تحميل رواية «أ أستحق هذا العذاب» PDF
بقلم ميفو السلطان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد قري الصعيد، حيث الجمال والخضرة والأصل العريق، حيث الرجولة والفخر بالأخلاق والعزوة. مشهد من بعيد، ضوء ينزل يسطع في أرض الله، ومن تحتها تتمختر حورية على جسر النهر اللامع كالفضة، والكل ينظر إليها كأنها نجمة هلت عليهم من السماء. خطوات تدق تعلن عن أنثى تلهب العقول. خطوة قدمها تهز من ينظر إليها ويهيم بالسحر التي تنثره على من حولها. الجمال يتجسد في خلق الرحمن، أعطى وأنزل الحسن عليها. حديث النجع بأكمله، الكل يعرف من هي، الكل يتمناها ويلبي فرائض الولاء، ولكنها أبداً عالية، لا تنزل من سمائها لأحد....
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل الأول 1 - بقلم ميفو السلطان
في أحد قري الصعيد، حيث الجمال والخضرة والأصل العريق، حيث الرجولة والفخر بالأخلاق والعزوة.
مشهد من بعيد، ضوء ينزل يسطع في أرض الله، ومن تحتها تتمختر حورية على جسر النهر اللامع كالفضة، والكل ينظر إليها كأنها نجمة هلت عليهم من السماء.
خطوات تدق تعلن عن أنثى تلهب العقول. خطوة قدمها تهز من ينظر إليها ويهيم بالسحر التي تنثره على من حولها. الجمال يتجسد في خلق الرحمن، أعطى وأنزل الحسن عليها.
حديث النجع بأكمله، الكل يعرف من هي، الكل يتمناها ويلبي فرائض الولاء، ولكنها أبداً عالية، لا تنزل من سمائها لأحد.
الشمس تخبو وتذهب، ولكنها أبداً لا يخبو جمالها من روعة حسن الرحمن. إنها قمر. قمر النجع بأكمله، وهي عن حق كالقمر يسطع في السماء.
قمر فتاة تملك من الجمال ما لم يملكه قريناتها. فتاة في السادسة عشر، تلبسها الحسن منذ الصغر، ليعلو ويعلو، تكبر وتظهر أنوثتها، تعمي العيون من روعتها. أنثى جمالاً وجسداً، ما أن تتهادى حتى يخر أمامها أعتى الرجال، ولكنها أبداً لا يصيبها سهم عيونهم.
كانت كلما كبرت، ينظر إليها الرجال كأنها أمنية يسعون لتحقيقها. كانوا يتهافتون عليها ويلقون بأنفسهم تحت أقدامها، فقط أن توافق أن تنظر إليهم. أتى من أثرياء النجع الكثير، وأتى إليها القاصي والداني، وألقوا تحت أقدامها الكثير، ولكن القمر في قلبه رفّة لم تأتِ بعد. رفّة القلب لمن يهواه القلب.
قمر لا تملك إلا أباها وأخاها. كان أبوها رجلاً يتمنى أن تتزوج قمر رجلاً ثرياً، وتجلب لهم المال من ذلك الجمال، فهم يتهافتون عليها. كان أبًا منغمسًا في دنيا، لا يتمنى إلا الدنيا، ولا يفكر إلا بجمال ابنته والرجال يحومون حولها، لتعلو أمانيه أن تأتي ابنته برجل ينتشلهم ويصعد بهم إلى عالم الثراء.
أما أخاها، فكان صالحًا كأخ، أنزل فيه رب العباد حنانًا غير عاضيًا، كأنه منارة لتلك القمر، أن يشدها من دنيا لو انساقَت فيها لتعبت وتعب قلبها وزال الخير من حياتها. أخ يحثها أن تختار ذو الدين والأخلاق، كلمة الله لها وسبيلها إلى الصلاح.
كانت تعشق أخاها، فهو حنون، لا يتركها لنفسها ولا لأبيها أبدًا، مثابر لا يمل ولا يكل في غزو تلك القمر بأخلاقه، وفوق الأخلاق يصب عليها الحنان صبًا. فالنفس أحيانًا تشرد من الحياة الدنيا، فقمر ابنة دنيا وجمالها يجلب لها من الدنيا الكثير. وأخاها ليس من هذه الدنيا، عيونه على رب العباد، فهو يعتبر قمر أمانته، لأن أباه شرد وبعد، وهو أبدًا لن يفرط في تلك الأمانة. لا يتركها تنغمس.
فكان هناك شقين أو نصفين، أبوها وصراعها معه لكي تحقق أمنيته، وكانت أحيانًا تستجيب له، فهي صغيرة والدنيا تشع أمامها، وهو يغرز بداخلها أفكارًا لكي تأخذ نصيبها، أن تكون هانم، تأمر فتطاع، وما تملكه من جمال يؤهلها أن تكون كذلك. أب لا يتكلم إلا عن الجمال وما يأتيه منه، الثراء فقط.
وهناك ذلك الحالم، ذلك الحاني، أخ ولا كأي أخ، يجلس معها بالساعات يرويها من حنانه ويلصقها به، كانا كروحين، يحاول أن ينزع من داخلها تلك النزعة التي يغرسها أبوها فيها، وكان دائم الشجار مع أبيه أن يربيها على الصلاح وأن تبحث عمن يصونها وليس المال والسلطان، فالمال لا يشتري القلوب. ولكن الأب أب دنيا ويرى في ابنته وسيلة سهلة لجلب المال والإغداق عليه بما يتمنى، فهي فعلاً كجوهرة غالية الثمن.
"خد يابا جبتلك الجراجيش اللي طلبتها."
هتف غاضبًا: "جراجيش؟ جايبالي جراجيش يا بت حمدان."
تنهدت: "ومالها الجراجيش بس؟"
قال غاضبًا: "فجر… دي فجر وحزن أسود. أنت يا بت مش واعية لحالك، جفشة في الفجر ليه بس؟ الكل هينجلط عليكي. منك لله، رايد استرك بجوازة كبيرة. أنت كبرتي يا بتي، البنت هنا بتتجوز أصغر منك."
تنهدت وقالت: "الصبر يا أبوي، الصبر. وإيه جوازة كبيرة دي؟ تبعني بكام؟"
نظر إليها غاضبًا. فضحكت: "بهزر معاك طيب."
قال مبتسمًا، يفكر في أحلامه: "نفسي تسيبي الشغل وتتستري. أنتِ متكلم عليكي ياما، وهيتجوزوكي بالفلوس والدهب يا بت. أوعي لحالك، جمر الحسن ده يجيب داغ أجدعها جدع."
اقترب مسعد أخوها: "إيه يا أبوي، سيبها لحالها. جمر هيجيلها اللي يتجوزها، بأخلاقه وطيبته."
هتف حمدان ساخطًا: "أهو ده اللي أنت شاطر فيه، تعصيه وخلاص. دا حزن أسود، إني عارف ماليش فرح، إني واصل."
قال مسعد: "أنت كل اللي في بالك فلوس وخلاص. افرض بهدلها، ما صانهاش؟"
صرخ أبيه: "ويبهدلها ليه؟ وهيا كيف الجمر دي تتبهدل؟ دي إني بتي تشتغل في مصنع الجمر دي، وإلا تقعد هانم كده."
هتف مسعد: "وماله شغل المصنع مش شريف؟"
صرخ الأب: "وفجران ها؟ فجران يا مسعد، ويهري جلبها ويدها."
قالت متأففة: "بطلو، كل مرة تتخانقوا."
فصرخ أبوها: "مانتِ ما بتعجليش. صاحب المصنع رايدك."
هتفت: "ماهو كبير يا أبوي، ومتجوز."
قال بغضب: "وماله؟ هيجبلك أكفوف دهب ودار لحالك، وهيكتبلك مليون جنيه. إني حاسس إني هنجلط."
صرخ مسعد: "داني أطلع روحها، عايز تبيع بتك؟ عايزها تقعد لراجل شايب يحسس عليها ويديها فلوس؟ يا مري، أنت إزاي كده؟"
صرخ أبوها: "مش هيبقي راجلها، أنت مالك؟ أنت بتتدخل ليه؟ جعدتك فجر، يمين الله."
هتف مسعد: "عشان خيتي وبحبها."
صرخ الأب: "واني إيه؟ بكرهها. إني رايدلها الخير."
هتف مسعد: "رايدلها الخير مع مين؟ مع الشايب ده؟ حرام عليك، بطل تحشي راسها. بتك طيبة وغلبانة، آه حلوة وجمر، بس طيبة، مالهاش في الحكر والمكر. عايزة اللي يصونها، ماتقعدش تدس سم الدنيا في راسها. كتر الزن بيجيب خراب."
هتف الأب: "أنت اللي هتخرب عليها، أنت اللي عايزها فجرانة."
قال مسعد: "لاه، إني عايزها مستورة بالحب، مش بالمال، براجل يصونها ويعيشها العمر كله في حنية."
اقترب الأب من ابنته: "ماتسمعيش ليه، هيخرب عليكي يا بت. اتخيلي كده، هانم تلبسي وتتستري، جمر كده في يدك الدهب أكفوف، ورقبتك متعبية برضك، تلبسي وتخدمي، هانم تقعد، ماحد ياذيكي ولا يجي عليكي، وينكب عليكي فلوس. ماتسمعيش ليه، أنت عيشي دنيتك."
تنهدت وقامت ودخلت حجرتها، وهتفت: "أقول إيه بس، ربنا يهديك يا أبوي."
كان يريد أن يزوجها ويستفيد، ولكن قلبها لم يدق بعد. لم تعرف أن توافق على ذلك الكم من الرجال الذين ينهالون على والدها. أحست أن ينقصها شيء، ولكن ما هو؟ لا تعلم.
وقفت أمام المرآة تنظر لنفسها وتستعرض جمالها، لتبتسم وتتذكر كلام أبيها عن الدهب والدنيا. تنهدت وتذكرت أخاها، فدق قلبها، فهو حزين. لتستدير مسرعة إليه.
دخلت على أخيها، فتنهد: "تعالي يا جلبي."
اقتربت واحتضنته: "ماتزعلش من أبوي."
نظر إليها بحب: "عارفة يا جمر، نفسي في راجل يصونك. راجل زين، لا بتاع فلوس ولا مناصب، راجل يبصلك يشوف جلبك. خلي بالك من نفسك يا جلبي، واصحك شيطانك يخليك تنصعري عالمال."
تنهدت: "ماهو المال برضك حلو يا أخوي. أنت الدنيا برضك لازملها شوية فرح."
قال بحنان، يربت على يديها: "الفرح بالجلب. الفرح بلمعة عين حبيب وشوجة ليكي. ما بجولكش ارفضي العرسان الغنية، بس عايزك تنجي اللي يسعد جلبك. اشار لقلبها، ده لو دج يا جمر، هفرح وأسلمك له بيدي."
اقتربت واحتضنته: "أنت الحنية يا أخوي. إني نفسي في حد زيك حنين وطيب، معشش عليا يا جلبي، من غيرك أتوه في الدنيا الصعرانة."
ابتسم لها ومسح على يدها: "خابر إنك طيبة، وربك هيبعتلك."
تنهدت وهتفت: "بجولك إيه يا مسعد؟ إني عندي فرح في طرف البلد، هلبس وأروح."
هتف: "طب، أجي أوصلك. الحتة هناك وعرة."
ضحكت: "ماتخافش، خيتك بميت راجل."
لبست هيا فستانًا، كانت جميلة، ولفت شعرها بطرحة من لون الفستان، فدخل عليها أبوها: "جمر يا بت حمدان، تروحي الفرح وتجيبي راجل من الكبار أكده."
تنهدت: "يا أبوي، هيحصل بس اصبر. بس أما ألاقي اللي جلبي يتعالج بيه."
هتف بغضب: "بطلي حزن، جلب إيه؟ الجلب بيجيب الفجر. وإياكي تتكلبشي في حد حزين، أموتك بيدي، ما يبقي عندي بت نار والعة، وأحدفها لأي سخماط. يا بت الفلوس حلوة، تخيلي كده، يجبلك أكفوف دهب وقصر كبير وخدم، تقعدي هانم. أنت هانم يا بت حمدان، والله حد يشوف الجمر ده وما يهينوش. طيب."
سرحت قليلاً في تلك الدنيا وابتسمت وتخيلت نفسها هانم تأمر فتطاع، فهي ما زالت طفلة والدنيا أمامها، حتى لو كانت طيبة القلب، فالإغراءات حولها كثيرة. تنهدت وتركته واتجهت للفرح.
كانت تقف وسط البنات أعلى الساحة، وهناك جمع من الرجال، كانت كلما مشت تأتي العيون عليها، فتغتر ولا تنظر إليهم. كانت تتوجه تتهادي هنا وهناك، والعيون تلتهمها أينما ذهبت. وهي كأنها منارة للنظر فقط، كان معروف عنها أنها لا تنظر لأحد.
وقفت هيا بالأعلى، كان هناك ساحة للحطابة، وبدأ الشباب يتصارعون.
خفق قلبها مرة واحدة، فقد ظهر شاب، هيبة له طلّة غير عادية، وجه رجولي خطف نظرها من أول طلّة، وسيم ذو شعر أسود وعيون كالليل، وجه يشع رجولة وجسد لم تراه لأحد. بدأ القلب يضخ، وكل ضخّة بدقة تعلو وتعلو. وضعت يدها على قلبها، همست: "جلبي بيدق بالجامد. مين ده؟"
سرحت به وتسمرت عيونها عليه، وخفقات القلب مدوية، إنه الحب من أول نظرة. خفق قلب القمر لذلك الشاب، خفق لأول مرة بعد أن سقط أمامها لا حصر لهم ولا عدد، ولكن القلب له رفّة، له توب، وقد أتى توب القمر ليلف القلب عن آخره ويخطفه من بين أضلعها ليحط تحت قدمي ذلك الفارس.
دخل الساحة بشموخ خاطفًا العيون، وسيم بشكل مهلك، لا يتسم بالجمال المعروف، وإنما الجمال الرجولي الطاغي الذي يخطف أنثاه. خط بداخل الساحة بخطوات قوية، وبكل خطوة يخطوها يدق قلبها ويسري في عروقها شرارات عجيبة، شرارات تخفق لها الوجدان. وهي عيونها لا تحيد، ويدها على قلبها تمسك صدرها، تحس أنه سيخرج من بين أضلعها. رفّة القمر حلت وحطت في قلب تلك الجميلة، أصابها ما أصابها من ذلك الذي منذ أول وهلة خطف قلبها.
بدأ في التحطيب وتوالى عليه الشباب، كان الأول، وكلما كسب دوره قفزت بسعادة وقلبها يصرخ لذلك الشاب. إلى أن أتى شاب آخر يبدو عليه القوة، وبدأ يبارزه ويدورا، وهيا ترتجف خوفًا عليه، وأثناء ما كان يحطب بعصاه، أتى الشاب وخبطه، فصرخت صرخة خلعت قلبها. هنا رفع رأسه ونظر إليها.
تاهت الدنيا وتلاشى البشر، عيون عيون الصقر خطفت فريستها، عيون خلعت القلب من مكانه وأصبح صريعًا. خفقات القلب تصل عنان السماء. كان صدرها يعلو يهبط، لتمسك قلبها، تحس أنه يطير إليه طيرًا. تاهت وتاهت، وأصبح هو وفقط، عيونه التي أسرتها، إنها شرارة الحب من أول لمحة أشعلت قلب تلك التي لا تبالي بأحد. أحست أنها ترتجف، فتلك العيون أسرت قلبها وخطفت روحها.
أما هو، فرغم الخبطة، إلا أنه رفع رأسه فوجد عيونًا كالسحر، عيونًا ليس لها وصف، تاه في تلك العيون ولم يشعر بمن حوله. حورية هبت عليه من السماء، وهيا ساهمة، لا تفعل شيئًا إلا أن تضع يدها على قلبها، وقلبها يصرخ. أحست بالجنون، أحست أنها تريد أن ترمي في أحضانه. هنا استفاق الشاب وعاد إلى وعيه وعاد إلى الحطابة وأنهى تلك الجولة وخرج من الساحة، وعيونها على ظهره واختفى، وهيا تجلس حزينة، فهو لم ينظر إليها مرة أخرى.
كانت قمر تعلم أنها جميلة، وعندها ثقة زائدة بنفسها، وأنها مطلب لأي رجل. ظلت جالسة تراقبه بعد أن اختفى لوهلة، وهو أبدا لم يرفع رأسه. ابتعدت وشعرت بالقهر. ظلت تأكل نفسها: "هو إيه؟ ماهيبصليش عاد؟ داني جمر اللي ماحد يطولها، هو فيه إيه؟"
ابتلعت ريقها: "ماتبص يا حزين، أنت عبيط؟ طب أعمل إيه دلوقتي؟ أنزل أتمختر جدامه؟" نهرت نفسها: "اختشي، بلا قلة حيا، أنت انخبلتي؟ هيجول بتلاغيه يا مري؟ بس إني جمر. عبيط إياك؟ دانا اللي يبصلي ينخبل. أعمل إيه؟"
فكري. هو قد تحرك ووقف تحت السور يكلم أحد الشباب، وهيا عيونها ستخرج عليه. لتمسك وشاحها ومعه محفظتها وترميه ليقع تحت قدمه، لينظر هو للأعلى، هو والشاب، لينزل الشاب الآخر مسرعًا، ويمسك المحفظة ويشير إليها سعيدًا. أما هو، فشاح بوجهه ومشي بعيدًا.
أحست بنار داخلها وغضب شديد، كيف يكون هكذا؟ كيف لا ينظر إليها وهي القمر؟ أتى الشاب إليها وأعطاها المحفظة، وهم أن يتكلم معها، ولكنها صدته وعادت تأكل روحها: "أقعد يا حزينة، أهو ما بصش حتى. وما يبصش ليه؟ ده ابن بارم ديله، ده يحمد ربنا إني عبرته. إيه الحزن ده؟ مافيش زيه. إياك بصلي ولا كني موجودة. انهبل ده. أعمل إيه دلوقتي؟ هموت محصورة. نفسي أنزل أهبده بحاجة. ماله متكبر كده؟ مايعرفش إني مين إياك؟ طب إيه؟ أقعد آكل حالي كده؟ أقوم أجهره وأتمشى جدامهم وأخلي الرجالة تنهبل؟"
نظرت لنفسها: "ماني حلوة أهه، واخد العجل. مابيبصليش ليه؟ طب أعمل إيه؟"
وجدت صديقتها تتكلم معه، فانتفضت: "هيا تعرفه منين؟ وبيتبسملها كده؟ دا ابتسامته تاخد العجل. حاسة إني هنهبل. دي أول مرة تحصل لي. انهبل على جدع أكده. فكري، فكري."
نزلت مسرعة واتجهت لصديقتها بدلال، وأعطته ظهرها حتى لا يقول أنها تنظر إليه، وهتفت سوسن: "كت عايزاكي تاجي معايا ننجط العروسة. إني خجلانة."
هتفت سوسن: "وماله، استني هكلم الجدع وأجيلك."
سمعت صوته: "لاه، روحي يا سوسن، وإني هبقى أكلمك بعدين. مش عايز أوخرك." واستدار وتركها ولم ينظر إليها.
أحست أنها ستذهب وتقتله. وقفت تنظر إلى ظهره بغل. فهتفت سوسن: "مالك يا جمر؟ بتاكلي روحك ليه كده؟"
نظرت إليها قمر، أرادت أن تسألها عليه، ولكنها تراجعت، فهي معروف عنها أنها لا تسأل عن أي شاب مهما كان. ذهبت مع صديقتها وجلست في وسط البنات، وهيا عقلها ذهب لذلك الشاب. "طب يبصلي؟ يسال؟ يجول مين دي؟ داني مابصدقو أجرب، بيقعدو يتنحنحو. يا مري، إني باكل حالي وهعض في الأرض دلوقتي. بت يا جمر، باينة عبيط. أه، عنده حاجة في عجلة؟ ماهو مافيش حد عملها قبل سابج."
ظلت تفكر لتنتفض: "يا مري، أكيد خاطب؟ وإلا بيحب؟" أحست بنغزة في قلبها: "جلبي هيموتني. بيحب؟ أيوه، ماهو ما بيبصليش، يبقي بيحب واحدة تاني. آه، بيحب. عينه مليانة بحرمته. آه، أكيد. زمانتها هتنهبل عليه. ماهو يشرح الجلب. دا جمر جوي وراجل. يا لهوي، يوم ما بص أبص على واحد مشبوك. جلبي انهرى. بيحبها طيب؟ شكلها إيه طيب؟ حلوة؟ أكيد حلوة، ماهو حلو جوي وعيونه جمر، طول وهيبة، جدع عن حج. أعمل إيه؟ أعرف منين؟ أسأل مين طيب؟ البت سوسن تعرفه. أسألها؟ هتروح تفضحني وتجول: جمر بتسأل على جدع على آخر الزمن. والبنات تعملني مجلة. طب إيه؟ أروح وراه أشوف منين طيب؟ وابقى أعدي جدام بيتهم. يا مري، إني هفضح حالي. إني وجعت ليه كده؟ أعدي إيه؟ عدي عليكي قطر، بت مفضوحة، مافيش حشا خالص."
سهمت: "طب أعمل إيه؟ لو روحت من غير ما أعرف هو مين، هنحصر. جومي يا حزينة، هو أهبل، أكيد. مافيش سبب تاني إنه ما يبصلكيش. مخبول؟ آه. جومي وانسى. جتك هم، يوم ما جلبك يدق، يدق لمخبول." تنهدت ونظرت عليه بحسرة. "يلا، ماليش تفرحي." قامت وهيا تغلي. "خلاص، جومي روحي، وعدي ليلتك الروبة."
قامت هيا وسلمت عالـبنات، وبينما هيا خارجة، وجدتـه يقف ومعه فتاة أخرى. هنا شاطت: "هو إيه؟ هو كل شوية زنق واحدة في مطرح؟ ماهو بتاع حريم أهه. ما بيجيش ليه يتنحنح عندي؟ هموت. مين دي؟ آه، كريمة. مرة كريمة ومرة سوسن. طب خلي التالتة لجمر. أعمل إيه؟ أروح أخبطه بحاجة؟"
وجدت جمعًا من الفتيات تمر، فاندفعت وانحشرت وسطهم، وأتت عنده وخبطته في كتفه. فابتعدت ونظرت إليه. نظرت إلى عيونه وابتسمت: "معلش، ما أخدتش بالي."
أحنى رأسه وهتف: "ولا يهمك، عادي." واستدار.
هنا أحست أنها ستخبطه بشيء، ستذهب وتقتله. "أروح أهبده بأيه؟ الحلوف ده. ده جاموسة، أقسم بالله، حاطت تبن في راسه. روحي، روحي. الحلوف ده ما يتبصلوش. روحي يا حزينة."
استدارت والڠضب ينهشها، وسارت بمفردها حزينة تفكر به. "مرة كريمة ومرة سوسن، وأنا أتحفله منديل؟ مافيش. أروح أتحدت جارة برضك. حلوف. أروح أتزنق وأخبطه؟ بهيمة، ما بيحسش. جك خابط. جمر بس حلوف، عبشك إيه ده؟ عملت اللي ما يتعمل. منك لله. داني جمر يا مخبول. جمر النجع كلو بيلفلف عليا أكده. محروجة يا ابن الجزمة. هموت. طب إيه؟ أقعد آكل حالي؟ هروح كيف وإني جلبي من شوفته ما عارفاش أنسي."
وإذا بأحد الشباب يعترضها: "كيفك يا جمر العالم؟"
قطبت جبينها وأكملت سيرها: "بخير يا واد عمي."
وترجلت، فوقف أمامها: "استنى بس، عايز أتحدت معاكي."
هتفت بغضب: "واني ما عايزاش أتحدت. خير يا رب."
هتف: "إني مرزوق يا جمر. عيلة ونسب، وكت رايد الحلال."
تنهدت: "معلش يا واد عمي، إني مابفكرش دلوقتي."
هتف: "ليه بس؟ أنتِ ستاشر سنة، كبرتي يا جمر. والبت هنا بتتجوز من وهما تلاتاشر واتناشر. ليه بس؟"
هتفت: "أما أخلص الدبلوم، يا مرزوق. مش هبطل العلام، وجايز أخش المعهد كمان."
نظر بلين: "طب وماله؟ خشي في بيت راجلك. إيه المشكلة؟ والله هتجلك بالمال، واجبلك كفوف دهب."
أحست بالضيق، فهي لا تريد إلا من دق له قلبها. هتفت: "مال إيه؟ إني مش بتاعة مال. ومن فضلك بقه، بكفيانا أكده. الناس تجول إيه؟ ونجف في وسط الغيطان. ما يصحش."
هتف: "يعني واجف أعيب؟ إني واجف مستنيكي، لاجل تتراضي. جمر، إني بحبك ورايدك بالجوي."
تنهدت: "إني لازم أمشي."
إلا أنه وقف أمامها: "مش قبل ما تديني عِجاد. بجولك رايدك."
هتفت: "واني مش رايداك، بعد بقه."
هتف: "هجبلك مهر يامه، ودهبات."
تنهدت: "بطل بقه."
هنا اقترب غاضبًا: "يبقي أكيد معلجة مع حد."
شدت يدها: "عيب أكده، بعد واختشم."
مسك يدها وهتف: "ماهبعدش، إني رايدك. وبجولالك، حد تاني يخش سكة، هسود عيشتك."
هنا صرخت: "بعد يا مخبول أنت."
لوي ذراعها، فصرخت. هنا سمع صوتًا جهوريًا يقول: "نجاتي هيخبط من أول بارت. هييييه بقه يا عيال."
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل الثاني 2 - بقلم ميفو السلطان
كان مرزوق يلوي ذراع قمر فسمع صوتاً:
"أظن اللي يتجبر على حرمة ما يبقاش راجل، ولا إيه؟"
اتشلت مكانها، فنبرة الصوت جعلت قلبها يرجف. نظرت، ووجدت من خطف قلبها يقف غاضباً بهيئته الرجولية. تسارعت دقاتها ونظرت إليه ساهمة.
هنا انفعل مرزوق:
"مالك؟ أنت اتجبرت ولا اتسخمط؟ خليك في حالك، إني عارفها."
نظر جبل إليها ورفع حاجبيه:
"تعرفيه يا ست البنات؟"
اندفعت وضړبته وصړخت:
"أعرفك منين يا محروجة!"
هتف الشاب:
"هتكلم عليكي يبقى تكتمي."
دفعته:
"كتمي لما تكتمك يا بعيد! ماتتكلم وإلا تتسخمط! إني مش موافقة. إيه قلة الأدب دي؟ هو عافية يا جدع إنت؟ إنت ماتعرفش قمر ولا إيه؟ بعد وإلا أخلي اللي ما يشتري يتفرج عليك."
هتف هو:
"أظن الحرمة جالتلك اللي فيها، ماهياش عافية يا ابن الناس."
هتف مرزوق:
"برضك خليك في حالك، وبعد أحسن لك."
هتف هو ساخراً وربع يديه:
"وعلى صفحة حكايات ميفو... وإن ما بعدتش هتعمل إيه؟"
هتف مرزوق:
"هعرفك مقامك."
هتف هو:
"طب ماتعرفني؟ جايز ما أعرفش."
واقترب ومسك يد قمر وشدها خلفه، فكلبشت فيه.
هتف مرزوق:
"اتجي شړّي أحسن لك، إنت مش جدي، فاهم؟"
ضحك:
"ومش جدك؟ كيف تكونش عجوز شايب وسنك كبير ومخبول؟ إن كان أكده ماشي."
هنا هتف مرزوق غاضباً:
"يبقى إنت اللي جبته لروحك."
وهجم عليه، وبدأ الشابان يتصارعان، وهي تبكي بقهر وتخاف عليه بشدة. فتح مرزوق أحد المطاوي، ففارت عيناها:
"لاه لاه منك لله! بعد سيبه."
خبطه مرزوق على يده فصرخت، إلا أنه هجم عليه وأنهال عليه ضرباً رغم إصابته، إلى أن أُغمي عليه.
وقف هو ينهج بشدة.
فاقتربت دامعة:
"إنت كويس؟"
نظر إليها بغضب:
"إنت وقفتي في الغيط ليه؟ لو ما كنتي واقفة ما كانش ده كله حصل! مخبول أنتِ."
أحست بغضب، فهتفت:
"إني ما وقفتش، إني كنت ماشية. هو اللي قليل الحيا."
صرخ:
"ماهو لما يلاقي واحدة زي الجمر ماشية لوحدها ماهيسيبهاش."
كانت غاضبة، فابتسمت دون وعي.
"البت فطست من كلمة."
همست:
"شايفني جمر؟ إني السحاحات اشتغلت يا عيال."
تنهدت وهمست بلين:
"طب إني ماليش صالح، هو اللي سو."
كانت تنظر إليه ببراءة.
فزفر بضيق:
"آخر مرة تمشي لوحدك أكده، فاهمة؟"
هزت رأسها.
نظر إلى يديه، فاندفعت ومسكت يده:
"اتعورت جامد، إنت حجك عليا."
تنهد وهتف:
"خلاص، حصل خير."
هتفت:
"لاه، استني."
فتحت شنطتها وأخرجت منديلاً ولفّت به يده، وظلت تلفه بعناية وحنان، ثم ربطته ونظرت إليه بحنان:
"حاسس بۏجع دلوك؟"
ابتسم، فهي جميلة. لتبتسم إليه ابتسامة بلهاء.
همس:
"خلاص، بقت زينة."
اندفعت:
"يا رب دايماً."
تنهد وظل ينظر إليها. فهمست:
"طب ممكن يعني توصلني؟"
نظر إليها ولم ينطق. أحست بالخجل، فهمست:
"خلاص، ماتحملش همي."
واستدارت حزينة تمشي. إذا به يمشي بجوارها من سكات. ابتسمت واستدارت:
"إني جمر، وإنت؟"
"بت واقعة."
ابتسم وهتف:
"إني جبل."
رفعت حاجبيها:
"جبل؟ اسم غريب جوي."
ضحك:
"آه، حظي. أبوي ملوش غيري في الدنيا، سماني أكده عشان مالناش حد واصل."
همست:
"إنت من أهنه، من البلد؟"
هتف:
"أيوه، من على طرف البلد، بيتنا أهناك."
هتفت:
"عند الترعة الشرجية."
هتف:
"تعرفيها."
قالت:
"أيوه، إني بشتغل في مصنع الأغذية اللي هناك."
هتف:
"إنت متعلمة."
هتفت:
"أيوه، معاي دبلوم، آخر سنة وهخلص وأقدم في المعهد."
هتف:
"معهد إيه؟"
هتفت:
"معهد السكرتارية أو معهد المحاسبة. إني نفسي أكمل علامي، وإنت؟"
قال:
"إني خريج تجارة."
هتفت:
"بتشتغل؟"
هتف:
"بلقط رزقي، الله المعين."
هتفت:
"بتاجر يعني؟ عندك تجارة؟"
ضحك:
"لاه، تجارة إيه؟ مش للدرجة دي. بجيب حاجات أكده، والله بيرزق. بتكفيني إني وأمي، وخلاص. هنعوز إيه تاني؟"
هتفت:
"يعني تتجوز؟ مانا شفتك واقف مع كذا حد يعني."
ابتسم:
"إيه ده؟ شفتيني إني؟"
هتفت مندفعة:
"أيوه، كت واقف مع سوسن وكريمة، شفتك إني والله."
"يا بت يا بت، بتضحك؟"
"لاه، دول معرفة من بعيد."
هتفت بلهفة:
"يعني مش معاهم خالص؟"
قطب جبينه، فخجلت:
"يعني، بتكلم على حد يعني؟"
"يا بت، عيب بقى."
ابتسم وهتف:
"طب بتسألي ليه؟ يهمك ده."
اندفعت:
"أيوه، يهمني والله. أجصد يعني، يعني إنت ساعدتني، واني يهمني تسعد."
ابتسم:
"لاه، اطمني. إني مش مع حد."
تنهدت براحة وهتفت:
"خالي يعني."
ضحك:
"أيوه، خالي على الآخر."
همست:
"يعني مش مع كريمة ولا سوسن خالص؟"
ابتسم:
"لاه، مش معاهم خالص."
تنهدت ووضعت يدها على قلبها سعيدة، وسارت. كانت تسير ببطء لا تريد أن تصل.
هتفت:
"ما تجرب تشتغل معانا في المصنع، طالبين موظفين."
هتف:
"لاه، إني راجل حر، طيار. مابحبش الكلبشة واصل. إني بخطط أتاجر، ربنا يرزق."
هتفت:
"يا رب يرزقك ويطعمك ويعليك، قادر يا كريم."
تنهد ونظر إليها وهي تشع حناناً، فهمس:
"إنت حلوة جوي، على فكرة."
ابتسمت بسعادة واحمرت خجلاً:
"صوح، والنبي؟ إنت شايفني حلوة؟"
ضحك:
"أي حد يشوفك حلوة. الأعمى بس اللي ما يشوفش."
هتفت:
"لاه، إنت شايفني حلوة."
ابتسم وهتف:
"يهمك يعني أقول؟"
هتفت:
"هاه، يهمني. أه، هاه. لاه، يعني بحب أعرف وبس."
هتف:
"إني شايفك جمر، منور."
أحست بالسعادة وأنها ستطير فرحاً، فتعثرت من ارتباكها. فاندفع ومسكها وشدها إليه، لتضع يدها على صدره ودقات قلبها تصل عنان السماء. ظلت ساهمة، وهو أيضاً لوهلة، فارتبكت. فهمس بلين:
"إنت زينة."
نظرت إليه بحنان خلع قلبه، وهمست بخجل:
"تسلم يا واد عمي."
"طب ما عتي تمشي لحالك؟ هاتي رجلك يوصلك."
اندفعت:
"ماليش راجل إني، خالي والله، مش مع حد."
"مسخرة، أقسم بالله."
ابتسم وهتف:
"طب أخوكي طيب؟ ما فيش."
همست:
"هاه، أه، أه. هو كان هييجي بس إني جولت بلاش، ما يتعبش."
نظر إليها نظرة حنان:
"لاه، إزاي يتعب ويتعب؟ ماينفعش. الجمر يمشي لحاله، الواغش هيتلم عليه."
وقفت هي، قلبها يغلي:
"شايفني جمر؟ ھموت أقول له إيه دلوك؟ ما عايزش أروح في ليلتي."
تنهد ووصل إلى آخر الأراضي:
"وصلنا النور أهه، والدنيا تمام. تعرفي تروحي؟"
كانت لا تريد أن تتركه، ولكن عنده حق. فهمست حزينة:
"آه، أعرف. كتر خيرك، جميلك ده ما أنساهوش."
هتف:
"طب تليفونك معاكي؟"
هتفت:
"أيوه، ليه؟"
هتف:
"اطمن تروحي. أخاف الواغش ده ييجي يقفلك."
أسرعت وأعطته تليفونها، وقلبها يطير فرحاً:
"أهه، خده. خده. أحدفيه في صدرك."
ابتسم وأخذه ورن على نفسه، فهمس:
"بس توصلي، أبعت رسالة، مش مهم تتكلمي عشان ما أضايقكيش."
ابتسمت:
"لاه، تضايجني إيه؟ ما تضايجنيش بعد ده كله. حاضر، هروح وأكلمك."
نظرت إليه وملست على يده:
"تروح تدهنها وتطهرها، ماشي."
ابتسم، فأكملت:
"تجيب ميه ومطهر من الصيدلية، هاه."
ابتسم:
"لاه، مش مستاهلة."
أحست بقلبها يدق:
"إيه ده؟ لاه، بتجول إيه؟ إنت..."
لتلمح صيدلية من بعيد، فهمست:
"طب استني دقيقة."
واندفعت إلى المكان وحضرت مطهراً وشاشاً وعادت. لمحت أحد الجدران، اتجهت إليه ووضعت الحاجة ومسكت يده تفك المنديل.
هتف:
"مش مستاهلة، بطلي."
نظرت إليه نظرة جعلته لا ينطق، هامسة:
"سيبهالي طيب."
تنهد وبدأت هي تداويه، وهو يراقبها. كانت فاتنة، تأخذ العقل. أنهت:
"هتبقي زينة إن شاء الله."
همت أن تأخذ منديله. أمسكها، فرجف قلبها:
"أخذ المنديل ولفه فوق لفتها، هامساً: "حليها أكده أحسن."
همست هيا:
"اللي تشوفه."
"طب، طب، همشي بقى، ماشي."
ابتسم، فهتفت:
"همشي بقى عشان اتوخرت. عايز حاجة؟"
هز رأسه. فهمست:
"طب، فوتك بعافية. خلي بالك منك، ماشي."
استدارت سعيدة، وهو يقف ينظر في أثرها مبتسماً، وهي كل حين تتلفت خلفها.
"يا بت هتنكفي على وشك. البت هتنهبل. تنهد وابتسم وقلبه يدق خفقات غريبة. لأول مرة يدق قلب الجبل. فجبل شاب ليس له في المزاح أو المعرفة، كان يحترم نفسه وأهله، شخص ذو أخلاق عالية. كل همه أن يعلو ويصبح ذو مكانة. كان شاباً بسيطاً يمتلك أرضاً على أطراف البلد، لم تكن كبيرة ولكنها تكفي الحال، ولهم بيت بجواره صغير من الطين، وهو يحاول أن يدخل في مجال التجارة ويعافر، لعله يصل يوماً إلى ما يصبو إليه. فأمنية حياته أن يكون ذا شأن، فلا يدير بالاً لأحد، ولا يجعل أحداً يبعده عن هدفه."
ذهبت قمر سعيدة وقلبها يخفق بشدة. دخلت البيت من سكات ودخلت حجرتها وظلت تدور بسعادة:
"جبل، اسمه جبل، وهو هيبته هيبة الجبل. جمر وعيونه جمرين. والا كلامه وعجلة قلبي هيجف. طب إني عايزة أكلمه وأعرفه. أعمل إيه؟ جايز يحبني وياجي يخطبني. تنهدت: بس أبوي مش هيوافق. شكله فجران زيي. أعمل إيه؟ هزت رأسها: إنت يا بت مخبولة، بتنطي مراحل. وحزن خطوبة إيه؟ إنت مش في باله أساساً. الواد بيكلمك عادي. منك لله، وإنت عيونك هتخرج عليه. طب إيه؟ جلبي مادقش أكده؟ جبل سابق. يالهوي، باينة العشق والا إيه. خلعت ملابسها وجلست على الفراش ساهمة. جبل، جبلي، أيوه أدلعه، جبلي بتاعي. جمري طول بعرض، بهيبة جلبي. يا واد هيفط جمر وهو جمر. راجل يفرح، أيوه هو ده، ما فيش غيره."
تنهدت وظلت ساهمة تردد اسمه كالمجذوبة. هبت:
"أتكلمه؟ هو مستننيني؟"
قامت ومسكت تليفونها:
"أكلمه أقول له إني وصلت؟ أيوه، هو قال كلميني."
تنهدت:
"ما قالش كلميني يا بهيمة، قال ابعتي رسالة. ما عايزش يكلمني شكله."
جلست تأكل حالها. أبعت رسالة وخلاص، والا أتصل؟ جايز يكلمني هو. ظلت ساعة تأكل نفسها، ولكنها لم تحتمل، فاندفعت واتصلت به.
كان هو عند أحد أصدقائه، فنظر إلى التليفون، وقفل. شعرت بقهر:
"يا مري، دا قفل في وشي؟ يا جهرتي! إيه قلة القيمة دي؟"
جلست مقهورة:
"طب ليه مش قال إني جمر؟ مابيكلمنيش ليه؟"
جلست حزينة:
"طب أبعت له رسالة أسأله على يده؟"
نهرت نفسها بقهر:
"اتلمي يا بت حمدان، هتلفي تلفلفي عالرجالة خلاص؟ إيه؟ راجل وراح يغور بقه؟"
وقامت مقهورة، وقفت تليفونها واتجهت للفراش، وظلت تفكر فيه حتى وقت متأخر ونامت.
استيقظت في الصباح، كانت عيناها ذابلة من السهر والحزن. وقامت وأعدت الفطار لأخيها قبل أن يذهب لعمله.
اقترب منها وهتف:
"كت عايز أفرحك."
هتفت:
"خير يا جلبي؟"
هتف:
"إني فيه بت رايدها، طيبة جوي وحنينة."
نظرت إليه بحب:
"صحيح؟ يا مسعد، مين دي؟"
هتف:
"منال بت إبراهيم الشرجاوي، عرفاها؟"
قطبت قمر:
"أيوه، عارفاها. بت عسلية وطيبة ومؤدبة."
هتف:
"كلمت أبوي صحيح. مسك في رجبتي، بس أهو وافق. وهنروح نتكلم، وكلها شوية وأجيبها الدار أهنه."
نظرت إليه بحب:
"تنور يا جلبي. بص، إني هسيب لك مجعدي وأنام بره عالكنبة."
هتف:
"لاه، بتجولي إيه؟ إنتِ. إني بفكر أبني فوق. بس ما خبرش، ما عيش. بس معايا مصاريف للجواز والفرش."
هتفت:
"إني هنام مع أبوك. صحيح هيسود عيشتي، بس أهه عشان جلبي ينسعد. مالدار مجعدين؟ إنت واحد، وإني وأبوي واحد."
احتضنها:
"ربنا يخليكي ليا يا جلبي. ما أعرفش أعمل لك إيه."
هتفت:
"تعملي؟ إنت بتعمل الحلو كله. إنت حياتي يا مسعد. ما بعرفش حنية إلا إنت يا جلبي."
ابتسم وهتف:
"ربنا يسعدك وتلاقي اللي يفرح جلبك."
تنهدت وسهمت في ذلك الذي أخذ عقلها، وهمست:
"إنت بتحب منال يا مسعد؟"
ابتسم وهتف:
"ماني هتجوزها عشان كده."
تنهدت:
"وعرفت كيف إنك بتحبها."
هتف:
"من ساعة شوفتها، حلبي دج يا جمر، كيف البل. وما كنت عارف أشيل عيوني من عليها. عايز أجعد جارها وما أسيبهاش ليلي ونهاري. هنهبل وبفكر فيها."
تنهدت بۏجع:
"ربنا يسعدك يا جلبي."
اقترب ومسك يدها:
"ويسعدك يا غالية."
"عارفة يا جمر، جلبك ده لو دج، هيشبع دنيا. أه والله، ما يبقاش عايز حاجة من دنيته إلا اللي جلبك حط عليه ودج له. ربنا يسعدك وأشوفك عروسة."
تنهدت:
"يا رب يا مسعد."
ذهبت هيا إلى المصنع. كانت تعمل من الصباح حتى المساء. أنهت عملها وتركت صديقاتها ومشت ساهمة سرحانة، لم تحس بالعربة التي أتت من خلفها، لتنتفض عندما شدها أحدهم ينقذها من العربة، لتضع يدها على صدره وتنظر إليه. سهمت في عيونه، ورجف قلبها، فلم يكن إلا عيون الجبل الصافية. ظلت لا تتحرك، تسمع دقات قلبها كأنها مراجل. إلا أنها عادت لنفسها وابتعدت.
فهتف:
"إيه ده؟ هو إني كل أما أجيلك أحوش عنك نصيبة؟ يا بت الناس."
هنا اشتعلت وتذكرت عندما قفل تليفونه على اتصالها.
فهتفت:
"ما تبقاش بعد كده تنقذني يا ابن الناس. ابقي سيبني، شاله نصيبة تشيلني."
واستدارت غاضبة.
بهت من غضبها. اندفع ووقف أمامها:
"إيه؟ فيه إيه؟ مالك غضبانه أكده؟ إني ضايجتك في حاجة؟"
هتفت:
"ولا تضايجني ولا أضايجك بعد. عشان أغور من أهنه."
هتف:
"مالك حزنانة أكده؟ فيه إيه؟ كت رايحة امبارح."
اشتعلت وهتفت:
"مالك إنت؟ أروح ولا أولع؟ مالك؟ دا حزن إيه ده؟ بعد، بجولك."
مسك يدها:
"صوتك ما تعليهوش، وجولي فيكِ إيه؟ عيونك امبارح كت حاجة تانية. فيه إيه؟"
دفعته:
"مالها عيوني يا جدع إنت؟ وسع بجولك."
هتف:
"عيونك امبارح كت تخلع الجلب، كت حنينة وجمر، كت بتجول حاجات."
نظرت إليه غاضبة:
"نعم؟ بتجول؟ طب وسع بدل ما أجولك حاجات تزعلك."
تنهد:
"طب عملت لك إيه؟ فورك أكده."
هتفت بحرقة، كانت تريد أن تصرخ فيه، فهي لم تنم ليلتها وكانت تفكر به بجنون:
"عملت، عملت. ما عملتش بعد، بجولك."
اندفع ووقف أمامها ومسك يدها:
"ما تهتميش. اجفي، كلميني."
نظرت إليه بحرقة:
"عيب أكده، وسع بقى، ما هجفش إني، وسع. ما بجفش مع حد."
هتف:
"إني مش أي حد، إني جبل، واقف. مالك بس؟ إنت اتبدلتِ كتي. عسلية وعيونك بتطلع نارها."
اشتعلت:
"عارف، عارف. إني دلوقتي هطلع نار تولع فيك بعد، بجولك."
نظر إليها نظرة رجف قلبها:
"ماهي ولعت، واللي كان كانت."
تنهد:
"يعني ده الحج عليا؟ كت هتنخبط، مكانك وامبارح اتعورت مكانك. ده جزاتي."
تنهدت بقهر:
"ماني جلت لك شكراً، وتاني أهو بجولك. كتر خيرك. أشوفك على خير. وسع."
همس بحنان:
"مش عايز أوسع إلا أما أشوف عيونك رايحة زي امبارح."
دمعت عيناها ونظرت إليه بحنان. ابتسم لها ابتسامة ساحرة، فسهم لفترة. اقترب وهمس:
"أهو راجت. مالك بقه؟"
نزل بوجهه قريب من وجهها:
"عيون الجمر توجع ليه؟"
ابتلعت ريقها وأدارت عيونها وهمست:
"ما فيش. عايزة أمشي."
همس بحنان:
"طب ليه زعلانة ودبلانة؟ شوفي حتى يدي موجوعة أهه، تسيبيني أكده؟"
نظرت إليه بحنان وۏجع:
"بتوجعك يا جبل؟"
تنهد:
"إيه في الجمال؟ ماهو منديلك عليها، مخليها طايبة، والله منديلك ملس عليها تمليس. طول الليل بشم فيه، لما ليلتي كت تاخد العجل."
نظرت إليه دامعة، فهمس:
"يا مري، ليه أكده؟ جلبي يا بت الناس."
أكمل بلين:
"يعني إني جاي مخصوص أطمن عليكي؟ تجومي تجهريني أكده؟"
نظرت إليه غير مصدقة:
"أي والله، جاي أشوفك. وأطمن، والله."
همست بلين:
"في ثانية طارت. يا بت يا مفضوحة."
"بطل. إنت بتكدب؟ إني كلمتك امبارح وانت جفلت في وشي."
اشتعلت مرة أخرى:
"نظرت إليه غاضبة. بتجفل ليه؟ إنت مش انت اللي جولت كلميني؟ ليكون عندك فكر إني عايزة أكلمك والا أطاردك؟ إني جمر يا أستاذ، لا بكلم حد ولا بلفلف على حد."
واستدارت مشتعلة.
فهمس:
"يا جماله. دا جمر جوي. ماشفتش أكده. كت مستخبيالي فين يا بت الجنية؟"
فاندفع ووقف أمامها:
"طب أهدي، هجولك."
صرخت:
"ما تجولش! بتجفل ليه؟ إنت عليا؟ كت واقعة فيك والا بطاردك؟"
ابتسم:
"دا يوم المنى. داني كت بنهبل. بس والله أهدي. إني كت مع أصحابي وما جدرتش أتكلم. هيعملوني مجلة."
هتفت قاطبة:
"مجلة ليه إن شاء الله؟"
همس:
"ماني كت هتكلم معاكي وهنفضح، ويدوروا يجولوا عليا بصاجات."
هتفت:
"ليه يعني؟ اتكلم عادي."
ابتسم ونظر إليها نظرة أخجلتها:
"لاه، مش عادي. دا الحس بيلين، والصوت بينعم، والعيون بتطلع نارها ڠصب، والله."
نظرت إليه ببلاهة. البنت سرقت، باين.
فهمس:
"وكمان اتصلت بيكي. تليفونك كان مقفول."
ظلت ساهمة، فقالت بلين:
"صوح، والنبي اتصلت؟ هييه بقى."
همس:
"وحياة الجمر، اتصلت يجي ست سبع مرات. وكل مرة ألاقيها مقفولة. انجبرت وجفلت. وما نمتش من امبارح، وانهاردة جولت لازم آجي أطمن. لاجيتك غضبانه. ما خبرش بيه."
تنهدت وهمست:
"لاه، خلاص مش غضبانه."
"غضب إيه ده؟ دا إحنا مصدقنا."
ابتسم وهتف:
"طب كت غضبانه عشان جفلت عليكي."
هزت رأسها بخجل. همس:
"والله ڠصب عني."
تنهدت وهمست:
"خلاص، طيب. أهو زعل وراح لحاله."
هتف وعيونه تأكلها:
"مش أكده؟ راح لحاله، صوح؟"
تنهدت واحمرت خجلاً:
"أه، راح."
همس:
"طب بصيلي طيب. هو إني جربان؟ مابتصيش ليه؟"
نظرت إليه وانسابت مشاعرها. فهمس:
"إني ماشفتش جمر أكده في حياتي."
نظرت إليه بخجل:
"إني جمر يا..."
همس مندفعاً:
"بدر منور، يخطف العين ويهبله."
رجف قلبها، فهمس:
"بس ما جلتش يا إيه؟"
همست بخجل:
"يا جبل."
تنهد وسهم في جمالها، فهو لم ينم ليلته يفكر فيها.
"اسمي من حلاوته طالع منك، يخبل الجبل. من تم الجمر ياخد العجل."
همست:
"بتلاغيني إياك؟ بطل."
"يا بت عيب. دانت ما صدقته."
هتف:
"الاغني إيه بس؟ دانت فلجة جمر. تمشي أكده العيون تتجنن عليكي. منين ما تخطي، العالم تتلوح."
تذكرت هيا وقت الفرح، وقطبت جبينها وهتفت:
"طب إني هروح بقى."
هتف:
"طب ليه؟ إني هوصلك. إحنا عالزراعية."
هتفت:
"لاه، ما ضيجكش. إني مابحبش أفرض نفسي على حد."
هتف:
"ومين جالي إنك فارضة نفسك؟"
هتفت:
"إنت شكلك بيجول."
رفع حاجبيه:
"إني؟ إني؟ والله ما هوصل. إنت بتجولي إيه؟"
هتفت:
"يعني صوح، رايد تمشي جاري؟"
ابتسم:
"دانتي اللي يمشي جارك ينهبل."
نظرت إليه غير مصدقة، فهتفت:
"إنت ملبوس يا جبل؟"
قطب جبينه:
"ليه بتجولي أكده؟"
خجلت ولم تنطق، واستدارت:
"همشي إني. ما همشيش معاك."
مسكها:
"يا بت، إنت هبلة؟ بجولك رايد أمشي معاكي. ما هقدرش أسيبك."
"سيبيني أمشي جارك، شالله غلياني يهدي هبابه."
هنا اندفعت غاضبة، والغيظ يأكلها، وتذكرت جنونها عليه وعدم اهتمامه بها، وقالت:
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل الثالث 3 - بقلم ميفو السلطان
كانت قمر غاضبة لأنه لم يعرها اهتمامًا بالأمس، فهتفت:
"رايد تمشي معاي؟ انت بتكدب ليه؟ انت وامبارح ما بصيتش عليا بصة واحدة ولا تعرف شكلي إيه؟ فاكرني هبلة؟ اياك بعد!"
وتركته لتمشي. ابتسم واندفع يقف أمامها:
"قصدك لما كنتِ لابسة فستان وردي منقوش قلوب بيضة وحاطة حزام أبيض ولابسة كعب عالي أبيض وشنطتك كت بيضة بسلسلة من جنب فيها دلايات قلوب بامبي وشعرك كان فيه فراشة بيضة محطوطة على جلب وردي؟"
تسمرت مكانها وخفق قلبها، فهو ذكر تفاصيلها بدقة. نظرت إليه مصعوقة. ابتسم واقترب وقال بهيام:
"مين اللي قال إنّي ما فرزتش الجمر من تحته؟ لفوجه من ساعة ما عيونه جت في عيوني، من ساعة ما توهنا عن الدنيا، من ساعة ما كنت تحت باصص لفوق على نجمة عالية في السما. شفتها بتطلع نور ونار دخلت على قلبي هرّتني."
كانت تشعر بقلبها يصرخ بشدة من كلامه. فشـهقت عندما أخرج من جيبه المنديل الذي ألقته بجواره:
"مش ده بتاعك برضه؟"
كانت لا تنطق.
"من ساعتها على قلبي بشم فيه زي المجذوب."
ارتبكت بشدة وأحست بالخجل. اندفعت تمشي:
"إنّي إنّي ماشية."
واندفعت هاربة. فاندفع ووقف أمامها مرة أخرى:
"إيه؟ ما صدقتش إنّي شفت؟ وشوفت وشوفت؟"
همست بخجل:
"يعني إنت ما بصيتش؟ يعني ما أخذتش بالي؟ ولا شوفتك بتبص؟"
ضحك:
"بس إني بقى خدت وخدت. إني لما بشوف جوهرة بتبرّج كده لازم أدجّج لما أجيب جرارها، لؤلؤة بتضوي خلعت عيني وخلعت قلبي."
نظرت إليه بخجل:
"يا سلام، بطل، إيه ده؟ عارفني يعني؟"
هتف مسرعًا:
"مش انتِ جمر النجع وأبوكِ حمدان وخيك اسمه مسعد وساكنين في طرف البلد التاني؟"
شهقت ونظرت إليه، فضحك. همست:
"إنت كيف أكده؟"
ضحك:
"إني اللي يدخل عيوني ما يخرجش إلا وأنا عارف عنه كل حاجة."
هتفت:
"تدخل عيوني؟ إني؟ مين؟ بطل كلامك ده، إني مش هبلة."
ضحك:
"لأ، طيبة وهبلة وجمر وتاخدي العجل."
هتفت قاطعة:
"انت ما بينتش حاجة امبارح واصل، وإني قعدت أبص عليك و..."
ثم سكتت مرة واحدة بخجل.
اقترب ورفع رأسها ونظر إليها بهيام:
"قعدتي تبصي عليا وأنا قاعد، وتحت هموت وأبص عليكي. وجيتي خبطيني لما كريمة كانت معايا، وجيتي كلمتيني لما سوسن كانت جاري، وعيونك ما فارقتش راسي."
قطبت جبينها وأحست بالخجل:
"مين قال أكده؟ انت بتجول أي كلام."
ابتسم:
"أصل جمر عيونها ما بتجيش على حد واصل، ولما حسيت إنك بتبصي عليا جولت يا واد البت هتبص وتمشي، يبقى نخليها تبص وتبص وتدور، وأخطف عينيها اللي كنت انجرحت لو بصيتي ومشيتي."
احمرت خجلاً وهمست:
"يعني هبص عادي، ماني ببص على الكل."
اقترب ونظر في عينيها:
"المعروف إن جمر ما بتبصش على حد واصل مهما كان. وعدي عليكِ كبارات فرشوا لك الأرض حرير، ولا بصيتيش. وإني خابر وعارف، بس إني نمت مهبول إني نولت شرف عيوني وهي بتدور عليا، عشان كده ما بصيتش."
هتفت مغتاظة:
"يعني كنت بتلاعبني؟ انت مغرور جوي."
ضحك:
"لأ مش مغرور. إني واعي إنّي لو انحدفت عليكي زي باقي الرجالة ما هيهمكيش. أمشي ألفّ عليكي، هنزل من عينك ساعتها انجرح جرح والحسرة تكلبش في قلبي. كان لازم أتجل عشان أوجع الجمر."
هتفت:
"مين دي اللي توجعها؟ بطل بطل."
ضحك وهتف:
"طب بصي في عيوني وجولي إن عيونك ما شبكتش عيوني من أول لحظة."
"لحظة صراخك وأنا بحطب ونظرة الخوف في عيونك. لحظة ما حسيت إن الدنيا راحت وما فيش إلا أنا وأنت وبس."
"جبل؟"
"جمر… عارفة لحظتها توهت عن الدنيا، لو كان الواد فلجني نصين ما أحس. دا الجمر عيونه نادتني وخطفتني."
همست بخجل:
"لأ، ما فيش أكده."
نظر إليها بهيام:
"طب صرختي ليه عليا وحطيتي إيدك على قلبك كنه مخلوع؟ جولي."
"مش خوف ده؟ صرخة القلب بتطلع لحالها، وأنت قلبك خلاص طلع، ما عادش جواتك، بقى عندي كله."
همست بلين من كلامه:
"جبل؟"
هتف بلين وعيونه تشع مشاعر:
"عيون الجبل."
ظلت ساهمة، فانتفضت:
"بطل تجول أكده، عيب. إنبي إيه يا بت، دانت مفضوحة قوي."
"اقترب وهمس: "أبطل إزاي وأنت تاخدي العجل كده؟"
خجلاً بشدة وهمست:
"إني إنّي ماشية."
هتف:
"طب هشوفك كل يوم؟"
هتفت:
"ليه؟ بطل، ما ينفعش، ما بمشيش أنا مع حد."
ضحك ثم قال بجدية:
"إني مش أي حد. بس برضه بطمنك إنّي لا بتاع مشي ولا لعب يا بت الناس. إني لو مشيت جنبك أنتِ هتبقي بتاعتي وبس."
نظرت إليه مذهولة:
"بتاعتك؟ إنت بتجول إيه؟ انت ما تعرفنيش."
أشار إلى قلبها:
"بس عرفت ده وحسيته، ورايده بالجوي. جبل راجل عارف طريقه وسكته، لا كان في دماغه حد ولا عايز حد. كنت راسم كريج ليا أكبر وأعلى، بس قدر ربنا يحطك بطريقي، لأحفر في الصغر. إني راسم على حاجات تاخد العجل، وأنت دلوقتي منايا، وهعمل كل ده عشانك. جبل عمره ما بص لوحده، محترم حالي، ما بعلجش حد، بس ربك أهو كلبش قلبي كلبشة عالية، لأجل الجمر يساعدني في دنيتي اللي جايه."
خجلت هيا وهمست:
"إني إنّي ماشية."
فهتف:
"طب الأول، لافيني الفيس بتاعك."
أخرجت تليفونها وأعطته إياه وأضافها وهتف:
"تليفوني نور. يمين الله."
خجلت واندفعت إلى بيتها وقلبها يدق بعنف، فقرب ذلك الجبل أهل قلبها وجعلها تشعر أنها أنثى له تخصه.
دخلت البيت هتف مسعد:
"البسي يلا عشان هنروح لمنال."
انسعدت هيا، ورغم غضب والدها إلا أنه اضطر أن يذهب معهم، وتم خطبة منال لمسعد واتفقا على الفرح بعد شهر. وانسعد الكل وعادت قمر مع أبيها، فهتف غاضبًا:
"جايب لنا واحدة فجرانة شكله؟ مش بت شوجي الفران مالها؟ هتنهبل عليه جمال ومال. وكان هيعيش في دارهم، بت حيلة معبينها فلوس، بس إني معايا حلوف."
تنهدت:
"يا أبويا، منال طيبة وبتحب مسعد."
هتف:
"أهو ده الكلام اللي يحزن وبينضحك بيه على الناس. والحب هيوكلهم؟ هيجيب لهم ويشيل ويحمل؟"
هتفت:
"آه، الحب بيشيل ويحمل ويملي القلب يا أبويا."
هتف:
"بت، انت اتخبلتي؟ لتكوني فاكرة إنّي هديكي لواحد فجران؟ لأ، إني مستني جوازتك على نار، دهب وشوار وبيت كبير وخدم."
تنهدت:
"ليه يعني يا أبويا؟"
هتف:
"عشان أنتِ جمر، فاهمة؟ حطي دي في دماغك، ومن بكرة هنزل أجيب لك عشر فساتين تتغندري بيهم في الكفر عشان تتشوفي بزيادة."
تنهدت:
"ما أنت جبت لي جبل سابق يا أبويا."
ضحك:
"لأ، دا لما كنتِ لسه ما فورتيش وبقيتي غندورة تاخدي العجل يا جلب أبوكي. إني راجل وعارف اللي يجيب عين الراجل اللي زيي."
تنهدت وتركته ودخلت، جالسة تبتسم على كلامه. كانت فعلاً تحلم بالبيت الكبير والخدم والدهب، فهي فتاة كأي فتاة تحب المظاهر أيضًا، وأبوها لا يتركها أبدًا لنفسها.
ظلت تدور وتنظر لنفسها:
"هانم، إني هبقى هانم وألبس وأتغندر."
سهلت قليلاً. تنهدت:
"أبويا لا يتركها، وكلما تركت نفسها له، أخوها يرجعها عن أحلامها ويقنعها بالقناعة والرضا. ليعود هو ويعظم ذلك الحلم بداخلها كل دقيقة أن تكون هانم تلبس ما يزينها وتعيش في عيشة رغيدة."
تنهدت وإذا بالتليفون يرن، فتحت تليفونها وهمست:
"ألو."
هتف بحنان:
"يا جماله على حنيته."
دق قلبها بعنف. همست:
"جبل؟"
هتف:
"ما عدتش جبل خلاص، وجع، بقى فرافيت تحت عيون الجمر."
تنهدت:
"انت بتجول إيه؟ بس بطل أكده، ماينفعش."
هتف:
"ليه؟ أبطل؟ ما رايدش أبطل، والله."
همست:
"بسرعة أكده، دانت شايفني. لينا يوم هتضحك عليا، إياك؟ مش كنت واقف مع سوسن وكريمة؟ إيه هتحلج على البنت اللي في النجع؟"
ضحك:
"وأنتِ مضايجة إنّي كنت واقف معاهم؟"
هتفت:
"وأضايج ليه؟"
هتف:
"يعني اللي عيونه بتبص على حد بيضايج لما حد تاني يجرب."
هتفت:
"وأنت يعني عارف إن عيوني بصت؟"
ضحك:
"ما تسيبيني ساكت. إلا الجمر كان ماشي يلف عليا كيف الدبور."
هتفت:
"مين دي؟ إني؟ بطل بطل، مالك مغرور أكده؟ داني جمر."
ضحك:
"وأني جبل اللي جاب الجمر."
هتفت:
"جابها؟ جاب إيه؟"
هتف:
"جابها من جلبها، يمين الله."
هتفت:
"انت بتحلم والله؟ إيه؟ جمر ما هياش سهلة أكده. انت فاكرني بيضحك عليا بكلمتين؟"
هتف:
"لأ، أوعي أعملها. جولتلك شوفتك بعيوني، ملتهم يا جمر، صدقيني إني ما بلعبش ولا عمري هلعب."
هتفت:
"ده حب من أول نظرة بقى؟"
هتف:
"من ساعة صرختك وعيونك جت بعيوني، واني حاسس إنك بتاعتي، ليا. وبست."
تنهدت. فهتف:
"وحاسس برضه إن جلبك دج لما شوفتيني صح؟"
همست:
"مش جوي أكده."
هتف:
"لأ، جوي. وحسيت بيكي لما حزنتي وهملتي المكان. خرجت وراكي، كنت ماشية غضبانه، وكنت حتى بجول يا رب يكون عشاني. ولما لقيت الحلوف ده بيجرب منك، ما تحملتش."
همست:
"لأ، ما فيش. هغضب ليه؟ وأنت أصلًا واقف تسبسب لكريمة وسوسن؟ إيه؟ بت كل شوية؟ وبعدين إني جولت واقف معاهم ليه؟ انت الله! الناس هتجول بتاع بنات."
ضحك:
"لأ، جبل عمه ما كان بتاع بنات. أمال كنت واقف معاهم ليه؟ وإني شفتك، أوعى تضحك عليا، إني مش هبلة."
"هممم، عايزة تعرفي؟ يهمك إني؟"
اندفعت بلهفة:
"أيوه، هموت وأعرف."
ارتبكت عندما ضحك:
"لأ، قصدي، قصدي. عادي صحباتي، حابة أطمئن."
همس:
"لأ يا جلبيا، اطمن. سوسن وكريمة جرايب من بعيد، ما فيش والله."
همست:
"خالص؟ خالص؟ ولا عايز؟"
"هممم، لأ عايز والله وهفطس."
قطبت وقالت:
"عايز؟ منهم إيه؟ مشبوكين هما؟"
ضحك:
"عايز الجمر اللي ما حد شبكه ولا دخل جلبُه إلا اللي انهبل على الآخر وبقى جواه."
تنهدت وصمتت. فهتف:
"إيه؟ مش هتردي تفرحي قلبي؟"
هتفت:
"أجول إيه؟"
همس بحنان:
"تجولي إن فيه حاجة جوه."
همست بخجل:
"جوا فين؟ بطل، احنا ما نعرفش بعض، انت فاكرني سهلة ولا إيه؟"
تنهد:
"لأ يا جمر، مش فاكرك سهلة، وسألت وعرفت إنك بت بميت راجل."
هتفت:
"لحقت تسأل؟"
ضحك:
"بصي، ساعة عيونك ما جت في عيوني، اتلبست. اختفيت شوية، رحت للواد اللي خد المحفظة، قاعد يشم فيها زي الأَهبل. شديته وجولت له: فيه إيه؟ انهبلت إياك؟ مين دي؟"
"هتف: ما تعرفهاش يا مخبل؟ دا جمر النجع بحاله، جمر! وهيا جمر. حسيت إني عايز أخبطه بحاجة، جولت له: مين بتلاعبيه؟ أكيد طالما حلوة. جال: مين دي؟ جمر ما بتبصش لحد واصل، العين عليها بس، هيا فوق السحاب. أخلاق ورجاحة وجمال. البلد بتلفلف عليها، وهيا عالية جوي. حسيت بجلبي بيدج. حاجة لو إني اللي دخل العين، لفيت من ورا الناس وراجبتك، ولجيتك رايحة جاية تدوري عليا. استخبيت أتملى من الجمر. حسيت إني هنهبل وأنتِ بتلفي عليا. رحت لسوسن، لقيتك جيتي. كنت هموت وأدور أكلمك، دا جت جاري كدت هفطس، بس مسكت حالي بالعافية. ولما خبطيني، كنت عايز أدور وأقفش في أمك وكلمتيني، مسكت حالي وأنا بغلي، جولت لك: ولا يهمك. ولفيت محصور بس."
هتفت:
"انت واعر جوي، بس برضه إني جمر، مش أي حد أبص له."
ابتسم:
"مش بالبص بالجلب ودقاته. حطيت إيدي على قلبي وجولت: جالك نصيبك يا جبل، جالك اللي خطفت جلبك. جبل عينك. صرخة الجمر دخلت جلب الجبل، فرتكته."
هتفت:
"بتجول إيه؟ بطل، نصيب إيه؟"
هتف:
"يمين الله نصيبي، ولا هتكوني لغيري."
هتفت:
"مالك متأكد أكده؟ افرض كنت عشجانه حد تاني."
هتف:
"اللي تبص ليا بصاتك دي، استحالة يكون جلبها دج لحد تاني."
هتفت:
"أبص؟ أبص إيه؟ انت مخبل وبتجول أي كلام."
هتف:
"بصاتك ليا غير… بصاتك ليا بتجول إنّي بتاعك وأنتِ بتاعتي. بصاتك بتجول إن الجبل هو اللي دخل واتربع، إن الجبل للجمر حماية وسند، إن الجبل راجل الجمر وما فيش غيره ليها ولا هيكون، ولا هسيب حد يكون. بصاتك بتجول رايدة والعشج بيتولد من جواكي."
همست بخجل:
"عشج؟ مرة واحدة؟"
هتف:
"عشج الجبل لجمر ساعة ما شفت عيونها، وعشج جمر للجبل ساعة ما صرخت خوف عليه."
همست:
"والله انت حر في روحك. إني مش أكده. إني ما هاخدش إلا اللي قلبي يهواه ويدجله. بس فينه بقه؟ الله أعلم."
هتف:
"طب احلفي أيمنات الله إنه ما دجش."
همست بدلال:
"لأ، مش هحلف. وما دجش إيه؟ جولت لك."
هتف:
"كأنه أكده يعني؟ ما فيش حاجة خالص؟"
"طب يا بت الناس، حجك عليا. كنت فاكر إن فيه حاجة. أشوفك على خير."
وصمت. فاندفعت بجنون:
"إيه؟ استني، هتجفل؟ ماتجفلش."
هتف:
"هتكلم ليه والجلب بعيد وشارد؟ يا رتني ما تعبت حالي وسألت ولفلفت كيف المجذوب. أشوفك بخير يا ست العرايس. إني مش بتاع لعب، وطالما الجلب ما جاش، انحصر باللي جوايا. وحال حالي وقفل الخط."
جلست هيا مصدومة:
"يا مري، دا جفل؟ يا حزنك يا جمر! أنتِ حلوفة يمين الله. عمالة تتبغددي على إيه؟ جك خابط وال ما دجش؟ دا دج لما انهريت. منك لله الواد جفل، جابك وفرزك وهبلك وراحة تجولي ما دجش؟ دا دج عليكي السخماط يا بعيدة. جلبي هموت؟ طب أعمل إيه؟ أكلمه عاد؟ يا دي الحزن عليكي وعلى أيامك. انت ما صدقتي اتكلمت ولفلفت عليكي. منك لله، بومة. طب إيه؟ هقعد آكل حالي أكده؟ ما هعرفش أتصل، إني مكسوفة. الواد بيجول رايدني بتاعته، أقوم أغفلجها؟ انت تستاهلي الحرج يا بت حمدان. طب إيه؟ طيب أعمل إيه؟ فكري يا هبابة."
جلست ونزلت دموعها:
"مش لاقية أفكار. الواد اللي هنهبل عليه راح."
فتحت تليفونها ودخلت صفحته وظلت تراقبه وتراقب صوره. كانت صور تأخذ العقل. حفظت أحد الصور وجلست تتأملها. همست:
"جمر ياخد العجل. منك لله. هموت يجولك دخلتي عينه وجواكي، وتجولي ما فيش؟ دانتِ جواكي مهري عليه. ربنا ياخدك. شايفه حالك ده؟ مش من الجدعان اللي بتلفلف عالبنات. يا مري، هموت. أعمل إيه؟"
نظرت لصورته:
"أتصل تاني؟ بالله عليك. حاسة بنفسي محصورة. إني مني لله، بس أعمل إيه؟ بت مغرورة وزبالة. اللي ما دجش؟ اللي… دا سخماط وحزن أهه. ما هيتكلمش. كلي حالك. عضي في روحك بقه. ما هيعبركيش. أحسن كلي حالك يا بت حمدان. أنتِ ليكي الحزن، إنما الجبل ما لمّش. تفرحي معاه؟"
وجلست تأكل حالها طوال الليل.
مرت عدة أيام وهي قد أصبحت كالمجذوبة. كانت تسير تتلفت في الشوارع، تأمل أن يكون يتبعها. إلى أن جلست أخيرًا على أحد مقاعد النيل وهمست:
"انت بتفكر في إيه؟ ماهو لو عايزك ما كانش سابك. انفجرت في البكاء. خلاص يا جمر، انسي بقه. بس مش عايزة أنسي. جلبي بيدج. هموت ويتصل. أخص عليه. ما صدقش ولا إيه؟"
تنهدت. كانت تمسك أحد الورود تلمسها بحنان:
"ده خلاص ما عادش عايز، ما بيلعبش. منك لله."
ورمت الوردة وقامت مقهورة وذهبت إلى بيتها.
اقترب أبوها:
"تعالي يا جلبي، شوفي جبت لك إيه."
ذهبت هيا إليه. كانت حزينة. هتف:
"شوفي أكده."
وأخرج خمس فساتين.
"شوفتي أبوكي بيحبك إزاي؟"
ابتسمت له رغم حزنها. لم تسعد، ولكنها أظهرت سعادتها حتى لا تحزن أباها. هتفت:
"حلوين جوي يا أبويا، دول شكل بتوع التلفزيون."
هتف:
"ماني نزلت المركز ودخلت محل كبير. لجيت سنيرة زيك أكده لابسة حلو جوي. جولت لها تنجي حاجات عالية عشان تمشي تنوري أكده."
تنهدت. هتف:
"جومي، البسي ده، هيبقي يخبل على عيونك الزرجة اللي تخبل دي. جومي، يلا."
تنهدت وقامت ولبست الفستان. هتف:
"مالك حزنانة أكده؟"
تنهدت:
"ما فيش، ما فيش. بس قصير شوية."
هتف:
"فيها إيه؟ بتوع البندر بيلبسو أكده، وأنتِ جمر. دا رجلك دي اللي يشوفها ينخبل، ملفوفة وطرية."
تنهدت:
"بس مسعد هيزعل. بلاش يا أبويا، ما ريداش إني."
هتف غاضبًا:
"أجهروني بقه واتحكموا، بدل ما أفرح ينجلب وأموت بحسرتي على بتي. دا حزن إيه ده؟ هو مسعد مكتوب لي في البخت؟ مش كفاية منجوع فجر وخد بت فجر. إني أبوكي وبلبسك لأجل تنوري والناس تعرف إننا مجامنا عالي وبنفهم زي البندر، وإلا هتجهري أبوكي على آخر أيامه أكده يا جمر."
تنهدت:
"لأ يا أبويا، خلاص."
هتف:
"طب البسي يلا، وخذي ده، خلخال أهو. يلا نوري أكده. راحين فرح جملات بت إبراهيم. أبوها دعاني، يلا."
هتفت:
"بس يا أبويا، إني جمالات مش صاحبتي. إني هقعد، وروح أنت."
هتف:
"بجولك إيه؟ أنتِ هتيجي معايا. أمال جايب الهباب ده ليه في يومك الأغبر ده؟ الواد سليم هينهبل عليكي، ابن العمده."
هتفت:
"والله يا أبويا، تعبانة والشغل كان صعب النهارده."
تنهد:
"طب بصي، تعالي نص ساعة، سلمي وامشي، وهتهبب. أجعد لحالي."
تنهدت:
"حاضر يا أبويا."
اقترب وهتف:
"عيونك دبلانة ليه؟ ماتجيش أكده. حطي شوية حمار على وشك. أنتِ مالك؟ كنك مانمتيش بجالك أسبوع."
تنهدت:
"إني ما بحطش، أنت خابر."
هتف:
"لأ، ما هتروحيش دبلانة أكده. حطي بجولك أهوه، ماتجهرنيش."
تنهدت ووضعت بعض الحمرة الخفيفة تداري شحوبها، فهي لها أسبوع تفكر في جبل ولا تنام.
خرجت هيا وأبوها، فقابلهم مسعد. فنظر لقمر فاشتعل غضبًا:
"انت مخبلة؟ رايحة فين بالهباب ده؟ في يومك الأغبر؟ وإيه الحزن اللي في رجلك ده؟"
خجلت من أخيها، فهي تحبه ولا تريد إغضابه. هتف أبوها:
"مالك؟ انت رايح فرح؟"
صرخ:
"واخد بتك جالعة ومسبسبه عشان الرجالة يبصولها صح."
هتف أبوها غاضبًا:
"احترم حالك، أنت عيل فلاح. مالك بينا؟ إحنا أصلًا هنهمل النجع ونروح نجعد في البندر مع الناس النضيفة."
هتف مسعد:
"يا أبويا، عيب أكده تبين حال بتك. عيب. والله وأنتِ مبسوطة بحالك أكده؟ اللي زيها متحجبين ومحترمين. عيب بقه."
صرخ أبوها:
"هبهبها، هحجبها لما تتجوز. أنت مال انت؟ دا حزن إيه ده؟ هو مسعد مكتوب لي في البخت؟ مش كفاية أنتِ البت كمان."
"جلب إيه دي؟ هانم تتشور وتلبس دهبات البلد."
صرخ مسعد:
"تلبسهم بعري جُـتتها."
خجلت وهمست:
"هخش أغير يا أبويا. خلاص بقه."
صرخ:
"منك لله، ما كنا هنهبب."
يترنح ويتصنع التعب:
"جلبي جلبي، هموت. ولدي عايز يجهرني."
اندفعت هيا:
"لأ، والنبي ماتزعل حالك يا أبويا، بالله عليك، خلاص، خلاص. حجك عليا."
التفتت لمسعد:
"خلاص يا مسعد، ماتزعلهوش."
هتف مسعد:
"ما أزعلهوش؟ وأزعل ربنا؟ إني جولت وخلصت. ضميري شيل. شيلتك يا أبويا، هتتحاسب. البت دي آخرتها حزن بطريجتك دي. شيل وعبي وكيل ذنوب. واجف قدام فطرة ربنا، بين حال بنتك لأجل الرجالة تيجي وتعاين، واللي يدفع أكتر يشيل. فوضت أمي لله وبريت ذمتي جدامه."
وتركهم غاضبًا. هتف الأب:
"هو ناوي يموتني، إني عارف."
تنهدت وملست عليه:
"خلاص بقه، يلا من سكات. دا حزن إيه ده؟"
أخذها وذهب بها إلى الفرح. وظل يلف هنا وهناك لم يجلس، وهي وراءه. وتعمد أن يسلم على الرجال جميعًا حتى تذمرت:
"أبويا، إني زهجت، هروح بقه."
هتف:
"ما تجعدي. سليم جالي جاي. يا ت الواد هينهبل. استني."
هتفت بـ:
"لأ، هروح. إني مخنوقة."
وهمت أن تبتعد عن أبيها لتتسمر مرة واحدة وتحس بقلبها يهوي، كان خناجر الدنيا طعنتها، وأحست بالجنون وتصاعد غضبها عندما…
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل الرابع 4 - بقلم ميفو السلطان
استدارت قمر كي تمشي لتتسمر مره واحده.
فأمامها جبل يقف مع فتاه ويضحك معها.
أحست بقلبها سيخرج من مكانه.
استدارت ووقفت.
لا تنطق.
هتف أبوها: "ايه مامشيتيش ليه؟"
هتفت بقهر: "هاه... شويه... همشي كمان شويه."
هتف: "طب اجعدي جاري هاه وشويه اكده هنسلم تاني ماشي."
كانت تأكل روحها.
شعرت بغضب.
"اهو واجف يسبسب وفرحان مابيعتجش يا جمر. كان رايد يمشي معاكي سكه ولما مالجيش امل نجل العطا علي بت تانيه. يا حرجه جلبي..."
"سبوع هنهبل عليه منك لله. جلبي بينعصر عصر. اعمل ايه؟ اجوم اسخمط عيشته واعرفه انه غدار."
"يل جهرتي سبع هتجنن وهو بيلفلف عالبنات. عايز يوجعك يا جمر وتنفضحي في البلد. جلبي بينعصر عصر..."
همت أن تذهب إليه.
توقف ونهرت نفسها.
"لمي حالك واصلبي طولك. انت جمر فاهمه؟ جمر النج كلاته ماحدش يطولك. مين ده اللي يجهرك؟ مين؟ لا عاش ولا كان."
أغمضت عيونها ووقفت لبرهه تستجمع نفسها.
"ابوي اني هتمشي اكده اشوف جايز الاجي حد اعرفه اهنه من البنات."
هتف: "طب لستني كان الواد سليم ابن العمده رايد يسالك علي حاجه في المصنع."
قامت هيا: "وماله يسال ابعتهولي عند الباب عشان هروح هناك."
قامت هيا تتهادي وتتجه إلى حيث مكان جبل.
ولكنها تصنعت أنها لم تراه.
فألحقها ذلك الشاب.
فاستدارت وأعطت ضهرها لجبل.
هتف سليم: "جمر استني عايزك."
هنا سمع جبل اسمها.
التفت واقفاً.
كان ظهرها إليه.
قطب جبينه وتأمل جسدها من الخلف.
وكيف أن الفستان يظهر جسدها وقدمها تظهر بجمالهم من تحت الفستان وشعرها يتدلي خلفها.
أحس باشتعال قلبه واشتعل صدره عن آخره.
وجد سليم يقترب.
فهتف: "كت عايز اكلمك في شويه حاجات اكده."
همست بلين: "خير يا سليم جول."
هتف: "يعني بسالك المصنع عنديكو بيدي طلبيات جمله."
هتفت: "ايوه جمله وجطاعي كمان. لو عايز اكلملك الريس بتاعنا."
هتف هو: "صوح والنبي هتكلمهولي؟ دا يوم الهنا لو افتكرتيني."
ابتسمت: "لاه هفتكر. هنسي ليه اني."
هتف: "جمر كت رايد حاجه تانيه."
همست: "خير جول."
هنا تحرك جبل بالقرب من الباب ومنع نفسه من أن يهجم عليه.
"يقتلع عينه التي تلتهمها."
ابتلع الشاب ريقه.
"كت رايد يعني اتكلم معاكي في موضوع اكده."
همست بدلال: "خير اتكلم."
كان هناك من أحس أن قلبه سيخرج من مكانه وفهم ما يريده سليم.
فهتف الشاب: "طب نتكلم بعيد مش اهنه وسط الناس."
تنهدت: "بس اني تعبانه وهمشي دلوك."
اندفع: "اوصلك طيب."
تنهدت: "مالوش لزوم اتعبك."
هتف: "لاه والله لا تعب ولا حاجه."
استدارت ولم تنظر لجبل.
وسليم وراءها.
هنا أحس جبل أنه سيقتلها.
فاستدار مسرعاً وراءهم.
لاحظت هيا ذلك.
فهمست لسليم: "معلهش يا سليم عاود انت اخوي مسعد مستنيني علي اول الزراعيه."
تنهد وهتف: "طب هاخد تلافونك وابقي اكلمك."
تنهدت وتركته.
ومشت بدلال.
ومشت تدندن.
هنا أحست بيد تقبض عليها وتديرها.
ففنظرت إليه وتصنعت الدهشة.
جبل.
صرخ هو: "كان عايز ايه ده وبيجولك ايه وهيكلمك تاني ليه؟"
هتفت: "مالك طيب غضبان ليه؟"
"يدي بتوجعني بعد."
صرخ: "انطجي. اني حايش نفسي اجتلك."
دفعت يده ونظرت إليه غاضبة: "فيه ايه بتكلمني ليه اكده وتجتل مين انت؟"
هتف: "ليكي عين كمان تنطجي."
صرخت: "ليا عين. انت مخبول. فيه ايه وعايز ايه انت؟"
هتف صارخاً: "عايز اعرف عايز ايه وهيكلمك في ايه."
هتفت: "وانت مالك يكلمني يهببني. مالك بيا وعشان اريحك عايز حاجه خاصه."
هتف مشتعلاً: "خاصه خاصة. ايه هيا."
هتفت: "ماخبراش. هيسال ابوي الاول."
واستدارت.
فمسكها ولوي ذراعها.
"بقي هيسال ابوكي وعشان اكده جايه لابسه محزج وملزج ورجلك باينه وفارده شعرك والبيه نحنوح وهيسال ابوكي. هاه لابسه اكده ليه هاه. مخبوله الفستان مبين رجلك انزل اجطعهالك والا اعمل ايه اجتلك."
شد شعرها لتصرخ: "مبينه ده ليه وفرداه للبيه اللي عايز حاجه خاصه صوح."
دفعته وصرخت: "يدك بعد بجولك."
"زعلان ليه انت ماخبراش."
فصرخ: "يعني مش عارفه واجفه مع راجل وتجوليلي زعلان."
هتفت: "طب مانت كت واجف مع ست عادي. ايه المشكله."
فصرخ: "انت عايزه تجهريني صوح. بتكيديني صوح."
هتفت: "واكيدك ليه. انت مين عشان اكيدك. واظن جفلناها من سبوع وجولت ماعت هتكلمني. جاي ليه تتكلم. اوعي."
صرخ: "ايوه جفلت واتجطرنت علي ايامي الطين سبوع. جولت هتحسي. جولت هتكلمني. جولت فيه لي حاجه عنديها. بس البعيده جبله مابتحسش واصل."
صرخت: "اني اللي مابحسش. طب بعد عني بقه ومالكش صالح بيا هاه."
واستدارت.
فاندفع يحتضنها من الخلف.
"راحه فين وسيباني."
تململت فكلبش فيها.
"ما ههملكيش. راحه فين جولي. هيكلمك في ايه سليم ابن العمده. هيكلم ابوكي ياخدك صوح. ايوه ماهم كلهم عايزين ياخدوكي."
تململت وابتعدت: "مالك انت ياخدوني ويهببوني. واه هياخدني. عايز حاجه بعد بقه. هو ايه ده. روح للي كت بتتنحنح معاها."
كان يقف مشتعلاً.
فخافت منه.
"انت بتبصلي ليه اكده هنا."
أقترب وشدها وهتف: "اللي ياخدك اخد اجله. فاهمه. لو فاكره اني هسيب حالي يرمح بعيد. اموتك واموت حالي. انت بتاعه جبل وبس."
ليرزعها عالشجره وينهال عليها بحرقه.
كان حاله من الجنون.
فهو له أسبوع ينتظر منها كلمة على نار.
أراد أن يحسسها به ولكن لا جدوى.
لتأتي وتحرقه بملبسها ودلالها.
كانت تضربه وهيا تبكي.
احتضنها وملس عليها.
"أهدي اهدي."
دفعته ونظرت إليه بغضب.
"مش جمر اللي تتحضن وتتلزج عالزراعيه فاهم. مش جمر. اني مابينضحكش عليا يابن الناس. وبعد احسنلك. لو فاكر اني ليا في النحنحه وشغل التلزيج يبقي غلطان. اني مش زي اي حد. روح اتنحنح واصطاد واحده غيري هاه. اني سكه ودوغري وهروح اتجوز اللي مابيضحكش عالبنات."
استدارت.
فمسكها من الخلف.
"كنك تتجوزي ليه. شايفاني ايه. مره اسيبك لغيري."
دفعته: "انت مخبول صوح. تسيب مين. مانت سيبت جبل سابج. روح بقه وماتطلعش جدامي تاني. الا اسود عيشتك."
سمعا صوتا من بعيد.
"يا جبل يا جبل."
استدارت فوجدتها تلك الفتاه.
فهتفت: "روح يا اخويا. الحج السنيوره."
ودفعته وجرت وهيا تشعر بحرق داخلها.
دخلت بيتها وقفلت على روحها وظلت تبكي.
"زعلانه ليه. ده واحد جليل الربايه. ايوه هو بيتنحنح للبنات. انت جمر ما حد يطولك. جلبي بيوجعتي. اعمل ايه دلوك. منك لله جهرتني. كان بيشاغلني ليه ده. يا مري اني هبله. اني صدجته. طب اعمل ايه. هموت واردله عملته. هموت واكيده. جلبي انفجرت."
تبكي فتره.
مر الوقت.
خرجت.
فأبوها أحضر العديد من الحلويات.
"تعالي يا جمر شوفي."
تنهدت بقهر وخرجت.
"ايه ده يا ابوي."
هتف: "دا الحج منصور باعت حاجات من الفرح."
هتفت: "بس دول كتير جوي."
ضحك: "ماني كت واجف. جاب علبه لجيت سليم بيجوله هات عشره مجام حمدان كبير ودخل جاب."
خرج مسعد ساخراً: "هو برضك اللي مجامه كبير."
هتف حمدان: "يادي الحزن. مالك دلوك. الراجل باعت وكل."
هتف مسعد: "باعت وكل لتجل عيونك والا لمين عاد. الواد سليم ده مش مضبوط. بعد عنه ومابيركعهاش."
هتف حمدان: "مين سليم دا؟ جدع ينهزله بلد. بطل اسكت بلا حزن. وتعالي دوج الحلاوه دي. مابتخشش دارنا الفجران ده."
هتف مسعد: "لاه ماهدوجش حاجه. جايه لنيه عفشه."
صرخ الأب: "نيه ايه اللي عفشه يا طين انت."
هتف مسعد: "ايه مش ماشي يلفلف عليك. عايز جمر."
هتف حمدان: "واحنا نطول دا. يوم المني. اختك كبرت البنته اللي زيها. جابو عيال. عايزلها جدع يشيل ويجيب."
صرخ مسعد: "ايه يشيل ويجيب دي. هيا بيعه وشروه."
صرخ حمدان: "اخرج انت منها وهيا تعمر. تعالي يا جلب ابوكي. ماتساليش فيه."
أتت حزينة: "بس يا ابوي بطل بقه. مش كل شويه اني. حرام اكده."
صرخ: "بت انت مالك. السبوع ده دبلانه ومجهوره. فيه ايه. احنا نطول سليم بس يجول انه رايدك. اني هوافج."
صرخت: "بطل بقه. ايه ديه. هو ايه. انت كل شويه تجيبلي جدع عايز ومهبب ايه. ماليش جلب اني. هيا شروه."
استدارت تدخل.
فهاج حمدان: "واندفع يمسكها."
"نعم ياختي. جلب ايه يام جلب انت. اتخبلتي يا بت. الجلب ده يفجر يوجع الجلب يجهر وبس. يكلبش في الجته يعصي الواحد علي الدنيا الحلوه. لاه العجل يودي الجلب للحته النضيفه. الحته اللي فيها مال وجاه وعز. هتجعدي بالجلب مع الفجران تعملي ايه يا بت حمدان. حسك عينك جلبك يدج لصنف جدع فجران. اموتك بيدي فاهمه."
ودفعها لتنهار من البكاء.
أتى مسعد واحتضنها لتكلبش فيه تلتمس فيه حنان القلب.
مسد عليها وضمها لصدره.
"خلاص يا جلبي. جدرنا اكده. اصحك تسمعيله. الجلب يا جلبي هو اللي بيعيش الواحد. هو اللي بيخلينا نتنفس. هتعملي ايه بالفلوس والجلب ميت والحال مجهور. هتعملي ايه بالفلوس وجلبك معصور علي حنيه والا همسه حبيب. الفلوس حلوه بس الحب الاول يا جلبي."
نظرت إليه بقهر: "الحب الحب. لو ماطولناهوش يكوينا يا مسعد."
هتف: "ومانتولوش ليه يا جلبي. ناجصك ايه. لاه دانت جمر اللي يحفالها الجدعان. انت تنجي وتحبي. اصحك تسيبي جلبك من غير. جلبك لو كلبشه جدع افرحي يا جمر. واصحك تسيبيه لغيرك فاهمه."
قبل رأسها وقام وتركها.
جلست تفكر.
"جلبي لو اتكلبش."
سالت دموعها.
"اتكلبش يا مسعد. لواحد غدار بتاع نسوان. هموت يا ربي. ده بختي وحالي الطين. بس لاه جلب جمر كلبشته ليها تمن. ايوه واني هاخد حجي. واعرفه ان تعليجه جمر ماهتعديش اكده."
قامت واتصلت بصديقتها التي كانت تقف معه.
وشدتها في الكلام وعرفت مكان بيته ومعلومات عنه.
وعرفت أنه يجلس في مكان ما مع أصدقائه.
قررت أن تحرق قلبه.
فهو علقها به وتركها وتعلق بأخريات.
كانت تظن ذلك.
لبست فستاناً جميلاً يبرز جمالها.
وذهبت تشتري للبيت طلبات.
كانت تتهادي أمام ذلك المكان الذي يجلس فيه هو وأصدقائه.
كان سليم ابن العمده جالساً معهم.
فهب مسرعاً.
"جمر استني."
كانت تحمل كيساً ثقيلاً في يدها.
فاقترب ولمس يدها ومسك الكيس.
"استني هشيل عنك."
لمحت نظرات جبل لها.
فلم تعيره اهتماماً.
وهتفت بدلال: "لاه يا سليم كتر خيرك. اني هشله عادي."
هتف: "لاه تشيلي اي انت تتستتي هانم اكده. اني هشيل."
هتفت: "لاه مايصحش. يعني تمشي معايا. اني مابمشيش مع حد واصل."
كانت صوتها عالياً.
ولاحظت أن جبل وقف بجوار أحد الأشجار القريبة وعيونه تشع غضباً.
فهتف: "طب اني هوصلهم للبيت طيب."
هتفت: "هتعبك."
هتف: "يا مري دانت تعبك علي جلبي راحه."
ابتسمت وهتفت: "طب هروح اشتري حاجه. عايز حاجه."
هتف: "اعوذك طيبه."
استدارت.
وقف سليم.
فسسمعه جبل.
"عايزك. هموت عليكي يا بت. يا ناري فرسه تخبل. هتهنني اااه يا واد يا سليم. هتبقي ليله نار."
واستدار وترك قلباً خلفه مشتعلاً بناره ولوعته.
اتجاهت هيا إلى الأراضي.
كانت تعلم أنه سيأتي وراءها.
أرادت أن تحرقه كما حرق قلبها.
وبينما هيا تسير أحست بيدين تطبق على يديها.
فشهقت واستدارت.
فإذا بعيون كالنار تقابلها.
خافت.
"ايه انخبلت. بتمسك يدي ليه انت."
هتف: "امسك يدك. دانا همسك روحك."
دفعته وصرخت: "بجولك ايه. هو ايه كل شويه جصه هيا. حد جالك اني بتاعه جري وملاغيه."
اقترب منها فخافت.
"ايه مالك بيا انت."
أقترب ومسكها من رقبتها صارخاً.
"تاني مره تجفي مع حد تاني هجطع خبرك واجطع من جتتك نساير فاهمه. عشان اني دلوك جوايا نار."
هتفت بخوف: "واني مالي بيك انت وبجواتك."
صرخ: "عشان الحريجه بسببك وبسبب عمايلك الطين وجفاله ليه انت ويملس عالهانم."
صرخت: "ماتحترم حالك. يملس فين."
صرخ: "مش لمس يدك وهو بياخد الجطران اللي كتي شيلاه وواجفه تتمايعي للواد وتسلم وهتعبك."
هتفت: "مالك انت. سليم جدع زوج ومأدب ومحترم. مالك."
هتف: "لا والله. سليم زوج اه. وعينه هتبظ وعايز يفرح ويتهني. وليله نار. النار شبطت في جته ابوه."
هتفت: "ليله ايه. انت بتجول ايه."
صرخ: "ما بجولش. مابتهببش. بتجفي وتلاغي ليه انت ناجصه ملاغيه."
نظرت إليه بذهول: "ان بلاغي اني. جمر تجولها اكده ليه. كت لاغيتك والا جيت جارك اني. داني جمر يا جدع. اللي يتبصلها ولا حد يجدر يطولها. تجولي بلاغي. بس اني اللي غلطانه. ماعارفاش واجفه اتكلم معاك ليه من اساسه."
واستدارت.
مسك يدها وصرخ: "اني ماجصدتش اللي في بالك. اني اني."
هتفت: "تجصد والا ماتجصدش. بعد بجولك."
وقف أمامها: "ولو مابعدتش هتعملي ايه. ومهما عملتي ماهبعدش."
هتفت: "انت مخبول صوح. روح يا حبيبي. اتنحنح بعيد. يا تري بتشاغل كام واحده هاه. وجاي تجولي ماهبعدش. بعد بقه."
مسكها من يدها: "طب انت غضبانه ليه اكده. طيب تعالي اجعدي هنتكلم."
دفعته: "مابجعدش مع حد بيلفلف عالحريم."
صرخ: "حريم مين. انت مخبوله."
دفعته: "ايوه بتلفلف. واوعي بقه."
واستدارت هاربة.
والغضب ينهشها والغيرة تكوي قلبها.
كانت تسير عالجسر وابتعدت مسرعة.
وإذا بها تنزلق وتلوي قدمها.
فصرخت ووقعت.
اندفع ومسكها: "ايه ايه."
هتفت دامعة: "رجلي بتوجعني جوي."
اقترب ومسك يدها: "طب نروح للحكيم."
هتفت: "ازاي. ماهعرفش."
اندفع وحملها.
فصرخت: "انت انخبلت. نزلني."
هتف: "لاه ماهنزلكيش. تمشي ورجلك موجوعه."
هتفت: "نزلني. هنفضح."
تنهد: "ولا هتنفضحي ولا حاجه."
نزلها و مسك وشاحه ووضعه على رأسها.
أخفى وجهها.
ثم حملها مرة أخرى.
هتفت: "انت مخبول. نزلني بجولك."
هتف: "اركني. اني ماهنزلكيش واصل."
حاولت أن تنزل.
إلا أنه كلبش فيها.
تنهدت وركنت على صدره.
ظل يمشي وسط الأراضي وهيا راكنة على صدره.
وقلبه يدق بعنف.
فهمس: "جلبي عيفط من مكانه يمين الله."
لم ترد عليه.
فهتف: "ايه ماحاساش بناري دي."
هتفت: "لاه ماحاساش. احس بايه انت واحد لعبي."
تنهد: "والله ابدا. انت اللي مخبوله."
خبطته: "مخبوله في عينك. جليل الحيا. انت مش عارف اني مين باينك."
هتف: "لاه عارف. جمر النجع كلاته. مش اكده."
تنهدت وصمتت.
"هو اهبل بيجول جمر النجع. امال بقاله سبوع مابيكلمنيش ليه. وواجف مع البت دي يتنحنح."
كانت تضع يدها على صدره.
كانت تتنهد كل حين وقلبها يؤلمها.
ويدها على صدره لاتفارقه.
تحس بدقاته.
فهمس: "جمر."
لم ترد.
فهتف حانياً: "جمري. والله يدك بتحرج جتتي. بعدي يدك. ما متحملها."
هنا انفعلت وتململت ونزلت من على يديه.
ودفعته: "بعد. حد كان جالك اني عايزه اجرب منك من اساسه. وجاي تجولي ما متحمل يدك. باينك مخبول. يدي دي ماحد يطولها. نتشت وشاحه. خد خد وغور بقه. ماعتش اشوفك تاني. منك لله بقه."
واستدارت تعرج والدموع في عيونها.
وهو يقف مذهولاً من رد فعلها.
أقترب ومسكها.
"استني. انت مخبوله. هجولك."
نظرت إليه بغضب: "لا تجولي. والا اجولك. وعيب بقه. ماعتش تطلع جدامي. اني واحده متكلمين عليا."
أرادت أن تأخذ بكرامتها.
فهيا تظن أنه لا يرغبها.
هنا اشتعل وهتف: "هما مين اللي متكلمين. هاه. انطجي. سي طين صوح. سليم صوح."
هتفت: "مش هجولك. انت مين عشان اجولك."
مسك ذراعها وشدها: "اجولك اني مين دلوك."
شدها وأنهال عليها وهيا تضربه بقوه.
إلا أنه لم يتركها.
فترنحت بين يديه.
أبعدها وصرخ: "تاني مره تجيبي سيره راجل تاني. اموتك فاهمه."
نظرت إليه باكية: "انت واحد مخبول وجليل الادب وبتاع نسوان. بعد بقه."
تنهد واقترب.
فصرخت: "بعد بقه. ايه المرار ده."
احتضنها وهتف: "ماعايزش ابعد."
نظرت إليه غاضبة: "لا والله. ماعايزش تبعد. اه واضح."
همس بلين: "طب اسمعيني وبطلي تبصيلي اكده."
"جمر اني ليا سبوع بتجن."
هتفت بغضب: "تتجنن يا كداب. وعايزني اصدجك. وانت واجف تتنحنح واحده تانيه وتجولي اكده."
تنهد واقترب: "اني سيبتك سبوع تحسي بيا. جايز اتوحشك والا حاجه. لجيتك ولا حاجه. كني ماليش جيمه ولا تبصيلي. كت بتهبب علي ايامي الطين. بتجل عشان تجولي جواكي ايه. بس اهه. رشج الحزن في وشي."
"انجهرت. جولت لاه اني هعاود تاني اشوفها. اول ماشفتك دلوك بمنظرك ده. كت هموت يمين الله. ولما لجيت سليم عينه عليكي. حسيت اني هجتله. ووعيت. هو عايز ايه."
كانت تنظر إليه بلين.
أقترب: "عايز البت اللي عيني وجعت عليها وانهبلت عليها من ساعه مالمحتها."
ابتلعت ريقها وهمست: "انت بتكدب صوح."
هتف: "يمين الله مابكدب. اني حاسس ان روحي بتطلع ليا. اسبوع ماعارفش انام. بعدك موتني. واللي مايكسب جهرني."
هتفت بقهر: "لاه كداب. اوعي. اني مش بتاعه ملاغيه. كيف مابتجول."
"وبعد بقه. اني مش هبله."
لتستدير وتمشي.
شلت مكانها وتوقفت.
لا تنطق.
وقلبها سيخرج من مكانه.
ودقاتها تشتعل وتطحن بداخلها.
كانت ترتجف.
فالكلمة انكلقت ترن في الفضاء وسط الحقول.
شلتها.
صدحت من فمه قوية.
دمعت عيناها وابتلعت ريقها.
عندما قال: "هيقول ايه الغلبان."
"منك لله يا حمدان مسبقا. الواد عسليه."
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل الخامس 5 - بقلم ميفو السلطان
جمر… أني عاشج ليكي والله عاشج… أني جلبي دج ليكي وليكي وبس.
وقفت متسمرة وقلبها يرجف بشدة. استدارت ونظرت إليه، تنظر في عينيه.
ليقول… يمين الله جلبي دج ليكي انت وبس، أول مرة جلبي يدج لحد.
ابتسم ومسك يدها.
طب شوفي أكده، وضعها على قلبه، شوفي بيدج ازاي كيف الطبل.
تنهدت، فدقات قلبه عنيفة وقوية.
همست… أنت بتكدب… أنت جفلت السكة في وشي.
هتف… حلوف يمين الله، كنت عبيط، جولت هتدوري عليا. كنت فاكر إني هعرف أخليكي تجولي اللي في جلبك. كيف الجاموسة زي ما خليتك تلفلفي عليا، اتغريت، جولت هخليها تجول اللي في جلبها.
تنهدت… أني… أني… أني كنت خجلانة.
ابتسم… بجد؟ والنبي يعني كنت في بالك السبوع كله؟ داني كنت كيف المخبول.
هزت كتفها، لاه ماهجولش.
اقترب وهمس… ورحمة الغالين، لاتجولي يا شيخة. أني سبوع انهبلت، كنت جافش في التلافون زي الجراضة، بس الجمر ما عبرنيش. اشتم حالي. أني جفلت وأجول منك لله. عملت فيها سبع جلبت جطة. يعني طب فرحي، جلبي فكرتي فيا طيب.
همست… الأول مين البت اللي واقفة تتمايع معاك دي.
ابتسم… يهمك تعرفي.
نظرت إليه غاضبة.
لاه ما عايزااش. واستدارت غاضبة.
فاندفع وشدها.
استني هجول إيه ده، جطر اصبري عليا طيب… بت خالي سناء والله كنت بتسلم عادي وجالتلي تعالي وصلني، جولتلها لاه ورايا كتير، ورايا اللي خد جلبي.
تنهدت… يعني كنت بتبصلك بصات أكده.
هتف… وأني مالي بيها طيب؟ أجول إيه؟ اني انحصرت من بصات الحزين اللي منه لله.
شدها وهتف… اياك تخليه يكلم أبوكي، بجولك أهه.
هتفت… ليه ما يكلمش؟ هتزعل.
هتف بهيام… أنجهر مش أزعل. جمر، أني من أول لحظة جلبي دج ليكي وعارف إنك بتاعتي ومتأكد إنك استحالة تكوني لحد غيري.
ابتسمت، فهتف… يا دين النبي، أيوه أكده، نوريلي جلبي.
الجمر مبسوط بدجات جلبي. شبكت جلبه.
أحنت رأسها وهمست… ما خبـراش، أنت وحش جوي.
تنهد… جولت بهيمة، أعمل إيه طيب.
هتفت… أنت وحش جوي، سيبتني سبوع.
هتف… جولت عبيط، والله اللي بتجل، بس الجمر ما حد يتجل عليه، دا هو التجل كله.
ابتسمت، تنهد… لاه كداب، أصدجك إزاي طيب.
اقترب ومد يده في جيبه وأخرج منديل من الحرير. قطبت جبينها، ففتحه، فشـهقت. كان بداخلها الوردة الحمراء التي كانت تجلس على النيل وتشكي لها.
نظرت إليه، فهمس… شفتي لما خرجتي، جيت وراكي كيف المهبول، لجيتك جاعدة حزينة، جولت ده ليا، يا رب يكون ليا. جيت أخـكي الشارع، جه ولد ابن جزمة وجفـني، كنت هموت. أفلت منه لحيتك، رميتها وجومتي الجهـرة، كلبشت في جلبي. استنيته لما مشي وجريت جري. الم الورده كأنها دهب وماظ، ما حبيبي كان في يده وحطها على وشه. جعدت طول الليل المسها، جولت ورده حبيبي هتفضل في حضني لحد ما يبقي معايا وفي حضني.
نظرت إليه دامعة.
همس… اتصلت عليكي لجيتك جافلة الهباب. أنجهرت وانهارده كنت هنهبل.
همست… يعني بجد اتصلت.
يمين الله اتصلت، أني بهيم، أعمل إيه طيب. شفتي أهه، وورده جلبي على جلبي.
تنهدت وابتسمت خجلاً.
همس… يا جلبي يانا، جمر بينور، ما مصدقش إني واقف أتكلم. السبوع كنت بفكر فيكي بجنون.
تنهدت، فهتف… بس ينفع أكده تحصريني.
هتفت… ليه بس.
قال بغيرة… ده لبس يتلبس، ده فستان يا جادره، جسمك مفسر، قرص خدها ورجلك منورة من تحت الفستان، وشعرك ده حصرني. أموتك والله، كنت عايز أهجم عليكي، أرجعك علجة سخنة.
هتفت… ليه يعني؟ ما كل البنات بتلبس.
هتف… مالي بيهم، بس الجمر الجالب يخبل، ما حد يوعى له.
لانت، هيا وشعرت بالخجل، فهتف… هو إيه، هنفضل ساكتين؟ هفضل محصور.
طيب، همست بخجل… عايز إيه أنت؟
أنت وحش جوي، وأني مش عايزة أوجع جلبي.
تنهد… والله ما أوجع الجمر. أني عجلي جابني على كد أكده، كنت رايد الجمر يجول اللي في جلبه.
هتفت… تجوم تجهرني سبوع كامل.
تنهد… حجك عليا، أني ماليش في الصنف الناعم، عمري ما طبيت إلا على يدك.
تنهدت وهمست… طبيت.
هتف… يا مري.
طبيت لما انهريت.
ابتسمت.
هتف… طب بالله ورحمة أمك يا شيخة، ماتنشفيها عليا. أني اتوحشتك جوي. جولي طيب، هو أني هوا يا بت تجلك هيخلص عليا.
ابتسمت… عايز إيه.
هتف… السبوع ده ما حركش حاجة جواكي في سنتي الروبة.
ضحكت هيا.
لاه ما خبـراش، أني بطل.
هتف… طب أعمل إيه، محمريه وجمر، وأنا جلبي خلاص هفطس.
تنهدت… ليه يعني، مبسوط بكلامي معاك جوي أكده.
مسك يدها… إلا مبسوط، داني هنجن. جمر النجع، واقفة معايا أني.
هتفت بخجل… أني مابعملهاش واصل، لتكون فاكر حاجة يعني.
هتف… وأني الفرحة هتجتلني إنك خصتيني بشرف وجفتك. جمر، أني رايد أعرفك وأعرف جلبك.
هتفت… تعرفني ليه طيب.
هتف… بصي لعيوني وانت تعرفي.
نظرت إليه، رجف قلبها.
همست… بطل تبصلي أكده، بتكسف.
هتف… أعمل إيه، بتخرج لوحديها. بس جولي، رايحة من ناحيتي.
هزت رأسها.
هتف… طب جلب الجمر بقي معايا.
أحنت رأسها ولم تتكلم.
طب طول السبوع ما جيتش على بالك واصل، والله هنجهر.
همست بخجل… لاه، يعني، يعني جيت.
شدها إليه… يا فرحي، يا هنايا، وايه جولي.
تنهدت… كنت عايزة، عايزة يعني أكلمك، بس كنت خجلانة.
واستنيتك كتيرةتف… حلوف يمين الله، أعمل إيه.
طب ولما ما تكلمتش، سيبتيني أكده.
همست… فتحت الفيس بتاعك، ويعني كنت بشوفك فيه، وكمان… صمتت وأحنت رأسها خجلاً.
همس بهيام… جولي، فرحيني، إيه ده، أني أستاهل الحرج.
هتفت… خدت صورتك أم نضارة، كانت حلوة جوي، وكنت ببص عليها طول الليل، وكمان، كمان بكيت كتير.
مسك يدها وقبلها.
ما عاش اللي ينزل دمعة من عيونك، حجك عليا، أني أسف، عيل بهيم. أول مرة أعرف حد.
همست… بجد؟ ما تعرف حد قبل أكده.
هتف… يمين االه، أول مرة. أني واحد ما يعرفش يكلم ويتصرف مع الحريم، ما عملتهاش قبل سابج، ولا فكرت فيها واصل. دموعك نزلت عشاني، ما وعي أعملها والله.
همست مندفعة… بعد الشر.
تنهدت… كان… كان نفسي تتكلم جوي.
هتف… بطلي بقه، والله أجوم أطبش في الترعة، داني أستحج الحرج.
همست… بعد الشر.
ابتسم… طب حاجة صغنونه.
تنهدت… لما لجيتيني واقف مع البت، زعلتي.
هتفت باندفاع… والله أنجهرت، وجومت أكيدك. داني أول مرة في حياتي أفرد شعري لجدع، والله عمري ما فردته خالص، على طول لاماه بستحي.
تنهد بحب… أني أستحج حرجة الجلب، وحبيبي يهبلني. شعرك ده ينفرد تاني، لاه، جلبي، ما حد يوعى لجماله، دا حبيبي ليا وبس.
ابتسمت هيا.
صوح يا جبل، حبيبك أني.
تنهد… أيوه، يمين الله، حبيبي، ولا ليا غيره.
هتفت… جبل، حد بيحب حد بسرعه أكده؟ بطل، أني مش هبلة.
هتف… فيه يا جمر، حاجة كده بتيجي في لحظة رفة الجلب، بتحصل لوحدها، وأني جلبي رف من ساعة ما رفعت عيوني أبص لفوق، شوفت نجمة عالية ما حد يطولها، ما عرفتش جرالي إيه، كنت بلفلف عليكي كيف الأبل. جلبي دج وحب، والله حب، سبوع كنت هنهبل، والحلوف ده هري جلبي.
تنهدت، فهمس… وأني مش هتجوليلي إنك حبيبي، إياك.
خجلت وأحنت رأسها.
همست… بس جولي، ما فكرتش تجولها ليه، وليه دلوك.
ابتسم ومسك يدها قبلها.
جمر، أني واحد جد، وكل دماغي أتاجر وأكبر تجارتي وبس، أكبر ليا طموح عالي جوي، قدام بفكر في حاجات تخليني فوق جوي. أني صحيح دلوك لسه ببدأ، بس ماشية حلو جوي، ما فكرت إلا أما يكون معايا اللي يتجل، اللي جدامي. بس لما شفتك وعيني حطت عالجمر، جولت لا، ما هسيبش حالي لغيري ياخده. أنت اتملكتيني من نظرة يا جمر. وعشان أكده أنت بتاعتي لحد أما أموت، ما عرفش أصلاً أفكر في غيرك.
همست بخجل… بسرعة أكده.
ابتسم… هيا لحظة بتيجي في العمر وبس.
همس… جمر، رايد أسمعها منك، وإلا لسه ما حسيتهاش.
يمين الله جلبي دج ليكي أنت وبس، أول مرة جلبي يدج لحد.
وقفت متسمرة وقلبها يرجف بشدة. استدارت ونظرت إليه، تنظر في عينيه.
عايزة أجول، بس ما أقدرش دلوك.
همس… أني نفسي فيها، ورايد أسمعها، يا جلبي، بس مش هضغط عليكي.
مسك يدها وقبلها.
من دلوك أنت معايا وبس، ليا وبس، لحد ما تجولي. هستناها على نار، بس تعرفي إن جبل، أنت بقيتي جواه، بتاعته، تخص. جمر، أني غيار موت، ومتهسمح لحد يحرب منك.
همست… وأني ما عايزااش حد يجرب.
تنهد بغلب وألم… محروج، سليم، ومرزوج، وحزانا البلد.
همست… مالي بيهم، المهم إني عايزة إيه، وجلبي لمين.
اندفع بلهفة… عايزة إيه؟ جولي، خليني أنهبل.
همست… بطل، جولت مش هجول.
همس ملثماً شفتيها ومن غير ما تجولي… يا جلب جبل، أني شايف بعيونك، وحاسس ما الجلب للجب. روح يا روح جبل.
تنهدت وهمست… أنت كلامك كتير، بطل، إحنا لسه في الأول.
همس… أول، آخر. يمين الله، أوله زي آخره، يا جلبي، والله ولحد ما تجولي، جبلك هيفضل مستني على نار.
همست بلين… جبلي.
هتف بعشق… إيه، مش جبلك برضك، وإلا أروح أبقى جبل حد تاني.
اندفعت… والله أموتك بيدي.
ضحك… وأني، لا عشت ولا أكون لغيرك، يا جلب جبل، ومن أهنه ورايح، أنت بتاعتي، وأني بتاعك.
همست… طب أني همشي بقه، اتوخرت.
همس… ما تجعدي شوية، أني ليا سبوع محروج.
ابتسمت وخبطته مندفعة… لاه، عشان تحرم تتجل عليا بالحوي وتسيبني محروجة. هنهبل عليك.
لتشعر باندفاعها، لتقوم وتذهب مسرعة… وتركته يبتسم زي الأبل.
جلبي هينهبل عليا، يا جلبي ياني. اتجل، داني هموت. اتجل إيه بس يا جلبه اللي هموت عليه. لاه، أمحط يا جبل، أمحط في الصخر عشان تتجلها بالدهب. حبيبك غالي، والعين عليه. عهد عليا، لاجبلك عيوني الحلو كله، يا واخد جلبي.
مرت الأيام، وهو يكلمها كل يوم وينام على صوتها، هامساً، وبدأ العشق يقوى بينهم رويداً رويداً، حتى أصبح القلب ينفجر بعشق صدح في الآفاق لجبل وقمر. عشق بيس بعده عشق. فـقمر تلبست جبل، وامتلت جوارحه بهيام بتلك الجميلة، وهيا تتقبل هيامه، وتصب عليه مشاعر لا أول مرة تختبرها، ولا أول مرة تعطي روحها لرجل. ولكنه ليس أي رجل، إنه الجبل الذي علا فوق الرؤوس، وخطف قلب القمر إليه.
أكملت أيامها سعيدة، وتزوج أخيها، وآتت تلك الفتاة لتعيش معهم، اقتربت منها قمر، ولمست فيها طيبة، فأصبحت كأخت لها، وأصبح البيت جميلاً بوجود فتاتين ولا أروع. ولكن الأب غاضب دائماً، فقمر تكبر وترفض العرسان، وسن السادسة عشر كبير في الصعيد. كان قلبها تعلق بجبل، ولا ترى غيره.
ذات يوم كانت تقابله، جلس بجوارها، فهمس… اتوحشتك جوي، عايزك معايا على طول.
تنهدت… ماني معاك على طول في التلافون.
هتف… لاه، عايزك في حضني.
خجلت هيا، بطل كلامك ده.
ضحك… يا بت، ما أخرتها حضني. عبيطة، إياك؟ داني بحلم يوم ما تدخلي في حضني. هتدوخي وتدوخيني.
نظرت إليه… أدوخ ليه أكده.
ضحك… من العشق اللي هيكون بيناتنا يا جلبي. بس نفسي تريحي جلبي.
تنهدت… أريحه كيف.
هتف بعشق… نفسي أسمع اللي في جلبك، شايف بعيونك، بس نفسي أسمع.
همست بخجل… تسمع إيه.
هتف… لينا ياما مع بعض، وأني بجولهالك كل دقيقة. بجولك عاشجك، وبتنفسك، بجولك، بجيتي روحي ودنيتي، بجولك، هموت على حبيبي ونفسي فيه. ونفسي أسمع مثلاً، بحبك يا جبلي، بعشقك يا واخد عقلي.
أحنت رأسها خجلاً، فهتف… لاه، بالله، أني صبرت كتير، وأنت كل شوية تبصيلي في الأرض، لما هنجلط. جولي أي حاجة، بالله.
تنهدت… مانت عارف، ما بعرفش يعني.
هتف… لاه، أني أهبل، ما بعرفش.
ضحكت… خلاص، وأني ما هجولش للهبل، أني.
مسك يدها وقبلها.
ارحمي جلبي. جولي، نفسي أبص في عيونك وأسمعها، نفسي أحس إنك بتاعتي العمر كله، خايف.
تنهدت… خايف؟ خايف من إيه.
هتف… خايف يبعدوكي عني. عارف إني يعني لسه في أول حياتي، بس والله حاسس ربنا هيوسعها عليا، وهجبلك نجمة من السما يا جمر. حالي كله ليكي يا جلبي. خايف يتكاترو عليكي وياخدوكي مني، بس والله ناوي أحطك بعيوني، وأحبلك الحلو كله، داني مخطط لحاجات ياما.
هتفت بسعادة… صوح، هتجبلي زي البنات.
هتف… أجبلِك زي البنات؟ أنت مش زي البنات، يا جلبي، أنت تتاجلي بالخير كله، وأني عهد عليا، هـ البسِك حرير، وأصيغك، وأشورك أحلى شوار، بس تصبري عليا. أصحك تسمعي ليهم.
تنهدت بغلب… أسمع لمين.
هتف بوجع… أني واعي إنك جمر، ومتشوفة بالجوي، والكل رايد، وعارف وسامع الرجالة هتنهبل، وبتلفلف عليكي، خايف تيجي في يوم يبعدوكي عني.
هتفت… ما تجولش أكده، أني، أني.
هتف… وحياة أبوكي وأمك، تجولي أنت إيه؟ جولي.
نظرت إليه بعشق… أني، أني… أني بحبك جوي، واستحالة أكون لغيرك واصل، لو بموت.
نظر إليها بعشق، فشدها إليه، واحتضنها بقوة، وهتف… بس ما عايزش حاجة تانية. أني خلاص، يا جلبي، أني أكده طولت الدنيا، وكفاية إنك اختارتي جبل يكون ليكي حبيب.
تنهدت… يعني هتاجي تكلم أبوي.
هتف… اصبري عليا هبابة، أني ليا تجارة بسيطة أكده، عشان لما تخلص، أجيبلك الشوار بتاعك، هاجي أكده إزاي، مامعيش، وأنت لازمن تتجلي بالدهب.
ابتسمت… وأني ما عايزااش حاجة، عايزاك طيب.
نظر إليها بعشق… طب لاجل كلامك ده، استني.
واستدار، وأحضر كيساً، ومعه لها.
بصي، جبت ليك إيه.
نظرت إليه بعشق… إيه.
أخرج علبة من… افتحي.
فتحتها، فوجدت فستان أحمر من الحرير الستان بحمالات عريضة، وعليه فيونكة سمراء عالوسط، ظلت قصيرة، وبه طبقة من التل تحت الفستان تظهر من تحته.
نظرت إليه مبهورة، تتلمسه.
ده ليا أني.
هتف… أيوه يا جلبي، ليكي.
قامت مسرعة تتلمسه وتضعه عليها.
بس ده، ده، ده ضيق جوي وجصير، بس مش مشكلة، حلو، حلو، هلبسه، جمر جوي، بص، فرح بت الشيخ إبراهيم بعد بكرة، هلبسه، وتيجي تشوفني.
ضحك وهتف… طب مش تستني أما أربي جرون يا جلبي.
نظرت إليه باستغراب، فضحك… أنت هبلة؟ هو أني جايبه تخرجي بيه.
هتفت… أمال جايبه ليه.
اقترب… يعني أني هلبسك أكده. ده ما حدش يشوفك بيه، ده هيبقي عالجمر مفسر، ما هتحملش.
هتفت… أمال جبته ليه.
مسك يدها وقبل يدها وهتف… ده هتلبسيه بعد كتب كتابنا، لما الناس تمشي، هشوفك بيه. تخيلته عليكي، ياكل من جتتك، حتة، تخيلتك بيه في حضني، وآخدك وأشيلك أكده، وألف بيكي، وأجعد أرقص معاكي لوحدنا.
هتفت بخجل… بتجول إيه.
أرقص.
هتف… لاه، هترقصي، داني بحلم أشوفك بتتمايلي جدامي. جلبي هيجف وربنا. أني طولت الجمر، أخدك في حضني ساعتها، وأتوه معاكي. جبتهولك لما شفته، جولت ده لجلبي، أتهني بيه يوم كتب كتابنا، وتفرديلي شعرك النار اللي عارف ما بتفرديه لمخلوج. يبقى واخد عجلي.
تنهدت… وأني كمان نفسي ألبسهولك. عارف يا جبل، أني صحيح العين عليا، بس فيه حاجات أكده صايناها لراجلي، مشاعر، حلبي، كلامي، عمري ما حولت حاجة لغير اللي دخل جلبي، وأنت دخلت جلبي يا جبل بالجوي، وفرضت شعري هتبقى على كتفك أنت وبس.
هتف… حاسس إن جلبي هيجف. يتجفل علينا باب، أشوفك لابساه.
هتلبسيه وهشوفه عليكي، أتملي منك ليا لوحدي، ما حد يشوف طرفك.
قبل يدها… أنت جوهر.
هست… أني جهره يا جبلي.
همس مقبلاً يدها… أنت جوهرتي، الجمر اللي نور حياتي، أنت دنيتي الحلوة اللي بخططلها، بخطط لحاجات، أنت معايا فيها، جبل العالي بيه كبير، معاه، ومعاه، وجنبه مرته جمر، اللي ما حد يطولها، وجبل طالها، وحطها بعيونه.
همست… مسنية اليوم ده جوي.
همس… هياجي، وأوعدك إنه هياجي.
وتحتضنها، وظل جالساً بجوارها، يصب عليها عشقه. التصقت قمر بجبل، وأصبحت له كروح أخرى، نفس لا يفعل شيء إلا بمشورتها. كانا كزوجين عاشقين، كل منهم في مكان. كانت تنام على كلامه، وتمتثل له كطفلة محبة عاشقة.
كان أبوها ينغص عليها حياتها، ويدخل يسم أفكارها بكلامه عن الخدم والذهب والحياة الراغدة. كانت تصده، ولكن العقل صغير، مهما كان، فالزن له سحر. كانت تحاول أن تحمي قلبها، كانوا يتهافتون عليها، ولكن للقمر قلب دق لأحد، وليس أي أحد، إنه الجبل. فقلب قمر يمتلكه جبل. امتلكها ذو العنفوان والقوة، يمتلك قلبها، وتمتلك قلبه.
كانا من عائلة بسيطة، وهيا أيضاً. كان جبل شاب ليس له إلا أمه وفقط، ولكنه رجل عن حق، يعشق قمر، وينوي الزواج بها. ولكن ظروفه ضيقة. كان يمتلك قطعة من الأرض على أطراف البلد، ودار صغيرة جداً بجانب الأرض مبنية من الطين. كان حالته صعبة، ولكنه يعافر ويعافر، يحاول أن يتاجر في أي شيء، حتى يحقق لتلك الجميلة التي اختارته ما تريد.
كانت تنتظره، كما وعدها، واقترب ميعاد وعده. دخل عليها والدها ليخبرها ما جعل قلبها يقف عندما… آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآوآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآفآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآ
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل السادس 6 - بقلم ميفو السلطان
دخل عليها والدها وكانت تستعد لمقابلة جبل.
دخل عليها.
"أيوه حبيبتي، بقولك عماد ابن وهدان الراعي خد ميعاد وعايز يجي يشوفك وتشوفي بعض."
هوي قلبها. "إيه إيه، بتقول إيه يا أبويا؟"
هتف: "البسي، الراجل زمانيته جاي."
صرخت: "هو إيه اللي زمانيته جاي؟ أنا خارجة، هو سَلَج بيض!"
هتف: "بت انت، الواد جاي من السفر، بيشتغل في إيطاليا وعنده دار في البلد ودارين في البندر. جمر، قومي البسي حاجة كويسة أكده وتشرح الجلب، جاي يشوفك، يلا همي."
بهتت: "يشوفني ليه يا أبويا؟ أنا ما أعرفهوش ده."
هتف: "يا بت همي، دا الواد لسه جاي من إيطاليا، جاي يزورنا."
دخل مسعد. "ويزورنا بتاع إيه؟ تعرفه ده؟"
نظر إليه أبيه بغضب. "انت مالك يا حزين يا فجران؟"
هتف مسعد: "جاي يشوف جمر صح؟ ياخدها؟"
هتف حمدان: "دا يوم المنى."
صرخ مسعد: "على جثتي، اللي بيشرب خمرا دا مفضوح وبيِتْصَوَّر بكاسات الخمرة في إيطاليا."
هتف الأب: "يجيلك ويحط عليك، انت مالك؟ دا عنده دار في البلد ودار في البندر وهيفتح مصنع أغذية. قومي يا بت."
هتفت بقهر: "يا أبويا، أنا خارجة. بتجول إيه؟ هو على طول أكده."
على صفحة حكايات ميفو.
اقترب ومسكها. "خرج عليكي عفريت، اتلمي."
هنا سمع خبطًا على الباب.
قال: "همي، البسي." وتركهم وخرج يستقبل الضيف.
لم تعلم ماذا تفعل، جلست مقهورة، فجبل ينتظرها.
خرج حمدان وفتح ودخل الشاب ومعه الهدايا والكثير من الأشياء، وحمدان كالمهبول يرحب به.
نظرت هيا لأخيها هاتفة: "مارايداش ده."
هتف: "ماتخافيش، ده بالذات لو مات أكده ماهياخدك." وخرج يجلس معهم، وقلب وجهه ولم يسلم على الشاب وأبيه مشتعل.
والآخر أحس أن مسعد لا يرحب به، فهتف: "إيه يا مسعد، ماهتسلمش عليا؟"
هتف مسعد: "لاه، بس أصلي متوضي."
هتف الشاب: "ليه؟ أنا مرة تخاف مني؟"
هتف مسعد: "الأخبار إيه؟ إيطاليا بيقولوا نسوان وخمرة."
ارتبك الشاب: "هاه، مالي بيهم دول."
نظر إليه مسعد نظرة أربكته.
فهتف الأب: "عماد محترم، مالوش في أكده."
ضحك مسعد: "أيوه، أمال."
هتف حمدان: "يا جمر، تعالي اعملي شاي."
خرجت قمر مقهورة وحضرت الشاي وخرجت لهم.
أحس الشاب أنه دخل الجنة، فقمر تخطف العقل.
"إيه الحلاوة دي."
ابتسم الأب.
هب مسعد: "حطي المدعوء ده وخشّي، مش كتير، خارجة. يلا اِخْرُجِي."
هب الشاب: "فين؟ أوصلها معايا عربية."
هتف حمدان: "يا ريت، دا حتى ماتتعبش."
هتف مسعد: "لاه، خيتي مابتركبش مع جدعان."
نظر إليه حمدان ساخطًا.
كانت قمر تقف عند المطبخ تتمنى أن يمشي، وتليفونها يرن، فجبل ينتظرها، فقفلت عليه.
***
كان جبل يجلس على القهوة ينتظرها أن تمر، ليسمع سليم جالسًا يكلم صديقه.
"شفت ابن الجزمة عماد الخمورجي."
هتف صديقه: "ماله؟ أه، عارفه، لسه جاي من إيطاليا عمنول."
هتف ساخطًا: "جاعد في بيت جمر بت حمدان، أمه هتنهبل على البت، وده لسه جاي من السفر، مالحجش يريح جام، راح شايل ومحمل."
هتف الشاب: "يا بختها."
صرخ سليم: "ربنا ياخده، دا خمورجي وفلاتي، ماتنفعلوش دي."
هنا شعر جبل بالموت، ليقوم ويبتعد ويتصل بها بجنون، وهي أقفلت عليه.
صرخ بحرقة: "نهارِك أسود يا جبل، البت جاعدة مع الواد، أه، مابوها بيحرب عليها. أموتُه. أروح أموتُه. إيه الحزن ده؟ هموت. لاه، ماياخدها، يمن الله، أخد روحه. أه، خمورجي وواطي، لاه، أنا ماقدرش، هيا جاعدة له، والله أروح أموتها وأموت حالي. جلبي هموت."
ليهب ويتجه إلى بيتها. وجد عربة عماد. "أه، عربيتُه أه، جدام البيت. أعمل إيه؟ أعمل إيه؟"
فكر. فكر. ليحوم حول البيت ليجد نافذة مفتوحة.
لمح مسعد وعماد، ولكنه لم ير شيئًا آخر. "أعمل إيه؟ فين البت؟ هموت."
اتصل مرة أخرى، فسمع رنته، استدار يلف، فلمح شباك صغير، كان شباك المطبخ.
اقترب ووقف تحته، وظل يرن بجنون، وهي بالداخل تقفل.
فصرخ: "ردي على الهباب."
سمعت هيا صوته من الشباك لترتعب. فتحت الخط.
فصرخ: "اخرجي حالا، وإلا يمين الله أخش أخرج جلبه."
همست برعب: "جبل، إيه اللي جابك؟"
صرخ: "إيه اللي جابني؟ لاه، أعد أربي جرون في داري، والبت بتاعتي جاعدة لغيري يسبسب لها. الخمورجي اللي جابني. هخش أقتله، يمين الله، بتجعدي يا جمر مع حد غيري؟ عايزاني أقتلك؟"
هتفت بقهر: "والله ما قعدت، دا مسعد وأبويا. أنا حطيت الشاي واستخبيت."
ليصمت قليلاً، ويجد كومة من التراب ليصعد عليها ويقفز فوق سطح البيت.
فهتف: "أنا فوق، اطلعيلي."
ارتعبت: "يا مري، فوق فين؟"
هتف: "فوق الدار. يمين الله، لو جعدتي معاه، لإنزل أموت روحي جوا داركم، بس بعد ما أكون خدت روحه."
ارتعبت واتجهت للسلم. لمحته، فاشارت إليه. "بالله امشي، ماتفضحنيش."
هتف: "جمر، ما أقدرش، والله أموتك فيها. جعداله ليه؟ انت."
هتفت: "والله حطيت الشاي بس."
صرخ: "وتحطي الطين ليه على أيامه؟ ألا هي يطفحه وما ينزل جوفه. هاه، عاجبك؟ خارجاله ليه؟ أموتك أنا."
نظرت إليه ونزلت دموعها، وظلت تنظر إليه، لتستدير وتنزل مقهورة.
"أكده بقى أنا بستخبي، وانت تجول عاجبك أكده؟ طب روح بقى، أنا زعلانة منك، ماكلمكش إلا أما توعي انت عندي. إيه؟"
وقفلت الخط.
شعر بالجنون، وهيا تبكي بالداخل، ليأتي لها حمدان. "بتعيطي ليه يا حزينة؟ دا شايل، تعالي أوريكي جايب إيه، دا جايب من بره."
هتفت: "لاه يا أبويا، سيبني."
إلا أنه شدها. "تعالي يا جمر، عماد مش غريب، اجعدي."
جلست هيا جنب مسعد، أحنت رأسها بحزن.
وهنا وقف جبل بالخارج، ليجدها جالسة، ليحس بروحه ستخرج.
أما بالداخل، كان الشاب يتفنن في شد انتباهها بلا فائدة.
ليقوم ويسلم ويتجه للباب ومعه حمدان. "أنا مبسوط جوي يا با حمدان، قريب هاجي ونفرح كلنا."
هتف حمدان: "تنور يا ولدي، دي دخلتك بالدنيا."
هتف عماد: "ما إحنا هنبقى أهل بقى." وضحك ومشى.
وجبل سمع ذلك ومنع نفسه أن يذهب ويقتله.
دخل أبوها غاضبًا صارخًا، فسمعه جبل الذي وقف بجوار الشباك.
"انت جاعده كيف الميتة ليه أكده؟ تعالي بصي جايب إيه، حاجات هوانم."
صرخ مسعد: "ماتبطل بقى."
أخذ حمدان لقمر الأكياس: "شوفي أكده، حاجات تهبل." وبدأ في عرض المشتروات، وهيا تنظر إليها بغلب، فكانت أشياء من الخارج تخطف العين، ويبدو أسعارها عالية.
هتف مسعد: "والله لو جاب مال قارون ما هنوافق على الخمورجي ده."
تنهد جبل وشعر ببعض الراحة.
سمع الأب: "أدعي عليك بإيه يا أخي؟ سيب خيتك بقى وارحمنا من فجرك. شوفي حاجات هوانم، مال وجاه وعز، يا بت، هتلبسي وتبقي هانم."
قامت هيا مقهورة تلمس الأشياء بحسرة على بختها. ورآها جبل، شعر بالحسرة، فهي شابة وتريد ما يعيشها في رغد.
ليبتسم عندما رمتهم. "لاه يا أبويا، أنا ما هاخدش إلا اللي قلبي يريده."
صرخ أبوها: "انت عايز تحصروني؟ الواد معبي فلوس."
صرخ مسعد: "مش بالفلوس، برضا ربنا والجلب الطيب."
قامت قمر ودخلت حجرتها، وتركتهم يتشاجرون، وجلست حزينة، لا تعلم ماذا ستكون عليها دنياها، فالعرسان تأتي من كل حدب بثراء لا تحلم به، ولكنها لجبلها، وقلبها متعلق به.
وقف جبل يشعر ببعض الراحة، أنها رفضت، ولكنه يعلم أنها حزينة منه. ليفكر كيف يراضيها. ابتسم وعاد لبيته.
اتجه إلى دولابه وفتحه. ووجد مال تجارته. "مش مهم يا جبل، انت مبتجيش جارهم، لو هتموت، بس لازم تسعد حبيبك، أيوه." (والنبي غلبان وصعبان عليا).
واستدار وأخذ منه مالًا ونزل المركز وعاد سعيدًا يلف ما أتى به، وظل يحلم بحبيبته وكيف سيسعدها.
مرت أيام، ورفضت قمر ذلك الشاب تمامًا، ومسعد ثائر على أبيه، وأبيه يشتعل. خرجت هيا حزينة، فهي قفلت تليفونها زعلًا منه.
كانت تمشي ليرن تليفونها، وجدته جبل، فلم ترد. بعث لها رسالة: "أنا عند منزل النيل، لو ما جتيش هنحدف فيه، وما عدتش هتشوفيني."
شعرت بالوجع، فاتجهت إليه. اقتربت منه ليندفع ويمسك يدها ويقبلها. "اتوّحشتك جوي، أكده أربع أيام أكده تحصريني؟ داني بموت من غيرك، جمر، انت روحي."
هتفت بغضب وشدت يدها. "ليه مش بتجولي جاعدة ومبسوطة بجعدته؟ جاي ليه للي جاعدة لغيرك؟"
تنهد ومسك يدها. "طب حقك عليا، كنت هنجلط، والله كنت محصور. ياخد حاجتي، منعت نفسي أموته. والله جتتي شاطت، ولما سمعت أخوكي، وانت حسيت بروحي بتردلي. جمر، أنا أموت لو تروحي لغيري، انت جلبي، والله انت نفسي، انت جبل وحال جبل."
تنهدت وأحنت رأسها. فهمس: "حبيبي زعلان مني، صح؟"
هزت رأسها. فهمس: "طب واللي يصالحك؟"
نظرت إليه ببراءة. فاخرج لها علبة قطيفة. نظرت إليه، فمد يده وأعطاها إليه. مدت يدها وفتحت العلبة لتشهق. أمامها خلخال ولا أروع، عليه أحرف داير، كانت بداية حروفها وحروفه تتدلى من الخلخال، وبينهم فصوص لامعة. دمعت عيونها. "إيه ده؟ ده ليا يا جبل؟"
اقترب وقبل يدها. "ليكي يا عيون جبل."
ابتسمت. "ده منين؟ حد بيعمل إكسسوارات حلوة أكده كنها دهب."
ضحك: "ده دهب يا جلبي."
بهتت ونظرت إليه. "دهب؟ انت جايبلي دهب؟"
هتف بسعادة: "دانا أجيبلك ألماس، بس تصبري عليا."
همست: "دا حلو جوي يا جبل، إيه ده؟ وحروفي وحروفك."
وبدأت تضعه على قدمها.
ليمسكها منها وينزل راكعًا على قدمه يلبسها إياه، وهيا تنظر إليه بسعادة. "تتهني وتلبسيها." ورفع وجهه ليجدها تشع سعادة. "ده حلو جوي يا جبلي."
ابتسم: "ده حبيبي، رجله اللي تحلي، بلد الجالب عسلية وجمر."
قامت تدور وترى نفسها. "حلو جوي جوي، يا ااه، ما أصدقش إنك جبتلي دهب."
هتف: "اللي تتمنيه هاجيبه."
همست: "صح، والنبي."
هز رأسه: "تتمني إيه يا جلب جبل؟"
سهمت قليلاً: "عارف إيه أتمنى؟ بيت في البندر. لاه، مش بيت، قصر أكده كبير بجنينة كبيرة، وأنا وانت ونعمل فرح كبير جوي، وألبس فستان."
واستنت، وفتحت تليفونها. "شوف ده. هبعتلك فستان للخطوبة والتاني للزفاف. أعمله بحلم بيهم يا جبلي. وعايزة خاتم ألماس زي بنات البندر، خاتم كبير أكده يخزي العين. وعايزة فساتين كتير. عارف البتاع اللي بيبنوه ده، بيقولوا عليه دريسنج؟ تبنولي وتجبلي فساتين كتير، مش أكده؟ هتجبلي يا جلبي."
نظر إليها بسعادة: "عهد عليا، لاجيبلك كل اللي جولتيه. هييجي يوم وتتسعدي يا جمر."
ابتسمت هيا، فقام. "يلا، عاملك خروجة نار."
نظرت إليه: "فين ده؟"
هتف: "يلا، بس إني هركب وأستناكي عند محل العصير في البندر، يلا."
وأخذها وذهبا. ركبت هيا وهو وراها، كان يتحمل نظرات الشباب إليها بطلعة روحه. تقابلا بعيدًا عن الموقف، وأخذها وذهبا إلى الملاهي. أخذها يسعدها بأي طريقة، حتى لو كانت بسيطة، فالسعادة مع الحبيب غير.
كان جبل عاشقًا وعاشقًا عن حق، وقمر شهدت على ذلك العشق، ولكن المغريات أمامها كثيرة.
قضيا اليوم، وأخذها إلى أحد المطاعم الكبرى. ودخل بها. أحست بالرهبة. "جبل، انت واخدني فين؟"
ضحك وهتف: "يلا، بس تعالي، إحنا يعني مش أجل من دول، تعالي."
ودخلت معه، تتكلبش في يده. كانت صغيرة، ولم ترَ من الدنيا جمالها بعد، وتسمع فقط.
أخذها وجلسا، واقترب الرجل. فهتف جبل: "جمر هانم، تاخد إيه؟"
رجف قلبها: "أي حاجة."
نظر للرجل وغمز له، فاستدار الرجل وأحضر أصنافًا من المأكولات عديدة. همست: "جبل، الحاجات دي غالية جوي، انت بتعمل إيه؟"
هتف بعشق: "ما يغلاش عليكي حاجة، واصل. دانا أقطع عيوني ليكي، والله."
ابتسمت وهمست: "ربنا يخليك ليا يا جلبي."
مسك يدها: "عارفة، أهو دي عندي بالدنيا. ادعيلي يا جلبي، داخل تجارة إيه نار، هحط فيها كل فلوسي، وعارف ومتأكد إني هكسب منها كتير." (الواد ده مبيقولش إن شاء الله ليه؟).
ابتسمت: "بس اوعي يا جبلي، لما تغتني، تنساني."
مسك يدها: "أنساكي؟ دي لما أكون ميت يا جمر، ما أعرفش أنساكي. الروح ماتتنساش، تطلع وتموت، بس انت روحي يا جلبي."
ابتسمت بسعادة، وظلا هكذا إلى أن سمعت صوتًا. بدأت أغاني عيد ميلاد. همست: "إيه ده؟ دا باين في عيد ميلاد زي بتوع الزوات."
ضحك بعلو صوته، وبدأ البلالين تطير والإضاءة تزيد. قام ومسكها. همست: "يا بختها بحبيبها يعملها كل ده."
ليأتي العاملون بالشموع، وآخر بالتورتة، وآخر يقف خلفهم ويرمي عليهم قصاصات لامعة، وهيا تقف مبهورة، وهو ينظر إليها. كانت تضع يدها على قلبها مبهورة، والكل يصيح.
اقترب هو وقبل يدها. همست: "جبلي، انت عملت كل ده عشاني."
همس: "لو طلبت، أجيبلك نجمة من السما، أجيب، يمين الله."
لمعت عيونها، وشلت الكلمات بداخلها. لم تجد ما يعبر عن بداخلها، لتندفع تحتضنه. "بحبك جوي جوي جوي."
ظل يدور بها هامسًا: "وجبل عاشق الجمر، عاشق لروحها. جبل شكلها، جمر روحي وحياتي."
مسكها من يدها وقبلها، ليقف الجميع يتمنون لهم الخير.
انتهى الاحتفال، وخرجت هيا وهو يشبكان أيديهم. همست: "عارف يا جبلي، لما نتجوز."
هتف: "يا رب، جربها يا رب."
تنهدت: "عايزة أجيب عيلين، وهسمي ابني جبل، عشان إني بحبك جوي."
ابتسم. هتف: "أنا ماعايزش من الدنيا إلا انت يا جمر، تجيبي ماتجيبيش، عايزك انت."
همست: "بتحبني جوي أكده؟"
ضحكت: "عارف، لما تتاجر بقى ونكبر وأكده، تروح بقى لغيري، مانت معاك فلوس، وأنا زهوتي هتروح، والحريم يلفلفوا عليك."
نظر إليها نظرة دخلت لقلبها: "حريم إيه؟ أنا يمين الله، ماتوا في عيني، والله لو ملط ما ببص. جمر، انت معايا لحد ما أموت، عليت وطيت، بس تبقي معايا. بتمنى ليلتي معاكي، انت ليلتك جنة، بتمنى يدخل علينا دار، أشيلك من أول الدار لآخرها، وأحطك بعيوني، أتهنى بيكي. مش متخيل لما يدخل علينا مجعد، هيبقي حالي إيه."
ابتسمت ونظرت إليه: "هيبقي حالك إيه؟ هتبقي أحلى عريس في الدنيا، عريسي أنا."
نظر إليها بعشق: "ليلة من الجنة. آخدك وأفرح بيكي، وتطيريلي عقلي."
ضحكت وقالت: "وأرقص لك، مش أكده؟"
ضحك: "لا، الرقص ده أساسي، انت هترقصي لي كل ليلة عشان أنهبل أكتر وأكتر. ما متخيلش والله حالي معاكي."
نظرت إليه بعشق: "هعيشك أحلى عيشة، أدلعك وأهننك، وأديك حالي وروحي، انت جلبي يا جبل، واخد جلبي."
نظر إليها بعشق: "طب أعمل إيه في جلبي؟ ماعدت بتحمل، بفكر فيكي كيف المجذوب، وعايش رعب إنك تروحي مني. جمر، أنا أحلم بليلتنا كل يوم، يمين الله، بحلم بليلة حبيبي يبقى ليا. هنهبل، ماعدت عارف أعيش، بحبك جوي."
همست بلين: "ماني كمان بحبك جوي."
اقترب ومسك يدها: "لاه، يمين الله، ما متخيلش عيشتي يا جلبي. عمري ما تخيلت إني أحب أكده، أو يعني إيه عشق من أساسه. أنا كنت بعيد وببعد، بس ربنا أراد إني أاتكلبش من جلبي. انت مكلبشة جوايا، عيوني ما بتشوف غيرك، ليلي ما بيعدي من غيرك. تصدقي، حتى اللقمة بجعد أفكر فيكي وأنا باكلها، بفكر إني بوكلك بيدي، وانت في حضني."
دمعت عيونه. اقتربت ومسكت وجهه: "جبلي، انت بتدمع؟"
همس: "من العشق اللي بياكل جتتي، العشق نار، خلاني مهبول بيكي، والله يا جمر، انت نور عيوني من جوه. بتمنى تكوني في حضني اليوم، بكرة."
هتف بغلب: "أنا تعبت، عايزك، وهموت تبقي ليا."
ضحكت: "اتجدعن انت بس، واتحرر، وتعالى اِتْقَدَّم، إني أبقى ليك على طول."
هتف: "والله بمحط في الصخر، بمين الله. كنت الأول عايز أعلي، دلوقت عايز أطول السما عشان أجيب النجوم تبقي تحت رجلك يا واخد جلبي."
همست: "انت نعمة ربنا ليا، يخليك ليا."
همس: "وأنا مهما حصل، هفضل أقول حبيبي وعشقي ونصيبي، انت نصيبي يا جمر، وماهيكونش غير كده." (برضك ماجالش إن شاء الله يا ولد يا ولد).
انتهى اليوم، وعاد جبل وقمر، ودخل جبل بيتها، لتبهت فمسعد يجلس حزينا. اندفعت إليه: "مالك يا جلبي؟ زعلان ليه؟"
تنهد: "مافيش، مافيش يا خيتي."
اقترب حمدان: "مافيش، جول، ماتجولش مكسوف إنك مامعكش فلوس تكشف على مراتك التعبانة في حملها عند دكتور كبير، أهو، الفجر ابتدى، وحزنه الأسود."
وقفت قمر: "فيه إيه؟"
هتف مسعد: "مافيش، منال بس تعبانة شوية ومريحة جوا."
قامت مسرعة لتجدها تنام في الفراش شاحبة. "مالك يا جلبي؟"
تنهدت منال: "مافيش، حبة تعب أكده مع الحمل، انت عارفه، بس تجيل حبتين."
هتفت قمر: "طب نكشف عليكي."
أحنت منال رأسها، فهي تعلم حال زوجها: "لاه، خلاص يا جلبي، هبقى كويسة، اعملي بس حبة نعناع."
شعرت قمر بالأسى عليها وقامت، وفي خرجتها سمعت مسعد: "ماتبطل بقى، انت إيه؟ مابترحمش؟ كل حاجة الفلوس؟ أما أغور، جايز ربنا ياخدني." وخرج ورزع الباب.
وقف حمدان: "تعالي، اشهدي على الفجر، تعالي يا بت حمدان، شوفي آخرتها. لو اتجوزتي فجران، هتنامي متلجحة زي مرات أخوكي، ما جدرتش تقوله: وديني لحكيم. تمرط نفسها وعيالها، وما تقوله: وديني، عشان مافيش. إيه حب ده؟ منعول أبو الحب. الـ... حب الـ... الحب من غير فلوس يموت. فكري وفكري، جبل ماتجيبي واحد فجران، هتعيشي تفكري في اللقمة، في العوزة، لما تمرضي، لما عيالك نفسهم في حتة مسكرة، أو حاجة يلبسها، لما عيالك جدامك يجولوا: يا ما، العيال بيصرفوا، ليه أنا مابصرفش؟ لما تلاقي نفسك لابسة جلابية مجرحة، وراح لونها، وبقيتي شكل الخدمين، ورجليكي تشجج من الخدمة. اعرفي ده جواز الفجران. إنما جواز الغني بيت وهانم ورجل مدهونة مسك ودم غزال، فلوس، وتنامي على فلوس، خدم وعز، تروحي لحكما البلد، وتتبغددي، ويجيب ويحط دهبات وخير، خير الفجران لقمة حلوة وحتة دهب مجيحة شكله. إنما خير الغني جسور وعز. بصي لحالك، واوعي لنفسك، واعرفي إنها فرصة يا بت حمدان. يا تعيشيها صح، يا تموتي بحسرتك طول عمرك، وشبابك بيروح في الفجر والحزن."
تركها وجلست هيا ساهمة، تشعر برهبة من كلامه، وداخلها بعض الخوف، فمنال تبدو كالميتة أمامها، ومسعد لا يقوى على الصرف عليها عند الحكماء. لتبهت وتجلس، والشيطان قد بدأ يلعب برأسها، لتنتفض وتحاول أن تبعد كلام أبيها، وتذهب مسرعة تكلم حبيبها، تأخذ منه جرعة من الحب تقويها على نغوات أبيها.
مرت الأيام، ليأتي يوم، ذهبت هيا تقابله، لتجده محني الرأس. اندفعت إليه، فرفع عيونه، لتبهت عندما وجدتها تلمع، لتشعر برعب عندما قال:
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل السابع 7 - بقلم ميفو السلطان
اقتربت قمر من جبل لتجده محني رأسه.
رفعت عيونه الدامعة، اندفعت إليه وهتفت:
"ايه فيه ايه؟"
نظر إليها دامعاً، مسكت وجهه:
"ايه يا جلبي فيه ايه؟"
تنهد وهتف:
"أقول ايه، لله الأمر من قبل ومن بعد."
هتفت:
"أمك بخير؟"
هتف بحزن:
"أيوه الحمد لله."
هتفت بلهفة:
"طب ايه متحصرنيش."
قال بقهر:
"التجارة اللي كنت بتاجر بيها اتحرجت في المحل اللي كنت مشارك فيه وراح عليا كل حاجة."
هوى قلبها رعباً، وظلت مشلولة.
خفق قلبها وهتفت:
"ايه التجارة كلها كلها ماعتش حاجة واصل؟"
هتف:
"لاه ماعتش ما عارفش ليه أكده، لله الأمر."
ظلت ساهمة تفكر:
"طب وبعدين يا جبل هعمل ايه؟ انت خابر أبويا ما يسكتش وأني..."
اندفع ومسك يدها:
"هعافر تاني والله، أمي عندها دهب هاخدهم وهعمل بيهم تاني وما هسكت وهنحت في الصخر عشان أجيب لك اللي تريديه، بس اجفي جاري يا جمر، إني عاشجك، أموت لو سبتيني."
تنهدت:
"أسيب ايه بس، إني ما أقدرش أسيبك، بتجول ايه انت."
ابتسم بحنان:
"صوح والنبي ما هتسيبينيش، وانت بيجيلك عرسان ياما إني خابر."
تنهدت، فهي أصبحت في ضغط رهيب:
"هتفت وإني هستنى يا جبل، انت ما تقدرش تبعد عنك دقيقة، إني أموت فيها."
قبل يدها:
"واني عهد عليا لا أكون ليكي كيف ما تحبي."
ظلت جالسة معه تبثه من حنانها رغم حزنها، فهي ظنت أنه قريباً سينعدل حاله، إلا أن لله حكمة في ذلك.
دخل عليها أبوها فهتف غاضباً:
"بت سليم كلمني عايز يجي يتجدم."
هوى قلبها وهتفت بقهر:
"ما عايزاش دلوقتي، هو كل حبه عريس؟"
هتف غاضباً:
"انت لازم دلوقتي تقوليلي ما بتوافقيش على سليم ليه، هاه فيه ايه يتعيب؟"
هتفت:
"يا أبوي ما رايداهوش، ما تهملني لحالي."
هتف:
"بصي إني ما أقدرش أقول له لا، بس انت اجعدي معاه وجولي له لا، إني تعبت."
هتفت:
"لزومه ايه طيب، ما تقول من بره بره."
هتف:
"لاه تاجي منك، إني خزيان، دا كل وشي."
هتفت:
"طب سيبني بس ليا شهر امتحانات، والله يحلها."
مر الشهر وجبل يوعدها أنه بعد الامتحانات سيأتي هو وأمه بعد أن أخذ الدهب، على الله يصلح ما بين يديه.
ليمُر الشهر وتنتهي امتحاناتها ويتصل بها جبل.
هتفت:
"جبل إني نجحت ومجموع كويس، إني هقدم في المعهد بتاع السكرتاريه أو المحاسبة اللي ياخدني فيهم."
هتف بحزن:
"مبروك يا جلبي."
هتفت هي:
"مالك فيك ايه؟ صوتك موجوع."
هتف:
"ما خابرش أقول ايه، ماليش عين أنطق."
هتفت:
"فيه ايه؟"
هتف:
"فلوس الدهب خسرتها."
هنا سقط قلبها:
"ايه بتجول ايه يا مري دا، ما فيش غيرهم، انت بتجول ايه، هنعمل ايه دلوك."
هتف:
"ما خابرش ما خابرش، حاسس إني هموت محصور."
تنهدت وصمتت، لم تجد ما تقوله، فصرخ:
"بس يمين الله ما هقف، إني هتصرف، شالله أبيع أرضي وأعمل لك اللي تريديه."
هتفت:
"تبيع أرضك وبعدين نخسرها برضك."
"جبل إني إني..."
هتف:
"اصحك تجولي حاجة عفشة، بالله عليكي ما أتحمل وجع، جمر إني بنام أحلم بحضنك، بالله ما تجهرنيش."
تنهدت وهمست:
"طب هنعمل ايه؟"
هتف:
"اصبري معايا، مش انت بتحبيني يا جلبي، اصبري."
تنهدت:
"أبويا ما يسكتش."
صرخ:
"انت بتحبيني يبقي تقفيله، فاهمه."
تنهدت وهتفت:
"ربك يفرجها يا جبل."
وقفت الخط وأجهشت بالبكاء.
دخلت عليها منال:
"مالك يا جمر."
هتفت:
"تعبت يا منال، تعبت، متمزعة ما بين جلبي وعيشة الدنيا، إني ليا حق أفرح وأشتري وأتهنى، بس برضك عايزة الحب والعشق."
تنهدت منال:
"بصي يا جلبي شوفي... إني بحب أخوكي وأخوكي بيحبني، بس الحال ضاج خالص، بعد ما حملت رايدة حاجات ما أعرف أجيبها وهجيب عيل ما أعرف أجيب له. مش معني أكده إني حرانة على عيشة أخوكي لاه، إني بحبه وأستحمل، بس انت بره يبقي من الأول اختاري اللي يراضيكي، الحب مع الحوجة بيوجع."
وتركته وذهبت.
ظلت جالسة تفكر في كلامها.
مر اليوم فدخل عليها أبوها:
"قومي سليم بره."
تنهدت:
"تعبانة يا أبوي، هملني."
هتف:
"انت عايزة تموتيني محصور صوح، انت بتجهريني ليه، عايزة ايه؟ الناس أكلت وشي وبقوا يتغمزوا عليكي إن فيه حاجة عيب."
هبت:
"ايه عيب أكده عيب."
هتف:
"أمال ما بتوافقيش ليه، بتكبري اللي زيك جابوا عيال. قومي جاب لي الراجل."
نهضت وقامت ودخلت على سليم.
ابتسم لها سعيداً واقترب:
"ازيك يا ست البنات."
هتفت:
"كيفك يا سليم."
هتف:
"شوفتك خلتني بخير."
تنهد فجلست وجلس بجوارها، فهتف:
"جمر إني رايدك، أجيب لك الدنيا، ليه مش موافقة؟ إني بحبك، بصي انت ليه مش قابلة، شوفي يرضيكي ايه يا جمر."
تنهدت فقام وأتى بعلبة كبيرة وأعطاها لها:
"افتحي."
فتحت العلبه، شهقت، ففيها كفوف دهب وأساور كثيرة.
هتف:
"دول هدية ليكي، والشبكة هبقى أده كده عشر مرات، وهكتب لك مليون جنيه مهر ومليون مؤخر، والشوار هيبقى كله من البندر، وعايزة دار لحالك، هجيب لك دار، عايزة أكتبها ليكي، هكتب، بس توافقي. جمر إني عايزك ليا، أخدمك بعيوني."
تنهدت بغلب.
هنا قام وأخرج شيكاً وهتف:
"أهه شيك، قبل حتى ما توافقي، أهوه مهرك، أو خديه أي حاجة تحت يدك."
كانت تشعر بالقهر، فإمامها راحة الدنيا، وفي الجهة المقابلة أمامها عشق الدنيا.
كانت الإغراءات كثيرة وتعثر جبل مرة تلو الأخرى، قد أصابها باليأس.
هتف سليم عندما وجدها ساهمة:
"شوفي هاخدك لبنان شهر عسل، ولو عايزة نروح كل سنة نروح ونسافر في أي حتة، هتبقي هانم، الكل يخدمك، هتكملي علامك وأعمل لك مكتب محاسبه، هتبقي جمر هانم، لأنك هانم، انت تتجلي بالدهب، يمين الله عايزة دار في البندر، هعمل لك، إني أساساً مش هعيش أهنه، عندنا مصانع هناك."
تنهدت وجلست لا تنطق.
فقام وهتف:
"بصي فكري، ولو حتى مش عايزة دلوقتي، إني مش هاخد الدهبات ولا الشيك، على أمل إنك تكوني ليا، يا بت الناس، هاه."
قام ونظر إليها:
"هتعيشي ملكة، جمر منورة في السما."
قام وتركها.
جلست هي ساهمة، في يدها علبة الدهب والشيك.
ودخل أبوها وجلس هو أيضاً، يغرز كلامه فيها، وهي صغيرة لا تعرف من الدنيا الكثير، وحال أخيها وزوجته لا يسر.
آتى الليل وهي وصلت من التخبط مداه.
صدح تليفونها فوجدته جبل.
أحست بالوجع، ظلت تنظر إلى الرنة ولكن لم تفتح.
كان يرن ويرن، وهي متجمدة لا تفتح.
وما أن انتهى، أحست بقلبها يئن.
جلست تبكي، لا تعلم ماذا تفعل، نار القلب ونار الفقر مقهورة.
قررت أن تتجه لربها، لعله ينير حياتها.
ذهبت لتصلي، علها ترى ما يريحها.
وإذا بها تحلم بدنيا جميلة.
حلمت قمر بنفسها تلبس فستاناً جميلاً من اللون الأزرق السماوي يلمع، وتزينت بكل الزينات، وبها جناحين كالملاك، وحولها الكثير من الأنوار.
ليتغير ويتلبسها فستان زفاف ولا أروع، يلمع ببريق الذهب والفراشات حولها من كل ناحية، وضوء كالشمس يغشاها، وهي تشع سعادة.
وجدت ممراً مضاءً من الجانبين، منثوراً عليه لالئ تلمع.
تدخل من باب قصر وتقف في وسط مكان يشع نوراً، والدنيا تدور بسعادة، لتصل إلى شجرة كبيرة، خط عليها "شجرة العشاق"، "شجرة الجمر".
وتعلو هي وتعلو، والسماء تنير بمصابيح ملونة، والشجرة يختلف زينتها، وهي تتزين مع تلك الشجرة.
لتظهر أخيراً في بهو قصر كبير، تحوم حولها الفراشات، وتحس أنها دخلت الجنة.
قصر كانت تأمر وتطاع، لتجد نفسها أخيراً مع شخص لا يظهر ملامحه.
لتسمع صوتاً مألوفاً:
"هيجيلك يوم وتنسعدي يا قمر."
كان الحلم رائعاً، ظلت تتأمل القصر وحفظت ملامحه، وشعرت أنه بيتها، والكل يقف ينظر إليها سعيداً، كأنها ملكة متوجة.
كانت تشعر بسعادة طاغية في الحلم، وهناك يد تمسك يدها، تحاوطها.
لم تعلم لمن تلك اليد، نظرت إليه، فكان ضبابياً، ولكن هناك دبلة سوداء في يده.
ابتسمت وتلمستها بحنان، فإذا به يقول:
"هتنسعدي يا جلبي معايا، بس اصبري."
خفق قلبها، فهمست:
"وجبل هينسعد برضك."
لينقشع الضباب ويظهر جبل يلبس حلة رائعة ويقف بعيداً بين الناس.
كان سعيداً.
ابتسمت:
"هينسعد هو كمان."
ليدير رأسه ويبتسم لها ويهز رأسه بسعادة، لتعلم أنه سينسعد أيضاً.
استيقظت في الصباح سعيدة بذلك الحلم.
ظنت أنه رؤية من الله، وأنها يجب أن تختار سليم وتترك جبل.
همست بوجع:
"إني شفته هينسعد برضك، جايز أحنا مالناش جدر مع بعض، وربنا بعتلي رؤية. ربنا يبعتلي الحلم ده."
شعرت بوخزة في قلبها.
هتفت:
"عارفة إني هنوجع وهو كمان، بس أعمل ايه، ما أقدرش أعيش أكده. إني صبرت كتير، بحبه وبعشجه، بس العشق مع الفقر صعب جوي، وهو ما عادش حيلته حاجة. هصبر على ايه، وربنا بعتلي الحلم ده يوديني في طريج الخير. إني حاسة إن آخرتي خير، يا رب خف وجعي ووجعه، بس هو صغير وهينسي. أيوه والرجالة لما بتقابل حد تاني بتنسي."
رن تليفونها مرة أخرى، فهو جبل.
شعرت بوجع ينهش قلبها، إلا أنها لم ترد.
أرادت أن تستجمع قوتها حتى ترد عليه.
ذهبت لتقابله على ذلك الجسر الذي شهد حبهم.
وما أن رآها حتى اندفع بقهر وغلب:
"أكده يا جلبي أكده، سبوع كنت هتجنن عليكي، جدرتي تبعدي، إني كنت هموت حالي في بعدك."
تنهدت وابتعدت وجلست، فرجف قلبه.
"ايه مالك يا جلب جبل."
هتفت:
"اجعد يا جبل نتكلم."
جلس:
"بصي إني بكرة مخطط في فسحة ليكي وليا، بس ايه ما عايزاش وشك ده يزعل. هنخرج ونتفسح، ماتحمليش هم حاجة، هتتعدل والله، إني مخطط لحاجات ياما، وربنا بيوجع ويعدل."
تنهدت وجع:
"اجعد واسمعني."
رجف قلبه:
"ايه فيه ايه."
هتفت:
"جبل إني أظن ما قصرتش معاك، واستنيتك بدل المرة عشرة، بس إني ما عدت أقدر. أبوي ما قدرش أقف قدامه، وعايز يجوزني، واني خلاص كفاية أكده."
تجمد هو وأحس بقلبه يتمزق:
"كفاية كفاية ايه... جمر اصحك تجولي حاجة تموتيني فيها."
قامت ولم تنظر إليه:
"من فضلك يا جبل، إني ما عدت قادرة أكمل."
أحس بقلبه سيخرج من مكانه:
"ايه ما عدتيش بتجولي ايه، انت اتخبلتي، انت بتاعتي."
هتفت بقهر:
"جبل أرجوك، ما عدش منه عزة، إني هنخطب خلاص."
جحظت عيناه واندفع يحتضنها صارخاً:
"لاه لاه، انت ما تهملنيش، انت روحي، أموت يا جلبي والله أموت... تسيبيني يا جمر، تسيبي جبل روحك... جمر أبوس يدك، انت روحي، تموتيني أكده."
أبعدته وهتفت بقهر:
"بدل ما نموت مع بعض، جبل خلاص ما عدش ينفع. انت حاولت واني حاولت، وخلاص."
هنا نزلت دموعه واقترب:
"هونت عليكي يا جلبي تبعدي عن جبل، عايزة تموتيني صوح."
أخرج من جيبه سكيناً، فشاهقت:
"خدي دي بيدك، اغرزيها فيا، إني أهون عليا إني أموت."
كانت دموعه تنهمر بعنف، وهي تشهق بقوه، والوجع أصبح لا يحتمل.
صرخت:
"بطل بتجول ايه، انت أعقل أكده، خلاص يابن الناس، شوف حياتك، واني هشوف حياتي، احنا خلاص ما هننفعش لبعض. وخلاص إني وافجت على سليم."
نظر إليها وانشل مكانه:
"ايه وافجتي... يعني اللي داير ده صوح، واني ما صدجتش، كان صوح. جاب لك دهب ومهر وشبكة، جاب لك أكفوف وهتبقي هانم في البندر، ده اللي رميتيني عشانه يا جمر."
هتفت:
"بطل بق، وعيش حياتك، وسيبني أعيش."
صرخ:
"والعشق اللي بيناتنا كان ايه، كدب؟ أعيش حياتي ازاي، مانت حياتي، أعيشها ليه ومع مين؟ ده كان كدب."
هتفت بقهر:
"لا مش كدب، بس مش كفاية، هيموت في الفقر. أبوس يدك ارحمني، أنا جلبي هيقف."
هتف:
"إني اللي أرحمك، إني اللي هوقف جلبك، أمال انت بتعملي ايه دلوك، ليا سنة بمحت عشان بلفلف في الشوارع عشانك، ما بجيبش لروحي حاجة وأقول لا، وفر لحبيبك، أصل لازم يبقى هانم، ويتعامل معاملة الهوانم."
اقترب منها ودموعه تتساقط، مسك يدها:
"داني جعدت سبوع عيان، ما رحت لحكيم وأجيب دوا عشان أكمل فلوس التجارة، جولت أموت ولا جرش ينجص عشان حبيبي أجيب له الحلو كله. داني ما عدت عارف آخد نفسي. شوفي سامعة بيصرخ ازاي، بصيلي، جادرة تبعدي عن جلبي؟ جادرة؟ طب لو جدرتي، إني هعمل ايه؟ جولي إني بتتمزع يا جلبي، ما تسيبنيش، أبوس يدك، هعمل لك الحلو كله، والله هعمل، هموت حالي عشانك. بصي اصبري حبة كمان، هبيع الدار والارض. هروح أجعد عند خال أمي وأبيع الدار والاض كلو عشانك، ما يهمنيش، والله هبيع، أبيع عمري عشانك، والله هبيع حالي، بس ما تسيبنيش."
كانت تبكي بقهر:
"هتفت: كفاية بق، أنا اتجرا. فتحتي خلاص. أشوفك بخير، ربنا يوفجك ويسهل لك حالك."
وتركته تجري وتنتحب، وهو يقف كالمجنون.
"هيا سابتني، هملتني."
ليندفع ويكلبش فيها بقهر:
"لاه لاه، روحي هتروح، أبوس يدك لاه، ما تسيبنيش يا جمر، جبل هيموت، والله روحي بتطلع، يمين الله، كان يبكي وبدأ ينتفض من وجعه."
"ما ما تسيبيش جبل، جبل عاشج وجلبه انشج، ما عارفش آخد نفسي، يمين الله."
ابتعدت وصرخت:
"جولتك خلاص، خلصت، إني مش ليك ولا هكون ليك، عيش حياتك وسيبني أعيش."
وتركته هاربة تنتحب.
ليقف هو لفترة، لم يعد يحتمل، ليقع أرضاً ويصرخ:
"لااااااه، جلبي لااااااه، لااااااه."
ظل يصرخ ويصرخ ويشهق بصوت وصل عنان السماء، ونياط القلب قد تمزقت عن آخرها.
جلس وتكور على نفسه، لعل قلبه يصمت، ليتهالك ويسقط على وجهه، ويلمس خده مكان جلوسها.
"فقلبه انشق ببعد حبيبه. جدرت تسيبني؟ جدرت ازاي؟ داني بتنفسها. أمال ايه؟ العشق فين راح؟ راح؟ والا ما كانش عشق؟"
"صرخ: ما كانش، ما كانش، آآآه جلبي هموت يا رب، ايه ده، داني عملت عشانها كتير، روحي بتنسحب، نفسي في حبيبي. أعمل ايه، أعمل ايه؟ داني بنام أحلم بيها في حضني، داني ما بشوفش غيرها، داني عاشج مهبول بيها. جمر، جمري، رحتي فين يا واخده حتة من جلبي؟ أهون عليكي؟ أهون يا عمري؟ عاشجك يمين الله، جلبي بيتمزع. أروح فين بوجعي، آآآآه."
ظل يملس مكان قدميها وينتحب بقهر.
ظل جالساً ينتحب، ليجلس ويسهم:
"لاه، ما مصدقش، هيا هتعاود، أيوه هتعاود، خلاص إني هستنى، هيا ماهتقدرش أصلاً تبعد عني، أيوه دا حبيبي بيعشجني، حد ينفع يعيش من غير روحه."
مسح دموعه:
"أهدي أكده، حبيبك راجع، هروح أبيع الأرض، وع طول أرجع تاني أتاجر، ما هسكتش، هموت حالي ليها، دا حبيبي لازم يعيش هانم، وعهد عليا لا أموت حالي عشانها."
قام وهو يمني نفسه أنها ستعود.
رجعت هيا البيت، فوجدت والدها يجلس، فقال:
"ايه يا جلبي، سليم بعت لك حاجات، بصي فساتين وأساور وشنط، وباعت لك عشرين ألف تصرفي وتجيبي مصروف يدك."
جلست هيا تنظر لما أتى به، لم تحس بالسعادة، ولكن الحلم كان واضحاً.
"هو ده حلمك يا قمر، خلاص، ادعيله ربنا يوفقه ويوفقك."
قامت وجلست تصلي وتبكي وتدعي له:
"يا رب أسعده، يا رب خف وجعه، عهد عليا لادعيلك في كل صلاة، تنسعد وتنجبر وتلاقي خير الدنيا."
مرت الأيام، وبدأ سليم يتردد عليهم، وأشاع في النجع أنه سيخطب قمر، والكلام يصل إلى جبل، ولا يصدقه، يوهم نفسه أنها ستكون له، وأنها لن تقدر على بعده، ولكن هيهات، فالدنيا ساقته، ورب العباد أدار الساقية لتدور وتخلع القلوب.
ليأتي يوم، كانت ذاهبة مع سليم إلى البندر، ودخلا محل الذهب.
وقف سليم ينتقي لها أكفوف ذهب، وهيا صامتة، لتتجمد، فقد وجدت جبل يدخل ويقف بعيداً ينظر إليها، وسليم يمسك يدها ويقبلها.
وكلما نظرت إلى جبل، تجد عيونه متحجرة، وعلى وجهه تعبير غريب.
اقترب هو ووقف بجوارها، يبين أنه يختار شيئاً، وهيا أحست أنها ستموت من قربه.
مد يده ومسك يدها من الخلف وشبك يده فيها.
فتشنجت، وأحست أنها ستموت، كانت تبتلع ريقها بصعوبة.
فهتف سليم:
"مالك يا جلبي."
هنا تركها جبل، فشاهقت وهتفت:
"هاه ما فيش، ما فيش."
اقترب جبل:
"ازيك يا سليم، مبروك، مش تجول."
هتف سليم:
"جبل انت أهنه، ما أخدتش بالي، الله يبارك فيك، عجبالك."
ضحك هو:
"لا عجبالي ايه، كان زمان، دلوك خلاص ما عدش ينفع."
هتف:
"ليه... حبيبتك مالها."
هتف بنبرة باردة جعلتها تتجمد:
"ماتت حبيبتي، ماتت يا سليم، الله يرحمها."
تجمدت قمر وشعرت بقلبها يتمزق، أرادت أن تصرخ وترتمي في أحضانه.
شعر سليم بالأسى:
"آسف يا جبل، والله ما كنت أعرف."
هتف جبل:
"لا عادي، اللي مات واندفن خلاص، هنزعل ليه، هيا أصلاً ما كانتش بتحس، كت خاينة العشرة وعويلة. بس أقول ايه، يلا كلو راح، كلو عند ربنا."
هتف سليم:
"بلاها دي، منها لله. بكره تحب وتنحب."
اقترب جبل ووقف وراء قمر:
"بكره أحب، على قولك، بكره ألاقي حبيب يصان، مش غدار. حبيب بيعرف قيمة الجلب، مش عويل وناقص. بكره جبل هينسعد، والعويل هيجيله يوم ياخد منه فرحه. بدعي من جلبي ياخد فرحه ويخلع جلبه وينتش دنيته ويعيش السواد عن حج. أما إني فجايلي دنيا متأكد إني هفرح، بعد ما الجرف خرج من حياتي. إني نضفت يا سليم، وهيجي يوم أشوف الكسرة والحسرة في عيون اللي ساب وغدر. بدعي عليها ربنا يحط عليها حزن الدنيا، وفوق الحزن نتشه جلب وخلعته على حبيب، تشوفها في أعز حبيب. لا تفرح ولا تكسب، تعيش أيامها ببكي وبس، تفتكر اللي غدرت بيه، وتتمنى تراب رجليه، هيجي يوم تتحسر. بدعي يكون ليلها حنضل، وأيامها مر، وعيشتها سواد. إني مستني وهفرح وهشمت، أيوه مستني اليوم اللي أشوفها تحت رجلي، بصالي من تحت وأني واقف أبص، والشماتة تريح جلبي. هيجي يوم يا سليم، الدنيا دوارة، الفلوس ما بتعليش نفوس أصل، للي مفكر إنها بتعلي. اللي بيعلي العشق بس، العشق ليه ناسه، الناس الصاينة العشرة، الصاينة الجلب، الناس اللي تستحق."
واستدار وهيا تقف تشعر بالموت، وخلعة القلب.
أرادت أن تذهب وراءه وتحتضنه، أرادت أن تعيد الزمن وتعيد الحبيب، ولكن فات الأوان.
وقدر الله ما حدث لسبب لا نعلمه، أهو لخير أم ماذا.
فرب العباد لا يفعل للإنسان إلا الخير.
عاد جبل إلى بيته، والحقد يشع من عينيه.
"بقي واقفة تشتري دهبات وفرحانة، واقفة تنجي وهتبقي هانم. ماشي يا جمر، وحق حرجة جلبي، لاخد حجي منك تالت ومتلت، ربنا ينتجملي منك، وأشوف فيكي يوم، وهياجي، هياجي يوم الجبل اللي ما يهتز أبداً، ويقف شامخ، يدعس أيامك وسنينك اللي جاية. جاي دنيا ليا وسواد ليكي، جاي أيامي وعيشة ميف الجبر ليكي، دعوة المظلوم بتجوب السما، وأتي بدعي عليكي، بدعي من جلبي وحرجة، ما مسامح ولا هسامح، وأموت على جلبي أكده، جافل عليه، وحاطط حجر عشجي ليكي، كان نار بتشعللني، دلوك نار بتهري جلبي، نفسي أحرجك وأحرج دنيتك. ناري دي ما هتبردش إلا ماشوفك والعة في دنيتك، ما عارفلش تكفيها. تار الحبل على الجمر، جدر يا رب، أحرجها وأحرج جلبها، ما تعرف تتنفس، تعيش ميتة، ما حد يهوب ناحيتها، ولا يبرظ جلبها. السواد ينحط بالكوم. يا رب، على جد عشجي، حط الكره في جلبي، عشان لما يحي اليوم وأقابلها، أشوفها ولا أهتز. جايلك يوم أسود يا جمر، جاي. ربك يمهل ولا يهمل. جاي يا جمر، وليكي يوم. يا حزني يامه، إني تعبت. عاللي جااااي. دا مش مرار طافح. زفتون يا عيال. منك لله يا حمدان، انت وسليم وجمر معاكم."
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل الثامن 8 - بقلم ميفو السلطان
رجعت قمر لبيتها وهي تشعر بالموت بداخلها. دخلت إلى حجرتها وانفجرت في البكاء. شعرت أنها ستموت فعلاً. كيف فعلت ذلك؟ كيف خانته وخانت ثقته؟ كيف فرطت في روحها؟ جلست وقلبها ينزف من وجعه.
"إزاي جدرتي تعملي فيه كده؟ إزاي؟ منك لله، ربنا هيحرق جلبك. انت شفتي حالته وكلامه ده؟ مش جبل، ده واحد ميت. ده حبيبي، إني لاه حبيبي ما يدعيش عليا أكده. نشف جَلْبه وحرقتهولي، مات من جواه. يا جهرتي، يا سنيني السودة، إيه الجسوة دي؟ حالك جلب عشان إيه؟ عشان الفلوس؟ منعولها! ده حبيبي، جنه، ده حبيبي عملي الحلو كله، والله عمل وكان هيعمل، بس انت اللي واطية وعويله. يا رب، إيه الوجع ده."
"أمال الحلم ده إيه؟ يا رب، يا رب خف وجعه. يا رب، أعمل إيه؟ أروحله اعتذرله وأجوله يسامحني؟ طب إيه؟"
جلست تشعر أنها ماتت في بعده. ظلت طوال الليل لم تنم. لم تعد تحتمل. أحست بالجنون. ظلت لأسبوع تتجلد تحاول أن تتوازن، وسليم يأتي لها وهي مختفية، يحاول أن يحدد ميعاد الخطبة. والكل عرف وبارك، إلا أنها جنت في هذا الأسبوع.
ليأتي يوم قريب من قراءة الفاتحة، لتهب بجنون وجسدها يحرقها.
"لاه، ما أتحملش. إيه الحزن ده؟ جلبي هيوجف. منعول أبو الفلوس والدهبات، منعول أبو أي حاجة. مش عارفة أتنفس. حبيبي فين؟ عايزاه. أترمي في حضنه. دا حبيبي، عاشج، وعشجه طافح. يا مري، إيه اللي عملته ده في روحي؟ ليه أكده؟ منك لله يا محروجة. عايزة إيه؟ ده روحك. شوفتي عملتي فيه إيه. وحشني جوي جوي. لاه، ما أتحملش. روحي بتتتسحب. أكون لغيره؟ لاه، ما هيحصلش واصل. لما أموت فيها."
وقامت وذهبت إلى بيته تريد أن تطيب خاطره وتستسمحه. أرادت أن تعيد العشيق لحضن معشوقته. أرادت أن تعتذر وتتذلل كي يعود إليها. أرادت أن تتنفس، ولكن أصبح النفس بيد الله ومقدراته.
ذهبت إلى البيت، خبطت على الباب فلم تجد رد. ظلت تخبط الباب ولكن بلا جدوى. ظلت تدور وتدور.
"طب راح فين؟ وخالتي فينها؟ فين بس؟"
ظلت جالسة لساعات تنتظره حتى حل الليل ودخلت الظلمة المكان. قامت بقهر. ظلت تدور حول المكان، فإذا بأحد الشبابيك مكسورة. مدت يدها، فتحت الشباك ودخلت. وظلت تبحث هنا وهناك لتتجمد، فالبيت خالي، ليس به أحد. ذهبت إلى الحجرات، كانت خالية إلا من بعض الأشياء البسيطة.
"راح فين جبل؟ راح فين؟ ساب البلد؟ جبل ساب البلد؟"
ظلت تدور وتدور كالمجنونة، تفتح في الدواليب فلم تجد ملابسه.
"لاه، لاه. حبيبي راح فين؟ يا جلبي، انت فين؟ ااه، جلبي انخلع. حبيبي سابني؟ أيوه، أيوه. ماني لازم أتساب. العويل يتساب. الغدار والخاين يتساب."
أحست أن دنيتها اسودت، فجلست على الأرض تنتحب.
"مشي حبيبك، مشي خلاص. انت جهرتيه. انت ما عدتش تعرفي الفرح عمرك. روحي، البسي الدهب يا جمر. روحي وافرحي. خلي راجل تاني يلبسهولك. البسيه كفن واتلفعي بيه يا بنت حمدان. روحي، حبيبك راح. ااه، يا رب، إيه الوجع ده. طب ليه مشي من غير ما أستسمحه؟ مشي وهيفضل يدعي عليا. اه، إني أستاهل، إني أستاهل."
لمحت جانباً صورته، فذهبت تنظر إليها. أحست بخلعة في قلبها، فعلى الأرض صورة ممزقة. أربا لها وله وهما يضحكان. نزلت دموعها، وضعت يدها على قلبها.
"جهرتيه. منك لله. ما تشوفي يوم فرح يا جمر."
لملمت الصورة ووضعتها في حقيبتها. قامت من سكات، وإذا بها تخرج، قابلت ابنة خاله كانت تعرفها.
"هتفت الفتاة: جمر، بتعملي إيه هنا؟"
"ارتبكت قمر: هاه؟ لاه، إني بس. لجيت الدار مفتوحة، جولّت أبص ليه مفتوحة."
"هتفت الفتاة: دي دار ابن خالي. همل الدار والبلد."
"هتفت بلهفة: راح فين؟"
"هتفت الفتاة: ما خبرينش. هو جال هيعاود، يوم ميته. ما خبّراش."
ابتسمت قمر. "هيعاود يوم أخبّره. إنه هيعاود، بس إيه؟ وميته؟ ساعتها أدعي إني أكون ميتة. يا رب، يا رب، إني هموت عليه."
كانت تقف باكية، لتأتي الفتاة.
"مالك يا خيتي؟ بيكي حاجة؟ عايزة حاجة من جبل؟ تعرفيه؟"
نظرت إليها قمر. "لاه، ما فيش. ما عرفوش. بس خالتي اتوحشتها. فوتك بعافية." وتركتها وذهبت.
رجعت إلى البيت، وقفت على روحها. جلست ولملمت الصورة ولزقتها، إلى أن أعادتها كما كانت. ظلت تشهق.
"كان بيجولي الصورة دي في جَلْبه العمر كله. اهو، قطعها ورماها عشان انت خسيسة وعويله. رماكي. وانتش جَلْبه منك لله يا جمر. على حرجة جَلْبه حبيبك. أشكي لمين؟ ما عدتش اللي كنت بشكيله. راح اللي كنت بنسند عليه. راح يا نن عيني. حبيبك انت فين؟ موجوع يا جلبي، موجوع. عاود، عاود، وهنزل على رجلك أبوسها. عاود، واني هكون ليك زي ما تحب. ما عايزاش حاجة واصل. عايزاه طيب، في حضني. جلبي، يا رب رجعهولي. يا رب، أمال الحلم ده إيه؟"
مر الوقت، وهي لا تخرج. عشرة أيام كاملة، تقفل على روحها. وحاول أبوها أن يخرجها بلا جدوى. وتشاجر معها كثيراً، لأن سليم يريد أن يكمل الزواج، وهي تشعر أنها ميتة. كيف ستكمل ذلك وهي أصبحت كالجثة الهامدة؟
دخل عليها أخوها.
"مالك يا جلبي؟ فيكي إيه؟ بجالك ياما مجبورة."
نظرت إليه. "فيا... فيا كتير يا أخوي."
"هتف: طب جولي، طمنيني عليكي. انت بيكي حاجة واعرة؟"
"هتفت: بيا... بيا الجهر كله. بيا مرة نفس وخلعة جلب. بيا يا أخوي."
"هتف: طب إني أهه جارك. فيه إيه؟ جولي."
تنهدت. "ما عدتش جول الحسرة في جلبي بتنهش، والجلب متمزق. ادعيلي."
تنهد. "طب بصي، إني رايح لدار حماتي في الكفر اللي جنبينا. تاجي معانا؟"
"هتفت: لاه يا أخوي، إني تعبانة."
"هتف: اسمعي بس، دول ناس حلوة وجعدتهم حلوة."
تنهدت. "هاجي. إني أخليها قاعدة حزن. بطل، الله يرضى عنك."
دخلت منال.
"إيه برضك قاعدة لحالك؟"
"هتف هو: بصي، إحنا نسيبالها الواد ونروح نقضي ليلة عسل عند أهلك."
ضحكت منال. "لاه، ما أسيبش عيلي. وهي هتاجي معانا. فخبطتها، وبرضك هتشيله هناك."
كانت تحب منال وتحب صحبتها. تنهدت. فهتف: "يلا، حضري حالك، والصبح هنروح نمشي."
تنهدت، وظلت جالسة تفتح تليفونها، تبحث عنه، لتجده ليس موجوداً على الفيس. فأدركت أنه أبعدها من عنده. شعرت بالقهر. حاولت أن تكلمه، ولكن لم تجد نمرته من الأساس. أحست بأنفاسها تتقطع.
"مستنية إيه؟ يسيبك عنده؟ وانت زبالة وعويله على رأيه."
"يا رب، يا رب. إني تعبانة. حجج حلمي. أسعدني. إني ما عدتش عارفة حاجة. إني خربت على حالي بيدي."
"أعيش إزاي يا رب؟ رجعهولي يا رب. ما أعرفش أعيش."
وانهارت من البكاء، وقلبها تمزق من بعد حبيبها.
أما عن جبل، فكان قد عاد وكله تصميم أن يرحل من تلك البلدة ويشق حياته بنفسه. سافر لخاله في القاهرة، وقرر أن يعمل عنده. فخاله له شركة استيراد وتصدير. وعند دخوله، رحب به هو ووالدته، لأنه يعلم أن جبل رجل عن حق.
مرت الأيام، وكانت المفاجأة. فرب العباد عوض ذلك المسكين الذي خلع قلبه من أجل المال، فإذا بأرضه وبيته يدخلون في كردون المباني، وتتحول الأرض من فتات إلى ملايين، مبلغ هائل. ليبع جبل الأرض والبيت، ويدخل مع خاله شراكة. كان جبل عقلية فذة وجبارة. ومع تلك العقلية، يحركه القهر والغل والدونية. أنه رفض ولفظ من حياة حبيبته بسبب المال، فقرر أن يصعد ويصعد بأي ثمن، حتى لو أمات نفسه ألف مرة، ليحقق ذلك الحلم، أن يعود سيداً على رؤوس من لفظوه.
نعود بالزمن لقمر. بدأت قمر تعد حقيبتها، فدخل الأب.
"انت يا طينة، انت سايبة الدار وراحة فين؟ عايز يجي يجري عليكي. انت الواد بيسألني انت فين، ما بترديش."
تنهدت. "يا أبويا، إني تعبانة جوي. سيبني بحالي."
"هتف: من إيه؟ انت مخبلة؟ حد يلاجي جوازه أكده في السما؟"
"صرخت: بطل بقى، بلا سما بلا جدران. بطل! إني جلبي بيه اللي مكفيني. الله يسامحك على وزك ليا. إني عايزة أموت حالي. سيبني بقى، ما عايزهاش الجوازة دي."
"صرخ: انت يا بت بتجولي إيه؟ منك لله. ما عايزاش إيه؟ والله أقتلك."
"صرخت: اقتلني، اقتلني. واندفعت للمطبخ، أحضرت سكيناً واندفعت إليه، ومسكت يده ووضعت السكينة على قلبها. اغرزها، اغرزها يا أبويا، وريحني. يا رب أموت."
وبدأت تغرز السكين في قلبها.
"فارعب الأب: بعدي يا مخبلة، بعدي. ليه ده كله؟ منك لله. إيه الحزن ده؟ فوتي جتك بتنزف دم."
بدأ فستانها يشع دماً. وضعت يدها على قلبها.
"بينزف؟ لاه، هو ما بينزفش. هو معصور يا أبويا. الله يسامحك."
"بطل بقى، وسيبني بهمّي. ما أريدهاش الجوازة دي. خليه يجي ياخد حاجته."
"صرخ: ارجع الدهبات."
"صرخت: ولو كانوا جناطير دهب، لو كانوا شكاير متعبية فلوس. الفلوس ما بتسعد نفوس."
تذكرت كلامه. "الفلوس بتسعد العويل الخاين الغدار. واني بقى مش خاينة؟ يا أبويا؟ ولا غدارة؟"
"صرخ: انت اتخبلتي؟ بتجولي إيه؟"
"هتفت وهي تنتحب: بجول الله يسهله حاله. يروح بدهباته. إني ما عايزاش."
واستدارت وتركته، وهو يشتمها على تلك الحالة التي من نظره ستضيع ذلك العريس اللقطة.
استعد مسعد ومنال، ومعهم طفلهم، للذهاب إلى بيت أهل منال في قرية أخرى. ذهبت معهم قمر. كان بيتاً بسيطاً من الطوب اللبن، عليه قش وعروق خشبية، كبيوت الصعيد البسيطة. والأهل يجلسون يتسامرون ويضعون الشاي على النار.
"هتفت منال: إني هجوب أشوي بطاطا في الفرن، ماشي؟ تيجي يا جمر معايا؟"
"هتفت: ماشي، هاجي."
"هتفت: خد باسم يا مسعد، خليه معاك."
"هتف: اديه لأخوكي. إني بنضف البطاطا وجاي أجبهالك."
أعطت الطفل لأخيها وذهبت للفرن وجلست، وظلت تحمي الفرن. وقمر تجلس بجوارها سارحة في ملكوت. لم تحس بشيء، ولم تعلم كم من الوقت جلست بلا حراك.
تنهدت منال. "جومي، لفلفيلي شوية جش من المندرة اللي فوق الفرن يا جمر، أصل خلصوا."
جلست هيا، وصعدت قمر تلفلف القش. وبينما تفعل ذلك، سهمت وفتحت تليفونها، تنظر لصورة جبل، ودموعها تسيل، وتاهت في عشقها لذلك الجبل الشارد.
عند منال، كانت تجلس ولم تلاحظ وقوع اللمبة التي أشعلت بها الفرن. وكانت تلبس جلباباً من البوليستر، لتشبك فيها النار على الفور. لتصرخ وتقوم وتنحدف على كومة القش القريبة من المندرة، لتشبك النار في الكومة أكملها كالهشيم. كانت تصرخ وتصرخ، والنار تعالت في ثوانٍ معدودة بداخل حجرة الفرن، وصعدت للأعلى بسنة من لهب مخيف.
دخل مسعد ينقذ زوجته ويحاول أن يبعد عنها النار. ولكن أمر الله أتى بالأسوأ، لتشبك النار في مسعد، وتتعالى الصراخ، وتتصاعد النار إلى المندرة. وتقف قمر تصرخ من الأعلى، وحبست بسنة النار. تنظر لأخيها وزوجته من الأعلى، والنار من حولها، وأخيها وزوجته يصرخان. وهي، النار شبكت في قدميها، وهي تصرخ وتصرخ، وتتذكر جبل، وتصرخ باسمه.
"حجك جالك يا جبل. هموت. سامحني يا جبل. سامحني يا جلب جمر. يا رب."
وظلت تصرخ وتصرخ، والنار تلتهمها، حتى أغمي عليها. تصاعد الحريق وأصبح الفرن شعله من النيران. وهجم أهل البيت لينقذوا تلك العائلة، وينقل الكل إلى المشفى. فمنال ماتت على الفور، وتبقي مسعد في حالة خطرة، يلفظ أنفاسه بصعوبة.
أما تلك الجميلة، فكان هناك دعوة تجوب السماء، آن لها أن تحط. كأن الله استجاب لدعوة مظلوم. دعوة الجبل أن تعيش السواد، أن تعيش قمر أياماً لا تعرف معنى الحياة. أن تحرق قولاً وفعلاً. فقمر احترق نصفها الأسفل بالكامل، وتضرر رحمها. كانت حالتها مريعة، وجسدها بشع المنظر. ذلك الجسد الذي جعلها تغتر وتختال به، فالله أنزل به بشاعة تخيف الناظرين. والأسوأ حالته أخيها، روحها، نصف الخير بداخلها، منبع الأمان والسند. كان بين يدي الرحمن.
مرت الأيام والحال من سيء لأسوأ. وحال مسعد يسوء. وهيا بدأت تفيق. دخل الطبيب عليها، وكان معها أبوها وسليم، فقد عرفوا مصابهم. أتى الطبيب وهتف:
"شوف يا بنتي، الشفا بيد ربنا، وانت مؤمنة. انت حالتك ماهياش واعرة زي أخوكي. أخوكي بين إيدين ربنا، في أي لحظة أمانته هتتاخد. بس انت حالتك برضك فيها الحلو والوحش. الحلو إنك أه عايشة، وبس. يبقى نجول يا رب."
همست بأنين: "جول يا دكتور، فيا إيه؟ إني عارفة إني محروجة."
تنهد: "بصي يا بنتي، انت دلوك نصك التحتاني محروق صحيح، مشوه. بس حالتك مش درجة ميؤوس منها. انت ممكن تتعالجي، بس مش أهنه. بره، ويتعملك تعديل بالليزر، بترجعي زينة. بس ده بيتكلّف فلوس يامة، كتير جوي. ما حدش أصلاً يقدر عليها. حاجة تانية، الرحم بتاعك اتضرر، والخلف بقى بعيد جوي. والاخر، دي حاجة بتاعة ربنا."
ابتسمت هيا وهتفت: "كلوه بتاع ربنا يا دكتور."
خرج الطبيب، ووقف سليم ينظر إليها مرتبكاً. فابتسمت:
"خد دهباتك يا سليم، وفلوسك من أبويا، وشوفلك واحدة تنفع. إني ما عدتش أنفع."
"هتف والدها: ليه بتجولي أكده؟ هنعالجك."
"ضحكت: أعالجني من إيه، والا من إيه؟ ومين هيعالج؟ دا سليم خايف يبص عليا، لتجعل عينه على جثتي، يترعب من منظرها. والا هيجيب عيال منين؟"
"تنهد سليم: جمر، إني... إني..."
"هتفت: ما تجولش حاجة. إني مجدرة يا سليم، ومش زعلانة إن ربنا اداني على جد أعمالي. واه بشرب من نفس الكاس، بس شربت المرة لما شبعت، زي ما دوجت غيري مري. أجول إيه؟ لله الأمر."
هم سليم أن ينصرف، فهتف أبوها: "بالله عليك يا سليم، ما تجيبش سيرة لحد في الكفر باللي جرا لجمر. أبوس إيدك، جميلة هشيلهالك. ما تجولش لحد واصل."
امتثل سليم ورحل بلا عودة. فهو أحب قمر لشكلها، وليس لروحها. ولن يمكث مع من يظنه مسخ مشوه. كيف تكون أنثاه مشوهة، لا تنجب؟ وهو من يتمناه بنات الكفر الجميلات.
خرج سليم، وجلس الأب. فهتفت: "ليه يا أبويا، جولتلُه مايجولش؟"
"هتف: عشان احتمال نعالجك، وتلاقي جوازة كويسة."
انطلقت ضاحكة. "برضك ما فيش فايدة يا أبويا. جوازة وجدران؟ انت واعي لده؟ بيجولك مشوهة، فاهم منظري؟ يجهر. اقلعلك تبص على حالي؟ هتخاف يا أبويا، والله هتخاف. لو تقدر أكشفني وابص على حالي."
"هتف: ما فيه علاج يا بتي، هنعالجك."
لتمد يدها، تزيح الغطاء، ليُزيح أبوها بوجهه. فمنظرها يوجع القلب.
"هتفت: معاك ملايين؟ معاك فلوس تعالج جثتي المحروجة؟ طب لو عالجتني، معاك اللي يخليني أخلف؟ جول، جول."
"هتعالج إيه والا إيه؟ مين يا أبويا هيرضى ياخد بت محروجة ومابتخلفش؟ مين؟ انزل الكفر وأسأل أكده، حد عايز جمر المحروجة؟ البور اللي ما ينزرع فيها خلف؟"
"جعدت أحرب لأجل أتجوز وأعيش هانم. شفت إني بقيت هانم إزاي؟ هانم محروجة، هانم تخوف. أجول إيه بس؟ عارف إني أستاهل كل ده. أيوه، إني عملت أكده في حالي. ربك سلط شيطان الدنيا عليا. عميت عن جَلْبه اللي بينكوي. اديني هعيش بكويتي العمر كله. هقعد أنح على اللي كان ليا في يوم حبيب."
"هتف مذهولاً: حبيب؟"
"صرخت: أيوه، حبيت يا أبويا، وعشجت. حبيت راجل عن حج، حبيت جدع بيعافر عشاني ويمحط في الصخر. حبيت جبل، ما يهتز إلا ليا. حبيت وعشجت، وعشجني."
"اندفع الأب: طب هو فين؟ يجي ياخدك. إني موافق."
"ضحكت: يجي، يجي ياخدني."
"يجي منين؟ ما راح. يا أبويا، راح لحاله. إني جهرته وسيبته. دبحته يا أبويا. كان عاشج ليا. جيت إني وانتشت جَلْبه من جواه. نزلت دموعه عليا، واني ماسواش. فاهم؟ ماسواش. وجف يدعي عليا. أشوف السواد. واه، ربك استجاب. اتنجعت فيه من عملي وعملك يا أبويا. بتجولي يجي؟ داني لو جدامه متقطعة فرافيت، وبينهشوا فيا، ما يبصلي."
"خلاص يا أبويا، بتك ماتت. بتك دنيتها اسودت. سيبني بجهري وهمي."
"هتف: يا بتي، كنت رايدلك الصالح."
"صرخت: هو فين الصالح دلوك؟ هاه؟ جول فين؟ ما فيش إلا الطالح وبس. ما عدتش صالح. ما عدتش هيخش دنيتي خير."
"كلمة حسبي الله نهشت جَلْبه وخلصت على حياتي. كما تدين تدان. اللي عملته وجضيت على حياة إنسان، كل ذنبه إنه حب. ربك بعتلي من عنده نار تنهش جَلْبي وتخلص عليا، وتجلب العيشة سواد."
"ما تزعلناش إني انحرجت. ما تزعلناش إني ما بخلفش. كل جهري إني مشيت وراك، وسمعتلك، وبجولها أهه. انت السبب. إني سمعت لشيطاني، ورميت عشج ما أعرفش أطوله تاني. إني خدت جزاتي. بتك ماتت يا أبويا. بطل تفكر إن ليها حياة تاني."
"ربنا يعيني على وجعي."
ظلت تبكي وتنتحب بحرقة، وهو لا يفعل شيئاً. يراقبها ويراقب قهرتها، ويذهب ليجلس مع ابنه، فهو حالته بين الحياة والموت.
مرت الأيام، وبدأت تستعيد حياتها. ليأتي لها أبوها.
"أخوكي تعبان جوي. هموت عليه. خايف. الواد بتروح أنفاسه."
"هتفت: خدني عنده يا أبويا."
تسندت عليه وذهبت إلى أخيها. كان مربوطاً من أوله لآخره. كان يتنفس بصعوبة. دخلت عليه واقتربت. كانت حالته بشعة. فبكت هيا على أخيها الصدر الحنون. فهمس بحشرجة:
"تعالي يا جلبي."
جلست وهمست: "كيفك يا أخوي؟"
"هتف بصعوبة: هروح لمنال، وفايت الدنيا."
"هتفت بنحيب: ما تجولش أكده. هتبقى زين والله."
"هتف: إني حاسس بنفسي يا جمر، وشايف روحي راحة لفين. خلي بالك من باسم يا جمر، ولدي أمانة بين يدك. علميه الصلاح، أصحك تخليه ابن دنيا."
"صرخت بقهر: بطل! هتعلمه إنت الحلو كله. مسعد، إنت هتجول؟ ما تجهرنيش. إني ما أقدرش أصلب طولي."
"هتف: لاه، هتجدري يا خيتي. إنت جوية. وجايز روحتي تعلمك الدنيا عن حج. الدنيا فانية يا جمر، لا هي بالفلوس ولا الدهبات. كت الفلوس رجعت مرتي؟ كت الفلوس شافتني وخلتني لولدي؟ لاه يا جلبي، الدنيا ضيقة للي يدور عليها. فايتك وعارف إنك هتبقي لوحدك. بس عارف برضك إن جمر بتاعه. الدنيا راحت، وفضل جمر اللي جَلْبه دهب. خلي بالك من حالك. إني ما بجاش معاكي أسندك. أصحك ترجعي تمشي ورا أبوكي يا جلبي. كان نفسي أكون جارك أحامي عنك. إنت صغيرة وما تستاهليش أكده."
"صرخت: بطل، بطل! بتجول إيه؟ تسيب إيه؟ إنت عايز تجهرني؟ بطل، إني هموت وراك. هعيش ليه؟"
"هتف: هتعيشي لروحك، ولباسم ولدي. هتهمليه؟ إياك، إني حاطة أمانة عندك. هتصونيه. خابر، وهيبقي سند ليكي، حتى أكتر مني يا جلبي. معاكي."
"حجك عليا. فايتك لحالك."
"صرخت: بطل، إنت بتعمل أكده ليه؟ إنت هتعيش؟ لاه، إنت هتعيش يا مسعد. ما أعرفش أعيش. أعيش كيف؟ هتبقى العيشة موته يا جلبي. إنت هتبقى كويس. أصحك تجول."
"حبيبي، إنت روحي وسندي. إنت أماني دلوك. إنت النقطة البيضة وسط السواد. إنت الصدر اللي هترمي عليه."
"مسعد، هموت بعدك يا أخوي، يا ضهري. ما تجطموش. بالله ما تجول وتفول إني مانقصه. يتحط جهر على جهر. ما أشوفش فرح واصل."
"هتف: جربي يا جلبي. اقتربي."
"همس: هتفرحي يا جمر، يوم هتفرحي. وافتكري أخوكي يوم فرحك. افتكري كلمة أخوكي: الجلب بالرضا والمحبة. الجلب بالزهد عن دنيا مالهاش عازه. الجلب للحبيب والحبيب بس. أصحك تعاودي وتمشي في دنيا تخرب الجلب وتمرط النفس. أبوكي أه معاكي، بس إنت عارفة وشايفه، ما تهتميش وراه. ما عدتش ليكي إلا نفسك الصالحة. ازرعي فيها الخير، وصبيه على ولدي يا جلبي."
"مسعد، فايتلك دعوة من جَلْبه. دعوة وهو على فراش ربنا، ومعدول على جبلته. إلهي يا جمر، يا بت حمدان، تشوفي سعادة الدارين، ويتحط في جَلْبك رضا ربنا. لا يهزك إنس ولا يوجعك أبداً. تموت في عنيكي دنيا، ويتحط في عنيكي نور من رب العباد. مهما اللي قدامك داس وطاح، ما يفرج معاكي ماللي تموت في عينيه الدنيا. يعلي، ويعلي. فايتك يا غالية. فايتك، وعارف جَلْبك هيتمزق. بس أهه، قضاء ربنا وحكمته. يروح مسعد، وهيجي يوم مكانه اللي يسعد ويطبب الجلب. يا رب، خف قضاك على خيتي، وأسعدها."
"همس: جربي يا جلبي. أحضنك."
اندفعت صارخة: "هموت أكده، هموت والله."
همس ويده حولها. "فايتك يا غالية. ربنا يسعد أيامك."
ليُغمض عينه، ويدق الجهاز يعلن زوال روح طيبة إلى عنان السماء. وتسقط يده من حولها. ودعوته صعدت إلى عرش الرحمن. تداوي دعوة أخرى كانت صامتة لظهر تلك الجميلة. لتتلاقى دعوة الشر ودعوة الخير بين يدي الله. يحكم ويقدر للعبد، ويقسم الخير لعبيده.
أغمض مسعد، وقمر مشلولة، جاحظة العينين. ليندفع الأطباء إليه، ينعشون قلبه، ويبقى القلب بين يدي الرحمن. أيبقى قلباً يساند تلك الجميلة؟ أم ترحل كل القلوب الحنونة من حياتها، لتذق مرارة القلب الوحيد بما حطت من فعل يدها؟ سنرى.
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل التاسع 9 - بقلم ميفو السلطان
وقفت قمر تنظر إلى أخيها وقد لفظ أنفاسه الأخيرة. تجمع الأطباء يحاولون إبقاءه على قيد الحياة. كانت تقف بصعوبة، لا تنطق. وابيها يبكي، والأطباء يصارعون من أجل إعادته للحياة. ولكن الله أراد أن يسترد أمانته، فوقف الأطباء ونظروا للأب والابنة بأسى.
وقفت قمر تنظر إليهم ببلاهة.
"إيه، إيه بتبصولنا أكده ليه؟ بتبصولنا أكده ليه؟ فجوه يلا جوموه، أخويا هيعيش، أخويا هيعيش."
هتف الطبيب: "أمر الله يا بنتي."
هنا ترنحت، وقعت، وانشق قلبها. زحفت إلى أخيها صارخة:
"لاه لاه، مسعد حبيبي لاه. جوم يا أخوي، جوم يا سندي، أنت اللي فاضلي. هعيش ليه، جوم سايبني لمين؟ جوم يا حبيبي، إني صغيرة ما أعرفش أعيش لحالي. مين يحن عليا؟ الحنية راحت من حياتي. جبل راح، وأنت رحت، هعيش إزاي طيب؟"
كانت تنتحب:
"إني... إني أستحق حرجة الجلب، بس أنت لاه. ابنك مستنيك."
كانت تصرخ وتهز فيه: "جووووم يا رب، يا رب جلبي يا رب. جوم يا واخد روحي. جوم يا حبيبي، مش جولتلي هعيش عمر أراعيكي ما أخافش وأنت جاري. جوم، إني خايفة، إني خايفة يا أخوي. جوم ماتهملنيش. أعيش ليه ولمين؟ هعيش في الدنيا، جلبي ناشف. جوم، هكمل إزاي؟ دي دعوة دعي عليا ابن العزايزه: ينحرج جلبي على عزيييييييز. اااااه جلباااي. دعي عليا أعيش السواد، واهه عيشته. اهه، أنت ذنبك إيه يا رب؟ رجعلي أخويا. ااااه جلبي يا عالم، أروح فين؟ جوم يا مسعد، جوم يا حنين يا طيب. جوم، إني مني لله، إني السبب. إني حرقت جَلبه، قام ربنا حرّق جلبي. بس والله حلمت إني هنسعد، وهو هينسعد. حلمت كنت مطمنة. إيه ده؟ هو ده حلمي؟ هو ده عيشتي السودة؟ دي آخرتها السواد حل، والعيشة اتحط عليها حزن بالكووووم. طب إيه؟ دنيتي قضت بدعوة مظلوم؟ كت هفضها والله، رحت له أدور عليه، بس دعوته نفذت. دعوة جبل بحرجة جلبي نفذت ونتشت جلبي زي مانتشت جلبه. بس أخوي... أخوي ذنبه إيه؟ يا سوادك يا بت حمدان. اديني بتمزع. ااااه ااااه."
"يا رب يا رب، أخويا لاه، أخويا لاه. ااااه."
مسكها أبوها:
"بطلي يا بتي، حرام أكده."
صرخت:
"حرام! الحرام اللي عملته. أنت السبب، أنت السبب في موت مسعد. أيوه أنت، أنت خلتني أحرج جَلبه، هو دعي عليا. هو كمان السبب. هو... إني أخوي ذنبه إيه؟ طب إني أموت، يموت هوه؟ يتاخد أكده وابنه أقوله إيه؟ أقوله أبوك مات بدعوة بسببي؟ يا سوادي يا مري. جالها ابن العزايزه، جالها ربنا يحرج جلبك. تعالي يا جبل، تعالي اتشفي فيا، تعالي وشوف حرجة الجلب عن حج. الأخ سند، والنتشة صعباااااه. الأخ ضهر، والضهر انفلج فرافيت. يا طيب يا حنين، غلبت تجولي عينك على رب السما، بلاش دنيا. يا ريتني عميت، يا ريتني مابصيت. يا جلب اختك من جوا. نن عيني يا به. نن عيني يا حتة من كبدي. ااااه، العصرة صعبة، العصرة مامتحملهاش. لا لا، نتشت جَلبي يا أخوي، نتشت روحي يا حنين. ااااه."
ظلت تصرخ إلى أن وقعت مغشياً عليها. والأب يقف وقد شاخ سنين، وبرك. فالابن مات، والابنة أصبحت مسخاً، ولم يعد من الدنيا سوى الحطام.
مرت الأيام، ودُفن مسعد. وعادت قمر إلى النجع، ولم يعلم أحد مصابها بناءً على طلب أبيها من سليم. وكان سليم وفي بوعده. أعادوا له كل شيء.
انتهت حياة تلك الجميلة تماماً. زهدت الدنيا وزهدت العيشة.
دخلت إلى البيت تنظر حولها. كانت تحمل ابن أخيها الصغير وتتكلبش فيه. تهالك أبوها في دخلته. دخلت حجرة أخيها، التي كانت في الأساس حجرتها. نظرت حولها، وجدت بيجامته. تلمستها ودموعها تنهال.
مسكت البيجامة، ولفّت بها ابن أخيها، وذهبت إلى الفراش واحتضنته، وظلت تهدهده. سرحت في دنيا غير الدنيا. سهمت بذكرياتها مع أخيها. كانت تبتسم ودموعها تسيل. تتذكر مشاكسته لها ومداعبته. كانت لا تحس بشيء. الذكريات تأخذها لعالم يطيب القلب، فالقلب ينشع ألماً وحرقة. سهمت وتاهت وتااااهت.
"يا أخوي يا أخوي، أنت فين؟ يا نن عين اختك."
سهمت واحتضنت ابن أخيها. انطلقت تهمس وهي تعتصر ابن أخيها:
"أنت الغالي يا أخويا، من بعد أمي وأبويا. يا أخويا، همك همي. ياللي دمك من دمي. الله يديمك خيي. ياللي جلبك حنية. يا أخويا يا حزام ضهري. أفديك بروحي ودمي. يا أخويا يا حزام ضهري. يا حزام ضهري يا أخويا."
لتنهار وتحتضن ابن أخيها:
"ااااه ااااه يا أخويا. ما أعرفش أسكت، يا جلب اختك. هموت يا رب، ارحمني يا رب. ليه ليك حكمة يا رب؟ بس خف وجعي."
تذكرت دعوة أخيها، فهتفت:
"يا رب، استجب لدعوته. موت الدنيا في عيني يا رب. هون عليا، ما عايزاش أنسعد. ما بفكرش في حاجة واصل. عايزة أربي الواد وبس. طبب جلبي يا رب. عيني على سواد أيامي. اديني الجوه ما أتحملهاش."
ظلت هكذا فترة، وأبوها يدخل ويخرج، وليست معه من الأساس. ساهمة فقط. ظلت لا تنطق ولا تتكلم، فقط تأخذ ابن أخيها في أحضانها. كانت تجلس تصلي وتدعو ربها أن يسامحها. تجلس تنظر للسماء وتتذكر وقت أن كان القلب يدق. جلست هي وابن أخيها تداعبه، ثم قامت وأراحته وذهبت لتصلي.
جلست قمر والدموع تنزل من عيونها:
"يا رب، نزل سكينتك على جلبي. يا رب سامحني. يا رب سامحني، إني واحدة غدارة وخاينة، سامحني. اهه، خدت جزاتي، ودعوة المظلوم اتحججت. نتش الجلب، وفقدان السند، روحه الدنيا، وروحه الغالي اللي خلع جَلبي. كت صغيرة وشخت. اه والله شخت. حاسة إني عندي ميت سنة. ولا دهبات الدنيا في عيني دلوك. شيفاهم سلوك صدي تتعاص بيهم اليدين. كنت ببص وأتمنى وأتغندر. دلوك خلاص، والله خلاص. ماشيفاش جدامي. ضهري انحني، وعيني حطت في الأرض. جايالك يا رب، وعارفة إني أستحق حرجة الجلب. بس بدعي تشيل جضاك عني، لأني ما أتحملوش. يا رب، كفاية حط سواد عليا أكده عشان أعرف أربي الواد. عهد عليا أربيه صالح زي أبوه. لا يبص لحد، ولا للي في يد حد. يبصلك ويبص لنصيبه وبس. الحال مال، ولازم ينعدل. مال بطمعي. مال بعيني اللي جت على حج مش ليا. بس إيه؟ الحلم ده، كت بتبعتوهولي ليه يا رب؟ الله أعلم كان ليه. والعجيب إن لسه بيجيلي. ما خبّرش ليه، واني عمري ما هشوف فرح. سامحني يا رب، وخلي جبل يبطل يدعي عليا. إني خدت نصيبي من دعاه. هياجي يشمت بالكفة إذا كنت إني شمتانة في حالي اللي يصعب عالكافر. جمر النجع، جمر اللي مافيش زيها بجت. جمر المحروجة، جمر الأرض البور، جمر المجطوعة. خلاص لاحد هيحن، ولا حد هيطبطب. بطولك ضهرك ده، شوفي هتسنديه على مين يا بت حمدان. يا رب، إني غدارة وبجولها بعلو حسي. أستاهل، بس كتير كتير ما أتحملوش."
قامت وأحضرت الصورة الممزقة، وجلست مرة أخرى مكانها تتلمسها ودموعها تسيل:
"جبل، نن عين جمر. والله نن عيني من جوا. خدت جلبي ومشيت. كت جايه أستسمحك، بس دعوتك ما استنتش. دعوتك أنهالت بالسواد. كت جايه يا جلبي، بس إني مش نصيبك. إني نصيب أسود ماينحدفش عالطيبين. دانت الحنين، الأمير الطيب. يا رب بحج طيبته أسعده. بحج حبه ووجعه أسعده. بحج خيره وكرمه ليا أسعده. جالي اصبري، هجبلك الحلو كله. بس الصبر للصابرين يوفي أجرهم، وأنت يا جلبي صبرت. يا رب، وفيه أجره."
ليعلو حسها بنحيب:
"يا رب يا جبل، تكون اتراضيت. يا رب راضيه. هعيش عمري أدعيله في كل صلاة. يا رب يا ابن العزايزه، تنسعد سعادة الدارين. ينحط عليك الخير بالكوم، تفرح وتعلي، ويريح جلبك. ينسي جمر وجرفها. ينسي الواغش اللي نتش جلبه. أسعده وابعت له اللي تراضيه."
مسكت قلبها الذي يعتصر:
"أيوه، ابعتهاله راضية، وتشوفه نجمة عالية في السما، لأنه هو ماحدش يطوله. إني كنت جليلة جوي عليه، عشان أكده ربنا بعدني عنه لحكمة. كنت هأذيه، ماني كنت عيني على الدنيا. انحذف عليه، أخلي عيشته سواد. الحمد لله، اهو خرجت من حياته. أنت ربنا أنعم عليك يا جلب جمر، لأني جرف وحزن. اه والله يا جلبي. هتفضل جلبي لحد ما أموت، لحد ما نفسي يروح. وهفضل أدعيلك لحد ما ربنا ياخد أمانته. هفضل شايلة ذنبك وذنب أخوي، يجطع جلبي ويعصره. يا رب، وجف الدعوة، خدت وشبعت، والله شبعت. يا رب."
لتسجد لربها وتبكي بحرقة، تستجديه أن يسامحها. جلست تناجي ربها، لعله يتقبل دعاءها.
قامت من سكات واحتضنت ابن أخيها:
"ما عادش ليا إلا أنت، وما هشُفش غيرك يا ابن الغالي. خلاص بجيت روحي، لا عايزة دنيا ولا ليا فيها. عهد عليا أربيه صالح زي أبوه. لا يبص لحد، ولا مال حد. راضي بالمجسوم. يحب من الدنيا جلبها، ويكره خلها وزهوها."
قامت وبحثت عن فساتينها وأحضرتهم، ووضعتهم خارج الدار ورَمَتْهُم عالأرض. وهمّت أن تصب عليهم نيرانًا، لا تعلم نيران قلبها أم نيران الحقيقة التي تعصر قلبها. لمحت فستانًا أحمر، أحست بالقهر. نزلت بهدوء ودموعها تسيل. وتلمست الفستان الذي أحضره لها. ظلت تتلمسه وعيونها تسيل منها الدمع:
"كت هلبسهولك يا جلبي، لما كنت هبقى حلالك. كنت هغندر بيه ليك، كنت هتاخدني في حضنك ونرقص ونتنهني."
ابتسمت ساخرة:
"بس خلاص، ما عادش هيتلبس. هيتلبس لمين؟"
هبّت تحرقه، فلم تستطع. اندفعت ونتشته:
"لاه يا جمر، ده يفضل يحرج جلبك طول العمر. يفضل جدامك أكده، تشوفي وتتحسري على اللي كان هيعيشك دنيا، بس أنت ما تستحقيهاش. تفضلي معلّقاه أكده، ينحر فيكي ويحسس بذنبك وسواد أيامك. كان هيعيشك الحلو كله، بس أنت تستحجي العيشة السودة. اتمرغي في سواد أيامك من عمايل يدك يا بت حمدان."
نتشت الفستان كأنه روحها. وولّعت في بقية الفساتين. كانت النيران تعلو وتعلو، وهي تقف وقلبها يحترق همًا وكمدًا:
"هتلبسي لمين؟ هاه! اللبس ده عشان تتغندري لمين؟ خلاص، ما عادش فيها غندرة. ما عادش فيها جمر من أساسه. جتك هتتخبى العمر كله. اهو ربك اداكي، كتي غرقانة بخلك، وجتك اللي بتنور، اهي دلوك جتك يتجرف منها شكل العفريت. سبحان الله، ليك حكمة يا رب. جايز إني أنعدل ويتصلح حالي، وأجيلك راكعة عبده ذليلة ليك. فوضت أمري ليك، وسيبت حالي ومحتالي، وجاية طالبة رضاك. رضاك وبس، وهفضل عمري أقولها: راضية يا رب."
تغيرت حياة قمر تماماً، فالصمت أصبح حليفها. كانت تذهب للعمل وتدرس، وفي الليل تراعي ابن أخيها. كان أبوها يجلس بالطفل، وقد أصبح محنيًا من كثرة الهموم. اسود البيت، ولم يعد فيه أي بارقة للفرح. فالسواد حل بدعوة مظلوم، ونتشة القلب شديدة.
لتمر أيام وأيام، وتتوالى الشهور والسنين. وقمر كما هي، لا تكلم أحداً، ولا يظهر عليها فرح. استعجب أهل النجع من تحول قمر، فكانت أصبحت مختلفة تماماً. فبعد أن كانت تتهادى أمام الناس، أصبحت منزويه، لا تظهر إلا نادراً. بعد أن كانت تلبس الفساتين التي تظهر جسدها، أصبحت تلتصق بقميص وبنطال أسود، ومنديل أسود على شعرها، وتربط شعرها تشده كأنها ستقتلعه.
سنوات وهي تتشح بالسواد، لا تنظر لأحد، ولا تجعل أحداً يقربها. وإذا تقدم لها أحد، ترفضه بعنف. استعجب الكل لماذا؟ فهي كبرت في السن. ما الذي يجعلها لا تتزوج؟
لتتعالى الهمسات بين الناس، ويبدأ من بلا ضمير يفسر عدم زواجها بأسباب تخل بالشرف، وتلوكها الألسنة بما لا يرضي رب العباد، عن علاقات مشبوهة ومحرمة.
ليتوقف أي كان عن الاقتراب منها، وتكمل حياتها كأنها خُلقت لتعيش سواداً عن حق. هنا نقول: استمرت الحياة، ولكنها توقفت عند تلك الجميلة. تسير الدنيا، ويكبر من حولها، وهي كما هي. فهي كبرت منذ سن السابعة عشر. شاخت قبل أوانها، شاخت في ريعان شبابها. منذ أن تركت الدنيا لأهل الدنيا.
مرت سبع سنوات كاملة، لتصبح قمر في الرابعة والعشرين، فتاة ناضجة، تعيش من أجل ابن أخيها وفقط. وقد التصقت به كأنه روحها. كانت تحس أنه ابنها، وتعيش معه أياماً تلتمس معه السعادة.
لم تنس قمر عشق حياتها. لم تنساه. كانت تصلي وتدعو له الخير، وتطلب من ربها أن يسامحها. سنوات وهي لا تكف عن الدعاء وطلب الغفران. سنوات وهي تعلم مدى الجرم التي فعلته. سنوات تعيش في تأنيب ضمير أنها كانت السبب في موت أخيها. سنوات تعيش محطمة، لا يقربها أحد، والغمز واللمز لا يتركانها.
جلست تداعب ابن أخيها، فدخل الأب وجلس بصعوبة. كانت الصحة متهالكة، والظهر محني، والقهر معشش.
هتف:
"كيفك يا بتي."
تنهدت:
"بخير يا أبوي."
"آه من الحج. إني هروح أقدم لباسم في المدرسة، عشان السنة الجاية يخش هو نبيه. وخابره إنه هيبقي شاطر."
تنهد:
"بفضلك يا بتي، أنت كأنك أمه."
ابتسمت:
"كأني أمه؟ بتجول إيه يا أبوي؟ ماني أمه يا أبوي."
هتف:
"جمر، كت رايد يعني أقول حاجة، بس ماتزعليش فيا."
تنهدت:
"خير يا أبوي."
هتف:
"يعني الحاج رفعت كان مكلمني. يعني... يعني..."
ضحكت:
"إيه؟ جايبلي عريس يا أبوي؟"
هتف:
"يا بتي. يعني هتعدي أكده؟ الراجل زين وطالبك بالحلال."
هتفت:
"أنت يا أبوي ما بتتعظش خالص. راجل مين اللي زين؟ رفعت الحرامي زين؟ جولي! أنت عارف إنه حرامي؟ ترميني له ليه؟ هاه؟ مرته ماتت مجهورة منه ومن عمايله. أروح أربيله عياله الخمسة؟ ده البت الكبيرة أصغر مني بخمس سنين. عايز ترميني الرمية دي."
هتف:
"يعني كان حد جه وقالنا؟ لاه."
صرخت:
"ماحدش هييجي ولا هيقدر ييجي. دي دعوة وشجت في السما إني أعيش السواد. بس إني ما عايزاش أتجوز، ولا في دماغي."
هتف:
"ليه بس؟ نشوف حد."
ضحكت:
"نشوف حد؟ مين في الكفر هياخدني؟ جول أكده."
هتف بقهر:
"مالك؟ مانت جمر أهوه."
ضحكت:
"تصدق؟ عايزة أولول وأعدد كيف النسوان بتوع المجابر. جمر؟ هيا مين اللي جمر؟ هاتلي راجل في الكفر كله، ولا النجع بيبصلي على إني جمر. إني واحدة معيوبة يا أبوي، فعلاً وقولاً. معيوبة في جسمي وخلجتي الروبة."
"يمر العمر والحال يخوف. تصدق؟ بخاف أقلع أشوف حالي اللي يجرف، وأحط فوقه العيبة اللي طالتني بغير وجه حق، عشان إني مش رايدة أتزوج. طلع عليا إني معيوبة، وإني متأخذة، وغلط مع راجل، وبعمل الشن والعار بفلوس. شوفت الجهر؟ بتجول إيه؟ مين هيرضي؟ إني بجيت جرف مسخ. اه والله مسخ. وبرضك مش زعلانة. عارف ليه؟ لأن الدنيا ماتت في عيني. لأني راضية بجضا ربنا اللي أستحقه. العيب عيب الشكل والسمعة. بس والله النفس رجعت لربنا. والباجي خلاص مابصاش لدنيا ولحد. تربيتي لا هعوز حد، ولا هتمنى حد. أربي الواد يطلع صالح لأبوه. دعوة مسعد، بحمد ربنا إنها نزلت عليا، تموت دنيايا في عيني. إني بطلت أحس. يمين الله جبله بلاطة ممسوحة. لو عدي عليا قطر الدنيا هرسني ودعك فيا، ما هحسش. وراضية برضك. وخلاص بالله عليك، جفل عالجصة دي."
استدارت. فصرخ:
"هو مين اللي جهرك؟ وبعت الدنيا عشانه؟ ده منه لله، محروق. دي سيرة."
تجمدت هي واستدارت بقهر:
"صرخت بحرقة: بتجيب سيرته ليه؟ وبتدعي عليه؟ أنت إيه؟ مش بكفاك؟ عايز يجرالي إيه تاني أكتر من كده؟ يزفوني في الشوارع بالسواد؟ بتدعي عليه ليه؟ ماتسيبه. اهو راح لحاله. الله يحليله أيامه وعيشته. بتعمل فيا كده ليه يا أبوي؟ مافيش رحمة واصل. ما بتبطلش تنحر في جتي عالجواز والجهر والحزن الأسود. طب إني راضية، ورضيت بدنيتي السودة. تسودها أكتر ليه يا أبوي؟ جولي. حد جالك إن جمر بجبلة؟ مابتحسش؟ والا عشان ساكتة وقاطمة؟ أقول إيه؟ ماني ماليش حد. الحنين اللي كان ليا راح، وبروحته نتش جَلبي وأسودت أيامي. ماحدش جهرني، إني اللي جهرت. إني يا أبوي، أو بالاصح أنت. أنت السبب. أنت اللي علّيت شيطاني، وأهو أدور ورشج، بس رشج في جلبي نتشه. بتجول جهرني؟ ده عيشني الحلو كله. اه والله، واني رديت الجميل وحطيت عليه حزن السنين. عارف يا أبوي، لو تحس بيا، هتعرف إني خلاص مت. والله يا أبوي مت. إني ما عدت بحس. حتى الوجع حباه، ومتعودة عليه. لأني حابة أنوجع، لأني متأكدة إني أستحق. الغدر صعب، وإني غدرت. بطل وعدي أيامنا يا أبوي. والله ما عاد فيا نفس أناهد حد. إلا تلاقيني واخده الواد وماشية من أهنه."
واستدارت وتركته مقهوراً، وصحته تهالكت من قهره على ابنته التي تبدلت تماماً.
كانت قمر تذهب إلى المصنع، وقد ترقت بعد أن أخذت معهد السكرتارية، واشتغلت في قسم السكرتارية. كانت جالسة، فاقتربت منها إحدى الفتيات.
"بجولك يا جمر، فيه عريس جايالك."
تنهدت قمر:
"معلش يا وفاء، مش بفكرش في الجواز. إني بربي ابن أخوي."
هتفت الفتاة بخبث:
"كأنه أكده. يا جمر، كلنا عارفين اللي فيها. وإني رايدة أساعدك. بصي، إني أعرف دكتور بيرجع كل حاجة."
قطبت قمر:
"بيرجع كل حاجة؟ حاجة إيه؟"
هتفت الفتاة:
"بيرجع الصبية بت بنوت."
هنا اشتعلت قمر:
"ماتحترمي نفسك! إيه قلة أدبك دي؟"
هنا هتفت الفتاة:
"حوش حوش! اعمليهم يا بت، اعمليهم علينا. الحج عليا بسترك بدل الفضايح."
صرخت قمر:
"فضايح إيه؟ يا زيالة منك لله. حسبي الله فيكو."
هتفت الفتاة:
"كلنا عارفين ما بتتجوزيش ليه؟ هاه؟ وإن فيه عيبة. وإن..."
مسكتها قمر:
"ليه كت شفتيني بعمل عيبة فين؟ يا محروقة."
هتفت الفتاة:
"أمال إيه اللي منعك بلا جواز؟ إلا الفضيحة. الكل بيجول."
صرخت:
"حسبي الله فيكو. فوضت أمري لله."
عادت قمر والقهر ينهشها. كانت تتحمل أي شيء إلا وصمها بتلك السبة التي تهتز لها عرش السماء.
دخلت على أبيها:
"اسمع يا أبوي، إني هجيب بيت في المدينة."
هتف:
"بيت إيه ده؟ هنهمل بيتنا؟"
هتفت:
"أيوه يا أبوي، هنهمله. أنا سيرتي بجت مجلة يا بوي، غنوية. بجيت معيوبة وبتتجلى في وشي. إني أتحمل أي حاجة إلا أكده. العيبة بتوجع، واني عمري ما عملتها يا أبوي."
أحنَى الرجل رأسه، فمن كثرة الأحزان أصبح لا ينطق.
هتف:
"اللي تشوفيه يا بتي."
هتفت:
"اهو معاشك على معاش مسعد، على شغلي. ممشي الحال ومستورين."
هتف الرجل:
"مستورين أكده."
تنهدت وهتفت:
"الحمد لله يا أبوي، ما هنجولش إلا الحمد لله على مجايبه. جايز ليه حكمة."
دخلت هيا تنام، وجلست مقهورة. فتحت تليفونها، فبعد سبع سنوات لم تزِل تلك الصورة. صورة تجعلها حية تتنفس. صورة جبل، الذي خلعت قلبه، ودعا ربه فاستجاب، وخلع الله قلبها بيده، وعقاب الله غير.
احتضنتها، نامت. إذا بذلك الحلم يأتي إليها. كانت تدور في القصر، وتلبس فستاناً من الحرير، وجسدها ينير من تحت الفستان. وتنظر إلى قدميها. رجعتا كما كانتا بلا حروق. استدارت، ونفس اليد تمسك يدها، وتلك الدبلة السوداء. وصاحبها هامساً: "هتنسعدي يا جلبي." نظرت إلى اليد، وتلك الدبلة التي تلمع في يده. وصدر الصوت دخل قلبها، وقلبها يشع سعادة.
لتهب متعرقة، كانت تحس أنه كابوس. فمن شدة السعادة بداخل الحلم، تشعر بوجع. فالحقيقة فتاة مهانة، وقلبها يشع وجعاً. فتاة قضى عليها تماماً. لتتهذب مع الله، بعد أن كانت وكانت وكانت.
"يا رب، إيه الحلم ده؟ ليه العذاب؟ سبع سنين عذاب مش كفاية؟ ما كفرتش لسه عن ذنبي؟ يا رب، بيوجعني جوي، بينخر جوايا. بيجيلي ليه طيب، واني عمري ما هشوف السعادة؟ لله الأمر، راضية يا رب."
انتقلت قمر إلى المدينة في شقة صغيرة، وأدخلت ابن أخيها المدرسة، واستتب لها الأمر، ونقلت عملها من المصنع إلى مقر الشركة في المدينة. لتمر الأيام روتينية قاتلة عليها. بلادة وجمود وزهد في الحياة. كانت لا تنظر لأي متع، ولا تهفو إليها. كانت ترى الفتيات يلبسون ويخرجون، وذلك لم يحرك فيها شيء. تعمل وفقط، وتعود تربي ابن أخيها، وتلتصق به. حتى أبوها أصبح شارداً من كثرة التعب والهم. يجلس صامتاً. عائلة الصمت حليفها، والهم ملبسها.
أتى يوماً، دخلت عليها رئيسة المكان.
"اسمعوا يا بنات الشركة، هتعمل اندماج كبير مع شركة كبيرة. عايزين نكون عند حسن ظنهم، ماشي؟ هيبقي فيه إيفنت كبير في مقر الشركة. عايزة تكونو على أعلى مستوى، فاهمين؟ أحسن لبس ومنظركو ياخد العقل."
هتفت قمر:
"اعفيني يا مدام تقي، أنت عارفة إن إني ماليش في الحفلات. ثم إن عندي شغل لسه هخلصه."
هتفت السيدة:
"يا بنتي يا بنتي، تعالي مع البنات. افرحي. ما ينفعش اللي انت بتعمليه في نفسك ده. ليه ده كله؟ الدنيا حلوة. تعالي بس يبقى هناك ناس حلوة ولابسين حلو. نقضي وقت حلو مع بعض."
هتفت قمر:
"معلش، سامحيني. مش هقدر."
حاولت السيدة أن تثنيها عن رأيها، فهي تحبها. فقمر مهذبة بزيادة وفي حالها. إلا أنها كانت صلبة، لتمتثل لها أخيراً.
انصرفت الفتيات مبكراً، وجلست قمر تنهي شغلها. مر الوقت ولم تعلم مداه. أحست بالتعب، ولكنها تحاملت على روحها. فإذا بالنور يقطع. زفرت بضيق:
"آه، أنا قلت يصلحوا المكبس. بيفصل لوحده. بس ما حدش بيسمع."
قامت وفتحت تليفونها، وذهبت إلى مكان مكابس النور. نظرت إلى الأعلى، فوجدته بعيداً. أحضرت أحد العلب، ووضعتهم فوق بعض. مدت يدها فلم تطول. أخذت أحد العلب. مدت يدها بصعوبة، وفتحت المكبس. فانزلق العلبة من تحتها، فوقعت صارخة، وشعرت أنها سترتطم بالأرض. ولكن الارتطام لم يكن بالأرض. ووجدت نفسها محمولة ومحاطة بيدين من حديد. استدارت وتجمدت عندما... عندما إيه؟🤨🤨🤨 ياختااااه يا شتات الشتات. الهنتريش المجنح. وزومبي الصعيد. إ، ن، ا، ا، ا، ا، ن. اجرو يا عيال 💃💃💃💃.
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل العاشر 10 - بقلم ميفو السلطان
كانت قمر تحاول أن تمد يدها لتمسك كابل الكهرباء.
لتنزلق مرة واحدة.
صرخت مرتعبه من ارتطامها بالأرض، ولكن في تلك اللحظة تلقفتها يدان من حديد.
رفعت وجهها تنظر إلى حاملها، انتفض جسدها بقوة وأحست بضربات قلبها تصرخ.
فأمامها من خلعت قلبه من سنين، إنه الجبل بهيئته الطاغية.
أحست بالشلل، كان صدرها يعلو ويهبط.
تنظر إليه نظرة بلهاء، كأنها في حلم غريب.
تاهت وتاهت عيونها، لم تتحرك ولم تصدر أي بادرة.
كل ما فعلته وضعت يدها على قلبه تحس دقاته.
أما هو فتجمد ما أن تلقفها بين يديه.
خفقات قلبه وصلت عنان السماء.
كل منهم تاه في عين الآخر وتلاشى الزمن.
عادت النظرات ساهمة، ساحة اللقاء وقت أن كان الجبل بالأسفل يخطف عيونها وهي خطفت قلبه.
لم يعلما كم من الوقت وهو يحملها وهي يدها على قلبه.
لينتفض الجبل من داخله ويثور ويتصاعد غضبه من نفسه إن استكان لعيونها ولو ثانية.
عادت لوعيها عندما تركها فجأة لتقع تحت قدمه.
لتعود جميلتنا للدنيا التي تاهت منها للحظة بأبشع حال.
ثواني من الحلم المتبقي لها في الحياة خطفتها من عيونه لتفجع وتعود لواقعها الأسود التي تعيش فيه ومنغرز فيها.
كانت تحني رأسها وترى قدميه وهي بالأسفل.
لم ترفع رأسها حتى ترى عيونه الباردة.
لم تقو أن تنظر في تلك العينين الخاليتين من أي مشاعر، بل والأصح الممتلئتين بالغل والشماتة.
تحت قدميه وهو بالأعلى، تبدل الوضع تمامًا.
تذكرت وقت أن كانت نجمة في السماء ينظر إليها لتخبو وتموت وتسقط تلك النجمة ويعلو هو ويدعسها بقدميه.
ليرجف قلبها عندما سمعت ضحكة ساخرة.
"جمر حمدان تحت الرجلين ده مكانك وده مجامك."
انحنى قليلاً ليدنو من رأسها المنحني.
كانت يدها على الأرض قريبة من حذائه ملامسة لها.
أزاح يدها بقدمه.
ضحك وقال: "جزمتي حلوة يا بت حمدان، عينك ما تجيبش إلا هي صوح."
أحست بقلبها ينشق، فنبرة صوته تشع حقداً وكلامه كالسم يهري الجسد.
أغمضت عيونها وللحظة تذكرت أخاها ودعوته.
"ربنا يراضي جلبك، لا يهزك إنس ولا يوجعك أبداً. تموت في عنيكي دنيا ويتحط في عنيكي نور من رب العباد، مهما اللي قدامك داس وطاح ما يفرّج معاكي ماللي تموت في عينيه الدنيا ما يهموش العباد."
هزت رأسها، تنهدت وقامت بهدوء واستدارت تبتعد عنه من سكات تنجو بقلبها.
اشتعل جبل أنها لم تنظر إليه ولم تصدر بادرة.
فهو لم يعد كما كان جبل البسيط، تغيرت أحواله وصب عليه الله الخير، ربما بدعوات تلك الجميلة له في سنوات الوجع.
فاندفع ومسكها بقوة.
"إيه ماهتعبرنيش برضك ليه؟ فاكرني زي زمان، اياك بجري وراكي."
ضحك عالياً.
"انت لساتك برضك شايفه نفسك حاجة يا بت حمدان."
نظر إليها باحتقار وشماتة.
"أمال لو ما كنتيش معيوبة بين الخلج."
تجمدت للحظة وشعرت أنها ستموت.
فكيف وصله الكلام؟ أيعقل تتبع أخبارها؟
شعرت بسكاكين تمزق أحشاءها، ولكنها تجلدت فهي تعلم ما بقلبه من غل، فهي تستحق منه كل الاحتقار.
ابتسمت له وهتفت: "عايز إيه يا جبل؟"
صرخ بغل: "هعوز منك إيه؟ انت يتعاز منك إيه؟ إيه الجرف ده."
زادت ابتسامتها. "طب تمام، حاجة تانية يا ابن الناس."
"ارجع لشغلي."
هتف بقرف: "وبتعملي إيه في المخروبة دي؟ خدامة ولا مساحة سلالم."
ضحكت.
"فصرخ: انت مجنونة يا بت انت مخبولة، كل أما أكلمك تضحكي."
هتفت: "وعايزني أعمل إيه؟ أنوح ولا أندب يا جبل؟"
هتف بغل: "عايزك تحسي بس، أجول إيه؟ الإحساس نعمة للي بيحس."
نظرت إليه ببرود. "تصدق والله قولك ده عندك حق، الإحساس نعمة للي بيحس."
فهي فقدت الإحساس من سنين.
أحس أنه يريد أن يقتلها، فما تلك النظرة بعيونها؟
كان يتفرس فيها، فهي ليست قمر التي عرفها.
فقمر كانت تشع نورًا، كانت دنيا يسعى لها الآخرون، عيونها تخطف القلوب من نورها.
ولكن من أمامه شخص عيونه تتسم بالبلادة، سكون وموت.
كانت تلبس بنطالًا أسود وقميصًا أسود، وذلك المنديل لا يفارق رأسها.
هتف: "أمال فين الغندورة بتاعة الفساتين؟ مالك شكل جبّاضين الأرواح أكده."
هتفت: "ممكن تعديني؟ ممكن أمشي."
صرخ: "هو إيه كل شوية ممكن أمشي؟ شيفاني هموت وأقف معاكي؟ إيه الجرف ده؟ بصي لشكلِك، لا شكل ولا منظر ولا حتى قيمة."
أحنت رأسها وتذكرت تشوهاتها الداخلية وهمست: "ولا جوه كمان والله."
هتف: "بتبرطمي، تجولي إيه؟ ردي جولي، سمعيني حسك."
إلا أنها استدارت ومشت من سكات.
فاندفع وشدها، تقع في أحضانه.
ارتعشت، مسك وجهها.
"لاه، إني ما تدّيش ضهرك ليا وتمشي أكده، فاهمه؟ انت ما تعرفيش إني مين."
ابتسمت. "ما أعرفش ومش عايزة أعرف، بعد عني."
صرخ: "ماهبعدش إلا بمزاجي، فاهمه؟ انت ما تجوليش أعمل إيه واصل، ومش عايزة تعرفي جبل؟ جبل بقى سيد الناس، عنده شركات وفلوس تتعبي في شكاير. عنده اللي يغني بلد بحالها، جبل ربنا فتح عليه لما الحزن خرج من حياته والجرف اترمي في الزبالة. جبل اللي ما عايزاش تعرفيه بقى إيه؟ فوق عالي جوي يا بت حمدان، ياللي سيرتك بقت في التراب من شينها وعارها."
كانت تسمع كلامه وتتمزق من تعيبه، ولكن لا تصدر أي رد عليه.
ظل يقف ينظر إليها وهي لا تنظر إليه.
كان يحترق، يريد أن يرى عيونها.
فصرخ: "بصيلي جربة، اياك لاه يا بت حمدان! جبل بيتبص له ويتبصله جوي دلوك، بصيلي لأجل أشوف الجهر في عيونك."
نظرت إليه وعيونها خالية من أي شيء.
كان رب العباد أنزل عليها سكينة، فيكفيها ما حدث لها وكلمات أخيها تتردد في داخلها تلهمها ثبات وهدوء.
خلع قلب ذلك المغلول.
شعر بحرقة، فهي تبدو ميتة أمامه.
لم يستطع أن يمنع نفسه لينزل عليها ويقبلها بحرقة.
شهقت وارتعبت، لم تتوقع منه ذلك.
كان برودها يكويه وعيونها الميتة تقتله.
أراد أن يتشفى فيها، فدفعها فسقطت مرة أخرى.
مس شفتيه بقرف.
"إيه الجرف ده؟ جربك يجرف الكلب. رخص في رخص، والله بطني جِلبت."
أخرج من جيبه مالاً ورماه عليها.
"خدي، إني مابخدش حاجة ببلاش. إني ما أعرفش سعرك كام، بس أهو بزيادة أكيد اللي بيديكي مش كد دول، والا تحلمي بيهم."
ورمى عليها المال.
ظلت ساكنة، أغمضت عيونها وهمست: "راضية يا رب، راضية والله راضية."
قامت وهتفت ببرود: "حاجة تانية."
شعر بالجنون. فهو يكلم جثة أمامه.
"لاه، ما فيش حاجة. هيكون فيه إيه؟ إني مش عارف أقف جصادك ليه من أساسه. واحدة معيوبة من خلق الله، سبحان الله. يمر الزمن ويعلى العالي ويوطي الواطي."
ضحك.
"ما اتجوزتيش سليم ليه؟ بتاع الدهبات وكفوف الدهب، والا مسك عليكي حاجة وجفشك مع واحد معاه فلوس أكتر؟ كانت اللي زيك لا عهد ولا مله تستحجي الحرج."
"نار جهنم تولع فيكي، جايز تنضفي يا بت حمدان."
هنا انطلقت تضحك.
اندفع بجنون يمسكها.
"انت إيه مابتحسيش؟ كافيش دم خالص؟ منجوع شر."
مسك وجهها وصرخ: "بصيلي."
نظرت إليه، رأى الوجع في عيونها.
لم يفهم بلادتها، كانت تكويه.
ظل ساهماً في عيونها، إلا أنه لم يعد يحتمل.
دفعها وتركها ورحل.
وقفت وقلبها يخفق بشدة وابتسمت.
"هيا الدعوة هتخلص إمتى يا رب؟ عيشتي السودة هتكمل لامتى يا رب؟ أنا ما عدتش فيا نفس أضرب تاني. راجع ليه تاني لحياتي؟ غرز حزن الدنيا بدعوته وأهه منجوعة فيها."
تنهدت. "راضية يا رب، ما هعترضش. عبدتك تعمل فيها ما بدالك، بس خف قضاك يا رب، خف عني. هقول إيه من يدي وعمايلي، أستاهل فوق الحزن أحزان."
استدارت وأكملت عملها وعادت إلى بيتها حزينة مقهورة.
وإذا بأبيها يهتف: "مالك يا بتي؟ وشك أصفر أكده."
تنهدت. "ما فيش يا أبوي، فين باسم؟"
هتف: "ما أعرفش ليه يومين ساكت أكده وهمدان ما خبرش فيه إيه."
هبت لترى باسم، ودخلت عليه وجدته نائماً فاحتضنته.
"مالك يا حبيبي؟"
تنهد. "ما خبرش يا خالتي، بجالي يومين هبطان وانهاردة في المدرسة ما جدرتش ألعب مع العيال واصل."
ابتسمت. "عشان مابتاكلش وكله ضعيف. غلبت أقولك تاكل حبيبي، إني بشتغل طول اليوم وانت راجل مش أكده؟ مش انت اللي بتراعي البيت ده وأني غايبة فيه؟ راجل مابياكلش، أمال جدك يتسند على مين."
هتف: "جدي تعبان جوي يا خالتي واني ما بعرفش أسنده للحمام."
تنهدت بغلب. "ربك يهون يا حبيبي، وأروح بيه أكشف هو إني مجصرة؟ معلش عندي شغل كتير، أعمل إيه عاد. بص، يوم الإجازة هاخد جدك يا جلبي وأكشف عليه وأغير له علاجه، ماشي."
قبلته وجلست معه تتكلم معه وتسأله عن مدرسته وأصحابه وتوجهه للخير.
فهي شاغلها الشاغل أن تربي باسم كأخيها.
كانت ترى أخيها أمامها وتحتضنه، تستمد منه بعض الحنان، فهو مصدر الطاقة الوحيد لديها.
عند جبل، عاد إلى بيته وشعر بنار في جوفه.
"مالك متلخبط ليه؟ دي واحدة زبالة، مالك تجري منها ليه؟ اتخبلت اياك؟ دي سيرتها على كل لسان."
كان قد بعث وسأل عنها عندما عاد، فسمع الهمز واللمز عليها، وبالطبع صدق عليها كل شيء.
فقلبه مغلول من ناحيتها، وعلم أن سليم تركها بعد موت أخيها.
حاول أن يعلم لماذا تركها، فلم يعرف.
فسليم طلع حافظ لكلمته، وبمرور السنين تناسى وجودها وأغلق تلك الصفحة.
تنهد. "أكيد شاف عليها حاجة، أمال هيسيبها ليه؟ واني اللي كنت أهبل مجذوب ماشي وراها."
تذكر وقت أن تركها كان مقهوراً، ولكن الغل جعله يشد طوله، جعله غولاً ينهش في الدنيا التي نهشت قلبه.
سنين وهو يمحط كي يعلو، سنين وهي أمامه تتبجح أنها لا تقدر على عيشته.
سنين وهو يرى نفسه مذلولاً أمامها، وبكاءه واستعطافه لها كي تعود إليه.
سنين يتذكر نومه على الأرض عالجسر وخده يلمس تراب قدميها.
يتذكر بكاءه ونواحه.
وكلما تذكر، وهو أساساً لا ينسى، يدخل الغل إلى قلبه.
أخذ عهداً على نفسه أن يعلو ويعلو ويعود شامخاً لا يصل إليه أحد.
إنه الجبل الذي علا وعلا ولا يخطو عليه أي كان.
كان قلبه يكويه، ينام قليلاً، وإذا نام يحلم بها وبأبيها وسليم.
كان يحلم بالظلام الذي يعيش فيه، ظلمه وبروده غير عادي.
صرخات هنا وهناك، يقف أبوها شامتاً وسليم عالناحية الأخرى وهو متخبطاً لا يعرف الطريق، يترنح.
تلك النقطة السوداء في حياته.
فقدانه حبيبته وعيشه الخوف بعد أن فقدها.
حل الظلام على حياته وقلبه برحيلها.
حلم أسود لا يفارقه.
لتأتي إليه تلك الجميلة بابتسامتها تخلع قلبه.
كان حلماً كالكابوس ينتفض له كل يوم، يذكره بما عاشه، إلا من تلك الابتسامة.
ابتسامة القمر في نهاية الحلم.
يعيش للحظات سعادة واهية زائلة، ليهب من منامه مذعوراً يشعر بالقهر.
فسنين لم ينساها.
تحول العشق إلى غل وسواد يغلي بداخله، ونسي أن الله يحب كل هين لين، عافِ عن الغير.
جلس متهالكاً.
"بس هيا مالها أكده؟ دي مش جمر، دي واحدة تانية، إيه المنظر ده وعيونها ليه أكده؟"
لا شعورياً وضع يده على قلبه يشعر بألم.
أغمض عينيه لتأتي ابتسامتها التي ما أن يغمض تجننه وهمسها بصوت أكل قلبه.
"جبلي."
لينتفض مذعوراً، كان لدغة عقرب، ويقوم هارباً من أفكاره.
دخلت عليه بنت خاله.
"إيه يا جبل؟ سيبت الحفلة ليه هناك؟"
هتف: "معلش يا جنات، إني تعبت فجأة."
اقتربت منه ووضعت يدها على يده.
"مالك بس؟ انت بتقعد ساعات مسهّم، مالك."
رفع يديه وهتف: "لاه، مش مسهّم، بس بفكر في حالي اللي جاي هيبقي شكله إيه."
اقتربت منه ومسكت يده.
"جبل، أنا عايزة أقرب ليه، بتبعد؟ مش كفاية."
تنهد وابتعد.
"عشان إني ما عدتش ليا جلب يا بت خالي، وما عايزش أظلمك معايا."
هتفت: "طب اديني فرصة، طيب احنا شركتنا بتكبر وبابا هيسيبلي كل حاجة، ليه مانعملش عيلة؟ أنا عارفة إن في حياتك حاجة مانعاك، وشايفة، أنا مش طالبة حب، أنا مش هكدب، أنا ليا مصلحتي، مصلحة عيلتي، وفي يوم هتجوز، وانت ابن عمتي وليك عمر معانا، ليه لا."
هتف: "عشان إني دلوقتي مش في دماغي أبني، إني جاي أهد."
هتفت قاطبة: "تهد؟ تهد إيه؟"
هتف بغل: "أهد دنيا قديمة وأدعكها بيدي، أجضي على جبل القديم نهائي وأموت دنيته. عشان أعرف أكمل وأعيش. عشان أكده أكون وصلت وخدت حقي."
تنهدت: "حقك من مين؟ ساعات أخاف منك، وأخاف أبصلك، عيونك فيها غل غريب."
ابتسم: "تخافي؟ أمال لو عرفتي اللي جوايا هتعملي إيه يا بت خالي. اسكتي، الله يرضي عنك، ولما تلا جيني ساكت ماتجربيش، الله يرضيكي، ما عايزش أوجعك، وشوفي حالك، ماتستنيش مني حاجة."
تنهدت: "لا يا جبل، مش هيأس وهفضل لحد ما أنت تعرف إن الدنيا بتمشي، ما بتقفش على حد."
هتف بغل: "أنا بقه دنيتي وجفت، وجفت على جسر الحزن وجفت، والتراب حاسه على خدي، ودمعة العين تبل الأرض من جهرها. وعشان تمشي لازم آخد حقي الأول، وبعدين تمشي. رهوان إني ليا حلم أسود عايز أخرج منه وأقتل أي حد جواه."
في الصباح، اقتربت السيدة التي توزع المهام.
"شوفوا يا بنات، دلوك الشركة الجديدة، الريس بتاعها هيقعد اهنه وعاوز حد يراعي مصالحه مؤقتاً لحد ما نعين، وهتبقي معاه في كل مكان، حتى بيته، هتنظمله حاله ومحتاله، هو ما يعرفش حد اهنه واحنا نعرف."
"اختاروا إني اتنين هيبقوا اهنه واتنين في مكتبه، واحدة بس في المكتب وواحدة معاه زي ضلة."
قامت. "انت يا مريم هتبقي في المكتب، وانت يا جمر هتبقي معاه."
تنهدت قمر بضيق. "ليه يا ريسة؟ ماتخليني وخدي بنت من البنات، إني مابحبش أختلط بحد."
هتفت السيدة: "انت أكتر واحدة تنفعي. الراجل جد وما عايز ملاعبة، وانت عاملة زي القطر، ليكي سنين مابصتيش لمخلوق، شغلك وبس، واني ما رايداش مشاكل، وعارفة إنك جدها."
تنهدت قمر: "بس إني."
هتفت السيدة: "جرا إيه يا جمر؟ ده شغل، انت هتنجي والا إيه؟ وخلاص بقه عشان جاي، جومي وضبي مكتبه وعايزه ما فيش غلطة، فاهمه."
قامت هيا بغلب ودخلت غاضبة.
"إيه الجرف ده؟ وهلزج وهتجطرن؟ طايجة إني حد من أساسه؟ دا حزن إيه ده؟ لاه إني أتعوج حبتين يجوم طاردني ويجيبوا حد تاني وأقعد في حالي، ما عايزش إني أكون مع حد."
تنهدت. "الله يسامحك يا عم رجب، المكتب على بعضه."
قامت وبدأت ترتب المكتبة.
ومسكت أحد الكتب ودخلت حمام المكتب ورتبت أغراضه.
وبينما هي تفتح المياه اندفعت المياه، غرقت ملابسها والأرض وهي تمسك الحنفية.
"الله يخبيتك، غرقت منك لله هدومي يا مري."
كانت الملابس سوداء والمياه انهالت عليها وملابسها من النوع الذي ما أن يبل يلتصق ويفسر ما خلفه.
فالتصقت ملابسها على جسدها فظهرت تفاصيله.
"طب أعمل إيه دلوك يا مري؟"
سمعت همهمات بالخارج.
"إيه ده؟ هو جه؟ طب هطلع كيف دلوك وأني غرعانة أكده بمنظري العفش ده."
تنهدت وهتفت: "اتبهبي واخرجي، هتعملي إيه يعني."
خرجت هيا، كان هناك من يعطيها ظهره، فهتفت: "أسفة، بس الحنفية ضربت وأني كت بصلحها."
استدار، فشَهِقَتْ، فأمامها جبل يقف يتفرس فيها.
شعرت بالخجل، لمعت عيناه وخفق قلبه، فالمياه جعلت الملابس تلتصق بها فبرز جسدها.
إلا أنه هتف ببرود وقرف: "انت بتعملي إيه اهنه يا زفتة؟ انت؟ انت بتلفي ورايه؟"
شعرت بالغضب. "والف وراك ليه؟ إني دا نصيبه إيه دي؟ انت اللي جاي ليه وتدخل من غير استئذان؟ وكالة هيا من غير بواب؟ دا مرار إيه ده."
اقترب ومسكها من يدها.
"انت احترمي نفسك، لافلجك نصين. هاه، اللي زيك تجطم وتخزي، ماتنطقش."
دفعته بقهر. "مالها اللي زيي يا بتاع انت؟ انت عايز إيه انت وداخل هنا ليه؟"
هتف: "عشان ريس المخروبة دي اللي مدخلة زبالة تقف تبين حالها للناس."
اقترب ونظر إلى مقدمة بلوزتها.
"انت إيه الجرف ده؟ إيه مش خزيانة بمنظرك ده؟"
صرخت: "خزيانة، عملت إيه؟ إني المية ضربت وغرقت الدنيا."
وبدأت تشد بلوزتها من على صدرها.
ضحك. "لاه والله، والا أكيد عرفتي إن فيه رجالة بره، عملتي أكده عشان يشوفوا حالك الرخيص."
اقتربت منه وصرخت: "انت واحد جليل الحيا، وتلم لسانك بقه؟ هو إيه ده؟ عيب أكده، والا عشان سكتالك."
مد يده. "الم لساني."
ولمس أعلى جسدها.
"وده اللي باين، ماتلمهوش ليه؟ الأول، إيه؟ هو انت مقضياها اهنه كمان."
ابتعدت بقهر. "بطل بقه، الحنفية فرقعت وغرقتني."
هنا دخل رجلان سمعاها تتكلم.
رفع الرجال عيونهم حتى اتسعت ابتسامتهم غصباً، فقمر جميلة عن حق وما أمامهم يظهر مفاتنها.
فهمس أحدهم للآخر: "إيه ده؟ مين دي؟ فلقة الممر دي؟ يا لهوي، هو فيه نار كده."
رفع جبل عينيه إليه، رآه ينظر إليها وعيونه تشع رغبة.
أحس أن قلبه سيخرج من مكانه، فجسدها تظهر تفاصيله، القميص ملتصق على جسدها.
اقترب أحدهم.
"حنفية إيه بس اللي مزعلة القمر؟ يا بختها والله، إيدك دي تتمد عليها."
هنا كان الغليان على آخره، صرخ جبل.
"انت واقفة بمنظرك ده؟ إيه الجرف ده؟ غوري من اهنه."
هتف أحدهم: "فيه إيه يا جبل؟ براحة، انت مجنون."
كان وقوفها أمامهما بتلك الهيئة يحرق داخله، فصرخ: "جول بره، فاهمه."
خرجت مسرعة إلى الخارج.
فهتف أحدهم: "إيه يابني؟ انت اتجننت؟ حد يزعق في المزة الجامدة دي؟ كت سيبنا نمتع عنينا."
صرخ جبل: "أمير، إني مابحبش الحال العوج، فاهم؟ إني صعيدي، كلامك ده زيادة."
تنهد الرجل. "بومة مصاحب بومة."
ذهب إلى الآخر هاتفا: "بذمتك مش بومة؟ سبع سنين مابصش لطرف واحدة، عدو الفرحة."
ضحك صديقه. "ماتسيبه يا عم، انت مالك."
هتف أمير: "مالي؟ إيه؟ ماهو بيقطع عننا المية والهوا دا، يرضي ربنا؟ مانقعدش معاه ونفرح."
اقترب منه وعيونه تلمع.
"البت اللي بره دي هاخدها معايا مكتبي، عايزها."
صرخ جبل بحرقة. "تاخد إيه؟ خدك ربنا، مالك بيها."
هتف أمير: "إيه يابني؟ مانا عايز حد معايا، مش هخرج أنا والف عالشركات وسيادتك هتتهبب تقعد؟ مش ده اتفاق؟ يبقي هاخدها هي، أكيد عارفة كل حاجة، وكمان شكلها جااامد. وانا بحب الجمدان، مابستحملش."
وغمز له، فأمير ذو علاقات نسائية كثيرة.
صرخ جبل: "ماتحترم حالك بقه، إني واقف."
ضحك أمير. "ياخي اترزي على أيامك يا واد، انت جبله؟ نروح نكشف عليك؟ البت تدوخ الحجر، واقفة مكشوفة والبلوزة كاشفة نعمة ربنا والجمال ناطط ياكل جتته. الواحد وانت واقف تزعق؟ دا لو أنا وهيا بمنظرها ده قدامي كت رشقت وحضنتك لما انهريت، منك لله، كت سيبها نبص على جمال ربنا اللي ظاهر. حنفية إيه دا؟ نا عايز أخش أبوس أمها انها غرقت المزة وبان جمالها اللي هري عينا. وأقعد أحب وأسحسح."
هنا أحس جبل بالنار في جوفه، أراد أن يذهب ويقتلها، فصرخ.
"الكلام ده ما يتجالش اهنه ولا لحد اهنه، انت فاهما؟"
اقترب جبل بغل ودفعه.
"اجعد بقه واترزي، بلا بتحب بلا بتجطرن، على أيامك السودة."
"أما أشوف هنهبب إيه. دا يوم أغبر."
واستدار ليخرج مشتعلاً، يبحث عنها بجنون، فهي مكشوفة وقلبه يصرخ من ظهور جسدها بهذا الشكل.
فهتف أمير: "واد يا سالم، ماله الجبل حريقة ليه؟ أول مرة أشوفه كده."
تنهد سالم. "يابني صعيدي، قفل. انت أهبل؟ بتبص لصعيدية قدامه."
هتف أمير: "أبص؟ دانت عنيا انخلعت وانهارت. البت فلقة قمر، والا جسمها يا واد."
ضحك سالم. "انت عيل خفيف."
هتف أمير: "طب يا تقيل، أما نشوف، دانت عينيك كت هتخرج من مكانها."
ضحك سالم. "عشان انت أهبل ولسانك زالف، أنا ببص من سكات."
وظلا يضحكان.
خرجت قمر من الحجرة واندفعت إلى الحمام.
"هو بيعمل إيه اهنه يا مري؟ هو جاي مع مين دلوك؟ وريس إيه؟ يا مصيبتي، ليكونو مع الشركة الجديدة."
"يا رب، ما عدتش قادرة وجلّت أدبه وتطاوله ده، هعمل فيه إيه؟ ما عدت متحملة، هو جلب عفريت ليه أكده؟ ربنا يكفينا شر غل النفوس."
"دا نظراته تاكل الجثة من بشاعتها. داني حاسة إنه بيطلع غل، لو سابه عليا يطحن جثتي. ده جبل الحنين الطيب."
نزلت دمعة من عينها. "هتشيل ذنب إيه والا إيه تاني؟ واحد راحت من حياته الطيبة بسببك. انجلب عفريت، ده جبل ده. دا كان جلبه أبيض وطيب. آآه يا جلبي اللي بينخلع. سودتيه زي ما عشتك أسودت يا بت حمدان."
"أعمل إيه في حزني؟ أبعد عنه إزاي؟"
"اهدي، اهدي، انت تروحي للريسة وترجعي مع البنات التانين."
خرجت إلى الطرقة فوجدته يندفع إليها والغضب ينهشه.
خافت منه واندفعت تجري.
"هو مهبول والا إيه؟ استخبي فين؟ إني ما عملتش حاجة."
كانت تهرول برعب وتسمع صوت ضربات قدمه المتلاحقة.
وجدت المصعد فاندفعت بداخله.
شعرت براحة أنها فلّت منه.
وإذا بقدمه يضعها في المصعد.
انفتح مرة أخرى ودخل، وكانت نظراته الغضب يشع منها، وما قاله أصدقاؤه قد جعل جسده يحترق.
انكمشت خوفاً.
"إيه؟ عايز إيه؟ إني ما عملتش حاجة. بتبصلي ليه أكده."
هنا مسكها من رقبتها وهتف بحرقة.