تحميل رواية رماد الانتقام بقلم هاجر سلامة pdf
بقلم هاجر سلامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ رماد الانتقام بقلم هاجر سلامة.
الفصل 11
لم تنم بيري ليلتها؛ كانت الدموع تجف على وجنتيها لتنهمر من جديد، وعقلها يسابق الزمن. في الصباح الباكر، استغلت نوم جسار العميق بعد أيام من السهر والقلق عليها، وتسللت بهدوء نحو الغرفة المغلقة التي فتحتها لها الجدة بالأمس.
جمعت كل الأوراق والمستندات الدامغة، والشيكات الموقعة بخط يد والدها، والتقارير الطبية التي تثبت جريمــته البشعة بحق الطفلة نور ووالدة جسار. وضعت كل ذلك في حقيبتها، وخرجت من القصر متجهة مباشرة إلى قصر عاصم السلحدار لتواجهه للمرة الأخيرة والنهائية كابنة.
دخلت القصر بخطوات حزينة ولكنها ثابتة، لتجد والدها عاصم يجلس في ردهة بيته وعلامات الغضب والغل تملأ وجهه بعد الخسائر المادية وتنازله القسري عن نصف أملاكه لجسار.
ما إن لمح بيري حتى وقف بلهفة، لكنه تفاجأ بنظراتها الصارمة والباردة التي لم يعهدها منها قط.
عاصم بغضب وغل أعمى: "بيري! أنتي كويسة يا بنتي؟ الراجل اللي اسمه جسار ده أنا مش هسيبه.. وحياة دموعك ودلوعتك اللي اتكسرت في بيته لأندمه! أنا بجهز لخطه مع آسر وأبو صلاح عشان ندفنه مكانه، ونرجع كل الفلوس والشركات اللي خدها مني باللي ذراع!".
بيري بدموع نزلت زي الجمر ونبرة صوت ميتة: "لو فكرت تعملها.. أو تقرب من جسار مجرد خطوة واحدة.. مش هتشوف وشي تاني طول حياتك يا عاصم بيه.. وهتكون خسرتني للأبد".
عاصم بصدمة وعدم تصديق: "عاصم بيه؟ أنتي بتقوليلي أنا عاصم بيه يا بيري؟ وبتدافعي عن الراجل اللي خد نص أملاكي وكسر عيلتنا؟ ده أنا أبوكي اللي عملت عشانك كل حاجة!".
بيري بصرخ وصوت مخنوق من الوجع: "أبويا؟ أبويا طلع قا..تل وسفا..ح! أبويا بنى ثروته ودلعي بد..م طفلة عندها 6 سنين خد منها الكلية بتاعتها وسابها تموت! أبويا دمر عيلة كاملة واغـــتصب أم قدام ابنها الصغير! أنا شوفت الأوراق والتقارير وشيكاتك المكتوبة بخط إيدك للقـــــاتلين يا بابا! حرام عليك.. حرام عليك دمرتني ودمرت براءتي!".
سقطت الكلمات على رأس عاصم كالصاعقة، وتراجع للخلف وجسده يرتجف بعد أن تيقن أن سره الأسود المدفـــون منذ خمسة عشر عاماً قد انكشف تماماً لأحب الناس إلى قلبه. حاول الاقتراب منها يبرر، لكنها تراجعت باحتقار ودموعها لا تتوقف.
عاصم بتلعثم وبكاء ذليل: "أنا.. أنا عملت كده عشان الشغل يا بيري.. عشان اسم السلحدار ميعلنش إفلاسه والشركات متقفلش.. كنت عايز أضمن ليكي ولأختك عيشة ملوكية.. سامحيني يا بنتي!".
بيري بنبرة حاسمة ومفيهاش تراجع: "أنا عمري ما هسامحك.. ولا ربنا هيسامحك على القهر والدم ده.. الجلسة انتهت يا بابا، وأنا هصلح اللي إنت عملته بطريقتي".
استدارت بيري وخرجت تركض من القصر، متجهة بسيارتها مباشرة نحو مديرية الأمن. دخلت مكتب رئيس المباحث، ويدها ترتجف بشدة، وأخرجت الملف الأسود كاملاً من حقيبتها ووضعته على المكتب. بكت بنحيب يقطع القلوب وهي تقدم البلاغ والمستندات الرسمية التي تدين والدها الحبيب بجرائم القــــتل العمد، والاتجار بالأعضاء البشــــرية، والاغتصـــــاب. سجلت شهادتها كاملة، ووقعت على المحضر وهي تشعر أن روحها تخرج من جسدها مع كل جرة قلم.
في تلك الأثناء، استيقظ جسار في قصره فلم يجد بيري بجانبه، وانتابه ذعر قاتل. هرع نحو مكتب المراقبة ليتفاجأ بأنها أخذت مستندات القضية وخرجت. تتبع حركتها عبر رجاله ليعلم أنها دخلت مديرية الأمن. انطلق بسيارته كالمجنون، ودخل المديرية ليرى بيري تخرج من مكتب التحقيق، وجهها شاحب كالأموات، وعيناها خالتان من الحياة، وجسدها يترنح كأنه فقد السند بالكامل.
اندفع جسار نحوها، وجذبها ليرتمي جسدها النحيل والمستسلم تماماً بين ذراعيه. نظرت إليه بعيون مكسورة وقالت بصوت واهن: "أنا سلمت بابا للشرطة يا جسار.. أختك نور وأمك حقهم رجع بالقانون.. خلاص مبقاش في انتقام".
تأمل جسار ملامحها المحطمة، وشعر بنغزة ندم وعذاب وعقاب داخلي تنهش قلبه كالحوت. شعر بذنب هائل؛ فهو من أحضرها إلى هذا الجحيم، وهو من ترك نار انتقامه تحرق براءتها ونقاءها وتجبرها على العيش في صراع لتدمر والدها بيديها. بكى جسار ندمًا وهو يشدد من قيد ذراعيه حولها، ويمسح على رأسها بحنان دافق.
جسار بنبرة مليانة وجع وندم ودموع نزلت على وشها: "ليه عملتي كده في نفسك يا بيري؟ ليه يا روحي دبحتي قلبك بالشكل ده؟ أنا مكنتش عايزك تعيشي الوجع ده كله.. أنا ندمان يا بيري، ندمان إني دخلتك المعركة دي، وعرفت إن صعب عليكي قوي تعملي كده مع أبوكي.. سامحيني يا قلب جسار، أنا السبب في كل كسرتك دي!".
بيري وهي بتدفن وشها في صدره وبتتكلم بضعف: "أنا عملت كده عشانك أنت يا جسار.. عشان أغسل الوجع اللي عيشته لوحدك خمستاشر سنة.. مكنش ينفع أسيب حق عيلتك يضيع، حتى لو التمن هو قلبي.. أنا ماليش غيرك دلوقتي يا جسار.. أرجوك متسبنيش".
جسار وهو بيشيلها بين إيديه وبيمشي بيها بره المديرية وعيونه مليانة عشق وحماية: "مش هسيبك وعمري ما هسمح لحاجة تكسرك تاني.. أنتي فديتي روحي بنقائك، ومن الليلة دي مفيش غير حبك وبس اللي هيعيش في قلبي".
خرج بها جسار من مديرية الأمن كملك يحمل أثمن ما يملك في الوجود، عازماً على قفل باب الماضي بكل آلامه، لتبدأ بيري في التعافي داخل حصون عشقه الجارف، بينما تحركت سيارات الشرطة في نفس اللحظة لإلقاء القبض على عاصم السلحدار ليدفع ثمن خطاياه الماضي
الفصل 12
عادت بيري مع جسار إلى القصر وهي في حالة من الانهيار النفسي التام والجوع العاطفي، كان جسدها النحيل يرتجف بشدة وروحها البريئة قد انكسرت وتفتت بعد أن أقدمت على أصعب خطوة يمكن لامرأة أن تخطوها، وهي تسليم والدها الحبيب بيديها إلى يد العدالة لتغسل ذنب عائلة الجبالي.
حملها جسار برفق شديد بين ذراعيه القويتين، وصعد بها الدرج نحو غرفتهما الفاخرة، وكأنها قطعة من الماس يخشى عليها من الخدش. دثرها بالأغطية القطنية الدافئة، وجلس بجانبها على طرف الفراش، يمسك كفيها الباردتين ويقبلهما رقة تلو الأخرى، ويواسيها بكلمات نابعة من أعماق قلبه العاشق الذي وُلد من جديد في حبها، وظل بجوارها حتى استسلمت لنوم عميق هرباً من واقعها المرير ومستنقع الأحزان الذي غرقت فيه.
اضطر جسار للمغادرة بعد ساعات قليلة إثر اتصال هاتفي عاجل ونبرة حاسمة من المحامي الخاص بالمجموعة، لإنهاء بعض الإجراءات القانونية والمستندات المترتبة على حبس عاصم السلحدار، وضمان عدم المساس بنصف الأملاك والشركات التي آلت إلى جسار كتعويض شرعي.
وقبل أن يخرج من باب الجناح، التفت ونظر إلى وجهها النائم بشحوب، وشعر بقلق مبهم ينبض في صدره، فشدد على رئيس حراسته بمراقبة محيط الغرفة بدقة وبشكل مستمر. لكنه أخطأ الحسابات بمرارة حين ظن أن الخطر قادم من الخارج أو من جهة آسر وأميرة؛ فالأفاعي الحقيقية كانت تقبع خلف جدران بيته، وتتحين الفرصة لتقذف سمها.
ما إن تأكدت الجدة فاطمة وشاهيناز التي تسللت عائدة إلى القصر سراً باتفاق وتواطؤ كامل مع العجوز الصارمة من خروج سيارة جسار من البوابة الحديدية الضخمة، حتى تحركتا بشر مستطير وحقد أعمى فاق كل الحدود الإنسانية. دخلتا الغرفة بخطوات صامتة وخبيثة على بيري النائمة، واستيقظت المسكينة مذعورة على لمسة خشنة، لتجد شاهيناز تمسك بكتفيها بعنف شديد وتثبت حركتها فوق الفراش، بينما كانت الجدة تقف فوق رأسها بملامح متصلبة تقطر كراهية ونقماً، وهي ممسكة بمقص حديدي كبير حاد الشفرات، عازمة بكل قسوة على قص شعر بيري الطويل الناعم؛ لتشويه جمالها الذي سحر حفيدها، وكسر كبريائها بالكامل حتى لا يرى فيها جسار سوى القبح والمهانة.
بيري بصراخ ونحيب وانهيار وهي بتحاول تقاوم بكل صحتها الضعيفة: "أرجوكم سيبوني! بتعملوا فيا كده ليه؟ أنا ذنبي إيه؟ أنا سلمت بابا وحقكم رجع والقانون هياخد مجراه! سيبيني يا شاهيناز حرام عليكي إيدي بتوجعني!".
شاهيناز بغل وضغطت بركبتها على السرير وهي بتشد شعر بيري لورا بقسوة: "حق مين يا حبيبتي؟ أنتي فاكرة بشوية الدموع وعياط المسكنة ده هتضحكي على جسار وتخليه ينسى ثأر أمه؟ أنتي لازم تتشوهي وتعرفي حجمك في البيت ده.. والجمال اللي بتثبتيه بيه لازم يتكسر الليلة!".
الجدة بنبرة جافة وخالية من أي رحمة وهي بتقرب بالمقص وبتفتح حده بقوة: "أبوكي عاصم قص عمر بنتي ونور وحرمنا منهم.. وأنا هقصلك الزينة اللي فرحانة بيها وطالعة بيها للسما.. عشان جسار يفوق من سحر....ك ويبص لوشك المقصوص ويفتكر دم أمه وأخته الغالي!".
بكت بيري بحرقة مروعة، وكان صراخها واستغاثاتها المبحوحة تدوي في أركان الجناح الشاسع، بينما اقتربت الجدة ممسكة بخصلات شعرها الحريرية، وشرعت بالفعل في فتح حد المقص لتقص أولى الخصلات.
وفجأة، تحطم سكون المكان بصوت انفجار مرعب هز جدران القصر بالكامل؛ انخلع باب الغرفة الخشبي السميك وتطايرت أجزاؤه إثر ركلة رجولية جبارة ومشحونة بغضب أعمى.
دخل جسار كالبركان الثائر الهائج الذي يقتلع كل ما يقف في طريقه. كان قد نسي بعض المستندات الهامة وعاد ليلتقطها من مكتبه، فسمع صراخ حبيبته وبكاءها الممزق للقلب.
تحولت عيناه الواسعتان إلى حمرة الدم القاني، وعروق جبهته ورقابه برزت بشكل مخيف يعلن ولادة وحش كاسر لا يعرف الرحمة. اندفع نحو شاهيناز كالبرق، وجذبها من خصلات شعرها بقوة خارقة ورماها بها في أقصى زاوية الغرفة، لتسقط على الأرض وتصرخ برعب وألم من شدة الارتطام. وفي لمح البصر، انتزع المقص الحديدي من يد الجدة المرتجفة بعنف رماه على أثره لتتحطم شفراته على الأرضية الرخامية، ثم جذب بيري المنهارة والمرتعشة إلى صدره العريض، وأحاطها بذراعيه الفولاذيتين كدرع حصين، وصوته هدر كصاعقة رعدية زلزلت أركان القصر كله.
جسار بصراخ مرعب هز الحيطان والشيطان والشر في عينيه: "أنتم اتجننتم؟ عايزين تقصوا شعر مراتي في بيتي ومن ورا ضهري؟ وحياة جلال الله اللي هيمس شعره منها تاني هكون دافنه صاحي تحت الأرض ومش هيرف لي جفن!".
شاهيناز برعب حقي وهي بتبكي على الأرض وبتترعش من وشه: "يا جسار دي بنت عاصم.. إحنا كنا بنشفي غليلك وغليلنا وبناخد حق أمك!".
جسار وهو بيشدد من مسكة بيري اللي كانت بتترعش في حضنه زي العصفور وبيرد بنبرة تقطر سم وصرامة تنهي كل حاجة: "أخرسي خالص ومسمعش صوتك! بيري دي بقت روحي.. وبقت حرم جسار الجبالي يعني خط أحمر والي يمسها يمسني أنا.. والظاهر إن وجودكم في مصر بقى خطر على بيتي وحياتي واستقراري".
التفت لجدته اللي كانت واقفة مصدومة ومش مصدقة إن حفيدها بيزعق بالشكل ده، وبص لها بعيون حاسمة ومفيهاش أي مجال للرجوع: "لحد هنا وخلاص يا أمي.. عقلي مش مستحمل، وخوفي على مراتي مخليني مش شايف قدامي ولا هعمل حساب لحد.. أنتي وشاهيناز تلموا حاجتكم حالا ومن غير كلام.. والطيارة الخاصة بتاعتي هتكون جاهزة في المطار خلال ساعتين، هسافركم لندن تقعدوا في القصر اللي هناك، ومشوفش وشكم في مصر تاني أبداً طول ما أنا عايش!".
حاولت الجدة فاطمة الاعتراض، ورفعت عصاها الخشبية تضرب بها الأرض معلنة غضبها العارم وثورتها على هذا الجحود، لكن نظرات جسار الصارمة، القاطعة، والنهائية ألجمت لسانها تماماً؛ فقد أدركت العجوز بحنكتها أن حفيدها لم يعد ذلك الطفل اليتيم الذي تحركه بنار الثأر القديم، بل أصبح رجلاً عاشقاً مستعداً لنفي وتدمير عائلته بأكملها في سبيل حماية امرأته والحفاظ على سلامتها.
خلال ساعتين فقط، نُفذ الأمر العسكري الصارم بدقة قاطعة من رجال جسار؛ وخرجت الجدة فاطمة ومعها شاهيناز من بوابات القصر يجران أذيال الهزيمة، الانكسار، والخزي تحت حراسة مشددة، متوجهتين مباشرة إلى المطار لنفيهما إلى لندن وإغلاق صفحتهما للأبد.
عاد جسار إلى غرفته، وأغلق الباب، ثم جلس على طرف السرير بجانب بيري التي كانت ما زالت تبكي بخوف وشهقاتها تقطع صدرها. جذبها برفق وحنان غسل كل آثار قسوته الماضية، ودفن وجهه في خصلات شعرها الطويل والناعم الذي كاد أن يضيع غدراً، وهدأت أنفاسه الثائرة وهو يستنشق عبير ياسمينها الخاص، متعهداً أمام الله وفي أعماق روحه أن يكرس ما تبقى من عمره وثروته ليكون الأمان، الحماية، والدرع الوحيد لها في هذا الكون، لتنتهي سطوة الجدة وشاهيناز وتبدأ مرحلة جديدة من العشق الخالص.
الفصل 13
عاش القصر هدوءاً باذخاً تملؤه مشاعر العشق الصافي بعد رحيل الجدة وشاهيناز. كانت بيري تتعافى تدريجياً في حضن جسار، الذي كان يبذل كل جهده ليمسح من ذاكرتها آلام الأيام الماضية. وفي صباح أحد الأيام، دخل جسار غرفتهما وهو يحمل في يده ملفاً جلدياً فاخراً، وجلس بجانب بيري التي كانت ترتشف كوباً من الشاي الدافئ، ونظر إلى عينيها بحنان دافق.
فتح الملف وأخرج منه عقوداً رسمية موثقة من الشهر العقاري، ووضعها بين يديها. نظرت بيري إلى الأوراق بتعجب، لتتسع عيناها بصدمة عندما قرأت محتواها.
بيري بذهول: "إيه الأوراق دي يا جسار؟ دي عقود التنازل عن الـ 50% من أملاك بابا اللي أنت خلّيته يمضي عليها!".
جسار ابتسم برقة ومسك إيدها قبلها: "دي مبقتش بتاعتي يا بيري.. أنا نقلت ملكية الـ 50% دي باسمك إنتي.. الشركات، المصانع، وحتى قصر أبوكي، كل حاجة رجعت ليكي وتقدري تديريها وتتصرفي فيها زي ما أنتي عايزة.. أنا مش عايز حاجة من ريحة الانتقام ده تاني، وأنتي رجعتيلي روحي، والفلوس دي متساويش شعره من راسك".
بيري بدموع فرحة ارتمت في حضنه: "يا جسار أنا مكنتش عايزة الفلوس.. أنا كان يهمني أسمع منك إنك مابقتش تكره عيلتي.. أنت كرمتني ورجعتلي هيبتي قدام نفسي".
جسار وهو بيضمها بقوة: "أنا بعشقك يا بيري.. ومستعد أهد الدنيا وأبنيها تاني عشان أشوف الابتسامة دي في عينيكي".
وفي الجانب الآخر من المدينة، وتحديداً في شقة مستأجرة مظلمة، كان آسر يجلس وعيناه حمراوان كالجمر جراء الهوس والحقد، وبجانبه أميرة التي كانت تمدّه بكل تفاصيل تحركات القصر بعد أن علمت بخبر نقل ملكية الأسهم لبيري، وهو ما أشعل حقدها أكثر.
أميرة بغل: "جسار نقل الـ 50% كلها باسم بيري يا آسر! البت بقت تملك نص ثروة السلحدار رسمي، وجسار مابقاش يسيبها خطوة.. إحنا لازم نتحرك حالا قبل ما نضيع".
آسر بنبرة مرعبة وعيونه مبرقة من الهوس: "ينقلها باسمها أو باسمه ميهمنيش! بيري لازم ترجعلي أنا.. أنا راقبت القصر وعرفت إن جسار عنده اجتماع مهم بكره الصبح مع وفد ألماني في الشركة الكبيرة، وهيكون لوحده.. دي الفرصة الوحيدة عشان أدخل وأخد بيري، ومحضرتش الحراس بتوعي غير عشان اللحظة دي.. هخطفها يا أميرة، وهحرق قلب جسار عليها!".
جاء صباح اليوم التالي، واضطر جسار للمغادرة لحضور الاجتماع المصيري الذي لا يمكن تأجيله. قبّل جبين بيري وطالبها ألا تخرج من الجناح حتى يعود. غادر القصر بقلب غير مطمئن، وكأن حواسه تحذره من عاصفة قادمة.
بعد خروج جسار بنصف ساعة، تحركت خطة آسر المحكمة.
قامت أميرة بقطع خطوط الاتصال والإنترنت عن القصر عن طريق رشوة أحد العمال في كابينة التحكم الخارجية، وفي نفس الوقت، اقتحمت سيارتان دفع رباعي مظلمتان بوابة القصر الخلفية المستغلة غياب الحراسة المكثفة التي سافرت مع وفد جسار.
ترجل آسر ومعه ثلاثة من الرجال المسلحين الأشداء، ودخلوا القصر كاللصوص. سمعت بيري حركة غريبة في الأسفل، وفوجئت بباب جناحها ينفتح بعنف ليدخل آسر وعيونه تفيض بالجنون والهوس.
صرخت بيري برعب وحاولت التراجع نحو الشرفة، لكن آسر اندفع نحوها وقبض على معصميها بقوة غاشمة.
بيري بصراخ وعياط: "آسر! أنت إزاي دخلت هنا؟ سيبني يا مجنون! جسار لو رجع هيقــــــتلك!".
آسر بضحكة جنونية وهو بيشدها عليه وبيقيد حركتها: "جسار مش هنا يا حلوة.. جسار سابك لوحدك، وأنا جيت أخد حقي.. أنتي ليا من صغرنا وجسار خدك بالفلوس! تعالي معايا بالذوق وإلا هسحلك بره القصر ده!".
بيري وهي بتبكي وبتضربه برجلها: "أنا مابحبكش يا آسر! أنا بحب جسار وهو جوزي وروحي! سيبني حرام عليك!".
عند سماع كلمة "بحب جسار"، جنون آسر تماماً.
أخرج من جيبه منديلاً مبللاً بمادة مخدرة، ووضعه على وجه بيري بالقوة رغماً عن مقاومتها وصراخها الممزق. ثوانٍ معدودة حتى بدأت عيناها الزرقاوان تنغلقان، واستسلم جسدها النحيل ليعمى وعيها بالكامل وتسقط بين يديه جثة هامدة.
حملها آسر بين يديه بهوس وتشفي، وركض بها نحو السيارات بالخارج، وانطلقوا بسرعة جنونية هاربين من المكان قبل أن يكتشف أحد من الحراس المتبقين الجر....يمة، ليختفوا تماماً في زحام العاصمة.
في هذه الأثناء، وداخل قاعة الاجتماعات، شعر جسار بنغزة قاتلة في قلبه جعلت القلم يسقط من يده. لم يتحمل أكمل الاجتماع، واعتذر من الوفد وخرج يركض نحو سيارته، وحاول الاتصال بهاتف بيري أو بهاتف القصر ليجد الخطوط كلها مقطوعة وخارج الخدمة. تملكه رعب هولوكوستي وضغط على دواسة السرعة كالمجنون متجهاً نحو القصر، وعقله يصرخ باسمها، لتشتعل من جديد نيران صراع الموت والحياة لاستعادة ملاكه المخطوف.
الفصل 14
دخل جسار القصر كالإعصار المدمّر، صعد الدرج بثلاث خطوات واندفع داخل الجناح ليجده خاوياً تماماً، وكوب الشاي ملقى على الأرضية الرخامية ومحطماً. تطلع إلى الأرض فلمح وشاح بيري الأبيض الصغير الذي كانت ترتديه، وجد فيه بقايا رائحة المادة المخدرة. انخلع قلبه برعب واشتعلت عيناه بنيران حمراء كالجمر، وصرخ بالحراس بصوت هز أرجاء القصر كصوت الرعد.
جسار بصراخ وحشي وعروق رقبته هتموت من كتر الشد: "كل الحراس اللي كانوا واقفين على البوابات يتكتفوا ويترموا في المخزن! تليفونات القصر مقطوعة والإنترنت مفصول والكل نايم على ودانه؟ مراتي اتخطفت من جوه بيتي يا كلاب!".
رئيس الحرس برعب وارتجاف: "يا جسار بيه.. عربيات دفع رباعي اقتحمت السور الخلفي في ثانية والخطوط كانت مقطو...عة من الكابينة الرئيسية بره.. ده شغل مترتب من جوه!".
عند سماع جملة "شغل مترتب من جوه"، لمع وجه أميرة في عقل جسار كالأفعى المحركة للأحداث. لم يضيع ثانية واحدة؛ انطلق بسيارته كالمجنون نحو شقة أميرة، واقتحم الباب بضربة قوية من قدمه الفولاذية، ليدخل ويجدها تمسك بحقيبتها وتستعد للفرار بعد أن علمت بنجاح الخطف. اندفع نحوها وقبض على عنقها بيد واحدة يرفعها عن الأرض وعيناه تقطران مو....تاً حتمياً.
جسار بنبرة صوت منخفضة ومرعبة ومفيهاش أي رحمة: "آسر ودا بيري فين يا أميرة؟ انطقي قبل ما أزهق روحك بإيدي دي حالا.. أنتي اللي رتبتي معاه وقطـــعتي الخطوط!".
أميرة وهي بتفرفر بين إيديه ومش قادرة تتنفس وبتبكي برعب: "هيموتني.. سيبني يا جسار! آسر.. آسر وداها المزرعة القديمة بتاعة أبوه على طريق الإسماعيلية المقطوع.. والله ما أعرف أكتر من كده، سيبني أعيش!".
رماها جسار على الأرض باحتقار شديد كأنها حشرة مقز...زة، والتقط هاتفه ليتصل برجاله الأشداء ويأمرهم بتجهيز الأسلحة والتحرك فوراً نحو مزرعة طريق الإسماعيلية المعزولة، متعهداً أن ينهي حياة آسر بيديه إن تجرأ ولمس شعرة واحدة من ملاكه المخطوف.
وفي تلك الأثناء، داخل غرف مظلمة ورطبة في المزرعة المهجورة، بدأت بيري تفتح عينيها الزرقاوين ببطء وألم شديد نتيجة أثر المخدر. نظرت حولها بذعر لتجد نفسها مقيدة إلى مقعد خشبي، ويقف أمامها آسر وهو يتأملها بنظرات يملأها الهوس والجنون، ويمسك في يده كأساً من الماء.
بيري ببكاء وضعف وهي بتحاول تتحرك: "آسر.. أرجوك فكني.. أنت بتعمل كده ليه؟ حرام عليك سيبني أرجع لجوزي!".
آسر ضحك ضحكة عالية، جنونية، وقرب منها ومسح على شعرها بعنف وهي بتبعد وشها بقرف: "جوزك؟ أنتي لسه بتقولي جوزك قدامي يا بيري؟ أنتي ليا أنا من صغرنا! جسار خلاص مش هيرجعلك، وأنا هاخدك ونسافر بره مصر بعقد جواز عرفي، وهتنسي الراجل ده خالص.. وإلا هنهي حياتي وحياتك هنا ومحدش هياخدك مني!".
بيري بصراخ وعياط: "جسار هيجيبك يا آسر! جسار مش هيسيبني، ولو موتتني روحي هتفضل معاه.. أنا مابحبش غيره!".
صفعها آسر على وجهها بقوة من فرط الغيرة والجنون، لتسقط قطرات الدماء من شفتيها الرقيقة. وفي نفس اللحظة، تحطم سكون المزرعة الخارجي بصوت إطلاق رصا..ص كثيف وانفجا....رات عنيفة؛ كان جسار قد وصل كالإعصار المدمر برفقة رجاله، وبدأوا في تصفية حراس آسر واحداً تلو الآخر بلا رحمة. انخلع قلب آسر من الرعب، وجذب بيري من شعرها بقوة ووضع مسد...ساً على رأسها، منتظراً دخول الحوت الذي أقسم أن يدمر كل من يقف بينه وبين امرأته.
الفصل 15
تحول محيط المزرعة المهجورة إلى ساحة حرب حقيقية؛ رصاصات رجاله تنهش أجساد حراس آسر، وجسار يتقدم كالموج الهائج، لا يرتدي سترة واقية، ولا يحتمي بجدار، بل يتحرك بدافع غريزة العشق الجارف والخوف الهائل على بيري.
كسر باب الغرفة الداخلية بكتفه الصلب، ليتسمر في مكانه والأنفاس محبوسة في صدره؛ كان آسر يقف في الزاوية، يختبئ خلف جسد بيري النحيل المقيد، ويضع فوهة مسد..سه على صدغها مباشرة، والجنون يبرق من عينيه الحمراوين.
آسر بصراخ وهستيريا وهو بيشد شعر بيري لورا: "اقف عندك يا جبالي! خطوة واحدة زيادة وهفضي الخزنة في دماغها! بيري هتموت معايا هنا، مش هسيبهالك تتهنى بيها!".
بيري ببكاء وانهيار لما شافت جسار: "جسار! امشي يا حبي بره هيقــــــتلك! امشي وسيبني خلاص!".
جسار بنبرة صوت واطية، مرعبة، وثابتة وهو بيرفع إيديه الاتنين فاضيين: "سيبها يا آسر.. أنا واقف قدامك أهو ومن غير سلا...ح.. مشكلتك معايا أنا مش معاها، خدني أنا مكانها وسيبها تخرج بره المصيبة دي.. بيري ملهاش ذنب في غلك مني".
لم يكن آسر في كامل قواه العقلية؛ الهوس والحقد أعميا بصيرته. لمح آسر حركة خفيفة من رئيس حراسة جسار خلف النافذة، فاشتد ذعره وضغط بإصبعه على الز....ناد عازماً على إنهاء حياة بيري.
وفي لمح البصر، وبسرعة خارقة تخطت حدود البشر، اندفع جسار نحو الأمام وارتمى فوق بيري بجسده الضخم ليغطيها بالكامل ويكون درعاً يحميها.
في نفس الجزء من الثانية، انطلقت رصاصة من مسد...س آسر، لتستقر بقوة وغدر في كتف جسار وصدره من الجهة اليمنى. صرخت بيري صرخة هزت أركان المكان مع تدفق دما...ء جسار الحارة على وجهها وثوبها.
لم يمهل رئيس الحرس آسر لثانية أخرى؛ انطلقت رصا....صة دقيقة من بندقيته لتخترق جبهة آسر مباشرة، ليسقط على الأرض جثة هامدة، وينتهي هوسه وجنونه إلى الأبد في بركة من دما...ئه.
تهاوى جسد جسار الضخم فوق بيري، وهو يتنفس بصعوبة بالغة والدماء تنزف منه بغزارة.
حاولت بيري تحرير يديها المقيدتين بكل ما تملك من رعب وقوة حتى تخرش جلدها وتسلل، ونجحت في فك الوثاق، لتركع على الأرض وتضع رأس جسار في حجرها، وتكتم جرح صدره النا..زف بكفيها المرتجفتين وهي تبكي بنحيب يمزق الحجارة.
بيري بانهيار وبكاء مرير وهي بتقبل وشه: "جسار! فتح عينك عشان خاطري متسبنيش! أنت أخدت الرصاصة مكاني ليه؟ أنا ماليش غيرك في الدنيا دي يا جسار.. قوم يا حبي ونبي!".
جسار بابتسامة تعب ووهن وهو بيحاول يرفع إيده يمسح دموعها وصوته بيقطع: "بيري.. أنتي.. أنتي كويسة؟ مفيش حاجة صابتك؟ فداكي.. فداكي عمري كله يا روحي.. أنا بحبك.. بحبك قوي يا بيري..".
انغلقت عينا جسار ببطء واستسلم لغيبوبة حادة جراء النزيف الشديد. صرخت بيري بالحراس لينقلوه فوراً، وحملوه بسرعة البرق نحو المستشفى الكبير في العاصمة، بينما كانت بيري تضمه إلى صدرها طوال الطريق، تصلي وتبكي بحرقة، متمنية أن يمنحها القدر فرصة ثانية لتعيش في حضن هذا الرجل الذي افتداها بروحه ودمر انتقا..مه القديم لأجل أن تحيا هي.
الفصل 16
تجاوز جسار مرحلة الخطر واستقرت حالته الصحية بعد جراحة دقيقة لاستئصال الرصا..صة من صدره.
كان تعافي جسده سريعاً بفضل رعاية بيري التي لم تفارق فراشه ليل نهار، تدثر كفيه بالقبلات والدموع.
سارت الأيام نحو الاستقرار، وعاقبت المحكمة أميرة بالسجن بتهمة التواطؤ في الخطف والتحريض، وظن الجميع أن خيوط الشر قد قُطعت بالكامل.
لكن في زاوية مظلمة وراء قضبا...ن السجن المشدد، كان عاصم السلحدار يشتعل حقداً ونقماً.
لم يتحمل فكرة أن ابنته المفضلة بيري باعته وقدمت أوراقه للمشنــــــقة لأجل رجل غريب، فطلب عبر محاميه مقابلة جسار لأمر مصيري يتعلق بحياة شقيقته الراحلة نور.
رغم تعبه، ذهب جسار إلى السجن مدفوعاً بفضوله وقلقه.
جلس خلف الزجاج العازل، ليرفع عاصم سماعة الهاتف بابتسامة خبيثة وميتة، ونظرات تقطر سماً زُعافاً.
عاصم بضحكة صفراء وكلها غل: "حمد الله على سلامتك يا حوت.. أخدت الرصاصة مكان بنتي؟ هه.. غبي! عايش في وهم الحب وماتعرفش الحقيقة اللي هتحرق قلبك لآخر يوم في عمرك".
جسار ببرود وعصبية محبوسة: "اخلص يا عاصم وقول اللي عندك.. أنا مش جاي اسمع جنانك هنا، حسابك معايا خلاص خلص وأنت هتمو...ت في السجن ده".
عاصم مال على الزجاج وعيونه برقت بشر: "حسابي مخلصش! أنت فاكر إن بنتي بيري بريئة؟ بيري اللي أنت بتمو..ت فيها دي، هي السبب في مو...ت أختك نور! الكلية اللي رجالتي خدوها من أختك الطفلة زمان، كانت لبيري! بيري كانت بتمو...ت من فشل كلوي وأنا اشتريت لها حياة نور عشان تعيش هي بالدلع! البنت اللي في حضنك عايشة بجزء من لحم ودم أختك الميــــتة!".
سقطت الكلمات على رأس جسار كوقع المقصلة
تجمدت الدماء في عروقه، وشعر ببرودة الموت تجتاح جسده. سقطت السماعة من يده ببطء وهو ينظر إلى عاصم الذي كان يضحك بهستيرية وتشفي وراء الزجاج.
عاد جسار إلى القصر بجسد ميت وعقل مشلول.
الصدمة كانت أكبر من قدرته على الاحتمال. هو يعلم تماماً في أعماقه أن بيري بريئة ولم تكن تعلم شيئاً وهي طفلة، لكن الفكرة كانت كلعنة تلتهم عقله؛ كلما نظر إلى وجهها، إلى عينيها، سيتذكر شقيقته نور المغدورة، وسيرى أن بيري تعيش وتتنفس لأن نور دُفنت تحت التراب.
تغيرت معاملته فوراً؛ صار بارداً، منسحباً، وعيناه تهربان من النظر إليها. وفي ليلة حزينة، جلس قبالتها في الجناح، ونطق بكلمات مزقت سكون المكان كالشفرة.
جسار بنبرة صوت ميتة وخالية من الروح: "بيري.. إحنا لازم ننفصل.. مش هينفع نكمل مع بعض تاني، يا ريت تلمي حاجتك وكل الأوراق والأسهم اللي باسمك وتمشي".
بيري بصدمة ودموع نزلت فوراً: "ينفصل؟ ليه يا جسار؟ أنت كنت لسه واخد الرصا....صة مكاني وبتقولي بتمو...ت فيا! في إيه حصل؟ قولي ومتخبيش عليا!".
جسار وهو بيقوم وبيديها ضهره عشان ميبصش لعينيها: "مفيش أسباب.. أنا تعبت ومبقتش قادر أكمل، الجوازة دي كانت غلطة من الأول ولازم تنتهي".
لم تصدق بيري تبريره البارد، وحركتها غريزتها الأنثوية لتعرف ما الذي غيره في ساعات تتبعت خط سيره عبر سائقه الخاص، لتكتشف أنه زار والدها في السجن قبل تغيره مباشرة.
في الصباح التالي، توجهت بيري إلى السجن وقابلت والدها عاصم، لتجبره على الاعتراف، فبصق الحقيقة البشعة في وجهها بشماتة: "أخت جسار ما...تت عشان إنتي تعيشي يا بيري!".
انخلع قلب بيري، وتوجعت روحها وجعاً لم تذق مثله قط.
خرجت من السجن تترنح، وعالمها انهار للمرة الثانية والأخيرة. عادت إلى القصر، ووقفت أمام جسار والدموع تجف على وجهها الشاحب، ونظرت إليه بكسرة تذيب الصخر.
بيري بصوت مبحوح وكسير: "أنا عرفت الحقيقة يا جسار.. عرفت بابا قالك إيه.. وأنا مقدرة وجعك.. بس أنا بطلب منك طلب واحد وبس.. نعيش مع بعض يوم واحد بس طبيعيين، من غير سيرة ماضي ولا دم.. يوم واحد أعيش فيه في حضنك كزوجة، وبعدها همشي ومش هتشوف وشي تاني".
نظر جسار إلى براءتها ونقاء قلبها، وفاضت مشاعره وعشقه الجارف رغماً عن قيد عقله. رق قلبه لها ووافق على طلبها عاشا معاً يوماً من أجمل الأيام؛ دثرها بحنانه، غمرها بامتلاكه، وتأمل براءتها بخصال دافئة، وفي غمرة ذلك العشق، شعر جسار بأنه مستعد للتغاضي عن كل شيء، وأن يحاول من أجلها ويتخطى هذه اللعنة لأنها لا ذنب لها.
لكن بيري كانت قد اتخذت قرارها.
في الصباح الباكر، استيقظ جسار ليتلمس الفراش بجانبه فيجده بارداً وخالياً. انتفض واقفاً بذعر وهو يصرخ باسمها، ليل المح ورقة بيضاء موضوعة على الطاولة الفاخرة بجانب الفراش التقطها بيده ترتجف، ليقرأ كلمات بيري المكتوبة بدموع ونحيب قاطع.
"جسار.. حبي وأماني الوحيد اللي عيشته.. أنا عرفت الحقيقية كاملة، وحقك تطلب مني الانفصال.. أنا ماليش ذنب في اللي بابا عمله، بس أنا نفسي مش هقدر أعيش معاك وأنا عارفة إن كل ما تبص في وشي، هتفتكر أختك نور اللي ماتت عشان أنا أعيش. الوجع ده هيبقى جدار بيننا دايماً وهيموت حبنا بالبطيء.. أنا مشيت يا جسار، مشيت عشان أريحك من لعــــــنة وجودي في حياتك.. بحبك وهفضل أحبك لآخر نفس.. بيري".
سقطت الرسالة من يد جسار، وجُن جنونه تماماً شعر ببركان من الرعب يمزق صدره، وصرخ بأعلى صوته كالمجروح وسط ردهات القصر. انطلق كالممسوس يفتش في غرف القصر، ثم أمر كل رجاله وحراسه بقلب العاصمة والبحث عنها في كل الفنادق والمطارات والمستشفيات كان يدور بسيارته في الشوارع كالمجنون، يبكي ويصرخ باسمها في الفراغ، لكن بيري كانت قد اختفت تماماً كطيف عابر في ظلمات الليل، تاركة وراءها الحوت يتلوى بنا...ر الفراق والندم، بعد أن أدرك أن انتقامه القديم قد سلب منه أثمن وأغلى ما يملك في الوجود.
الفصل 17
رواية رماد الانتقام الفصل السابع عشر 17
الاخير
مر عام كامل كأنه دهر من العذا..ب الأسود فوق رأس جسار الجبالي. تحول الحوت الشديد إلى طيف باهت، يجر أذيال خيبته وندمه في ردهات قصره الخاوي.
لم تعد للشركات قيمة، ولا للملايين بريق؛ فكل ما كان يملكه قد تهاوى أمام غياب ملاكه بيري.
طوال ثلاثمائة وستين يوماً، لم يتوقف لثانية واحدة عن البحث عنها؛ قلب العاصمة، ونبش في الدفاتر، وسخر كل حراسه ونفوذه، لكنها تبخرت كقطرة ماء في صحراء قاحلة، تاركة إياه يصارع أشباح الماضي وحده، بعد أن أدرك يقيناً أن روح شقيقته نور لن ترضى بأن يعيش شقيقها وحيداً ومحطماً بنار الفراق.
أما بيري، فقد عاشت تلك السنة في مدينة ساحلية نائية، تعمل في ملجأ صغير للأطفال الأيتام، تحاول أن تطبب جراح قلوبهم لتغسل ذنب والدها، وتعيش على ذكرى يومها الأخير في حضن جسار. غلف الحزن عينيها الزرقاوين الصافيتين، وزادها الشحوب رقة وجمالاً مكسوراً.
وفي ذات المساء الخريفي البارد، ومع غياب الشمس وراء الأفق، شعرت بيري بنغزة شوق جارفة لم تستطع مقاومتها.
قادتها أقدامها نحو القاهرة، وتحديداً نحو ذلك الشاطئ المهجور واللسان الصخري الممتد؛ نفس المكان الذي ألقت بنفسها منه قبل سنوات هرباً من الخطف، ونفس البحر الذي شهد أول لقاء جمعها بجسار. وقفت على الصخرة المرتفعة، والرياح تعصف بشعرها الطويل الذي لم يمسه سوء، وتتأمل تلاطم الأمواج والدموع تنحدر على وجنتيها.
وفي تلك اللحظة بالذات، كان جسار يقف على متن يخته القريب من الشاطئ، يرتدي قميصه الأسود وعيناه غارقتان في تأمل النجوم بوجوم تام. التفت بمحض الصدفة نحو الشاطئ، ليتسمر في مكانه والأنفاس تنقطع من صدره. لمح طيفاً أبيض يقف فوق الصخرة.. إنه نفس القوام، نفس الوشاح، ونفس الخصلات الحريرية التي تطايرت في الهواء.
انخلع قلب جسار، ولم يتردد لثانية واحدة.
قفز من اليخت في الماء البارد وشق الأمواج بضربات ذراعيه القوية ليتجه نحو الشاطئ بجنون وإصرار تخطى كل شيء. وصل إلى البر، وركض على الرمال الناعمة والماء يقطر من ملابسه، وعيناه مصلّبتان عليها كأنه يخشى أن تختفي إن رمش.
سمعت بيري صوت أنفاس متلاحقة وخلفها خطوات سريعة، فالتفتت بذعر، لتتسع عيناها بصدمة مروعة وهي تراه أمامها؛ جسار، بكامل هيبته وسحره، لكن ملامحه تحمل تفاصيل سنة من التعب والشوق الحارق.
جسار بنبرة صوت مخنوقة بالدموع والنهجان وهو بيقرب منها وبيمد إيديه المرتعشة: "بيري.. بيري أنتي هنا بجد؟ أنا مش بحلم مش كده؟ أنتي رجعتيلي يابيري صح؟"
بيري بدموع نزلت كالشلال وتراجعت خطوة للخلف بخوف: "جسار! إزاي جيت هنا؟ أرجوك ابعد عني.. متشوفش وشي تاني.. أنا لعـــــــنة في حياتك، كل ما هتبصلي هتفتكر أختك نور!".
اندفع جسار ونفض كل جدران الفراق، وجذبها ليرتمي جسدها النحيل بالكامل داخل صدره العريض، وأحاطها بذراعيه بقوة غاشمة كأنه يقفل عليها داخل ضلوعه للأبد، ودفن وجهه في عنقها وهو يبكي بنحيب حقي لأول مرة في حياته.
جسار بصراخ مخنوق من الوجع والعشق: "ملعو..ن أي حاجة تفرق بيني وبينك يا بيري! ملـــــــعو..ن الماضي وملعــــــــو.ن الانتقام! أنا هيمــــــو..تني الفراق مش أختي اللي ما...تت! نور في الجنة يا بيري، ونور أكيد مش هترضى إن أخوها يعيش ميـــــــت من غيرك! أنا اتعذ...بت سنة كاملة وبمـــــوت في اليوم ألف مرة.. أنتي مالكيش ذنب يا قلبي.. أنتي روحي وأماني، ومستحيل أسيبك تمشي تاني لو فيها مـــــــوتي!".
شعرت بيري بصدق كلماته الدافئة وتدفّق دقات قلبه العنيفة التي كانت تنبض باسمها، فتلاشت كل مخاوفها وحصونها، وأحاطت عنقه بيديها المرتعشتين، ودفنت رأسها في صدره بقوة، لتستسلم تماماً لعاصفة عشقه التي جرفتها من جديد نحو بر الأمان.
غسلت دموعهما معاً كل آلام الماضي، وانقشعت غيوم الثأر والانتقام لتبددها شمس العشق الصافي.
رفع جسار وجهها برفق بين كفيه الفولاذيين، ونظر إلى عينيها الزرقاوين اللتين عاد فيهما بريق الحياة، وقبّل جبينها وقبل كفيها برقة باذخة أخرست صوت الأمواج من حولهما.
جسار بابتسامة مليانة فرحة وعيونه بتلمع بالعشق: "القصر وحش من غيرك يا ملكة قلبي.. وكل حاجة رجعت ليكي وباسمك، بس أنا مش عايز غيرك إنتي.. قوليلي إنك مسامحاني يا بيري وإنك هترجعي معايا بيتنا الليلة؟"
بيري بابتسامة رقيقة ودافية وهي بتمسح دموعه: "أنا عمري ما زعلت منك يا جسار.. أنا كنت خايفة على قلبك أنت.. أنا بحبك، ومقدرش أعيش في الدنيا دي بعيد عن حضنك تاني.. خدني معاك يا حبي".
حملها جسار بين يديه برفق وشوق جارف، وسار بها على رمال الشاطئ نحو يخته الفاخر، بينما كانت خيوط القمر الفضية تنعكس على مياه البحر لتضيء لهما طريق العودة.
أغلقت الرواية أبوابها على نهاية ملحمية تليق بقلبـــين ولدا من رحم الدم والنـــــار والانتــــقام، ليغسلا ذنــــــوب الماضي بنقاء البراءة، ويعلنا انتصار الحب الأبدي فوق جدران قصر الجبالي، حيث أصبحت بيري النبض الحقي الوحيد في صدر الحوت جسار الجبالي إلى آخر العمر.
تمت بحمدالله