الفصل 8 | من 37 فصل

رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل الثامن 8 - بقلم ميفو السلطان

المشاهدات
21
كلمة
4,479
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 22%
حجم الخط: 18

رجعت قمر لبيتها وهي تشعر بالموت بداخلها. دخلت إلى حجرتها وانفجرت في البكاء. شعرت أنها ستموت فعلاً. كيف فعلت ذلك؟ كيف خانته وخانت ثقته؟ كيف فرطت في روحها؟ جلست وقلبها ينزف من وجعه. "إزاي جدرتي تعملي فيه كده؟ إزاي؟ منك لله، ربنا هيحرق جلبك. انت شفتي حالته وكلامه ده؟ مش جبل، ده واحد ميت. ده حبيبي، إني لاه حبيبي ما يدعيش عليا أكده. نشف جَلْبه وحرقتهولي، مات من جواه. يا جهرتي، يا سنيني السودة، إيه الجسوة دي؟

حالك جلب عشان إيه؟ عشان الفلوس؟ منعولها! ده حبيبي، جنه، ده حبيبي عملي الحلو كله، والله عمل وكان هيعمل، بس انت اللي واطية وعويله. يا رب، إيه الوجع ده." "أمال الحلم ده إيه؟ يا رب، يا رب خف وجعه. يا رب، أعمل إيه؟ أروحله اعتذرله وأجوله يسامحني؟ طب إيه؟

جلست تشعر أنها ماتت في بعده. ظلت طوال الليل لم تنم. لم تعد تحتمل. أحست بالجنون. ظلت لأسبوع تتجلد تحاول أن تتوازن، وسليم يأتي لها وهي مختفية، يحاول أن يحدد ميعاد الخطبة. والكل عرف وبارك، إلا أنها جنت في هذا الأسبوع. ليأتي يوم قريب من قراءة الفاتحة، لتهب بجنون وجسدها يحرقها. "لاه، ما أتحملش. إيه الحزن ده؟ جلبي هيوجف. منعول أبو الفلوس والدهبات، منعول أبو أي حاجة. مش عارفة أتنفس. حبيبي فين؟

عايزاه. أترمي في حضنه. دا حبيبي، عاشج، وعشجه طافح. يا مري، إيه اللي عملته ده في روحي؟ ليه أكده؟ منك لله يا محروجة. عايزة إيه؟ ده روحك. شوفتي عملتي فيه إيه. وحشني جوي جوي. لاه، ما أتحملش. روحي بتتتسحب. أكون لغيره؟ لاه، ما هيحصلش واصل. لما أموت فيها."

وقامت وذهبت إلى بيته تريد أن تطيب خاطره وتستسمحه. أرادت أن تعيد العشيق لحضن معشوقته. أرادت أن تعتذر وتتذلل كي يعود إليها. أرادت أن تتنفس، ولكن أصبح النفس بيد الله ومقدراته. ذهبت إلى البيت، خبطت على الباب فلم تجد رد. ظلت تخبط الباب ولكن بلا جدوى. ظلت تدور وتدور. "طب راح فين؟ وخالتي فينها؟ فين بس؟

ظلت جالسة لساعات تنتظره حتى حل الليل ودخلت الظلمة المكان. قامت بقهر. ظلت تدور حول المكان، فإذا بأحد الشبابيك مكسورة. مدت يدها، فتحت الشباك ودخلت. وظلت تبحث هنا وهناك لتتجمد، فالبيت خالي، ليس به أحد. ذهبت إلى الحجرات، كانت خالية إلا من بعض الأشياء البسيطة. "راح فين جبل؟ راح فين؟ ساب البلد؟ جبل ساب البلد؟ ظلت تدور وتدور كالمجنونة، تفتح في الدواليب فلم تجد ملابسه. "لاه، لاه. حبيبي راح فين؟ يا جلبي، انت فين؟

ااه، جلبي انخلع. حبيبي سابني؟ أيوه، أيوه. ماني لازم أتساب. العويل يتساب. الغدار والخاين يتساب." أحست أن دنيتها اسودت، فجلست على الأرض تنتحب. "مشي حبيبك، مشي خلاص. انت جهرتيه. انت ما عدتش تعرفي الفرح عمرك. روحي، البسي الدهب يا جمر. روحي وافرحي. خلي راجل تاني يلبسهولك. البسيه كفن واتلفعي بيه يا بنت حمدان. روحي، حبيبك راح. ااه، يا رب، إيه الوجع ده. طب ليه مشي من غير ما أستسمحه؟

مشي وهيفضل يدعي عليا. اه، إني أستاهل، إني أستاهل." لمحت جانباً صورته، فذهبت تنظر إليها. أحست بخلعة في قلبها، فعلى الأرض صورة ممزقة. أربا لها وله وهما يضحكان. نزلت دموعها، وضعت يدها على قلبها. "جهرتيه. منك لله. ما تشوفي يوم فرح يا جمر." لملمت الصورة ووضعتها في حقيبتها. قامت من سكات، وإذا بها تخرج، قابلت ابنة خاله كانت تعرفها. "هتفت الفتاة: جمر، بتعملي إيه هنا؟ "ارتبكت قمر: هاه؟

لاه، إني بس. لجيت الدار مفتوحة، جولّت أبص ليه مفتوحة." "هتفت الفتاة: دي دار ابن خالي. همل الدار والبلد." "هتفت بلهفة: راح فين؟ "هتفت الفتاة: ما خبرينش. هو جال هيعاود، يوم ميته. ما خبّراش." ابتسمت قمر. "هيعاود يوم أخبّره. إنه هيعاود، بس إيه؟ وميته؟ ساعتها أدعي إني أكون ميتة. يا رب، يا رب، إني هموت عليه." كانت تقف باكية، لتأتي الفتاة. "مالك يا خيتي؟ بيكي حاجة؟ عايزة حاجة من جبل؟ تعرفيه؟

نظرت إليها قمر. "لاه، ما فيش. ما عرفوش. بس خالتي اتوحشتها. فوتك بعافية." وتركتها وذهبت. رجعت إلى البيت، وقفت على روحها. جلست ولملمت الصورة ولزقتها، إلى أن أعادتها كما كانت. ظلت تشهق. "كان بيجولي الصورة دي في جَلْبه العمر كله. اهو، قطعها ورماها عشان انت خسيسة وعويله. رماكي. وانتش جَلْبه منك لله يا جمر. على حرجة جَلْبه حبيبك. أشكي لمين؟ ما عدتش اللي كنت بشكيله. راح اللي كنت بنسند عليه. راح يا نن عيني. حبيبك انت فين؟

موجوع يا جلبي، موجوع. عاود، عاود، وهنزل على رجلك أبوسها. عاود، واني هكون ليك زي ما تحب. ما عايزاش حاجة واصل. عايزاه طيب، في حضني. جلبي، يا رب رجعهولي. يا رب، أمال الحلم ده إيه؟ مر الوقت، وهي لا تخرج. عشرة أيام كاملة، تقفل على روحها. وحاول أبوها أن يخرجها بلا جدوى. وتشاجر معها كثيراً، لأن سليم يريد أن يكمل الزواج، وهي تشعر أنها ميتة. كيف ستكمل ذلك وهي أصبحت كالجثة الهامدة؟ دخل عليها أخوها. "مالك يا جلبي؟ فيكي إيه؟

بجالك ياما مجبورة." نظرت إليه. "فيا... فيا كتير يا أخوي." "هتف: طب جولي، طمنيني عليكي. انت بيكي حاجة واعرة؟ "هتفت: بيا... بيا الجهر كله. بيا مرة نفس وخلعة جلب. بيا يا أخوي." "هتف: طب إني أهه جارك. فيه إيه؟ جولي." تنهدت. "ما عدتش جول الحسرة في جلبي بتنهش، والجلب متمزق. ادعيلي." تنهد. "طب بصي، إني رايح لدار حماتي في الكفر اللي جنبينا. تاجي معانا؟ "هتفت: لاه يا أخوي، إني تعبانة."

"هتف: اسمعي بس، دول ناس حلوة وجعدتهم حلوة." تنهدت. "هاجي. إني أخليها قاعدة حزن. بطل، الله يرضى عنك." دخلت منال. "إيه برضك قاعدة لحالك؟ "هتف هو: بصي، إحنا نسيبالها الواد ونروح نقضي ليلة عسل عند أهلك." ضحكت منال. "لاه، ما أسيبش عيلي. وهي هتاجي معانا. فخبطتها، وبرضك هتشيله هناك." كانت تحب منال وتحب صحبتها. تنهدت. فهتف: "يلا، حضري حالك، والصبح هنروح نمشي."

تنهدت، وظلت جالسة تفتح تليفونها، تبحث عنه، لتجده ليس موجوداً على الفيس. فأدركت أنه أبعدها من عنده. شعرت بالقهر. حاولت أن تكلمه، ولكن لم تجد نمرته من الأساس. أحست بأنفاسها تتقطع. "مستنية إيه؟ يسيبك عنده؟ وانت زبالة وعويله على رأيه." "يا رب، يا رب. إني تعبانة. حجج حلمي. أسعدني. إني ما عدتش عارفة حاجة. إني خربت على حالي بيدي." "أعيش إزاي يا رب؟ رجعهولي يا رب. ما أعرفش أعيش." وانهارت من البكاء، وقلبها تمزق من بعد حبيبها.

أما عن جبل، فكان قد عاد وكله تصميم أن يرحل من تلك البلدة ويشق حياته بنفسه. سافر لخاله في القاهرة، وقرر أن يعمل عنده. فخاله له شركة استيراد وتصدير. وعند دخوله، رحب به هو ووالدته، لأنه يعلم أن جبل رجل عن حق.

مرت الأيام، وكانت المفاجأة. فرب العباد عوض ذلك المسكين الذي خلع قلبه من أجل المال، فإذا بأرضه وبيته يدخلون في كردون المباني، وتتحول الأرض من فتات إلى ملايين، مبلغ هائل. ليبع جبل الأرض والبيت، ويدخل مع خاله شراكة. كان جبل عقلية فذة وجبارة. ومع تلك العقلية، يحركه القهر والغل والدونية. أنه رفض ولفظ من حياة حبيبته بسبب المال، فقرر أن يصعد ويصعد بأي ثمن، حتى لو أمات نفسه ألف مرة، ليحقق ذلك الحلم، أن يعود سيداً على رؤوس من لفظوه.

نعود بالزمن لقمر. بدأت قمر تعد حقيبتها، فدخل الأب. "انت يا طينة، انت سايبة الدار وراحة فين؟ عايز يجي يجري عليكي. انت الواد بيسألني انت فين، ما بترديش." تنهدت. "يا أبويا، إني تعبانة جوي. سيبني بحالي." "هتف: من إيه؟ انت مخبلة؟ حد يلاجي جوازه أكده في السما؟ "صرخت: بطل بقى، بلا سما بلا جدران. بطل! إني جلبي بيه اللي مكفيني. الله يسامحك على وزك ليا. إني عايزة أموت حالي. سيبني بقى، ما عايزهاش الجوازة دي."

"صرخ: انت يا بت بتجولي إيه؟ منك لله. ما عايزاش إيه؟ والله أقتلك." "صرخت: اقتلني، اقتلني. واندفعت للمطبخ، أحضرت سكيناً واندفعت إليه، ومسكت يده ووضعت السكينة على قلبها. اغرزها، اغرزها يا أبويا، وريحني. يا رب أموت." وبدأت تغرز السكين في قلبها. "فارعب الأب: بعدي يا مخبلة، بعدي. ليه ده كله؟ منك لله. إيه الحزن ده؟ فوتي جتك بتنزف دم." بدأ فستانها يشع دماً. وضعت يدها على قلبها. "بينزف؟

لاه، هو ما بينزفش. هو معصور يا أبويا. الله يسامحك." "بطل بقى، وسيبني بهمّي. ما أريدهاش الجوازة دي. خليه يجي ياخد حاجته." "صرخ: ارجع الدهبات." "صرخت: ولو كانوا جناطير دهب، لو كانوا شكاير متعبية فلوس. الفلوس ما بتسعد نفوس." تذكرت كلامه. "الفلوس بتسعد العويل الخاين الغدار. واني بقى مش خاينة؟ يا أبويا؟ ولا غدارة؟ "صرخ: انت اتخبلتي؟ بتجولي إيه؟ "هتفت وهي تنتحب: بجول الله يسهله حاله. يروح بدهباته. إني ما عايزاش."

واستدارت وتركته، وهو يشتمها على تلك الحالة التي من نظره ستضيع ذلك العريس اللقطة. استعد مسعد ومنال، ومعهم طفلهم، للذهاب إلى بيت أهل منال في قرية أخرى. ذهبت معهم قمر. كان بيتاً بسيطاً من الطوب اللبن، عليه قش وعروق خشبية، كبيوت الصعيد البسيطة. والأهل يجلسون يتسامرون ويضعون الشاي على النار. "هتفت منال: إني هجوب أشوي بطاطا في الفرن، ماشي؟ تيجي يا جمر معايا؟ "هتفت: ماشي، هاجي." "هتفت: خد باسم يا مسعد، خليه معاك."

"هتف: اديه لأخوكي. إني بنضف البطاطا وجاي أجبهالك." أعطت الطفل لأخيها وذهبت للفرن وجلست، وظلت تحمي الفرن. وقمر تجلس بجوارها سارحة في ملكوت. لم تحس بشيء، ولم تعلم كم من الوقت جلست بلا حراك. تنهدت منال. "جومي، لفلفيلي شوية جش من المندرة اللي فوق الفرن يا جمر، أصل خلصوا." جلست هيا، وصعدت قمر تلفلف القش. وبينما تفعل ذلك، سهمت وفتحت تليفونها، تنظر لصورة جبل، ودموعها تسيل، وتاهت في عشقها لذلك الجبل الشارد.

عند منال، كانت تجلس ولم تلاحظ وقوع اللمبة التي أشعلت بها الفرن. وكانت تلبس جلباباً من البوليستر، لتشبك فيها النار على الفور. لتصرخ وتقوم وتنحدف على كومة القش القريبة من المندرة، لتشبك النار في الكومة أكملها كالهشيم. كانت تصرخ وتصرخ، والنار تعالت في ثوانٍ معدودة بداخل حجرة الفرن، وصعدت للأعلى بسنة من لهب مخيف.

دخل مسعد ينقذ زوجته ويحاول أن يبعد عنها النار. ولكن أمر الله أتى بالأسوأ، لتشبك النار في مسعد، وتتعالى الصراخ، وتتصاعد النار إلى المندرة. وتقف قمر تصرخ من الأعلى، وحبست بسنة النار. تنظر لأخيها وزوجته من الأعلى، والنار من حولها، وأخيها وزوجته يصرخان. وهي، النار شبكت في قدميها، وهي تصرخ وتصرخ، وتتذكر جبل، وتصرخ باسمه. "حجك جالك يا جبل. هموت. سامحني يا جبل. سامحني يا جلب جمر. يا رب."

وظلت تصرخ وتصرخ، والنار تلتهمها، حتى أغمي عليها. تصاعد الحريق وأصبح الفرن شعله من النيران. وهجم أهل البيت لينقذوا تلك العائلة، وينقل الكل إلى المشفى. فمنال ماتت على الفور، وتبقي مسعد في حالة خطرة، يلفظ أنفاسه بصعوبة.

أما تلك الجميلة، فكان هناك دعوة تجوب السماء، آن لها أن تحط. كأن الله استجاب لدعوة مظلوم. دعوة الجبل أن تعيش السواد، أن تعيش قمر أياماً لا تعرف معنى الحياة. أن تحرق قولاً وفعلاً. فقمر احترق نصفها الأسفل بالكامل، وتضرر رحمها. كانت حالتها مريعة، وجسدها بشع المنظر. ذلك الجسد الذي جعلها تغتر وتختال به، فالله أنزل به بشاعة تخيف الناظرين. والأسوأ حالته أخيها، روحها، نصف الخير بداخلها، منبع الأمان والسند. كان بين يدي الرحمن.

مرت الأيام والحال من سيء لأسوأ. وحال مسعد يسوء. وهيا بدأت تفيق. دخل الطبيب عليها، وكان معها أبوها وسليم، فقد عرفوا مصابهم. أتى الطبيب وهتف: "شوف يا بنتي، الشفا بيد ربنا، وانت مؤمنة. انت حالتك ماهياش واعرة زي أخوكي. أخوكي بين إيدين ربنا، في أي لحظة أمانته هتتاخد. بس انت حالتك برضك فيها الحلو والوحش. الحلو إنك أه عايشة، وبس. يبقى نجول يا رب." همست بأنين: "جول يا دكتور، فيا إيه؟ إني عارفة إني محروجة."

تنهد: "بصي يا بنتي، انت دلوك نصك التحتاني محروق صحيح، مشوه. بس حالتك مش درجة ميؤوس منها. انت ممكن تتعالجي، بس مش أهنه. بره، ويتعملك تعديل بالليزر، بترجعي زينة. بس ده بيتكلّف فلوس يامة، كتير جوي. ما حدش أصلاً يقدر عليها. حاجة تانية، الرحم بتاعك اتضرر، والخلف بقى بعيد جوي. والاخر، دي حاجة بتاعة ربنا." ابتسمت هيا وهتفت: "كلوه بتاع ربنا يا دكتور." خرج الطبيب، ووقف سليم ينظر إليها مرتبكاً. فابتسمت:

"خد دهباتك يا سليم، وفلوسك من أبويا، وشوفلك واحدة تنفع. إني ما عدتش أنفع." "هتف والدها: ليه بتجولي أكده؟ هنعالجك." "ضحكت: أعالجني من إيه، والا من إيه؟ ومين هيعالج؟ دا سليم خايف يبص عليا، لتجعل عينه على جثتي، يترعب من منظرها. والا هيجيب عيال منين؟ "تنهد سليم: جمر، إني... إني...

"هتفت: ما تجولش حاجة. إني مجدرة يا سليم، ومش زعلانة إن ربنا اداني على جد أعمالي. واه بشرب من نفس الكاس، بس شربت المرة لما شبعت، زي ما دوجت غيري مري. أجول إيه؟ لله الأمر." هم سليم أن ينصرف، فهتف أبوها: "بالله عليك يا سليم، ما تجيبش سيرة لحد في الكفر باللي جرا لجمر. أبوس إيدك، جميلة هشيلهالك. ما تجولش لحد واصل."

امتثل سليم ورحل بلا عودة. فهو أحب قمر لشكلها، وليس لروحها. ولن يمكث مع من يظنه مسخ مشوه. كيف تكون أنثاه مشوهة، لا تنجب؟ وهو من يتمناه بنات الكفر الجميلات. خرج سليم، وجلس الأب. فهتفت: "ليه يا أبويا، جولتلُه مايجولش؟ "هتف: عشان احتمال نعالجك، وتلاقي جوازة كويسة." انطلقت ضاحكة. "برضك ما فيش فايدة يا أبويا. جوازة وجدران؟ انت واعي لده؟ بيجولك مشوهة، فاهم منظري؟ يجهر. اقلعلك تبص على حالي؟

هتخاف يا أبويا، والله هتخاف. لو تقدر أكشفني وابص على حالي." "هتف: ما فيه علاج يا بتي، هنعالجك." لتمد يدها، تزيح الغطاء، ليُزيح أبوها بوجهه. فمنظرها يوجع القلب. "هتفت: معاك ملايين؟ معاك فلوس تعالج جثتي المحروجة؟ طب لو عالجتني، معاك اللي يخليني أخلف؟ جول، جول." "هتعالج إيه والا إيه؟ مين يا أبويا هيرضى ياخد بت محروجة ومابتخلفش؟ مين؟ انزل الكفر وأسأل أكده، حد عايز جمر المحروجة؟ البور اللي ما ينزرع فيها خلف؟

"جعدت أحرب لأجل أتجوز وأعيش هانم. شفت إني بقيت هانم إزاي؟ هانم محروجة، هانم تخوف. أجول إيه بس؟ عارف إني أستاهل كل ده. أيوه، إني عملت أكده في حالي. ربك سلط شيطان الدنيا عليا. عميت عن جَلْبه اللي بينكوي. اديني هعيش بكويتي العمر كله. هقعد أنح على اللي كان ليا في يوم حبيب." "هتف مذهولاً: حبيب؟

"صرخت: أيوه، حبيت يا أبويا، وعشجت. حبيت راجل عن حج، حبيت جدع بيعافر عشاني ويمحط في الصخر. حبيت جبل، ما يهتز إلا ليا. حبيت وعشجت، وعشجني." "اندفع الأب: طب هو فين؟ يجي ياخدك. إني موافق." "ضحكت: يجي، يجي ياخدني." "يجي منين؟ ما راح. يا أبويا، راح لحاله. إني جهرته وسيبته. دبحته يا أبويا. كان عاشج ليا. جيت إني وانتشت جَلْبه من جواه. نزلت دموعه عليا، واني ماسواش. فاهم؟

ماسواش. وجف يدعي عليا. أشوف السواد. واه، ربك استجاب. اتنجعت فيه من عملي وعملك يا أبويا. بتجولي يجي؟ داني لو جدامه متقطعة فرافيت، وبينهشوا فيا، ما يبصلي." "خلاص يا أبويا، بتك ماتت. بتك دنيتها اسودت. سيبني بجهري وهمي." "هتف: يا بتي، كنت رايدلك الصالح." "صرخت: هو فين الصالح دلوك؟ هاه؟ جول فين؟ ما فيش إلا الطالح وبس. ما عدتش صالح. ما عدتش هيخش دنيتي خير."

"كلمة حسبي الله نهشت جَلْبه وخلصت على حياتي. كما تدين تدان. اللي عملته وجضيت على حياة إنسان، كل ذنبه إنه حب. ربك بعتلي من عنده نار تنهش جَلْبي وتخلص عليا، وتجلب العيشة سواد." "ما تزعلناش إني انحرجت. ما تزعلناش إني ما بخلفش. كل جهري إني مشيت وراك، وسمعتلك، وبجولها أهه. انت السبب. إني سمعت لشيطاني، ورميت عشج ما أعرفش أطوله تاني. إني خدت جزاتي. بتك ماتت يا أبويا. بطل تفكر إن ليها حياة تاني." "ربنا يعيني على وجعي."

ظلت تبكي وتنتحب بحرقة، وهو لا يفعل شيئاً. يراقبها ويراقب قهرتها، ويذهب ليجلس مع ابنه، فهو حالته بين الحياة والموت. مرت الأيام، وبدأت تستعيد حياتها. ليأتي لها أبوها. "أخوكي تعبان جوي. هموت عليه. خايف. الواد بتروح أنفاسه." "هتفت: خدني عنده يا أبويا." تسندت عليه وذهبت إلى أخيها. كان مربوطاً من أوله لآخره. كان يتنفس بصعوبة. دخلت عليه واقتربت. كانت حالته بشعة. فبكت هيا على أخيها الصدر الحنون. فهمس بحشرجة: "تعالي يا جلبي."

جلست وهمست: "كيفك يا أخوي؟ "هتف بصعوبة: هروح لمنال، وفايت الدنيا." "هتفت بنحيب: ما تجولش أكده. هتبقى زين والله." "هتف: إني حاسس بنفسي يا جمر، وشايف روحي راحة لفين. خلي بالك من باسم يا جمر، ولدي أمانة بين يدك. علميه الصلاح، أصحك تخليه ابن دنيا." "صرخت بقهر: بطل! هتعلمه إنت الحلو كله. مسعد، إنت هتجول؟ ما تجهرنيش. إني ما أقدرش أصلب طولي."

"هتف: لاه، هتجدري يا خيتي. إنت جوية. وجايز روحتي تعلمك الدنيا عن حج. الدنيا فانية يا جمر، لا هي بالفلوس ولا الدهبات. كت الفلوس رجعت مرتي؟ كت الفلوس شافتني وخلتني لولدي؟

لاه يا جلبي، الدنيا ضيقة للي يدور عليها. فايتك وعارف إنك هتبقي لوحدك. بس عارف برضك إن جمر بتاعه. الدنيا راحت، وفضل جمر اللي جَلْبه دهب. خلي بالك من حالك. إني ما بجاش معاكي أسندك. أصحك ترجعي تمشي ورا أبوكي يا جلبي. كان نفسي أكون جارك أحامي عنك. إنت صغيرة وما تستاهليش أكده." "صرخت: بطل، بطل! بتجول إيه؟ تسيب إيه؟ إنت عايز تجهرني؟ بطل، إني هموت وراك. هعيش ليه؟ "هتف: هتعيشي لروحك، ولباسم ولدي. هتهمليه؟

إياك، إني حاطة أمانة عندك. هتصونيه. خابر، وهيبقي سند ليكي، حتى أكتر مني يا جلبي. معاكي." "حجك عليا. فايتك لحالك." "صرخت: بطل، إنت بتعمل أكده ليه؟ إنت هتعيش؟ لاه، إنت هتعيش يا مسعد. ما أعرفش أعيش. أعيش كيف؟ هتبقى العيشة موته يا جلبي. إنت هتبقى كويس. أصحك تجول." "حبيبي، إنت روحي وسندي. إنت أماني دلوك. إنت النقطة البيضة وسط السواد. إنت الصدر اللي هترمي عليه."

"مسعد، هموت بعدك يا أخوي، يا ضهري. ما تجطموش. بالله ما تجول وتفول إني مانقصه. يتحط جهر على جهر. ما أشوفش فرح واصل." "هتف: جربي يا جلبي. اقتربي." "همس: هتفرحي يا جمر، يوم هتفرحي. وافتكري أخوكي يوم فرحك.

افتكري كلمة أخوكي: الجلب بالرضا والمحبة. الجلب بالزهد عن دنيا مالهاش عازه. الجلب للحبيب والحبيب بس. أصحك تعاودي وتمشي في دنيا تخرب الجلب وتمرط النفس. أبوكي أه معاكي، بس إنت عارفة وشايفه، ما تهتميش وراه. ما عدتش ليكي إلا نفسك الصالحة. ازرعي فيها الخير، وصبيه على ولدي يا جلبي."

"مسعد، فايتلك دعوة من جَلْبه. دعوة وهو على فراش ربنا، ومعدول على جبلته. إلهي يا جمر، يا بت حمدان، تشوفي سعادة الدارين، ويتحط في جَلْبك رضا ربنا. لا يهزك إنس ولا يوجعك أبداً. تموت في عنيكي دنيا، ويتحط في عنيكي نور من رب العباد. مهما اللي قدامك داس وطاح، ما يفرج معاكي ماللي تموت في عينيه الدنيا. يعلي، ويعلي. فايتك يا غالية. فايتك، وعارف جَلْبك هيتمزق. بس أهه، قضاء ربنا وحكمته. يروح مسعد، وهيجي يوم مكانه اللي يسعد ويطبب الجلب. يا رب، خف قضاك على خيتي، وأسعدها."

"همس: جربي يا جلبي. أحضنك." اندفعت صارخة: "هموت أكده، هموت والله." همس ويده حولها. "فايتك يا غالية. ربنا يسعد أيامك." ليُغمض عينه، ويدق الجهاز يعلن زوال روح طيبة إلى عنان السماء. وتسقط يده من حولها. ودعوته صعدت إلى عرش الرحمن. تداوي دعوة أخرى كانت صامتة لظهر تلك الجميلة. لتتلاقى دعوة الشر ودعوة الخير بين يدي الله. يحكم ويقدر للعبد، ويقسم الخير لعبيده.

أغمض مسعد، وقمر مشلولة، جاحظة العينين. ليندفع الأطباء إليه، ينعشون قلبه، ويبقى القلب بين يدي الرحمن. أيبقى قلباً يساند تلك الجميلة؟ أم ترحل كل القلوب الحنونة من حياتها، لتذق مرارة القلب الوحيد بما حطت من فعل يدها؟ سنرى.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...