الفصل 24 | من 37 فصل

رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ميفو السلطان

المشاهدات
23
كلمة
4,691
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

كان جبل يقف متسمرًا عندما اقتربت بهدوء ومسكت يده. "تعالي يا جبل، إني خلاص هريحك، وزي ما قلت يمكن لما تاخدني ترتاح." ذهبت إلى المنضدة، كانت عليها بعض الأوراق وبعض الأقلام. أخرجت ورقة وبدأت تخط فيها. وهو ينظر إليها برهبة. اقتربت منه. "يلا يا جبل، امضي." نظر إليها مبهوتًا. "امضي؟ امضي على إيه؟ قالت ببلادة: "امضي بس، هريحك. امضي على الورقة." فقد كتبت عقدًا لهم وتركته.

أجفل النور يا جبل. كان يمسك الورقة كالمخبول، لا يفهم شيئًا. هزت رأسها واتجهت إلى النور وقفلته واقتربت منه. انصدم مرتعبًا عندما مدت يدها إلى قميصه وقالت: "دلوقتي هتاخد مني اللي عايزه، وبعديها هترتاح إنك خدت جمر. أنت قلت جايز لما آخدك هرتاح." كانت تفك أزرار قميصه وهو مذهول. فمسك يدها وصرخ: "إنت بتعملي إيه؟ أبعدها وذهب يفتح النور واستدار منفعلاً. "إنت مخبول؟ إنت متجوزة، أخدهم في الحرام؟ ضحكت. "مين؟ إني متجوزة؟ وحرام؟

هو فيه حاجة في اللي بينا حلال يا ابن الناس؟ صرخ: "إنت ضاربة ورقة؟ إنت انخبلتي؟ عايزة تلبسي مصيبة؟ هتتجوزي مرتين؟ إيه الحزن ده؟ مسك الورقة ومزقها إربًا وقال: "جمر، إنت تطلقي، وآخدك وتسمعي الكلام. اللي بقت حاجة ماحدش يتحملها." نظرت إليه ببلادة، فهو لا يعلم أنها لم تتزوج من الأساس. كانت تحس أنها جثة تتنفس. همست: "أطلق." "آه صح، فعلاً هتطلقي وتأخدني؟ حاجة تانية أعملها؟ "جمر، فيه إيه؟ هنطلق وهكتب عليكي رسمي قدام الخلق."

أكملت ببلادة: "أيوه صح، هتطلقي وتكتب عليا قدام الخلق." كانت تردد ما يقوله كأنها ليست معه. أحس برهبة، فمنظرها عجيب. شدها إليه وقال بخوف: "جمر، بيكي إيه؟ إنت مخبية إيه؟ فيه جواك حاجة واعر، قولي." ابتسمت. "ليه عايز تعرف؟ انت لك في اللي جوايا يا ابن الناس؟ إني عرضت عليك حالي، انت اهه رفضت. مالكش صالح باللي جوايا، سيبه بحزنه." قال: "جمر، كتير عليا اللي بيحصل ده يا بت الناس." همست: "كتير. طب ما فكرتش مرة تسامح وتنسى؟

جايز دنيتك تهدي." صرخ بحرقة: "أسامح؟ أسامح؟ حاولت، حاولت أسامح، بس الجمرة مكلبشة في قلبي. عمري ما نسيت نومتي على الأرض مكان جزمتك وأني ببكي على حب راح بالرخيص. حاولت كل يوم بالليل بتعذب نفسي، بس ما أعرفش إني هنجن. عايزك وخلاص." شدت نفسها منه وقالت: "عايزني وخلاص؟ هو ما فيش إلا أكده؟ تنهدت بوجع، وأنفاسها تشق قلبها. "اسمع يا جبل، عشان بس إني والله ما عاد فيا نفس يا ابن الناس، انطق. انت لك حاجة واحدة بس عندي."

وأشارت على جسدها. "ده هو اللي هيخليك تاخد حقك مني وترتاح وتبعد وتنساني. أنا غلطانة، سماح إيه؟ هعمل بيه إيه من الأساس؟ سبتلك حالي، وتاني بجولك خد يا جبل عشان تنسي جمر. ألحج نفسك يا ابن الناس، عشان إني لو انطبق السما على الأرض ساعة ما أقول خلصت، ما هتلاجنيش قدامك. إني هقفل النور عشان تاخد وتشبع، عشان جمر مالهاش تتاخد إلا في الضلمة. مشي دنيتك والحج حاجة. خد واشبع، واللي فات ادفنه زي ما أنا دفنت كل حاجة."

صرخ: "إنت مخبول؟ إنت عايزة تجننيني؟ ابتسمت له بحنان لاول مرة واقتربت. أحس برهبة، فهي منظرها عجيب. اقتربت ووضعت يدها على قلبه.

"ادفن غلك يا جبل وعيش وافرح. عمري ما تمنيت لك حاجة عفشة. حاول تنسى اللي جمر عملته فيك. حاول، قول يا رب، وخرج الغل من هنا، هترتاح. جته جمر مش هتريحك يا جبل، بس برضك اهه بجولك خدها، جايز زي ما بتقول، لما آخدك هرتاح، ونفضها وترميني. إني خلاص عرفت اللي فيها يا جبل، وعرفت جواك. خد واشبع، هترتاح. قعدت سنين بدعيلك يريح قلبك، وما عارفاش انت ليه أكده. ماحدش يا ابن الناس بيقعد، عمر الغل بيحركه. انت مش عايش، واني خلاص عليا

أكده، إني مت من زمان. ورجعت مت موته مالهاش راجعة. انهارده لما كلمتك شقت قلبي. والحمد لله إنك جولتها وريحت قلبي، كان القلب أهبل وبيقول لسه فيه، بس اللي فيه يحزن، الحزن نفسه. بنصحك لله، ارجع من مطرح ما جيت، واتجوز بت خالك، وانعد عشان آخرة الطريق ده عفشة. وسيب جمر باللي كان."

مسكها بقوة وقلبه يتمزق بجنون. "لاه، إنت مخبية حاجة؟ وقتي كيف المجنونة؟ وأعرف إيه وأشوف إيه؟ انطق، إني ما عدتش هسكت لك واصل. إني عايز أخلص الحزن ده. شوفي ميتة هتبقي معايا؟ إلا هموتك وأخلص من عذابك. إني جثتي ما عدتش مستحملة." نظرت إليه تتأمله ببلادة، وكلامه يميتها أكثر. قالت بقهر: "محسسني إني زبالة وجرف عايز تطوله وترميه بسرعة، كأني مش بني آدمة بحس. لاه، كلبة فلوس." صرخ: "هو جصة ومالك جالباها دراما أكده؟

جولت هغرقك فلوس ودهب بس آخدك ليا." ابتسمت. "تاخدني؟ وتغرقني دهب؟ " اقتربت منه. "عيون جمر ما عدتش على الدهب يا جبل." قال ساخرًا: "أمال على إيه؟ هاه، على حاجة أكبر، مش أكده؟ توصلي بجهرتك ليا تبقي ست الناس وهانم، مش أكده؟ وتتحكمي وتكبشي مني، صح؟ ده اللي مخططاه." صرخ بحرقة: "وهعمل لك كل ده، هشبعك يا جمر، جايز عينك تتملي وترحميني. إني ما عدتش فاهمك." ظلت تنظر إليه، وكلامه ينهش قلبها.

قالت: "إني ماشية يا جبل، ما عنديش كلام أقوله خلاص." اقترب ومسكها. "إني بقى عندي كتير، وعندي وعندي. أما تطلقي وتبقي بتاعتي، هعرف إني ليه إيه عندك وهاخده. هعرف يا جمر، جبل ماهواش أهبل وعارف إنك مخبية حاجة. يحصل الطلاق، آخدك وأتصرف فيكي، وهعرف. إني هتصرف وانت تسمعي من سكات عشان العيشة تمشي، لأني لا ههدي ولا هسيبك." ابتسمت. "بس أكده؟

حاضر يا جبل، هروح أطلق وأجيلك على طول، هريحك على الآخر. العبدة اللي اتخلقت ليك، هتعمل فيها ما بدالك. عاوز تشرح، شرح. عايز تغرز، اغرز. الجثة الميتة ما بتحس يا ابن الناس. هروح أطلق وأجي، تتصرف فيا، بس أكده." واستدارت. شعر ببعض الخوف، فاندفع واحتضنها بقوة. أحست بقلبها يصرخ وجعًا. استكانت ونزلت دموعها وركنت على صدره ترتاح. شعر ببعض الذعر. أحس أن بها شيء مخيف. قال: "جمر، إني مش مطمن فيكِ. إيه؟

ولأول مرة رفعت يديها وحاوطته. فانصدم وشدد عليها. كانت تحس أن ذلك آخر نفس لها. كانت تحتضنه ودموعها تسيل بغزارة. أبعدها. همست: "جبل، احضني بالله عليك." أحس بقلبه يتمزق أشلاء. شدد عليها، وهي من أحضانه تتنفس لآخر مرة، فقد عزمت أن ترحل بلا عودة. ستنهي ذلك العذاب وكفى. بدأ يشعر بالذعر والخوف. مسك وجهها. "جمر، ما تخوفنيش. فيه إيه؟ إنت عاملة ليه أكده؟ همست بوجع: "اسكت يا جبل، بالله اسكت. حبة بس حاوطني بيدك واسكت."

شدد عليها. أغمضت عينيها وبدأ شريط حياتها ينعاد. وقوفها أعلى السلم في حلقه التحطيب. عيونها وقت أن خطفت عيونه. حب سنة وعشق انغرز بداخلها. فستانها الذي ستلبسه له وقت أن تكون حلاله. أبوها وسليم والهدايا. تركها له وانتش قلبه. دعاه عليها وموت أخيه، فكلبت فيه في تلك الذكرى بقوة، كأنها تحتاجه، تحتاج أحد يملس على قلبها. التصقت به تشعر بألم حاد، لعل دقات قلبه تطبب دقاتها المدبوحة. لتتوالى ذكريات العذاب، منذ أن عاد حياتها إلى وقت أن طعن قلبها بقوله إنه يريد جسدها.

في تلك اللحظة، بوجع، شقت قلبها وغرزت أصابعها في يده. فلم يعد القلب يشعر، لم يعد القلب يضخ. لتنتهي دقاتها بآخر نفس بقربه، وانساب جسدها، مستسلمة لقدرها أن يخرج الجبل من حياتها. كانت تغرز فيه، وما إن انتهى شريط ذكرياتها، لانت وانسابت وتركت يدها، فارتاع. فصرخ: "بيها إيه؟ همست ونظرت إليه ودموعها متحجرة في عيونها. "جبل، بالله عليك ما تدعي عليا تاني."

واستدارت وتركته، وهو يقف يحس بدبحة في قلبه. كان قلبه يأن وجعًا. رحلت هيا، وقد تشكلت حياتها أمامها. رحلت تبتعد عن الجبل وثقله، فقد هال حجاره على قلبها، مزق أوصاله. ركنت حجارة الغل والكره على قلب القمر، تدعسه وتنهش فيه، وهيا لم يعد هناك قطرة دم تنبض لتكمل بها الحياة. لم يعد هناك نفس، فقد نتف النفس ونتف ما بداخلها من طاقة. طاقة المواجهة والتحمل. فليذهب وتذهب القصة، قصة العذاب، قصة لا تستحقها ولن تتحملها أكثر من ذلك.

دخلت على عرفان وأخبرته أنها راحلة وستأخذ باسم وترحل. قال: "يا بتي، الهرب مش حل. اجعدي وهنشوف حل." قالت: "حل إيه يا بوي؟ ده بيقول لي: ما هجيبش منك عيال، ما تنفعيش تربي عيالي. بيقول لي: جايز لما آخدك أرتاح. عايز ياخدني يقضي رغبته ويرميني. جالهالي في وشي، حتى ما جملهاش. كل كلامه عن جثتي وبس. إنت شايف حالي بقى كيف؟

والله أصعب على الكافر، أصعب على الجادر اللي ما بيرحم. إني أصعب على أي حد، إلا هو ما بيصعبش عليه واصل. لما جالهالي حسيت بالجرف من حالي معاه. إني قاعدة ليه من أساسه؟ ليه في حياته؟ كت عملت إيه لده كله؟ ما لاقياش حاجة عملتها. داني لو خاطية وتبت، كت اترحمت، وإني مش خاطية. إني صاينة نفسي وزهدت دنيته." قال عرفان بحزن: "جمر، قوليله يا جمر، إنت بتعشجيه." ابتسمت. "أقوله؟ أقوله إيه؟ إني مانفعش جثته له. هتنفع بايه؟ أصعب عليه؟

والا يشمت؟ والا ينجن؟ والا يجرف؟

ما خبّرش رد فعله، ما هتتحملوش. إني جلتله خد، بس ما رضيش. عايز يجعدني جارة، يديني فلوس ويكبش من جثتي. عارف نفسي أقوله جوي، إني مانفعش، بس جوايا حاجة أكده مخليني مش قادرة. حتى لو مش هكون معاه، حتى لو ما بيحبنيش، بس مش قادرة. أعري نفسي وأبقى في عينه مجرفة ومشوهة ومعيوبة. إني برضك حرمة وبحس، والله بحس يا بوي عرفان. كت أقول إن إني خلاص زهدت الدنيا. آه، زهدتها، بس عند جبل ودنيتي واقفه هناك على الجسر. جمر الحلوة لجبل، ما أعرفش أبين الحزن ده. ما أقدرش، إني حرمة برضك والحرمة عزيزة في حالها. إني خلاص همشي. إني فوضت أمري لله وهاخد الواد وأطفش، وتخلص الجصة."

قال: "وأبوكِ يا بتي؟ قالت: "أبويا قال هيروح يقعد عند أخوه. إني كلمته لحد ما استقر، وأعرف مكان كويس وأجيبه. أبويا ما عادش في الدنيا، وبقى بيتوه. ما أقدرش أحمله هم خلاص. إني اتفقت معاه وجلتله، وربك يعدلها." قال: "هتروحي فين طيب؟ ابتسمت. "الدنيا واسعة. ربك حنين معايا، حتتين دهب هبيعهم وأشتري شوية حاجات وأبيعها." قال: "طب بصي، فيه بيت في الإسكندرية ليا، خديه واقعدي فيه." قالت: "لاه، ما عايزاش حد يعرف مكاني."

قال: "واني بجولهالك، ما هعرف حد مكانك ده عهد عليا يا بتي." نظرت إليه دامعة. ابتسم وقال: "ما هقدرش أسيبك تروحي أكده، كتير عليكي لوحدك." تنهدت. "ده قضاء ربنا وابتلاء. مش جلتلي إنه ابتلاء؟

إني مصدقة دلوقتي إنه ابتلاء للصابرين الحامدين. وإني ما أستحقش العذاب ده، بس الحمد لله، ربنا نزل على قلبي صبره. واني أقول الحمد لله، إني دلوقتي دنيتي كلها باسم وبس. جبل حياته وقفت على الجسر يوم ما كان عايز جمر، مات هناك وكره جمر. بس ما بيسيبهاش، مش رايدها، بس هيموت على جثتها. أقول إيه؟

فكرت أعملها لو كشفت حالي ليه هيجرف ويسيبني، بس واعر على قلبي جوي. ما أتحملش، إني برضك بحس. ما أتحملش نظرة الجرف منه، ما أتحملش روحي. مش عايزك إنت، يتعاز فيكِ إيه؟

ما أتحملش يا أبوي، إني مرة وبحس، والله. والرفض صعب على قلبي، مهما زهدت الدنيا. اللي جوايا ليه كتير، بخاف أقول ليه إيه جوايا عشان ما أصدقش إن فيه أمل ليا. جبل مات، وجمر كمان ماتت، واللي فاضل مرار وطافح أسود بيحلل جثث ميتة. هو مستني أطلق وأروح ياخدني عشان خلاص ما عاد متحمل. بس حاولت بطريقتي أريحه. رفض. خلاص ياكل حاله، يجعد بقه عايش ينح على جته. جمر، إني لو ما مشيتش هموت نفسي. بس جلت الواد ده هيتربى، ذنبه إيه يبقى يتيم من كل حاجة. بدعي ربنا يخرج حب جبل من قلبي عشان أعرف أكمل. إلا النفس ضاج جوي."

اقترب منها عرفان. "جمر، اللي بيحب بياخد حبيبه على عيبه." ضحكت. "عيبه؟ وهو ده عيب يا أبوي؟ إني بخاف أبص لحالي من منظري، تجولي عيب. واللي يحب بقه؟ جبل جه سكة ودغري، واضح وصريح، ما بيكدبش عليا عشان ما أتعشمش. جبل من رجعته عايز جثته، جثة جمر النجع.

جالها: جايز لما آخدك أهدي وأخلص. واني متأكدة إن جبل قلبه خلاص ما عادش جمر جواه. خلاص، إني همشي، ولا هيعرفلي طريق. يعيش بقه، ما عدتش هفكر فيه، لأني تعبت. يصطفل مع حاله، أنا كتير عليا اللي جرالي." تنهدت. "إني همشي، بالله ده عهد، سر. ما تجولش." تنهد. "حاضر يا بتي." استدارت ودخلت الحجرة تلملم أشياءها. مسكت الفستان، سالت دموعها أنهارًا وانهارت تحتضنه وتشهق. لتبعده أخيرًا، كأنها تنزعه من روحها. "سيباه ليه يا جمر؟

خلاص، كلو خلص وكلو ضاع. ده ما ينسابش معاكي واصل. خلصيها واقطميها يا بت الناس." وأحضرت الفستان وطوته ووضعته في صندوق، ووضعت معه الخلخال الذي أحضره لها، ودموعها لا تتوقف. خرجت لعرفان. "خد يا بوي عرفان. جبل، إني عارفة هييجي. خد أديله حاجته.

جوله: جمر، جمر ماتت وخدت هدومها. احرجها وإلا أرميها. خد حاجتك اللي حافظت سنين عليها جوا قلبي. خدها عشان تعرف إن جمر سكته خلصت، والجسر انهار بحزنه وهمه، واندفنت الحكاية. لا عاد فيه جمر، ولا جبل، ولا جسر من أساسه يوصل ما بينا."

قام هو متأثرًا، وأحضر لها المفتاح، وأعطاها مالاً، أخذته بعد اعتراضات وإصرار منه. وأخذت باسم، وودعت أباها ورحلت. قمر بلا عودة. رحلت قمر، تاركة قلبها. لم تعد تحس أن لها قلبًا من الأساس. فدعك النفس للنفس مميت. يصعب على الأنثى أن يلفظها حبيبها ما إن يقربها. تظن أنها من الدونية، ما كان لها أن تقربه من الأساس. مات الجبل، وماتت قمر في قلب الجبل. تحملت كثيرًا، تحملت وهي تظن أنه ذنب، ولكنها أخيرًا أدركت أن جبل هو ذنبها في

الحياة، ولا بد أن تتخلص منه. جبل أحب وعشق، ثم اتشح القلب غلًا، ولا يأتي من غل النفس إلا شرورها. كان عليها أن ترحل وتترك كل شيء وراءها، فلم تعد تحتمل غرز أسهمه بداخلها، فلم يعد هناك مكان لنصل سكين، فالقلب غرز في منتصفه ألف سكين، شقه أشلاء، ليس من السهل إعادته للحياة.

مرت أيام واستقرت قمر. كانت فترة إجازة لباسم. كانت تحضر أشياء وتنزل تبيعها للناس في الأسواق، من ملابس وخلافه من مستلزمات النساء، وتعود في المساء تحتضن ابن أخيها وتنام بلا شعور. لم تعد تفكر في ماضيها، لم تعد تفكر في شيء. تعمل وتربي ابن أخيها وفقط.

نرجع للحزين اللي ماشافش فرح. مرت الأيام على جبل مميتة، فهو ينتظر بشوق أن تترك ذلك الرجل ويأخذها. وقرر أن يعرف ما بها، ما إن تكون في بيته وتحت طوعه. ليمر يوم بعد يوم، وهيا لا تأتي للعمل. شعر ببعض القلق، اتصل بها، فإذا بهاتفها مغلق. مر أسبوع كامل، إلا أنه لم يستطع. فذهب إلى عرفان، وما إن فتح له، قال بلهفة: "جمر فين؟ تنهد عرفان بأسى ونظر إليه، فهو أيضًا مسكين، يعشقها، ولكن كبر النفس صعب. قال عرفان: "ليه بتسأل يا ولدي؟

عايز منها إيه؟ قال: "هي ما جالتلكش؟ أظن، أكيد عرفت." ضحك عرفان. "قصدك إني أطلقها وإنت تتجوزها؟ ابتلع جبل ريقه. قال: "أيوه، إحنا اتفقنا على كده. هي فين؟ ما بتردش على التليفون. ناديها، هاخدها ونمشي، وإلا راحت بيتها. إني رحت لها، ما لقيتهاش. ناديلها عشان نخلص." قال عرفان متنهدًا بأسى: "تخلص؟ هو إنت يا ولدي ما حدش علمك الكلام؟ نظر إليه جبل بغضب. "نعم، بتجول إيه إنت؟

قال عرفان: "بجول اللي شايفه، بجول إن ربنا رباها سنين وبقت تعرف الدنيا كويس، وإنت سنين لسه ما تعرفش حاجة، عيل أهبل." قال جبل غاضبًا: "ما تحترم حالك، هو مين اللي أهبل؟ ضحك عرفان. "ما تزعلش، اتي ما بشتمكش، إني بوصفك. اجعد يا ولدي، اجعد." قال جبل: "اجعد فين؟ هاتلي جمر، آخدها وأمشي. دا مرار إيه ده؟ إني على ما أطولها هتجبلي جلطة." قال عرفان: "ولما تطولها هتعمل إيه يا ولدي؟

قال جبل غاضبًا: "مالكش صالح باللي هعمله، إني حر فيها." قال عرفان: "ليه عبد اياك؟ كلبة تاخدها وتوديها؟ ما مصدقش إن الغل بعد العشق يعمل أكده." صرخ: "إنت مالك، غل وما غلش؟ مش طلقتها؟ ضحك عرفان. "لآه، ما طلقتهاش." بهت جبل. "إيه؟ بتجول إيه؟ ما طلقتهاش إزاي؟ إني متفق معاها، إنت واقفلنا ليه؟ إنت حرام بقه اللي بيحصل لي ده؟ قال عرفان: "وإيه اللي حاصلك يا ولدي؟ جولي."

اندفع جبل: "طلقها، وبعد عن عينيها. إنت ما تنفع لهاش، مش هتسعدها. إني هاخدها، إني من توبها." قال عرفان: "وانت هتسعدها يا ولدي؟ هاه؟ هتفرح الغلبانة اللي ماشفتش فرح من الدنيا. جولي، هتجعدها مراتك العمر كله، وإلا إيه؟ مش جلت ما هتجيبش عيال عشان ما تنفعش تربي عيالك؟ بهت جبل. فنظر إليه عرفان بأسى. "أيوه، جالتلي كل حاجة. جالتلي يا حبة عيني، والجهر والحزن مالي قلبها. جالتلي: عايزك، يمكن أرتاح. جدرت تجولها يا ولدي؟

حد يجول لمرة عايز جثتها وما عايز عيال؟ إيه الرخص ده؟ يا ولدي، ما فكرتش جبل ماتتكلم، الكلمة تخرج من خشمك هتطلع تمزع فين؟ بس أقول إيه، التمزيج ما عادش نافع. هنمزع المتمزع إزاي؟ روح الله يهديلك حالك. إنت غلبان، والله غلبان." صرخ جبل: "أروح في أنهي مصيبة؟ إنت طلقها وهاتهالي." قال عرفان: "وهترميها بعد كد إيه؟ جول. كت أجعد أفكر إنت إزاي أكده عايش؟ كيف أكده؟ هو العشق بيحرق أكده وبيعمي؟ صرخ جبل: "مالك إنت؟

ما تخليك في حالك وهاتهالي." ضحك عرفان. "أجبهالك منين يا ولدي؟ جمر راحت خلاص. جمر فوتتلك دنيتك ومشيت." نظر إلى عرفان مذهولاً، وأحس بقلبه سينشق. "مشت؟ مشت؟ راحت فين؟ إنت سبتها تمشي وما طلقتهاش؟ سبت مراتك تمشي؟ ضحك عرفان، فصرخ: "إنت بتضحك على إيه؟

قال: "بضحك على الغلب اللي قدامي. واحد مخبول بحب واحدة وعاشق، وعيونه بتصرخ بالعشق، وبدل ما ياخد عشجه في قلبه ويحضن عليه، موته وخلاه يرمح ويكره الدنيا كلها. جمر مشت، ولا هتعاود. جمر مش مرتي، ولا عمرها كانت مرتي." نظر جبل إليه متجمدًا. "إيه؟ مش مراتك؟ أمال جالتلي ليه أكده وتحرق قلبي؟

قال عرفان بأسى: "كت هكتب عليها فعلاً، بس ما تحملت تكون باسم حد تاني. جولت أكده عشان تبعد عن عينيها، وأعرف أحميها منك ومن غلك اللي طاح وموت كل حاجة." نظر جبل وقلبه سينشق. "يعني ما اتكتبتش لحد تاني؟ طب ليه كنا نفذنا؟ اتفقنا خلاص، وتجعدلي أفرح بيها؟ تنهد عرفان. "تنفذ الاتفاق وتجعدلك؟ إنت بتتكلم عن بيعة وشروة يا ابن الناس. اتفاق إيه وطين إيه اللي بتجوله؟ إنت ما حسيتش بوجعها واصل؟ جاي تجول اتفاق؟

روح الله يسهلك. البت مدبوحة منك ومن الدنيا." صرخ جبل: "أروح فين؟ هي فين؟ جمر راحت فين؟ إني، إني والله أموت." هتف عرفان: "عارف، هيا كت لازم تمشي عشان زي ما هيا، رب العباد عرفها قيمة الدنيا. إنت كمان لازم تعرف قيمة اللي كت في يدك. جمر عشان تطولها، تحفالها يا ولدي. جمر راحت خلاص، وجالتلي بالحرف: إني مت يا أبوي، وهعيش جثة أربي ابن أخوي. هربيه يبقى صالح أحسن مني،

وانت اللي جلت لها: ما ينفعش تربي عيال. الله يسهلك يا ولدي، روح انسي واقفل الصفحة دي. إني كت مفكر إنك عاشق، وحاولت أقف جارها. بس العشق ما بيجتلش النفس، وانت جتلته يا ولدي." وقف جبل وقلبه سينفجر. "جمر مشت وسابتني. تااااني، تاني يا حزنك يا جبل، تاني بينعاد الهم. تاني. قلبي بيتمزع. أروح فين؟ أروح فين؟ إني كت هموت عليها. بتعمل فيا ليه أكده؟ قلبي بيحرقني وجثتي هتموتني. ليه؟ ليه؟ نظر إلى عرفان. "لاه، إنت تعرف مكانها؟

إنت تعرف؟ قال عرفان: "ما أعرفش. حتى لو أعرف، ما تستحقش تخش دنيتها. سيبها يا ولدي." صرخ: "إني ما هسيبهاش واصل. هيا أكيد مستخبية في دارهم. أمال هتروح فين؟ مالهاش حتة، ولا ليها حد." واستدار هائجا. فقال عرفان: "استنى يا ولدي، ليك حاجة معايا."

واستدار عرفان وأحضر له العلبة. فتحها جبل. نظر إلى العلبة وسالت دموعه. فستانها يتوسط العلبة، وعليه الخلخال. أحس بوجع وتذكر احتضانها له. تذكر وقت أن تأوهت بوجع وغرزت أصابعها فيه. أحس أنه حلت عليه مصيبة، فهي تنهي كل شيء. حلمها وحلمه. فالفستان كان حلمًا، أعادته إليه لتشق قلبه وتنزعه من مكانه. فالحلم روحه ودنيته التي يعيش لها. قال عرفان: "خد حاجتك. الله يسهلك دنيتك بعيد عنها."

وقف جبل والقهر يكلبش في قلبه. وأخذ العلبة وعاد إلى بيته وجلس يشعر بالموت، يتذكرها بجنون. فالعشق بداخله لم يعد يحتمله. أراد أن يصرخ لها بعشقه، فصرخ: "إنت فين؟ إنت فين؟ أوديه فين اللي جوايا؟ وقف يتأمل الفستان والخلخال، ودموعه تنهمر. ليهب: "له، له! إني ما أعرفش أعيش أكده."

ليقوم ويعود إلى البلد، لعلها عادت إلى بيتها، أو إلى أي مكان يعرف مكانها أحد. ذهب إلى بيتها، وصل هناك، وظل يدق الباب، ولكن لا جدوى. كان يشعر بحرقة. كان يزرع الباب ليسمع صوتًا. استدار للصوت ووقف. اقترب منه شخص سيغير مجرى الأحداث، ليعيد للجبل روحه ونفسه الذي فقده، ويزيل غله تمامًا، ويعود الجبل جبل القمر. قمر النجع كله. فمن هذا الشخص؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...