اللحظة، دخل *حمادة*، وسمع آخر الحديث، فصرخ: *حمادة*: “يا نهار إسود! الدكش هيرجع تلميذ! والست رهف هتبقى الأبلة! انفجرت القهوة كلها بالضحك. —في الليل —أول جلسة مذاكرة. طاولة في آخر المقهى. لمبة صفراء تتدلى فوقها. كشاكيل، وأقلام، وكوبان من الشاي يتصاعد منهما البخار.

جلست *رهف* ممسكة بالكتاب، تضع نظارة قراءة على طرف أنفها، وتعقد شعرها بقلم. أما *ياسين*، فكان يجلس أمامها، متصلب الظهر، متوترًا كطفل في أول يوم دراسي، يفرك يديه. خبطت *رهف* بالقلم على الطاولة، وصوتها جاد: *رهف*: “ركز يا أستاذ. دي معادلة من الدرجة التانية. لو المميز موجب…” كان *ياسين* سارحًا في وجهها، يتأمل ملامحها تحت الضوء الأصفر: *ياسين*: “لو المميز موجب… يبقى عينيكي بتلمع.” احمر وجه *رهف*، وزمت شفتيها:

*رهف*: “ياسين! احترم نفسك! إحنا في درس! اتكأ *ياسين* بذقنه على يده، وابتسم: *ياسين*: “مانا بحترم نفسي. بس بحترمك إنتي أكتر. وبعدين… مين قال إن المدرس مايتغازلش فيه م انتي قمر؟ أغلقت *رهف* الكتاب بقوة، وضربت به الطاولة: *رهف*: “خلاص. مفيش مذاكرة. قوم روح.” مد *ياسين* يده بسرعة، وأمسك بمعصمها برفق: *ياسين*: “خلاص… خلاص والله هركز. بس… بس ماتعمليش الوش ده. ده بيشتتني.” سحبت *رهف* يدها، وأشارت إلى الكتاب:

*رهف*: “حل المسألة دي. لو حليتها صح… هعملك شاي زيادة سكر.” أمسك *ياسين* بالقلم، وعيناه تتنقلان بين الكتاب وبينها: *ياسين*: “اتفقنا. ضحك *ياسين*، وانحنى على الكشكول يبدأ الحل. —بعد ساعة. انفتح باب القهوة. دخل شاب يرتدي قميصًا مفتوحًا وسلسلة ذهبية تلمع على صدره، تفوح منه رائحة عطر قوية. بدا واضحًا أنه ليس من أهل السبتيّة. غمز للـ *رهف*، وصوته لزج: *الزبون*: “الله… القهوة دي فيها قمر. واحد شاي يا قمر.”

انكسر القلم في يد *ياسين*، وصدر منه صوت واضح. تجاهلته *رهف*، وسألت بجفاء: *رهف*: “عايز الشاي إيه؟ اقترب *الزبون* من الكاشير، واتكأ عليه: *الزبون*: “عايزه من إيدك. وعايزه معاه رقم تليفونك. عشان أطلب ديليفري بعد كده.” نهض *ياسين* ببطء. وضع الكتاب جانبًا. تحرك بهدوء دار *ياسين* حول الطاولة، ووقف بجسده كالحائط بين *الزبون* و*رهف*، وكتفاه مفرودتان: *ياسين*: عايز اي من مراتي؟

ساد الصمت المقهى كله. شهقت *رهف*، ووضعت يدها على فمها. بلع *الزبون* ريقه، وتراجع خطوة: *الزبون*: “جوزها؟! من إمتى؟ رفع *ياسين* يد *رهف*، وأشار إلى الدبلة الفضة في إصبعها، وعيناه لا تفارقان عيني الشاب: *ياسين*: “من دلوقت صار وجه *رهف* كحبة الطماطم. لكنها لم تسحب يدها. بقيت أصابعها مستسلمة في قبضته. رفع *الزبون* يديه مستسلمًا: *الزبون*: “خلاص يا عم… إحنا آسفين. رمى عشرة جنيهات على الطاولة، وخرج مسرعًا. صفر *حمادة*

من آخر القهوة: *حمادة*: “الله أكبر! يا جدعان! غيرة دي ولا مش غيرة؟! ضرب *عم سيد* كفًا بكف: *عم سيد*: “ده أسد! مش دكش! التفت *ياسين* إلى *رهف*، وما زال ممسكًا بيدها، وأنفاسه متلاحقة: *ياسين*: “آسف… اتصرفت من دماغي نظرت *رهف* إلى الدبلة، ثم رفعت عينيها إليه: *رهف*: “عادي *ياسين*: “يعني… مش زعلانة إني قولت جوزك سحبت *رهف* يدها بالراحة، لكن ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها: *رهف*: “عايزاك تبقي فعلا جوزي شعر *ياسين*

أن قلبه سيتوقف: *ياسين*: “يعني… يعني موافقة؟ عادت *رهف* تمسك بالكتاب، وأخفت وجهها خلفه: *رهف*: “حل المسألة الأول. وبعدين نتكلم في الموافقة. الأبلة قالت كده.” جلس *ياسين*، ووضع يده على قلبه: *ياسين*: “يا رب صبرني. دي هتجيب لي جلطة قبل الامتحانات.” —مر شهر على نفس الروتين. قهوة في الصباح. مذاكرة في العصر. وبالليل، ينزل *ياسين* للعمل في الورشة عند *الأسطى بشندي* ليجمع مصاريف الدروس.

صارت *رهف* “الأبلة رهف” بحق. كشكول تحضير في يدها، وعصا صغيرة ، وكراسة درجات لا تفارقها. *ياسين* ذكي. عقله نشيط. لكنه مرهق، والسواد تحت عينيه يزداد. في ليلة، عند الثانية بعد منتصف الليل. كان *ياسين* قد نام على الكتاب، رأسه فوق الصفحة. دخلت *رهف* تحمل كوب شاي. رأته، فاقتربت على أطراف أصابعها. فردت بطانية خفيفة على كتفيه. مررت أصابعها في شعره برفق، فتح *ياسين* عينه نصف فتحة، ورآها: *ياسين*: “إنتِ… إنتِ لسه صاحية؟

*رهف*: “مانمتش. قلبي كان مقبوض. أمسك *ياسين* بيدها، وقبل باطن كفها: *ياسين*: “… انا تمام .” *رهف*: “طب نام. كفاية النهاردة. كدا” *ياسين*: “ولو نمت… هحلم بإيه؟ ابتسمت *رهف*، ومسحت على جبينه: *رهف*: “احلم… احلم باليوم اللي هتتخرج فيه. وأنا… وأنا قاعدة في الصف الأول… بسقف لك.” أغمض *ياسين* عينيه، وابتسم: *ياسين*: “وعد؟ انحنت *رهف*، وطبعت قبلة سريعة على رأسه، ثم جرت: *رهف*: “وعد.”

وضع *ياسين* يده مكان قبلتها. ظل مبتسمًا. ونام. —بعد شهرين —يوم الامتحان النهائي. وقف *الحاج سالم* و*رهف* و*حمادة* و*عم عبده* ينتظرونه خارج اللجنة. خرج *ياسين*، ووجهه شاحب كأن الدم هرب منه. جرت *رهف* عليه، وأمسكت بذراعيه: *رهف*: “عملت إيه؟! طمني! ظل *ياسين* صامتًا، يخفض رأسه. سقط قلب *الحاج سالم*، وربت على كتفه: *الحاج سالم*: “يا ابني… لو منجحتش مش مهم. المهم إنك حاولت.” فجأة، صرخ *ياسين* بأعلى صوته، ورفع يديه للسماء:

*ياسين*: “نجحت! جبت 88% يا حاج! حمل *رهف* ودار بها في الهواء. *ياسين*: “بفضل الأبلة بتاعتي! الأبلة اللي غلبتني! ضربته *رهف* في كتفه، وهي تضحك وتبكي في نفس الوقت: *رهف*: “نزلني يا مجنون! الناس بتتفرج! أنزلها *ياسين*، ونظر في عينيها أمام الجميع، وأمسك بوجهها: *ياسين*: “خليهم يتفرجوا. عايزهم كلهم يعرفوا… إن الفضل… لست البنات. لمراتي.” وضعت *رهف* يدها على فمها، ودموعها تنهمر: *رهف*: “ياسين!

بكى *الحاج سالم* وضحك في آن واحد، ورفع يديه للسماء: *الحاج سالم*: “الحمد لله… الحمد لله يا رب. ابني… بقى راجل. وبنتي… بقت في إيد أمينة.” انقضت عشر سنوات وتبدل وجه السبتيّة. الشارع الذي كان يومًا يغرق في الطين صار مرصوفًا، والمحلات التي كانت تخشى الإغلاق صارت تتلألأ بالأضواء. وفي أول الشارع، نهضت عمارة شاهقة، حديثة البناء، من عشرة طوابق. وعلى واجهتها الرخامية، لوحة ذهبية كبيرة كُتب عليها: *”برج السلطنة

—ملك الهندسة ياسين عبد التواب”*. في الطابق الأخير، كانت شقتهما. شقة واسعة، نوافذها تطل على النيل من جهة، وعلى السبتيّة كلها من جهة. الأثاث فاخر، والجدران مزينة بلوحات، لكن في الصالة، وبين كل هذا البذخ، تربعت صورة واحدة في إطار خشب قديم: صورة *ياسين* بالجلباب، و*رهف* بالعباية، يقفان أمام “قهوة السلطنة” يوم كتب الكتاب.

كان *ياسين* يجلس في مكتبه الخاص داخل الشقة. يرتدي ساعة ثمينة، وقميصًا كحليًا مكويًا بعناية. أمامه على المكتب، عقود وتصاميم لمشاريع جديدة. وعلى الحائط خلفه، شهاداته كلها: الثانوية، والبكالوريوس، والماجيستير دخلت *رهف*. لم تعد تلك الفتاة النحيفة الخجولة. صارت سيدة، ملامحها تنضح بالنعمة والثقة. ترتدي عباءة حرير أنيقة، وشعرها مصف. في يدها أساور ذهب، لكن في إصبعها، لا تزال الدبلة الفضة تلمع بجوار خاتم سوليتير ضخم

وضعت الصينية، ووقفت خلفه، ومررت يدها في شعره: *رهف*: “لسه صاحي يا بشمهندس؟ الساعة داخلة على 2. والدكتور قالك لازم تنام بدري.” أمسك *ياسين* بيدها، وقبلها، وأغمض عينيه بتعب لذيذ: *ياسين*: “مشروع المول الجديد يا سكر انت. لازم أراجع المقايسة بنفسي قبل ما أسلمها بكره.” سحبت *رهف* كرسيًا وجلست بجواره، ووضعت يدها على بطنها المنتفخة. في شهرها السابع.

*رهف*: “وابنك… برضه بيقولك كفاية. عمال يرفس من ساعة. شكله وارث العند من أبوه.” التفت *ياسين* كله، ولمعت عيناه. انحنى، ووضع أذنه على بطنها، وهمس: *ياسين*: “سامع؟ بابا بيقولك نام عشان بكره عنده شغل كتير. عنده عمارة يبنيها لابنه.” ضحكت *رهف*، ومررت أصابعها في شعره: *رهف*: “إبنك ده… هيطلع شقي. زيك.” ساد الصمت لحظة. صمت مليء بالشبع والرضا. رفع *ياسين* رأسه، ونظر حوله. للشقة، للمكتب، للبرج. ثم نظر إليها.

*ياسين*: “تعرفي… عمري ما حبيت الفلوس. كنت بشوفها بتذل. بس حبيتها رفعت *رهف* حاجبها، وسندت خدها على كفها: *رهف*: “ليه؟ قام *ياسين*، وأمسك بيدها، وأوقفها. أخذها إلى الشباك الكبير الذي يطل على السبتيّة كلها. أشار بيده:

*ياسين*: “عشان الفلوس دي… خلتني أشتري العمارة دي. والعمارة اللي جنبها بقت مدرسة. والورشة بقت شركة. وعشان… عشان كل ما أشوف الفرحة في عينك إنتي وأبوكي… بعرف إن الفلوس دي ليها لازمة. فرحتك… دي المكسب الحقيقي ليا يارهف.” دمعت عينا *رهف*، وأسندت رأسها على كتفه: *رهف*: “وأنا… عمري ما حبيت الدهب. بس بحبه دلوقتي.” *ياسين*: “ليه؟ رفعت *رهف* يدها، وأشارت إلى الدبلة الفضة، وإلى الخاتم الماس، وإلى الغوايش:

*رهف*: “عشان كل حتة دهب في إيدي… إنت اللي جبتها. مش عشان غالية. عشان… عشان كل قطعة فيها قصة. فيها يوم وقفت فيه في ضهري. فيها مرة قولت ‘دوا أبوكي عليا’. فيها مرة نمت على الكتاب عشاني وفيها مرة وقعت من طولك عشان توفر تمن العملية ل ابويا.” ضمها *ياسين* إليه، ويدها على بطنه، ويده على بطنها: *ياسين*: “فاكرة… لما اتجوزنا. دفنت *رهف* وجهها في صدره:

*رهف*: “كنت مرعوبة. مرعوبة منفرحش. مرعوبة منبقاش قد المسؤولية. مرعوبة الفلوس تغيرك. مرعوبة أخسرك بعد ما لقيتك.” قبل *ياسين* رأسها، وصوته عميق: *ياسين*: “وأنا كنت مرعوب… مقدرش أصونك. مقدرش أبقى الراجل اللي تستاهليه. كنت خايف أبقى غني… وأنسى الدكش. أنسى التوك توك. وانساكي.” *رهف*: “بس… محصلش.”

*ياسين*: “محصلش… عشان خفنا سوا. اللي بيخاف لوحده بيضيع. إنما إحنا… خوفنا خلانا نمسك في إيد بعض أكتر. المرّ شربناه سوا. عشان كده… ربنا سقانا الحلو كله سوا. بحبك ياسكر انت”

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...