ذهبت قمر وأجرت أشعة وانتظرت النتيجة على نار لتأتي لها الصدمة تدمر قلبها. فالطفل عنده ثقب في القلب ولابد له عملية ضرورية. اتجهت للمشفى لتجد أن دور باسم بعد ثلاثة أشهر. لتسأل عن تمنها، علمت أن التكلفة ستتخطى المائة ألف. هوى قلبها وذبح تماماً، فهذا ما كان ينقصها. أحست قمر أنها ستموت، فلم يعد لها حيل. احتضنت ابن أخيها ذو الستة أعوام وتعلقت به برعب، ظلت تصرخ بشدة. "ليه يا رب، ليه يا رب؟
تعبت والله تعبت. هو مش كفاية بتحط جهر فوق الجهر؟ إني ما عدت متحملة، كتير يا رب. انت عالم بعبدتك، إني عايشة عشانه أصلاً ومتحملة عشانه السواد. لله الأمر، راضية أهو راضية، بس خف الجضا يا رب. ماتفجعنيش في الواد، ما أتحملش والله." ظلت تنتحب، وأخذته وعادت إلى البيت محطمة. دخلت على أبيها، وما أن علم حتى وقع أرضاً وتهالك وظل يبكي. ذهبت إليه واحتضنته. "الواد هيروح منا، هنجيب الفلوس منين؟
دول جاله الحجز بعيد ودوره بعد تلات أشهر، وأكيد الواد هيروح فطيس." "ماعرفش يابا، ماخبراش. أطلب سلفة من الشركة." "هتطلبي مية ألف يا بتي؟ حد بيدي حد مية ألف." "أمال هعمل إيه؟ أسيبه يموت." "ماقدمناش حل إلا تتجوزي، فكري." "صرخت: الحرامي حرام بقى! "طب هنعمل إيه؟ مين هيدفع." "ماخبراش، ماخبراش. سيبني أفكر، جايز ربك يحلها من عنده." دخلت وانهارت من البكاء. "إيه يا جمر؟ هتعملي إيه؟ أطلب سلفة وأكتب على روحي شيك؟ إيه المشكلة؟
ناس كتير بتطلب." تنهدت وعزمت على أن تطلب في الصباح من الشركة، لعلها تنجد ما تبقى لها من الدنيا. كان جبل قد قضى أبشع يوم مر عليه من بعد أن تركها، لم ينم في ليلته. انتظرها أن تأتي ولكنها لم تأتِ. أحس بالاشتعال. "برضه ماجاتش، أكيد بتتغندر مع عريس الغبرة. ماهي قالت لي: انسي. أنسي إزاي بعد حرقة قلبي امبارح؟ ما عارفش أنسي. طب يا جمر، إن ما اكتأبت."
عدى اليوم وهو يشعر بالجنون، ويتخيلها مع ذلك العجوز. وكل حين يكسر الأقلام ويمزق الأوراق من حرقة قلبه. وإذا دخل عليه أحد يهيج بشدة. قام واتجه إلى بيته يأكل نفسه. فتخيلها مع ذلك الرجل وأكمل يومه وقد مس أو جن. صرخ: "لا ما أتحملش إني... ". وقام على الفور وطلب عنوانها واتجه للبيت وظل واقفاً تحته. "إني هستناها تحت. أول ما تيجي معاه، هقتلها وأقتله. إني مش هقعد مجنون أكده. ودي بتتغندر للشايب."
ظل واقفاً يشعر بالغلب، أحس بالقهر والدونية. وكيف وصل به الحال هكذا، كأنه عبد سلسل من قلبه. صرخ: "هي ما بتجيش ليه؟ حد يسهر لحد أكده. منك لله، هموت." ركن للخلف من تعبه، غفي غصباً عنه ليقوم منتفضاً. "إيه؟ إيه؟ إني نمت." خبط على المقود بغضب. "طب جت ولا إيه؟ في سنتها السودة." لم يجد لتفسه حلاً حتى عاد مقهوراً يجر أذيال الخيبة. دخل البيت وجلس بمفرده بجوار الشجرة، جالساً على الأرض يتذكر رقصتهم وهي بين يديه.
وبدأ يحتسي القهوة، فنجاناً وراء فنجان، حتى أصبح غير متزن من عدم النوم. لمح شيئاً يلمع على الأرض. اقترب ومد يده، فكان قرط قمر. مسكه بحنان وظل يملس عليه، ولمسه بشفتيه. "بتحرجيلي قلبي وانت قدامي، وانت غايبة أعمل إيه؟ ظل يتذكر كلماتها: "إن حكايتهم انتهت." فصرخ: "لاه، لاه، ما انتهتش، ما انتهتش. أمال اللي بيهري قلبي ده إيه؟ يا رب، خرجها من قلبي يا رب. هتجنن." مر اليوم بحرقة أعصاب. إلى أن أتى اليوم التالي.
دخلت عليه فوجدته متجهماً في حالة غريبة، فهو لم ينم ليومين. ابتلعت ريقها، فهتف غاضباً: "برضه مشيتي اللي بدماغك وما جيتيش ليه؟ كنت طابونة أبوكي." "ظروف يا جبل بيه، خارج عن إرادتي." ضحك ساخراً. "لا والله! وشكلها إيه الظروف؟ عجوز ومكحكحة." نظرت إليه بعدم فهم، فصرخ: "ماشي، مخصوم منك نص شهر عشان تتربي." "اللي تأمر بيه." قام مشتعلاً. "إيه؟ مش هامك خلاص. وصلتي وجيتي على وي ونلتي المراد. امبارح كبشتي منه صح؟ نظرت إليه ببلاهة.
فصرخ: "مش عندنا شغل، وانت بتتدلعي." وأخذ أوراقاً ورماها في وجهها. "ده يخلص هنا دلوقتي." "طب كنت عايزة حاجة." "قلت الزفت يخلص." تنهدت واستدارت. اندفع وشدها لتخبط في صدره. "هنا يتعمل." ودفعها على الكرسي. تحملت وجلست، فتحت اللاب والأوراق وانهمكت في العمل. اقترب هو منها، وغصباً عنه بدأ يتأملها، وعيونه تسرح فيها. ظل يتفرس ملامح وجهها، وبدأ داخله يلين غصباً عنه. فهي سحر له، مس من الجنون أصاب القلب لا يُنسى.
ركن قليلاً وتاه، وتاه، وعاد لوقت أن كانت بين يديه يقبلها بجوار الشجرة. كان قلبه يدق بعنف، وتاه في حكايته. ولكنها حكاية مريرة. لينتفض ويبتعد كالملسوع. كان سيمد يده يلمسها. "قومي، غوري بره. ما عايزاش أشوف خلقتك." "انت عقلك فيه حاجة؟ فيه إيه؟ لم يعد يحتمل. اندفع وشدها. "عقلي بيه ألف حاجة، منك لله. عقلي انخبل، ما عدتش قادر. إيه خلاص جاعدة ولا على بالك؟ جبله ما بتحسش. الهانم ما عدتش يهمها. خصم لك شهر ولا عدي على دماغك؟
هيعدي إزاي؟ ما خلاص خلصتي، هتمشي وتعيشي وأنا أقعد اتحسر." "لاه، انت حالتك صعبة. أجلك وجت تاني." واستدارت منصرفة. فهجم عليها صارخاً. "أيوه! حالتي بقت صعبة، طين. عايش طين. بس لاه، إني ما هنهجرش وأقعد أبص. ما قادرش." وشدها إليه وأنهال عليها، وهي تضربه بقوة وهو لا يتركها. كان يتوغل في ملامستها مع نفسه تماماً، وقلبه يحرقه، وملامحها تطفي نار شوقه. كان يركنها على الحائط ولا يتركها. وأنفاسها قد بدأت تتقطع.
كان عنيفاً في البداية ليحس بها تنساب وتترنح من قوته. فتحول للين شديد، يتلمسها بحنان، وفي نفس الوقت رغبته تجن بداخله. تيقن أنه ما زال يريدها بشدة، ما زالت متملكة منه. ظن لسنوات أنه يكرهها، ولكنها الآن له كبلسم لجسده. كان الجبل يظن أنه شامخ لا يؤثر به شيء، ولكنه من الداخل هش، فتات يهيم بالجميلة عشقاً. ظن أنها راحت من حياته، وأتى مكانها الغل والكراهية. ولكن ما في القلب ملتصق، لا يذوب مع الزمان.
حكاية من الغلب لا مثيل لها. رجل أحب وعشق، والغدر كواه. ولكن الواقع أن العشق هو ما يكويه. عشق فاق تصوره، مسه ومس دواخله. أكثر شيء موجع في الحكاية أن يكون العاشق كارهاً عشقه، ولكن لا حيل له فيه. إنه متمكن منه ولا يستطيع نزعه، فإن نزعه ينزع روحه من داخله. شعر أنه ازداد وازداد، وشعر بالغضب من روحه. فدفعها فوقعت على الكنبة. واستدار حتى لا يرى مشاعره. ظلت تنهج بشدة، وبدأت دموعها تسيل.
لم تتخيل ما فعله، كان لينُه واضحاً، ومشاعره نهشت قلبها. فقامت ومسحت دموعها. "غوري بره." دخل أمير وهتف: "فيه إيه؟ بتزعق ليه؟ يابني انت بقيت بومة." نظر إليه غاضباً. فهتفت متحاملة على روحها: "جبل بيه، بالله كنت عايزة في موضوع خاص." رفع جبل حاجبيه بغضب. "خاص؟ اللي هو إزاي؟ ماتقولي أنا هبقى بيني وبينك خاص؟ على آخر الزمن، قولي." ابتلعت ريقها وهتفت: "أنا بمر بظروف صعبة يعني." فصرخ: "وأنا مالي أهلي؟ تمر بظروف ولا تولعي؟
هتجرفيني على الصبح." "براحة يا جبل، براحة. فيه إيه؟ تنهدت وهتفت: "كنت معلش، استسمحك. كنت عايزة سلفة وهردها ضروري. والله حياة أو موت." نظر إليها وضحك. "لا والله. وعايزة كام؟ "مية ألف. والله هكتب شيك على روحي وهسدهم من المرتب، إن شاء الله تاخد المرتب كله." رفع حاجبيه. "لا والله؟ وعايزاهم ليه سيادتك؟ أحنت رأسها. "حاجة خاصة." اشتعل وأكله قلبه من الغيرة، وتذكر عرفان. "أكيد عايز تتشاور وتجيب للبيه حاجات تفرحه؟
العجوز اللي هيموت من أول ليلة؟ يا جهلتي، تاخد فلوسي تتشاور بيها لغيري." فهب صارخاً كالمجنون. "ما فتحتهاش سبيل. إني ما فيش مليم هتاخديه." انصدمت من عنفه. فهتفت: "يا جبل بيه، أرجوك. إني محتاجة الفلوس دي. والله محتاجاهم حياة أو موت." صرخ: "شالله تموتي جدامي لو بشوفك والعة أكده. ماليش صالح. جلت ما فيش. طين واخرجي بره. ما عايزاش أشوف خلقتك. وتاني تغيبي ولا تطلبي حاجة، مالكيش حاجة هنا." دمعت عيناها واستدارت. فهتف أمير:
"براحة يا جبل. فيه إيه؟ هتف غاضباً: "مالك أنت فيه؟ وطين البت دي مش مضبوطة. مالك؟ إني حر. ماهديهاش حاجة." "بس شكلها عايزة فلوس ضروري." هتف بتهور من حرقة قلبه: "تروح تتنحنح لحد غيري يديها. تضحك علي." سكت أمير قليلاً ثم ابتسم بخبث وهتف: "طب هقوم بقى. عايز حاجة." هز جبل رأسه وانصرف. جلست قمر محنية الرأس. "طب أجيب الفلوس منين؟ طيب أعمل إيه؟ تذكرت بيتهم في النجع. "ما عدش إلا هو يا جمر ينجدك."
تنهدت: "دا جالي لو بشوفك والعة، ما هنجدكيش. يا رب. إيه الحزن ده؟ أقوله الواد تعبان؟ يجعد يذل فيا. أيوه، هيذل ويمكن يشغلني خدامة. لا، ما هقولش إني هديه حجة البيت. هيفرح إنه خد اللي حيلتي. أيوه، ويشمت كمان. اهو أبرد قلبه. جايز ينهد. يا رب، أعمل إيه؟ قامت واتجهت لغرفة النظافة. دخلت وقفلت على روحها. جلست وافترشت الأرض تبكي. فتحت تليفونها ووضعت أحد السماعات في أذنها. كانت دائماً في عز قهرها تأتي بآيات الصبر وتسمعها.
أغمضت عيونها وتاهت في آيات الرحمن، تردد معها بهمس، تلين قلبها وتنزل عليها السكينة. فجأة، رن جرس إنذار الحريق. وبالطبع لم تسمع شيء، وبدأ الهرج والمرج. وخرج جبل يأمر الكل بالخروج، ولكن دون إرادة منه، عيونه تبحث عنها تتلهف عليها. ظل يدور ويدور ويسأل عنها بلا جدوى. أحس بالجنون، كان يصرخ باسمها. والكل في حال. اتجه إلى الكاميرات. كانت النيران قد بدأت تشتعل وهناك خطر عليه، ولكنه لم يبالي من الأساس.
كل همه أن يعرف مكانها. فتح الكاميرا، وما أن عرف مكانها حتى اندفع إلى غرفة النظافة وفتحها. ليجدها مفترشة الأرض وتردد في سرها. أحس بالجنون. "الدنيا بتولع ودي قاعدة تحب في مين؟ يا مراري! هتخلص عليا يا بت حمدان." شدها إليه بقوة واحتضنها، لترتعب من منظره ولهفته. همست بخوف: "فيه إيه؟ صرخ: "فيه نار ولعت في الدنيا وانت قاعدة أهنه بتسمعي إيه؟ أنت." وشدها للخارج، وظل يحاوطها، وخوفه عليها كمجنون. وهي بين أحضانه.
خائفة، تذكرت وقت أن كانت في النيران. ارتعبت وكلبشت فيه. فهتف: "ما تخافيش، ما تخافيش. إني جارك." وهي تنتفض، ظل محتضنها كأنها روحه. ومن كثرة الناس انفلتت منه، ليصبح كمجنون يدور بهايج، يصرخ باسمها كمجذوب. ليندفع ولمحها. اندفع وشدها لمكان آمن واحتضنها بقوة، وكلبش فيها. ظل كل منهم يركن للآخر. هي من رعبها، وهو من خوفه عليها. أحست أنها نامت في أحضانه بزيادة. حاولت أن تخرج من أحضانه، فصرخ: "اخرسي بقه، اخرسي. إنت إيه؟
متاجر تموتيني؟ حاوطها ولم يتركها." "اخرسي. سيبيني أبرد جتتي. اشمعنى إني هي جت عليا." لم تعد تحتمل دفعته وصرخت: "كفاية بقى، كفاية. خلاص خلصت. متاجر إيه؟ دانت متاجر تموت بلد." "إيه اللي خلص؟ جولي. بصي في عيوني وجولي إيه اللي خلص؟ ما فيش حاجة خلصت. ما فيش. طول ما أنا عايش، ما فيش حاجة هتخلص. هفضل قدامك منين ما تروحي. هتخلص إزاي؟ اشمعنى خلصت عندك؟ ليه؟ ليه ما بتخلصش عندي؟ ليه؟ جولي خلصتيها إزاي؟
وأنا أخلصها. ما بتخلصش، ما بتخلصش، ولا هتخلص. جولي، إنت قصدك تخلصي عليا صح؟ تجهريني؟ كتير قاعدة لمين ومتخبيه؟ بتكلميه؟ انطقي." كان قد أصبح كمجنون. نظرت إليه بوجع، غير مصدقة ما تمر به. فهذا كثير علي. لتدفعه وترحل. ويقف هو مقهوراً. "أروح فين؟ أعمل إيه؟ أعمل إيه؟ واستدار هائجا، يكسر ما حوله.
ذهب لبيتها، متعبة، متهالكة. دخلت وأخذت حجة البيت ووضعتها في شنطتها لتعطيها له في الصباح، لعله يعطيها المال بمقابل، فهي لن تكل حتى لو أذلها ألف مرة. أتى اليوم التالي، وأخذت معها حجة البيت وانتظرته فلم يأتِ. فذهبت إلى بيته، فوجدته يخرج منه ويتجه لعربته. فهتفت مسرعة: "كنت عايزك ضروري." هتف: "مش فاضيلك دلوقتي، جاي ليه؟ هو ذنب؟ استغفر الله." واستدار وركب عربته. فاندفعت وركبت العربة. نظر إليها رافعاً حاجبيه. فهتفت:
"والله عايزك ضروري." أشار إليها أن تصمت. تنهدت وصمتت. مر الوقت ليقف على أحد المراسي وينزل، وهي وراءه تكلمه. صعد على أحد المراكب. ظلت تنظر إليه بقهر، فصعدت وراءه. وإذا بالمركب يسير. فهتفت: "انت استنى! بتعمل إيه؟ هتف: "والله ما حد جالك تاجي. إني جاي أريح دماغي من جرف امبارح، وانت زي الجراضة. يبقى تنكتمي، فاهمة." جلست مقهورة تنتظره. كان هو يدور هنا وهناك. ووقف هو بعيداً يتأمل النهر.
كان الجو صافياً، واتساع النهر قرب المصب يأخذ الأنفاس. وقف يفكر فيها، فهو لم يعد يفكر في حياته إلا بها. كانت تتأمله من بعيد، يقف شامخاً. ظلت ساهية فيه، وقلبها يدق. "بتحبيه يا جمر؟ لسه؟ عيونك متعلقة بيه؟ ما بتعرفيش تشيلي عينك منه. لما بيبقى ساكت، قلبي بيحن. ما عايزاهوش يتكلم أصل. بشوف جبل القديم بعيونه الرايقة. بس يتكلم ويبص لي، ما بابقاش عارفاه. يا رب. قومي كملي حزن. يا رب صبرني." قامت هيا واقتربت منه.
"ممكن بقى تسمعني." استدار ونظر إليها. ظل ساهماً. تنهدت فاستدار مرة أخرى. اقتربت منه، فأحست بأنفاسه تزداد. كان يتحكم في نفسه كي لا يستدير ويحتضنها. فمنذ أن علم أنها ستتزوج، وهناك حالة مسيطرة عليه أن يحبسها ويأخذها في أحضانه ولا يخرجها حتى تلفظ أنفاسها. وضعت يدها عليه، فانتفض ودفعها فوقعت. "يدك ما تتحطش عليّ، هاه؟ عشان بجرف. والله ما هي ساهلة. هيا." أحست بوجع. "طب تسمعني عشان أمشي." ضحك. "تمشي فين؟ هتنطي الميه؟
قاعدة مع واحد في جلب الميه وجيتي وراه ليه؟ هاه؟ رايدة إيه؟ الشايب عارف إنك مع راجل لوحدك." صرخت بقهر. "بطل بقى يا أخي. انت إيه؟ ارحمني شوية." هتف: "أما تخفي من على الدنيا." صرخت بحرقة. "مت في الحريقة." كانت تقصد حرقة أخيها، ولكنها كتمت نفسها. فالسواد أصبح حالكاً، وتلبستها حالة من البلادة. هتف غاضباً: "بتتمني ليه؟ ما إحنا فيها." وأندفع واحتضنها ونزل بها في الماء. ظلت تصرخ بقوة وكلبشت فيه. ضحك هو.
"مش كتير عايزة تموتي." ظل يداعب جسدها هاتفا: "والا مستنية الشايب يملس على جتك وتاخدي وتكبشي من الدنيا." ظلت ساهية لفترة في عيونه. كان وجهه بالنسبة لها غريباً. راته شخصاً آخر، فجأة، شخص مخيف. أرادت أن تبتعد عنه لأميال. أما هو، فشعر برهبة. نظرتها تحولت بشكل غريب. رجف قلبه. لم تعد تحتمل، ودفعته بعيداً وابتعد. وغاصت هيا للأسفل. كانت لا تقاوم، أرادت أن تموت.
ظل هو ناظراً. اعتقد أنها ستعافر وتندفع إليه، فوجدها غاصت بسرعة دون أي مجهود أو تراجع. ظل ساهماً، لا يصدق فعلتها. وعلى الفور نزل يبحث عنها. كان الماء مظلماً، والجو أصبح مغيماً. كان يخرج وينزل برعب، وهي تغوص وتتخيل شريط حياتها أمامها. لم تعد تريد أنفاسها، كفى من تلك الدنيا. كتم نفسه ونزل ووصل إليها وشدها للأعلى. ظلت تصرخ بقوة وهو محتضناً إياها، مكلبشاً فيها.
صعد بها على المركب ولم يفلتها، وقلبه يصرخ، كأنها خلقت تعذب فيه. دفعها، والغضب من خوفه عليها ينهش قلبه، فصرخ. "كانت متهالكة على أرضية المركب تسعل بشدة. 'انت واحدة مخبولة، عايزة تجيبي لي مصيبة؟ صح؟ منك لله. انت إيه يا شيخة شر.' " أراد أن يحتضنها ولا يتركها، ولكنه هب وتركها وذهب إلى أرضية المركب. كان يهرب منها حتى لا يحتضنها. شعر بالجنون والخوف، وارتعب من كم الخوف بداخله. "انت هتتجنن؟ البت هتخبل جلبك؟ كان هينخلع؟
يا مري! إيه ده؟ حريقة الصبح وغرق بالليل؟ إني هتحمل كيف؟ هتحمل كيف؟ دا مستني بقيت مخبول. والله بقيت مخبول." أما هي، فظلت متهالكة على أرضية المركب تشعر بالبرد وأسنانها تصطك بشدة. قامت ونظرت حولها لعلها تجد شيئاً تغطي روحها. فلم تجد. وجدت شوالاً في أحد الأركان، فذهبت إليه ووضعته على كتفيها. وانهالت منها الدموع. "كنت عايزة تموتي. اتخبلتي؟ وابن أخوكي مين يربيه؟ انت إيه؟ هتموتي كافرة؟ كل ده عشان إيه؟ هو بيحرجك وعايز يجهرك؟
استحملي، استحملي. دي عيشتك. تصبري وبس. هو ابتلاء، أيوه ابتلاء. ابن أخوكي محتاجك يا جمر. شدي نفسك واصْلُبي طولك. اديله الحجة، بردي جَلبه اللي ما عادش ليه جلب من أساسه." خرج هو فوجدها هكذا. أحس بقلبه يأكله عليها، فهتف: "انزلي، البسي حاجة من عندي." "كتر خيرك. ممكن نروح." هتف ببرود. "هنروح، بس عرفيني كنتي جاية ليه ومحرجة جوي أكده." اقتربت وهيا ترتعش، وذهبت إلى حقيبتها. وأخرجت حجة البيت وأعطته له. هتف: "إيه ده؟
"حجة البيت يا جبل، خدها." نظر إليها. "أخدها؟ أخد إيه وليه؟ "خدها وأديني مية ألف. همضيلك على الحجة." ابتلعت ريقها. "أظن انت لك تاخد تمن فلوسك. اهو بيتي، خده وافرح." قام وصرخ: "بيتك؟ هتديني بيتك؟ ليه؟ هاه؟ هو سر؟ عايز إيه؟ الراجل ده هيبيعك بيتك عشان تجيبي له الأخضر والاحمر وتلبسيله." ابتسمت هيا على تفكيره، فصرخ: "يعني صح؟ صح يا مري؟ بتبيعي بيتك؟ عشان الشايب ده؟ أرضك نهارك طين. ليه؟ عاملك عمل ده؟ شايب؟ هتاخدي منه إيه؟
يا مري." ظل ينظر إليها بقهر. "بتبيعيله بيتك؟ يا حزن السنين. ليه؟ ليه؟ عاملك إيه؟ اقترب صارخاً. "بتبيعيله بيتك ليه؟ انطقي! هتتجنني وتتجوزيه؟ ليه؟ هتعملي بيه إيه؟ منك لله. ليه؟ ليه؟ عايزة تتشاوري بفلوس دارك؟ هيجيب لك قصر؟ هاه؟ هتتغندر ليه ويجيب لك؟ عشان أكده عايزة فلوس؟ تلحسي عجلة صح؟ ماهو راجل شايب وأهبل وشايف واحدة جمر جدامه مالهاش وصف."
كانت تنظر إليه بأسى، وما وصل إليه من غل تجاهها. أحست أنه مجنون أو أصبح به مس. ليس منه رجا. أحست أنه ضاع للأبد. كانت صامتة، لا تعلم كيف ترد. صرخ: "والدار دي حقك؟ هاه؟ مش أخوكي ليه فيها؟ وابن أخوكي؟ والا هتاكلي حق الواد كمان؟ يا مري، ما بتفكريش في حد خالص. كلو نفسك وبس. الواد ده مش أمانة أخوكي. تسرجي حجة. منك لله." كان يحترق. "كل ده عشان الفلوس؟ هاه؟ ما شبعتيش فلوس من اللي ضحكتي عليهم؟ آخرتها الشايب ده."
نظرت إليه، أحست أنه مجذوب فعلاً. هزت رأسها واستدارت، فلا أمل فيه. شعر بنار في جوفه. "هتروحي تبيعي الدار تجيب حاجات للشايب؟ هتروحي تجيب وتلبس؟ ويلمس عليها؟ قلبي منك لله." أحس بنار. رآها تستدير، أحس أنه سيموت. فقام وشدها. "رايحة فين؟ رايحة فين وسيباني بحرقة أكده؟ وجلبي نار جايدة." دفعته. "بعد خلاص. إني غلطانة. انت إيه؟ ده البعد عنك غنيمة." صرخ: "البعد عني غنيمة؟ والجرب من الشايب إيه؟ جولي؟ جولي." مسكها وهي تتملص منه.
"رايداه ليه؟ هتعملي بيه إيه؟ انت جمر؟ فاير؟ بصي لحالك. رايحة لده ليه؟ منعول أبو الفلوس." شدها يحتضنها بقوة. "تعالي، هديكي الفلوس." ونزل بها إلى أرض المركب. فصرخ: "هديكي المية ألف وتبقي ليا دلوقتي." نظرت إليه بذهول. هتف: "إني هاخدك وأديك الفلوس، وأهو رخص برخص. إني أولى واستفاد، وهديكي تشبعي يا بت حمدان." شعرت بالاشمئزاز. فرفعت يدها وأنهالت على وجهه. وقف مصدوماً، وقلبه سيخرج من مكانه.
"عارف إني شايفاك شيطان دلوقتي. أي والله شايفه جدامي جرف وحزن. ما كنتش اتخيل إنك توصل لكده. جاي تقول لي هديكي وتنام معايا؟ هو خلاص؟ انت خلاص خالص؟ مت خالص؟ ما عادش نخوة؟ ما عادش حاجة خالص." صرخ: "بسببك يا جاحدة." صرخت: "لاه، مش بسببي. بسبب غلك وحزنك. جاي تقول لي إيه؟ منك لله. أول مرة أدعي عليك يا جبل. بدعي بحرقة. منك لله. انت آخر واحد يلمسني. لو هموت، ما هتلمسنيش." ظل ينظر إليها وقلبه يغلي، فهتف:
"طب يا جمر، فلوس ما فيش. وخلي الغندور يجيب لك هو." استدارت وهيا ترتعش. "أقول إيه؟ فوضت أمري لله. ما عايزاش منك حاجة، ويا رب ما يحوجني ليك إلا الحوجة ليك. ذل ومرطة نفس." ضحك هو. "ماشي يا ست الغندورة. روحي لفلفي على الرجالة اللي تعرفيهم وهاتي. والا أبعت لك حد تبسطيه ويديكي." نظرت إليه بوجع ودموعها تسيل. فأشاح بوجهه. ظلت جالسة إلى أن أدار المركب وعاد. عاد بها إلى بيته. هنا كان أمير ينتظره، وتفاجأ بوجودها معه.
فركن جانباً وصعد جبل وتركها أمام البيت. "إيه ده؟ هما كانوا مع بعض؟ وبيقول مش طايقها؟ هو فيه إيه بالظبط؟ يكونوش مرافقين بعض من ورانا." أتى أمير مسرعاً. هتف: "قمر، كنت عايزك في حاجة." نظرت إليه بتعب. "عايزني؟ خير يا أمير بيه." "لا، مش هنا. ممكن." تنهدت وهتفت: "طيب." ذهب بها إلى العربة، فهتف: "ادخلي يا قمر." ارتبكت هيا. "هاه؟ أدخل؟ خير؟ فيه حاجة؟ هتف: "ادخلي بس، الموضوع بخصوص السلفة." ابتسمت له. "بجد؟ والنبي."
مد يده يداعب ذقنها. "والله هفرحك. تعالي وأنا هريحك." ركبت هيا سعيدة وانطلق بها. أثناء انطلاقهم، كان جبل واقفاً بالأعلى يراقبها. فراها تركب العربة. شعر بنار في جوفه. "هو فيه إيه؟ إني هحلج عليها منين والا منين؟ إني حاسس إني هنجلط. يا رب! عالحزن جاي ليه ده؟ وبيركبها العربية؟ إني هدور في الشوارع زي المجذوب وراها." نزل مسرعاً كي يعرف فيما يتكلمون. وما أن وصل حتى وجده ينطلق بالعربة. أحس بالجنون. "وأخدها فين ده؟ منك لله."
اندفع وركب عربته وانطلق وراءه. ليتوقف قلبه عندما... حسحس ابننا بقى حسحس الأبله 😁😁😁😁خليك كده لحد ماجيب قلبك فرافيت ماتتعدل يا حلوف بقى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!