اقتربت قمر من جبل لتجده محني رأسه. رفعت عيونه الدامعة، اندفعت إليه وهتفت: "ايه فيه ايه؟ نظر إليها دامعاً، مسكت وجهه: "ايه يا جلبي فيه ايه؟ تنهد وهتف: "أقول ايه، لله الأمر من قبل ومن بعد." هتفت: "أمك بخير؟ هتف بحزن: "أيوه الحمد لله." هتفت بلهفة: "طب ايه متحصرنيش." قال بقهر: "التجارة اللي كنت بتاجر بيها اتحرجت في المحل اللي كنت مشارك فيه وراح عليا كل حاجة." هوى قلبها رعباً، وظلت مشلولة. خفق قلبها وهتفت:
"ايه التجارة كلها كلها ماعتش حاجة واصل؟ هتف: "لاه ماعتش ما عارفش ليه أكده، لله الأمر." ظلت ساهمة تفكر: "طب وبعدين يا جبل هعمل ايه؟ انت خابر أبويا ما يسكتش وأني... اندفع ومسك يدها: "هعافر تاني والله، أمي عندها دهب هاخدهم وهعمل بيهم تاني وما هسكت وهنحت في الصخر عشان أجيب لك اللي تريديه، بس اجفي جاري يا جمر، إني عاشجك، أموت لو سبتيني." تنهدت: "أسيب ايه بس، إني ما أقدرش أسيبك، بتجول ايه انت." ابتسم بحنان:
"صوح والنبي ما هتسيبينيش، وانت بيجيلك عرسان ياما إني خابر." تنهدت، فهي أصبحت في ضغط رهيب: "هتفت وإني هستنى يا جبل، انت ما تقدرش تبعد عنك دقيقة، إني أموت فيها." قبل يدها: "واني عهد عليا لا أكون ليكي كيف ما تحبي." ظلت جالسة معه تبثه من حنانها رغم حزنها، فهي ظنت أنه قريباً سينعدل حاله، إلا أن لله حكمة في ذلك. دخل عليها أبوها فهتف غاضباً: "بت سليم كلمني عايز يجي يتجدم." هوى قلبها وهتفت بقهر:
"ما عايزاش دلوقتي، هو كل حبه عريس؟ هتف غاضباً: "انت لازم دلوقتي تقوليلي ما بتوافقيش على سليم ليه، هاه فيه ايه يتعيب؟ هتفت: "يا أبوي ما رايداهوش، ما تهملني لحالي." هتف: "بصي إني ما أقدرش أقول له لا، بس انت اجعدي معاه وجولي له لا، إني تعبت." هتفت: "لزومه ايه طيب، ما تقول من بره بره." هتف: "لاه تاجي منك، إني خزيان، دا كل وشي." هتفت: "طب سيبني بس ليا شهر امتحانات، والله يحلها."
مر الشهر وجبل يوعدها أنه بعد الامتحانات سيأتي هو وأمه بعد أن أخذ الدهب، على الله يصلح ما بين يديه. ليمُر الشهر وتنتهي امتحاناتها ويتصل بها جبل. هتفت: "جبل إني نجحت ومجموع كويس، إني هقدم في المعهد بتاع السكرتاريه أو المحاسبة اللي ياخدني فيهم." هتف بحزن: "مبروك يا جلبي." هتفت هي: "مالك فيك ايه؟ صوتك موجوع." هتف: "ما خابرش أقول ايه، ماليش عين أنطق." هتفت: "فيه ايه؟ هتف: "فلوس الدهب خسرتها." هنا سقط قلبها:
"ايه بتجول ايه يا مري دا، ما فيش غيرهم، انت بتجول ايه، هنعمل ايه دلوك." هتف: "ما خابرش ما خابرش، حاسس إني هموت محصور." تنهدت وصمتت، لم تجد ما تقوله، فصرخ: "بس يمين الله ما هقف، إني هتصرف، شالله أبيع أرضي وأعمل لك اللي تريديه." هتفت: "تبيع أرضك وبعدين نخسرها برضك." "جبل إني إني... هتف: "اصحك تجولي حاجة عفشة، بالله عليكي ما أتحمل وجع، جمر إني بنام أحلم بحضنك، بالله ما تجهرنيش." تنهدت وهمست: "طب هنعمل ايه؟ هتف:
"اصبري معايا، مش انت بتحبيني يا جلبي، اصبري." تنهدت: "أبويا ما يسكتش." صرخ: "انت بتحبيني يبقي تقفيله، فاهمه." تنهدت وهتفت: "ربك يفرجها يا جبل." وقفت الخط وأجهشت بالبكاء. دخلت عليها منال: "مالك يا جمر." هتفت: "تعبت يا منال، تعبت، متمزعة ما بين جلبي وعيشة الدنيا، إني ليا حق أفرح وأشتري وأتهنى، بس برضك عايزة الحب والعشق." تنهدت منال: "بصي يا جلبي شوفي...
إني بحب أخوكي وأخوكي بيحبني، بس الحال ضاج خالص، بعد ما حملت رايدة حاجات ما أعرف أجيبها وهجيب عيل ما أعرف أجيب له. مش معني أكده إني حرانة على عيشة أخوكي لاه، إني بحبه وأستحمل، بس انت بره يبقي من الأول اختاري اللي يراضيكي، الحب مع الحوجة بيوجع." وتركته وذهبت. ظلت جالسة تفكر في كلامها. مر اليوم فدخل عليها أبوها: "قومي سليم بره." تنهدت: "تعبانة يا أبوي، هملني." هتف:
"انت عايزة تموتيني محصور صوح، انت بتجهريني ليه، عايزة ايه؟ الناس أكلت وشي وبقوا يتغمزوا عليكي إن فيه حاجة عيب." هبت: "ايه عيب أكده عيب." هتف: "أمال ما بتوافقيش ليه، بتكبري اللي زيك جابوا عيال. قومي جاب لي الراجل." نهضت وقامت ودخلت على سليم. ابتسم لها سعيداً واقترب: "ازيك يا ست البنات." هتفت: "كيفك يا سليم." هتف: "شوفتك خلتني بخير." تنهد فجلست وجلس بجوارها، فهتف: "جمر إني رايدك، أجيب لك الدنيا، ليه مش موافقة؟
إني بحبك، بصي انت ليه مش قابلة، شوفي يرضيكي ايه يا جمر." تنهدت فقام وأتى بعلبة كبيرة وأعطاها لها: "افتحي." فتحت العلبه، شهقت، ففيها كفوف دهب وأساور كثيرة. هتف: "دول هدية ليكي، والشبكة هبقى أده كده عشر مرات، وهكتب لك مليون جنيه مهر ومليون مؤخر، والشوار هيبقى كله من البندر، وعايزة دار لحالك، هجيب لك دار، عايزة أكتبها ليكي، هكتب، بس توافقي. جمر إني عايزك ليا، أخدمك بعيوني." تنهدت بغلب. هنا قام وأخرج شيكاً وهتف:
"أهه شيك، قبل حتى ما توافقي، أهوه مهرك، أو خديه أي حاجة تحت يدك." كانت تشعر بالقهر، فإمامها راحة الدنيا، وفي الجهة المقابلة أمامها عشق الدنيا. كانت الإغراءات كثيرة وتعثر جبل مرة تلو الأخرى، قد أصابها باليأس. هتف سليم عندما وجدها ساهمة:
"شوفي هاخدك لبنان شهر عسل، ولو عايزة نروح كل سنة نروح ونسافر في أي حتة، هتبقي هانم، الكل يخدمك، هتكملي علامك وأعمل لك مكتب محاسبه، هتبقي جمر هانم، لأنك هانم، انت تتجلي بالدهب، يمين الله عايزة دار في البندر، هعمل لك، إني أساساً مش هعيش أهنه، عندنا مصانع هناك." تنهدت وجلست لا تنطق. فقام وهتف: "بصي فكري، ولو حتى مش عايزة دلوقتي، إني مش هاخد الدهبات ولا الشيك، على أمل إنك تكوني ليا، يا بت الناس، هاه." قام ونظر إليها:
"هتعيشي ملكة، جمر منورة في السما." قام وتركها. جلست هي ساهمة، في يدها علبة الدهب والشيك. ودخل أبوها وجلس هو أيضاً، يغرز كلامه فيها، وهي صغيرة لا تعرف من الدنيا الكثير، وحال أخيها وزوجته لا يسر. آتى الليل وهي وصلت من التخبط مداه. صدح تليفونها فوجدته جبل. أحست بالوجع، ظلت تنظر إلى الرنة ولكن لم تفتح. كان يرن ويرن، وهي متجمدة لا تفتح. وما أن انتهى، أحست بقلبها يئن.
جلست تبكي، لا تعلم ماذا تفعل، نار القلب ونار الفقر مقهورة. قررت أن تتجه لربها، لعله ينير حياتها. ذهبت لتصلي، علها ترى ما يريحها. وإذا بها تحلم بدنيا جميلة. حلمت قمر بنفسها تلبس فستاناً جميلاً من اللون الأزرق السماوي يلمع، وتزينت بكل الزينات، وبها جناحين كالملاك، وحولها الكثير من الأنوار. ليتغير ويتلبسها فستان زفاف ولا أروع، يلمع ببريق الذهب والفراشات حولها من كل ناحية، وضوء كالشمس يغشاها، وهي تشع سعادة.
وجدت ممراً مضاءً من الجانبين، منثوراً عليه لالئ تلمع. تدخل من باب قصر وتقف في وسط مكان يشع نوراً، والدنيا تدور بسعادة، لتصل إلى شجرة كبيرة، خط عليها "شجرة العشاق"، "شجرة الجمر". وتعلو هي وتعلو، والسماء تنير بمصابيح ملونة، والشجرة يختلف زينتها، وهي تتزين مع تلك الشجرة. لتظهر أخيراً في بهو قصر كبير، تحوم حولها الفراشات، وتحس أنها دخلت الجنة. قصر كانت تأمر وتطاع، لتجد نفسها أخيراً مع شخص لا يظهر ملامحه.
لتسمع صوتاً مألوفاً: "هيجيلك يوم وتنسعدي يا قمر." كان الحلم رائعاً، ظلت تتأمل القصر وحفظت ملامحه، وشعرت أنه بيتها، والكل يقف ينظر إليها سعيداً، كأنها ملكة متوجة. كانت تشعر بسعادة طاغية في الحلم، وهناك يد تمسك يدها، تحاوطها. لم تعلم لمن تلك اليد، نظرت إليه، فكان ضبابياً، ولكن هناك دبلة سوداء في يده. ابتسمت وتلمستها بحنان، فإذا به يقول: "هتنسعدي يا جلبي معايا، بس اصبري." خفق قلبها، فهمست: "وجبل هينسعد برضك."
لينقشع الضباب ويظهر جبل يلبس حلة رائعة ويقف بعيداً بين الناس. كان سعيداً. ابتسمت: "هينسعد هو كمان." ليدير رأسه ويبتسم لها ويهز رأسه بسعادة، لتعلم أنه سينسعد أيضاً. استيقظت في الصباح سعيدة بذلك الحلم. ظنت أنه رؤية من الله، وأنها يجب أن تختار سليم وتترك جبل. همست بوجع: "إني شفته هينسعد برضك، جايز أحنا مالناش جدر مع بعض، وربنا بعتلي رؤية. ربنا يبعتلي الحلم ده." شعرت بوخزة في قلبها. هتفت:
"عارفة إني هنوجع وهو كمان، بس أعمل ايه، ما أقدرش أعيش أكده. إني صبرت كتير، بحبه وبعشجه، بس العشق مع الفقر صعب جوي، وهو ما عادش حيلته حاجة. هصبر على ايه، وربنا بعتلي الحلم ده يوديني في طريج الخير. إني حاسة إن آخرتي خير، يا رب خف وجعي ووجعه، بس هو صغير وهينسي. أيوه والرجالة لما بتقابل حد تاني بتنسي." رن تليفونها مرة أخرى، فهو جبل. شعرت بوجع ينهش قلبها، إلا أنها لم ترد. أرادت أن تستجمع قوتها حتى ترد عليه.
ذهبت لتقابله على ذلك الجسر الذي شهد حبهم. وما أن رآها حتى اندفع بقهر وغلب: "أكده يا جلبي أكده، سبوع كنت هتجنن عليكي، جدرتي تبعدي، إني كنت هموت حالي في بعدك." تنهدت وابتعدت وجلست، فرجف قلبه. "ايه مالك يا جلب جبل." هتفت: "اجعد يا جبل نتكلم." جلس: "بصي إني بكرة مخطط في فسحة ليكي وليا، بس ايه ما عايزاش وشك ده يزعل. هنخرج ونتفسح، ماتحمليش هم حاجة، هتتعدل والله، إني مخطط لحاجات ياما، وربنا بيوجع ويعدل." تنهدت وجع:
"اجعد واسمعني." رجف قلبه: "ايه فيه ايه." هتفت: "جبل إني أظن ما قصرتش معاك، واستنيتك بدل المرة عشرة، بس إني ما عدت أقدر. أبوي ما قدرش أقف قدامه، وعايز يجوزني، واني خلاص كفاية أكده." تجمد هو وأحس بقلبه يتمزق: "كفاية كفاية ايه... جمر اصحك تجولي حاجة تموتيني فيها." قامت ولم تنظر إليه: "من فضلك يا جبل، إني ما عدت قادرة أكمل." أحس بقلبه سيخرج من مكانه: "ايه ما عدتيش بتجولي ايه، انت اتخبلتي، انت بتاعتي." هتفت بقهر:
"جبل أرجوك، ما عدش منه عزة، إني هنخطب خلاص." جحظت عيناه واندفع يحتضنها صارخاً: "لاه لاه، انت ما تهملنيش، انت روحي، أموت يا جلبي والله أموت... تسيبيني يا جمر، تسيبي جبل روحك... جمر أبوس يدك، انت روحي، تموتيني أكده." أبعدته وهتفت بقهر: "بدل ما نموت مع بعض، جبل خلاص ما عدش ينفع. انت حاولت واني حاولت، وخلاص." هنا نزلت دموعه واقترب: "هونت عليكي يا جلبي تبعدي عن جبل، عايزة تموتيني صوح." أخرج من جيبه سكيناً، فشاهقت:
"خدي دي بيدك، اغرزيها فيا، إني أهون عليا إني أموت." كانت دموعه تنهمر بعنف، وهي تشهق بقوه، والوجع أصبح لا يحتمل. صرخت: "بطل بتجول ايه، انت أعقل أكده، خلاص يابن الناس، شوف حياتك، واني هشوف حياتي، احنا خلاص ما هننفعش لبعض. وخلاص إني وافجت على سليم." نظر إليها وانشل مكانه: "ايه وافجتي...
يعني اللي داير ده صوح، واني ما صدجتش، كان صوح. جاب لك دهب ومهر وشبكة، جاب لك أكفوف وهتبقي هانم في البندر، ده اللي رميتيني عشانه يا جمر." هتفت: "بطل بق، وعيش حياتك، وسيبني أعيش." صرخ: "والعشق اللي بيناتنا كان ايه، كدب؟ أعيش حياتي ازاي، مانت حياتي، أعيشها ليه ومع مين؟ ده كان كدب." هتفت بقهر: "لا مش كدب، بس مش كفاية، هيموت في الفقر. أبوس يدك ارحمني، أنا جلبي هيقف." هتف:
"إني اللي أرحمك، إني اللي هوقف جلبك، أمال انت بتعملي ايه دلوك، ليا سنة بمحت عشان بلفلف في الشوارع عشانك، ما بجيبش لروحي حاجة وأقول لا، وفر لحبيبك، أصل لازم يبقى هانم، ويتعامل معاملة الهوانم." اقترب منها ودموعه تتساقط، مسك يدها:
"داني جعدت سبوع عيان، ما رحت لحكيم وأجيب دوا عشان أكمل فلوس التجارة، جولت أموت ولا جرش ينجص عشان حبيبي أجيب له الحلو كله. داني ما عدت عارف آخد نفسي. شوفي سامعة بيصرخ ازاي، بصيلي، جادرة تبعدي عن جلبي؟ جادرة؟ طب لو جدرتي، إني هعمل ايه؟
جولي إني بتتمزع يا جلبي، ما تسيبنيش، أبوس يدك، هعمل لك الحلو كله، والله هعمل، هموت حالي عشانك. بصي اصبري حبة كمان، هبيع الدار والارض. هروح أجعد عند خال أمي وأبيع الدار والاض كلو عشانك، ما يهمنيش، والله هبيع، أبيع عمري عشانك، والله هبيع حالي، بس ما تسيبنيش." كانت تبكي بقهر: "هتفت: كفاية بق، أنا اتجرا. فتحتي خلاص. أشوفك بخير، ربنا يوفجك ويسهل لك حالك." وتركته تجري وتنتحب، وهو يقف كالمجنون. "هيا سابتني، هملتني."
ليندفع ويكلبش فيها بقهر: "لاه لاه، روحي هتروح، أبوس يدك لاه، ما تسيبنيش يا جمر، جبل هيموت، والله روحي بتطلع، يمين الله، كان يبكي وبدأ ينتفض من وجعه." "ما ما تسيبيش جبل، جبل عاشج وجلبه انشج، ما عارفش آخد نفسي، يمين الله." ابتعدت وصرخت: "جولتك خلاص، خلصت، إني مش ليك ولا هكون ليك، عيش حياتك وسيبني أعيش." وتركته هاربة تنتحب. ليقف هو لفترة، لم يعد يحتمل، ليقع أرضاً ويصرخ: "لااااااه، جلبي لااااااه، لااااااه."
ظل يصرخ ويصرخ ويشهق بصوت وصل عنان السماء، ونياط القلب قد تمزقت عن آخرها. جلس وتكور على نفسه، لعل قلبه يصمت، ليتهالك ويسقط على وجهه، ويلمس خده مكان جلوسها. "فقلبه انشق ببعد حبيبه. جدرت تسيبني؟ جدرت ازاي؟ داني بتنفسها. أمال ايه؟ العشق فين راح؟ راح؟ والا ما كانش عشق؟ "صرخ: ما كانش، ما كانش، آآآه جلبي هموت يا رب، ايه ده، داني عملت عشانها كتير، روحي بتنسحب، نفسي في حبيبي. أعمل ايه، أعمل ايه؟
داني بنام أحلم بيها في حضني، داني ما بشوفش غيرها، داني عاشج مهبول بيها. جمر، جمري، رحتي فين يا واخده حتة من جلبي؟ أهون عليكي؟ أهون يا عمري؟ عاشجك يمين الله، جلبي بيتمزع. أروح فين بوجعي، آآآآه." ظل يملس مكان قدميها وينتحب بقهر. ظل جالساً ينتحب، ليجلس ويسهم: "لاه، ما مصدقش، هيا هتعاود، أيوه هتعاود، خلاص إني هستنى، هيا ماهتقدرش أصلاً تبعد عني، أيوه دا حبيبي بيعشجني، حد ينفع يعيش من غير روحه." مسح دموعه:
"أهدي أكده، حبيبك راجع، هروح أبيع الأرض، وع طول أرجع تاني أتاجر، ما هسكتش، هموت حالي ليها، دا حبيبي لازم يعيش هانم، وعهد عليا لا أموت حالي عشانها." قام وهو يمني نفسه أنها ستعود. رجعت هيا البيت، فوجدت والدها يجلس، فقال: "ايه يا جلبي، سليم بعت لك حاجات، بصي فساتين وأساور وشنط، وباعت لك عشرين ألف تصرفي وتجيبي مصروف يدك." جلست هيا تنظر لما أتى به، لم تحس بالسعادة، ولكن الحلم كان واضحاً.
"هو ده حلمك يا قمر، خلاص، ادعيله ربنا يوفقه ويوفقك." قامت وجلست تصلي وتبكي وتدعي له: "يا رب أسعده، يا رب خف وجعه، عهد عليا لادعيلك في كل صلاة، تنسعد وتنجبر وتلاقي خير الدنيا." مرت الأيام، وبدأ سليم يتردد عليهم، وأشاع في النجع أنه سيخطب قمر، والكلام يصل إلى جبل، ولا يصدقه، يوهم نفسه أنها ستكون له، وأنها لن تقدر على بعده، ولكن هيهات، فالدنيا ساقته، ورب العباد أدار الساقية لتدور وتخلع القلوب.
ليأتي يوم، كانت ذاهبة مع سليم إلى البندر، ودخلا محل الذهب. وقف سليم ينتقي لها أكفوف ذهب، وهيا صامتة، لتتجمد، فقد وجدت جبل يدخل ويقف بعيداً ينظر إليها، وسليم يمسك يدها ويقبلها. وكلما نظرت إلى جبل، تجد عيونه متحجرة، وعلى وجهه تعبير غريب. اقترب هو ووقف بجوارها، يبين أنه يختار شيئاً، وهيا أحست أنها ستموت من قربه. مد يده ومسك يدها من الخلف وشبك يده فيها. فتشنجت، وأحست أنها ستموت، كانت تبتلع ريقها بصعوبة. فهتف سليم:
"مالك يا جلبي." هنا تركها جبل، فشاهقت وهتفت: "هاه ما فيش، ما فيش." اقترب جبل: "ازيك يا سليم، مبروك، مش تجول." هتف سليم: "جبل انت أهنه، ما أخدتش بالي، الله يبارك فيك، عجبالك." ضحك هو: "لا عجبالي ايه، كان زمان، دلوك خلاص ما عدش ينفع." هتف: "ليه... حبيبتك مالها." هتف بنبرة باردة جعلتها تتجمد: "ماتت حبيبتي، ماتت يا سليم، الله يرحمها." تجمدت قمر وشعرت بقلبها يتمزق، أرادت أن تصرخ وترتمي في أحضانه. شعر سليم بالأسى:
"آسف يا جبل، والله ما كنت أعرف." هتف جبل: "لا عادي، اللي مات واندفن خلاص، هنزعل ليه، هيا أصلاً ما كانتش بتحس، كت خاينة العشرة وعويلة. بس أقول ايه، يلا كلو راح، كلو عند ربنا." هتف سليم: "بلاها دي، منها لله. بكره تحب وتنحب." اقترب جبل ووقف وراء قمر:
"بكره أحب، على قولك، بكره ألاقي حبيب يصان، مش غدار. حبيب بيعرف قيمة الجلب، مش عويل وناقص. بكره جبل هينسعد، والعويل هيجيله يوم ياخد منه فرحه. بدعي من جلبي ياخد فرحه ويخلع جلبه وينتش دنيته ويعيش السواد عن حج. أما إني فجايلي دنيا متأكد إني هفرح، بعد ما الجرف خرج من حياتي. إني نضفت يا سليم، وهيجي يوم أشوف الكسرة والحسرة في عيون اللي ساب وغدر. بدعي عليها ربنا يحط عليها حزن الدنيا، وفوق الحزن نتشه جلب وخلعته على حبيب،
تشوفها في أعز حبيب. لا تفرح ولا تكسب، تعيش أيامها ببكي وبس، تفتكر اللي غدرت بيه، وتتمنى تراب رجليه، هيجي يوم تتحسر. بدعي يكون ليلها حنضل، وأيامها مر، وعيشتها سواد. إني مستني وهفرح وهشمت، أيوه مستني اليوم اللي أشوفها تحت رجلي، بصالي من تحت وأني واقف أبص، والشماتة تريح جلبي. هيجي يوم يا سليم، الدنيا دوارة، الفلوس ما بتعليش نفوس أصل، للي مفكر إنها بتعلي. اللي بيعلي العشق بس، العشق ليه ناسه، الناس الصاينة العشرة، الصاينة
الجلب، الناس اللي تستحق."
واستدار وهيا تقف تشعر بالموت، وخلعة القلب. أرادت أن تذهب وراءه وتحتضنه، أرادت أن تعيد الزمن وتعيد الحبيب، ولكن فات الأوان. وقدر الله ما حدث لسبب لا نعلمه، أهو لخير أم ماذا. فرب العباد لا يفعل للإنسان إلا الخير. عاد جبل إلى بيته، والحقد يشع من عينيه.
"بقي واقفة تشتري دهبات وفرحانة، واقفة تنجي وهتبقي هانم. ماشي يا جمر، وحق حرجة جلبي، لاخد حجي منك تالت ومتلت، ربنا ينتجملي منك، وأشوف فيكي يوم، وهياجي، هياجي يوم الجبل اللي ما يهتز أبداً، ويقف شامخ، يدعس أيامك وسنينك اللي جاية. جاي دنيا ليا وسواد ليكي، جاي أيامي وعيشة ميف الجبر ليكي، دعوة المظلوم بتجوب السما، وأتي بدعي عليكي، بدعي من جلبي وحرجة، ما مسامح ولا هسامح، وأموت على جلبي أكده، جافل عليه، وحاطط حجر عشجي ليكي،
كان نار بتشعللني، دلوك نار بتهري جلبي، نفسي أحرجك وأحرج دنيتك. ناري دي ما هتبردش إلا ماشوفك والعة في دنيتك، ما عارفلش تكفيها. تار الحبل على الجمر، جدر يا رب، أحرجها وأحرج جلبها، ما تعرف تتنفس، تعيش ميتة، ما حد يهوب ناحيتها، ولا يبرظ جلبها. السواد ينحط بالكوم. يا رب، على جد عشجي، حط الكره في جلبي، عشان لما يحي اليوم وأقابلها، أشوفها ولا أهتز. جايلك يوم أسود يا جمر، جاي. ربك يمهل ولا يهمل. جاي يا جمر، وليكي يوم. يا
حزني يامه، إني تعبت. عاللي جااااي. دا مش مرار طافح. زفتون يا عيال. منك لله يا حمدان، انت وسليم وجمر معاكم."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!