رواية رهان الدكش الجزء التاسع 9 بقلم هاجر عبدالحليم رهان الدكشرواية رهان الدكش الحلقة التاسعة مضى أسبوع على ما جمعته الحارة من مال. الخمسة عشر ألفًا ذهبت عربونًا للمستشفى. تبقى خمسة وستون ألفًا، وخمسة أيام فقط تفصلهم عن موعد العملية. الدنيا متوقفة. *زنهم* يقبع في الحبس، لكن رجاله يملأون السبتيّة. المقهى يعمل، لكن الهم يثقل صدور الجميع.
كان *ياسين* يقف في المقهى من السادسة صباحًا حتى العصر. يغسل الأرضية وظهره محني، يمسح الطاولات وأصابعه ترتجف من الإرهاق، يعد الشاي ويتشاجر مع كل من يحاول استغلال الوضع. وجهه شاحب ونحيف، وتحت عينيه هالات سوداء. أما *رهف*، فكانت واقفة بجواره لا تبرحه. كلما حمل شيئًا ثقيلًا، مدت يدها لتساعده. كلما سعل من التعب، ركضت بكوب ماء تضعه بين شفتيه. هز *عم سيد* رأسه وهو يراها، وربت على الطاولة:
*عم سيد*: “يا بنتي ارتاحي. الواد ده حمار شغل، مش هيشتكي.” رتبت *رهف* الفناجين بعناية، وعيناها لا تفارقان *ياسين*: *رهف*: “ولو. الشغل سوا… بيهون.” سمعها *ياسين*، فارتسمت على شفتيه نصف ابتسامة متعبة: *ياسين*: “المعلمة بقت تقول حكم.” رمقته *رهف* بطرف عينها: *رهف*: “وإنت بقيت تتكلم كتير. اشتغل.” —في العصر، عند ورشة *الأسطى “بشندي”* الميكانيكي. لأول مرة منذ عشر سنوات، عاد *ياسين* ليقف صبيًا في ورشة.
نظر إليه *الأسطى بشندي*، وهو رجل عجوز كان صديقًا لأبيه، وهز رأسه بقلق: *الأسطى بشندي*: “متأكد يا ابني؟ إنت شغال في القهوة الصبح.” عدّل *ياسين* الأفرول القديم على جسده، ومسح الشحم عن جبينه بظهر يده: *ياسين*: “متأكد يا أسطى. أبو رهف لازم يعمل العملية. ومش هخليه بستنى اكتر من كدا.” ربت *بشندي* على كتفه بقوة، وعيناه تلمعان فخرًا: *بشندي*: “جدع. جدع يا ابن عبد التواب. حسابك اليومية 150. ولو إجدعنت… فيه بقشيش.”
*ياسين*: “على بركة الله.” انحنى تحت سيارة نصف نقل. الشحم يغطي وجهه، والحر يخنقه، وظهره يكاد ينكسر من الانحناء. لكن في رأسه رقم واحد فقط: خمسة وستون ألفًا. كل مسمار يفكه، يهمس: “جنيه”. كل عجلة يغيرها، يقول: “عشرة جنيه”. —عند منتصف الليل. أُغلقت الورشة. خرج *ياسين* مترنحًا، لا يكاد يرى أمامه. الأفرول أسود من الشحم، ويده تنزف من جرح صغير، وكتفه متصلب من الحمل.
مشى في أزقة السبتيّة الخاوية. الشوارع صامتة، إلا من ضوء قهوة السلطنة. كانت *رهف* جالسة تنتظره على الكنبة الخشبية. أمامها ترمس شاي، وصينية طعام مغطاة بفوطة نظيفة. ما إن دخل، حتى انتفضت واقفة، وشهقت: *رهف*: “إيه ده؟! إيدك مالها؟! وضهرك كمان ياخرابي! ألقى *ياسين* بجسده على الكنبة، وأغمض عينيه بتعب: *ياسين*: “مفيش… شوية شحم. هقوم أغسل نفسي.” أمسكت *رهف* بذراعه، وأجبرته على البقاء جالسًا: *رهف*: “تتغسل إيه!
إنت مش قادر تصلب طولك! اقعد! أحضرت ماءً ساخنًا وفوطة، وجلست أمامه على ركبتيها. بدأت تمسح وجهه برفق، ثم يديه المتشققتين. ظل *ياسين* صامتًا، يختلس النظر إليها بخجل. هذه أول مرة تلمسه فيها فتاة بهذه الحنان منذ وفاة أمه. *ياسين*: “إنتِ إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟ لم ترفع *رهف* عينيها عن يده المجروحة وهي تمسحها: *رهف*: “مستنياك. إنت فاكرني هنام وإنت في الشارع متدغدغ؟
كشفت الغطاء عن الطعام. ملوخية خضراء، وقطعتا دجاج، وأرز أبيض تفوح منه رائحة السمن. *رهف*: “كل. عملتهالك بإيدي. عشان تقوى.” بلع *ياسين* ريقه، ونظر للطعام ثم إليها: *ياسين*: “طب وأبوكي؟ أكل؟ *رهف*: “أيوه أكل ونام. دلوقتي دورك بقا.” بدأ *ياسين* يأكل. مع أول لقمة، شعر أنها أطيب لقمة تذوقها في حياته. ليس بسبب الطعم، بل بسبب اليد التي أعدتها. قال وفمه مليء بالطعام، وعيناه تلمعان: *ياسين*: “وحياة ربنا… إنتِ جبارة
ضربته *رهف* بالفوطة على كتفه، واحمر وجهها: *رهف*: ” ضحك *ياسين* بتعب، ومسح فمه: ساد الصمت. هو يأكل بنهم، وهي جالسة أمامه، تسند خدها على كفها، تتأمله وعيناها تلمعان بحنان لم تخفه. همست *رهف* بعد برهة: *رهف*: “ياسين… إنت ليه بتعمل في نفسك كده؟ توقف *ياسين* عن الأكل، ووضع الملعقة: *ياسين*: “عشان… عشان لما قولت لك ‘دوا أبوكي عليا’… ماكنتش بهزر. الكلمة دي… دين. والدين لازم يتسد.” نزلت دمعة من عين *رهف*، وسألت بصوت مبحوح:
*رهف*: “طب وأنا؟ دوايا مش عليك؟ ترك *ياسين* الملعقة، ورفع عينيه إليها: *ياسين*: “دواكي؟ اقتربت *رهف* وهمست، وكأنها تبوح بسر: *رهف*: “أيوه. دوايا… إنك تفضل كويس. إنك ماتقعش من طولك. إنك… إنك تفضل جنبي.” مد *ياسين* يدها، وأمسك بكفها الملطخة ببقعة صلصة، وضغط عليها برفق: *ياسين*: “وأنا جنبك. مسحت *رهف* دموعها بسرعة، وابتسمت من بين شهقاتها: *رهف*: “طب كل في اليوم التالي، تكرر المشهد ذاته.
قهوة في الصباح. ورشة في الليل. *ياسين* ينحف يومًا بعد يوم، وعظام وجنتيه تبرز. لكن النقود تزيد. مئة وخمسون… مئتان مع البقشيش. *رهف* تنتظره كل ليلة. بالأكل الساخن. بالشاي. بالفوطة المبللة بماء دافئ تدلك بها ظهره المتصلب. وفي ليلة، وهو عائد، خانته قدماه. سقط في منتصف الشارع، والأكياس تقع من يده. كان *حمادة* مارًا بالصدفة، فصرخ: *حمادة*: “يا نهار إسود! ياسين! حمله على ظهره، وركض به إلى المقهى. ما إن رأته *رهف*،
حتى صرخت ويدها على قلبها: *رهف*: “إيه اللي حصل؟! ماله؟! *حمادة*: “وقع من طوله! جسمه مش مستحمل! فتح *ياسين* عينيه بصعوبة، وهمس: *ياسين*: “سيبوني… أنا كويس… لازم أروح الورشة بكره…” انفجرت *رهف* بالبكاء، وهزته من كتفيه: *رهف*: “ورشة إيه يا مجنون؟! إنت هتموت نفسك؟! كفاية! كفاية بقى! أمسك *ياسين* بيدها، وضغط عليها بوهن: *ياسين*: “فاضل… فاضل 40 ألف. 3 أيام… على العملية. لازم… لازم أكمل.” ثم أغمض عينيه، وغاب عن الوعي.
—في المستوصف. خلع الطبيب نظارته، وقال بحزم: *الدكتور*: “إجهاد حاد. وأنيميا. ةضغط واطي. لازم راحة تامة 3 أيام على الأقل. لو كمل كده… مضمنش خالص حالته.” كانت *رهف* تمسك بالروشتة، ويداها ترتجفان: فتح *ياسين* عينيه بصعوبة، وهمس: *ياسين*: “هقوم… بكره… هقوم…” أمسكت *رهف* بوجهه بين كفيها، ودموعها تسقط على وجهه: *رهف*: “هتقوم تروح فين؟! خلاص خلصت يادكش في الليلة نفسها، ببيت *الحاج سالم*. عندما علم، صرخ من فوق سريره،
وصوته يهز جدران الغرفة: *الحاج سالم*: “! هاتي الواد ده هنا! حالاً! دخل *ياسين*، متكئًا على *حمادة*، وبالكاد يقف. أشار *الحاج سالم* بعكازه، وعيناه تقدحان غضبًا وأبوة: *الحاج سالم*: “إنت يا واد! إنت فاكر نفسك مين؟! فاكر نفسك حديد؟! *ياسين*: “يا حاج…” انهمرت دموع *الحاج سالم* على لحيته:
*الحاج سالم*: “يا ابني… إنت بتموت نفسك عشاني. وأنا… أنا راجل عجوز. عشت حياتي. إنما إنت… إنت لسه شبابك. لسه فرحك. لسه عيالك. ماتضيعش نفسك! نزل *ياسين* على ركبتيه بجانب السرير، وأمسك بيد الرجل العجوز: *ياسين*: ” فرح! . إنتو أهلي. والأهل… بنموت عشانهم.” احتضنه *الحاج سالم*، وبكى بحرقة: *الحاج سالم*: “ربنا… ربنا يجبر بخاطرك يا ابني. ويعوضك. بس أوعدني… أوعدني تبطل اللي بتعمله. هنتصرف. هنبيع القهوة لو اضطرينا..”
نظر *ياسين* إلى *رهف*، التي تقف عند الباب تبكي بصمت: عند الفجر، أمام الجامع. كان *ياسين* يجلس وحده على درجات السلم، رافعًا يديه إلى السماء، وعيناه مغمضتان. همس، وصوته يختنق: *ياسين*: “يا رب… أنا تعبت. عملت كل اللي أقدر عليه. اشتغلت… واتكسرت… ووقعت. فاضل إنت. فاضل كرمك. ماتكسرنيش قدامها. ماتخدهوش منها. وماتخدهاش مني. يا رب… سمع صوت خطوات تقترب. فتح عينيه. كان *عم عبده* قادمًا، يحمل كيسًا أسود.
*عم عبده*: “ياسين يا ابني… خد.” ورمى الكيس في حجره. *ياسين*: “إيه ده يا عم عبده؟ *عم عبده*: “ده… ده ورث أبوك. أنا كنت شايله. لما أعمامك طردوكم… أبوك كان سايب معايا أمانة. سبيكة دهب. قاللي… لو مت، خليها لياسين لما يكبر. عشان يبدأ حياته.” فتح *ياسين* الكيس بيد مرتجفة. سبيكة ذهب تلمع في ضوء الفجر الأول. شهق، ولم يصدق عينيه: *ياسين*: “أبويا…؟ بكى *عم عبده*، وربت على كتفه:
*عم عبده*: “أيوه يا ابني. أبوك مات… وهو سايب لك سند. روح… روح بيعها. واعمل العملية للحاج سالم. واتجوز البت… وعيش. ده… ده كان حلم أبوك.” ضم *ياسين* السبيكة إلى صدره، ثم احتضن *عم عبده*، وبكى. بكى وجع عشر سنوات، وذل عشر سنوات، وجوع عشر سنوات. —بعد ساعتين، في الصاغة. وقف *ياسين* و*رهف* و*حمادة*. الصائغ يزن السبيكة على الميزان الحساس. *الصايغ*: “السبيكة دي… تعمل 70 ألف. بالسعر النهاردة.” شهقت *رهف*، وأمسكت بيد *ياسين*
بقوة: *رهف*: “70 ألف؟! نزلت دموع *ياسين* على وجنتيه دون خجل: أخذ النقود، وركض كالمجنون نحو المستشفى. —غرفة العمليات —بعد يومين. كان *الحاج سالم* يُدخل إلى العمليات. *رهف* و*ياسين* واقفان، أيديهما متشابكة بقوة، والأصابع بيضاء من الشد. ست ساعات مرت كأنها ست سنوات. فُتح الباب. خرج الطبيب، يخلع الكمامة، وعلى وجهه ابتسامة واسعة. *الدكتور*: “العملية نجحت. الحاج سالم… بقي كويس الحمد الله حمد الله ع سلامته …..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!