الفصل 9 | من 37 فصل

رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل التاسع 9 - بقلم ميفو السلطان

المشاهدات
25
كلمة
4,737
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 24%
حجم الخط: 18

وقفت قمر تنظر إلى أخيها وقد لفظ أنفاسه الأخيرة. تجمع الأطباء يحاولون إبقاءه على قيد الحياة. كانت تقف بصعوبة، لا تنطق. وابيها يبكي، والأطباء يصارعون من أجل إعادته للحياة. ولكن الله أراد أن يسترد أمانته، فوقف الأطباء ونظروا للأب والابنة بأسى. وقفت قمر تنظر إليهم ببلاهة. "إيه، إيه بتبصولنا أكده ليه؟ بتبصولنا أكده ليه؟ فجوه يلا جوموه، أخويا هيعيش، أخويا هيعيش." هتف الطبيب: "أمر الله يا بنتي."

هنا ترنحت، وقعت، وانشق قلبها. زحفت إلى أخيها صارخة: "لاه لاه، مسعد حبيبي لاه. جوم يا أخوي، جوم يا سندي، أنت اللي فاضلي. هعيش ليه، جوم سايبني لمين؟ جوم يا حبيبي، إني صغيرة ما أعرفش أعيش لحالي. مين يحن عليا؟ الحنية راحت من حياتي. جبل راح، وأنت رحت، هعيش إزاي طيب؟ كانت تنتحب: "إني... إني أستحق حرجة الجلب، بس أنت لاه. ابنك مستنيك."

كانت تصرخ وتهز فيه: "جووووم يا رب، يا رب جلبي يا رب. جوم يا واخد روحي. جوم يا حبيبي، مش جولتلي هعيش عمر أراعيكي ما أخافش وأنت جاري. جوم، إني خايفة، إني خايفة يا أخوي. جوم ماتهملنيش. أعيش ليه ولمين؟ هعيش في الدنيا، جلبي ناشف. جوم، هكمل إزاي؟ دي دعوة دعي عليا ابن العزايزه: ينحرج جلبي على عزيييييييز. اااااه جلباااي. دعي عليا أعيش السواد، واهه عيشته. اهه، أنت ذنبك إيه يا رب؟ رجعلي أخويا. ااااه جلبي يا عالم، أروح فين؟

جوم يا مسعد، جوم يا حنين يا طيب. جوم، إني مني لله، إني السبب. إني حرقت جَلبه، قام ربنا حرّق جلبي. بس والله حلمت إني هنسعد، وهو هينسعد. حلمت كنت مطمنة. إيه ده؟ هو ده حلمي؟ هو ده عيشتي السودة؟ دي آخرتها السواد حل، والعيشة اتحط عليها حزن بالكووووم. طب إيه؟ دنيتي قضت بدعوة مظلوم؟ كت هفضها والله، رحت له أدور عليه، بس دعوته نفذت. دعوة جبل بحرجة جلبي نفذت ونتشت جلبي زي مانتشت جلبه. بس أخوي... أخوي ذنبه إيه؟

يا سوادك يا بت حمدان. اديني بتمزع. ااااه ااااه." "يا رب يا رب، أخويا لاه، أخويا لاه. ااااه." مسكها أبوها: "بطلي يا بتي، حرام أكده." صرخت: "حرام! الحرام اللي عملته. أنت السبب، أنت السبب في موت مسعد. أيوه أنت، أنت خلتني أحرج جَلبه، هو دعي عليا. هو كمان السبب. هو... إني أخوي ذنبه إيه؟ طب إني أموت، يموت هوه؟ يتاخد أكده وابنه أقوله إيه؟ أقوله أبوك مات بدعوة بسببي؟

يا سوادي يا مري. جالها ابن العزايزه، جالها ربنا يحرج جلبك. تعالي يا جبل، تعالي اتشفي فيا، تعالي وشوف حرجة الجلب عن حج. الأخ سند، والنتشة صعباااااه. الأخ ضهر، والضهر انفلج فرافيت. يا طيب يا حنين، غلبت تجولي عينك على رب السما، بلاش دنيا. يا ريتني عميت، يا ريتني مابصيت. يا جلب اختك من جوا. نن عيني يا به. نن عيني يا حتة من كبدي. ااااه، العصرة صعبة، العصرة مامتحملهاش. لا لا، نتشت جَلبي يا أخوي، نتشت روحي يا حنين. ااااه."

ظلت تصرخ إلى أن وقعت مغشياً عليها. والأب يقف وقد شاخ سنين، وبرك. فالابن مات، والابنة أصبحت مسخاً، ولم يعد من الدنيا سوى الحطام. مرت الأيام، ودُفن مسعد. وعادت قمر إلى النجع، ولم يعلم أحد مصابها بناءً على طلب أبيها من سليم. وكان سليم وفي بوعده. أعادوا له كل شيء. انتهت حياة تلك الجميلة تماماً. زهدت الدنيا وزهدت العيشة.

دخلت إلى البيت تنظر حولها. كانت تحمل ابن أخيها الصغير وتتكلبش فيه. تهالك أبوها في دخلته. دخلت حجرة أخيها، التي كانت في الأساس حجرتها. نظرت حولها، وجدت بيجامته. تلمستها ودموعها تنهال.

مسكت البيجامة، ولفّت بها ابن أخيها، وذهبت إلى الفراش واحتضنته، وظلت تهدهده. سرحت في دنيا غير الدنيا. سهمت بذكرياتها مع أخيها. كانت تبتسم ودموعها تسيل. تتذكر مشاكسته لها ومداعبته. كانت لا تحس بشيء. الذكريات تأخذها لعالم يطيب القلب، فالقلب ينشع ألماً وحرقة. سهمت وتاهت وتااااهت. "يا أخوي يا أخوي، أنت فين؟ يا نن عين اختك." سهمت واحتضنت ابن أخيها. انطلقت تهمس وهي تعتصر ابن أخيها:

"أنت الغالي يا أخويا، من بعد أمي وأبويا. يا أخويا، همك همي. ياللي دمك من دمي. الله يديمك خيي. ياللي جلبك حنية. يا أخويا يا حزام ضهري. أفديك بروحي ودمي. يا أخويا يا حزام ضهري. يا حزام ضهري يا أخويا." لتنهار وتحتضن ابن أخيها: "ااااه ااااه يا أخويا. ما أعرفش أسكت، يا جلب اختك. هموت يا رب، ارحمني يا رب. ليه ليك حكمة يا رب؟ بس خف وجعي." تذكرت دعوة أخيها، فهتفت:

"يا رب، استجب لدعوته. موت الدنيا في عيني يا رب. هون عليا، ما عايزاش أنسعد. ما بفكرش في حاجة واصل. عايزة أربي الواد وبس. طبب جلبي يا رب. عيني على سواد أيامي. اديني الجوه ما أتحملهاش."

ظلت هكذا فترة، وأبوها يدخل ويخرج، وليست معه من الأساس. ساهمة فقط. ظلت لا تنطق ولا تتكلم، فقط تأخذ ابن أخيها في أحضانها. كانت تجلس تصلي وتدعو ربها أن يسامحها. تجلس تنظر للسماء وتتذكر وقت أن كان القلب يدق. جلست هي وابن أخيها تداعبه، ثم قامت وأراحته وذهبت لتصلي. جلست قمر والدموع تنزل من عيونها:

"يا رب، نزل سكينتك على جلبي. يا رب سامحني. يا رب سامحني، إني واحدة غدارة وخاينة، سامحني. اهه، خدت جزاتي، ودعوة المظلوم اتحججت. نتش الجلب، وفقدان السند، روحه الدنيا، وروحه الغالي اللي خلع جَلبي. كت صغيرة وشخت. اه والله شخت. حاسة إني عندي ميت سنة. ولا دهبات الدنيا في عيني دلوك. شيفاهم سلوك صدي تتعاص بيهم اليدين. كنت ببص وأتمنى وأتغندر. دلوك خلاص، والله خلاص. ماشيفاش جدامي. ضهري انحني، وعيني حطت في الأرض. جايالك يا رب،

وعارفة إني أستحق حرجة الجلب. بس بدعي تشيل جضاك عني، لأني ما أتحملوش. يا رب، كفاية حط سواد عليا أكده عشان أعرف أربي الواد. عهد عليا أربيه صالح زي أبوه. لا يبص لحد، ولا للي في يد حد. يبصلك ويبص لنصيبه وبس. الحال مال، ولازم ينعدل. مال بطمعي. مال بعيني اللي جت على حج مش ليا. بس إيه؟

الحلم ده، كت بتبعتوهولي ليه يا رب؟

الله أعلم كان ليه. والعجيب إن لسه بيجيلي. ما خبّرش ليه، واني عمري ما هشوف فرح. سامحني يا رب، وخلي جبل يبطل يدعي عليا. إني خدت نصيبي من دعاه. هياجي يشمت بالكفة إذا كنت إني شمتانة في حالي اللي يصعب عالكافر. جمر النجع، جمر اللي مافيش زيها بجت. جمر المحروجة، جمر الأرض البور، جمر المجطوعة. خلاص لاحد هيحن، ولا حد هيطبطب. بطولك ضهرك ده، شوفي هتسنديه على مين يا بت حمدان. يا رب، إني غدارة وبجولها بعلو حسي. أستاهل، بس كتير كتير ما أتحملوش."

قامت وأحضرت الصورة الممزقة، وجلست مرة أخرى مكانها تتلمسها ودموعها تسيل:

"جبل، نن عين جمر. والله نن عيني من جوا. خدت جلبي ومشيت. كت جايه أستسمحك، بس دعوتك ما استنتش. دعوتك أنهالت بالسواد. كت جايه يا جلبي، بس إني مش نصيبك. إني نصيب أسود ماينحدفش عالطيبين. دانت الحنين، الأمير الطيب. يا رب بحج طيبته أسعده. بحج حبه ووجعه أسعده. بحج خيره وكرمه ليا أسعده. جالي اصبري، هجبلك الحلو كله. بس الصبر للصابرين يوفي أجرهم، وأنت يا جلبي صبرت. يا رب، وفيه أجره." ليعلو حسها بنحيب:

"يا رب يا جبل، تكون اتراضيت. يا رب راضيه. هعيش عمري أدعيله في كل صلاة. يا رب يا ابن العزايزه، تنسعد سعادة الدارين. ينحط عليك الخير بالكوم، تفرح وتعلي، ويريح جلبك. ينسي جمر وجرفها. ينسي الواغش اللي نتش جلبه. أسعده وابعت له اللي تراضيه." مسكت قلبها الذي يعتصر:

"أيوه، ابعتهاله راضية، وتشوفه نجمة عالية في السما، لأنه هو ماحدش يطوله. إني كنت جليلة جوي عليه، عشان أكده ربنا بعدني عنه لحكمة. كنت هأذيه، ماني كنت عيني على الدنيا. انحذف عليه، أخلي عيشته سواد. الحمد لله، اهو خرجت من حياته. أنت ربنا أنعم عليك يا جلب جمر، لأني جرف وحزن. اه والله يا جلبي. هتفضل جلبي لحد ما أموت، لحد ما نفسي يروح. وهفضل أدعيلك لحد ما ربنا ياخد أمانته. هفضل شايلة ذنبك وذنب أخوي، يجطع جلبي ويعصره. يا رب، وجف الدعوة، خدت وشبعت، والله شبعت. يا رب."

لتسجد لربها وتبكي بحرقة، تستجديه أن يسامحها. جلست تناجي ربها، لعله يتقبل دعاءها. قامت من سكات واحتضنت ابن أخيها: "ما عادش ليا إلا أنت، وما هشُفش غيرك يا ابن الغالي. خلاص بجيت روحي، لا عايزة دنيا ولا ليا فيها. عهد عليا أربيه صالح زي أبوه. لا يبص لحد، ولا مال حد. راضي بالمجسوم. يحب من الدنيا جلبها، ويكره خلها وزهوها."

قامت وبحثت عن فساتينها وأحضرتهم، ووضعتهم خارج الدار ورَمَتْهُم عالأرض. وهمّت أن تصب عليهم نيرانًا، لا تعلم نيران قلبها أم نيران الحقيقة التي تعصر قلبها. لمحت فستانًا أحمر، أحست بالقهر. نزلت بهدوء ودموعها تسيل. وتلمست الفستان الذي أحضره لها. ظلت تتلمسه وعيونها تسيل منها الدمع: "كت هلبسهولك يا جلبي، لما كنت هبقى حلالك. كنت هغندر بيه ليك، كنت هتاخدني في حضنك ونرقص ونتنهني." ابتسمت ساخرة:

"بس خلاص، ما عادش هيتلبس. هيتلبس لمين؟ هبّت تحرقه، فلم تستطع. اندفعت ونتشته: "لاه يا جمر، ده يفضل يحرج جلبك طول العمر. يفضل جدامك أكده، تشوفي وتتحسري على اللي كان هيعيشك دنيا، بس أنت ما تستحقيهاش. تفضلي معلّقاه أكده، ينحر فيكي ويحسس بذنبك وسواد أيامك. كان هيعيشك الحلو كله، بس أنت تستحجي العيشة السودة. اتمرغي في سواد أيامك من عمايل يدك يا بت حمدان."

نتشت الفستان كأنه روحها. وولّعت في بقية الفساتين. كانت النيران تعلو وتعلو، وهي تقف وقلبها يحترق همًا وكمدًا: "هتلبسي لمين؟ هاه! اللبس ده عشان تتغندري لمين؟

خلاص، ما عادش فيها غندرة. ما عادش فيها جمر من أساسه. جتك هتتخبى العمر كله. اهو ربك اداكي، كتي غرقانة بخلك، وجتك اللي بتنور، اهي دلوك جتك يتجرف منها شكل العفريت. سبحان الله، ليك حكمة يا رب. جايز إني أنعدل ويتصلح حالي، وأجيلك راكعة عبده ذليلة ليك. فوضت أمري ليك، وسيبت حالي ومحتالي، وجاية طالبة رضاك. رضاك وبس، وهفضل عمري أقولها: راضية يا رب."

تغيرت حياة قمر تماماً، فالصمت أصبح حليفها. كانت تذهب للعمل وتدرس، وفي الليل تراعي ابن أخيها. كان أبوها يجلس بالطفل، وقد أصبح محنيًا من كثرة الهموم. اسود البيت، ولم يعد فيه أي بارقة للفرح. فالسواد حل بدعوة مظلوم، ونتشة القلب شديدة.

لتمر أيام وأيام، وتتوالى الشهور والسنين. وقمر كما هي، لا تكلم أحداً، ولا يظهر عليها فرح. استعجب أهل النجع من تحول قمر، فكانت أصبحت مختلفة تماماً. فبعد أن كانت تتهادى أمام الناس، أصبحت منزويه، لا تظهر إلا نادراً. بعد أن كانت تلبس الفساتين التي تظهر جسدها، أصبحت تلتصق بقميص وبنطال أسود، ومنديل أسود على شعرها، وتربط شعرها تشده كأنها ستقتلعه.

سنوات وهي تتشح بالسواد، لا تنظر لأحد، ولا تجعل أحداً يقربها. وإذا تقدم لها أحد، ترفضه بعنف. استعجب الكل لماذا؟ فهي كبرت في السن. ما الذي يجعلها لا تتزوج؟ لتتعالى الهمسات بين الناس، ويبدأ من بلا ضمير يفسر عدم زواجها بأسباب تخل بالشرف، وتلوكها الألسنة بما لا يرضي رب العباد، عن علاقات مشبوهة ومحرمة. ليتوقف أي كان عن الاقتراب منها، وتكمل حياتها كأنها خُلقت لتعيش سواداً عن حق.

هنا نقول: استمرت الحياة، ولكنها توقفت عند تلك الجميلة. تسير الدنيا، ويكبر من حولها، وهي كما هي. فهي كبرت منذ سن السابعة عشر. شاخت قبل أوانها، شاخت في ريعان شبابها. منذ أن تركت الدنيا لأهل الدنيا. مرت سبع سنوات كاملة، لتصبح قمر في الرابعة والعشرين، فتاة ناضجة، تعيش من أجل ابن أخيها وفقط. وقد التصقت به كأنه روحها. كانت تحس أنه ابنها، وتعيش معه أياماً تلتمس معه السعادة.

لم تنس قمر عشق حياتها. لم تنساه. كانت تصلي وتدعو له الخير، وتطلب من ربها أن يسامحها. سنوات وهي لا تكف عن الدعاء وطلب الغفران. سنوات وهي تعلم مدى الجرم التي فعلته. سنوات تعيش في تأنيب ضمير أنها كانت السبب في موت أخيها. سنوات تعيش محطمة، لا يقربها أحد، والغمز واللمز لا يتركانها. جلست تداعب ابن أخيها، فدخل الأب وجلس بصعوبة. كانت الصحة متهالكة، والظهر محني، والقهر معشش. هتف: "كيفك يا بتي." تنهدت: "بخير يا أبوي."

"آه من الحج. إني هروح أقدم لباسم في المدرسة، عشان السنة الجاية يخش هو نبيه. وخابره إنه هيبقي شاطر." تنهد: "بفضلك يا بتي، أنت كأنك أمه." ابتسمت: "كأني أمه؟ بتجول إيه يا أبوي؟ ماني أمه يا أبوي." هتف: "جمر، كت رايد يعني أقول حاجة، بس ماتزعليش فيا." تنهدت: "خير يا أبوي." هتف: "يعني الحاج رفعت كان مكلمني. يعني... يعني... ضحكت: "إيه؟ جايبلي عريس يا أبوي؟ هتف: "يا بتي. يعني هتعدي أكده؟ الراجل زين وطالبك بالحلال." هتفت:

"أنت يا أبوي ما بتتعظش خالص. راجل مين اللي زين؟ رفعت الحرامي زين؟ جولي! أنت عارف إنه حرامي؟ ترميني له ليه؟ هاه؟ مرته ماتت مجهورة منه ومن عمايله. أروح أربيله عياله الخمسة؟ ده البت الكبيرة أصغر مني بخمس سنين. عايز ترميني الرمية دي." هتف: "يعني كان حد جه وقالنا؟ لاه." صرخت: "ماحدش هييجي ولا هيقدر ييجي. دي دعوة وشجت في السما إني أعيش السواد. بس إني ما عايزاش أتجوز، ولا في دماغي." هتف: "ليه بس؟ نشوف حد." ضحكت: "نشوف حد؟

مين في الكفر هياخدني؟ جول أكده." هتف بقهر: "مالك؟ مانت جمر أهوه." ضحكت: "تصدق؟ عايزة أولول وأعدد كيف النسوان بتوع المجابر. جمر؟ هيا مين اللي جمر؟ هاتلي راجل في الكفر كله، ولا النجع بيبصلي على إني جمر. إني واحدة معيوبة يا أبوي، فعلاً وقولاً. معيوبة في جسمي وخلجتي الروبة." "يمر العمر والحال يخوف. تصدق؟

بخاف أقلع أشوف حالي اللي يجرف، وأحط فوقه العيبة اللي طالتني بغير وجه حق، عشان إني مش رايدة أتزوج. طلع عليا إني معيوبة، وإني متأخذة، وغلط مع راجل، وبعمل الشن والعار بفلوس. شوفت الجهر؟ بتجول إيه؟ مين هيرضي؟ إني بجيت جرف مسخ. اه والله مسخ. وبرضك مش زعلانة. عارف ليه؟

لأن الدنيا ماتت في عيني. لأني راضية بجضا ربنا اللي أستحقه. العيب عيب الشكل والسمعة. بس والله النفس رجعت لربنا. والباجي خلاص مابصاش لدنيا ولحد. تربيتي لا هعوز حد، ولا هتمنى حد. أربي الواد يطلع صالح لأبوه. دعوة مسعد، بحمد ربنا إنها نزلت عليا، تموت دنيايا في عيني. إني بطلت أحس. يمين الله جبله بلاطة ممسوحة. لو عدي عليا قطر الدنيا هرسني ودعك فيا، ما هحسش. وراضية برضك. وخلاص بالله عليك، جفل عالجصة دي." استدارت. فصرخ:

"هو مين اللي جهرك؟ وبعت الدنيا عشانه؟ ده منه لله، محروق. دي سيرة." تجمدت هي واستدارت بقهر: "صرخت بحرقة: بتجيب سيرته ليه؟ وبتدعي عليه؟ أنت إيه؟ مش بكفاك؟ عايز يجرالي إيه تاني أكتر من كده؟ يزفوني في الشوارع بالسواد؟ بتدعي عليه ليه؟ ماتسيبه. اهو راح لحاله. الله يحليله أيامه وعيشته. بتعمل فيا كده ليه يا أبوي؟

مافيش رحمة واصل. ما بتبطلش تنحر في جتي عالجواز والجهر والحزن الأسود. طب إني راضية، ورضيت بدنيتي السودة. تسودها أكتر ليه يا أبوي؟ جولي. حد جالك إن جمر بجبلة؟ مابتحسش؟ والا عشان ساكتة وقاطمة؟ أقول إيه؟ ماني ماليش حد. الحنين اللي كان ليا راح، وبروحته نتش جَلبي وأسودت أيامي. ماحدش جهرني، إني اللي جهرت. إني يا أبوي، أو بالاصح أنت. أنت السبب. أنت اللي علّيت شيطاني، وأهو أدور ورشج، بس رشج في جلبي نتشه. بتجول جهرني؟

ده عيشني الحلو كله. اه والله، واني رديت الجميل وحطيت عليه حزن السنين. عارف يا أبوي، لو تحس بيا، هتعرف إني خلاص مت. والله يا أبوي مت. إني ما عدت بحس. حتى الوجع حباه، ومتعودة عليه. لأني حابة أنوجع، لأني متأكدة إني أستحق. الغدر صعب، وإني غدرت. بطل وعدي أيامنا يا أبوي. والله ما عاد فيا نفس أناهد حد. إلا تلاقيني واخده الواد وماشية من أهنه." واستدارت وتركته مقهوراً، وصحته تهالكت من قهره على ابنته التي تبدلت تماماً.

كانت قمر تذهب إلى المصنع، وقد ترقت بعد أن أخذت معهد السكرتارية، واشتغلت في قسم السكرتارية. كانت جالسة، فاقتربت منها إحدى الفتيات. "بجولك يا جمر، فيه عريس جايالك." تنهدت قمر: "معلش يا وفاء، مش بفكرش في الجواز. إني بربي ابن أخوي." هتفت الفتاة بخبث: "كأنه أكده. يا جمر، كلنا عارفين اللي فيها. وإني رايدة أساعدك. بصي، إني أعرف دكتور بيرجع كل حاجة." قطبت قمر: "بيرجع كل حاجة؟ حاجة إيه؟ هتفت الفتاة: "بيرجع الصبية بت بنوت."

هنا اشتعلت قمر: "ماتحترمي نفسك! إيه قلة أدبك دي؟ هنا هتفت الفتاة: "حوش حوش! اعمليهم يا بت، اعمليهم علينا. الحج عليا بسترك بدل الفضايح." صرخت قمر: "فضايح إيه؟ يا زيالة منك لله. حسبي الله فيكو." هتفت الفتاة: "كلنا عارفين ما بتتجوزيش ليه؟ هاه؟ وإن فيه عيبة. وإن... مسكتها قمر: "ليه كت شفتيني بعمل عيبة فين؟ يا محروقة." هتفت الفتاة: "أمال إيه اللي منعك بلا جواز؟ إلا الفضيحة. الكل بيجول." صرخت:

"حسبي الله فيكو. فوضت أمري لله." عادت قمر والقهر ينهشها. كانت تتحمل أي شيء إلا وصمها بتلك السبة التي تهتز لها عرش السماء. دخلت على أبيها: "اسمع يا أبوي، إني هجيب بيت في المدينة." هتف: "بيت إيه ده؟ هنهمل بيتنا؟ هتفت: "أيوه يا أبوي، هنهمله. أنا سيرتي بجت مجلة يا بوي، غنوية. بجيت معيوبة وبتتجلى في وشي. إني أتحمل أي حاجة إلا أكده. العيبة بتوجع، واني عمري ما عملتها يا أبوي."

أحنَى الرجل رأسه، فمن كثرة الأحزان أصبح لا ينطق. هتف: "اللي تشوفيه يا بتي." هتفت: "اهو معاشك على معاش مسعد، على شغلي. ممشي الحال ومستورين." هتف الرجل: "مستورين أكده." تنهدت وهتفت: "الحمد لله يا أبوي، ما هنجولش إلا الحمد لله على مجايبه. جايز ليه حكمة."

دخلت هيا تنام، وجلست مقهورة. فتحت تليفونها، فبعد سبع سنوات لم تزِل تلك الصورة. صورة تجعلها حية تتنفس. صورة جبل، الذي خلعت قلبه، ودعا ربه فاستجاب، وخلع الله قلبها بيده، وعقاب الله غير.

احتضنتها، نامت. إذا بذلك الحلم يأتي إليها. كانت تدور في القصر، وتلبس فستاناً من الحرير، وجسدها ينير من تحت الفستان. وتنظر إلى قدميها. رجعتا كما كانتا بلا حروق. استدارت، ونفس اليد تمسك يدها، وتلك الدبلة السوداء. وصاحبها هامساً: "هتنسعدي يا جلبي." نظرت إلى اليد، وتلك الدبلة التي تلمع في يده. وصدر الصوت دخل قلبها، وقلبها يشع سعادة.

لتهب متعرقة، كانت تحس أنه كابوس. فمن شدة السعادة بداخل الحلم، تشعر بوجع. فالحقيقة فتاة مهانة، وقلبها يشع وجعاً. فتاة قضى عليها تماماً. لتتهذب مع الله، بعد أن كانت وكانت وكانت. "يا رب، إيه الحلم ده؟ ليه العذاب؟ سبع سنين عذاب مش كفاية؟ ما كفرتش لسه عن ذنبي؟ يا رب، بيوجعني جوي، بينخر جوايا. بيجيلي ليه طيب، واني عمري ما هشوف السعادة؟ لله الأمر، راضية يا رب."

انتقلت قمر إلى المدينة في شقة صغيرة، وأدخلت ابن أخيها المدرسة، واستتب لها الأمر، ونقلت عملها من المصنع إلى مقر الشركة في المدينة. لتمر الأيام روتينية قاتلة عليها. بلادة وجمود وزهد في الحياة. كانت لا تنظر لأي متع، ولا تهفو إليها. كانت ترى الفتيات يلبسون ويخرجون، وذلك لم يحرك فيها شيء. تعمل وفقط، وتعود تربي ابن أخيها، وتلتصق به. حتى أبوها أصبح شارداً من كثرة التعب والهم. يجلس صامتاً. عائلة الصمت حليفها، والهم ملبسها.

أتى يوماً، دخلت عليها رئيسة المكان. "اسمعوا يا بنات الشركة، هتعمل اندماج كبير مع شركة كبيرة. عايزين نكون عند حسن ظنهم، ماشي؟ هيبقي فيه إيفنت كبير في مقر الشركة. عايزة تكونو على أعلى مستوى، فاهمين؟ أحسن لبس ومنظركو ياخد العقل." هتفت قمر: "اعفيني يا مدام تقي، أنت عارفة إن إني ماليش في الحفلات. ثم إن عندي شغل لسه هخلصه." هتفت السيدة:

"يا بنتي يا بنتي، تعالي مع البنات. افرحي. ما ينفعش اللي انت بتعمليه في نفسك ده. ليه ده كله؟ الدنيا حلوة. تعالي بس يبقى هناك ناس حلوة ولابسين حلو. نقضي وقت حلو مع بعض." هتفت قمر: "معلش، سامحيني. مش هقدر." حاولت السيدة أن تثنيها عن رأيها، فهي تحبها. فقمر مهذبة بزيادة وفي حالها. إلا أنها كانت صلبة، لتمتثل لها أخيراً.

انصرفت الفتيات مبكراً، وجلست قمر تنهي شغلها. مر الوقت ولم تعلم مداه. أحست بالتعب، ولكنها تحاملت على روحها. فإذا بالنور يقطع. زفرت بضيق: "آه، أنا قلت يصلحوا المكبس. بيفصل لوحده. بس ما حدش بيسمع."

قامت وفتحت تليفونها، وذهبت إلى مكان مكابس النور. نظرت إلى الأعلى، فوجدته بعيداً. أحضرت أحد العلب، ووضعتهم فوق بعض. مدت يدها فلم تطول. أخذت أحد العلب. مدت يدها بصعوبة، وفتحت المكبس. فانزلق العلبة من تحتها، فوقعت صارخة، وشعرت أنها سترتطم بالأرض. ولكن الارتطام لم يكن بالأرض. ووجدت نفسها محمولة ومحاطة بيدين من حديد. استدارت وتجمدت عندما... عندما إيه؟

🤨🤨🤨 ياختااااه يا شتات الشتات. الهنتريش المجنح. وزومبي الصعيد. إ، ن، ا، ا، ا، ا، ن. اجرو يا عيال 💃💃💃💃.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...