تحميل رواية رماد الانتقام بقلم هاجر سلامة pdf
بقلم هاجر سلامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ رماد الانتقام بقلم هاجر سلامة.
رواية رماد الانتقام الفصل الأول 1 - بقلم هاجر سلامة
“أمي.. نور.. متسبونيش!” الصرخة دي مابتفارقش وداني من خمستاشر سنة. كل يوم بصحى على نفس الكابوس، ونفس الوجع اللي بيأكل في قلبي.
أصعب حاجة في الدنيا إنك تشوف اللي بتحبهم بيتذ..بحوا قدام عينك وأنت عاجز، طفل مش قادر يعمل حاجة غير إنه يتفرج والدنيا بتتهد فوق دماغه.
من الليلة دي، أنا مابقتش بني آدم طبيعي، أنا بقيت “جسار”.. بني آدم اتولد من وسط الد..م والنا..ر، وعايش لسبب واحد بس.. إني أدوق اللي عمل كده من نفس الكاس، وأحر.ق قلبه زي ما حر.ق قلبي.
كانت ليلة خريفية مظلمة، الرياح تعصف بأوراق الشجر الجافة خارج المنزل الصغير المتواضع في أطراف العاصمة.
في الداخل، كان “جسار” الفتى الذي لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، يجلس بجانب شقيقته الصغرى “نور” ذات السنوات الست، يحاول تهدئتها بعد أن نامت والدتهما المنهكة من العمل.
منذ وفاة والدهما قبل سنوات، تولت الأم عبء الحياة وحدها، وشاركها جسار المسؤولية بقلب رجولي مبكر وعزيمة صلبة.
فجأة، تحطم سكون الليل بصوت عنيف هزّ أركان البيت.
انخلع باب المنزل إثر ركلة قوية، ودخل ثلاثة رجال ملثمين، تتطاير من أعينهم قسوة تلوح بالموت والخراب.
انتفضت الأم مذعورة، وحاول جسار الوقوف جسوراً حائلاً بين شقيقته وهؤلاء الذئاب، لكن ضربة عنيفة ومباغتة بكعب مسد..س على رأسه طرحته أرضاً.
شُلّت حركة جسده الصغير جراء الد..ماء النزيفة التي أعمت عينيه، لكن وعيه ظل حاضراً رغماً عنه، ليشهد على الجحيم المستعر.
توسلت الأم، بكت، صرخت مستغيثة بجدران البيت الصامتة، لكن لا مجيب في تلك المنطقة النائية.
أمام عيني جسار العاجزتين والمقيدتين بالضعف، تناوب الذ..ئاب البشريون على والدته بلا رحمة، حتى خمدت أنفاسها تحت وطأة وحشيتهم، وما..تت قهرًا واغتصا..باً أمام طفلها.
لم يكتفِ زعيمهم بتلك الجريمة النكراء، بل التفت إلى الصغيرة “نور” التي كانت تبكي برعب وتهتز في زاوية الغرفة، أشار لرجاله قائلاً بنبرة باردة كالموت: “هاتوا البنت دي.. المشتري مستني الكلية بتاعتها الليلة، والفلوس جاهزة في الشنطة”.
سحبوا الصغيرة بعنف وهي تصرخ بأعلى صوتها: “جسار! الحقني يا جسار!”.
حاول الفتى النهوض بكل ما أوتي من قوة، زحف على الأرض بجسده المنهك تاركاً خطاً طويلاً من الد..ماء القانية، لكن أحدهم ركله في بطنه بقسوة ليفرغ ما تبقى من وعيه، وطيف شقيقته يختفي في ظلمات الليل الدامس.
حين أفاق جسار بعد ساعات، كان المنزل قد تحول إلى قبر صامت وموحش. جثة أمه هامدة وباردة، وشقيقته اختفت للأبد، وعلم لاحقاً من تقصيه للأمر أنها لم تتحمل الجراحة الجائرة وتوفيت في نفس الليلة.
في تلك الليلة المشؤومة، دُفن الطفل البريء داخل جسار، وولدت شخصية جديدة يسكنها الشر والحقد والرغبة العارمة في التدمير. أقسم فوق جثة أمه أن يجد الفاعل، وعرف من وراء القناع اسماً واحداً حفره في خلايا عقله ووشمه على قلبه: “عاصم السلحدار”، الرجل الغني الذي اشترى حياة شقيقته الطفلة لإنقاذ عمله، وكان المحرك الأساسي وراء تلك الفا..جعة.
هرب جسار من الملجأ الذي أُودع فيه، وتسلل عبر الموانئ كعامل صيد بسيط، ثم استطاع السفر إلى الخارج بطرق غير شرعية. طوال خمسة عشر عاماً، لم يكن ينام أكثر من أربع ساعات في اليوم. عمل في غسيل الأطباق، ثم في تجارة الخردة، ثم دخل عالم المقاولات والاستثمارات بعقلية فذة وقلب من حجر لا يعرف الرحمة أو الشفقة.
كبر اسمه في السوق العالمية، وتحولت شركته الصغيرة إلى مجموعة شركات عملاقة تهتز لها الأسواق في أوروبا.
كان يجمع المال والسلطة والنفوذ لسبب واحد فقط: ليعود إلى مصر كإعصار مدمر يقتلع عاصم السلحدار وكل من يمت له بصلة من جذورهم.
في الجانب الآخر من القاهرة، وفي قصر يفيض بالثراء الفاحش والرفاهية، كانت “بيري” ابنة عاصم السلحدار الصغرى، تعيش في عالم وردي خالص لا يشوبه شائبة أو كدر.
كانت فتاة ناصعة البراءة، مفرطة الحساسية، تمتلك قلباً يتسع للكون، وتحمل في عينيها صفاء السماء.
بالنسبة لعاصم، كانت بيري هي كل حياته، مدللته المفضلة التي يلبى لها أي طلب قبل أن تنطق به، يفضلها علناً وبشكل مبالغ فيه عن شقيقتها الكبرى “أميرة”.
كانت أميرة تراقب هذا التفضيل المستمر بقلب يملأه الغل والحسد. تحاول طوال حياتها أن تثبت لوالدها أنها الأكفأ، وأنها تستحق مكانة بيري في قلبه، لكن دون جدوى.
هذا السعي الأعمى خلف الاعتراف والتقدير قادها إلى الدخول في صفقات مشبوهة ومضا..ربات خاسرة في البور..صة، واستدانت مبالغ طائلة من البنو..ك باسم شركات والدها دون علمه، لتقع في فخ القروض التي تعجز تماماً عن سدادها.
في مكتبه الفخم ذي الأثاث الكلاسيكي، كان عاصم السلحدار يجلس واضعاً رأسه بين يديه، والملفات والإنذارات القضائية تحاصره من كل جانب.
دخلت أميرة وهي ترتجف من أقصاها إلى أقصاها، ممسكة بتقرير مالي أخير.
أميرة بخوف وتلعثم: “بابا.. أنا.. أنا مش عارفة أقول لحضرتك إيه، بس المحامي لسه مكلمني، والبنك بعت إنذار أخير بالحجز على الشركتين والمصنع الكبير”.
عاصم بغضب عارم وهو يخبط بقبضته على المكتب: “إنتي إيه اللي هبتيه ده يا أميرة؟ قرض بالملايين من ورايا؟ وبضمانات الشركات كلها؟ إنتي ضيعتينا! ضيعتي اسم السلحدار في الأرض وسجنتيني!”.
أميرة وهي تبكي بنحيب: “كنت عايزة أكبر الشغل والله يا بابا.. كنت عايزة أثبتلك إني أحسن من بيري اللي مابتفهمش في البيزنس وعايشة في الدلع بس.. مكنتش أعرف إن السوق هيقع بيا بالشكل ده”.
عاصم بصراخ هز أركان المكتب: “بيري برقبتك! بيري عمرها ما أذتني ولا جابتلي مصيبة.. إنتي خربتي بيتي، الشركات هتقفل في وشي وأنا هفلس وهدخل السجن بسبك وبسبب غبائك!”.
خرجت أميرة باكية يملأها الخزي والكره، وتركته يواجه مصيره الأسود وحده. وفي تلك الأثناء القاتمة، رن هاتف عاصم؛ كان صديقه وشريكه القديم يعرض عليه حلاً وحيداً لإنقاذه من عار السجن: أن تتزوج بيري من ابنه “آسر”، مقابل ضخ سيولة مالية ضخمة تسدد ديون البنك وتنقذ المجموعة من الإفلاس.
في المساء، استدعى عاصم ابنته المفضلة بيري إلى مكتبه.
كانت ملامحه منكسرة تماماً، وعيونه حمراء من شدة الهم والبكاء. نظرت إليه بيري بقلق شديد، وجلست أمامه تمسك يده بخصالها الرقيقة والدافئة.
بيري بقلق شديد: “مالك يا حبيبي؟ شكلك تعبان قوي بقالك كام يوم.. في حاجة مضيقاك ومخبّيها عليا؟”
عاصم بنبرة مكسورة ومصطنعة يملأها الخبث: “بيري يا بنتي.. أنا بمر بأزمة كبيرة قوي في الشغل.. أزمة مفيش منها مخرج، وممكن توديني ورا القضبان وتضيع كل اللي بنيته في حياتي عشانكم”.
بيري بشهقة وخوف حقي: “سجن؟ بعد الشر عنك يا بابا! قوللي أعمل إيه وأنا أعمله فوراً.. أبيع نصيبي في الفيلا أو أي حاجة أملكها؟”
عاصم وهو يمسك يدها ويمثل البكاء، والدموع تتحدر على لحيته مستغلاً براءتها: “الحل الوحيد في إيدك إنتي يا بيري.. صاحبي وعمري (صلاح) طلب إيدك لابنه آسر.. آسر بيحبك وشارينا، وصلاح شرطه عشان يضخ السيولة وينقذني من الحبس إن الجوازة دي تتم الأسبوع ده”.
بيري بصدمة تراجعت للخلف ونفضت يدها: “آسر؟ بس أنا مابحبوش يا بابا! وعمري ما فكرت فيه كزوج أصلاً.. أرجوك متعملش فيا كده وتجبرني عليه”.
عاصم وهو يزيد في البكاء والتمثيل المؤثر: “يعني هتهوني عليا يا بيري؟ هتشوفي أبوكي اللي كبرك ودلعك وفضّلك على الكل بيترمى في السجن ومتبكيش عليا؟ أنا ماليش غيرك ينجدني من المصيبة دي”.
بيري وهي تبكي بحرقة شديدة متأثرة بدموع والدها: “خلاص.. خلاص يا بابا أرجوك متعيطش، دموعك دي بتد..بحني.. أنا موافقة عشان خاطرك”.
ثم سكتت قليلاً ونظرت إليه بحيرة وتساؤل: “بس اشمعنى أنا يا بابا؟ ليه مطلبتش كده من أميرة وهي الكبيرة، وكمان بتفهم في الشغل عني وبتتعامل مع آسر دايماً؟”
عاصم وهو يمسح دموعه بخبث وارتياح داخلي: “لأن آسر بيحبك إنتي يا بيري.. وعايزك إنتي بالذات، وأنا مقدرش أغصبه على أميرة وهو رافضها”.
انصرفت بيري إلى غرفتها، والدموع لا تجف من عينيها كشلال من الحزن. شعرت أن عالمها الجميل قد انهار فجأة كقصر من الرمال، وأنها ستدفع ثمن إنقاذ عائلتها من سعادتها الشخصية وحريتها.
لم تكن تعلم أن هذا العريس ليس سوى قشرة خارجية لأحداث أعظم وأكثر دموية، وأن هناك طوفاناً جارفاً قادماً من الخارج، طوفاناً يحمل اسم “جسار”، الذي كان في تلك اللحظة بالذات، يقف في مطار القاهرة الدولي بعد غياب خمسة عشر عاماً.
كان يرتدي حُلة سوداء فاخرة تنم عن ثراء فاحش، وعيناه كالجمر المشتعل يلفهما السواد والنقمة، ينظر إلى أضواء المدينة الصاخبة ويهمس بنبرة مخيفة تقشعر لها الأبدان: “رجعتلك يا عاصم السلحدار.. رجعت عشان أخد حقي وحق دم أمي وأختي.. ومن أعز وأغلى ما تملك في دنيتك”
رواية رماد الانتقام الفصل الثاني 2 - بقلم هاجر سلامة
مرت يومان على موافقة بيري، وكان القصر يعج بحركة غير طبيعية. أميرة كانت تتحرك كالأفعى، تنظم تفاصيل الحفل المزمع عقده بأمر من والدها، وتوزع الابتسامات المزيفة أمام آسر وعائلته، بينما كانت في خلوتها تشتعل غيظاً وحقداً. أما عاصم، فقد استعاد جزءاً من بريقه المزيف، وبدأ يتنفس الصعداء بعد أن ضمن السيولة المالية التي ستنقذ رقابته من حبل المشنقة القضائية.
وسط هذا الصخب، كانت بيري تختنق. لم تكن طاقة جسدها النحيل وعقلها البريء تتحمل كل هذا الضغط النفسي.
نظرات آسر المتملكة كانت تثير رعبها، وكلمات التهنئة المنافقة من صديقاتها كانت تقع على أذنها كالمطارق. في المساء، ومع غياب الشمس الحارقة خلف الأفق، شعرت برغبة عارمة في البكاء والفرار. ارتدت فستاناً بسيطاً من القطن الأبيض، ولفّت وشاحاً رقيقاً حول كتفيها، وتسللت من الباب الخلفي للقصر دون أن يلمحها أحد من الحراس المشغولين بالتحضيرات.
قادت سيارتها الصغيرة بلا وجهة محددة، فقط تتبع الطريق المؤدي إلى أطراف المدينة، حيث يمتد الشاطئ المهجور الذي اعتادت زيارته مع والدها في صغرها. كانت بحاجة إلى سماع صوت الأمواج، بحاجة إلى هواء نقي يغسل الحزن القابع في صدرها.
ترجلت من سيارتها، وسارت على الرمال الناعمة وعيناها تفيضان بالدموع. جلست فوق صخرة مرتفعة قريبة من لسان بحري ممتد، وراحت تبكي بحرقة، تسأل السماء بصوت مخنوق عن ذنبها في كل ما يحدث. لم تكن تعلم أن هناك عيوناً تترصدها من بعيد، عيوناً خبيثة كانت تتبع سيارتها منذ خروجها من المنطقة السكنية.
ثلاثة شبان من المنحرفين، كانوا يتسكعون في تلك المنطقة المظلمة. لمحوا الفتاة الجميلة المدللة تجلس بمفردها في هذا الوقت المتأخر. تبادلوا النظرات الجشعة، وتحركوا نحوها بخطوات خبيثة هادئة مستغلين صوت تلاطم الأمواج الذي حجب صوت أقدامهم.
فجأة، شعرت بيري بظل يقترب منها.
انتفضت واقفتة بذعر، لتجد نفسها محاصرة بين ثلاثة رجال، تتصاعد منهم رائحة الكحول والقذارة. تراجعت للخلف خطوة، لكن الصخرة كانت تنتهي بجرف حاد يهبط مباشرة إلى المياه العميقة والمضطربة.
الشاب الأول بابتسامة مقززة: “يا محاسن الصدف.. القمر بيعمل إيه لوحده في الضلمة دي؟ مش عيب الحلو ده يعيط ويسيبنا؟”
بيري برعب وصوت يرتجف: “أنتم مين؟ وعايزين إيه؟ ابعدوا عني وإلا هصرخ وألمّ الناس عليكم!”.
الشاب الثاني بضحكة ساخرة: “تلمي مين يا قطة؟ إحنا في حتة مقطوعة.. تعالي معانا بالذوق في العربية مش هتحسي بحاجة، بدل ما نعملها معاكي قلة قيمة هنا”.
بيري وهي تبكي وتصرخ: “سيبوني في حالي! بابا مش هيرحمكم.. سيبوني!”.
تقدم الشاب الأول ومسك ذراعها بعنف، محاولاً سحبها نحو الطريق العام حيث تقف حافلتهم الصغيرة.
صرخت بيري صرخة هزت أرجاء المكان، وضريته بحقيبتها الصغيرة على وجهه بكل ما تملك من قوة مستمدة من الرعب. تراجع الشاب للخلف وهو يسبّها بغضب، وفي تلك اللحظة الوجيزة من التشتت، التفتت بيري إلى الوراء. لم تجد أمامها خياراً سوى الموت المظلم في بطن البحر، أو الاستسلام لهؤلاء الذئاب الذين ذكروها بنبرتهم بأسوأ الكوابيس التي يمكن أن تواجهها امرأة.
بأعين مغمضة وقلب ينبض بعنف، رمت بيري بنفسها من فوق الجرف الصخري، لتسقط في مياه البحر الباردة والعميقة.
تعالت صيحات الشبان بالشتائم، وخوفاً من افتضاح أمرهم أو وصول الشرطة بعد صراخها، ركضوا نحو حافلتهم وفروا هاربين من المكان.
في تلك الأثناء، وتحديداً على متن يخت فاخر كان يرسو على بعد مسافة قصيرة من الشاطئ، كان “جسار” يقف على السطح، يرتدي قميصاً أسوداً غير ممتلئ الأزرار، ممسكاً بكأس من الماء البارد، يتأمل النجوم بعيون فارغة من أي مشاعر سوى الرغبة في الانتقام.
كان قد بدأ بالفعل في جمع الخيوط حول شركات عاصم السلحدار، ويعلم تماماً أزمتها المالية ويسعى لشراء الديون ليحكم القبضة عليه.
تناهى إلى سمعه الحاد صوت ارتطام قوي بالماء، ه صوت استغاثة مكتوم ومتقطع. لم يتردد لثانية واحدة، فبرغم قسوة قلبه، إلا أن غريزته وجسده الرياضي تحركا تلقائياً.
قفز في الماء ببراعة، وشق الأمواج بضربات ذراعية القوية متجهاً نحو مصدر الصوت.
لمح جسداً أبيض يغوص لأسفل، كانت بيري قد بدأت تفقد وعيها وقدرتها على المقاومة، والمياه تجذبها للقاع. غاص جسار خلفها، وأمسك بجسدها النحيل من خصرها، ثم صعد بها إلى السطح. سحبها نحو الشاطئ الرملي بهدوء وثبات، ودفع جسدها برفق فوق الرمال.
جثا بجانبها، وبدأ يضغط على صدرها بقوة لفرز المياه التي ابتلعتها. راحت بيري تسعل بعنف وتلفظ الماء، ثم فتحت عينيها ببطء شديد. كان الضباب يلف رؤيتها، لكنها لمحت ملامح رجل حادة، صارمة كأنها نُحتت من صخر، وعيون سوداء واسعة تنظر إليها بجمود تام، دون أي تعاطف أو لهفة، بل كانت نظراته مليئة بالغموض والعجرفة.
بيري وهي تنهج وبتترعش من البرد والخوف: “أنا.. أنا فين؟ أنتم مين؟”
جسار بصوت جهوري، بارد زي الثلج وعابس الوش تماماً: “إنتي على الشاطئ.. والكلاب اللي كانوا بيجروا وراكي هربوا.. احمدي ربنا إني كنت قريب”.
بيري بدموع وهي بتحاول تقعد: “شكراً.. شكراً جداً ليك، أنت أنقذت حياتي.. أنا مكنتش عارفة هعمل إيه لو…”
قطع كلامها جسار وهو بيقوم ويقف بكل برود ومبيحاولش حتى يمد إيده يساعدها تقوم: “مش وقت شكر.. قومي اخلصي، هدومك مبلولة والوقت متأخر.. قوليلي بيتك فين عشان أروحك، مش ناقص مصايب على الساحل الليلة”.
بيري استغربت جداً من طريقته الجافة وقسوته اللي واضحة في كلامه ونظراته، وقامت وهي بتترعش: “ممكن.. ممكن توديني قصر عاصم السلحدار في التجمع؟”
عند سماع اسم “عاصم السلحدار”، تجمعت الدماء في عروق جسار كبركان يوشك على الانفجا..ر.ضاقت عيناه بقوة، ونظر إلى الفتاة الماثلة أمامه بتمعن أكبر دقق في ملامحها الرقيقة، وتذكر الصور التي جمعها رجاله عن عائلة السلحدار. “إنها بيري.. الابنة المدللة الغالية لعاصم!”، هكذا صرخ عقله بشيطا. نية.
ابتسم جسار في داخله ابتسامة مرعبة لم تظهر على وجهه العابس. القدر يخدمه بشكل لا يصدق، ويسوق إليه أثمن ما يملك عدوه اللدود حتى يضعها بين يديه دون عناء.
صعدت بيري إلى سيارته الفارهة السوداء وهي ترتجف من البرد، بينما جلس هو خلف عجلة القيادة، ينطلق بسرعة جنونية نحو القصر، وعقله ينسج خيوط اللعبة الجديدة التي ستحرق عاصم السلحدار تماماً، مستغلاً جهل هذه الفتاة المسكينة بحقيقة أبيها الشيطانية
رواية رماد الانتقام الفصل الثالث 3 - بقلم هاجر سلامة
وقفت السيارة الفارهة سوداء اللون أمام البوابة الحديدية الضخمة لقصر عاصم السلحدار. كان الحراس يركضون بهلع بعد أن تبيّنوا وجود الابنة الصغرى داخلها بملابسها المبتلة ووجهها الشاحب كالموت. ترجل جسار من السيارة بكل شموخ وثقة، كأنه ملك يطأ أرضاً غنمها في معركة، بينما كانت بيري تتحرك بخطوات واهنة، والبرد ينهش جسدها النحيل.
انفتح باب القصر بلهفة، وخرج عاصم السلحدار يركض كالمجنون، لكن أحدهم سبقه بالركض؛ إنه آسر، ابن صديق والده، الذي كان متواجداً في القصر بالصدفة لمتابعة ترتيبات الزواج. آسر لم يكن مجرد عريس، بل كان مهووساً ببيري منذ طفولتهما، يراقبها كملك ملكية خاصة لا يسمح لأحد بالاقتراب منها.
ما إن لمح آسر بيري بحالتها المزرية حتى جُن جنونه.
ركض نحوها كالإعصار، وأمسك بكتفيها يتفحصها بلهفة وخوف مفرط ينم عن هوسه الشديد بها، متجاهلاً وجود الرجل الضخم الواقف بجانبهما.
آسر بلهفة وهلع وهو بيشدها لحضنه: “بيري! حبيبتي إيه اللي حصلك؟ هدومك مالها مبلولة كده ليه؟ أنتي كويسة؟ حد عملك حاجة؟ انطقي يا بيري أنا قلبي كان هيقف عليكي!”
بيري وهي بتحاول تبعده عنها بتعب وكسوف: “أنا.. أنا كويسة يا آسر.. سيبني بس عشان تعبانة، الأستاذ ده هو اللي أنقذني من المو.ت في البحر”.
التفت آسر بغضب وعيون حمرا نحو جسار، وبص له من فوق لتحت بقرف: “أنت مين؟ وعملت فيها إيه؟ وإزاي بنتي تكون معاك في عربيتك بالمنظر ده؟”
جسار بص لآسر بنظرة باردة، حادة كالشفرة، وقدم خطوة خلت آسر يتراجع غصب عنه من هيبته: “أنا مين دي متخصكش يا شاطر.. بس لسانك وحركاتك دي تلمها، بدل ما ألمك أنا بطريقتي.. أنا رجعت البنت لأهلها، والكلام مع صاحب البيت مش مع عيال”.
تدخل عاصم السلحدار بسرعة ليفض الاشتباك، بعد أن شعر بهيبة جسار الطاغية.
شكر عاصم جسار بامتنان زائف، وطلب من زوجته وأميرة أخذ بيري بسرعة إلى غرفتها لتبديل ملابسها. صعدت بيري والدموع في عينيها، وهي تلتفت لمرة أخيرة نحو جسار، تشعر بغموضه الشديد وتقرأ قسوة غريبة في عينيه المتحديتين لآسر.
قاد عاصم جسار نحو مكتبه الفخم، وتبعهما آسر الذي رفض المغادرة، وجلس وعيناه تشتعلان غيظاً من هذا الغريب.
جلس جسار على المقعد الجلدي الوثير بكل أريحية، ووضع قدماً فوق الأخرى بعجرفة، وبدأ يوجه كلامه لعاصم مباشرة، متجاهلاً وجود آسر تماماً.
جسار ببرود شديد: “أنا اسمي (جسار الجبالي).. صاحب مجموعة الجبالي العالمية للاستثمار.. وأظن إنت عارف الاسم ده كويس يا عاصم بيه، وعارف إن في إيدي أشتري ديونك كلها من البنوك بكره الصبح وأقفل قضايا الإفلاس اللي هتدخلك السجن”.
عاصم صدمته كانت زلزال، وقف من ذهوله: “جسار الجبالي؟ الحوت اللي في أوروبا؟ أنت.. أنت اللي تقدر تنقذني بجد!”.
آسر وقف بعصبية وخبط على المكتب: “تنقذ مين يا عم أنت؟ عمي عاصم مش محتاجك، أنا وأبويا هنسد الديون، وبيري هتبقى مراتي الأسبوع ده، اخرج بره اتفضل!”.
جسار مابصش لآسر أصلاً، فضل باصص لعاصم وابتسم بسخرية: “العرض بتاعي كالتالي يا عاصم بيه.. أنا هسدد كل ديونك بالكامل، وهضخ ملايين ترجع شركاتك للقمة.. في مقابل حاجة واحدة بس.. أنا هجوز بنتك بيري.. فوراً والأسبوع ده”.
وقع الطلب كالصاعقة في الغرفة. اشتعل آسر غضباً وفقد السيطرة على نفسه، بينما تلمعت عيون عاصم بالجشع عند سماع اسم “مجموعة الجبالي العالمية” وملايينها التي تفوق ما يملكه آسر وعائلته بمراحل.
آسر بصراخ وعروقه بارزة: “تتجوز مين يا بني آدم أنت؟ بيري ليا أنا! أنا بحبها من صغرنا ومحدش في الدنيا هياخدها مني! يا عمي عاصم ارمي الراجل ده بره القصر، ده جاي يساومك على بنتك!”.
عاصم بص لآسر بملامح جامدة، وجشعه عماه تماماً بعد ما قارن بين قرشين صلاح وصحوبيته، وبين مليارات جسار الجبالي ونفوذه الجبار اللي هيخليه في حتة تانية خالص.
عاصم بنبرة حاسمة وصارمة: “اطلع بره يا آسر.. سيبنا لوحدنا دلوقتي”.
آسر بصدمة وعدم تصديق: “أنت بتقولي أنا اطلع بره يا عمي؟ عشان واحد غريب؟ وعلشان الفلوس؟ بتبيعني وبتبيع اتفاقنا؟”
عاصم بغضب زجر: “قولتلك اطلع بره يا آسر! ده بيزنس وشغل كبار، وأنا مصلحة شركتي واسمي فوق أي حاجة.. اتفضل امشي دلوقتي وأنا هبقى أكلم أبوك”.
خرج آسر من المكتب وهو يجر أذيال الهزيمة، وقلبه يشتعل بنار الغل والوعيد.
التفت إلى الوراء ونظر إلى باب المكتب وهو يهمس بهوس أعمى: “مش هسيبها لك يا جبالي.. بيري بتاعتي أنا، وموتك هيبقى على إيدي لو فكرت تلمسها”.
في الداخل، التفت عاصم نحو جسار بابتسامة طمع واضحة، وبدأ الطرفان في وضع الخطوط العريضة لصفقة البيع الجديدة، ميعرفش عاصم إنه سلم بنته المدللة بيري لأكبر عدو لعيلته، وأن جسار الجبالي بدأ رسمياً أولى خطوات انتقامه الدموي.
رواية رماد الانتقام الفصل الرابع 4 - بقلم هاجر سلامة
بعد خروج آسر مطروداً من المكتب، التفت عاصم نحو جسار الساكن في مقعده كصنم من رخام، وحاول الأب أن يلطف الأجواء بابتسامة باهتة يخفي خلفها جشعه المعهود. وضع جسار حقيبة جلدية سوداء على الطاولة، وأخرج منها ملفات وعقوداً جاهزة للتوقيع، ونظر إلى عاصم بعيون صقيعية لا تحمل أي ود.
عاصم بلهفة وهو بيبص للملفات: “أنا طردت آسر عشان تعرف غلاوتك عندي يا جسار بيه.. وعشان تتأكد إن بيري ملكش منافس عليها.. دي بقى الشيكات اللي قولتلي عليها؟”
جسار بنبرة حادة وصارمة: “دي الشيكات اللي هتسد ديونك كلها للبنك الليلة.. ودي عقود ضخ السيولة لشركاتك عشان تقف على رجليها تاني.. بس على مهلك، أنا مابمضيش على بياض، ومبثقش في حد، واصل بيكوا.. في شرط أساسي في العقد ده، لو وافقت عليه الشيكات دي هتروح البنك حالاً، لو رفضت.. يبقى السجن مستنيك”.
عاصم بقلق: “شرط إيه يا جسار بيه؟ قولي”.
جسار بنبرة حاسمة: “تنازل رسمي وموثق عن 50% من كل حاجة بتملكها.. شركات، مصانع، عقارات، وحتى القصر ده.. هتديهملي كضمان وأمانة معايا عشان متفكرش تضحك عليا أو تلف من ورايا.. أنا هسير الشغل وهرجعهالك لما أطمن، بس دلوقتي النص بالنص”.
عاصم بلع ريقه بصعوبة وحس إن العرض قاسي وفيه إجبار، بس جشعه وخوفه من السجن خلوه يبرر لنفسه ويوافق وهو بيمضي: “موافق يا جسار.. موافق، أنت مش غريب، وبيري بنتي أمانة عندك”.
وقع عاصم على صك إفلاسه الاختياري بابتسامة بلهاء، جاهلاً أنه يوقع صك تدميره بيده.
لم يتأخر جسار، وفي غضون يومين، تم ترتيب عقد القران في حفل عائلي ضيق جداً بناءً على رغبته الصارمة لمنع عائلة صلاح وآسر من إثارة الشغب.
كانت بيري تبدو كحورية من الجنة بفستانها الأبيض، لكن ملامح الكسرة والغربة كانت تغلف وجهها، فهي ما زالت تظن أن هذا الزواج هو تضحية لإنقاذ والدها الحبيب من السجن، ولا تعلم أنها قُدمت كقربان لعدو لا يرحم.
بعد انتهاء المراسم، قادها جسار إلى سيارته الفارهة متجهاً بها إلى قصره العملاق في أطراف القاهرة، والذي كان أشبه بقلعة محصنة تحيط بها الحراسة المشددة. دلفت بيري إلى الردهة الكبرى وهي ترتجف من البرد والرهبة، لتجد في استقبالها امرأة عجوزاً وقورة، يفوح منها عطر قديم، وتمتلك عيوناً تفيض بالطيبة رغم صرامة ملامحها. كانت هذه “الجدة”، الشخص الوحيد المتبقي لجسار من ماضيه المحترق.
الجدة بنبرة حادة وهي بتبص لبيري المكسورة: مين دي ياجسار
جسار بملامح لانت شوية قدام جدته بس رجعت قست تاني وهو بيبص لبيري: “دي بيري يا جدتي.. بنت عاصم السلحدار.. مراتي اللي قولتلك عليها.. هتعيش هنا معاكي، وعايزك تعامليها بالظبط باللي يستحقه اسم أبوها وعيلتها”.
الجدة بصت لبيري ولمحت البراءة في عينيها، فقالت لبيري بنبرة حادة وعضب: اخيرا شرفتي طبعا دي بنت الغالي تعالي معايا.
صعدت بيري مع الجدة، ودخلت غرفتها لتنهار باكية على السرير بفستان زفافها.
بصلتها الجدة بشماتة وسبتها ومشيت
في الأسفل، كان جسار يجلس في مكتبه وعيناه على شاشات المراقبة التي ترصد محيط القصر. فجأة، رن هاتفه؛ كان رئيس حراسته يخبره بأمر مريب.
رئيس الحرس: “جسار بيه.. في عربية مركونة على أول طريق القصر من ساعتين، ولمحنا اللي جواها.. ده آسر ابن صلاح بيه، وشكله بيراقب المكان”.
جسار وعروقه برزت من الغضب وقبض إيده بقوة: “بيراقب القصر؟ العيل ده لسه مأخدش الدرس كويس؟ عينكم عليه، ولو حاول يقرب من السو…ر ارموه للكلاب.. ومش عايز بيري تلمح خياله بره القصر، سامع؟”
أغلق جسار الخط، واشتعلت في صدره نار غريبة لم يعهدها من قبل. لم تكن نار الانتقام من عاصم، بل كانت غيرة عمياء وهائجة لمجرد تفكيره في أن آسر، ذلك الشاب المهووس، ما زال يطمع في زوجته ويلاحقها بنظراته حتى باب بيته.
صعد جسار الدرج بخطوات غاضبة، وفتح باب غرفة بيري بعنف دون استئذان. انتفضت بيري واقفة بذعر، وتمسكت بغطاء السرير وهي تنظر إلى وجهه العابس وعيونه التي تقذ..ف شرراً.
بيري بخوف: “في إيه يا جسار؟ دخلت كده ليه خضيتني؟”
جسار قرب منها وعيونه مركزة على ملامحها الرقيقة، ومسك ذراعها بقوة وضغط عليها: “دخلت براحتي.. ده بيتي وأنتي بقيتي ملكي.. بس عايزك تعرفي حاجة حلقة في ودنك.. العيل الصايع اللي اسمه آسر، لو عرفت إنك لسه بتفكري فيه، أو لمحته بيحوم حواليكي.. هتشوفي مني وش عمرك ما تتمنيه.. سامعة؟”
بيري بدموع ووجع من مسكته: “آسر؟ أنا مالي بآسر يا جسار؟ أنا وافقت عليك عشان خاطر بابا وعمري ما فكرت في آسر.. سيب إيدي أنت بتوجعني!”.
جسار ساب إيدها بعنف وبص لها بنظرة غامضة كلها غيرة وتحدي: “مش عايز أسمع اسمه على لسانك تاني.. وأبوكي اللي أنتي مضحية عشانوا ده.. حسابه معايا لسه مخلصش”.
خرج جسار وصفق الباب خلفه بقوة، تاركاً بيري في حيرتها وبكائها، تسأل نفسها عن سر هذا الحقد الكامن في قلبه تجاه والدها، ولماذا يعاملها بهذه القسوة والغيرة المتناقضة.
وفي تلك الأثناء، وتحديداً في سيارته المظلمة خارج القصر، كان آسر يمسك مقود السيارة بعنف وعيونه مركزة على أضواء الغرفة العليا، ويمسك بهاتفه ليتصل بشخص لم يكن يتوقعه أحد.. لقد اتصل بـ “أميرة”، شقيقة بيري الكبرى، التي تعيش في نفس القصر وتكره شقيقتها.
أميرة بغضب وهي بترد: “عايز إيه يا آسر في وقت زي ده؟ مش كفاية المصيبة اللي إحنا فيها وجواز بيري من الحوت ده؟”
آسر بنبرة مليانة هوس وشر: “اسمعي يا أميرة.. أنا عارف إنك بتكرهي بيري ومكنتيش عايزة الجوازة دي تتم.. جسار الجبالي خد بيري مني بالفلوس، وأنا مش هسيبها له.. إحنا لازم نشتغل مع بعض عشان نهد الجوازة دي، وأنا هرجع بيري لحضني، وأنتي هتاخدي مكانها عند أبوكي والشركات هترجعلك.. قولتي إيه؟”
أميرة بابتسامة خبيثة: “اتكلمنا في المفيد يا آسر.. قولي خطتك إيه وأنا معاك
الفصل 5
أشرقت شمس الصباح لتسلل خيوطها الذهبية عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة لغرفة بيري الفخمة.
استيقظت بيري وعيناها متورمتان من فرط البكاء طوال الليل. نظرت حولها بغربة، لتتذكر أنها أصبحت زوجة لجسار الجبالي، ذلك الرجل الذي يفيض غموضاً وقسوة.
ارتدت فستاناً بسيطاً وهبطت الدرج متجهة نحو غرفة الطعام الكبرى، حيث كانت طاولة الإفطار ممتدة، وتجلس عليها الجدة بوقار شديد وصرامة تملأ ملامحها، بينما كان جسار يرتدي حلته الرسمية ويطالع بعض الأوراق بتركيز.
ألقت بيري التحية بصوت خافت ووجل، وجلست على طرف المقعد بحذر. رفعت الجدة عينيها الحادتين المتجعدتين ونظرت إلى بيري بنظرة فاحصة خالية من أي ود أو شفقة، نظرة امرأة شهدت دماء ابنتها ونور الصغيرة تسيل، وترى في بيري الآن ابنة السفا.ح الذي دمر عائلتها.
بيري بصوت واطي: "صباح الخير يا طنط.. صباح الخير يا جسار".
الجدة بنبرة حادة وقوية متناسبش سنها: "مفيش حاجة هنا اسمها طنط.. اسمي الحاجة فاطمة.. وأقعدي لِما تتكلمي صلب طولك كده، إحنا هنا مابنحبش الميوعة والكسل".
بيري اتخضت من أسلوبها وبصت لجسار عشان يدافع عنها، بس جسار مرفعش عينه من الأوراق وقال ببرود: "اسمعي كلام جدتي يا بيري.. اللي تقولهولك هنا هو اللي يمشي في البيت ده من غير نقاش".
بيري بدموع محبوسة: "حاضر.. أنا مكنتش أقصد حاجة، أنا بس كنت..."
قاطعتها الجدة وهي بتخبط بكفها على الترابيزة خبطة خفيفة: "مش عايزين أعذار.. كلي لقمة واطلعي لمي حاجتك ورتبي أوضتك بنفسك، الخدم هنا للشغل التقيل، لكن ست البيت لازم تشيل حاجتها بإيدها".
شعرت بيري بغصة مريرة في حلقها. أين هذا من الدلع والرفاهية التي كانت تعيشها في قصر والدها حيث يلبى كل طلب لها بالإشارة؟ لم تكن تعلم أن الجدة تعاملها هكذا عن عمد؛ فالجدة باركت هذا الانتقام، بل إنها هي من حثت جسار طوال خمسة عشر عاماً ألا ينسى ثأر أمه وشقيقته.
بالنسبة للجدة، بيري ليست سوى وسيلة لكسر ظهر عاصم السلحدار وإذلاله.
نهض جسار من مقعده ليستعد للذهاب إلى الشركة، وقبل أن يخرج، التفت نحو بيري ونظر إلى وجهها الشاحب، فشعر برغبة غريبة في الاقتراب منها، لكنه كبح جماح نفسه وتحدث بنبرة آمرة وطاغية.
جسار وهو بيلبس ساعته الفاخرة: "أنا رايح المجموعة.. تليفونك ميبطلش رن، ولما أطلبك تردي من أول جرس.. وخروج بره بوابات القصر ده مفيش من غير إذن مني شخصياً، فاهمة؟"
بيري بضيق: "يعني إيه؟ أنا مسجونة هنا ولا إيه يا جسار؟ حتى بابا مش هعرف أزوره؟"
جسار قرب منها وضيق عينيه بقوة، ونبرة صوته بقت مرعبة: "أبوكي لو عايز يشوفك يجي هنا.. وأنتي مفيش خروج ليكي.. قولت كلمة وتتنفذ".
خرج جسار كالعاصفة، وتركها في حسرتها.
وفي تلك الأثناء، وفي مقر شركة عاصم السلحدار، كانت أميرة تجلس في مكتبها المغلق، تتحدث عبر الهاتف بنبرة خفيضة مع آسر المهووس، الذي كان يدور بسيارته حول منطقة القصر كالمجنون.
أميرة بهمس: "اسمع يا آسر.. بابا مضى لجسار الجبالي على تنازل بـ 50% من كل أملاكه كضمان.. الراجل ده مش سهل، ده حاطط إيده على كل حاجة".
آسر بغل وصوت مخنوق من الغيرة: "ميهمنيش الفلوس ولا الشركات يا أميرة! أنا عايز بيري.. بيري نايمة في قصر الراجل ده بقالها ليلتين وأنا هموت من التفكير.. أنا بعتلها رسالة على تليفونها القديم اللي بابا كان جايبهولها ومحدش يعرفه، ومستني ردها".
أميرة بخبث: "جسار الجبالي راجل شكاك وعينه في وسط راسه.. لو لقط الرسالة دي هيفجر الدنيا، وده بالظبط اللي إحنا عايزينه.. خليه يشك فيها ويطلقها أو يكرهها، وساعتها تخلو ليك".
بالعودة إلى القصر، كانت بيري تجلس في غرفتها تبكي، وفجأة اهتز هاتفها القديم الذي كان موضوعاً في حقيبتها. أخرجته لتجد رسالة من رقم مجهول، فتحتها لتجد مكتوباً فيها: "بيري.. أنا آسر، مش هسيبك لجسار.. أنا عارف إنه أجبرك، قوليلي بس وأنا هاجي أخدك من قصر الجبالي ولو فيها مو.تي.. أنتي ليا أنا وبس".
انخلع قلب بيري من الرعب. كانت تعلم أن جسار رجل عنيف وأن آسر متهور وقد يتسبب في مصيبة. وفي تلك اللحظة بالذات، انفتح باب الغرفة فجأة، ودخل جسار الذي عاد مبكراً من عمله لأمر طارئ. ارتبكت بيري وحاولت إخفاء الهاتف خلف ظهرها بسرعة، لكن عيون جسار الصقرية قطت الحركة فوراً.
تحولت ملامح جسار إلى الوحشية الكاسرة.
خطى خطوات سريعة نحوها، وجذب يدها بعنف شديد، وانتزع الهاتف من بين أصابعها المرتجفة.
نظر إلى الشاشة وقرأ رسالة آسر، ليرتفع منسوب الغضب والغيرة في عروقه إلى حد الانفـجار.
قبض على ذراعها بقوة جعلتها تصرخ وتتلوى أمامه.
جسار بصراخ وعيون تشتعل ناراً وغيرة أعمى: "إيه ده؟ انطقي إيه ده؟ العيل الصايع ده بيبعتلك رسائل وأنتي مخبية التليفون ورا ضهرك؟ بتخونيني في بيتي يا بنت السلحدار؟"
بيري ببكاء وانهيار: "والله ما أعرف حاجة! أنا لسه شايفة الرسالة حالا ومكنتش أعرف إنه هيبعت حاجة! سيب إيدي يا جسار أنت بتظلمني!".
جسار وهو بيشدها ليه أكتر لدرجة إن أنفاسهم اختلطت، وعيونه مليانة غيرة وحقد: "بظلمك؟ يعني العيل ده لسه فاكر إن ليكي عين فيه؟ لسه فاكر إنه يقدر يلمس حاجة تخص جسار الجبالي؟ أنتي مراتي.. سامعة؟ مراتي غصب عنك وعن أي حد، والرسالة دي تمنها غالي قوي هيدفعه آسر.. وأبوكي كمان!".
وفي تلك اللحظة القاتمة، انفتح باب الغرفة، ودخلت الجدة فاطمة وعصاها الخشبية في يدها. نظرت إلى حفيدها وهو يمسك بيري بعنف والغيرة تكاد تقـتله، ونظرت إلى بيري الباكية.
برغم علم الجدة بالانتقام وتأييدها له، إلا أن حنكتها جعلتها تدرك شيئاً خطيراً؛ إن جسار لم يعد يتصرف كمنتقم بارد، بل أصبح يتصرف كرجل عاشق تقـتله الغيرة على امرأته، وهذا الغرام قد يفسد خطة الانتقام بأكملها إذا لم تتدخل لتعيد حفيدها إلى جادة صوابه القاسي.
لجميع الفصول من هنا
الفصل 6
بناءً على أمر صارم من الجدة فاطمة، حزم الجميع أمتعتهم للانتقال فوراً إلى قصر عائلة الجبالي الأصلي، ذلك القصر العتيق الشاسع الذي شهد طفولة جسار المعذبة قبل خمسة عشر عاماً.
كان الانتقال بالنسبة لجسار خطوة رمزية لإعلان انتصاره وعودته إلى عرشه، أما بالنسبة لبيري، فقد كان الانتقال بمثابة النزول إلى درك أعمق من العزلة والخوف.
لم يكد يمر يومهم الأول في القصر الجديد، حتى وصلت "شاهيناز" بنت خالة جسار بناءً على استدعاء سري من الجدة. كانت شاهيناز شابة ممشوقة القوام، حادة الملامح، ترتدي ملابس عصرية مبالغ في جرأتها، وتحمل في عينيها نظرات الثعلب.
كانت تحب جسار بهوس منذ صغرها، وترى أن ثروته واسمه حق أصيل لها، ولما علمت بزواجه من ابنة عاصم السلحدار، اشتعلت نيران الحقد في صدرها، وجاءت لتسترد ما تظنه ملكها بمباركة الجدة.
في المساء، كانت بيري تقف في المطبخ الكبير بإيعاز من الجدة لتحضير القهوة لجسار الذي عاد لتوّه من مكتبه منهكاً.
دخلت شاهيناز بخطوات متبخترة، ووقفت تتأمل بيري باحتقار شديد وسخرية لا تخفى.
شاهيناز بلوّي بوز وسخرية: "يا عيني.. هي دي بقى ست بيري بنت عاصم السلحدار؟ الدلوعة اللي باباها كان منيمها في الحرير؟ واقفه تعمل قهوة بنفسها زي الخدامين؟"
بيري بضيق محبوس وهي بتحاول تتجاهلها: "أنا بعمل قهوة لجوزي.. وأظن ده مش عيب ولا حاجة تخصك يا شاهيناز، يا ريت تسيبي المطبخ لو سمحتي".
شاهيناز قربت منها وبصت لها بشر: "جوزك؟ ده كان زمان يا حبيبتي.. جسار اتجوزك عشان يكسر عين أبوكي وبس، والكل هنا عارف كده.. مكانك الحقي مش هنا، وإنتي يدوبك فترة وهتعدي، وأنا اللي هفضل معاه".
شعرت بيري بصفعة على وجهها من كلمات شاهيناز النابية، واهتزت يدها وهي تمسك بوعاء القهوة الساخن، لتسكب قطرات منه على يدها وتصرخ بألم خفيف.
في تلك اللحظة، دخل جسار المطبخ بعد أن سمع صوتها بمجرد أن رأى يد بيري حمراء وتتألم، تحركت غريزته وظهرت على وجهه أمارات لهفة وغيرة مبهمة، فمسك يدها بسرعة وفتح صنبور الماء البارد عليها، ونظر لشاهيناز بغضب.
جسار بعصبية وهو باصص لشاهيناز: "في إيه هنا يا شاهيناز؟ إيه اللي مدخلك المطبخ ولي الصراخ ده ليه؟"
شاهيناز بتمثيل الرقة والمسكنة: "والله يا جسار أنا ماليش ذنب.. أنا دخلت أتكلم معاها عادي لقيتها اتعصبت عليا ودلقت القهوة على إيدها، دي بنت مش مظبوطة وشكلها بتدلع عليك".
جسار بص لبيري وعيونه ضاقت بغيرة وقسوة متناقضة: "إنتي مش عارفة تمسكي كنكة قهوة؟ عيلتك معلمتكيش غير الخيبة؟ اطلعي على أوضتك اخلصي!".
بيري بدموع وقهر: "أنا مكنتش بدلع! هي اللي دخلت وغلطت فيا وفي بابا.. أنت ليه دايماً بتصدق أي حد ضدي؟"
خرجت بيري تركض صاعدة إلى غرفتها وهي تبكي بحرقة.
وفي الردهة الكبرى، استدعت الجدة فاطمة جسار وشاهيناز. كانت الجدة تراقب لهفة جسار الخفية على بيري في المطبخ، وضاق صدرها العجوز صرامةً. نظرت إلى حفيدها بعيون ممتلئة بعقد الماضي القاسي وطالبت بمعاقبة بيري.
الجدة بنبرة صارمة وهي بتخبط بعصايتها على الأرض: "جسار.. أنا شوفت اللي حصل.. البنت دي لسانها طول وطريقتها مفيهاش أدب مع شاهيناز ومعانا في البيت.. البنت دي لازم تتربى وتعرف حجمها هنا، والسكوت عليها هينسينا إحنا بنعمل إيه".
جسار بملامح جامدة ويحاول يداري صراعه: "عايزة إيه يا جدتي؟ أنا علمتها حدودها خلاص".
الجدة بقسوة شديدة: "لا مأعلمتهاش.. بيري من الليلة دي هتتعاقب أشد عقاب.. تليفونها يتاخد منها نهائي، وهتتنقل من الأوضة الكبيرة لأوضة الخدم الصغيرة اللي تحت السلم، ومفيش أكل يدخلها غير عيش وجبنة لمدة تلات أيام.. وتقوم من النجمة تخدم في القصر زيها زي أي شغالة عشان تعرف إن الله حق، وإن دم أمك وأختك غالي!".
شاهيناز ابتسمت بخبث وانتصار وهي بتبص لجسار مستنية رده.
جسار سكت لثواني، وقلبه كان بيتقطع من الغيرة عليها ومن فكرة إذلالها بالشكل ده، بس كبريائه ورغبته في الانتقام اللي اتزرعت فيه من صغره انتصروا.. بص لجدته وقال بنبرة جافة: "اللي تشوفيه يا جدتي.. نفذي اللي أنتي عايزاه".
وفي نفس الليلة، نُفذ العقاب القاسي بحق بيري. أُجبرت بدموع ونحيب على ترك غرفتها الدافئة، ونُقلت إلى الغرفة الصغيرة المظلمة أسفل السلم، التي تخلو من أي وسائل راحة. جلست في زاوية الغرفة تضم ركبتيها إلى صدرها، تبكي بحرقة لا تنتهي، وتتساءل بمرارة ما الذي اقترفته لتعامَل كجارية مهانة في قصر رجل أنقذ حياتها ذات يوم ليحولها إلى جحيم.
أما في الخارج، وتحديداً في سيارة آسر التي تقف بعيداً عن بوابات القصر المظلم، كان آسر يتلقى اتصالاً من أميرة في وقت متأخر من الليل.
أميرة بهمس وشماتة: "اسمع يا آسر.. بيري انطردت من أوضتها الليلة ونزلوها أوضة الخدم وعليها عقاب قاسي من جدة جسار.. البنت بتتدمر جوه القصر ده".
آسر وعيونه احمرت وجن جنونه من الهوس والغيرة: "بينزلوها أوضة الخدم؟ جسار الجبالي بيذل بيري؟ وحياة ربي ما هسيبه.. أنا لازم أدخل القصر ده وأهربهالك يا أميرة، حتى لو هقــتل جسار بإيدي.. بيري لازم ترجعلي!".
لجميع الفصول من هنا
الفصل 7
استيقظت بيري في الصباح الباكر على ركلة قوية من حذاء شاهيناز لباب غرفتها الصغيرة أسفل السلم.
خرجت بيري بجسد منهك ووجه شاحب، لتجبرها الجدة فاطمة على البدء في تنظيف ردهات القصر الشاسعة ومسح الأرضيات، وسط نظرات التشفي والإهانات المستمرة من شاهيناز التي كانت تتعمد سكب السوائل على الأرض لتعيد بيري تنظيفها من جديد.
في منتصف النهار، غادر جسار القصر متوجهاً إلى شركته لإنهاء صفقة استحواذ كبرى، وكان عقله مشتاً، وصورتها وهي تبكي في غرفة الخدم لا تفارق خياله. وبرغم محاولته إقناع نفسه بأن هذا هو الانتقام الذي طالما انتظره، إلا أن نغزات الغيرة والخوف عليها كانت تأكل صدره.
استغل آسر غياب جسار، وبمساعدة خفية من معلومات أميرة عن مواعيد الحرس، تمكن من التسلل عبر السور الخلفي للحديقة الشاسعة مستغلاً كثافة الأشجار.
كان يتحرك بهوس أعمى، وعيناه تبحثان عن بيري في كل مكان، حتى لمحها تقف قريباً من الشرفة الخلفية وهي تمسح الزجاج والدموع تتساقط من عينيها.
تسلل آسر بسرعة وقبض على يدها فجأة، لتنتفض بيري برعب وتكتم صرختها بصعوبة عندما رأته أمامها.
آسر بلهفة وهوس وهو بيشدها عليه: "بيري! بيري أنا جيت أخدك.. شوفتي عملوا فيكي إيه؟ مشغلينك خدامة ومنزلينك تحت السلم؟ تعالي معايا حالا العربية مستنية ورا السور، هربك وأحميكي منهم!".
بيري برعب وهي بتحاول تزقه وتتلفّت حواليها: "آسر! أنت اتجننت؟ إزاي دخلت هنا؟ امشي فوراً لو جسار رجع هيقتلك ويقتلــني! أنا مش ههرب معاك، امشي سيبني في حالي!".
آسر بعناد وهو بيمسكها من وسطها بقوة: "مش هتمشي يعني إيه؟ أنتي ليا ومستحيل أسيبك في الجحيم ده! هتمشي معايا غصب عنك، أنا بحبك ومقدرش أعيش من غيرك!".
وفي تلك اللحظة التي كانت بيري تحاول فيها الإفلات من قبضته المتهورة، انفتح باب الشرفة بعنف، وخرجت الجدة فاطمة تتبعها شاهيناز وعدد من حراس القصر الأشداء. تملكت الصدمة والرعب قلب بيري، بينما أحاط الحراس بآسر الذي حاول المقاومة، لكنهم انهالوا عليه بالضــرب المبرح حتى سقط أرضاً والدمـــاء تسيل من وجهه.
نظرت الجدة فاطمة إلى بيري بعيون تقطر حِقداً وشرارة، واعتبرت أن وجود آسر هنا هو دليل قاطع على أن بيري كانت تخط للهروب معه وخيانة حفيدها.
شاهيناز بشماتة وصراخ: "شايفة يا حاجة؟ السنيورة كانت هتهرب مع عشيقها! بتخون جسار في بيته ومع الواد اللي طرده أبوها عشانه!".
بيري بانهيار وبكاء مرير وهي بتركع تحت رجلين الجدة: "والله العظيم ما أعرف إنه جاي! أنا كنت بطرده وبقوله يمشي! أنا ماليش ذنب يا حاجة فاطمة أرجوكي صدقيني!".
الجدة بقسوة جافة وهي بتخبط بعصايتها على الأرض: "أخرسي يا بنت الكلب! دم أبوكي النجس بيجري في عروقك، وجاية تكملي فجورتك هنا؟ ارموا الصايع ده بره السور وخلوه عبرة، والبت دي تعالوا ورايا.. حسابها معايا أنا الليلة".
أمرت الجدة الحراس بطرد آسر المدمى خارج حدود القصر، ثم التفتت إلى بيري. سحبت الجدة بيري من شعرها بقسوة لا تتناسب مع عمرها، وساعدتها شاهيناز في جر الفتاة المسكينة نحو سرداب القصر السفلي، وهبطوا درجاً حجرياً مظلماً ورطباً تفوح منه رائحة العفن والموت، حتى وصلوا إلى قبو قديم تحت الأرض، أشبه بالزنـــزانة أو القبر المظلم، حيث تـــسكن الفئران والحشرات.
رمت الجدة بيري داخل القـــبو المظلم على الأرض الترابية الباردة، ووقفت عند الباب الحديدي السميك ونظرت إليها بلا رحمة.
بيري بصراخ وهي بتخبط على الباب الحديدي وبتترعش من الرعب: "أرجوكي متسبينيش هنا! الحتة ضلمة قوي وفيها فـــيران! أنا بخاف من الضلمة يا حاجة فاطمة حرام عليكي! جسار لو عرف مش هيرضى بكده!".
الجدة بابتسامة مرعبة وقاسية: "جسار مش هيعرف حاجة.. جسار هيرجع أقوله إنك هربتي مع الواد الصايع بتاعك.. هتقعدي هنا في وسط الفران والعتمة لحد ما تمـــوتي بالبطيء، عشان تدوقي ربع العذاب اللي أبوكي دوقهولنا لما قتل بنتي وحفدتي الصغيره!".
أغلقت الجدة الباب الحديدي الضخم، وأدارت القفل الثقيل، لينقطع الضوء تماماً عن بيري. ارتمت بيري على الأرض في عتمة حالكة، وهي تسمع أصوات حركة الفئران من حولها، واحتضنت جسدها وهي تصرخ وتبكي بأعلى صوتها، لكن صوتها كان يموت بين جدران القبر الحجري، دون أن يسمعها أحد.
عند حلول المساء، عاد جسار إلى القصر والوجوم يسيطر على وجهه. كان يحمل في جيبه دواءً ليد بيري المحترقة، وجاء يجر خطواته وعقله يشتعل بالغيرة والشوق الخفي لرؤيتها. دخل الردهة الكبرى فلم يجدها، ووجد الجدة وشاهيناز يجلسا بهدوء مريب.
جسار بقلق حاول يخفيه وبص حواليه: "أمال فين بيري يا جدتي؟ مش باينة ليه في القصر؟"
الجدة بنبرة باردة ومصطنعة الحزن: "البنت الفاجرة هربت يا جسار.. استغلت غيابك والواد آسر جيه هربها من ورا الحرس، وأنا طردت الحرس اللي قصروا.. البنت دي متستاهلكش، وراحت للي شبهها".
جسار وعيونه احمرت وعروق رقبته برزت كأنه وحش هائج، والغيرة والغضب عموا قلبه تماماً: "هربت؟ بيري هربت مع آسر؟"
لجميع الفصول من هنا
الفصل 8
انطلق جسار بسيارته الفارهة كقذيفة موجهة، يخترق شوارع القاهرة السريعة بسرعة جنونية تخطت كل قوانين المرور، وعقله يغلي بأفكار سوداء تلتهم أواخر تعقله.
لم يكن يفكر في تلك اللحظة في خطة انتقامه الطويلة من عاصم السلحدار، ولا في استعادة حق أمه وشقيقته؛ بل كان يرى وجه بيري وهي بين يدي آسر. فكرة أن رجلاً آخر قد يلمسها، أو ينظر إلى عينيها، أو يشاركها أنفاسها، كانت كفيلة بجعله يرتكب جرـيمة قتل بشعة دون أن يرف له جفن. كانت الغيرة تنهش قلبه كوحش كاسر انطلق من عقاله، وهو الذي ظن لسنوات أن قلبه قد تحول إلى صخرة صماء لا تحركها عواطف البشر.
اقتحم جسار أسوار قصر عاصم السلحدار بسيارته التي فرملت بعنف محدثة صريراً يصم الآذان. ترجل منها ولم ينتظر فتح الأبواب، بل دفع الحراس جانباً بكل عنف، وكسر الباب الخشبي الداخلي للمكتب الفخم بضربة من قدمه القوية، ليتفاجأ بوجود عاصم وأميرة يجلسان في رعب على وقع هذا الاقتحام الهمجي. اندفع جسار نحو عاصم كالبرق، وقبض على ياقة قميصه يرفعه من على مقعده بعيون بركانية حمراء تقطر شراً.
جسار بصراخ زلزل أركان القصر ووعيد مرعب: "بنتك فين يا عاصم؟ بنتك الفاجـــرة راحت فين؟ هربتوها مع الواد الصايع اللي اسمه آسر مش كده؟ اتفقتوا عليا يا كلاب؟"
عاصم برعب حقي وشفتيه تترتعد وتلعثم: "بنتي؟ بيري؟ بيري عندك في قصرك يا جسار بيه! أنا معرفش عنها حاجة من يوم كتب الكتاب.. سيبني يابني نفسى انـــقطع، حرام عليك ماليش ذنب!"
أميرة بخوف وهي بتتراجع لورا وبتترعش: "في إيه يا جسار بيه؟ بيري هربت إزاي؟ إحنا والله ما نعرف مكانها ولا شوفناها من وقت ما مشيت معاك، والبيت هنا مفيش فيه حد!".
جسار وهو بيزق عاصم بعنف على الكرسي وبيرزع مكتبه بقبضته لدرجة إن الخشب اشرخ: "لو عرفت إنكم مخبينها.. أو إن آسر وداها في حتة بعلمكم.. أنا ههدم الشركات فوق دماغكم وهرميكم في السجن الليلة! اخلصي يا أميرة.. اخلصي كلمي آسر وشوفوا الزفت ده فين حالاً قدام عيني!".
أخرجت أميرة هاتفها بيد ترتجف، وألحت في الاتصال بآسر المرة تلو الأخرى تحت نظرات جسار التي كانت تلاحقها كملك الموت. وحين فتح الخط أخيراً، انتزع جسار الهاتف من يدها بعنف، وتحدث بنبرة منخفضة لكنها تقطر وعيداً، قسوة، وموتاً حتمياً.
جسار بغل وضغط على سنانه: "اسمع يا روح أمك.. بيري لو مظهرتش خلال ساعة.. أنا هنهي حياتك وحياة أبوك في السوق وفي الدنيا.. أنتم أخدتوها فين؟ انطق بدل ما أجي أشرب من دمك!"
آسر بصوت متقطع، متألم وضعيف جداً ناتج عن الضرب المبرح اللي أخده من الحرس: "أنا.. أنا مأخدتهاش يا جبالي.. أنا جيت أهربها من جــحيمك وجحـــيم جدتك الشديدة، وحراسك سحلـــوووني ورموني بره السور زي الكــلب.. بيري لسه عندك في القصر! أنا في المستشفى دلوقتي وبموت، بس هجيلك القصر وأخدها لو هتـــموتني.. بيري مش هسيبهالك!".
تصلب جسد جسار مكانه عند سماع كلمات آسر المليئة بالألم الحقي والعجز. أنزل الهاتف ببطء، وبدأت ملامح الصدمة والذهول ترتسم على وجهه العابس. آسر لم يأخذها! آسر في المستشفى ينزف جراء ضـرب حراس قصر الجبالي، ولكنه أكد أنها لم تخرج من القصر! إذاً، لماذا قالت الجدة وشاهيناز إنها هربت معه؟ ولماذا اختفت بيري تماماً من غرفتها ومن أرجاء المكان؟
تسلل الشك القــاتل إلى قلبه وعقله كالأفــعى. أدار ظهره لعاصم وأميرة دون أن ينطق بكلمة واحدة، وركض نحو سيارته ليعود إلى قصر الجبالي بسرعة أكبر. لم يكن قلبه ينبض بعنف من الغضب هذه المرة، بل من خوف مبرح، جارف، وبشع بدأ يتسلل إلى أعماقه على بيري. فكرة أن مكروهاً قد أصابها داخل بيته، وأن هناك مؤامرة تُحاك في غيابه، جعلت دماءه تجف في عروقه.
وفي تلك الأثناء القاتمة، وتحديداً في القبو المظلم الرطب تحت القصر، كانت بيري في حالة يرثى لها تستدعي الشفقة. كانت العتمة حالكة كقاع الجحـــيم، الرطوبة العالية تنهش عظامها النحيلة، وأصوات حركة الفئران السريعة وصرير الحشرات من حولها في الظلام تجعلها تصرخ برعب هولوكوستي حتى بُح صوتها تماماً ولم يعد يخرج منها سوى حشرجة ضعيفة. كانت تجلس قبالة الباب الحديدي الضخم، واضعة رأسها بين ركبتيها، ترتجف من شدة البرد والخوف، وتدعو الله بنبرة باكية ومستسلمة للموت، وتتساءل في ضعف: "ليه يا جسار سبتهم يعملوا فيا كده؟ أنا ذنبي إيه؟".
على الجانب الآخر، وفي صالون القصر العلوي الفخم، كانت شاهيناز تجلس واضعة رجلاً فوق أخرى، ترتشف الشاي الدافئ ببرود شديد وابتسامة تشفّي خبيثة ترتسم على وجهها، بينما كانت الجدة فاطمة تجلس بوجهها الصارم الصامت، وعصاها مستندة إلى مقعدها، مقتنعة تماماً في أفكارها العتيقة أن هذا الإذلال هو القصاص العادل من ابنة عاصم السلحدار، وأن بيري يجب أن تذوق المــوت عزلتاً جزاءً لما اقترفه والدها بحق عائلتهم.
شاهيناز بضحكة خبيثة: "تفتكري يا حاجة فاطمة.. جسار لما يرجع ويقعد يدور وميلاقيش ليها أثر، هيصدق تماماً إنها هربت؟ أنا خايفة بس يقلب القصر ويوصل للحقيقة".
الجدة بنبرة جافة وقوية: "جسار عقله غرقــان في الغل، والغيرة عميت عينه.. وأنا قولتله إنها هربت مع الواد، وهو عمره ما هيكدبني.. البت دي هتقعد تحت الأرض لحد ما تتربى وتعرف إن دم بنتي ونور مش رخيص.. والبيوت دي ليها أصحاب مابيرحموش".
في هذه اللحظة، رن صوت فرامل سيارة جسار في الخارج. تلاشت ابتسامة شاهيناز بسرعة، وعدلت جلستها متمهلة، بينما دخل جسار الردهة الكبرى بخطوات ثقيلة كصخر القضاء، وعيون حادة، ثاقبة، تراقب كل زاوية وكل حركة تصدر من امرأتين تجلسان بهدوء مريب لا يتناسب مع مصيبة "هروب" زوجة صاحب البيت.
لم يوجه لهما جسار أي حديث، بل تخطاهما بجمود تام متوجهاً مباشرة نحو مكتبه المغلق، وأغلق الباب خلفه بعنف. جلس وراء مكتبه، وتنفّس الصعداء محاولاً ترتيب أفكاره المشتتة؛ فالأرض تحت قدميه بدأت تهتز، وهناك حلقة مفقودة، خديعة كبرى تُحاك، وهو ليس الرجل الذي يُخدع في عقر داره. تذكر نظرات شاهيناز المتوترة، وهدوء جدته، وقر أن يفتش وراء كل شبر في هذا القصر ليعرف أين اختفت بيري، لتبدأ من هنا رحلة كشف المستور التي ستزلزل جدران قصر الجبالي.
لجميع الفصول من هنا
الفصل 9
جلس جسار خلف مكتبه، والشك يعصف بعقله كالإعصار. مد يده نحو لوحة تحكم سرية في جدار المكتب، وضغط على زر خفي لتنفتح شاشة رقمية تعرض نظام المراقبة السري للقصر، وهو نظام خاص لا يعلم بوجوده أحد سواه، حتى الجدة وشاهيناز.
بدأ يعيد شريط الأحداث لمنتصف النهار، لتتسع عيناه بصدمة مروعة وهو يرى المشهد كاملاً.
شاهد تسلل آسر، وشاهد بيري وهي تدفعه وتطالبه بالرحيل باكية، ثم تجسدت أمامه بشاعة الجدة وشاهيناز وهما تسحلان بيري نحو الممر السفلي المؤدي إلى السرداب القديم.
تذكر جسار معمار القصر القديم؛ تذكر أن أرضية الممر ينتهي بها المطاف عند بلاطة خشبية وحجرية غير مستوية، تخفي تحتها باباً سرياً يقود إلى قبو مظلم كان يُستخدم كز..نزانة في العهود الغابرة، قبو مليء بالفئران والعتمة القا..تلة.
اندلع بركان من الغضب والذعر في صدر جسار، وتلاشت خطة الانتقام في ثانية واحدة ليحل محلها خوف هائل من أن يفقد بيري.
خرج من مكتبه كالإعصار المد..مّر، وعيناه حمراوان كالد..م. لمح الجدة وشاهيناز في الصالون، فصرخ بالحراس بصوت زلزل جدران القصر.
جسار بصراخ مرعب وعروقه بارزة: "كل الحراس اللي في القصر يتلموا هنا حالا! ومفيش كلب فيكم يتحرك من مكانه!".
شاهيناز وقفت برعب وتلعثم: "في إيه يا جسار؟ مالك بتصرخ كده ليه؟"
جسار ماردش عليها، وبص لجدته بنظرة خلت العجوز الصارمة تترعش لأول مرة: "أنتي حبستيها تحت الأرض يا أمي؟ حبستي مراتي في القبر اللي تحت القصر وكدبتي عليا؟".
لم ينتظر جسار رد أحد، بل ركض نحو السرداب هابطاً الدرج الحجري بثلاث خطوات، ه الحراس المذعورون.
وصل إلى الممر، ولمح البلاط غير المستوي، فجذبه بيديه الفولاذيتين بقوة خارقة مستمدة من الأدرينالين والخوف، ليظهر الباب الحديدي الثقيل.
أخرج مفتاحه الاحتياطي وفتح القفل بعنف، ليدفع الباب ويندفع لداخل القبو المظلم.
أضاء كشافه، ليرى مشهداً فطر قلبه حزناً وغيرة وند..ماً؛ كانت بيري مستلقية على الأرض الترابية الباردة، منكمشة حول نفسها، وجسدها يرتجف بعنف، وتحيط بها خيوط العنكبوت وتتحرك على مقربة منها الحشرات، وكان صوت حشرجتها الباكية يخرج بصعوبة.
ركع جسار على الأرض، وجذبها إلى صدره العريض يضمها بكل ما أوتي من قوة، والدموع تحتبس في عينيه لأول مرة منذ خمسة عشر عاماً.
جسار بصوت مكسور، خائف، ومليان حنان وندم: "بيري! بيري حبيبتي فتحي عينك.. أنا جسار، أنا جيت أخدك.. سامحيني يا بيري، سامحيني يا روحي أنا السبب في كل ده!".
بيري بدموع وضعف شديد وهي بتمسك في قميصه وصوتها رايح: "جسار.. الضلمة.. الفير..ان كانت هتاكلني يا جسار.. متسبنيش هنا.. أنا بخاف.. بخاف قوي..".
جسار وهو بيشيلها بين إيديه بحرص كأنها حتة زجاج غالية وخايف تتكسر: "مش هسيبك تاني أبداً.. طول ما أنا عايش مفيش مخلوق هيلمس شعره منك.. أنتي في حضني خلاص يا قلبي".
صعد بها جسار إلى الأعلى، متخطياً شاهيناز والجدة دون أن ينظر إليهما، ودخل غرفتها الكبرى الفاخرة.
وضعها على السرير برفق شديد، ودثرها بالأغطية الدافئة، وطلب الطبيب فوراً لاعتناء بجسدها المنهك ويدها المحتر..قة.
جلس بجانبها طوال الليل يمسك يدها، يقبل كفيها، ويعتذر منها بنبرة دافئة غسلت كل قسوته السابقة.
كان ينظر إلى وجهها الملائكي النائم، ويشعر بخوف حقي من فكرة خسارتها؛ في هذه اللحظة، انقشع رماد الحقد، وانكشف له النور.. لقد أحبها، أحب بيري بكل جوارحه، وأصبح مستعداً لحرق الكون كله من أجل ابتسامة منها.
في الصباح، وبعد أن اطمأن على استقرار حالتها ونومها العميق، هبط جسار إلى الردهة الكبرى حيث كانت الجدة فاطمة تجلس بوجه عابس، وبجانبها شاهيناز التي كانت تحاول إشعال الفتنة. وقف جسار أمامهما، وبدت عليه هيبة طاغية وصارمة لم يعهداها من قبل، هيبة رجل يحمي حِمى امرأته.
شاهيناز بمكر: "يا جسار أنت مكبر الموضوع ليه؟ البت دي بنت السلحدار، والكلب آسر كان هنا، وعمتي فاطمة كانت بتربيها بس عشان..."
جسار قاطعها بصوت حاد كالسيف أخرسها تماماً: "أنتي تقفلي بوقك خالص يا شاهيناز.. وحاجتك تتلم حالا، وخلال نص ساعة لو شوفت خيالك في القصر ده، هرميكي بره بنفسي ومتهمنيش صلة القرابة.. غوري من وشي!".
ركضت شاهيناز برعب لتجمع حقائبها.
التفت جسار نحو جدته، وجثا على ركبتيه أمامها، لكن عيونه كانت حاسمة وقاطعة.
جسار بنبرة قوية وهادية: "أنتي على راسي من فوق يا أمي.. ودم أمي وأختي أنا مش ناسيه وهجيبه من عاصم السلحدار في الشغل والفلوس لحد ما أخليه يشحت.. لكن بيري خط أحمر.. بيري مراتي، وبقت حتة من قلبي، والي هيمسها كأنه بيمسني أنا.. أرجوكي يا أمي، ابعدي عن بيري، ومتخلينيش أقف في وشك عشان أحميها".
نظرت الجدة إلى حفيدها، ورأت في عينيه نفس النظرة العاشقة التي كان والدها ينظر بها لوالدته قديماً، وعلمت أن جسار الجبالي قد وقع في فخ العشق تماماً، وأن قلب الحوت قد أعلن استسلامه لبراءة ابنة عدوه.
أومأت الجدة برأسها بوجوم صامت، شاعرة بالهزيمة أمام هذا الحب الجارف.
صعد جسار إلى غرفته، ودخل ليجد بيري قد فتحت عينيها الزرقاوين الصافيتين ونظرت إليه بخوف تلاشى تدريجياً عندما رأت الحنان يتدفق من عينيه.
اقترب وجلس بجانبها، ورفع يدها المصابة ليقبلها برقة، وتبدأ من هذه اللحظة رحلة التقرب والوئام الباذخ بين قلبي المصابين، تاركين وراءهما ظلمات السرداب ليفتحوا أبواباً جديدة لعشق ولد من رحم الانتقام
لجميع الفصول من هنا
الفصل 10
مرت أيام قليلة تفيض بالدفء والسكينة في قصر الجبالي، كان جسار يعامل بيري كملكة متوجة، يغمرها بحنان جارف وكأنه يعوضها ويعوض نفسه عن سنوات الحرمان العاطفي.
لكن هذا المشهد الرومانسي كان يقع على قلب الجدة فاطمة كالجمر المحر..ق بالنسبة للعجوز الصارمة، جسار يضيع، ويغرق في عشق ابنة الرجل الذي يتمتع بماله وحريته على حساب دماء ابنتها وحفيدتها الصغيرة.
وفي ظهيرة أحد الأيام، استغلت الجدة ذهاب جسار إلى مكاتب المجموعة لإنهاء بعض الأوراق الرسمية، وتحركت بخطوات ثقيلة مستندة إلى عصاها نحو حديقة القصر حيث كانت بيري تجلس تقرأ كتاباً بابتسامة رقيقة. وقفت الجدة أمامها، ونظرت إليها بعيون حادة تخفي وراءها عاصفة من الوعيد.
الجدة بنبرة جافة وقوية: "قومي معايا يا بيري.. سيبك من الكتب والدلع ده، في مكان لازم تشوفيه، وحقايق لازم تعرفيها عشان تفوقي من الوهم اللي أنتي عايشة فيه".
بيري بقلق واستغراب وقفت: "حاضر يا حاجة فاطمة.. مكان إيه؟ وجسار عارف إني هروح معاكي؟"
الجدة بضحكة ساخرة: "جسار لو عارف مش هيخليكي تخطي خطوة واحدة هناك.. تعالي ورايا وانتي ساكتة".
قادتها الجدة نحو الجناح الغربي المهجور من القصر، وتوقفت أمام غرفة مغلقة بقفل حديدي ضخم.
أخرجت الجدة مفتاحاً قديماً من جيب عباءتها، وفتحت الباب ببطء ليصدر صريراً موحشاً.
دلفت بيري خلفها، لتتسع عيناها بذهول وصدمة مروعة وهي تتأمل جدران الغرفة.
كانت الغرفة عبارة عن متحف للجريمة؛ الجدران مغطاة بالكامل بصور قديمة لوالدة جسار وشقيقته الطفلة نور، وبجانبها تقارير طبية شرعية، ومحاضر شرطة قديمة صفراء اللون.وفي المنتصف، كانت هناك لوحة ضخمة تجمع خيوطاً حمراء تصل بين صور الضحايا وبين اسم واحد محفور باللون الأسود العريض: "عاصم السلحدار".
وتحت اسمه، كانت هناك مستندات تثبت شراءه لأعضاء الطفلة نور، وشيكات بنكية موقعة بخطه للقـــتلة الملثــــمين، وعقود تنازل الـ 50% التي أجبره جسار عليها مؤخراً كجزء من الانتقام.
سقطت الدموع من عيني بيري كالشلال، وشعرت بأنفاسها تنسحب من صدرها وهي تقرأ المستندات والأدلة الدامغة بخط يد والدها الحبيب. تهاوى عالمها الوردي بالكامل، واكتشفت أن الأب الحنون المدلل ليس سوى سفاح مصاص دمــــاء بنى ثروته على أنقاض عائلة بريئة.
الجدة بقسوة وهي بتشاور على الصور: "شايفة؟ ده أبوكي عاصم بيه اللي بــيموت فيكي! الراجل الحنين اللي كبرك بالدلع والفلوس.. الفلوس دي تمن كلــــية نور حفيدتي الطفلة اللي ماتـــت وعندها 6 سنين! تمن قهر بنتي واغتـــصابها ومـــوتها! جسار اتجوزك عشان يحرق قلب أبوكي عليكي زي ما حرق قلبه.. عرفتي أنتي هنا ليه دلوقتي؟"
بيري بانهيار وبكاء ونحيب يقطع القلب وهي بتخبي وشها بإيديها: "لا.. لا مش ممكن بابا يعمل كده! بابا طيب وحنين.. حرام عليكي متقوليش كده!".
الجدة بزجر: "الأوراق دي مبتكدبش.. خط إيده وشيكاته وبصماته مبتكدبش! جسار عاش خمستاشر سنة في الغربة بيـــموت في اليوم مية مرة عشان اللحظة دي.. عشان يذل عاصم السلحدار بيكي!".
وفي هذه اللحظة العاصفة، رن صوت خطوات سريعة ومذعورة في الممر. كان جسار قد عاد إلى القصر، وأخبره الحراس أن الجدة أخذت بيري إلى الغرفة المغلقة. اندفع داخل الغرفة وعيناه تتطايران رعباً وخوفاً، ليتسمر في مكانه وهو يرى بيري منهارة على الأرض والأوراق من حولها، والجدة تقف بشموخ المنتصر.
شعر جسار ببرودة تجري في أوصاله، وتملكه رعب حقي من أنه خسر بيري للأبد، وأن قناع ماضيه الأسود قد انفك أمامهما ليدمر حبهما الجديد. نظر إلى بيري بعيون مليئة بالخوف والانكسار، وانتظر منها أن تصرخ في وجهه أو تكرهه وتفر هاربة.
لكن ما حدث زلزل كيان الحوت.
رفعت بيري عينيها الحمراوين من كثرة البكاء، ولم تنظر إليه بنقمة أو كره؛ بل نظرت إليه بنظرة تفيض بالشفقة، والحزن، والوجع المبرح على طفولته المحترقة. نهضت من على الأرض بخطوات مرتعشة، وتخطت الجدة، وارتمت في صدر جسار العريض، ودفــنت رأسها في عنقه، وضمت خصرها بيديها بكل ما أوتيت من قوة ونحيبها يملأ الغرفة.
تصلب جسد جسار بصدمة، ثم أحاطها بذراعيه يضمها إليه كأنه يتشبث بحياته، وراحت أمواجه الهائجة تهدأ في حضنها الدافي.
بيري بانهيار وهي بتبكي في حضنه وبتشدد من مسكته: "سامحني يا جسار.. سامحني بالنيابة عنه! أنا آسفة قوي على كل الوجع اللي عيشته.. إزاي؟ إزاي عيشت كل السنين دي لوحدك بالوجع ده كله؟ إزاي قلبك استحمل كل القهر ده وأنت طفل صغير؟"
جسار بدموع حقيقية نزلت على كتفها وبنبرة مذهولة ومكسورة: "بيري.. أنتي.. أنتي مش كرهاني؟ مش عايزة تمشي وتسبيني بعد ما عرفتي إني اتجوزتك عشان أنتقم من أبوكي؟"
بيري رفعت وشها وبصت في عينيه بحنان جارف، ومسحت دموعه بإيدها المرتعشة: "أنا زعلانه ومقهورة إني شوفت أبويا واحد تاني خالص.. شوفت فيه وحش مكنتش أعرفه، وعمري ما هسامحه على اللي عمله في أمك وأختك.. بس أنا زعلي عليك أنت أكبر يا جسار.. أنت عيشت في جحيم بسببه، وأنا مستحيل أسيبك لوحدك تاني بعد الليلة دي.. أنا هفضل معاك وأهون عليك كل اللي فات".
وقفت الجدة فاطمة تتأمل المشهد بذهول وعدم تصديق؛ فقد كانت تظن أن هذه الحقيقة ستقتلع الحب من جذوره، لكن براءة بيري ونقاء قلبها حوّلا خنجر الانتقام إلى طوق نجاة جديد ربط قلوبهما إلى الأبد برباط لا يمكن لأي قوة أن تفصمه.
نظر جسار إلى جدته بعيون حاسمة ومعلنة للانتصار، ثم حمل بيري بين يديه برفق وخرج بها من الغرفة المظلمة نحو جناحهما، تاركاً وراءه رماد الماضي، ليبدأ صفحة جديدة من العشق الذي ترفع فيه بيري راية السلام فوق حصون جسار الجبالي المنـــيعة.