تحميل رواية «أ أستحق هذا العذاب» PDF
بقلم ميفو السلطان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد قري الصعيد، حيث الجمال والخضرة والأصل العريق، حيث الرجولة والفخر بالأخلاق والعزوة. مشهد من بعيد، ضوء ينزل يسطع في أرض الله، ومن تحتها تتمختر حورية على جسر النهر اللامع كالفضة، والكل ينظر إليها كأنها نجمة هلت عليهم من السماء. خطوات تدق تعلن عن أنثى تلهب العقول. خطوة قدمها تهز من ينظر إليها ويهيم بالسحر التي تنثره على من حولها. الجمال يتجسد في خلق الرحمن، أعطى وأنزل الحسن عليها. حديث النجع بأكمله، الكل يعرف من هي، الكل يتمناها ويلبي فرائض الولاء، ولكنها أبداً عالية، لا تنزل من سمائها لأحد....
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ميفو السلطان
اندفع جبل للاسانسير وقلبه يحرقه. دخل وهتف صارخًا:
"باقي مش عارفه! هاه! كنت مخططه إن اللي يدخل عينه تجع عالهانم وحالها الباين وتوجعيه تحت يدك صوح؟ هو ده تخطيطك؟ تشدي حد من الكبارات يا بت حمدان؟ فاكراه هيبصلك؟ ماهو مايعرفش عيبتك واصله لفين يا بت حمدان! كنت ناويه على إيه؟ ما بتشبعيش غرز في الخلق؟ كلبه فلوس! جولي بس ربنا وجعك في شر أعمالك وفضايحك طايله والكل عارف! تلمي نفسك بعيد عن اللي معايا! هاه! ماحدش هيبصلك! هيبصوا لجرف روحي يا أختي! اجلعي واتحضني بعيد واكشفي حالك! جايز حد مجرف زيك يبصلك."
كانت قد تجمدت من كلامه الذي يقطر سمًا. لم تستطع أن تتحمل إهانته. فرفعت يدها وصفعته على وجهه. تجمد للحظة. هنا انفتح الأسانسير. فاندفعت تخرج مرعوبة من تهورها. ولكنه زاد في جحوده. تركته يقف متجمدًا. هتف بغل:
"أني هدفعك تمن القلم ده غالي جوي! حسابك بيزيد يا بت حمدان!"
ذهبت منهارة إلى تلك السيدة التي قسمت الأعمال وهتفت:
"ست تقي، إني عايزة أمشي."
هتفت السيدة:
"مالك يا جمر؟ إيه اللي عامل في حالك أكده؟ اهدي طيب."
هتفت:
"معلش والله. غرقت وتعبانة. ممكن بس أروح."
هتفت:
"هتخرجي إزاي أكده؟ حالك باين يا بت الناس."
هتفت بقهر:
"أعمل إيه طيب؟"
سمعت صوتًا من خلفها. كان جبل.
"أني هوصلها يا ست تقي."
شعرت بالرعب.
"هاه؟ توصلني؟ مين أنت؟ إني ما هروحش معاك."
هتفت السيدة:
"ده جبل بيه الشريك الجديد الأعلى يا قمر. فيه إيه؟ كتر خيره الراجل."
ابتلعت ريقها.
"إيه؟ الشريك؟ شريك فين؟"
هتف جبل بفخر:
"أني دخلت شراكة بنسبة ثمانين في الميه يا ست البنات."
وضغط على تلك الكلمة وعيونه نظرات السخرية والشماتة تقتلها. شعرت بالذعر ودارت الدنيا من حولها.
"إيه؟ شريك تاني؟ رجع لخياتي تاني؟ هعيش سواد على سواد تاتي!"
هنا لم تعد تتحمل أكثر من ذلك. تكالبت عليها الدنيا. في تلك اللحظة كان أمير قد دخل. فوجد قمر تقع من طولها. فاندفع أمير يتلقفها في أحضانه. اشتعل جبل وأحس بكوية بداخله. لم يحتمل أن يلمسها. فصرخ بلا وعي:
"بعد يدك!"
واندفع وحملها مسرعًا ودخل بها مكتبه وقفل الباب. والكل يقف مذهولًا من أفعاله. هتف أمير:
"فيه إيه؟ هو ماله كده؟"
دخل هو بها وظل يحملها. لم يقو أن يضعها. فملمس جسدها يحرقه. ذهب وجلس بها على أحد الكراسي والنار بداخله. هتف:
"فيه إيه؟ إني مخبول! مش طايج حد يلمسها ليه قدامي؟ ماهي اتلمست وشبعت لمس من ورايا ده مرا... إنت راجع تجهرها؟ تجوم تنجهر إنت!"
شدد عليها في أحضانه ونظر إليها. كانت نائمة تنير صدره. رفع يده يتلمس وجهها. ابتسم دون إرادته. ظل يملس عليها إلى أن وصل لشفاهها. كان يتلمسهم بحنان. لم يستطع أن يمنع نفسه. نزل عليها يحس بها. لينتفض مرة واحدة ويلقيها على الكنبة.
"منك لله! بتعمل إيه؟ إيه الجرف ده؟ أخص عليك وعلي صنفك! مانتش راجل؟ بتجرب من واحدة زي دي؟ رخيصة وواطية!"
قام وظل يدور ويدور يحاول أن يهدئ صخب قلبه الملتاع. مسك شعره بجنون.
"يا أخي بقه! إنت إيه؟ جلبك بيغلي ليه؟"
ظل ينظر إليها محروقًا. بدأت هيا تتأوه وتفيق. فاقت هيا. انتفضت مرة واحدة عندما وجدته ينظر إليها بغل. خافت وانكمشت.
"فيه إيه؟ عايز إيه؟ إنت ابعد."
اقترب ورفع يده وصفعها عن أخره فوقعت أرضًا وهتف:
"ده بس رد بسيط عاللي عملتيه. هاه؟ يدك تترفع تاني على أسيادك؟ هجطعهالك! تحفظي أدبك وتلمي نفسك فاهمه؟ وتاني تجفي تناطحي أسيادك؟ هعلم على وش أمك!"
كانت الدماء قد انفجرت من شفتيها. تجلدت حتى لا تبكي أمامه. لا تريده أن يتشفي فيها. اقترب ومسك وجهها بعنف.
"إيه؟ شايف الدموع جوه؟ مابتنزليهاش ليه؟ كبتيها؟ إياك خايفة أشوف دموعك يا بت حمدان؟ خايفة أشوف ذُلّك قدامي؟ هيا دي العيشة اللي سبتيني عشانها؟ بحمد ربنا إنك سيبتيني! إلا كت حاجة تجرف! مش مصدق! كت أهبل باين؟ والا مجذوب؟ روحتك من دنيتي نضافة! كبرت زي ما أنت شايفه والمقابل شوفي حالك مذلولة إزاي! ها أخبار العيشة الحلوة إيه يا بت حمدان؟ سبع سنين قالولي إنك عايشة جهر الدنيا! بس يا تري الجهر ابتدي بروحتي؟ والا بعدها؟ أصل لسه جاي جهر هتتنجعي فيه لسه."
هتفت بوجع:
"إنت راجع تنتقم مني صوح؟"
هتف باستعلاء:
"أنتقم منك؟ إنت مين أصلا؟ إنت مالكيش قيمة ولا شايفك! بس برضك أديكي جيتي تحت يدي! ما أعلمش عليكي ليه؟ اهو جرف وزبالة ودخل حياتي! أو بالصح عدى عليا لأنه عمره ما هيدخل حياتي! الجرف ده بقه إني هضبطه! إنما انتقام؟ لا! كتير عليكي والله! حتي أجيب سيرتك وأتعاص منك! ماهو إنت فضيحة وجربك فضيحة!"
نظرت إليه بقهر. أهذا الذي كانت تدعو له بالراحة؟ أهذا الذي كانت تتمنى أن يخف وجعه؟ سبع سنوات لم تنس يوما أن تدعو له في كل صلاة. أحست بعصرة. أكانت تدعو له ليأتي ويدبحها هكذا؟
هتفت:
"سبحان الله! ليه حكمة يا ابن الناس؟ تنجلب الآية. خابرة إنت بقيت إيه وإني إيه. خابرة وما زعلاناش واصل."
ضحك:
"لا والنبي! تعالي ابت امسحي الريالة! إني شايف الجهره في عيونك! شايف إن جبل بقى فوق وانت تحت جزمته! تتمني بس أبصلك."
اقتربت منه وهتفت:
"لسه بتحس بعيوني يا جبل؟"
رجف قلبه من كلامها. تنهدت:
"عندك حج. فيه جهرة جوايا. بس مش عشان إنت بقيت إيه وأنا إيه يا ابن الناس. إني لا عدت ببص لدنيا ولا مال الدنيا."
ضحك هو عاليا. فأكملت:
"اضحك! ما مستنيش تصدق؟ ولا عايزة تصدق؟ إني عيوني اللي إنت بتجول مجهورة، عنيها على حاجة واحدة."
وهتف ضاحكًا:
"عينيكي توجع الرجالة الهبلة مش أكده؟ وتكبشي بس سمعتك سابقة والكل عارف وما حد هيوسخ يده بيكي إلا الوسخ اللي زيك."
هتفت ببلادة:
"عارف جول مهما تجول لو مسكت صاجات ومشيت ماهيتهزلي شعرة."
اقترب غاضبا:
"عشان إنت واحدة فجرتي وما عدتش بيهمك كلام الخلق."
أغمضت عيونها حتى لا يرى وجعها. هتفت:
"عندك حج. الخلق ما عدتش بتعدي على حياتي."
هتف:
"ماشي. طالما أكده إني بقه هنا ماهسمحش بشغلك الشمال. وأمير تبعدي عنه بالمشوار. ماهيبصش لجربوعة زيك."
هزت رأسها وكتفيها بلا مبالاة.
"أهو عندك جول. إني مالي اللي إنت رايده أعمله. إنما ليك كلمة عندي خلاص."
واستدارت وتركته وسمحت لدموعها أن تنهمر. نزلت مسرعة إلى خارج الشركة تبتعد. تحس أن جسدها يلسعها. ظلت تهيم وتمشي وتلف وهي ساهمة.
"يا رب! إني مشيت في الطريق ده وكنت فاكرة إنه خير. يا رب! إحنا بشر وكل إنسان بيغلط. إني غلطت. هفضل شايلة ذنب. يا رب! إني مش وحشة. راضية وحامدة وشاكرة. مش كل حد اختار غلط بقى وحش. إنت خابر عبدتك عن أي حد. إنت عملتنا بشر نغلط ونرجع نتوب. إني تبت. ليه أكده الوجع؟ ما أتحمله! هفضل أدفع تمن الغلط لأمتى؟"
تنهدت وجلست على الطريق.
"كل واحد بيغلط في الدنيا عشان هو بشر. فيه اللي بيغلط ويكمل. وفيه اللي بيرجع. وإني رجعت. يا رب ارحمني."
ظلت جالسة تناجي ربها إلى أن هدأت وقامت تعود لعملها. بعد فترة دخلت على ريستها وهتفت:
"صحيح يا ست تقي؟ جبل الريس هنا خلاص."
هتفت السيدة:
"أيوه يا بتي. فيه إيه بس؟"
هتفت بوجع:
"أبوس يدك بعديني عنه. أبوس يدك."
هتفت:
"إنت كنتي تعرفيه؟"
دمعت عيونها. فهتفت السيدة:
"خلاص يا جلبي. إنت هتبقي مع شريكه وهخلي مريم هي اللي معاه."
مسكت يدها.
"الله يخليك يا ست تقي. ده جميل ما هنساهوش."
هتفت السيدة:
"ربنا يهدي النفوس."
قامت قمر. فهتفت:
"استني أشوفلك حاجة عليكي. إلا لو خرجتي كده هيسخمط عيشتنا."
هتفت:
"ماله بيا؟ إني حرة."
هتفت السيدة:
"بلاش عشان عيونه كانت بتطج شرار. الله يرضى عنك."
هتفت:
"يولع! إني ماليش صالح بيه! ده حزن إيه ده؟"
وقامت تبرطم. شدت وشاح صغير عليها.
"بلا جلة حيا وجلة قيمة! إيه سفالته دي؟ راجع غراب؟ ما يخليه في حاله! هو بقي شيطان؟ ليه أكده؟ كان طيب. آه! عملت واطيت وخلاص. راح أبوك من عند أخوك وخدت جزاتي. جاي ليه؟ ده يعيب في شرفي ليه؟ كان شاف مني حاجة عفشة؟ يصدق فيا؟ كان لمسني إياك؟ مجهورة! أتحمل أي حاجة إلا عيبة الشرف. واعرة جوي على جلبي."
قامت. فخرجت ووجدت جبل يقف.
"إني ماشية يا ست تقي."
وخرجت دون أن تعيره اهتمامًا. وقف هو يغلي. فهتفت السيدة:
"خير يا باشا؟ فيه حاجة مزعلاك من جمر؟"
هتف غاضبا:
"ودي مين عشان تزعلني أساسا؟"
وتركها واندفع خارجا. وقفت السيدة قاطبة.
"ليه أكده؟ ده غلبانة وما بتعملش حاجة."
نزلت بغلب. لتجده واقفًا أمامها. شعرت أن هذا كثير. اقترب بسكات ومد يده وشدها لمكتبه ودخل.
"صرخت: عايز إيه بقه؟ حرام عليك!"
كان يشعر بالجنون.
"لا تخرجي هكذا!"
"ماهتخرجيش أكده!"
"هتفت بقهر: مالك إنت؟ اخرج واتهبب!"
هتف:
"أخاف على ناسي منك!"
أغمضت عيونها. هتفت:
"طب والحل؟ تعمل إيه دلوك؟"
لتجده يخلع قميصه ويدفعه عليها. رجف قلبها وأشاحت بوجهها خجلًا. كان يغلي من غيرته المكنونة.
"البسي وغوري!"
ظلت مشلولة. فصرخ:
"جولت البسي!"
اقترب وشدها وألبسها إياه عنوة وهتف:
"ماشوفش وشك النهارده فاهمه؟"
استدارت بقهر وخرجت. دخلت قمر البيت وجدته صامتًا. فاستغربت. دارت لم تجد أباها. أحست بالخوف. مر بعض الوقت فوجدته يدخل والوهن نال منه ومعه باسم. فهتفت:
"كنت فين يا أبويا؟"
هتف بغلب:
"كنت في المستوصف يا بتي. شفت مرار وجهر من الصبح قاعد مستني دور."
هتفت:
"دور إيه؟ وما كلمتنيش ليه يا أبويا بس؟"
هتف:
"أكلم إيه؟ الواد باسم وجع الصبح ورعبني عليه. خدته ورحت بيه المستوصف. كشفوا وقالوا ضعيف جوي وعايزين حاجة اسمها رنين. جيت أقولهم اعملوا. قالوا بالدور وهي غالية جوي. عايزين تلات آلاف عشان نعملها يا بتي."
تنهدت وجلست بغلب.
"طب يا أبويا. إني أول الشهر هقطع من المصروف وهاخد إجازة وأعمله الأشعة."
تنهد:
"والله يا بتي حاسس إنه عشان وكله. إنت خابرة الدكاترة بيحبوا يكبروا الجصة. إني هوكله زين. ماتشغليش بالك."
تنهدت:
"لاه برضك نطمن. إني جلبي متوغوش. الواد همدان أكده."
ذهبت إليه وجدته نائمًا. قبلته وظلت لفترة تملس عليه وتدعو له. تنهدت وقامت حجرتها. دخلت هيا حجرتها وغيرت ملابسها وجلست وتذكرت يومها. تنهدت.
"وبعدين آخره إيه ده؟ ماهتحملش جلة الحيا بتاعته. أعمل إيه؟ ما يسيبني بحالي. جاعد يعيب وإني ما أتحمله."
فتحت تليفونها وظلت تتأمله.
"رحت خلاص وجه مكانك واحد كله غل وجسوة. رحت يا نن عين جمر. ببص ليك ما حساش إنه إنت مين ده. ما أعرفوش واصل. حد يوجع جوي."
تلمست القميص ومسكته تشم فيه وقلبها يرجف بوجع.
"كان ليا حبيب وراح. نشت جلبه فجاي يموتني. وإني من الأساس ميتة. بقي واحد تاني كله حقد وغل. حتي نظرة حنين ما عدت. الجلب انجلب والغل طاح. ربنا يبعدك. ما أعرفاش أقول إيه يا رب. إني كنت صغيرة ما أعرفش حاجة في الدنيا. آه! عجلي جابني على كد أكده. يا رب ابعده. كفاية عليا جهر لا أكده."
أخذت القميص في حضنها ونامت. نامت وتكرر الحلم مرة أخرى. وهمسات الحلم:
"هتتسعدي يا جمر."
كانت تريد أن تموت بداخل ذلك الحلم. لما تشعر به من سعادة طاغية. واليد ذو الدبلة السوداء تمسك يدها. كانت تقوم مفزوعة تبحث عن تلك اليد في الحلم. والقهر يكلبش بداخلها.
في الصباح لبست ملابسها وذهبت للشركة. جلست على مكتبها. دخلت عليها تقي.
"استاذ أمير مكتبه في مكتب الأستاذ شريف. خد المكتب بحاله لحد ما يجهزوا حاجة مخصوص ليهم. جومي شوفي عايز إيه."
ذهبت هيا إلى مكتبه ودخلت. وما إن دخلت عليه حتى انسعد كثيرا.
"يادي الجمال! هو أنا هبقى نهاري قمر كده!"
هتفت بجدية:
"تحت أمرك أمير بيه. شوف عايز إيه أعملهولك."
تنهد وهتف:
"طب برالحه طيب. قطر ولا إيه؟ إنتوا هنا صعبين قوي."
هتفت:
"مش أكده يا بيه؟ إحنا لينا إيه إلا الشغل."
قام وعيونه تنظر إليها برغبة.
"شغل؟ هاه؟ فيه أحسن من الشغل دا؟ الشغل نار ياخد العقل!"
هنا صرخ جبل من وراءهم:
"أمير! فيه إيه؟"
ارتبك أمير:
"هاه؟ مافيش. كنت بسأل عالشغل مع قمر."
اقترب ونظر إليها:
"غوري من هنا."
استدارت مسرعة تشعر بالحرج. وقف جبل:
"أظن يا أمير مش مستني أقولهالك تاني. الستات هنا خط أحمر."
هتف أمير:
"هو أنا عملت إيه؟ إنت عبيط؟ بتكلم عادي."
هتف:
"لا شغل النحنحة ده مش هنا."
ليتهور ويقول بحرقة حتى يبعده عنها:
"ثم إنها بت شمال. ما تقرب منها وتفضحنا."
لمعت عين أمير:
"إيه؟ شمال؟ أحلف؟ يادي الهنا! طب إيه؟ ما تقول من الأول يا زفت!"
صرخ مقهورا يشعر أنه زاد وتهور:
"هتعمل إيه؟ ما تحترم نفسك!"
ضحك أمير:
"عيوني! هحترم احترام عالي! يلا نشتغل بدل مانت وابور كده."
كانت هيا تجلس مع السكرتارية. لتأتي تقي:
"معلش يا جمر. إنت هتبقي مع جبل بيه وهتجهزيله كل حاجته."
رجف قلبها:
"ليه يا ست جميلة؟ مش اتفقنا؟"
هتفت:
"نعمل إيه؟ حكم الجوي. جولت والله. خدت كلمتين في جنابي. دا عامل زي العفريت. أعوذ بالله."
تنهدت:
"الله المستعان."
كان مكتبه زجاجي وبينهم فاصل. وهيا تجلس بالخارج. ظلت بالخارج تنتظره. لن تدخل إليه ولا تريد. وتنتظر أن يناديها. وهو بالداخل يغلي. لم يحتمل كونها مع أمير. كان قد ذهب لتقي يأمرها أن تكون قمر معه ويبعدها عن أمير. ولكنه يكبت حاله. أن يدعوها تدخل إليه.
"هموت! ما قادرش! ربنا يحرج جلبك يا شيخة! وسيهباب ده انحدف عليا منين؟ وانت يا حلفوت رايح تجوله إيه عنها؟ منك لله! طب هيا شمال؟ أكتمها! ماتجولش عبوشكلك بهيم مابيفهمش! أعمل إيه؟ محروج!"
ظل يغلي. إلا أنه لم يستطع. فقام. وخرج إليها.
"ممكن أعرف إنت عايزة إيه بالظبط من أمير؟"
نظرت إليه مصعوقة.
"أنا عايزة من أمير؟ هعوز إيه؟"
صرخ:
"اسمه أمير بيه! فاهمه؟ وتاني تنسي حدودك! هسوي وشك بالأسفلت!"
تنهدت وهتفت بهدوء:
"حدود إيه؟ إني عملت إيه؟ إنت مجنون؟"
وأثناء ذلك أتت ابنة خالته. هتف:
"مي! إنت جيتي حبيبتي."
سمعت هيا نبرة صوته وحنيته. فرفعت وجهها. فإذا بفتاة جميلة تدخل.
"قلت أجى أشوف حبيبي اللي وحشني! إنت فاكر إني هقعد في القاهرة وأسيبك لوحدك؟ ده بروحي!"
ضحك ونظر لقمر نظرة جانبية. فاشاحت بوجهها. فهتف:
"تعالي جوا أرحب بيكي عن حق."
وشدها من وسطها وقفل الباب. جلست قمر تشعر بوجع في داخلها. تريد أن تبكي وتصرخ. ولكنها تمالكت نفسها.
رن الجرس. قامت هيا ودخلت. هتف:
"شوفي الهانم تشرب إيه."
وشدد على كلمة الهانم.
"هتفت مي: مش عايز يا بيبي! إحنا هننزل نتغدى. ما تتأخرش."
هتف:
"طب عندي شغل أخلصه."
هتفت:
"طب خلاص هستناك بره."
نظرت إلى قمر:
"إنت يا اسمك إيه؟"
هتفت:
"جمر."
نظرت إليه:
"خلاص هقعد مع دي تسليني."
وتركته وقامت. وقمر تقف تشعر بالدونية. فهو يعاملها كالخرقة البالية. جلست مي مع قمر بالخارج وتتحدث معها. وقمر ترد بأدب. كانت تتكلم عن حياتها مع جبل وعن مخططهم. وفهمت أنهم سيتزوجان. وهناك سكاكين تنغرز بداخلها.
أنهى جبل عمله وهتف:
"يلا يا مي."
ورمي أمام قمر بعض الملفات.
"دول يخلصوا على ما أجي. فاهمه؟"
هتفت:
"دول هياخدوا وقت يا أستاذ جبل."
هتف ساخرًا بتعال:
"اسمها جبل بيه! إيه استاذ دي؟ إحنا في مدرسة؟ أنا ليكي بيه فاهمه؟ أنا إيه؟"
هتفت:
"حاضر يا جبل بيه. اللي تامر بيه."
واستدار وتركها. وجلست هيا تعمل. مر وقتا وانصرف الموظفين. دخل عليها أمير وهتف:
"إيه ده؟ القمر قاعد لوقت متأخر."
ارتبكت. فنظراته وقحة.
"لا يا أمير بيه. قدامي حبة وأخلص. جبل بيه مديني ملفات بخلصها."
اقترب منها بزيادة وهمس:
"أساعدك."
ارتبكت وابتعدت.
"هاه؟"
"لا شكرا."
نزل بالقرب منها ولمس يدها.
"ليه بس؟ دانا بعرف أساعد. ماتجربي."
نتشت يدها وهتفت:
"هاه؟"
"لا شكرا."
جلس أمامها وظل يلعب في المكتب.
"طب أنا هستناكي أوصلك."
هتفت:
"لا مالوش لزوم. أنا هعرف أروح لوحدي."
هتف:
"لا والله أبدا. ده حتى عيبه في حقي."
تنهدت:
"يا أمير بيه أنا لسه عندي شغل."
هتف:
"طب أنا هروح أعمل حاجة وأجيلك."
تنهدت ونظرت في أثره.
"ده إيه المصيبة ده؟ راخر؟ أنا ناقصة تخلف؟ ده مرار! إيه ده؟ شغلانة هم! الهم يا رب الصبر!"
أحست بالتعب. قامت هيا وجلست على الكنبة تحاول أن تفرد ظهرها لتكمل ما طلبه منها. ركنت ورغما عنها أغمضت عيونها ونامت. كان نومها ثقيل. هنا دخل أمير فهتف:
"يا دين النبي! نار يا بت الآيه! طب إيه مالها؟ بتصد كده؟ الحزين اللي اسمه جبل قال شمال؟ يبقى إيه؟ بتصد ليه؟ يكونش من تحت لتحت ومش عايزة تتفضح؟ طب ألغيها بالفلوس؟ جايز تيجي سكة ودوغري؟ والا أبتدي منين؟ والا إيه الحكاية؟"
اقترب بهدوء وجلس بجوارها. كانت جميلة عن حق. أشاح جزء من منديلها التي تربطه لينسدل شعرها. فهتف:
"يا قلبي! اللي هيقف! إيه سلوك الدهب دي؟ عيون تهبل وشعر يهبل."
ونظر إلى فتحة فستانها.
"مخبية إيه طيب؟"
مد يده بهدوء وفك زرار بلوزتها. وإذا بيد تعصر يده كأنها جمرات على يده. التفت ليجد نظرات كالجحيم تنظر إليه.
"وايه! وايه! وايييه! الطحن شغال والغلاية هتفرقع تفرتك وشنا. والنبي غلبان."
بس غلبان وحلوف 😁😁😁😁
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ميفو السلطان
دخل جبل إلى المكتب لينشل مكانه.
فأمير يمد يده إلى قمر وبلوزتها. شعر كأن النار اندفعت في جوفه تغلي بداخله. اندفع ومسك يده يعتصرها وشده بعيداً.
ومد يده وصفع قمر.
لتنتفض برعب.
"إيه إيه.."
كانت تنهج بشدة وقلبها سيخرج من مكانه. كان صدرها يظهر. أحس بالجنون والهياج. فصرخ في أمير بحرقة وجنون.
"اخرج بره وحسابي معاك بعدين."
كانت ترتعب من نظراته وترتجف. لاحظت بلوزتها فشدتها مسرعة وأتت بمنديلها. اندفعت تضعها عليها.
ظل ينظر إليها بغضب حارق وهيا مرعوبة. رفعت يدها أمام وجهها خوفاً وتراجعت وهو يتقدم.
"إيه إيه ماعملتش حاجة. فيه إيه انت عامل ليه أكده؟ انت بعجلك حاجة؟"
هنا هاج واندفع ومسكها من يدها ولوي يدها صارخاً بحرقة وداخله مشتعل.
"كت نايماله يفعص فيكي يا فاجرة. إيه مابتشبعيش نجاسة؟"
تجمدت مكانه ودخل الكلام كسهام شقت قلبها نصفين. كان ينهج وينظر إليها يريد أن يقتلها وداخله نار تحرق جوفه.
هنا لم تعد تحتمل فدفعت يده ونظرت إليه بغل.
"راح أي حنين بداخلها له ونست أي شيء يخصه في حياتها. نست وتاه عقلها في بشاعته وما وصل إليه. لم تعرف من هو ليس جبل هيا لا تعرف من هذا. حد يخوف ببشاعته وجبروته. راح الحنين واتي بداخلها مشاعر تثور لنفسها ولكرامتها. هذا ليس جبل هذا ليس حبيبها. راح الحبيب في عيونها واتي مكانه الجحود والجبروت. لتنتفض أخيراً لكرامتها. كفي لم يعد بداخلها مكان لشرخ آخر."
تملصت منه بعنف ودفعته فارتد للخلف. رفعت يدها إليه صارخة.
"تاني مرة تفتح بقك عليا هخلي اللي مايشتري يتفرح عليك يابن العزايزه."
بهت من عنفها. فأكملت بوعيد وغل غريب خرج من أين لا تعلم وعيونها تشع ناراً وهو مبهوت وقلبه ينتفض بقوة.
"صرخت مرة أخرى. لسانك تحفظه وتلم حالك بعيد عني فاهم. خلاص إني بكفايا عليا جهر أكده. كفايا كفاية والله كفاية. بجولالك وفي وشك ابعد عني ولم لسانك عني واعتبرني مت يا ابن العزايزه. ولا يمين الله هتلاجيني انجلبت عفريت أنهش جلبك. مش جمر اللي تجف ليك وتعيب وتسكت. هاه. كت اشتريتني اياك. دا حزن إيه ده. كان حد جالك إنّي هجعد عمري ممسحة للخلج. لاه فوج بقه كفاية جهر ومرطة نفس. وإن كت سكت مرة واتنين وتلاتة جولت اهو خلاص كلمتين فش خلج وجهر أسود بتاع زمان وجولت هيرتدع. اصبري يا بت لحد ما غله ينطفي. بس تجريبا الغل عشش والدود سرح لما كل الجلب ونهشه. إيه يا أخي إيه. فارد وطايح. كت ربنا يا أخي. دا ربك بيسامح ما كفاكاش."
صرخ بجنون.
"إني أسامح. إني أسامحك وأجرب بالمرة."
هتفت بقهر.
"واني ما عا يزاكش لا تسامح ولا تجرب من أساسه. ما عايزاش حاجة لا منك ولا من غيرك. ما عايزاش يا بيه يا كبير يا عالي. إني مت من زمان وانت مت. من ساعة رجوعك من ساعة ما شفت الغل جواك والجبل راح. رحت زي كل حاجة ما راحت يابن الناس. جاي تبجح وتجولي نايماله. إني يا مري دي كلمة تنجال. ادعي عليك ما عارفاش والله ما عارفاش. منك لله فوضت أمري لله اللي لا يغفل ولا ينام. تاني وبجولهالك وعيي في عينك. لاخر مرة يا جبل يا عزايزي لاخر مره جمر اللي كت قاطمة خلاص جمر اللي كت ميته خلاص جمر اتعمل كل حاجة فيها وسكتت خلاص توصل للعيبة كمان يا مري يا حسابك عند ربك."
اقتربت ونظرت بعيونه.
"اسمعها بقه اخره وقطم الكلام. هتعيب هعيب. هتشتم هشتم. هجل جيمتك جدامي وجدام الخلج ماهيرفليش جفن. إني افرج عليك خلجة مش بتجول فاجرة. أهي الفاجرة دي هتعرفك الفجر عن حج. المتساب هتسيب عليك حزنها كلو يابن العزايزه وربنا يكفيك شر اللي بايع ومالوش عزيز. لم حالك وبعد عن جمر. جمر شبعت جهر شبعت دنيا ما عا يزاش منها حاجة. لم انت حالك وحال اللي ليك يابن العزايزه. إني كت نايمة ما حسا ش بدنيا. جيتو انهالتو عليا زي الجضا الأسود. لم اللي منك جبل ماتاجي تعيب."
ودفعته وخرجت مقهورة.
ظل واقفاً يغلي وينهج من كلامها. دار حول نفسه بجنون لم يعد يحتمل فصرخ بقوة واستدار. أزاح المكتب.
"جلبي هيموتني منك لله منك لله يا شيخة. إيه هو عمل معمولي عمل. إن جه ر. عمل أعِيش السواد تحرج لي جلبي. نار جوايا شابطة ما عا يزاش تنطفي. ليه ليه يا جبل بتخليك جايد نار والعة. انت بتكرهها وماكرهتش حد أكده. أحس بغليان أروح فين؟ أرفدها أغورها من أهنه. ماهو ماينفعش تحرج لي جلبي كل شوية."
مسك شعره بجنون.
"هموت يا بت الكلاب. أعمل إيه قلبي مش راضي يبرد. وابن الجزمة التاني كان بيعمل إيه في أيامه الروبة. منك لله يا أمير انت السبب يا حلوف. بتجولو ليه على عيبها. منك لله. اهو بيلف كيف الحرابة. هموت ما عارفاش أخد نفسي وجتتي بتغلي."
ظل يدور مهتاجاً. فاستدار وهجم على مكتب أمير واندفع صارخاً.
"انت كت بتهبب إيه في سنتك الطين؟"
بهت أمير من غضبه.
"ما فيش بس كت... كت... بعدلها هدومها فيه إيه."
صرخ جبل.
"تعدلها هدومها. مالك تعدل وتجطرن. مالك انت تمد يدك عليها ليه."
هتف أمير.
"فيه إيه يا جبل ماترسيني عالقصة."
صرخ.
"الجصة إني صعيدي وحرمه الصعايدة واعرة. لا بنسمح بمد اليد ولا حزن اسزد. أمير بعد عن جمر فاهم. عشان نبقى أصحاب وحبايب. انت زعلان على واحدة شمال ليه كده."
صرخ.
"بطل بقه. إيه هي غنيوة وجولتك آخر مرة تجرب منها فاهم."
تنهد أمير.
"طب اهدى مالك. أول مرة أشوفك كده."
دفع جبل الكرسي وتركه ورحل.
***
عادت قمر إلى البيت تفاجأت فوجدت ذلك العجوز يجلس مع أبيها. دخلت فقالت.
"ازيك يا ست البنات."
تنهدت.
"خير يا عم فكري فيه حاجة."
هتف.
"طب اجعدي. اسمعي إني سامع كل اللي اتجال عليكي واهه ما صدجتش وبعرض عليكي تكوني مرتي وهديمي اللي تعوزيه."
ابتسمت.
"لا والله بتشتريني يا عم فكري دانت أد أبويا."
هتف.
"بس بصحتي وعندي فلوس."
هتفت.
"الله يهديك. إني لا بتاعة فلوس ولا جطران. سيبني بحالي."
تنهد وقام.
"لا أسيب إيه. طب خدي فرصتك واني مستني. ماهجفلش الباب واصل."
وقام وتركهم. استدارت لأبيها غاضبة.
"برضك ما فيش فايدة. لساتك زي مانت."
هتف بغلب.
"والله ما عملت حاجة. هو اللي جه والله وجعد يحكي ويتحاكي."
صرخت.
"كت أطرده ما طردتهوش ليه. انتو بتجطعوا فيا ليه بس."
وقامت مقهورة. دخلت حجرتها تشعر بالقهر.
"أعمل إيه أموت حالي. لولاش الواد كت موت روحي. طب أسيب الشغل. أسيبه إزاي بس. إني محوجه ليه والواد عيان عايزة أكشف. يا ربي تعبت يا رب لا اعتراض. بس كتير عليا كتير جوي. داني لو جتلته ماهيعملش فيا أكده. آه يا جلبي اللي اتهري. أروح فين."
قامت تصلي وتدعو ربها كي يخفف عنها.
ظلت جالسة فاذا برئيستها تتصل بها.
"هتفت. خير يا ست تقي."
هتفت.
"معلش يا جلبي عارفة إنك مروحة متوخر. بس فيه اجتماع ضروري عايزين ملفات لازمن تروح. ماشي."
هتفت قمر.
"طب ما ودتيش مريم ليه."
هتفت.
"مريم مع خطيبها بيشتروا العفش. فانت معلش. واه ما تروحيش لابسة أكده بالله عليكي. فيه كبرات هياجو هيجولوا إيه."
هتفت.
"يجولوا اللي يجولوه يا ست تقي. ده لبسي."
هتفت.
"يا قمر بالله عليكي الناس هناك بتبرج يا بتي. عشان خاطري البسي حتى بلوزة فاتحة."
هتفت قمر.
"معلش يا ست مريم. ماهجدر والله. يا أما تشوفي حد تاني."
تنهدت.
"حاضر. هشوف وارجع أكلمك."
مر الوقت. اتصلت بها جميلة.
"طب انزلي السواج واجف تحت مستنيكي. هتطلعي عالشركة تاخدي الملفات وتروحي على هناك."
امتثلت هيا لرئيستها. كانت متعبه منهكه تشعر بأنها ستنام على روحها. فهيا منذ الصباح تعمل والساعة تخطت التاسعة. صعدت وأحضرت الملفات.
أخذها السائق وتوقف عند أحد المحلات.
"هتفت. بتوجف أهنه ليه يا عم بكري."
هتف.
"مفيش الست تقه مستنياكي فوج. عايزاكي."
تنهدت بغلب.
"إني تعبانة. أعمل إيه دلوك."
صعدت إلى الأعلى لم تجد أحداً. ظلت تدور.
"هيا راحت فين دي. إني ما جدراش أصلب طولي."
أخذتها إحدى الفتيات.
"تعالي وادخلتها حجرة واسعة للقياس."
استدارت فتسمرت مكانها. وجدت جبل يجلس يضع ساقاً على ساق.
"نظرت إليه مدهوشة. انت بتعمل إيه أهنه."
هتف بسخرية.
"بنضفك الحج عليا."
قطبت جبينها. إذا بالفتاة تدخل بفستان زهري عليه نقوش سوداء. أشار إليها أن تخرج. أشار بيديه باستعلاء.
"يلا البسي عشان ورانا اجتماع."
هتفت ببلاهة.
"هو إيه اللي البس عشان اجتماع. إني مالي. انت مخبول. انت جاي من الخانكة."
قام ومسك يدها فاعتصرها.
"لمي لسانك. أنا ما حاسبتكيش عاللي جولتيه في المكتب وجله أدبك. هاه. حسابك بعدين. يلا البسي. انت فاكرة نفسك بتشتغلي في زريبة أبوكي. عايزة تروحي الاجتماع بمنظرك الزبالة ده."
هنا اشتعلت ودفعته.
"زبالة لما تجطع وشك يا بعيد. حد كان جالك إني ناجصة هدوم ونضافة. إيه دانت اللي يجي منك يوسخ بلد. هو فيه إيه. ماتحترم حالك. إني جاي أديك الحزن وامشي. لبس إيه وطين إيه."
اعتصر يدها.
"لبس إيه. هديكي لبس بدل حالتك اللي تجطع الجلب ولبسك اللي يجهر شكل الشحاتين. جايب لك حاجة نضيفة أهلك ما يعر فوش عنها حاجة."
صرخت.
"بعد يدك. تلبسني إني. لبسك عفريت أزرق يطبج على نفسك يا لعيد. وتلبسني بتاع إيه هاه. وشحاتين ما شحاتين مالك انت."
صرخ.
"انت مخبولة. لابسة إيه انت. إحنا شركة محترمة. هتاجي معايا أكده."
صرخت.
"واجي معاك ليه. مالي بيك إني. خد الهم وسيبني امشي. أغور في نصيبة تشيلني يا حزني. لبس إني عايز تلبسني إني."
هتف بسخرية.
"ليه عيب تلبسي. مانت كتي بتتغندري وتلبسي المحزج والملزج وتبيني حالك للناس. إيه الجديد. هتعمليهم عليا يا بت حمدان. كلنا كنا بنشوف بتمشي عشان الرجالة الهبلة تبص وتعاين وتيجي تتفع. فين الغندورة."
أحنت رأسها بوجع وتذكرت وقت أن كان هناك قمر. تذكرت أخاها وشعرت بعصرة في قلبها. فهيا لم تنساه ولم تنسى ذكراه.
"هتفت بقهر. أيوه يا جبل كت بلبس لما كت في عيني دنيا. كت بلبس واتغندر لما كت عايشة. بس اهه لا عاد فيه غندرة ولا لبس يبقي يا ريت تخليك في حالك وتسيبني باللي فيا."
واستدارت. مسك يدها.
"واني بقه هلبسك عافية. زوج إني ما همشيش مع جربوعة زيك تفضحني."
شدها فدفعته.
"بعد والله أصوت وألم عليك الخلج. انت إيه فاجر ليه أكده."
نظر إليها بغضب.
"بقه أكده. إني فاجر وماله. نوريكي الفجر."
واندفع ومسك بلوزتها وشقها نصفين. فارتعبت وانكمشت على نفسها وصرخت.
"منك لله. أشوف فيك يوم يابن العزايزه."
هتف بغضب.
"تتسخمطي تروحي تلبسي من سكات وتنزلي لي تحت. ماشي. عشر دقايق الأقيكي لابسة. هاه. إني اتوخرت. كت هتجيلي الاجتماع بمنظرك ده. تعريني يا بت حمدان. يجولوا معين جرابيع. انت راحة لاسيادك عايزة تعريني."
دفعها ورحل.
وقفت هيا تبكي بقهر. ظلت تنظر للفستان بقهر.
"على آخر الزمن هاجلع الأسود يا جهرتي. أج لع الأسود إني. دا الاود ده روحي ونفسي اللي عايشة فيها. سواد بره وجوه يا جمر ومش مكفيه. مش مكفيه إيه الخلجة دي. فوضت أمري لله."
اتجهت للمرآة ولبست الفستان. كان فستان راقياً وجميلاً يبرز جمالها وجسدها. كان به بعض الضيق. شعرت بالغضب.
"إني ألبس أكده يا مري. منك لله يا جهرتي. ياني تاني رجعتي للمحزج والملزج يا بت حمدان. رجعتي للدنيا تاني البتاع. ألف رحمة عليك يا مسعد. ألف رحمة يا نن عين أختك. سامحني بلبس حزن أهوه. بلبس دنيا من تاني يا واكل جلبي. يا رب إيه اللي أنا فيه ده. الحزن هيتمزع عليا. أشوف فيك يوم يابن العزايزه."
تنهدت.
"استغفر الله. بطلي تدعي. بطلي لله الأمر. فوضت أمري لله."
كان هو يجلس في المقدمة. نزلت هيا من سكات وركبت في الخلف. مر الوقت ونزل هو مسرعاً وهيا خلفه تجري تلحق به. إلى أن دخلا القاعة. كان بها العديد من الرجال وهيا تقف خلفه تحمل الملفات.
اقترب منها أمير وأطلق صفيراً.
"هو فيه إيه. الشمس طلعت بالليل."
قطب جبل جبينه وهتف.
"ماتتهب تسكت بقه. وانت اتفضلي اترزعي في أي نصيبة تاخدك."
انزوت هيا وجلست بعيداً وبدأ الاجتماع.
"هتف أحدهم. طب يا جبل الشركة القديمة أكيد فيها حاجات إحنا لسه مانعرفش عنها حاجة. واظن سكرتيرتك دي من الشركة القديمة. ممكن تيجي ونسألها وتفيدنا بكل المعلومات."
تنهد وهتف.
"وماله."
كانت هيا خلفه. فارجع رأسه ولم ينظر إليها.
"جومي شوفي هيسألوا على إيه."
تنهدت بغلب. فهيا متعبة. قامت ووقفت بجواره وبدأ الكل ينظر إليها وجبل جالس لا ينظر إليها.
كان الرجال انصبت عيونهم على قمر. فهي فاتنة وما تلبس يبرز جمالها. وبدأت عيونهم تلمع. فمنهم من ابتسم ابتسامة راغبة. ومنهم من سهم في ذلك الجمال الصارخ. ومنهم من نغز زميله وظلا يتغامزان.
قطب جبل جبينه.
"هما بيبصوا ليه أكده. دا حزن إيه ده. إيه جلة الحيا دي. هو فيه إيه. ماشافوش حرمة جبل أكده. منكو لله. إيه بصاتهم دي. حاسس إن جاعد على ولعة هتخلص عليا."
أحس بإشتعال داخله. وهيا تتكلم بجواره بصوت ناعم أكل قلبه.
"هتف أحدهم. أنا معجب بيكي جداً. انت ماشاء الله متقنة لشغلك. انت يا جبل معين عندك جوهرة."
هتف جبل.
"دا شغلها عادي. تشوفه إني مابدخلش أي حد."
هتف الرجل.
"عادي إيه بس. دا ما فيش حاجة عادية في الليلة دي."
كان الرجل يأكلها بعينيه. وجبل يجلس.
"ماله ابن الجزمة ده. أقوم أهرسه. هو فيه إيه. إني جبتها ليه. منك لله. هموت محصور."
هتف الرجل.
"بس كان فيه حاجة عايزها. ممكن دقيقة."
تنهدت وهمست.
"تحت أمرك."
أكملت خطاها وتخطت جبل واتجهت تتهادى إلى ذلك الرجل. هنا توقف قلب أحدهم وأحس أن روحه ستصعد للسماء. انتفض جبل فلم يكن رأى الفستان. كان الفستان ضيقاً بشكل ملفت وجسدها يبرز من الفستان للعيان.
فهتف.
"إيه ده يا نصيبة سودة على أيامك الطين. لابسة إيه. منك لله. وواجفة ليكي ساعة يبصو ويبحلجو. وإني أجول عنيهم بتلمع أكده ليه. يا مري موطية إزاي وجتتها مفسرة. ماهي كت لابسة أسود على أيامك الطين. ماكت تسيبها يا محروج. جاي تجهرها وتعيب عليها. اهو انت جاعد مجهور تلفت حوله. كلهم بيبصوا وهينهبلو. ماهي جمر منها لله. أجول إيه طيب دلوك. شكلي زفت. أج لعهولها كيف دلوك. ما متحملش. البت جتتها باينة. ما فيش حاجة متخبية يا مري. فكر يا طين. حاسس بنار جواتي."
إلا أنه لم يحتمل. هب مرة واحدة.
"خلاص يا بهاء. مرة تانية. إحنا اتوخرنا."
هتف بهاء.
"طب روح انت. أنا هوصل الهانم."
هتف جبل غاضباً.
"لاه الهانم معايا. لسه فيه مشوار معايا."
واندفع يقف بينهم.
"يلا ورايا."
تنهدت بغلب.
"إني ماشية مع واحد مخبول. إني تعبانة. هموت وأنام. هنام على روحي دلوك."
اتجهت إليه فوجدته يجلس على مقود السيارة. استعجبت أين السائق. فصرخ.
"ماتركبي والا فرحانة بحالك اللي باين والخلج بتبص عليكي."
نظرت إليه شعرت بالغضب. وهنا استدارت ومشت من سكات وتركته يجلس. انصعق عندما تركته. واتجهت إلى الجهة الأخرى وأوقفت تاكسي وركبت فيه. اشتعل عن أخره. فاندفع وذهب وراءها وتوقف أمام السائق وصرخ فيها.
"انزلي."
نظرت إليه غاضبة. فصرخ.
"انزلي بدل ما اعمل جناية."
هتف السائق.
"جوزك ده يا ست الناس والا إيه. انزلي شكله عفريت هيموتك. الله يكون في عونك."
تنهدت ونزلت من سكات. مسكها من يدها واتجه للعربة وركبت بجواره. فاندفع بالعربة وظل يدور ويدور بلا هدف. كان يغلي فالرجال راوها هكذا.
وقف فجأة واستدار يعتصر يدها.
"بقي ده فستان تلبسيه يا جادره. ده فستان. مبينة حالك وواجفة للرجالة تبص وتنهبل على جسم الهانم. جايه توجعي كام واحد. هاه. وانت ماتسويش. جايه عينك على مين يدفع ويشيل رخصك يا رخيصة."
هاج داخلها وشعرت بغليان. أحست بالجنون. فهذا فوق طاقتها. فصرخت.
"ماتبس بقه يا أخي. بس بقه. انت إيه. إيه. ارحمني حرام بقه. عايز إيه. تشرخ فيا. عايز إيه. أنا عملت إيه لكل ده. غلطت وخدت جزاتي يا أخي. هو إيه. حد جالك هعيش عمري كله أدفع ذنبي. رجالة إيه وطين إيه. منك لله. أنا ما فيش راجل دخل عيني ولا هيدخل يا جاحد. مبينة إيه وطين إيه. مانت اللي جبرتني عليه. ماكت لابسة أسود على أيامك الطين. ماسيبتنيش ليه بالأسود. الأسود دي حياتي وعشتي. كفاية شبعت جهر. ذنبك اتاخد ألف مرة يابن العزايزه. والله اتاخد. جلبي اتهري ألف مرة. هو إيه. ما فيش رحمة. كلو ورا بعضو. جمر هتعيش عمرها تدفع ذنبك. جولي لميته لحد. دفنتي لحد. خرجتي."
كان قلبه يصرخ وتراجع خوفاً من منظرها. كانت تصرخ بجنون.
"جوم جوم موتني عشان تعبت. ذنبك موتني ألف مرة. ربك خدلك حجك ألف مرة. إيه عايز تشرحني. عايز تموتني. ماعتش خلاص. جمر ماعتش فيها مكان للتشريحة. جتتي اتمزعت. جمر عايشة. جهر ما حدش يتحمله. عشت جهر ورضيت. عشت سواد ورضيت وبرضك مكمل سواد وراضية. بس ماعتش جادرة. النفس بيطلع بشرخة تسلخ الجلب. إيه يا أخي إيه بقه. ارحم. ارحم بقه. ارحم."
كانت مهتاجة وتصرخ بقوة. كان مذهولاً من عنفها. فشدها إليه وهيا تصرخ.
"أوعي. أوعي. كفاية. كفاية. حجك جالك ألف مرة. أيام جهر وسنين جهر. أوعي. روح هات الخلج يشرحوا وانت تشرح. ماعتش حاجة فيا. خدوا حجكو وشوفوا هتخلصوا ميتة وابقوا جلولي."
مسكت يده ووضعتها على عنقها وضغطت.
"موتني. يلا كمل. موتني. خد روحي خليني أخلص. خلصها دلوك."
كانت كالمجذوبة وهو يعتصرها.
"أهدي. إيه. أهدي."
دفعته بحرقة وفتحت الباب واتجهت إلى الطريق. شعر بالذعر عليها. اندفع إليها. كانت تعدو باتجاه العربات بجنون وهو يحس أن روحه تنسحب. اندفع وهجم عليها. وهيا تقاومه فوقع بها واستدار ليتفادى خبطها بالأرض. وهيا تصرخ كالمجذوبة.
"أوعي. موتوني. أوعي. آآآه. ما عارفاش أتنفس. آآآه."
كانت تشعر بأنفاسها تختنق. فاعتصرها برعب.
"بس. أهدي. أهدي. خلاص. بس. فيه إيه. كانت هائجة. كفاية. كفاية. تقطيع. حجك جالك يابن الناس. تالت ومتلت. اللي جرالي ماهواش جليل. أوعي. أوعي."
ظلت تصرخ إلى أن استكانت في أحضانه مغشياً عليها. انشل مكانه. كانت في أحضانه. العرق ينضح من كل مكان. وأصبح جسدها كالجليد. فاحتضنها بقوة. شعر بالخوف. لا بالرعب عليها. احتضنها بقوة. كان نائماً عالطريق وهيا عليه. ظل ينهج لفترة. ثم قام حاملاً إياها وعاد بها إلى العربة. فتح الباب الخلفي وأراحها وجلس لبرهة بجوارها. ظل يتلمس وجهها بحنان وينظر إليها. ومشاعره تريد أن تخرج من ضلوعه.
"هيا عاملة ليه أكده. حج إيه اللي خدته. إني ماخدتش حاجة. وايه اللي جرالها. إني ما فاهمش حاجة. هيا عاملة ليه أكده. عايزة تموت نفسها. تكونش بتمثل."
نهر نفسه.
"تمثيل إيه يا حلوف. دا في حضنك مش حاسة بالدنيا. طب إيه. إني ما فاهمش حاجة. مالها. عملت كيف المخبولة أكده."
ظل ياكل حاله. كانت في أحضانه. ظل يتلمسها. ركنها واندفع بها إلى بيته. لم يقدر أن يتركها. خرج من العربة وحملها. شدها إلى صدره بقوة وصعد بها إلى الحجرة. كان مكلبشاً فيها بشكل غريب. صعد بها وأراحها على الفراش بهدوء وعناية. ثم طرح عليها ألف اش. ظل واقفاً ينظر إليها وجلس يفكر.
"يعني إيه خدت حجي. يعني إيه ما فاهمش حاجة."
تنهد وظل ينظر إليها وقلبه ينهشه. مد يده إلى ربطة شعرها فكها وفرد شعرها. مسك خصلة منها وظل يتلمسها بحنان. اقترب من وجهها وظل يتأمل وجهها. كانت جميلة. لم ينقص منها شيئاً. وهذا يكويه. نظر إلى جسدها. كانت متعرقَة بشدة. مسح على جبهتها وهمس.
"إيه ده كله. ليه أكده."
تنهد وقام مبتعداً وخرج من الحجرة بأكملها هارباً من داخله الذي يكويه.
مر الوقت وبدأت هيا تستفيق. ظلت تفتح عيونها يميناً ويساراً وتدرك أين هيا. نظرت إلى نفسها. مسكت نفسها برعب وتحسست جسدها بجنون. فهبت صارخة برعب عندما. عندما إيه. هو كل يوم يا حنزنكو يانتو 😁😁😁. شويه ميه بسكر يا جدعان. الفانز يبلو ريقهم. الا الحسرة صعبة 😁😁😁😁
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ميفو السلطان
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ميفو السلطان
….ظلت قمر تصرخ منهاره في جبل فهيا لم تعد تحتمل كل ذلك لتنام ولا تحس بشيء …بدات تستفيق نظرت حولها وجدت نفسها في حجره كبيره ظلت تنظر في السقف تستوعب اين هيا.. انتفضت مره واحده ونظرت لنفسها فارتعبت وصرخت …كانت تلبس بيجاما رجالي شعرت بالرعب ….
مين مين ظلت تتذكر فصرخت…. نهار اسود هو اللي قلعني شاف جسمي يا مصيبتي يا مصيبتي يا فضحتي يا فضحتي جلبي بيتمزع اااه … ظلت تنتحب بقهر لملمت نفسها وغطت نفسها حتي لا يظهر شيء كانت تشعر انها ستموت كانت تنتظر نظره الشماته في عيونه ..كان القهر يتلبسها ،،،خلاص يا جمر اهو سواد جديد خليه يشوف ويتشفي ويفرح ابن العزايزه دى بقي مريض حد يخوف .كشفت قدميها وسالت دموعها ….شاف …شاف ….الحزن ده ..شعرت بالدونيه والقهر …اتملت عيونه من جهري شاف الحزن اللي اتنجعت فيه .وضعت يدها علي قلبها ….اني استحج كل ده يا رب ..استحجه …كت صغيره يا رب ماهتحملش نظرته هيتشفي بالكوم … ليه ليه ….عيله… كت عيله والله …يا رب صبرني يا رب جويني علي شماته فيا ….اههه كلبشت في نفسها برعب وقهر . صفحه حكايات ميفو ..
دخل هو عليها كانت الخادمه قد غيرت ملابسها لانه شعر انها تنتفض بزياده دخل وجدها تنتحب وتشهق فاندفع برعب لا اراديا واحتضنها …..خلاص خلاص..ايه الجهر ده كلو خلاص .
سمعت لمحه لين في كلامه احست بنار بداخلها هل هيا شفقه ام ماذا …دفعته بغضب عارم وخوف من نظراته …..ماتقربش ماتقربش انا بكرهك عارف يعني ايه بكرهك وماكرهت حد زيك ،،
استعاد غضبه منها فقد لان لها لفتره احس بنار بداخله فكلامها يحرقه …ربط علي قلبه فهتف ،،،انت كرهك ليا فرح يا بت حمدان …اني شمتان فيكي وفي حالتك انت حاجه تصعب عالكافر زي المجازيب والله ..
هنا هاجت اليه ،،حالتي تصعب عالكافر …قامت مندفعه فتعثرت فمسكها بقوه …نظرت اليه والوجع يمزقها ولا يفصلهم انشا واحدا كان يحس بنبضات قلبها العنيفه …صرخت بقهر …مبسوط بحالتي…اصعب عالكافر يا جبل صوح .. ايه شفت وعيونك اتملت مبسوط وشمتان يابن العزايز اني بقيت اكده ،مبسوط بده وخبطت علي فخديها …،طب دا قضا ربنا اني بقيت اكده هاه ما جراليش اكده بيدي يابن العزايزه… مبسوط جوي وفرحان اتشفيت باللي جرالي بس اني اكده وراضيه ..انت بقه بقيت ازاي ..خبطته علي صدره بعنف وحرقه وهو لا يفهم ماتقول …تشوه الجلب اصعب من تشوه الجسم يابن العزايزه دفعته بقهر ..،انت بقيت مسخ اكتر مني والله المسخ حتي بيحس وخبطت علي نفسها مسخ بس بحس بحس يا ظالم ياللي ماعتش ليك جلب ولا ليك شكل ..
اندفع ومسكها من شعرها…. انت ايه مابتتعظيش اموتك .
صرخت…. يا ريييييت يا اخي… حتي ربنا يرحمني منك ومن عذابك صرخ ……اني عذبتك اني…. انت واحده جاحده .
هتفت …..،اه صح علي جولك جاحده ماعتش بحس اه والله جلبي مات مع اللي مات ،،اتشفي واتملي كمان وعيب مانا بقيت معيووبه ومسخ .
صرخ بحرقه ..بتعترفي انك معيوبه ايه الفجر ده يا شيخه منك لله .
صرخت ..انت تاني بتدعي عليا تاني ..ليه مش شفت حالتي ماكفاكش اللي اتنجعت فيه .تاني دعي تاني …ايه يا اخي فاضل ايه ماحصلش جول …بس عارف مش زعلانه يا جبل اني بقيت اكده اه والله مازعلانه …لانه كله بيد ربنا وهيجيلي يوم انسعد اه هنسعد ربنا بعتلي حلمي وانا علي يقين اني هنسعد …جمر المسخ هتنسعد ….اشمت اشمت وهات ناس تشمت ..خبطت علي قلبها ..ده مات من زمان بس هيجي يوم وربنا يحيه ايوه ربنا بعتلي اشاره ربنا واجف هيديني من كرمه ،،سمعتها سمعتها اني هنسعد والله هنسعد شوفتها بعيني عايشه علي امل تتحجج وربنا يراضيني ماني كتير والله كتير عليا ..كانت دموعها تسيل ..كانت تشهق وتنتفض ..هنسعد يا جبل رغم كل اللي حصلي واللي بيا هنسعد شفتها والله شفتها كانت تتشنج من البكاء وهو مصدوم بتلك الحاله لا يفهم اهيا مجن نه ام مسها شيء …همست لروحها بانين …لسنين بسمعها هتنسعدي يا جلبي بسمعها كانت تتردد في اذنها … فوضت امري لله …كان لا يفهم شيء استدارت وخرجت مسرعه .
هنا اتشلت مكانها وتصنمت وتوقف قلبها تماما .. ظلت تدور حولها لا تصدق اين هيا عيونها تدور بجنون تنظر في كل مكان ..سالت الدموع من عيونها انهارا فاخيرا اتي ماكانت تنتظره لسنين …انه الحلم ،.حلم قمر الذي ولا يوم نامت الا وكان رفيقها يعذبها ويؤلم قلبها …
سهمت تماما وانفصلت عن العالم … دخلت في الحلم …حلم القمر ..انه القصر…. القصر الذي عاشت معه سنين…القصر الذي حفرت اركانه بداخلها تحفظه عن ظهر قلب ..
كانت تقف كالبلهاء وهو يقف وراءها مبهوتا فحالتها غريبه هدوء وسكون ولين علي وجهها ودموع انهارا تسيل علي وجهها ..كانت تحس بقلبها سيخرج من مكانه تلفتت حولها وابتسمت بحنان خرجت من الدنيا ودخلت الحلم…. ابتسمت بسعاده ..اخيرا دخلت السعاده قلبها ..كانت حاله هيام وراحه و هو ينظر اليها مذهولا …نزلت بهدوء كانت تتهادي وتتلمس المكان تنزل بهدوء ويدها علي ماحولها عانها تتحسسه اهي في حلمها ام واقع …لتقف امام حائط عليه برواز كبير فارغ ..اقتربت ولمسته ابتسمت بحنان … كانت صورتها ستوضع في هذا المكان راتها بعيونها …ظلت واقفه لا تنطق وهو قلبه سيخرج من مكانه…اكملت ونزلت تتهادي وصلت الي احد الاركان .. مدت يدها لا اراديا كان كالحائط ببابين منهم سحري مدت يدها فانفتح الحائط امامها…ليتراجع جبل غير مصدق ما يري ..
دخلت بهدوء كان بالداخل ممر طويل نزلت فيه ظلت تسير وهيا تتخيل نفسها في الفستان الذي تلبسه في الحلم ..سارت بين ممرات من الورود بالوان مختلفه تتجه في طريقها لا تحيد عنه ..نعم انه الحلم بحذافيره حلمها ،…حلمك يا جمر ..ظلت تهمس ..حلمي حلمي وهو بالخلف لا يفهم همهمتها ..الي ان وصلت الي الحديقه لتجد امامها ما خلع قلبها .تلك الشجره تتوسط المكان وعليها شعاع نور يضيئها ..شجرتها التي تظهر في حلمها ابتسمت وهمست بحب .،شجرتي….. شجره العشج …اتجهت اليها وظلت تتلمسها بحنان وعيونها تصرخ بنور عجيب نور الحياه الذي دب اوصاله بداخلها…كانت تتلمسها ساهمه وابتسامتها تنير وجهها وجبل قد اصابه الخرس …كان لاول مره يري قمر القديمه قمر التي عاد اليها نور وجهها وعيونها البراقه …كان هو لا يصدق كيف عرفت كل ذلك ….
كانت تتلمس الشجره بحنان اقتربت منها واحست بخفقات في قلبها .اقتربت والتصقت بها احست بانفاسها تعود اليها لوهله تنفست لوهله عادت للوراء وقت ان كان القلب ينبض بالعشق كانت الدموع تسيل انهارا والمشاعر تجوب بداخلها كطاحونه بدات تنهج بشده وضعت خدها علي الشجره …تملس عليها بحنين … تهمهم …هنسعد اهنه صوح . حلمي شجرتي جصري …
اما هو ابتلع ريقه من منظرها كانت قمره التي تركها عالجسر قمر ابنه السابعه عشر قمر التي تصرخ عيونها بالحياه …مد يده ولمس يدها كان قلبه قد انساب فعيونها القديمه اشتاق اليها بشده حاوطها بيديه اغمضت عيونها واحست انها تحلم نست ما حولها..نست ونست وعاشت اجل عاشت اخيرا عاشت بعد ان رات حلمها يتحقق انه حلم العمر حلم القمر …تنفست قمر ورجعت زمن رجعت وتناست القهر تناست قلبها العليل واتي القلب العاشق .تاهت وهامت وضاعت في وسط حلم حقيقي دخلت فيه .
اما هو فدخل معها في حلم لا يعلمه ولكن قلبه يصرخ من رؤياها هكذا ادارها بهدوء وهيا مغمضه تشعر به حولها رفع وجهها ففتحت عيونها وهامت به كانت نظراته لينه جبل عشق ايامها وسنينها جبل العزايزه عاشق القمر …كان يتلمس وجهها وتاهت الدنيا من حولهم نظرت بداخل عيونه عاشقه لتلك العيون قمر خرجت اخيرا قمر النجع باكمله وعيونها اسرت عين الجبل الذي تناسي اين هو ومن هما فقط عيون اشتاقت وكللت من الوجع ..
لم يستطع ان يتحكم في مشاعره نزل بهدوء يتلمسها وهيا مشلوله لا تتحرك ليتوه معها في حاله من الهيام …كان يغوص معها بمشاعره القديمه..جبل العزايزه لساحرته قمر النجح عشق سنينه ..ظل كل منهم يعيش حلم تمناه في نومه الا ان للجبل عقل يتصدي له وينزع احشاءه … ليعود الي عقله ويحاول ان يعود ولكنه لا يستطيع احس بنار تكويه يريدها بجنون ولكن تحكم العقل وعاد مره اخري … ليدفعها وينظر اليها بقرف..لترتطم بالشجره وتعود لدنياها بابشع صوره عندما رات عيون الجبل التي تنهش قلبها واعادته لما كان عليه لم تتحمل .. ومن دون سابق انذار اغشي عليها تحت الشجره ،،
هب هو مفزوعا وذهب اليها وحملها وعاد بها الي الحجره وظل واقفا ينظر اليها برعب ،…..هو فيه ايه ايه اللي حوصل ده هيا…هيا عرفت ازاي المكان ده… ازاي هو فيه ايه فيه حاجه غريبه وكلامها غريب مسخ ايه اني حاسس اني دخلت كابوس ،،
اقترب هو وافاقها فتحت عيونها ،،انتفضت عالفور صارخه برعب …انا فين .
تنهد وهتف ،…..انت في بيتي هتكوني فين .
قطبت جبينها وبدا يجتاحها بروده كالثلج …هو ده بيتك يا جبل .
هتف باستعلاء ….ايوه ده الجصر بتاعي .
هنا ادركت ان السعاده انتهت من حياتها فكيف ياتيها الحلم انها ستسعد في ذلك المكان …. بيته اني فيي بيته يعني الحلم ده مش بتاعي…. كت بحلم بحلمه هو ….اني شفته اهنه سعيد ايه هينسعد اهنه …طب واني ماهنسعدش واصل ….كان ربنا بيبعتهولي ليه عقاب تاني وحسره …حسره اني اشوفه بياخد حلمي وينسعد بيه مافهماش حاجه ….هو فيه ايه خلاص اكده الفرح سابني ا لعمر كله سالت دموعها بقوه وسهمت ببلاهه تفكر في حلمها الذي ضاع كبقيه ما ضاع ..
تافف هو لم يعد يحتمل وجعها .. .،انت من ساعه ماجيتي بتعيطي هو فيه ايه انت مخبوله .
همست …..فين هدومي .
هتف ،،ماعرفش تلاجي الخدامه خدتهم ،
نظرت اليه….. ايه الخدامه ،هيا اللي لبستني.
هتف ،،امال مين اللي هيلبسك امي .
ابتسمت واغمضت عيونها تحمد ربها انها لم تفضح امامه ….قامت هيا …ممكن امشي ابويا زمانه جلجان عليا .
هتف…. اجعدي للصبح عادي يعني ايه هيحصل هيستغرب يعني .
اغمضت عيونها بقهر وابتسمت ،،تجصد اني متعوده عالنوم في بيوت الرجاله مش اكده ..
نظر اليها بغضب فهتفت ،،،تصدج ما لاجيه كلام اجوله خلصت اكده .،ابتسمت ..خلصت الجصه لاه ماتت ماتت زي اللي مات ..كانت تتكلم ببلاده …من فضلك عشان ابويا تعبان ،
احضرت الخادمه فستانها ولبسته ووجدته ينتظرها بالاسفل ركبت من سكات وركنت عالكرسي متعبه الي ان وصلا استدار فوجدها نائمه تنهد وظل ينظر اليها بحنان …مش عارف فيه ايه بس حاسس ان غلي ناحيتك بيروح مش عارف ليه ….واللي هيجنني ان فيه حاجه غريبه حاصله ….عرفتي ازاي مكان الحيطه اللي بتودي للجنينه اني هتجنن يا رب بقه جلبي بيوجعني اعمل ايه دلوك ولا يوم نسيتها نفسي احرج جلبها ونفس الوجت نفسي فيها هتجنن عليها… اقترب منها كانت نائمه ظل يتلمسها بحنان حتي فاقت …تراجع هو همت ان تنزل مسكها وهتف بقوه وعنفوان ….عرفتي مكان الممر كيف يا جمر انطجي .
نظرت اليه نظره مبهمه ماذا ستقول اتقول انها حلمت بسعاده زائفه ..شدت يدها من سكات ونزلت.
دخلت من سكات ونامت لياتي لها الحلم مره اخري .،شعرت بالاختناق فاستيقظت وانفجرت بالبكاء ،..ليه بياجي ليه ليه ..،هو ده حلمك يا جمر ،،تنسعدي فين في جصر جبل ،حسره جلبي سنين واني مستنيه اجعد وادخل في البيت ده طلع بتاع جبل ،،ليه يا رب طيب …واني ماهنسعدش فيه واصل ليه يا رب ..بيته… بيت الجبل طب كت بشوفه في حلمي ليه يا رب ..عذاب جديد اياك ذنب لسه ماوفيتوش هفضل اوفيه العمر كله ..طب يا رب اني رجعت عن الدنيا اللي كت ماشيه فيها زهدته لاعت عايزه فلوس ولا دهبات ولا لبس …كان حلمي اللي فاضل انسعد فيه بتورهيولي عشان تجلب جهر…طب ليه اني ماعملتش حاجه لده كله ..اه سيبته كت صغيره وعيني عالدنيا عيله سبعتاشر سنه هبله اه هبله صغيره ابويا نغز فيا وشيطاني نغز .. ورجعت عنها خلاص والله رجعت وماعاد بيملي عيني حاجه منها واصل… دي اخرتهاا اعرف انه هو اللي هيجيب مره مكاني ينسعد فيها ….ماني بشوفه جدامي ماسك يد واحده بشوفه اني كت فيه عشان اشوفه هو وبس..كت دخلت حلمه عشان اعرف دنيته هتبقي كيفها …طب واني مافيش اي حاجه ..طب طب بلاش الجصر انسعد بس نفسي افرح عيوني دبلت من الجهر …ليه اني لاه ليه …عشان اكمل عذاب يا رب ،،لله الامر من قبل ومن بعد ..تذكرت اخيها قامت واحضرت بيجامته التي لم تفارقها ..دعوتك فين يا جلبي دعوتك راحت يا غالي ..الجبل خد حلمي ونتش جلبي ..قامت وصلت ظلت تدعو ربها سجدت وسجدت وسال الدمع انهارا تناجي رب كريم .،ابتلاء ما بعده ابتلاء ..وهيا سبحان من هذب صابره لا تشكو فمها يتعطر بالحمد دائما لا تتذمر علي قدر رب العباد انها القمر الذي هذبها رب العباد لتعلو في صفاتها لتعلو في اخلاقها ودينها فشتان بين الثري والثريا… قمر الدنيا راحت واتت قمر من عند الله تنير وتنتظر اراده الله فيها ..ظلت تدعو ربها ان يخفف عنها لتقوم وتنام اخيرا بعد يوم اجهز علي البقيه الباقيه ….
في الصباح خرجت فوجدت والدها جالسا حزينا ..فيه ايه يا ابوي .
هتف ..الواد ادم مش جادر يروح المدرسه جومت البسه زي كل يوم ماجادرش يتحرك .تنهدت ….اني بكره او بعده هجبض وهاخد المرتب وباذن الرحمن هاخد اجازه واروح اعمله الاشعه اطمن سيبه نايم ماتوديهوش يا ابوي.
هتف .،بجولك يا بتي ..
هتفت .،ايه يا ابوي .
هتف .،اني خابر ان الاجل جرب .
تنهدت .،….اجل ايه يا ابوي عالصبح انت مابتصدج تلاجيني كويسه تجوم تجهرني .
نظر اليها .،انت عمرك ما كتي كويسه يا بتي ايه فاكراني مش حاسس بيكي حلوف اياك دانت بتي لاه حاسس وحاسس بوجعك يا بتي عالاخر وشايف العذاب بعيونك وعارف ان فيه غرزه في جلبك بس اجول ايه بدعيلك جبل مالاجل ياجي تنسعدي .
نزلت دموعها .،انسعد ،ماعتش ليا يا ابوي ولا لتوبي خلاص ..،اجول ايه الحمد لله .
هتف ،،طب امبارح الحاج عرفان كان جه وجعد معايا شويه بعد مانمتي وسال عليكي كتير .
قطبت جبينها …..،الحاج عرفان السكري .
هتفت .،ايوه يا بتي .
هتفت ،….،خير دا راجل طيب وكريم رايد ايه .
تنهد ،،الحاج راجل وحيد ومالوش حد ولا عيل ولا تيل اتجوز جبل سابج ومرته ماتت من فتره وماكانتش بتخلف وكمل معاها علي اكده .
هتفت ،….طب بتجولي ليه اكده .
هتف ..ماهو ماهو اصله عايز يتكلم معاكي.
قطبت جبينها ،،يتكلم في ايه طيب.
هتف ….ماخابرش هو جه ياخد الايجار بتاع الشهرين اللي فاتو جولت يصبر علينا.
تنهدت ..طب اعمل ايه الايجار ماكملتوش للاخر اكيد هيطلبه هو راجل طيب بس الحال برضك ماينفعش ماحدش بيصبر علي حد اكده .
هتف ابيها ..طب ماتوافجي علي فكري واهو جوازه هنستفاد منها.
شعرت بالقهر.،جصدك جوازته ماهتبينش اني معيوبه يا ابوي صوح .،اجول ايه حسبي الله اني نازله الشغل ..
تركتهم ونزلت العمل كانت منزويه لا تتكلم . دخل جبل وجدها شاحبه ساهمه لم يتكلم ودخل رزع الباب تنهدت رن الجرس فنظرت الي رفيقتها ..منال بالله خشيله اني تعبانه ..
قامت منال وخرجت بعد فتره ورزعت الملف .،دا حاجه حزن عامل زي الغراب جومي اديني خت كلمتين وجالي ليه اللي مسؤله انشلت ماتجيش ليه علي يدها نجش الحنه .
تنهدت وقامت دخلت بهدوء واقتربت صامته كان يقرا في الملفات ظلت واقفه قرابه العشر دقائق فهتفت …..جبل بيه .
لم ينظر اليها ،،ماجولتلكيش تنطجي .
تنهدت وصمتت رفع راسه ..اسمعي هنروح اجتماع في شركه الصافتي للاستيراد تحضري الملفات كلها واي غلطه انت عارفه هعمل ايه وكلها بكره ونسافر .
هتفت ..معلهش يا جبل بيه اني بعد إذنك هاخد اجازه .
هتف…. نعم ياختي بجولك هنسافر شغل تجولي هتاخدي اجازه مافيش اجازات .
هتفت .،لاه هاخد اجازه ضروري .
هب ..انت مخبوله بجولك ما هتاخديش اني ماهسمحش .
هتفت ..انت حر اني ماهجيش ابقي اخصمهم من مرتبي .
صرخ ..لا والله فرده اكده طب لو غبتي يا جمر مخصوم نص مرتبك .
نظرت اليه بقهر ..ليه هو يوم خصم حرام ايه الجبروت ده .
هتف ….عشان تتربي وماتعصليش كلمه ايه جولك هتغيبي برضك .
نظرت اليه دامعه فضحك ….اني جولت برضك انك هتتلمي عشان الفلوس الفلوس عندك روحك اني خابر صنف عويل .يلا خلصي اللي جولتك عليه.
خرجت من سكات وعزمت ان تاخذ اجازه حتي لو خصم الشهر كله انهيت تحضير الملفات وخرج هو ونزلا الي الاسفل ركب هو بجوار السواق وركبت هيا في الخلف وهم ان يرحلا فاذا بالباب يفتح ويدخل امير بجوارها فاشتعل جبل هاتفا ……،امير خير .
هتف هو…. .،لاه مافيش لاقيت نفسي فاضي قولت اجي معاكو عند الصفتي .
كبت جبل نفسه فهتف .،حتي تقعد انت مع الصفتي واسلي انا القمر اللي جنبي مش كده يا قمر .
كان جبل يغلي فامير ينظر اليها نظرات يعلمها جيدا كان داخله ياكله من قربه منها ظل يثرثر وجبل يجلس عالنار وبدا امير يخفض صوته يشاكس قمر وجبل الغليان وصل مداه مد يده لمراه العربه وعدلها يراقبهم والسائق ينظر اليهم باستغراب فصرخ ..ماتسرع انت ماشي علي بيض ايه الحزن ده …،،وصلا الشركه ونزل امير وفتح الباب وركن عليه حتي نزلت واثناء مرورها لامس جسدها.
فاشتعل جبل وصرخ ….ماتيلا بقه انت واجف مستني ايه .
نظر اليه امير ،،،ايه يابني مش بستني قمر .
هتف غاضبا .،ليه بت السفيره عزيزه تستناها ليه يلا .واستدار ووراءه امير مستعجبا من غضبه ..بدا الاجتماع وانهمك كل من امير وجبل في النقاش مع رئيس الشركه واذا بتليفون ياتي لقمر .،استاذنت وفتحت الخط وجدها تهمس بالقرب من الشباك ..احس بداخله ياكله فقام بهدوء يسمعها ..وما ان سمعها حتي استشاط غضبا وكلبش الهم في قلبه كان سيهجم عليها يقتلها من حرقه قلبه عندما .. …
يلا بالشفا دوا الكوليسترول شاحح مالسوق ….هو ايه مافيش الا البت .،تعالي بقه
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ميفو السلطان
وقف جبل ينظر إليها، فوجدها تتجه إلى الخارج وتتكلم بصوت خفيض. كان قلبه يغلي، مع من تتكلم هكذا؟
عند قمر، كان الحاج عرفان صاحب البيت يتصل بها.
هتف: "إزيك يا جمر؟ أنا الحاج عرفان."
هتفت: "كيفك يا حاج؟ لعلك بخير."
هتف: "بخير طول ما أنتِ بخير. كنت عايز أعدي عليكي أتكلم كلمتين."
تنهدت: "مالوش لزوم يا حاج، أنا يعني هتصرف في الإيجار و..."
هتف: "إيجار إيه بس؟ طب اسمعيني طيب بالله عليكي، عايزك في حاجة تانية."
تنهدت: "طيب، أنا قدامي ساعة وهخلص وأجي البيت."
هتف: "لأ، أنا بره وهاجي آخدك. أنتِ فين؟"
هتفت: "مالوش لزوم."
هتف: "لأ بقولك أنا بره، ليه تيجي مواصلات؟"
هنا اقترب جبل. سمعها.
هتفت: "هتيجي تاخدني بالعربية؟ طيب هنروح فين؟"
هتف (من بعيد): "هنجعد مع بعض نتحاكي. حاضر، أنتِ تأمري."
ابتسمت: "أنا أطول أقعد معاك."
هتف: "طب إيه طيب؟ مانتِ كنتِ عندي جبل أكده."
ضحكت: "حاجة خاصة، عيوني. أنت غالي عندي جوي."
أعطته العنوان.
استدارت لتجد جبل يقف أمامها، يغلي وينظر إليها بغل.
هتف: "رايحة فين؟ ومين ده اللي هتجابليه ويعدي عليكي؟"
نظرت إليه: "حاجة خاصة يا جبل بيه."
استدارت.
مسك قلبه، شعر بنار في جوفه.
هتف: "تحصل تقابلي كمان وتسمعيني؟ انجهر منك لله يا شيخة."
اندفع وشدها بعيدًا.
تلفتت حولها: "فيه إيه؟ بعد يدك."
هتف بحرقة: "انطقي! مين ده وإيه حاجة خاصة دي؟"
نظرت إليه بغضب: "مالك أنت تسأل ليه؟ ليك إيه؟ هقابل واحد، عشرة، أنا حرة."
عصر يدها: "عارفة إني ممكن أقتلك دلوقت ولا يرف لي جفن. إيه؟ حتى في الشغل مش عاتجة؟ إيه قلة الحيا دي صحيح؟ حاجة تجرف."
اشتعلت هي ونظرت إليه: "بالظبط! حاجة تجرف. ابعد عنها بقى، كفاية حزن."
فاعتصر يدها: "مش هبعد. مش هبعد. أنتِ ما تقوليش ابعد وما تبعدش. أنتِ بتشتغلي عندي بفلوسي اللي بتوكلك أنت وأهلك."
هتفت: "الفلوس اللي أنت عبدتها؟"
ضحكت: "فلوسك؟ يا أخي ربنا يشفيك بقى وتعرف إن الفلوس ما بتوكلش قلوب. عارف بتمنى أمشي وأسيب شغلك ولجمتك اللي هي سم في جوفي، بس ربنا رايد أهو. أعد وأسمع وأشوف قضا ربنا وحكمته في عباده. فلوس إيه اللي بتتكلم عليها؟ وبعدين مالك بتتكبر كده؟ ليكونش بتديني فلوس لله؟"
هتفت: "لأ يا بيه، أنا بشتغل وبكدة باخد منك وبتاخد قدامه شغل وعوض لفلوسك. ما تتمطّعش كده يا أبو فلوس. وعموماً، أنا من هنا هدور على حتة وأطفش من وشك."
واستدارت وذهبت، وهو يقف قلبه سيخرج من مكانه، والغل ينهش قلبه.
هتف لنفسه: "هتمشي؟ البنت هتمشي وتسيبني؟ هتمشي؟ أعمل إيه؟ أيوه أموتها؟ هي تموت بقى وأخلص. أنا تعبت يا رب. إيه العيشة الحزن دي؟"
كان قد انتهى الاجتماع. وقف أمير وجبل.
قال أمير: "إيه؟ هترجع الشركة؟"
هتف باستعلاء: "لأ، أنا هقابل نادين بت خالي نتغدى سوا."
ضحك أمير: "ماشي يا عم، الله يسهلوا. بس قولي يا ابني هتتجوزوا إمتى؟ ما تخلص."
أحنت قمر رأسها، والوجع ينهش قلبها.
فهتف جبل: "قريب يا أمير، قريب جوي. بس القصر فيه حبة حاجات كده، هي لازم تيجي وتشوف. ده هيبقى بيتها، مش أي حد. هانم عن حق، مش جربوعة يعني."
كانت تضغط على يدها، أحست بأنفاسها ستقتلع أحشائها بخروجها.
هتفت لنفسها: "هي جوزها في القصر اللي حلمت هتسعد فيه؟ هي دي اللي هتمسك يده وتعيش حلمي؟ إيه يا رب ده؟"
"كان الألم فوق الاحتمال."
هتف أمير: "نادين بتحبك من زمان. ربنا يسعدكو. أنا أول المعزومين والشركة كلها."
هتف جبل: "طبعاً. بس شركة إيه؟ الفرح هيبقى مليان كبرات. مش هدخل أنا حد قليل."
ونظر لقمر بشماتة.
هتف: "يلا، اتأخرنا."
ونظر إليها أمير: "هوصلك. هاجي معاكي يا قمر."
هتفت ببرود: "لأ، معلش. أصل فيه حد جاي ياخدني. عن إذنكم."
اشتعل جبل ونظر إليها وهي تمشي، شعر بنار في جوفه.
هتف لنفسه: "مين ده يا جمر اللي نفسك تقعدي معاه؟ مين؟"
ضحك أمير: "تلاقي عندها طالعة يا واد. تعالي نشوف مين صاحب الليلة."
أحس جبل بأن كلام أمير يكوي. نزل مسرعًا، فوجدها تركب عربة كبيرة، وكان الرجل عجوزًا أخذها ورحل.
أطلق أمير صفيرًا: "يا صلاة النبي! البت راكبة مع راجل كبير. تلاقي مريش، شفت عربيته. أكيد هتكبش كبشة حلوة. يلا عقبالنا بليلة زي دي."
صرخ جبل غاضبًا: "ما تحترم حالك! إيه ده الحزن ده؟"
هتف أمير: "أنت أهبل؟ مانت اللي قايل عليها شمال. ربنا يشفيك. أنا هركب أي حاجة وأرجع الشركة آخد عربيتي."
ظل جبل يغلي: "مين ده اللي ركبت معاه؟ مين؟ وواخدها فين؟ هو عيني عينك كده؟"
مسك قلبه: "حاسس إن قلبي بيغلي. طب أنا مالي؟ شالله تنحرج؟ بت معيوبة."
ظل واقفًا يغلي ويعصر يده.
هتف لنفسه: "لأ، ما أقدرش. حاسس بقلبي بينعصر. منك لله يا بت حمدان. همشي مجذوب. طول عمري بفكر فيكي."
لم يتحمل، اندفع جبل وأنزل السائق، واندفع وراء عربة قمر.
ركبت قمر، ووقف الحاج عرفان عند أحد النوادي.
هتف: "انزلي، كنت عايز أتكلم معاكي."
نزلت هيا ودخلا وجلسا معه.
هتفت: "اسمعي يا جمر."
هتفت: "عارفة يا حاج إن الإيجار اتأخر وإن حالتنا صعبة، بس..."
قاطعها: "طب اسمعيني."
وبدأ يتكلم، وهيا تسمعه.
نزل جبل ووقف بعيدًا، وجدهم منهمكين في الكلام. شعر بنار عندما وضع عرفان يده على يدها.
هتف لنفسه: "أروح أموتها دلوقتي. أنا هموتها. أنا هموت."
"لأ، ما أقدرش."
سحب نفسه وحاول أن يختفي عن الأنظار. وجلس بالقرب منهم، يشعر بالجنون. يريد أن يعرف ما بينهم. جلس وراءها. أحس أنه يريد أن يقتلهم معًا.
هتفت لنفسها: "حصلت؟ بقت علني كده قدام الخلق؟ بتجابل وتلاغي كبير وصغير، وأنا أقف أتفرج؟ محصور يا مري."
ظل يسمعهم إلى أن سمع ما جعله ينتفض، وشعر أن هناك جلطة ستنزل عليه تميته حيًا.
هتف عرفان: "اسمعي، أنا عارف إني راجل كبير ووحداني، ومش جايبك هنا عشان الإيجار. أنا جايبك عشان أطلب منك طلب."
ابتسمت له: "خير يا حاج."
هتف: "إني أريد أتزوجك."
هنا انتفض جبل، وشعر أن قلبه سيخرج من مكانه. ظلت هيا تنظر إليه وقلبها يدق.
فهتفت: "أنت يا حاج عرفان عايز تتجوزني؟ أنا جمر؟"
ابتسم: "أيوه والله عايز."
هنا اشتعل جبل، وقام وانتظر بالخارج. هرب من جوارهم لأنه لو بقي سيقوم ويقتلها، ويخلع قلبها من مكانه. أحس أنه لو بقي سيفعل فضيحة.
جلس في عربته.
هتف لنفسه: "هتتجوز؟ الهانم هتتجوز؟ أكيد ما شكله معاه فلوس، وراح جاية قدامه. أكيد شغلتك والراجل عجوز وأهبل وجع على طول. طب إيه؟ قلبي بيحرقني. هموت كده. هيديها فلوس ويتجوزها؟ يا حزنك يا ابن الجبالي! البنت هتتجوز."
"باكل حالي ليه؟ أنا وهي، وإيه؟ ما تتهبب."
أحس بحرق داخله: "أنت جواتك نار ليه؟ أنت فين وهي فين؟ حتة جربوعة تغور بقلة أدبها. بتبص على إيه؟ وأنت مالك؟ وأنت محروق ليه؟ ما تغور."
مسك قلبه بحرقة.
هتف لنفسه: "بس لأ، لأ. قلبي حاسس بنار جواتي. الراجل الشايب عايزها. هتعمل بيها إيه يا حزين؟ أنت فيك نفس؟ يا مري."
نزل من العربة وظل يدور.
هتف لنفسه: "لأ، لأ. أنا هنجلط. لأ، ما هسيبهاش تتهني. أنا ما هخليهاش تتجوز. أهو هيتجوزها؟ أكيد ما يعرفش سمعتها الطين. أيوه، أنا هروح وأخليه يسيبها. ما يتجوزهاش. ماينفعش تتجوز. قلبي بينعصر."
"هيعمل بيها إيه؟ تتجوز؟ وتجيبها وتبقى بتاعته؟ وتفرح؟ وأنت قاعد جلبك بيغلي؟ لأ، ما تفرحش. وأنا بموت؟ ما تفرحيش واصل."
"أهدي كده، هتنهبل ولا إيه؟ طب يا جمر، أنا هعرفك. هتتجوزي وتسيبيني مجرور كده."
عند عرفان، نظرت إليه قمر. ابتسمت له، فهو رجل طيب.
هتفت: "اسمعني يا حاج، أنت راجل طيب وأنا بحبك."
هتف: "زي أبوكي صح؟"
همست: "من ساعة ما جيت وأنا معتبراك أبوي والله وأكتر. بس مش عشان كده، أنا ما بتجوزش يا حاج."
هتف: "قصدك عشان الكلام الواغش اللي بيتقال؟"
ابتسمت: "أنا ما رضاش ليك كده يا حاج. أنت راجل بتاع ربنا."
هتف: "وعشان بتاع ربنا، أنا ما مصدق. يا جمر، وبقولهالك، أنا ربنا عطاني حاجة كده، بصيرة، تخليني أعرف الزين من الشين. أنا والله ما ليا في النسوان ولا حاجة. مراتي عندي كانت بالدنيا. بس أقولك، أنا حلمت بيكي مجرورة امبارح. حلمت بيكي، جلبك بينعصر. جالي واحد في المنام، شاب كده ما عرفوش، والله بيقول لي: روح لجمر، خليك معاها. أنت راجل طيب."
نظرت إليه مذهولة.
تنهد: "أيوه، أنا حلمت بيكي واقفة لوحدك، بتستنجدي بحد. لقيت صوت بيقول لي: خليك جنبها يا عرفان، ما تسيبهاش. جمر عايزة حنية، ما عدتش معاها صدر حنين، وماهتعرفش تكمل كده. روح وجولها حبيبك باعت لك حبيب."
نظرت إليه ودمعت عيونها.
هتفت: "بتقول إيه يا حاج؟"
هتف: "والله ده اللي حصل. جالي، جولها: دعوة السما هتتحجج يا جمر. دعوة حبيبك هتتحجج يا غالية."
"هتتنفذ، يا غالية."
هتف: "كان زعلان، وقال لي: اصحك تبعد عنها. أنا بعدت بقضا ربنا. لازم يكون جارها حد. قال لي: ربك خد دعوته وهيبعتهالك خير بالكوم. بس ارضي يا قلبي."
كانت قمر دموعها تسيل. فأخوها أحس بها، أخوها أتى يبعث لها الخير ويصبرها على العذاب. أحس بوجعها وفقدان حلمها. عاشت يومًا قتلت فيه ألف مرة، ليأتي من يحن عليها ويبعث من يقف بجوارها.
هتفت: "أخويا مسعد، حبيبي جالك. ده أخويا، ده نور عيوني وقلبي اللي انعصر وراح."
ابتسم: "ما عرفتوش، بس كان في الآخر مبتسم، وقال لي: روح، ما تسيبهاش."
"صحيت من نومي لقيت نفسي عايز أتزوجك. ماهو مش راجل لمرة، بس أنا جواتي بيقول لي: لازم أتزوجك."
ابتسمت له بحنان ودمعت عيونها.
هتفت: "ألف رحمة عليك يا غالي. حتى وأنت ميت بتبعتلي الخير. دعوتك هتتحجج صح؟"
تنهدت: "أقول إيه يا حاج؟ إن الغريب حس بيا، واللي كان جوه قلبي ما حساش. أنت كلامك ده بيسعدني يا حاج، بس برضه أنا ما بتجوزش. مش عشان الكلام الواغش ده، عشان أنا خلاص جواتي انحرج، وما عدتش ينفع. أنا هقولك حكايتي يا حاج، وأنت تحكم."
وشرعت تقص عليه قصتها، ليتفاجأ بكم العذاب الذي رأته.
أكملت بوجع: "شفت يا حاج، ادي حكايتي. أنفع كيف؟ مرة ما بتخلفش، ومشوهة، واللي يجرب منها ينجرف. وفوق كل ده، اتعذبت في شرفها. هتعمل بيا إيه يا حاج؟ ده ذنب وأنا بخلصه."
ابتسم الرجل ومد يده، ملس على يدها بحنان.
هتف: "مين جالك يا جمر إنه ذنب؟ ليه تاخديها كده؟ ما جايز ابتلاء وتمحيص. ربك بيحبك يا بتي. بصي يا جمر، الدنيا دي بتبقى في عين اللي يدور عليها، كأنها روحه. أنت كنتِ بنت دنيا، أيوه غندورة، ما بتفكريش إلا في الدنيا. عايزة وعايزة، وبتبصي. عايز أسألك دلوقتي، بتفكري فيها؟"
هتفت مسرعة: "ولا بتيجي في عيني."
هتف: "شفتي؟ الصعرة على الدنيا مجلب الشيطان. آه، جرحتيه ورمتيه، وجرحتي جلبك. بس رجعتي تدوري وندمتي، وربك بيقبل التوبة من الكافر. دا كفاية، في عز وجلّك بتدعي له يا بتي. عارف وهو راجع يجهرك، هو ما نساش حبك."
هتفت: "حب إيه يا حاج؟ الله يسترَك. ده الغل في جلبُه بيشع من عينه. ذنبه بيقطع جواي إنه بقى كده."
هتف: "ما تفكريش إن كل اللي أنتِ فيه ده ذنب. لأ يا بتي، أنتِ من الصابرين الحامدين. كفاية في عز جهرك بتقولي راضية يا رب. أنتِ اتكتبتي من الصابرين، وجزا الصابرين عالي. ومع كل ده، أنا برضه أريد أتزوجك. أنا ربنا بعتلي إيه، وأنا بنفذ اللي ربنا بعتهولي."
تنهدت: "وإني صعب يا حاج. هتعمل بيا إيه وأنا ميتة؟"
هتف: "ما خبّرش. بس لازم... ربنا ما بعتلي حاجة من غير سبب. فكري يا بتي، فكري. وأنا أهو معاكي. حتى لو مش هنتزوج، أنا جارك."
ابتسمت له بحنان وقامت وانصرفت.
ظل الرجل جالسًا يفكر في حالتها. "حد يستحمل كل ده؟ كتير. الله يريح القلوب."
كان جالسًا، وإذا بالكرسي الذي أمامه ينشد، ويجلس عليه جبل.
انصدم الرجل ونظر إليه وهتف: "خير يا ولدي؟ فيه حاجة؟"
هتف جبل بجمود: "خير يا حاج. جاي بس أرسيك وأوعيك."
قطب الرجل جبينه: "خير؟ فيه حاجة؟"
هتف: "جمر."
هتف الرجل: "مالها؟ تعرفها؟"
هتف: "أيوه أعرفها، والكل يعرفها."
قطب الرجل جبينه، فاكمل جبل: "أنت عايز تتجوزها صح؟"
اندهش الرجل، فاكمل جبل: "أنا سمعتكم. أنت عايز تتجوزها صح؟"
رفع الرجل حاجبيه: "وأنت سمعت كيف؟ مش عيب يا ولدي تسمع حديث غيرك؟"
فانفعل جبل: "إحنا في إيه ولا في إيه؟ قول: رايد تتجوزها، مش أكده؟"
ابتسم الرجل: "أيوه. عيب ولا إيه؟"
صرخ جبل: "دي عيلة صغيرة، كد بتك!"
هتف الرجل: "إيه يعيب؟ هراعيها وأصرف عليها. فيه عيب؟"
هتف جبل بغل: "آه، قول أكده. بتشاغلها بالفلوس، وهي طبعاً ما هتصدق. دا حاجة تجرف."
هتف الرجل: "مالك أنت يا ولدي؟ يجرف ولا ما يجرف؟"
هتف جبل: "طب اسمع بقى، باينك راجل طيب وبركة، والبت اتغندرت قدامك ووجعتك. جمر ماهياش زي ما أنت عارف."
هتف الرجل: "كيف يعني؟"
هتف: "جمر ماهياش كويسة. ويعني... يعني... ما تنفعلكش واصل. يا حاج، أوعى لحالك. هتاخد حرمة صغيرة، بتاعة فلوس. هتأمن على بيتك معاها؟ اصحك. البت دي واغشة، بتاعة فلوس."
ركن الرجل وابتسم بسخرية وهتف: "أنت حبل صح؟"
اندهش جبل ونظر إليه مدهوشًا، وقلبه رجف.
ابتسم الرجل: "أنت جاي تقولي كده عشان تبوظ الجوازة؟"
فصرخ جبل: "ودي حاجة هينة؟ هتاخد بت عشان تتمرغ في فلوسك وبس؟ إيه الجرف ده؟ وبعدين؟ هي هي؟ ما تنفعش والله يا حاج. خاف على بيتك. ماهياش زينة. أصلها... أصلها..."
فصمت ولم يستطع أن يكمل.
هتف الرجل: "ما تكمل. مش قادر تكمل ليه؟ قصدك إنها معيوبة وشينة وبتاعة رجالة وسمعتها في التراب."
بهت جبل وشعر بالذعر، ورجف قلبه.
هتف الرجل: "عارف مش قادر تكمل ليه؟ لأنك متأكد إنها مش أكده. عارف يا ولدي، عرش السما انهز من جولتك دي. ليه يا ولدي؟ مش زينة وبتلمح؟ كنت شفتها؟ قول شفتها؟ بتعيب في إيه؟ شفت منها حاجة؟ ليه تكرر الكلام؟ أنت عارف كلامك ده وزره إيه؟ قذف محصنات يا ولدي. عندك دليل؟ عندك شهود؟ قول دا. ربك قال: هاتوا أربع شهود على اللعبة. كت جبت يا ولدي. الحرام اللي أنت ارتكبته هتتحاسب عليه حساب الملكين. بتعيب بغير وجه حق. جاي تجولي بتاعة فلوس؟ جمر عمرها ما كانت بتاعة فلوس."
هتف بقهر: "أنت مصدق إنها..."
هتف مقاطعًا: "أيوه مصدقها. ما أصدقهاش ليه؟ بت في حالها. ليها سنين ما شفت عليها عيبة. حتى لو فيه، الستر للبنات خير يا ولدي. أنت جاي تحدفلي واغش البلد عشان أصدقه؟ وأجع أنا كمان في العيبة؟ مش عرفان اللي يخون عهد ربه. إني عاهدت إني أصدق الخير، ما أصدق الشر. والشر أكفي وشي عنه. أنت ماسمعتش عن الستر يا ولدي؟ حتى لو معيوبة، استر عشان ربك يسترَك يوم الحساب. هتجف قدامها يوم الحساب يا ولدي، وهتجف مجرور. إنها طالبة حقها منك. حق عيبتها بغير وجه حق. حق سمعتها اندعست في الأرض. حق كل دمعة نزلت في ليل أسود كحيل وهي لوحدها، مالهاش إلا رب العباد. الحجوج ساعتها هتتاخد، وهيعض العاصي على يديه ويجول: يا ريتني. بس ساعتها الأجل راح، والحج فوق الرقاب سيف. ارتدع يا ولدي، ارتدع وخاف على حالك. جواز؟ هتجوز. مالكش صالح بيها. هكون راجلها كيف ما تريد. إني مبعوث ربنا، أنجدها من اللي هي فيه. ويا ريت تبعد عنها، إلا تلاقيّني قدامك. أنا ما هسيبهاش، وكفاية أكده منك ومن دنيتك. واعرف إن عرفان مش قليل. العجوز مش قليل. إن كنت أنت جوي، أنا برضه جوي. معاك فلوس، أنا برضه معايا. بس اللي يفرّج فوق كل ده، إن معايا ربنا. واللي معاه ربنا ما يخافش."
"ارتدع وبعد عنها. خلصت أكده."
وقام الرجل، وجبل يجلس مشلولًا. كان يأخذ أنفاسه بصعوبة. أحس بغليان لم يعلم ماذا يفعل. أحس أن قلبه سقف، وجسده يغلي.
هب وركب العربة واندفع يصرخ بقوة، حتى تمزقت أحباله. قاد العربة كالمجنون. كان يحس بشرايينه تسير فيها نيران كالهشيم.
عاد لبيته وصعد يندفع للحمام ويفتح الماء عليه، ووقف تحته بكامل ملابسه. ظل يقف ويخبط على الحائط حتى أحس أن يده ستتهشم. ركن على الحائط ينهج بشدة.
هتف لنفسه: "الراجل هياخد البت. الشايب هيتجوز البت. إيه ده؟ الراجل مصدق وبيجولي: ارتدع وابعد. وهي هتاخدها، وهتجف قدامي. يا جلبي اللي بيتمزق. للدرجة دي أكلت دماغك؟ جلبي هينشج. الراجل بيديني درس إني أبعد عنها. أبعد إزاي؟ ده أنا بغلي وما بعرفش أبطل أفكر فيها. أبعد إزاي؟ ونايم صاحي، كأنها سم انغرس في جتي. مخبول! هتجنن. الراجل بيجولي: هيجف لي، وياخدها، ويبعد. يتجوز، ويهنّي بيها. أحس بعصرة في قلبه. هيخد جمر ويتجوزها؟ دي آخرتها؟ تتجوز وأنا أعد أتفرج؟ هيخد البت بتاعتي."
أحس بقلبه سينفجر. سهم قليلًا، والكلمة تتردد في عقله: "بتاعتي؟ بتاعتي؟"
انتفض كالملسوع: "بتاعتك؟ بتاعتك كيف؟ أنت انخبلت يا جبل؟ مش دي اللي رمتك عشان الفلوس؟ تجول بتاعتك؟ أنت اتخبلت؟"
أيوه اتخبلت.
كان قلبه يعتصر.
هتف لنفسه: "لأ، ما بتحملش. ماهو راجل أهبل، أكيد كبير، والبت حلوة، وفايقة، وجمر. يا رب إيه ده؟ أنا حاسس بجلطة. أروح أموتها؟ هو معمول لي عمل. سنين بت الكلاب ما بسلاهاش، ولا بقدر أحوشها من بالي. واللي يجهر غلي، عمال يروح. بيروح ليه ده؟"
وبدأ في ضرب قلبه بعنف. كان فيه غل هنا، راح فين؟
هتف لنفسه: "كنت جاي نفسي أموتها دلوقتي. هتجنن عليها. طب إيه؟ هفضل مرار أكده، وآخرتها هتجنن، والراجل ياخدها. العجوز ده هيعمل بيها إيه؟ منك لله. وجاي يجولي: مصدق ومهبب. فكر، فكر. هتعمل إيه؟"
هتف لنفسه: "لأ، ما هسيبهاش تفرح، وتاخد، وتكبش. لأ، مش هقعد أنجهر، وهي تعيش وتصرف."
ظل يدور طوال الليل حتى تهالك، يشعر بتعب شديد في جسده، وهو عازم على أن ينهي تلك الزيجة بأي شكل.
دخلت قمر البيت تفكر فيما قاله عرفان. جلست وهي ساهمة.
ابتسمت: "مسعد حبيبي، حاسس بيا يا جلب أختك. بعت لي نجدة يا غالي. الله يرحمك يا جلب أختك."
ابتسمت: "هو ابتلاء... صح يا جمر؟ ممكن يكون ابتلاء، مش عقاب؟ ربنا أنتِ كنتِ صغيرة، هيعجبك السنين دي؟ أنتِ كنتِ غندورة ومغرورة، وما بتبصيش إلا للدنيا. أيوه، كنتِ مغرورة جوي بخلك وحالك، مفكرة نفسك فوق الكل. آه، هو أكده. ربك بيحبك كيف ما الحاج قال. آه، عشان ترجعي وتعرفي إن الدنيا فانية، لا دهب ولا مال. كنتِ تقدري تجيبي مال الدنيا، ودلوقتي لو حابة يجيلك مال، هيجيلك. بس ما عدتش في عينك."
تنهدت: "حاجة صح، والنبي يا حاج. وعجابي خلص، وارتاح. أخويا جاي ينجدني ويبعت لي دعوته."
تنهدت: "أرتاح كيف؟ وهو في حياتي؟ أعمل إيه؟ نفسي أطفش. هموت. جربوع بياكل جتي، وصاحبه بيقول لي: هيتجوز. يا مري! هيتجوز في البيت اللي حلمت بيه؟ أنا حاسة إني هنهبل. لساتك عشجاه يا جمر؟ لساتك؟"
هتفت: "أيوه عشجاه. بس عشج جبل القديم، ماهو ده. ده ما ينعشجش. أنا بخاف منه. جبل القديم كان حنين، وعيونه رايحة."
تنهدت وقامت تجلس مع ابن أخيها، تلتمس راحة منه.
هتف لنفسه: "أبوك قال لي: يا باسم، جه يبرد جلبي يا جلب خالتك. حاسة براحة. أول مرة أنام مرتاحة."
ابتسمت: "يا رب، نعمك كتير. آه، ما اعترضتش. أهو بقول الحمد لله على الابتلاء."
ولأول مرة تنام، ملمسة بعض الراحة.
في الصباح، ذهبت لعملها، فإذا بجميلة تعطيها بعض الملفات.
هتفت: "خدي يا جمر، الملفات دي. امضيها من جبل بيه."
هتفت قمر: "منين؟ هو ما جاش؟"
هتفت السيدة: "السواق هياخدك تمضيها. أصله تعبان جوي."
رجف قلبها، فسألتها بلهفة: "ماله؟ فيه إيه؟"
هتفت السيدة: "ما خبّرتش. بس السواق بيقول: تعبان جوي. حتى رافض يجيب حكيم."
تنهدت ونزلت من سكات، وذهبت إلى البيت. دخلت القصر، رجف قلبها. وقفت في البهو تتأمله، وتكلبش في الأوراق، لعلها تخفي نبض قلبها الصارخ من مكانه. تنهدت: "يا رب، صبرك عليا. نزلة يا رب، جدرني."
أتت الخادمة: "جبل بيه مستنيكي فوق. هو قال: لما تاجي، تطلعي له فوق."
تنهدت: "أطلع فين بس؟ إيه ده الحزن ده؟"
قامت وصعدت، ودقت على الباب ولم يأتِ رد. تنهدت، ودقت دقات أخرى. شعرت بالقلق، فدخلت، وجدته نائمًا على الفراش.
اقتربت وهمست: "جبل بيه؟ جبل بيه؟"
لم يرد. كان وجهه أحمر. اقتربت منه ومست وجهه، أحست بلسع. فهو قلبها. رمت الورق واندفعت تلمسه.
هتفت: "يا مري، دا والع فيه إيه؟"
قامت على الفور واستدعت السائق ليحضر طبيبًا، وعادت إليه.
ظلت تلمس على وجهه. فتح عينيه وهمس: "جمري."
رجف قلبها ودمعت عيونها.
هتفت: "يا رب، يا رب. كتير عليا أكده؟"
كان يهمهم ويتأوه. أتى الطبيب وأعطاه الدواء والإبر، وطلب أن يجلس بجواره أحد يداويه.
جلست هيا بجواره، تضع الفوطة على رأسه وتحاول أن تخفض حرارته. كانت تلمس على وجهه بحنان وتتأمله بعشق. فوجه حبيبها أمامها، ذلك الوجه الذي لم ولن تنساه.
كان ينام، وهيا ساهمة في وجهه. ركنت بجواره تتأمله وتبتسم. فهمست: "اتوّحشتك جوي. أقول إيه؟ جبل اللي عشجته نايم جدامي، مش التاني اللي راجع يجهرني. رحت فين أنت؟ رحت خلاص؟ أكده ما عدتش جواك حاجة من جبل القديم؟"
تنهدت: "وعايزة جواه يبقى ليه يا جمر؟ مالك بيه؟ يعيش حياته كيف ما يريد. ملست على وجهه: عايزاه يعمل بيكي إيه يا غلبانة؟ كفاية روح، عيش حياتك وافرح."
أحست بوجع، بس بيكرهني جوي، والغل جواه طافح. للدرجة دي راح، ما أعرفش أبص في عيونه الجديدة. الكره ما أتحمله. يا رب."
كان هو قد بدأ يستفيق، فسمعها تقول: "اللي جرالي كتير، والله كتير. خدت حقك يا ابن الناس، تالت ومتلت، وجمر شبعت وجع. ربنا رد لك حقك بأبشع طرق. لو تعرف هتفرح، والله هتفرح وتشمت بحالي اللي يصعب على الكافر."
وضعت يدها في شعره. ظلت تلمس عليه بحنان. كان يتحمل بأقصى درجة لمساتها وقربها.
هتفت لنفسها: "هيا بتجول إيه؟ حق إيه اللي خدته؟ وجرا إيه يا جمر؟ جولي ما جراش حاجة. بيكي إيه؟ مخبياه، وحارقك جوي أكده؟"
كانت مقتربة منه، ففتح عينيه. ظلت ساهمة، وهو أيضًا سهم في عيونها لفترة. لم يتكلم، وهيا انشلت مكانها، فعينيه ليست كارهة، زادت نبضات قلبها. كانت قريبة، وعينها ساهمة في عينيه.
إلا أنها انتفضت وابعدت. نظر إليها غاضبًا، وعاد لنفسه.
هتف: "بتعملي إيه هنا؟"
هتفت مرتبكة: "هاه... كنت... كنت جايبة الملفات تمضيها."
هتف: "وما سبتهمش ومشيتي ليه؟ الساعة كام دلوقتي؟"
هتفت: "إحنا المغرب. أنت كنت سخن، وما عرفتش أسيبك. جبت دكتور، وأداك دوا. قعدت أعمل لك كمدات وأراعيك."
صرخ فيها: "وتراعيني ليه؟ مالك بيا؟ إيه ده الحزن ده؟ حد كان جالك إني مستني منك مراعية؟"
هتفت بقهر: "كنت تعبان، و..."
صرخ: "تعبان ولا أولع؟ مالك بيا؟ أنت أنا أموت ولا أنت تجربي مني وتداويني؟"
كان منفعلًا، فبدأ في السعال.
هتفت بوجع: "طب بالراحة، أنت تعبان والدكتور قال."
هتف بغضب: "مالكيش صالح بتعبي، فاهمة؟ ولما تلاقيّني بموت، ما تمديش يدك تاني."
صرخ: "هاتي الزفت أمضيه وغوري."
هتفت: "لأ، ما هاجيبش. أنت تعبان. بطل. الدكتور قال."
صرخ، ومد يده، فوقعت عليه.
هتفت: "يعني أموتك وأرتاح؟ هاه؟ جاية تقعدي جاري ليه؟ مالك بيا؟ أنت متعودة على قعدة الرجالة؟ مالك بيا؟ أنا مش منهم، ولا هكون."
تلوت بين يديه.
هتفت: "أوعى. أنت انخبلت؟ بقول لك كنت متهبب وسخن، أسيبك؟"
كانت تركن عليه، وهو يمسك يدها ويعتصرها.
هتفت: "أيوه، سيبيني. أنا أموت ولا أنت تنجديني يا بت حمدان."
كانت مغمضة. زقربه أكل قلبها. فتحت عيونها بالم، وعيونها تشع حنانًا. لأول مرة تتمنى أن يظهر حبيبها. همست بحنان: "جبل."
كان هو في تلك اللحظة لفظها لاسمه بتلك الطريقة، جعل قلبه ينبض بقوة، وبدأت يده ترتخي، وهيا قريبة منه. أحس أنه سيموت من ذلك القرب. أراد أن يحتضنها ويعتصرها بين يديه. مد يده إلى خدها لا إراديًا، يداعب خدها بحنان، وعيونه انغرست في مقلتيها، ودقات قلبه بدأت تتصاعد. كانت أنامله تسير على وجهها بحنان، خلع قلبها، إلى أن لمس شفتيها، فانتفضت مرتبكة، تبتعد.
تنهدت وهتفت: "إني، إني هقوم... أجيب لك أكل عشان تاخد الدوا."
شعر بالجنون، وانتفض، ونهر نفسه على ذلك الضعف. فهب من مكانه، ومسكها، وصرخ: "أنت يا بت مخبولة؟ جاية تتنحنحي وتجربي؟ إيه الجرف ده؟ ما بتخفيش؟"
"وكل إيه اللي هتطفحه من يدك؟"
كان يصرخ ويعتصر يدها، فشعر بدوار شديد، فترنح. فاندفعت واحتضنته.
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ميفو السلطان
ترنح جبل وشعر بدوار. اندفعت علي الفور تحتضنه، فمسك فيها وركن عليها.
همست بلين: "تعالي ارتاح، أنت تعبان."
تناست هيا أي شيء وكل ما تفكر به صحته. ذهبت به إلى الفراش وأراحته ودثرته.
فهتف بصعوبة: "غوري من هنا."
تنهدت وجلست. "ما هببش إلا أما تبقى منيح."
صرخ: "مالك بيا يا جبل؟ ما بتحسيش؟ دا مرار، مش طايق خلقتك العفشة."
تنهدت: "هنزل أجيب لك وكل..."
أحس بالجنون. "هيا ملبوسة وكل إيه اللي هطفحه من يدها."
شعر بالوهن وأغمض عينيه. "نفسي أقوم أرزع دماغها في الحيط. ما قادرش. الهانم اللي عايزة تتجوز يا مري، جاية تجاهرني. ما لحقتش أهدي، بلفلف في الشوارع عشية والصبح تجاهرني. وكل شوية "خدت حجك وخدت طين على دماغك". ما أخدتش حاجة. مش عارف أفكر أعمل إيه. حتهبل. رجالة البلد، منك لله يا بعيدة. أروح لمين؟ يطلع لي العمل اللي مغروز في جثتي. يا جهرك يا جبل."
عادت هيا ومعها صينية. كان مغمضًا يشعر بالتعب. جلست بجواره ففتح عينيه والغضب ينهشه.
هتف: "برضك ما فيش فايدة. أقوم أرقدك."
ضحكت، فهو يبدو كالاطفال.
صرخ: "أنت بتضحكي على إيه يا طينة انت."
تنهدت: "كل الأكل وهمشي."
هتف: "مش متهبب، وجومي غوري في داهية."
نظرت إليه وربعت يديها. "جبل، أنت عارف جمر زين، ما هقومش."
صرخ: "إني مش عارف طين ولا فاكر حاجة. كانت عفاشة وراحت."
أغمضت عيونها وتنهدت. "طب كل طيب، همشي على طول."
فشد الصينيه وبدأ ياكل. كانت يده ترتعش ويوقع نصف الأكل عليه. اقتربت ومسكت يده بحنان وأخذت المعلقة وبدأت تطعمه.
فهتف: "مانشلتيش لسه؟ أما أبقى أنشل حتى ما هاخدش منك حاجة."
إلا أنها وضعت المعلقة في فمه عنوة. فنظر إليها بحرقة. ظلت تطعمه وهو يتأملها. بدأت ملامحه تلين وسهم فيها. ينظر إليها، فلانت ملامحه الغاضبة تمامًا. وهي لا تجرؤ أن تنظر إليه. "هتتجوزي خلاص. دي آخرتها تبقي بتاعة حد تاني. آخرتها."
أحس بنار في جوفه. هتف مندفعًا بحرقة ودفع الصينية دون قصد. "هتتجوزي خلاص."
وقع طبق الشوربة على يدها فصرخت. "هب!" ومسك يدها بلهفة. "إيه؟ إيه؟ حرقتك؟ معلش، ما كانش قصدي."
أغمضت عيونها. ورنة لهفته بداخلها تدبحها. همس: "مالك بتوجع؟ طب." وقام بصعوبة واتجه إلى الحمام يتسند الحائط.
فتحت عيونها. قامت مسرعة. "رايح فين؟"
هتف: "هجيب لك مرهم." ودخل الحمام.
دخلت وراءه. مسك يدها ووضعها تحت الماء. كان منحنيًا، عيونه منصبه على حمار يديها. وهيا تنظر إليه بعشق.
همست لروحها: "جبلي هو ده، جبلي. حاسة إن جَلبي هينخلع."
أخذها وعاد بها وجلس على الفراش متعبًا. ومد يده يمسكها.
ارتعشت وبعدت يدها. "لا، هاتها. هعملها."
هتف بنبرة أمره: "بطلي واهدي."
تنهدت بغلب. وبدأ هو بوضع الكريم بروية على منطقة الاحمرار ويمسدها بنعومة. تنهدت وهمست: "خلاص، خلاص."
إلا أنه مسك يدها بقوة. وقلبه لم يعد يحتمل. فهتف مرة أخرى: "هتتجوزيه صوح؟ هتتجوزي؟"
انصعقت من منظره وغضبه وضغطه على يدها. ألمها. فهتفت: "أتجوز."
قال بغضب ودفع يدها: "إيه؟ فاكرة إنّي ما أعرفش؟ جبل ما فيش حاجة بتتخفى عنه."
ابتسمت بسخرية. "صوح؟ والنبي ده حاجة جميلة."
هتف غاضبًا: "بقولك هتتجوزيه؟ الشايب ده؟ هتتجوزي الشايب ليه؟"
نظرت إليه وهتفت: "عرفان."
هتف: "هو الحاج اسمه عرفان؟ اسم مش على مسمى. هيقدر عليكي؟ انت دا مرار."
تنهدت وصمتت. فصرخ: "هتتجوزي شايب يا جمر؟ هي دي آخرتها."
لم ترد. أثرت الصمت. فقد كلت من تجنيه. فاندفع بحرقة: "هيدفع كام؟ جولي."
أحست بغضب. لم تعد تحتمل. فصرخت: "مالك انت؟ يدفع ولا ما يدفعش؟ يخصك في إيه؟"
هتف بغل: "ما يخصنيش. إني هيخصني ليه؟"
تنهدت وصمتت. وهو يغلي. فهتف: "هتتجوزيه؟ ميتة؟ انطقي."
نظرت إليه بذهول: "مش بتقول ما يخصكش؟ عايز تعرف ليه؟"
هتف: "إنت يا بت، مالكيش رابط؟ مالكيش حد يلمك؟ إيه؟ متساب؟ أبوكي الأبله طلقك أكده؟ بس أقول إيه؟ زماناتكم فرحانين بالفلوس اللي هيكبها عليكو. ماهو راجل أهبل. وأكيد اتغندرتي قدامه."
نظرت إليه وهتفت تكيده: "وماتغندرش ليه؟ عوجه ولا مشلولة؟ داني جمر يا جبل، والا نسيت؟ جمر النجع. زجت ما أحب اتغندر. الوح بلد."
فصرخ وخبطها بالمنشفة: "تتغندري لراجل شايب؟ يا جادرة! انت إيه ده؟ منك لله."
هتفت ببرود: "راجل زين وطيب وحنين."
هتف بسخرية: "زين؟ والله؟ دا ما قادرش يقوم من مكانه. دا حاجة حزن."
تنهدت وهتفت مبتسمة: "إني راضية."
هتف بحرقة: "راضية؟ راضية؟ آه طبعًا عشان فلوسه صوح. آه، ماهو معاه. متريش هتكبشي منه؟ دايمًا عينك على الفلوس."
هزت أكتافها. فهب: "هيديكي كام؟ جولي."
هتفت: "والله هو قال هيجيب لي الدنيا."
شعر بنار في جوفه. "يجيب لك الدنيا؟ هو واجع أكده؟" سهم بحرقة يأكل نفسه. "أيوه، ماهي جمر تاخد العجل. أعمل إيه دلوك؟ الراجل الشايب هياخدها."
هتف غاضبًا: "لو مفكرة إنك هتتجوزيه، تنسي. هو مفكر إنه قوي وهيقدر يتمها؟ دا بعده. دا شعره ما فيهوش شعراية سودة. على أيامه والكين."
نظرت إليه بذهول: "وأنت شفته فين؟"
ابتلع ريقه: "هاه؟ شفته؟ شفته؟ إنت مالك؟ أيوه شفته."
قطبت جبينها: "إنت جيت ورايا يا جبل؟"
صرخ بحرقة: "أيوه جيت. أيوه مفكراني هسكت وأسيبك طايحة تتجوزي بسهولة."
هتفت بغضب: "وإيه اللي هيمنعني؟"
هتف بإصرار: "إني همنعك. إنت مفكرة إنك هتضحكي على الرجالة؟ كل واحد شوية وترميه. والراجل يطب فيها وتورثيه صوح. إني شوفته. شكله أهبل ومصدق. بس إني وعيته وفطمته ومش هسكت."
نظرت إليه: "وعيته وفطمته؟ جولتله إيه يا جبل؟"
دمعت عيونها ونظرت إليه بوجع: "جولتله إيه؟ انطق."
"جولتله إني بتترمى على الرجالة صوح."
"هو إني قدامك عفريت أكده؟"
صرخ: "عفريتة! إنت شيطان! إنت واحدة غدارة. ماينفعش تتسعدي في الدنيا دي. إيه؟ ما كفاكيش اللي عملتيه فيا؟ هاه؟ عايشة؟ تاخدي وترمي؟ دا حتى اللي سبتيني عشانه رمتيه. متعودة ترمي. بتغيري فينا يا بت حمدان؟ ما بتخجليش واصل."
"إنت كيف الشيطان، حية، بتتلون. تلف على الراجل من ده يحس بيها حواليه. تعصره. بعد أكده تخرج جلبه من جواته. عارفة يا جمر؟ بعد ما سبتيني حسيت إني بتنفس. أيوه. لإن عرفتك على حقيقتك. جبّاضة أرواح. تاخدي النفر من هنا تمصي دمه وتسيبيه. عايزاني أسيبك تمشي توقعي ده وده؟ لاه تنسي إنّي هفضل زي العمل الرضي في حياتك. أوريك أعمالك آخرتها إيه."
نظرت إليه وهتفت: "إنت اتوجعت جوي أكده؟ يا خسارة! كنت فاكرة إن جبل عمره ما يتغير. كنت حنين. جرى لك إيه؟"
هتف غاضبًا: "جرالي؟ لاه بسيطة. تعالي انتش جلبك من جواتك وامزعه. وأجي أقولك جرى لك إيه. تعالي أعيشك حلم بتحلمي بعيلة وحبيب. ويطلع الحبيب غادر. تعالي أعيشك أيام الوجع بينهش وينخر زي الدود. ماهو حب مدود يجرف. كنت هنهبل. أيوه. بصيلي كويس. شوفي آخرة عمايلك. عشت أيام سودة. يوم ما سبتيني على الأرض راكع. ذلتيني. وأني جَلبي بينخلع. قعدت أعايط زي النسوان. حولتيني لجدع. خرج بيت يجرف مذلول. مستني الغندورة ترجعلي. وآخرتها ألاقيها بتنجي الدهبات. عيشتيني أيام ما كنتش بتنفس. انجهرت. وأيامي اسودت من الحزن. أمي ماتت. ما لقيتش حزن زيادة يخش جوايا. كان جَلبي معبي الحزن كله. بقيت ماشي مبطوح. أفكر أقول عملت إيه في دنيتي عشان أحب جوي أكده."
كانت هيا دامعة تشعر بالوجع. تتمنى لو تخبره. ولكن ماذا يفيد؟ لا تريد شفقة. وتتمنى أن يكمل في كرهه لها.
أكمل هو: "بس إني نشفت. وربنا من عليا بأن أعرف أخرجك من جَلبي. وفوق ده الكره يخش مكانه."
هتفت بوجع: "دا مش كره. دا غل يا جبل."
هتف غاضبًا: "أيوه يا جمر. إني بكرهك والغل جواتي طايح. ومني عيني أشوفك مذلولة. ما حد يبصلك. ما تنفعي لصنف راجل."
تنهدت وابتسمت. فهي فعلاً لا تنفع لأحد. هتفت بهدوء: "طب لو عرفت إني ما أنفع؟ هتعمل إيه؟"
هتف: "هحس إن جبل خد حقه. وحق الرمية اللي رميتهاله. ولحد موتي بدعي عليكي. تعيشي عيشة سودة."
أحنت رأسها وابتسمت. "أعيش عيشة سودة."
صرخ: "نفسي جلبك يفضل محروق وعيشتك طين. ما تفرحي. كل يوم بدعي عليكي. بس لاه؟ مش عشان زعلان. خلاص. الزعل راح. وجه مكانه حد يفرحني."
أحست بذبحة في صدرها. "يا ترى وانت شايفاني أكده ندمانة؟ أكيد زماناتك بتقول كت صبرت. أكبش من فلوسه."
أحنت رأسها. تنهدت وقامت ودثرته. وهتفت: "يلا نام، أنت تعبان."
نظر إليها مذهولاً. شدها إليه وهتف: "إنت مالك باردة أكده؟ ما تخافيش من ربنا واصل. إنت إيه يا شيخة؟"
حاولت أن تشد يدها. إذا بتليفونها يرن. تنهدت وابتعدت. فوجدته الحاج عرفان. ارتبكت.
هتف غاضبًا: "إيه؟ مين؟ الشايب بتاعك بيتكلم؟ بيطمن؟ جولي له إنك قاعدة مع جدع. خليه يشوف نسب الحزن."
تنهدت وابتعدت لطرف الحجرة. وظلت تحدثه. كان يطمئن عليها. همست: "تسلم يا حاج. ما أعرفاش من غيرك كنت هعمل إيه في حياتي. أنت حنين جوي. ربنا يخليك."
قام جبل وسمع كلامها. وشعر بالقهر. اندفع واحتضنها. فانتفضت. وهمس بجوار أذنها: "جولي كمان. وسمعني حنيته واصلة لفين."
كانت تتململ. فازاح مشبك شعرها ووضع رأسه في شعرها. أحس بالجنون. هتفت: "خلاص يا حاج، هفكر. معلش. أصل ما أقدرش أتكلم."
فهتف: "أصلها متحضنة يا حاج. إني ببوسها يا حاج."
خبطته بعنف. ضحك وهتف: "خلي بالك يا حاج. جمر لما بتبقى حرانة، ما تقدريش عليها. يا غلبان."
كانت تزيل بيده من على جسدها. وهو شعر بأنها تخصه. وأراد أن يفتعل فضيحة. وهيا تضربه.
هتفت هامسة: "بعد. عيب أكده. اختشي."
قال عرفان: "مالك؟ معاكي حد؟ أسيبك؟"
هتفت: "هاه؟ لاه يا حاج. ما معييش حد. إني بس."
شهقت عندما أدراها وأنهال عليها. وهيا تشعر أنها ستموت. ووقع التليفون منها. وهو يتحكم فيها بقوة. وينهال عليها. وهيا لم تعد قادرة أن تصلب نفسها. تجلد واحتضنها. وقلبه سيخرج من مكانه. "متخيلة؟ هيجرى إيه؟ هيبقى معاكي أكده؟ دا جَلبه هيجف في لحظة."
دفعته. ونزلت تلتقط الفون وتعتذر للرجل. وهو يقف ينظر إليها يتأملها. "هتكوني ليه؟ كيف؟ ما ينفعش. ما هيقدر عليكي. إنت فرسة. عايزة اللي يعيشك الدنيا."
كان يتأملها بحرقة. وقلبه يغلي من فكرة أن تكون لرجل. قطب جبينه: "مالك؟ إنت يا حزين؟ تعيش ولا تتهبب؟ ربنا يأخذك. بتفكر في إيه؟ يقدر ويتهبب."
هنا أنهت تليفونها. واستدارت غاضبة. "إنت واحد قليل الحيا. ماشفتش ترباية. إنت اتخبلت؟ عايز تفضحني؟"
اقترب منها. شعرت بالخوف. وهتف: "أفضحك مين؟ إني..." اقترب وركن عليها. وهيا مرعوبة ترتعش. ظل يتأملها. "بتترعشي ليه أكده؟ أصحك؟ تجولي جبل لساته بيأثر في جمر."
رفع يده إلى رقبتها. فصرخت بخوف: "بعد."
رفع حاجبيه: "إيه ده؟ خايفة؟ والا إيه؟" ابتسم وعيونه لمعت. "جديدة دي. يكونش جبل لساته موجود."
نزل بوجهه أمام وجهها. "دا ساعتها الدنيا هتتغير. والفرح هيخش جَلبي بزيادة."
نظرت إليه ورجف قلبها. ونظرت إليه بوجع. ظل يتأملها. وابتسامته تتسع. "دا صوح عالاخر. جمر لساتها بتحس. شايف جوه عيونك. حاسة بيا وبجَلبي؟ يا فرحك يا جبل! وبياثر فيها."
احتضنت نفسها بوجع. ضحك. "لتكوني فاكرة إني فرحان إني باثر فيكي؟ لاه خالص. بس فرحان إني باثر فيكي وانت ما هتطولنيش. جدامك راجل يبص لدي ودي. ولا يبص ليكي واصل. هاه؟ جمر اللي الخلقة كانت بتموت عليها؟ ما هتعديش على عين الجبل."
أحست بنار داخلها. "ماذا لو عرف ما بها؟ سيقف ويتبجح ويذلها." دمعت عيناها. فابتسم: "إيه ده؟ دا صوح؟ يا دي الهنا." ووضع يده على قلبها. "جلبك بيدج كيف الطبل؟ ليه أكده؟ ما صدجش."
نزلت دمعة من عينها وهمست: "بعد بقى. حرام عليك."
التصق بها. فارتجفت. ورفع وجهها. "بصيلي في عيوني. شايفه إيه؟"
هتفت بقهر: "ماشيفاش. ما عادش حاجة تتشاف."
هتف: "عليك نور. ما عادش حاجة جوه. أهنه؟ يدي على جلبك بيصرخ. وعيونك شايف فيهم شوك. بتحاولي تخفيه. وحاسة بس اللي حاصل دلوقتي. إني قريب. جبل قريب من روحك. بس هتفضلي تبصيلي من تحت. وعيونك لفوق عليا. وجلبك بيدج. خليه يدج يا جمر. حسرة عاللي سيبتيه. خليه يدج. هوان. وعيشة توجع. وشوك لحاجة ما هتكونش ليكي."
هتفت بقهر: "إني ما عايزاش حاجة."
مسك وجهها بعنف: "اخرسي. بطلي كدب. جتتك بتترعش بين يدي. جتتك هتموت عليا. حاسسها. راحة فين؟ إنتى تتجوزي الشايب ده ليه؟ هيبسطك؟ هتحسي بجتتك أكده بتتنفض كيف دلوك؟ دانت في ثانية رحت مني."
همت أن تدفعه. فمسك يدها على قلبه. فارتعشت. "عايزة تبعديني يا جمر من حياتك؟ وتعيشي؟ لاه. ما هيحصلش. إنت بعدتيني مرة. وما هيحصلش تاني. بس هفضل في حياتك عذاب وبس. تتحسري على اللي كان في يوم حبيب. هكون جدامك كل لحظة وكل ثانية. أخلي جلبك ده ينعصر. ما مصدقش فرحتي وانت بتتنفضي بين يدي."
صرخت وأبعدته: "إنت واحد مخبول وبتتوهم حاجات. روح يا غلبان. ال بين يدك وبين زفتك روح نام. باينك سخنان." واستدارت مسرعة تلم الطعام وتنزل من أمامه.
وقف هو هائجا. "بقي أكده. إني سخنان يا بت حمدان. ماشي. عموما هنشوف. إنت بتحسي كيف الخلقة؟ والا الجثة ماتت؟ لو صوح اللي حاسة، ما هسيبهاش. هفخخ الجوازة وأعيشها مرار ما حدش عاشه. لو فعلاً حاسة بحاجة."
عاد إلى الفراش وركن عليه وشعر بالتعب. وإذا ببنت خاله تتصل. دخلت قمر مرة أخرى تعطيه الدواء. فسمعته. "أيوه يا نادين حبيبي. معلش والله تعبت. لا ازاي أقدر؟ أنا ليا مين غيرك."
كانت تقف تشعر بالوجع. هتف: "أنا فعلاً يا نادين كنت أهبل. أسيبك تروحي من إيديا. وجريب خالص هنكون مع بعض. تيجي تنوري القصر. نعلن الخطوبة. حاضر. هاجيلك ونتفق."
كانت تقف دامعة. "هيخطب خلاص. يا رب اربط على جَلبي. آآآآه يا جَلبي."
أنهى التليفون. ونظر إليها وضحك: "أي محصورة؟ إياك؟ إني هخطب."
هتفت وهيا تضع الدواء: "محصورة ليه إن شاء الله؟ وزي ما أنت هتتجوز، إني كمان هجوز."
مسك يدها بغضب: "بس افرج. إني هتجوز غندورة. وانت هتتجوزي راجل شايب. ماينفعش."
نظرت إليه وهتفت: "مين قال إنه ماينفعش؟ إني جربت الصغيرين طلعوا ماينفعوش بالجوي." ونظرت إليه ساخرة.
لوي ذراعها: "لمي نفسك بدل ما أجيلك."
شدت يدها: "يلا خد الهباب ده عشان أغور." أعطته الدواء واقتربت منه ووضعت يدها على رأسه. فوجدته ساخنًا. فهتفت غاضبًا: "أهوه السخنية رجعت. عشان تبقي تسيب فرشتك. دا مرار."
هتف غاضبًا: "مالك بمراري؟ غوري بقى."
نظرت إليه غاضبة وذهبت لتأتي بطبق مرة أخرى. "اقعد بقى بلا حزن. الدكتور قال لازم السخنية تنزل." واقتربت وبدأت تضع له الفوطة. فرماها جانبا. فقامت. وكلما وضعتها يرميها. فهتفت: "ما تسكت بقى الله! عشان أمشي. دا حزن إيه ده؟"
نظر إليها وأغمض عيونه وتنهد. كانت تنهيداته قاتلة. فهتف: "أما أغمض. أشوف يومك الأغبر ده. ما عادش متحمل أشوف خلقتك."
فضغطت عليه بالفوطة. ففتح عيونه غاضبا: "اتلمي بدل ما أقوم أرقدك. إنت عايزة تنضربي."
نظرت إليه ساخرة: "أنضرب ليه؟ إن شاء الله كنت أبويا ولا أخويا."
هتف: "أبوكي المكحكح؟ والا أخوكي اللي مات محروق وارتاح منك ومن عمايلك."
أحست بوجع ينهشها. فصرخت: "مالك بأخوي؟ هاه؟ مالك بيه؟ شماتان إن أخوي مات؟ كمان! إنت إيه يا أخي؟"
نظر إليها مذهولاً: "تصدقي؟ ما لقيتش كلام أقوله. كمية عفاشة في دماغك تكفي بلد. هشمت في أخوكي الميت ليه؟ إني لو هشمت؟ هشمت فيكي وبحالك اللي يجطع الجلب. بخت كنت انتي مكانه. وانساب لعيلة الغلبان. حاجة تجرف. ولو إن ده مش كفاية. بتمنى يكون صابك حاجات تانية تجهر. تخليني أشمت. عن حق ساعتها أجيب صاجات وأشمت. يا بت حمدان. وأتشافى فيكي. وفي أي مصيبة أو وجع يطولك."
نظرت إليه دامعة: "يعني ما تصعبش عليك يا جبل؟ لو فيا مصايب."
ضحك: "تصعبي؟ مين ده؟ داني هدور بصاجات. أعرف الخلقة مصايبك. واللي حط عليكي. وأقول ده بسببي وبسبب دعائي عليكي."
نظرت إليه وأشاحت بوجهها: "أقول إيه يا ربي. فاكر إن ما حصليش حاجة. وإني الحزن كله فيا. عايز يشمت ابن العيزازة."
"آه يا جلبك يا جمر."
هتفت بوجع: "الورج عايز يتعمل."
هتف: "قومي في داهية. ما هعملش أوراق."
لم تعد تحتمل. "ما خلاص بقى. اتلم في يومك الطين. إني سكتالك من الصبح."
نظر إليها بغضب: "كنك بتعلي صوتك عليا صوح."
صرخت: "ما بعليش. ما بعليش." كانت تصرخ عن آخرها. ثم صمتت فجأة. واشاحت بوجهها.
قامت ولمحت اللاب توب تبعه. فقالت: "آهه هفتحه عشان أجيب الملف الرئيسي ونخلص من القعدة الهباب دي. جولي... كلمة السر إيه؟"
ظل ساهما. وأشاح بوجهه.
هتفت: "ما تقول كلمة السر إيه؟ عايزة أتهبب. أمشي. آخد الورق."
هتف بجمود: "جمر."
تجمدت. واتسعت عيونها عن آخرها. ورجف قلبها. "إيه؟ بتقول إيه؟"
كانت يدها ترتعش. ولاحت شبه ابتسامة على فمها. هتف بسخرية: "إيه كلمة السر؟ جمر؟ مستغربة ليه؟" ضحك. "لتكوني فاكرة إنه عشق. وإني حاطط اسمك أهنه؟ حب؟ والا بفكر في اللي فات؟" ضحك عن أخره. "لاه. داني حاطه عشان غلي ناحيتك. ما يروحش. كل أما أنسى. أفتكر. كل أما حاجة ترجعني. أعلى وأعلى. اسمك محطوط أهنه. لحد ما تبقي ممسحة. ما عادش تنفعي للدنيا واصل."
أحنت رأسها ودمعت عيونها. وفتحت اللاب. "هو إني هفضل أكده لحد إمتى؟ إيه مرارة النفس دي؟ إني هسيب الشغل. أيوه. هدور على شغل. خلاص. ما عادش قادرة."
تنهدت. "ابتلى يا جمر. ده ابتلى. جولي الحمد لله." مسحت دموعها وابتسمت. "الحمد لله. راضية يا رب. وببتسم. آهه. ومستنية دعوة أخوي تتحجج. أيوه."
ظلت ساهما. لتستدير. فوجدته نائما. طرفت بعينيها. ونظرت إليه. قامت بهدوء. همست بلين: "جبل؟ إنت نمت؟" جلست بجواره. وظلت تنظر إليه بقهر. كان العشق كما هو. لم ينقص ذرة. بل زاد بلوعته. وتجسدها أمامه. وضياع حبيبها نهش قلبها.
اقتربت وهمست في نفسها: "أعمل إيه؟ نومتك وعيونك أكده مجفولة. شايفه جبلي القديم. لما بتفتحهم بخاف منك. والله بخاف. يا رب إيه ده. تعبت."
جلست بجواره وركنت. أغمضت عيونها لوهلة. تعيش حلم جميل. تعيش لحظة حالمة مع حبيبها. ودنيتها التي ضاعت. كانت تتلمس وجهه. ومدت يدها تغوص في شعره. "عايز تشمت فيا؟ عايز... آه لو تعرف اللي بيا. هتشمت وتجيب ناس تشمت."
مسحت دموعها. "لاه. وبقي حاسس باللي جوايا ناحيتك. والله نار بتنهش جواتي. فرحان بيه. بس مش فرحان بيه تاخده. فرحان بيه تذل وتجهر." نظرت إليه. فوجدت ملامحه لينة. اقتربت بهدوء. وداعبت خده بحنان. واقتربت أكثر تتأمل ملامحه اللينة. اقتربت من وجهه وهامت في ملامحه. ابتسمت بهيام.
ففتح عينه مرة واحدة. رأى ما رأى. ارتاعبت وابتعدت. اندفع وقلبها بعنف. و...
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل السادس عشر 16 - بقلم ميفو السلطان
كانت قمر تلمس وجهه وعيونها تفيض بالمشاعر.
فتح جبل عيونه مرة واحدة ونظر في عينيها. انتفضت وحاولت أن تبتعد، كلبش فيها بقوة. كانت ترتجف وهو في حالة هياج من فرط مشاعره. ومما فعلت، ظل ينظران إلى بعضهما وقلوبهما تصرخ. كان ينهج بشدة، فعيونها قمر التي خلعت قلبه.
همست بقهر: "ما تمدش إيدك عليا، سيبني."
"بعد، أوعى. فيه إيه؟" عاد لنفسه على الفور.
هتف ساخرًا: "فيه إيه؟ دا فيه وفيه وفيه. إيه أنت؟" ابتسم بسخرية وهو قريب منها، وهي أحست أنها ستموت.
هتف بخبث: "عاجبك إني صوح؟ دا طلع بحج وحجيجي وجمر عينها لساتها على الجبل. بتملسي عليا وأنا نايم؟ حاسس ببطني جلبت للدرجادي؟ بجيتي رخيصة يا بت حمدان."
تجمدت مكانها وقد انشق قلبها، فصرخت: "بعد، بعد."
ضحك وهتف: "أبعد، هو أنا كنت جربت ولا حسست؟ واحدة وبتحسس على راجل غريب، إيه اللي بقيتي فيه ده؟ يا مري، الحاج عرفان عارف إنك بتحسسي على الرجالة يا جمر؟ أكلمه دلوك وأجوله الهانم اللي انت عايزها بتحسس عليا."
تجمدت.
"تكلم عرفان؟" هتف ضاحكًا: "أيوه، الراجل اللي عايز يتجوزك. الشايب. جولتي هتاخديه ليه صوح؟" ضحك: "عشان الفلوس، واضح. هتاخديه ليه يعني؟ وعشان أكده مش مكفيكي وجاية تحسسي عليا؟ إيه هتتجوزيه وتدوري تجيبي جدع يكفيكي يا بت حمدان؟"
صرخت: "بعد منك لله، بعد، أنت بقيت شيطان."
هتف بسعادة: "لاه، أبعد إيه؟ دا ماعتش بعد واصل. إلا أنا من فرحتي هنهبل. داني هجرب وأجرب مالهانم اللي بتوجعه وبتحسس عليا. رايداني جوي أكده، مجهورة جوي أكده. أنتِ بقيتي أكده إزاي؟ جرف! أنت جرف!"
كان يتحسس جسدها، وهي تشعر أنها ستموت قهراً. انتفضت وابتعدت.
"أنا بكرهك، بكرهك يا جبل وبكره اليوم اللي شفتك فيه. أنت إيه، ما بتحسش؟ عايز إيه منك لله؟ ماتنسى بقى، أنا تعبت منك."
قام واتجه إليها، فصرخت: "كفاية بقى، حرام."
نظر إليها بشماتة: "كفاية؟ كفاية إيه؟ دا أنتِ جيايلي على طبج من دهب. الهانم بتملس وتبوس. لساتها عاشجة جبل؟ ولا دي رغبة؟ ماعتش عشج، مانتِ ما بتعرفيش تعشجي. إيه؟ رغبة صوح؟ فتحت عيوني لجيتك واملاني بعيونك. عايزاني يا جمر؟ نفسك فيا؟ بتتحسري على حالك؟ مانتِ هتاخدي الشايب، تعملي بيه إيه؟ ماهيكفيكيش فرسة زيك عايزة جدع."
ضحك عالياً: "يا فرحتي يا جبل."
اقترب وشدها، فصرخت: "بس الجدع اللي بتملسي عليه ده جرفان من شكلك، ولا هيكون ليكي. هتنكوي بالنار وأنتِ هتموتي عليه." شدها واحتضنها. "حسي بيا أكده وحسي بجتتي. خلي نارك تجيد جواتك، بس آخرتها لوحدك من غير ونيس. فرشتك فاضية، بتحرج جتتك وتنكوي عاللي كان يوم هيسعدك وهينننك. بس أنتِ صنف نجس، مابيطمرش. موتي في جربك يا جمر، وأني بقى من اهنه ورايح هحسسك بيا وأموتك جدامي ألف مرة."
دفعته ونظرت إليه بقهر.
"عارف يا جبل، بتمنى دلوك من قلبي وبدعيلها ربنا ياخدني عشان الوجع طفح وزاد." واستدارت مقهورة، تشعر أنها ستموت، فهو عرف تأثيره عليها.
اندفع يشدها.
"وجع إيه؟ أنتِ بتتوجعي؟" وركنها وظل يتأملها. كان يشعر بالانتشاء والسعادة أنه مازال يؤثر فيها. كان قلبه يحترق قبل ذلك، ولكن الآن خفقات قلبه تصرخ أنها ممكن أن تكون له شيئاً يسعده ويسعد غروره.
همس: "بصيلي، بصيلي، بصي ووريني عيونك."
فتحت لجيتهم نار تكوي الجلب. لم تعد تحتمل، دفعته.
"ونظرت إليه بعيون ميتة من الوجع."
فصرخ: "بتكتمي نظرات صوح؟ مفكراني مش حاسس صوح؟" نظر. "لاه، بتكذبي. أيوه بتكذب. أنا هعرفك أنتِ إزاي حاسة، هعرفك."
مرت عدة أيام ولم يأتِ العمل، وارتاحت هي من عدم وجوده. وكانت مضايقات صديقه أمير وتجاوزاته تزداد.
أتى يوم كانت تدخل لتجد هرج ومرج، كان الكل يقف، فتجمدت حين وجدت جبل يقف محتضناً تلك الفتاة، والكل يبارك ويهنئ، فقد أعلنا خطبتهما. شعرت بنار داخلها. استدارت مسرعة للخارج، تشعر بقهر. دخلت الحمام.
"إيه؟ إيه؟ هتموتي يا بت حمدان؟ هتموتي عليه؟ جلبك هيموت؟" صرخت بقهر. "ماهواش جبل، ماهواش، ده واحد تاني. بيكرهك، اكرهيه زي ما بيكرهك. جلبك بيتعصر ليه يا بت حمدان؟ آآآه، جلبي انهرى وجع. مش كفاية أكده؟ هتبقي في حضنه ومعاه وتتهني ببيته؟ هتفرح بيه وأنا الجهر واكلني. هو أنا استحج كل ده بالجوي؟ يا رب، ماتخليهوش يشمت فيا. ده مش جبل، ماهواش. ما تحمِّلش شماتة منه."
مسحت دموعها، عادت إلى الداخل والكل يقف. تقدمت ببرود وهتفت: "مبروك يا جبل بيه، عجبال الفرح الكبير والفرحة الكبيرة."
شعر ببعض الغضب، ولكنه ضحك عالياً: "آه طبعاً، هشوفها. أبقى ساعتها تعالي باركي." واستدار وأخذ الفتاة ورحلا.
علمت أن الخطبة بعد يومين. مر اليوم وعاد هو واستدعاها، قائلاً: "تعالي معايا." ونزل بها، وهي تشعر بالغلب، لم تعد تحتمل ما يفعله بها.
فهتفت: "إحنا رايحين فين؟"
قال: "شغل، شغل. هديكي عليه فلوس بزيادة."
نظرت إليه ولم تتكلم. وصلا إلى محل كبير، قطبت جبينها، فكان محل مجوهرات فاخر. هتف أمرًا: "انزلي."
نزلت ودخلت معه. جلس هو وجلست منكمشة بجواره، وهو منتفخاً وواضعاً قدم على قدم.
اقترب الرجل: "جبتلك أحسن تشكيلة زي ما جولت يا جبل بيه. بعت جبتهم من مصر."
نظر إليها وأشار للعلب وهتف: "نجي اللي يعجبك."
نظرت إليه قاطبة: "إنجي؟ إني إنجي؟"
هتف مبتسمًا بلين: "أيوه، نجي يا جمر اللي يعجبك."
هتفت بدهشة وقلبها يرجف: "ليه؟ إنجي ليه؟"
هتف مبتسمًا ابتسامة ساحرة، فرجف قلبها: "نجي بس وهعرفك. نجي حاجة تخش الجلب. مش كتي بتجولي نفسك في اللالماظ؟ آهه، جدامك. نجي، والله هشتري اللي هتنجيه."
نظرت إليه ببلاهة، لم تعلم ماذا تفعل. مدت يدها تتفحص العلب، كانت علب تشع نورها. دمعت عيناها، لم تعلم ماذا يريد. تنهدت واختارت خاتماً رقيقاً وراقياً.
ابتسم وهتف: "عجبك ده يا جمر؟"
هزت رأسها.
هتف: "طب اختاري حاجة لرجبتك برضك. عايز حاجة حلوة."
هتفت بلين: "ليا؟ إني؟ لرجتي يا جبل؟"
هتف بسعادة: "أيوه، نجي بس."
تنهدت واختارت بقية الطقم. ابتسمت وظلت تتلمسهم بحنان. أحست أنها عادت فتاة السادسة عشر وحبيبها يلبي طلباتها.
نظر إليها وعيونها التي تلمع، فهتف: "خلصتي؟"
هزت رأسها، فقام وهتف: "تمام، أكده هاخد دول."
علمت هيا الرقم، فشَهِقَت ونظرت إليه. ضحك وقال: "دي حاجة جليلة جوي بالنسبالي."
خرج من المحل وعاد بها إلى المكتب. رجف قلبها. ابتسم ودخل وهيا وراءه. دخل المكتب وفرد الطقم أمامها.
"حلو يا جمر؟"
ابتسمت وهتفت بلين: "أيوه، حلو جوي."
اتجه إلى الباب وقفلَه واستدار وركن عليه، فارتعبت.
"إيه؟ فيه إيه؟ بتجفله ليه؟"
تحولت نظراته إلى سخرية وشماتة فجة. ضحك: "لاه، بس حبيت بس أتسلّى شوية."
نظرت إليه مرعوبة وهو يقترب ساخرًا. قالت: "تتسلى؟ تتسلى إزاي؟ بعد بتجرب ليه؟ اتخبلت؟"
ضحك وركنها على الحائط: "كت عايزك تباركيلي وعيونك في عيوني. عايز أشوف فرحتك ليا. مش فرحانة برضك إني هكون لواحدة تانية؟"
رجف قلبها. فهتف بشماتة: "نجيتي شبكة غيرك يا جمر، ألف مبروك."
أحست بذبحة بقلبها. مسك يدها وشدها، ومسك الخاتم ووضعه فيها. أحست أنها ستموت. ظل يتأمل يدها والخاتم فيه، فادارها واحتضنها من الخلف، وهي ترتجف وتنهج من هول ما هي فيه.
رفع يدها أمام عيونها، وهي تنتفض بقهر وجسدها ينغزها. هتف بشماتة: "ملي عينك يا جمر باللي عمره ما هيدخل يدك. ملي عينك بالألماظ اللي اتمنيتيه وبقي لغيرك. ملي عينك يا بت حمدان. عاجبك؟ بصي واتملي. نجيتي واتبسطي؟ لمستي الألماظ يا جمر؟ دخل صباعك؟ حسيتي بيه؟ حسّي بيه بالجوي. خاتم جبل. حسيتي بخاتم جبل يا جمر."
كان يتلمس يدها ويدير الخاتم في إصبعها. "حلو صوح؟"
ليديرها بعنف، فشهقت. عندما مد يده نزعه بقسوة. أحست بالقهر والألم، فضحك.
"خاتم جبل عمره ما هيبقي في يدك يا جمر. اتحسري وبصي جايب لحبيبتي إيه. عارفة ده تمنه كام؟ عارفة بعيلتك كلها ما تقدرش تهوب ناحيته. اتملي باللي نجيتيه وهتلبسه غيرك هانم. لو كنتي صبرتي عليا كت جبتلك الحلو كله، بس أنتِ تستاهلي يتحط في يدك سلك حديد مصدي يا بت حمدان."
سالت دموعها، فهتف: "بتبكي دلوك؟ فاكرة لما وقفت جدامك ببكي؟ فاكرة يا بت حمدان؟ وجلتلك اصبري هجبلك الحلو. فاكرة؟ وإني راكع تحت رجليكي؟ فاكرة؟ جولتيلي الله يسهلك حالك."
انتفض بعنف ومسك يديها الاثنين ورفعهما وشدها بقوة، وهي تنهج وتنتفض ودموعها تسيل.
"بس إني ماهجولكيش الله يسهلك حالك أبداً. لأني ماريدش حالك ينعدل. كل دقيقة هوريكي جبل بقى إيه. جبل بقى عالي، معاه فلوس بالكوم. فلوس ماهعرفش أصرفها. سيبتيني عشان الفلوس؟ آهه، معايا، وفوق ده هاخد هانم مش جربوعة. سمعتها في الأرض. هانم يا جمر، وأنتِ هتجعدي تتحسري على حالك وتجولي يا ريتني ماسيبته. حسيتي عليا؟ جبل سابك من جهرتك ودلوك هتشوفيني مع غيرك. عامل فرح يتحاكي بيه البلد. جايبلها الحلو كله ومكلف ماني. ماهخليش حبيبتي نفسها في حاجة. اللي طلبته واللي ما طلبتهوش هتاجي هناك. وهتشوفي وهيا نازلة جمر في يدي. هعملها بيت وعيلة. هتبقي ست الناس. وفوق ده هكتبلها القصر باسمها عشان تستاهل. لا هي عويلة ولا غدارة. كل اللي هيخش هيجول بيت مين ده؟ هعملها صورة بالحجم الطبيعي في داخل القصر."
فصرخت وتشنجت، فصورتها في حلمها كانت تتصدر ذلك القصر. وضعت يدها على قلبها، تشعر أنها ماتت أمامه.
هتف: "أيوه، هعملها وهعيش عمري. أعمل دبلتها في يدي وأجيب منها عيال كتير. هحب فيها وأديها قلبي وحالي ومالي. ما اللي تقف جاري، أديها عيوني. أما أنتِ بقى، هتفضلي محصورة وأنتِ مع الشايب بتاعك."
شعرت بالألم يمزقها، فصدحت ضحكته. "يا جماله وهو موجوع أكده."
مسك يدها ووضعها على قلبه. "شفتي؟ شفتي؟ قلبي بيدج فرحان كيف؟ يااااه، حاسس بسعادة غير عادية. حسيتي بإيه لما شفتيها في يدي؟ هاه؟ اتخيلتيها في حضني صوح؟ اتخيلتي بيتي هيبقى بيتها؟ اتخيلتي إني معاها راجل؟ مرة وأنتِ مع الشايب بتاعك؟"
لمس شفتيها. "شفايفها هتكون بين شفايفي. تخيلتي ده؟ وإني بلمسها هانم في حضني؟ متخيلة؟"
كانت تنتفض وتغرز أظافرها في ذراعه، يحس بها. كان سعيداً أنها تحس به، وهذا يرضي غروره أن من تركته ما زالت تحس به.
اقترب وهمس: "هتتجوزي إزاي وأنتِ هتموتي عليا يا بت حمدان؟ هاه؟ جولي. هتعمليها إزاي؟ هتباتي في فرشة واحد وأنتِ عايزة واحد تاني، وهو مبسوط مع ست تانية؟ آهه، ده العذاب اللي يشرح الجلب. اتعذبي يا بت حمدان. حاسس بصوابعك من جهرك بتغرز في لحمي. وجعك شفا ليا. هوريكي اللي أنتِ ما هتاخديهوش."
واندفع إليها ينهال عليها بشغف، وهي ترتجف من هول كلامه وغل قلبه. وما أن انتهى، دفعها بقرف.
"ها، حاسة بشفايفي؟ هاه؟ حاسة بجتتي؟ جولي. لو رايدة أخده في الدار، ماهجولش لأ. عالرخص. بس في النور لأ، ولا عمره هيكون إني أحط واحدة زيك على اسمي. اتعذبي. إني هعيش مع حد تاني. اتعذبي بالجوي وعيونك بتشع جهر."
هنا استعادت نفسها، ودخل الغل قلبها، فهو زاد وفاض، وكال لها من الهم كفوف.
انتفضت لكرامتها وقلبها الذي يأن وجعاً. انتفضت قمر لسنين عاشتهم قهراً، ومع ذلك لم تشتكي. انتفضت لأيام دعت له فيها وتمنت له الخير، ومع ذلك لم يأتِ منه أي خير. انتفضت أخيراً لفقدانها قلباً ظنت أن به لو حتى بارقة خير، فإمامه أبشع مخلوق يمكن أن تراه في حياتها. حبيبها مات واندفن، وأتى مكانه شيطان يغرز كل سوءة بداخلها. أتستحق كل هذا العذاب؟ لا، والله لا تستحق.
انتفضت رفضاً لعذاب كُتب عليها كمداً وقهراً. انتفضت ترفض الجبل وغل الجبل. وكما دخل الغل قلبه، دخل أيضاً الغل قلبها. فقمر زهدت الدنيا، ولكنه غرز كل هموم الدنيا فيها، لتنتفض وتقرر أن ترد له الكيل أضعاف. فشَر الأنثى وكيدها، إذا أخرجته، يطيح بعنفوان أي رجل. كيد الأنثى المذبوحة يعادل هشيم يقضي على كل متجبر.
فليست قمر من يقال لها هكذا، فلترى يا جبل أن للخصومة نهاية، وأن الفجر في الخصومة نهايته أبشع ما يكون.
نظرت إليه والبلادة عادت إليها. عادت قمر التي رفضت الدنيا، والآن ترفض الجبل وبشاعته. صدحت ضحكتها، وشع وجهها بسعادة كانت تبدو كامرأة تتكلم، تنظر إليه كأنه لم يكن. عادت لنفسها وثارت لكرامتها وهتفت بابتسامة تشع راحة:
"اتعذب؟ مين؟ جمر؟ بس يا غلبان سنينك. العذاب راح يا جبل. خلاص عليا أكده. وزي ما أنت هتعيش مع حد تاني، إني برضك هعيش مع حد تاني. بس أنت مفكر إني هفكر فيك؟ أنت عايش تفكر فيا وبس، شاغل نفسك بيا وبس. حتى لو بتكرهني، لسه جوا حياتك بنحر جواتك يا جبل. النحر شغال والجلب بيغلي. جمر، أنت مانستهاش. جمر انغرزت جواتك، بتموتك. وعشان بموتك ونفسك فيا، وما طولتش بتطلع كل العفاشة عليا. جمر بتاكل جتتك ومن جهرتك بتقول وأنت الجنون عايشه والهم بياكل جلبك. بتجولي هتعيش؟ هيا فين العيشة دي؟ عيشتك دي عيشة."
ضحكت: "لا، وواخد وتاعب حالك وصارف ومكلف وجايبلي حتة سلكة؟ فاكرني هزعل وأنجهر؟ فلوس إيه يا أبو فلوس؟ داني لو رايدة دلوك أتعب فلوس ودهبات أوريك. لو رايدة أجيب جدع يشرح، أشاور بس يجي زاحف. ماتوعي لحالك يا جدع وتشوف واقف قدام مين. داني الجمر اللي ما حد يطولها. واللي يطولني بكيفي. إني بقى هجولك الناهية. إني هعيش وهعيش وهعيش مع العجوز الشايب."
اقتربت والتصقت به، وعيونه جاحظة وأنفاسه تشق قلبه كالسكاكين.
"هتجوز عرفان... الشاااايب... بس شايب إيه؟ ولا أجدعها جدع. اللي فرشته هخليها نار تاخد العجل اللي كان هياخده الجدع واتحرم عليه وما طالهوش. عرفان هياخده... عرفان الشايب. تخيل أكده."
رفعت يدها ومسكت وجهه بيدها. وبدأت أنفاسه تتصاعد بجنون.
"تخيل جمر لما تحب تتغندر لراجل، هتبقى شكلها إيه؟ لما ألبس وأبين حالي، هاه؟ أهننه هتبقى شكلها إيه؟ أبين حالي لراجلي، حتى لو شايب. تخيل هيبقى شكله إيه؟ إني أفور أجدعها راجل. لو ميت، أصحيه. عنيه تبرج من بصته ليا. جاي تجولي فرشتك؟ ماتروح تجيب، إن شاء الله تتمرغ مع أي ست، إني مالي. جاي وتاعب حالك وموديني إنجي وأختار."
ضحكت: "أختار إيه؟ حبة سلوك؟ أدعسها برجلي. لتكون فاكر إن عرفان شحات ولا ناقص فلوس؟ حتى لو ناقص فلوس، هفرح بيه. فيه ناس معاها فلوس بس ناقصة تربية."
استدارت ومسكت الخواتم. "بتجولي البس دول؟ ولا عمري هلبسهم. ليه؟ كت عايزاهم؟ ولا هيفرحوني؟"
مسكت يده: "خد يا شاطر، شوية السلوك. فرح بيهم حد تاني. تصدق مبسوطة جوي باللي حاصل؟ يمين الله. فعلاً سبحان الله، كان لازم يجرالي اللي جرالي، اللي أنت ما تعرفوش ولا عمرك هتوعي بيه. عارف ليه؟ سبحان الله عشان لما ييجي يوم اللي زيك يقف يتبجح بالمجايب والشرا، يكوني في عيوني تراب. آه والله تراب. سلوك مصدية، تعيش يدي."
خبطت على صدره ليرتد قليلاً. شعر أنه مشلول. هتفت بتعال: "ما حدش جالك إن جمر الدنيا تحت رجليها؟ ما وصلكش من ضمن اللي وصل؟ ولا هو العفش بس اللي وصل والتعيب؟ ما حدش جالك إن جالي كبرات ورفضت، جالي فلوس ورفضت، جالي أكفوف دهب ورفضت، جالي جدعان ورفضت؟ لاه، ما حدش جال. أو لو جال، ما هيعديش على بالك. إني سبت الدنيا من زمان. بس دلوك بكيفي هرجعلها. بس مين اللي هيرجعهالي يا ابن العزايزة؟"
نظرت إليه بسخرية ودارت حوله، تلمسه وتدور. "مين يا ابن العزايزة؟" كان كأنه سيصاب بذبحة.
لتدفعه بقرف: "عارف مين الراجل الشايب اللي بتجول عليه ده؟"
اندفع ومسك يدها يعصرها. نظرت إليه بشماتة وغل. ضحكت: "إيه؟ جت تجهرني؟ ردت في جلبك وانغرزت؟ جت تكيدني؟ متت من جواك؟ حساك بتغلي وكاتم من الجهر، ما قادر تنطق. جمر بتجولك: أتمنى أخش دنيا عرفان. يديني من الحنية أكفوف الحنية اللي ماتت في جلبك وشايفاك جثة بتتحلل جدامي. يا مري، إيه غلك ده؟ عايش إزاي؟ صعبان عليا يمين الله. إني آه سيبتك، بس سيبتك زمان والدنيا كان المفروض تمشي. بس وقفت عندك وغلك طاح وفاح. عايش بس تفكر في جمر، ودي لوحدها عذاب يا ابن العزايزة. بتجولي هفرح وأتجوز؟"
اقتربت. نظرت في عيونه. خبطت على صدره: "مبروك يا جبل، ألف بركة. وجريب جوي هتباركيلي وتيجي كمان في الصباحية. لم راجل يتهنى بيا وأخليه يجضي ليلة تاخد العجل. ليلة جمر ماهياش زي أي حد. الكل كان بيتمنى، بس ليلتها. فاكر يا جبل؟ كت زمان بتجول إيه؟ فاكر؟ كت بتجول اليوم اللي هاخدك فيه كني خدت العالم. ليلتك ماهياش ليلة. ليلتك دنيا. وأني بجولالك ليلتي هتبقى دنيا لعرفان، وعرفان وبس."
مسكت يده: "اليد دي يد جدع صوح، بس ماهتفرحش جتتي ولا تفورها. يد عرفان على جتتي هتفورني وتدور وتخليه ماينساش عمره مين جمر، وليلة جمر، ودنية جمر. روح افرح بخطيبتك، يحلالك دنيتك."
اقتربت منه أكثر وشبت قليلاً وهمست بجوار أذنه: "وسيب جمر للي هيحليله دنياه، وجتتها هتنور فرشته."
استدار وهو يقف، عيونه جاحظة من كلامها ويتخيلها بين يدي ذلك الشايب، ليدور مهتاجاً ويذيل المكتب ويشعر بقهر. "لاه، لاه، ما أتخيلهاش. ما أتخيلهاش. يا مري، البت رصتهم لي صوح. جيت أجهرها، حرقت جلبي. ليها ساعة نازلة، حرقت موتي، وخلعت روحي. يا مري، فرشة إيه اللي هتنور؟ يا مري، جتتك ما أتخيلهاش لحد تاني."
رزع على المكتب بعنف، واندفع يصرخ. بدأت دموعه تنزل وركن على الحائط يبكي بحرقة.
"أنت هتموت. هتموت يا جبل. خلاص. أنت اتجننت؟ كيف ما جالت؟ أنت مش عايش، أنت هتموت، وهيا مغروزة جواتك. أعمل إيه؟ ما أتخيلهاش. هموت. منك لله يا بعيدة. لاه، ما أتحملش. إني هروح أموتها. جمر بت حمدان. ليه ده كله؟ مكتوبالي تجهرني؟ ما فيش رحمة واصل. البت شبعت جواله وتفور وتجهر على أيامي. إني هنهبل. ما أتخيلهاش. هتلبسي لمين يا بت الجزمة؟ للشايب ده؟ يا مراري جلبي. هتلبسي وتبيني إيه؟ جتتك ما تبينش لحد واصل."
كان يصرخ بحرقة: "يا حرجة جلبك يا ابن العزايزة. جلبي هيجف يمين الله." كان ينهج بشدة.
"بس لاه، إني متأكد إنها حاسة بحاجة. مانيش جبله. لاه، إني حاسس. يمين الله. لأجهرك يا جمر. أنتِ حاسة بيا؟ أيوه، وشايف عيونك رايداني. إني لساتي بحس. لساتي."
خبط على قلبه: "أهنه لسه فيه جمر؟ ليه؟ ومتأكد إن جواتك ليا كتير. ماشي، أنت اللي طلبتيها." واستدار يخطط لقهرها.
(اقعد يا حزين بقى، ما شبعتش حزن 😁😁😁).
خرجت قمر مسرعة وركبت سيارة الأجرة وانهارت تبكي بقهر. "يا رب، ليه أكده؟ ليه؟ منك لله، منك لله. أنت بقيت شيطان." وعادت إلى بيتها وقضت يوماً كالذبح على قلبها.
تحدد ميعاد الخطبة وتم دعوة كل من بالفرح. أتى اليوم، وخرج جبل، وهي تتجلد وترى تخطيطاته والصيت الذي ذاع والتحضيرات التي خلعت قلبها.
اقترب ونظر إليها باحتقار: "أنتِ معزومة في الخطوبة، بس هتيجي شكل الشحاتين أكده؟ عموماً، تعالي، ماهخرجكيش حتى تاكلي لقمة يا غلبانة، وخذي لعيلتك تفرحيهم. تعالي شوفي الهانم وهي لابسة ومنورة بيتي. ماهو بيتي، ما بيخشوش الجرابيع واصل." وتركها ضاحكاً.
أحست بنار داخلها. لم تحتمل. عادت إلى بيتها. كان أبوها وباسم بالخارج، ظلت تصرخ وتكسر فيما حولها بقهر. وقفت تنهج، والغل يدور أنهاراً بداخلها.
هتفت بغل: "وماله يا جبل؟ مش جهرتني؟ إني بقى هخليك تتلفت حواليك. مش جمر يا جبل اللي يتجالها أكده وتسكت. إني كت بدعيلك وسايباك تعمل ما بدالك، بس أنت غلك طاح يا ابن الناس، والفجر في الخصومة فيه اللي أفجر منه. وربنا يكفيك شر كيد المرة لما تحب تكيد اللي قدامها من جهرتها. إني هغرز غرزتي صوح، وإن كان عالجهر فيه كوم جهر جايلك يا ابن العزايزة. عنيك هتخرج من مكانها، وجتتك هتتكلبش، وصدرك هينطبق على بعضه. داني جواتك لسه بنحر والجهرة مكلبشة. إني بقى هخليها كبشة تمزع جتتك. ليك في وجه، داني جمر يا ابن العزايزة."
واستدارت واندفعت لدولابها. وقفت أمامه تنظر بداخل الدولاب، واتسعت عيونها بشماتة. هتفت بغل: "سبحان الله، كان هيبقي في يدك ليك لوحدك. بس دلوك هيبقي لغيرك ولخلق الله. ولا إله إلا الله، عشان بس أحرج جلبك. الحلم اللي عمرك ما هتطوله يا جبل. أنت حلمت وأنا حلمت. حلمي حرجتهولي، وأني بقى هحرقلك جلبك. مش حلمك."
كان هو يقف على نار ينتظر أن تراها ونادين في يده، كان يفعل كل ما حلم بها معها، تزين القصر كما كانت تتمنى. "مستنيكي على نار، أشوف دخلتك، أفرح بيها." وقف شامتاً ليمر الوقت. ويقف هو، عيونه على الباب، وإذا بقلبه توقف مرة واحدة، وعيونه جحظت من الوجع، فأمامه قمر تنظر إليه، وابتسامة النصر على شفتيها. فمسك قلبه، فهذا كثير عليه. فترنح من هول ما رآه وأحس أن قلبه انتزع نزعاً عندما...
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل السابع عشر 17 - بقلم ميفو السلطان
قررت قمر تحرق قلبه. فمهما علا غله لا يصل بها لقتلِها هكذا. كانت تلتمس بداخله بعض الغيرة عليها، فقررت أن تميته كي يرتدع عنها.
حرق قلبها، وهي التي دعت أن يخف وجعه. فأتئ بغله وصب عليها ذلك الغل. ليعلو غل الأنثى. وغل الأنثى ليس كأي غل. فغل الرجل واضح وصريح، ولكن غل الأنثى كيد. وأي كيد! كيد يحرق القلب ويمزق دواخل العاشق.
فجبل عاشق لم ينسَ معشوقته. وهيا كأنثى لمحت بداخله ما يربط بها، فقررت أن تنهش قلبه كما فعل. فلن تصمت. فكفاها ما فعلته الدنيا بها. فلتاخذ ولو جزء بسيط من دنياها وترد كرامتها.
فتحت دولابها وأخرجت ذلك الفستان الأحمر الذي أهداه لها لتلبسه له وله فقط يوم أن تكون حلاله. وقفت تنظر للفستان وتتذكر كلامه.
"الفستان ده هترقصيلي بيه أشوفك وأتهنى بيكي. الفستان ده بحلم جُثتك تنوره. مش متخيل دراعاتك الجمر دي تنور وتتلف حواليا وأنا بلف حواليكي. ساعتها حاسس إني هنهبل."
ابتسمت بغل وقست ملامحها. نتشته ولبسته ووقفت أمام المرآة تنظر لنفسها. بدأ الكيد يعلو بداخلها. تزينت وتزينت. فردت شعرها المربوط له سنين. سنين لم تعلم أساسًا أنه موجود. سنين لم يرى وجهها أي حمرة تغير ملامحها. ولكنها تزينت وعادت قمر تنير الكون. عاد القمر صادحًا بجماله. وما أعاده ليس الحب، ولكن غل الحب. أعاده وبقسوة، فقلبها يحترق.
نعم، أخطأت. نعم، تخلت. ولكن كفى وكفى وكفى. كانت صغيرة لا تعلم من الدنيا همها ولا شرها. أذنبها أنها كانت صغيرة. فكم من فتيات تركن الحبيب، هل سيعيش حياته يصب عليها غلاً ويغمسها فيه ويدوسها بقدميه؟ هل ستظل ممسحة لها عمرًا ينهش قلبها؟ فلْتَنْتَفِضْ لروحها ولوجعها. يكفيها وجع.
قررت قمر أن تقف عند هذا الحد. فالوجع طفح ولاح. الوجع ينهش القلب ويمزق أوصاله. لن تصبر أكثر من هذا. فلكل إنسان طاقة. وأي طاقة! طاقة القمر نفذت بعد أن تحملت ما لم يتحمله بشر. تحملت فقد الحبيب ونشّة القلب. تحملت فقد السند ولوعة حرقة القلب. تحلمت امتهان أنوثتها وأنها أبدًا لن تصبح أمًا. تعلمت أن الجسد ليس كل شيء، ولكن بأبشع طريقة. كان تشوه جسدها رغم أنها صابرة راضية. يؤلمها، فهي في الآخر أنثى. والأنثى مهما زهدت الحياة، يأتيها بضع من حب النفس. فالأنثى تحب نفسها وتحب أن يراها الغير، حتى لو مات كل ما حولها.
لتقوم وتنفض كل ذلك وتكتفي وجعًا. وقفت أمام مرآتها وابتسمت ووضعت لمسات جمال بزيادة. لمعت عيناها وهمست:
"الهيئة جمر والمتخبي يخوف. بس ماحد يعرف الخبايا إلا رب العباد. روحي يا جمر واقفي وخذي حقك من الدنيا. بكفايا يا بت الناس بكفايا. أنت ما عملتيش حاجة لكل ده. جبل ليه يذل فيكِ ليه؟ كان ربنا البعيد. لأ يا جبل، بكفاك يا ابن الناس. إني هعرف أرجعك من ناحية ما جيت. إني هعرف أبلعك لسانك وأجهرك وأخليك تلزم حدك وما تنطق عليا كلمة. بتجولي تعالي شكل الشحاتين وعايز تديني؟ وكل ليه واجعك كده؟ كنت شحت منك إيه؟ أنت اللي عملت في روحك كده. كنت ساكتة وصابرة ومفكراه بني آدم بيحس. لأ، اللي بيحس راح مع اللي بيحسوه. جبل راح ومات عالجسر، بس مش بسببك. لأ، جبل ساب نفسه لغل جَلْبه. ساب نفسه لسواد جَلْبه ينحر فيه لما طاح ومات. جَلْبه وجه مكانه حزن. حزن يتوزع على بلد. والله كنت بدعيلك، بس خلاص مالقيتش حد أدعيله. أنت حد يخوف يوجع، وأنا بكفايا عليا كده قوي. خلاص يا جمر، حرقت له جَلْبه وجه وحرج جلبك بزيادة. يبقى يرتدع بقى. إن ما ارتدع، خلاص يجابل مرة اتعاست في كل حاجة. اتعاست في شرفها وجُثتها وفوق ده جلبها. مرة الدنيا عدت عليها دبحت جلبها وجابته فرافيت. ما عاد جوايا حاجة أفتكرها من الدنيا إلا الحزن. طلعت غلي يا بن العزايزة وهحدفه عليك بالكوم. إني هعرفك مين جمر."
وعشان أجهرك بزيادة، أهه. واتصلت بتليفونها وكلمت أمير صديقه بأن يأتي يرافقها. فامتثل فورًا. وما إن رآها حتى جحظت عيناه.
"إيه ده؟ ده أنتِ يا قمر كنتِ مخبية ده فين؟"
ابتسمت له بدلع.
"إيه وحش يا أمير بيه؟"
هتف: "أمير بيه إيه؟ ساه أنا أمير ليكي أنتِ. أمير وبس."
همست: "لأ، أمير إزاي؟ جبل بيه بيقول عليك بيه."
هتف: "يمين الله ما بيه ولا فيا ريحته. أمير يا قمر، والله أمير على الآخر."
ضحكت بدلال، فاخذت عقله. همست: "إيه مش هنروح بقى؟"
هتف: "حاسس إني هنهبل. أدخل بيكي والله الناس تحسدني."
هتفت: "ليه يعني؟"
نظر إليها برغبة.
"إزاي؟ إيه ما انتِ شايفة نفسك."
هتفت متصنعة الحزن: "يعني أصل جبل بيه بيقول عليّ شحاتة."
هتف: "دا طور ما بيفهمش، والله ما بيفهم. غشيم."
هتفت: "هز ثقتي بنفسي خالص. ممكن يعني في الحفلة تبين له إني حلوة ومش وحشة خالص؟"
هتف وعيونه ستخرج من مكانها: "أبين؟ هو أنا حد مستنيني أبين؟ ده أنا عيني هتطلع من مكانها."
صدحت ضحكتها، فهتف: "يا دين النبي! ده أنا هقهرهولك الليلة." وأخذها ودخل بها الحفل.
كان جبل ينتظر أن يتشفي بها. فهو من الأساس افتعل كل ذلك مع نادين ووافقت. تمنى نفسها أن يكون لها، ولكنه كان واضحًا حتى لا يجرحها. وأفهمها أنه يريد أن يأخذ بثأره من الفتاة التي أوجعته، ولكنه لم يفصح عنها. وقف ينتظرها. و... ضحك.
"هي اتأخرت ليه؟ زمانها مجهورة جاية بالأسود بت حمدان." (يا أخي اتحط بقى، دانت حزين حزن.)
قطب جبينه فجأة، فهي تدخل في يد أمير بهيئتها التي أشعلت قلبه. تجمدت أوصاله وانشل مكانه. كانت تتهادى بالفستان الأحمر وجسدها بتفاصيله يظهر بسخاء. أحس بكلبشة في صدره ودمعت عيناه. أحس أنه سيموت.
"لأ، لأ، والله لأ."
ترنح فجأة من هول ما فيه. فذلك الفستان حلم به كثيرًا. حلم أنها بين يديه يحتضنها. حلم به يتلمسها وقت أن تكون حلاله. كان ينهج بشدة، وإذا بعيونها تأتي في عيونه. أحست بوجع داخلها، فهي رغم كل شيء تحس به وتحس بعيونه. كانت عيونه جاحظة وأمير يضع يده على ظهرها، وهي تبتسم وعيونها في عيون جبل. كان يمسك المنضدة أمامه ويمسك قلبه. أحس أنه سيموت في تلك اللحظة. استدار مسرعًا وابتعد يختفي عن الأنظار. دخل المكتب ومسك قلبه وسقط أرضًا والوجع فوق احتماله. وظل يئن بوجع.
"آه، آه، آه، جلبي، جلبي بيسلخ جوا. جلبي ما قادرش. ده فستاني بتاعي. نمت أحلم بيه ياما. تعمل فيا كده؟ تموتني كده؟ مش عارف أتنفس. مبينة حالها للكل. هيموت عليها. فارده شعرها ومبينة جُثتها بتنور."
مسك صدره، أحس بعصرة تعصر قلبه.
"ما أتحملش حد يشوفها."
ليزيح مكتبه بعنف.
"ده فستاني بتاعي. لحد ميتة. لحد ميتة. هتذبحي؟ عملت إيه في دنيتي عشان جمر تقطع فيا؟ لابسة ومبينة حالي للناس."
ركن أرضًا وافترش الأرض.
"حالي أيوه حالي. الفستان ده بتاعي وجواه حالي. يا مرك يا بن العزايزة. أعمل إيه؟ أموتها وأموت روحي؟ هعيش إزاي؟ هخرج إزاي؟ ده الكل شاف والواد حاطط إيده على ضهرها. ضهرها... آآآه. فستاني يا سوادك يا جبل. ليه؟ ليه؟ إيه خلعة جَلْبي دي؟"
مسك رأسه وصرخ: "لأ، لأ، لأ. كتير، كتير عليا كده. ده موت ليا. فستاني يا جَهْرَتي."
وبعدين أنت هتتهبل؟ أيوه، أنت حلك تخطفها وتحبسها. دي لازم تتحبس. ماني ما أعرفش أكمل جهر. إني شبعت جهر. طب يا جمر، ماشي. وقام منتفضًا وخرج. واتجهت إليه. ابتلع ريقه. ابتسمت.
"جبل بيه، ألف مبروك. عقبال الفرح الكبير وتبقى تعزمنا."
ونظرت لأمير وغمزت له.
"هتيجي؟"
هتف مسرعًا: "أجي؟ هاجي. بس يا ريت أنفع ساعتها. إلا أنا حاسس إني هنهبل."
استدارت.
"تنهبل؟ خير يا أمير بيه."
اقترب ونظر إليها برغبة. وجبل لم يعد يعرف كيف تخرج أنفاسه من الأساس.
"ما قولنا بلا بيه بلا هباب. داني أطول القمر ينادي باسمي."
همست بنعومة: "أمير."
"خير."
كانت تتدلل وهناك آخر قلبه ينعصر. هتف أمير: "خير إيه؟ هو أنا قدامك كده هشوف خير؟ ده أنا إيه بولع."
همست بدلال: "إيه مش فاهمة."
خبط جبل: "لأ، إحنا فاهمين. ولعة الرجالة ليها تمن." همس لجبل: "هموت وأطفي ولعتي. البت فورتيكة جسمها هبلني."
كز جبل على أسنانه، أحس أنهم سيتكسرون.
هتفت بدلال: "اسكت، أصل فيه حد كده بيقول عليّ شحاتة وشكلي جبّاضين الأرواح."
هتف منفعلًا: "مين الحلفوت ده؟ دا ما بيفهمش في الستات. زمانه آخره يبص لسحلية. شكله."
أطلقت ضحكة عالية. "تصدق فعلاً. معاه سحلية. شكله." نظرت لجبل: "آمال فين السح... قصدي العروسة."
هتف بغضب حارق: "هتنور الدنيا دلوقتي."
هتفت: "والله كنت عايزة أعايدكم، بس مكسوفة."
هتف: "أمير يعني إيه تعايديهم؟"
ضحكت: "أرقصلهم يعني."
هتف: "وليه مكسوفة؟ دا حتى الفرح يزيد."
اقتربت من جبل: "أرقص لك يا جبل بيه."
همس بفحيح وصوته خرج سهامًا محرقة: "لمي نفسك أحسن لك."
ضحكت وهتفت: "بتجول إيه؟ ماسمعتش."
أحس أن قلبه سيخرج من مكانه. هنا دخلت العروسة واتجه جبل إليها وقبل يدها وافتعل السعادة وهو من الداخل يموت حرقًا، وهي تقف تنظر إليهم بحسرة وهو يقبلها.
هتفت: "أمير، أنا مكسوفة. ممكن تقدمني بس وتناديلي قدام الناس."
هتف مسرعًا: "يا لهوي! عيوني."
وقف أمير وسط القاعة وهتف: "حبيبي وأخويا، والله فرحان لك ونفسي أعمل لك أحلى ليلة. وسمعت إن فيه هنا كده قمر، وهو قمر عايز يخلي الحفلة قمر زيه."
استدار: "قمر هانم، ممكن تيجي تهيصي الدنيا شوية بدل ما إحنا واقفين ساكتين كده."
اشتعل جبل، فتصنعت الكسوف، فجعل الجميع يهتفون: "قمر، قمر، قمر."
اقتربت هيا بهدوء ووقفت أمام جبل وهتفت:
"مبروك يا جبل بيه. فرحنالك جوي جوي. هرقص لك في فرحك. بعايدك من قلبي هرقص لك، وأنا ما عملتهاش لمخلوق. هرقص لك وخلق الله هيفرحوا برقصي. هرقص لك بالفستان."
اقتربت منه.
"فاكر كنت هرقص لمين بيه؟"
وضحكت وبدأت تتهادى واتجهت تقف وسط القاعة. بدأت ترقص وتدور كفاتنة حورية نزلت من السماء، والكل يقف مبهوتًا من تلك الكتلة من الجمال. وهي تدور وتذهب لأمير، فاشتعل ودخل معها. تراجع جبل ومسك قلبه وأشاح بوجهه. ونزلت دمعة عزيزة من عين الجبل، فذلك الفستان كانت سيكون أول رقصة لهم. أما الآن، فالكل يرى وينظر ومتاح للكل، وهو أصبح لأخرى. كان يقف كأنه مخبوط على رأسه، كمجذوب جن من قهره وكَمَده.
استأذنت نادين تضبط مكياجها. فرأته واقفًا بمفرده. بدأت تتمايل وتتجه إليه. وقفت قربة. سمعت أنفاسه. بدأت تدور حوله هامسة:
"عجبك رقصي يا جبل؟ قال أصل شايف العيون بتاكل جُثتي. وأنت واقف زعلان ليه؟ هي خطيبتك مش مفرحاك؟"
كان هو يغلي، لا يستطيع أن يخرج صوتًا، لأنه لو خرج منه شيء سيكون صراخًا يوصل عنان السماء. نظرت لعيونه وهمست: "ما تيجي نرقص معايا زي أمير وخد لك لفة. أهو تطول حاجة يا غلبان." وصدحت ضحكتها واستدارت. ليغمض عيونه ويشد على يده. أحس أن عظامه ستنكسر.
انتهت أخيرًا وتأجج الفرح بالتصفيق. فقمر خطفت الأنفاس. وهو كأنه عاش جحيمًا أجهز عليه. همست بأمير: "شوف غضبان إزاي؟ قرفان مني." دمعت عيناها. هتف: "مين؟ طب تعالي هنرقص وأقهرهولك." ذهبت معه وبدأ أمير يدور بها. وجبل أصبح كمجذوب. عيونه تلتهتهم. فشد نادين وذهب إليهم. وظل يدور ويدور. كان عنيفًا بزيادة، فتعثرت نادين وتمزق فستانها. بهتت وابتعدت على الفور تصلح الفستان ومعها بعض أصدقائها.
كان واقفًا مكانه، لم يتحرك. وعيونه على أمير وقمر. لم يتحمل أكثر ولم يستطع أن يمنع نفسه. اقترب إليهم وهتف ساخرًا: "إيه؟ هو الرقص ما بيخلصش؟" هتف أمير: "والله لو قعدت أرقص العمر كله ما هأتعب." هتف: "طب روح شوف فيه ضيوف من الشركا جم." هتف أمير: "يا عم حرام بقى! دا القمر منور جنبي." مد جبل يده ومسكها وشدها ببعض العنف. "لأ، روح. إني معاها. يلا." وشدها ودار بها رغما عنها وعن أمير الذي يقف مغتاظًا. وضع جبل يده حول ظهرها ومسك يدها. ولا إراديًا وضعها على قلبه. وبدأت هيا ترتجف. دار بها وخرج إلى الحديقة وشدها إليه. رفعت عيونها، خطفت قلبه وعيونه. وبدأ يرقصان. تخيل نفسه معها بمفردها. تخيل حلمه الذي يقض مضجعه. ظل هائمًا، أحس بجسده ينساب. لم يعد يحس بما حوله. أما هيا، فقلبها اشتعل. فنظراته نظرات حبيبها القديم. دمعت عيونها. لم تحس بنفسها إلا وهي ساهمة في عيونه. تناست حرقة قلبها وغلها. تناست دنياها التي أوجعتها. هو وفقط. كان قد ضمها إليه بقوة. وهام بها.
تاه الحبل في القمر وسقط من علياءه، وأزال عنه غبار غله وانتشر نور القمر عليه، يخطف أنفاسه ويخلب لبه. همس بحنان: "جمر." شدها وركنها عالجدار. وهي كالخرساء. رفع يده لامس وجهها بحنان. أغمضت عيونها. تحس أنها في حلم، ليست واقع. فواقعها مرير. فتحت عيونها لتجد وجهها ملامس لوجهها. وبدأ يقترب. وأغمضت عيونها. تحس به. لتنتفض عندما سمعت صوت أمير ينادي عليها. قبض جبل على وسطها، يشعر بالغضب من نفسه أكثر أنه وقع تحت تأثيرها. فهمس بغضب: "شوفتي؟ أنتِ سهلة إزاي." هنا أعادها لواقعها وعاد الجبل مغلولًا. جبل أسود عالٍ، يقطر حجارة مسمومة. لتبتعد وتنظر إليه مبتسمة غصبًا عنها. هتفت: "اممم، سهلة. إيه هو؟" صدحت ضحكتها: "أنا اللي فرحت فرحة الأبله." ضحكت. وهمست: "أمير جه."
"خبطت على كتفه: "ولما الأمير يجي الاستبن يركن." ضحكت وهمست: "على جنب كده والنبي." وتركته تتهادى. ليستدير ويخبط عالجدار بعنف وجنون، وأنفاسه تتصاعد. "أروح أقتلها؟ أيوه. ما عدتش متحمل إني بانكوي. ما عدتش قادر. إيه السواد ده؟ البت بتطلع روحي بكلامها ومنظرها."
ذهبت لأمير وتصنعت الحزن. هتف أمير بلهفة: "مالك؟" همست: "جبل بيه كل شوية يعيب عليا. نظرت لجسدها وتحسسته. هو أنا فيا حاجة وحشة؟" هتف أمير: "مين؟ دا باينه أهبل. تعالي." وشدها وذهب بها إليه. "إيه يا عم جبل؟ مالك واقف مكشر كده؟ يوم خطوبتك." كان يقف يشعر بنار تأكله وعيونه تنهش جسد تلك الجميلة. هتف أمير: "دا حتى الواحد شاف القمر وهو بينور. ما تنبسط." اقترب منه وهمس: "زمانها بتنور في الضلمة يا واد. هموت وأشوف جسمها. زمانها حاجة تاخد العقل. أنت ما تعرفش لما حطيت إيدي على وسطها لقيت إيه وحسيت بإيه؟ البت طرية ومزة."
هنا صرخ جبل: "كفاية كده وفضوا الحفلة. أنا تعبان."
هتفت قمر: "ليه؟ لسه بدري."
صرخ: "مالك أنت بدري ولا زفت؟ مالك؟"
تنهدت بحزن، فاندفع أمير: "ما تزعليش، أخدك أسهرك في أجدع حتة. بس عيون القمر ما تدبلش كده."
تنهدت: "لأ، خلاص بقى. أنا هروح."
هتف: "هوصلك."
هتف جبل مندفعًا بحرقة: "أمير، روح اقف مع الشركا الجداد. ماهينفعش تسيبهم ووصلهم. ويا ريت تجبلهم مكان يناسبهم."
تافف أمير: "إيه يا عم؟ إيه النكد ده؟ هو أنا كل أما أتفلفص منهم ترجعني؟"
تنهدت: "معلش بقى. أوامر جبل بيه بيحب كل حاجة في مكانها. أصل الأماكن لما بتتغير بتحرق."
تنهد أمير واستدار مرغمًا. عادت نادين خطيبته. "حبيبي تعالي نرقص." أخذها وظل يدور بها. وقمر تقف تتحسر على حالها. لتنفض تلك الفكرة وتذهب تقف مع أمير والشركا إلى أن انتهى الوقت. وهم أن ينصرف الكل. لم يعد هناك أحد في الحفلة. فأمير سيأخذ الشركا وخطيبة جبل أخذها السائق للفندق. وبقي قلة قليلة لا تذكر.
تنهدت قمر، كانت تشعر بالجوع. ضحكت: "أما أروح آكل زي ما بيقولوا. خدي لأهلك وكل." وذهبت ووقفت في البوفيه وبدأت تأكل وتنتقي بعض الأشياء. ثم ذهبت للحلويات وأخذت بعض الآيس كريم ووقفت تأكله بسعادة، راضية عن ما فعلته. ظلت تدور وإذا بها تسير إلى تلك الشجرة. وقفت أمامها وابتسمت. "شجرة العشاج." ضحكت: "إيه عشاج؟" "عشاج بيمزعوا في بعض." مدت يدها وتلمست الشجرة. كانت هناك موسيقى خفيفة تأتي من بعيد. ظلت تدور وتتذكر حلمها والفستان. جعلها سعيدة بلا هدف.
كان جبل قد قضى أبشع ليلة في حياته. بعد تلك الليلة التي تركته فيها، أحس بخنقة. كان عيونه لم تنزل عليه. هرّت قلبه، وخصوصًا رقصها أمام البشر. وخلعة قلبه بزيادة. رآها تتسلل فذهب وراءها بلا تفكير. وجدها تتجه إلى الشجرة وتتلمسها بسعادة. لم يعلم لماذا لانت ملامحه وركن ينظر إليها وهي تتهادى وتدور. حالمة في الفستان. كان الفستان سحر عليها. تخيلها دائمًا في ذلك الفستان. اقترب بهدوء وهي تدور وتدور. ليقف أمامها. فشهقت واستقرت يدها على قلبه الذي يصرخ. ابتلعت ريقها. همت أن تستدير، فكلبش فيها. هتفت هامسة: "سيبني." هتف بصعوبة: "لو بعدت عنك دلوقتي هقتلك يا جمر. فاهمة؟ فاسكتي عشان يمين الله هقتلك." نظرت إليه بخوف. فهتف: "لازم تخافي وتخافي بالجووي وتسيبيني. اهدي يا بت الناس. اللي عملتيه زاد وفاض وطفح." شدها إليه وهتف: "دلوقتي لازم أنسى الدنيا عشان اللي عملتيه. ردي عليكي جتلك وتتقطع حتت يا بت حمدان." وشدها وظل يدور بها وهي ترتجف. كان يدور ويدور وهي ترتعش بين يديه. كان وجوده قربها في ذلك المكان جعلها يعود إليها الحنين. احتضنها بقوة كأنها روحه. أراد أن تختفي الدنيا من حوله هو وهي وبس. رفع وجهها وهمس: "بصيلي." أشاحت بوجهها، فمسك وجهها. "بقولك بصيلي." نظرت إليه فوجدت ملامحه لينة. جبل عشقها. دمعت عيناها. ظل يدوران معًا وعيونهم متعلقة ببعضهم. هاما فترة لا يعلمان كم الوقت. هو يحس بها ويشعر أنها ملكه مرة أخرى. وهي تشعر بعيون حبيبها السابقة. انتهت الموسيقى وتوقف. كل ينظر للآخر. شدها إليه يحتضنها بقوة. لم يعلم كيف سيخرجها من أضلعه. علم أنها لم تخرج من حياته ولن تخرج. علم أن الحب كما هو والعشق لم ينقص دقيقة. أدرك جبل أخيرًا أن السنين مرت ولم تمر على قلب الجبل، وأنه يريدها بجنون. ما عاشه اليوم جعله يدرك أن غليان قلبه غيرة على حب عمره. غيرة وكوى لا يتحمل أن يراها غيره. عاد الجبل لنفسه بأصعب طريقة. عاد وعلم أنه ما زال هناك عشق حتى لو يكرهه. كازال القلب ينبض لها حتى لو لم يريده. يريدها بجنون. رفع وجهها وهمس: "جمري." ما أن سمعت كلمته ومناداته لها بتلك الحنية حتى سالت دموعها. رفع وجهها يتلمسه بحنان. أغمضت عيونها. تمنت أن يعود بها الزمن. هتف: "هنفضل كده كتير؟ أنتِ تقطعي فيا وأنا أقطع فيكي. لميتيه يا جمر." همست: "انسى يا جبل وعيش. الغل يا ابن الناس ما بيعيش ولا بيريح. انسى جمر بأيامها بوجعها. انسى هترتاح." هتف بحرقة: "أنسى إزاي؟ جولي. أنتِ نسيتي؟ شايف بعيونك حاجات ما قادرش أبعد وأقول ما فيش. فيه إيه؟ يا جمر؟ جواكِ ليا؟ جولي فيه حاجة؟ إني حاسس، ما تهبلنيش." "من ساعة ما فتحت عيوني وشفتك بتلمسيني وعيونك هايمة. حسيت بيكي. إيه؟ لسه من الجبل؟" ابتعدت: "ما عدتش فيه حاجة يا جبل. يا ريت تشوف حياتك وتتجوز." صرخ: "أتجوز؟ عايزني أتجوز وأنتِ تتجوزي؟ صحيح. والجصة خلصت على كده." هتفت بقه: "ماهي لازم تخلص في يوم." هتف: "لأ، ما ينفعش تخلص. ما ينفعش يا بت الناس. جبل ما قادرش يخليها تخلص. لأ، إني منجوع فيها." شدها إليه وهتف: "جبل رغم وجعه مارايدهاش تخلص وهيموت وتكمل. جبل الليلة عرف إنها ما خلصتش ولا تنفع تخلص. جبل الليلة انحرج وجواه ولع فيه وعرف إن استحالة تخلص." "شوفتي؟ ليكي موتتني وأنتِ بتلمسك." مسكها بعنف. "أنتِ ما حدش يمسكك غيري. ولا يلمسك غيري. أنتِ ليا." "جبل وجمر ما خلصتش قصتهم. لسه ما خلصتش. ما خلصتش." كان يتكلم بجنون وحرقة. شدها إليه وأنهال عليها وظل معها بجنون، وهيا مصدومة من عنفوانه الذي ظهر فجأة. صرخ بحرقة: "أنتِ بتاعتي، ده فستاني تلبسيهولي؟ إني أشوفك بيه وألمسك بيه؟ ترقصيلي بيه؟ ده بتاعي. واللي جواه بتاعي. أنا ما أعرفش خلاص أعيش. أنتِ بتاعتي، فاهمة؟ بتاعة جبل. كلك على بعضكم بتاعي. ما تلبسيش لغيري." شد شعرها. "ده ما يتفردش لغيري. ده ليا. وكلك ليا. ما حد يلمسك. لاما أقتلك وأقتل حالي. إيه حرجة الجلب دي؟ مكملة عليا؟ تموتيني؟ لأ، أنتِ بتاعتي." وأنهال عليها وقلبه يصرخ. ابتعد وكلبش فيها. ثم مسكها وصرخ وهزها بعنف: "أنتِ بتاعتي. بتاعة جبل لحد ما تموتي." دفعته بقهر. فهذا كثير عليها. لماذا لا يبتعد؟ إنه يقتلها بكلامه. لا تريده أن يفكر حتى بقربها، لأنه من رابع المستحيلات. "أنت انخبلت؟ بعد. بتاعتك إزاي وأنت رايح تتجوز؟ إيه؟ هتمشي معايا في الحرام؟ يا أخي بقى. العبدة شبعت ذل." واستدارت مسرعة هاربة منه ومن وجعه. أحست أنها تريد أن تقتله وترتاح من ذلك العذاب. رجعت إلى بيتها ودخلت وجلست في حجرتها تستعيد ما مرت به. شعرت أنها دخلت الجحيم. "يا رب تعبت. بتاعة إيه وطين إيه؟ هو عايزني أموت؟ مقهورة يا رب. ما عدتش قادرة." أغمضت عيونها وتذكرت لمساته وحنانه لتنتفض. "بطلي بتفكري في إيه؟ أنتِ مخبولة." تنهدت وقامت تتفحص ابن أخيها فوجدته نائمًا يئن. فاندفعت إليه: "مالك يا جلبي؟" هتف: "ما أعرفش آخد نفسي." احتضنته برعب. "طيب، طيب. بكرة الصبح هنروح للدكتور." يا رب سلم. واحتضنته. فاندس في أحضانها. "يا رب مش ناقصة وجع. ما تفجعنيش في حاجة تاني."
مر اليوم وأتى اليوم التالي. ولم تذهب قمر إلى الشغل ولم تعير بالا بذلك الخصم. فهي لا تفكر إلا بابن أخيها. فهي تعيش له. ذهبت لكي تجري الرنين. وإذا بصدمة أكملت عليها. ستضعها في موقف ستتخذ به قرارات مصيرية تغير الأحداث تمامًا.
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ميفو السلطان
ذهبت قمر وأجرت أشعة وانتظرت النتيجة على نار لتأتي لها الصدمة تدمر قلبها.
فالطفل عنده ثقب في القلب ولابد له عملية ضرورية.
اتجهت للمشفى لتجد أن دور باسم بعد ثلاثة أشهر.
لتسأل عن تمنها، علمت أن التكلفة ستتخطى المائة ألف.
هوى قلبها وذبح تماماً، فهذا ما كان ينقصها.
أحست قمر أنها ستموت، فلم يعد لها حيل.
احتضنت ابن أخيها ذو الستة أعوام وتعلقت به برعب، ظلت تصرخ بشدة.
"ليه يا رب، ليه يا رب؟ تعبت والله تعبت. هو مش كفاية بتحط جهر فوق الجهر؟ إني ما عدت متحملة، كتير يا رب. انت عالم بعبدتك، إني عايشة عشانه أصلاً ومتحملة عشانه السواد. لله الأمر، راضية أهو راضية، بس خف الجضا يا رب. ماتفجعنيش في الواد، ما أتحملش والله."
ظلت تنتحب، وأخذته وعادت إلى البيت محطمة.
دخلت على أبيها، وما أن علم حتى وقع أرضاً وتهالك وظل يبكي.
ذهبت إليه واحتضنته.
"الواد هيروح منا، هنجيب الفلوس منين؟ دول جاله الحجز بعيد ودوره بعد تلات أشهر، وأكيد الواد هيروح فطيس."
"ماعرفش يابا، ماخبراش. أطلب سلفة من الشركة."
"هتطلبي مية ألف يا بتي؟ حد بيدي حد مية ألف."
"أمال هعمل إيه؟ أسيبه يموت."
"ماقدمناش حل إلا تتجوزي، فكري."
"صرخت: الحرامي حرام بقى!"
"طب هنعمل إيه؟ مين هيدفع."
"ماخبراش، ماخبراش. سيبني أفكر، جايز ربك يحلها من عنده."
دخلت وانهارت من البكاء.
"إيه يا جمر؟ هتعملي إيه؟ أطلب سلفة وأكتب على روحي شيك؟ إيه المشكلة؟ ناس كتير بتطلب."
تنهدت وعزمت على أن تطلب في الصباح من الشركة، لعلها تنجد ما تبقى لها من الدنيا.
كان جبل قد قضى أبشع يوم مر عليه من بعد أن تركها، لم ينم في ليلته.
انتظرها أن تأتي ولكنها لم تأتِ. أحس بالاشتعال.
"برضه ماجاتش، أكيد بتتغندر مع عريس الغبرة. ماهي قالت لي: انسي. أنسي إزاي بعد حرقة قلبي امبارح؟ ما عارفش أنسي. طب يا جمر، إن ما اكتأبت."
عدى اليوم وهو يشعر بالجنون، ويتخيلها مع ذلك العجوز. وكل حين يكسر الأقلام ويمزق الأوراق من حرقة قلبه. وإذا دخل عليه أحد يهيج بشدة.
قام واتجه إلى بيته يأكل نفسه. فتخيلها مع ذلك الرجل وأكمل يومه وقد مس أو جن.
صرخ: "لا ما أتحملش إني...". وقام على الفور وطلب عنوانها واتجه للبيت وظل واقفاً تحته.
"إني هستناها تحت. أول ما تيجي معاه، هقتلها وأقتله. إني مش هقعد مجنون أكده. ودي بتتغندر للشايب."
ظل واقفاً يشعر بالغلب، أحس بالقهر والدونية. وكيف وصل به الحال هكذا، كأنه عبد سلسل من قلبه.
صرخ: "هي ما بتجيش ليه؟ حد يسهر لحد أكده. منك لله، هموت."
ركن للخلف من تعبه، غفي غصباً عنه ليقوم منتفضاً.
"إيه؟ إيه؟ إني نمت."
خبط على المقود بغضب.
"طب جت ولا إيه؟ في سنتها السودة."
لم يجد لتفسه حلاً حتى عاد مقهوراً يجر أذيال الخيبة.
دخل البيت وجلس بمفرده بجوار الشجرة، جالساً على الأرض يتذكر رقصتهم وهي بين يديه.
وبدأ يحتسي القهوة، فنجاناً وراء فنجان، حتى أصبح غير متزن من عدم النوم.
لمح شيئاً يلمع على الأرض. اقترب ومد يده، فكان قرط قمر.
مسكه بحنان وظل يملس عليه، ولمسه بشفتيه.
"بتحرجيلي قلبي وانت قدامي، وانت غايبة أعمل إيه؟"
ظل يتذكر كلماتها: "إن حكايتهم انتهت."
فصرخ: "لاه، لاه، ما انتهتش، ما انتهتش. أمال اللي بيهري قلبي ده إيه؟ يا رب، خرجها من قلبي يا رب. هتجنن."
مر اليوم بحرقة أعصاب. إلى أن أتى اليوم التالي.
دخلت عليه فوجدته متجهماً في حالة غريبة، فهو لم ينم ليومين.
ابتلعت ريقها، فهتف غاضباً:
"برضه مشيتي اللي بدماغك وما جيتيش ليه؟ كنت طابونة أبوكي."
"ظروف يا جبل بيه، خارج عن إرادتي."
ضحك ساخراً.
"لا والله! وشكلها إيه الظروف؟ عجوز ومكحكحة."
نظرت إليه بعدم فهم، فصرخ:
"ماشي، مخصوم منك نص شهر عشان تتربي."
"اللي تأمر بيه."
قام مشتعلاً.
"إيه؟ مش هامك خلاص. وصلتي وجيتي على وي ونلتي المراد. امبارح كبشتي منه صح؟"
نظرت إليه ببلاهة. فصرخ:
"مش عندنا شغل، وانت بتتدلعي."
وأخذ أوراقاً ورماها في وجهها.
"ده يخلص هنا دلوقتي."
"طب كنت عايزة حاجة."
"قلت الزفت يخلص."
تنهدت واستدارت. اندفع وشدها لتخبط في صدره.
"هنا يتعمل."
ودفعها على الكرسي. تحملت وجلست، فتحت اللاب والأوراق وانهمكت في العمل.
اقترب هو منها، وغصباً عنه بدأ يتأملها، وعيونه تسرح فيها.
ظل يتفرس ملامح وجهها، وبدأ داخله يلين غصباً عنه.
فهي سحر له، مس من الجنون أصاب القلب لا يُنسى.
ركن قليلاً وتاه، وتاه، وعاد لوقت أن كانت بين يديه يقبلها بجوار الشجرة.
كان قلبه يدق بعنف، وتاه في حكايته. ولكنها حكاية مريرة.
لينتفض ويبتعد كالملسوع. كان سيمد يده يلمسها.
"قومي، غوري بره. ما عايزاش أشوف خلقتك."
"انت عقلك فيه حاجة؟ فيه إيه؟"
لم يعد يحتمل. اندفع وشدها.
"عقلي بيه ألف حاجة، منك لله. عقلي انخبل، ما عدتش قادر. إيه خلاص جاعدة ولا على بالك؟ جبله ما بتحسش. الهانم ما عدتش يهمها. خصم لك شهر ولا عدي على دماغك؟ هيعدي إزاي؟ ما خلاص خلصتي، هتمشي وتعيشي وأنا أقعد اتحسر."
"لاه، انت حالتك صعبة. أجلك وجت تاني."
واستدارت منصرفة. فهجم عليها صارخاً.
"أيوه! حالتي بقت صعبة، طين. عايش طين. بس لاه، إني ما هنهجرش وأقعد أبص. ما قادرش."
وشدها إليه وأنهال عليها، وهي تضربه بقوة وهو لا يتركها.
كان يتوغل في ملامستها مع نفسه تماماً، وقلبه يحرقه، وملامحها تطفي نار شوقه.
كان يركنها على الحائط ولا يتركها. وأنفاسها قد بدأت تتقطع.
كان عنيفاً في البداية ليحس بها تنساب وتترنح من قوته.
فتحول للين شديد، يتلمسها بحنان، وفي نفس الوقت رغبته تجن بداخله.
تيقن أنه ما زال يريدها بشدة، ما زالت متملكة منه.
ظن لسنوات أنه يكرهها، ولكنها الآن له كبلسم لجسده.
كان الجبل يظن أنه شامخ لا يؤثر به شيء، ولكنه من الداخل هش، فتات يهيم بالجميلة عشقاً.
ظن أنها راحت من حياته، وأتى مكانها الغل والكراهية.
ولكن ما في القلب ملتصق، لا يذوب مع الزمان.
حكاية من الغلب لا مثيل لها. رجل أحب وعشق، والغدر كواه.
ولكن الواقع أن العشق هو ما يكويه. عشق فاق تصوره، مسه ومس دواخله.
أكثر شيء موجع في الحكاية أن يكون العاشق كارهاً عشقه، ولكن لا حيل له فيه.
إنه متمكن منه ولا يستطيع نزعه، فإن نزعه ينزع روحه من داخله.
شعر أنه ازداد وازداد، وشعر بالغضب من روحه.
فدفعها فوقعت على الكنبة. واستدار حتى لا يرى مشاعره.
ظلت تنهج بشدة، وبدأت دموعها تسيل.
لم تتخيل ما فعله، كان لينُه واضحاً، ومشاعره نهشت قلبها.
فقامت ومسحت دموعها.
"غوري بره."
دخل أمير وهتف:
"فيه إيه؟ بتزعق ليه؟ يابني انت بقيت بومة."
نظر إليه غاضباً. فهتفت متحاملة على روحها:
"جبل بيه، بالله كنت عايزة في موضوع خاص."
رفع جبل حاجبيه بغضب.
"خاص؟ اللي هو إزاي؟ ماتقولي أنا هبقى بيني وبينك خاص؟ على آخر الزمن، قولي."
ابتلعت ريقها وهتفت:
"أنا بمر بظروف صعبة يعني."
فصرخ:
"وأنا مالي أهلي؟ تمر بظروف ولا تولعي؟ هتجرفيني على الصبح."
"براحة يا جبل، براحة. فيه إيه؟"
تنهدت وهتفت:
"كنت معلش، استسمحك. كنت عايزة سلفة وهردها ضروري. والله حياة أو موت."
نظر إليها وضحك.
"لا والله. وعايزة كام؟"
"مية ألف. والله هكتب شيك على روحي وهسدهم من المرتب، إن شاء الله تاخد المرتب كله."
رفع حاجبيه.
"لا والله؟ وعايزاهم ليه سيادتك؟"
أحنت رأسها.
"حاجة خاصة."
اشتعل وأكله قلبه من الغيرة، وتذكر عرفان.
"أكيد عايز تتشاور وتجيب للبيه حاجات تفرحه؟ العجوز اللي هيموت من أول ليلة؟ يا جهلتي، تاخد فلوسي تتشاور بيها لغيري."
فهب صارخاً كالمجنون.
"ما فتحتهاش سبيل. إني ما فيش مليم هتاخديه."
انصدمت من عنفه. فهتفت:
"يا جبل بيه، أرجوك. إني محتاجة الفلوس دي. والله محتاجاهم حياة أو موت."
صرخ:
"شالله تموتي جدامي لو بشوفك والعة أكده. ماليش صالح. جلت ما فيش. طين واخرجي بره. ما عايزاش أشوف خلقتك. وتاني تغيبي ولا تطلبي حاجة، مالكيش حاجة هنا."
دمعت عيناها واستدارت. فهتف أمير:
"براحة يا جبل. فيه إيه؟"
هتف غاضباً:
"مالك أنت فيه؟ وطين البت دي مش مضبوطة. مالك؟ إني حر. ماهديهاش حاجة."
"بس شكلها عايزة فلوس ضروري."
هتف بتهور من حرقة قلبه:
"تروح تتنحنح لحد غيري يديها. تضحك علي."
سكت أمير قليلاً ثم ابتسم بخبث وهتف:
"طب هقوم بقى. عايز حاجة."
هز جبل رأسه وانصرف.
جلست قمر محنية الرأس.
"طب أجيب الفلوس منين؟ طيب أعمل إيه؟"
تذكرت بيتهم في النجع.
"ما عدش إلا هو يا جمر ينجدك."
تنهدت: "دا جالي لو بشوفك والعة، ما هنجدكيش. يا رب. إيه الحزن ده؟ أقوله الواد تعبان؟ يجعد يذل فيا. أيوه، هيذل ويمكن يشغلني خدامة. لا، ما هقولش إني هديه حجة البيت. هيفرح إنه خد اللي حيلتي. أيوه، ويشمت كمان. اهو أبرد قلبه. جايز ينهد. يا رب، أعمل إيه؟"
قامت واتجهت لغرفة النظافة. دخلت وقفلت على روحها. جلست وافترشت الأرض تبكي.
فتحت تليفونها ووضعت أحد السماعات في أذنها.
كانت دائماً في عز قهرها تأتي بآيات الصبر وتسمعها.
أغمضت عيونها وتاهت في آيات الرحمن، تردد معها بهمس، تلين قلبها وتنزل عليها السكينة.
فجأة، رن جرس إنذار الحريق. وبالطبع لم تسمع شيء، وبدأ الهرج والمرج.
وخرج جبل يأمر الكل بالخروج، ولكن دون إرادة منه، عيونه تبحث عنها تتلهف عليها.
ظل يدور ويدور ويسأل عنها بلا جدوى. أحس بالجنون، كان يصرخ باسمها.
والكل في حال. اتجه إلى الكاميرات.
كانت النيران قد بدأت تشتعل وهناك خطر عليه، ولكنه لم يبالي من الأساس.
كل همه أن يعرف مكانها. فتح الكاميرا، وما أن عرف مكانها حتى اندفع إلى غرفة النظافة وفتحها.
ليجدها مفترشة الأرض وتردد في سرها. أحس بالجنون.
"الدنيا بتولع ودي قاعدة تحب في مين؟ يا مراري! هتخلص عليا يا بت حمدان."
شدها إليه بقوة واحتضنها، لترتعب من منظره ولهفته. همست بخوف:
"فيه إيه؟"
صرخ:
"فيه نار ولعت في الدنيا وانت قاعدة أهنه بتسمعي إيه؟ أنت."
وشدها للخارج، وظل يحاوطها، وخوفه عليها كمجنون. وهي بين أحضانه.
خائفة، تذكرت وقت أن كانت في النيران. ارتعبت وكلبشت فيه. فهتف:
"ما تخافيش، ما تخافيش. إني جارك."
وهي تنتفض، ظل محتضنها كأنها روحه. ومن كثرة الناس انفلتت منه، ليصبح كمجنون يدور بهايج، يصرخ باسمها كمجذوب.
ليندفع ولمحها. اندفع وشدها لمكان آمن واحتضنها بقوة، وكلبش فيها.
ظل كل منهم يركن للآخر. هي من رعبها، وهو من خوفه عليها.
أحست أنها نامت في أحضانه بزيادة. حاولت أن تخرج من أحضانه، فصرخ:
"اخرسي بقه، اخرسي. إنت إيه؟ متاجر تموتيني؟ حاوطها ولم يتركها."
"اخرسي. سيبيني أبرد جتتي. اشمعنى إني هي جت عليا."
لم تعد تحتمل دفعته وصرخت:
"كفاية بقى، كفاية. خلاص خلصت. متاجر إيه؟ دانت متاجر تموت بلد."
"إيه اللي خلص؟ جولي. بصي في عيوني وجولي إيه اللي خلص؟ ما فيش حاجة خلصت. ما فيش. طول ما أنا عايش، ما فيش حاجة هتخلص. هفضل قدامك منين ما تروحي. هتخلص إزاي؟ اشمعنى خلصت عندك؟ ليه؟ ليه ما بتخلصش عندي؟ ليه؟ جولي خلصتيها إزاي؟ وأنا أخلصها. ما بتخلصش، ما بتخلصش، ولا هتخلص. جولي، إنت قصدك تخلصي عليا صح؟ تجهريني؟ كتير قاعدة لمين ومتخبيه؟ بتكلميه؟ انطقي."
كان قد أصبح كمجنون. نظرت إليه بوجع، غير مصدقة ما تمر به.
فهذا كثير علي. لتدفعه وترحل. ويقف هو مقهوراً.
"أروح فين؟ أعمل إيه؟ أعمل إيه؟"
واستدار هائجا، يكسر ما حوله.
ذهب لبيتها، متعبة، متهالكة. دخلت وأخذت حجة البيت ووضعتها في شنطتها لتعطيها له في الصباح، لعله يعطيها المال بمقابل، فهي لن تكل حتى لو أذلها ألف مرة.
أتى اليوم التالي، وأخذت معها حجة البيت وانتظرته فلم يأتِ.
فذهبت إلى بيته، فوجدته يخرج منه ويتجه لعربته. فهتفت مسرعة:
"كنت عايزك ضروري."
هتف:
"مش فاضيلك دلوقتي، جاي ليه؟ هو ذنب؟ استغفر الله."
واستدار وركب عربته. فاندفعت وركبت العربة. نظر إليها رافعاً حاجبيه. فهتفت:
"والله عايزك ضروري."
أشار إليها أن تصمت. تنهدت وصمتت.
مر الوقت ليقف على أحد المراسي وينزل، وهي وراءه تكلمه.
صعد على أحد المراكب. ظلت تنظر إليه بقهر، فصعدت وراءه.
وإذا بالمركب يسير. فهتفت:
"انت استنى! بتعمل إيه؟"
هتف:
"والله ما حد جالك تاجي. إني جاي أريح دماغي من جرف امبارح، وانت زي الجراضة. يبقى تنكتمي، فاهمة."
جلست مقهورة تنتظره. كان هو يدور هنا وهناك. ووقف هو بعيداً يتأمل النهر.
كان الجو صافياً، واتساع النهر قرب المصب يأخذ الأنفاس.
وقف يفكر فيها، فهو لم يعد يفكر في حياته إلا بها.
كانت تتأمله من بعيد، يقف شامخاً. ظلت ساهية فيه، وقلبها يدق.
"بتحبيه يا جمر؟ لسه؟ عيونك متعلقة بيه؟ ما بتعرفيش تشيلي عينك منه. لما بيبقى ساكت، قلبي بيحن. ما عايزاهوش يتكلم أصل. بشوف جبل القديم بعيونه الرايقة. بس يتكلم ويبص لي، ما بابقاش عارفاه. يا رب. قومي كملي حزن. يا رب صبرني."
قامت هيا واقتربت منه.
"ممكن بقى تسمعني."
استدار ونظر إليها. ظل ساهماً. تنهدت فاستدار مرة أخرى.
اقتربت منه، فأحست بأنفاسه تزداد. كان يتحكم في نفسه كي لا يستدير ويحتضنها.
فمنذ أن علم أنها ستتزوج، وهناك حالة مسيطرة عليه أن يحبسها ويأخذها في أحضانه ولا يخرجها حتى تلفظ أنفاسها.
وضعت يدها عليه، فانتفض ودفعها فوقعت.
"يدك ما تتحطش عليّ، هاه؟ عشان بجرف. والله ما هي ساهلة. هيا."
أحست بوجع.
"طب تسمعني عشان أمشي."
ضحك.
"تمشي فين؟ هتنطي الميه؟ قاعدة مع واحد في جلب الميه وجيتي وراه ليه؟ هاه؟ رايدة إيه؟ الشايب عارف إنك مع راجل لوحدك."
صرخت بقهر.
"بطل بقى يا أخي. انت إيه؟ ارحمني شوية."
هتف:
"أما تخفي من على الدنيا."
صرخت بحرقة.
"مت في الحريقة."
كانت تقصد حرقة أخيها، ولكنها كتمت نفسها. فالسواد أصبح حالكاً، وتلبستها حالة من البلادة.
هتف غاضباً:
"بتتمني ليه؟ ما إحنا فيها."
وأندفع واحتضنها ونزل بها في الماء.
ظلت تصرخ بقوة وكلبشت فيه. ضحك هو.
"مش كتير عايزة تموتي."
ظل يداعب جسدها هاتفا:
"والا مستنية الشايب يملس على جتك وتاخدي وتكبشي من الدنيا."
ظلت ساهية لفترة في عيونه. كان وجهه بالنسبة لها غريباً.
راته شخصاً آخر، فجأة، شخص مخيف. أرادت أن تبتعد عنه لأميال.
أما هو، فشعر برهبة. نظرتها تحولت بشكل غريب. رجف قلبه.
لم تعد تحتمل، ودفعته بعيداً وابتعد. وغاصت هيا للأسفل.
كانت لا تقاوم، أرادت أن تموت.
ظل هو ناظراً. اعتقد أنها ستعافر وتندفع إليه، فوجدها غاصت بسرعة دون أي مجهود أو تراجع.
ظل ساهماً، لا يصدق فعلتها.
وعلى الفور نزل يبحث عنها. كان الماء مظلماً، والجو أصبح مغيماً.
كان يخرج وينزل برعب، وهي تغوص وتتخيل شريط حياتها أمامها.
لم تعد تريد أنفاسها، كفى من تلك الدنيا.
كتم نفسه ونزل ووصل إليها وشدها للأعلى.
ظلت تصرخ بقوة وهو محتضناً إياها، مكلبشاً فيها.
صعد بها على المركب ولم يفلتها، وقلبه يصرخ، كأنها خلقت تعذب فيه.
دفعها، والغضب من خوفه عليها ينهش قلبه، فصرخ.
"كانت متهالكة على أرضية المركب تسعل بشدة. 'انت واحدة مخبولة، عايزة تجيبي لي مصيبة؟ صح؟ منك لله. انت إيه يا شيخة شر.' "
أراد أن يحتضنها ولا يتركها، ولكنه هب وتركها وذهب إلى أرضية المركب.
كان يهرب منها حتى لا يحتضنها. شعر بالجنون والخوف، وارتعب من كم الخوف بداخله.
"انت هتتجنن؟ البت هتخبل جلبك؟ كان هينخلع؟ يا مري! إيه ده؟ حريقة الصبح وغرق بالليل؟ إني هتحمل كيف؟ هتحمل كيف؟ دا مستني بقيت مخبول. والله بقيت مخبول."
أما هي، فظلت متهالكة على أرضية المركب تشعر بالبرد وأسنانها تصطك بشدة.
قامت ونظرت حولها لعلها تجد شيئاً تغطي روحها. فلم تجد.
وجدت شوالاً في أحد الأركان، فذهبت إليه ووضعته على كتفيها.
وانهالت منها الدموع.
"كنت عايزة تموتي. اتخبلتي؟ وابن أخوكي مين يربيه؟ انت إيه؟ هتموتي كافرة؟ كل ده عشان إيه؟ هو بيحرجك وعايز يجهرك؟ استحملي، استحملي. دي عيشتك. تصبري وبس. هو ابتلاء، أيوه ابتلاء. ابن أخوكي محتاجك يا جمر. شدي نفسك واصْلُبي طولك. اديله الحجة، بردي جَلبه اللي ما عادش ليه جلب من أساسه."
خرج هو فوجدها هكذا. أحس بقلبه يأكله عليها، فهتف:
"انزلي، البسي حاجة من عندي."
"كتر خيرك. ممكن نروح."
هتف ببرود.
"هنروح، بس عرفيني كنتي جاية ليه ومحرجة جوي أكده."
اقتربت وهيا ترتعش، وذهبت إلى حقيبتها. وأخرجت حجة البيت وأعطته له.
هتف:
"إيه ده؟"
"حجة البيت يا جبل، خدها."
نظر إليها.
"أخدها؟ أخد إيه وليه؟"
"خدها وأديني مية ألف. همضيلك على الحجة."
ابتلعت ريقها.
"أظن انت لك تاخد تمن فلوسك. اهو بيتي، خده وافرح."
قام وصرخ:
"بيتك؟ هتديني بيتك؟ ليه؟ هاه؟ هو سر؟ عايز إيه؟ الراجل ده هيبيعك بيتك عشان تجيبي له الأخضر والاحمر وتلبسيله."
ابتسمت هيا على تفكيره، فصرخ:
"يعني صح؟ صح يا مري؟ بتبيعي بيتك؟ عشان الشايب ده؟ أرضك نهارك طين. ليه؟ عاملك عمل ده؟ شايب؟ هتاخدي منه إيه؟ يا مري."
ظل ينظر إليها بقهر.
"بتبيعيله بيتك؟ يا حزن السنين. ليه؟ ليه؟ عاملك إيه؟"
اقترب صارخاً.
"بتبيعيله بيتك ليه؟ انطقي! هتتجنني وتتجوزيه؟ ليه؟ هتعملي بيه إيه؟ منك لله. ليه؟ ليه؟ عايزة تتشاوري بفلوس دارك؟ هيجيب لك قصر؟ هاه؟ هتتغندر ليه ويجيب لك؟ عشان أكده عايزة فلوس؟ تلحسي عجلة صح؟ ماهو راجل شايب وأهبل وشايف واحدة جمر جدامه مالهاش وصف."
كانت تنظر إليه بأسى، وما وصل إليه من غل تجاهها. أحست أنه مجنون أو أصبح به مس. ليس منه رجا. أحست أنه ضاع للأبد.
كانت صامتة، لا تعلم كيف ترد.
صرخ: "والدار دي حقك؟ هاه؟ مش أخوكي ليه فيها؟ وابن أخوكي؟ والا هتاكلي حق الواد كمان؟ يا مري، ما بتفكريش في حد خالص. كلو نفسك وبس. الواد ده مش أمانة أخوكي. تسرجي حجة. منك لله."
كان يحترق.
"كل ده عشان الفلوس؟ هاه؟ ما شبعتيش فلوس من اللي ضحكتي عليهم؟ آخرتها الشايب ده."
نظرت إليه، أحست أنه مجذوب فعلاً. هزت رأسها واستدارت، فلا أمل فيه.
شعر بنار في جوفه.
"هتروحي تبيعي الدار تجيب حاجات للشايب؟ هتروحي تجيب وتلبس؟ ويلمس عليها؟ قلبي منك لله."
أحس بنار. رآها تستدير، أحس أنه سيموت. فقام وشدها.
"رايحة فين؟ رايحة فين وسيباني بحرقة أكده؟ وجلبي نار جايدة."
دفعته.
"بعد خلاص. إني غلطانة. انت إيه؟ ده البعد عنك غنيمة."
صرخ:
"البعد عني غنيمة؟ والجرب من الشايب إيه؟ جولي؟ جولي."
مسكها وهي تتملص منه.
"رايداه ليه؟ هتعملي بيه إيه؟ انت جمر؟ فاير؟ بصي لحالك. رايحة لده ليه؟ منعول أبو الفلوس."
شدها يحتضنها بقوة.
"تعالي، هديكي الفلوس."
ونزل بها إلى أرض المركب. فصرخ:
"هديكي المية ألف وتبقي ليا دلوقتي."
نظرت إليه بذهول. هتف:
"إني هاخدك وأديك الفلوس، وأهو رخص برخص. إني أولى واستفاد، وهديكي تشبعي يا بت حمدان."
شعرت بالاشمئزاز. فرفعت يدها وأنهالت على وجهه.
وقف مصدوماً، وقلبه سيخرج من مكانه.
"عارف إني شايفاك شيطان دلوقتي. أي والله شايفه جدامي جرف وحزن. ما كنتش اتخيل إنك توصل لكده. جاي تقول لي هديكي وتنام معايا؟ هو خلاص؟ انت خلاص خالص؟ مت خالص؟ ما عادش نخوة؟ ما عادش حاجة خالص."
صرخ:
"بسببك يا جاحدة."
صرخت:
"لاه، مش بسببي. بسبب غلك وحزنك. جاي تقول لي إيه؟ منك لله. أول مرة أدعي عليك يا جبل. بدعي بحرقة. منك لله. انت آخر واحد يلمسني. لو هموت، ما هتلمسنيش."
ظل ينظر إليها وقلبه يغلي، فهتف:
"طب يا جمر، فلوس ما فيش. وخلي الغندور يجيب لك هو."
استدارت وهيا ترتعش.
"أقول إيه؟ فوضت أمري لله. ما عايزاش منك حاجة، ويا رب ما يحوجني ليك إلا الحوجة ليك. ذل ومرطة نفس."
ضحك هو.
"ماشي يا ست الغندورة. روحي لفلفي على الرجالة اللي تعرفيهم وهاتي. والا أبعت لك حد تبسطيه ويديكي."
نظرت إليه بوجع ودموعها تسيل. فأشاح بوجهه.
ظلت جالسة إلى أن أدار المركب وعاد.
عاد بها إلى بيته. هنا كان أمير ينتظره، وتفاجأ بوجودها معه.
فركن جانباً وصعد جبل وتركها أمام البيت.
"إيه ده؟ هما كانوا مع بعض؟ وبيقول مش طايقها؟ هو فيه إيه بالظبط؟ يكونوش مرافقين بعض من ورانا."
أتى أمير مسرعاً. هتف:
"قمر، كنت عايزك في حاجة."
نظرت إليه بتعب.
"عايزني؟ خير يا أمير بيه."
"لا، مش هنا. ممكن."
تنهدت وهتفت:
"طيب."
ذهب بها إلى العربة، فهتف:
"ادخلي يا قمر."
ارتبكت هيا.
"هاه؟ أدخل؟ خير؟ فيه حاجة؟"
هتف:
"ادخلي بس، الموضوع بخصوص السلفة."
ابتسمت له.
"بجد؟ والنبي."
مد يده يداعب ذقنها.
"والله هفرحك. تعالي وأنا هريحك."
ركبت هيا سعيدة وانطلق بها.
أثناء انطلاقهم، كان جبل واقفاً بالأعلى يراقبها. فراها تركب العربة.
شعر بنار في جوفه.
"هو فيه إيه؟ إني هحلج عليها منين والا منين؟ إني حاسس إني هنجلط. يا رب! عالحزن جاي ليه ده؟ وبيركبها العربية؟ إني هدور في الشوارع زي المجذوب وراها."
نزل مسرعاً كي يعرف فيما يتكلمون.
وما أن وصل حتى وجده ينطلق بالعربة. أحس بالجنون.
"وأخدها فين ده؟ منك لله."
اندفع وركب عربته وانطلق وراءه. ليتوقف قلبه عندما...
حسحس ابننا بقى حسحس الأبله 😁😁😁😁خليك كده لحد ماجيب قلبك فرافيت ماتتعدل يا حلوف بقى.
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ميفو السلطان
أخذ أمير قمر واندفع بها بالعربة.
"انت واخدني فين؟" هتفت.
ابتسم وقال: "مستعجلة على إيه؟ هتعرفي كل حاجة وهتننبسطي وتتراضي، بس اصبري."
تنهدت وصمتت إلى أن وقفا أمام عمارة.
قال: "يلا انزلي."
قطبت جبينها: "أنزل فين؟ إحنا فين؟"
قال: "هجيبلك الفلوس يا قمر."
"مش عايزة الفلوس."
تنهدت وابتسمت ونزلت معه وصعدا معاً.
اقترب من أحد الأبواب المغلقة وأخرج مفاتيحه وفتح الباب.
"خشي." هتف.
شعرت بالرهبة: "هاه؟ أخش؟"
قال: "لا، إني هقعد هنا."
"عيب كده، الناس تقول إيه؟ خشي يا بنتي، مالك مرعوبة كده؟ هعملك إيه؟ هاكلك؟ ما تخافيش. على فكرة جبل عارف كل حاجة."
رجف قلبها: "جبل عارف إني هنا معاك؟"
هتف ضاحكاً: "طبعاً. خشي، خشي."
تنهدت ودخلت.
فقال: "اقعدي يا قمر، أجيب لك حاجة تشربيها؟"
قالت: "مالوش لزوم. قول هتديني الفلوس متى؟"
اقترب وأعطاها عصيراً: "اشربي طيب."
جلس أمامها.
"بصي يا قمر، إنتِ من أول ما شفتك وأنتِ دخلتِ دماغي وعيني. بصراحة، ما راحتش من عليكي."
خجلت هي.
"إيه يا أمير بيه؟ ما يصحش كلامك ده."
قال: "لا، ما يصحش إيه؟ إحنا هنلعب على المكشوف."
قطبت جبينها، فهتف: "أنا هديكي الفلوس الميت ألف دلوقتي."
هبت إليه ملهوفة: "والنبي صح؟ هتديتي؟ طب كتر خيرك، ده جميل مش هنساهولك."
ضحك وقال: "لا جميل إيه. عموماً، ممكن يبقى فيه جـمايل بعدين. ماهو ما وراناش حاجة وأنا قاعد كام شهر، ما زهقتش منك."
نظرت إليه لم تفهم شيئاً.
فقال: "بصي بقى، أنا كلمت جبل وقولت أديكي الفلوس بطريقة تانية طالما هو مش راضي."
قالت: "طريقة تانية كيف ده؟"
قال: "مانا بقولك قاعد شهور هنا لوحدي في الشقة الفاضية وعايز ونس."
قطبت جبينها: "ونس؟ مش فاهمة."
تأفف: "إيه يا قمر؟ إنتِ المفروض شغالة وفاهمة."
هتفت بدهشة: "شغالة؟ شغالة إيه؟ انت بتجول إيه؟"
قال: "وماله؟ أجبهالك وش. أنا عايزك."
نظرت إليه نظرة بلهاء.
فقال: "الميت ألف قدامهم. نترافق للشهور الجاية وتبسطيني."
أحست أن قلبها سيقف. نظرت إليه بذعر: "بتجول إيه؟"
قال: "بقول ميت ألف مقابل تعيشي معايا. فيها إيه دي جديدة؟"
فصرخت بحرقة: "انت اتجننت؟ انت بتجول إيه ده؟"
قال: "فيه إيه جديدة عليكي؟ مش عاجبك؟ المية أزود يعني، والا إيه؟ جايلك أكتر؟"
صرخت: "انت واحد ماتعرفش ربنا. بقي بتعرض عليا فلوس يا زبالة عشان أنام معاك؟"
قال غاضباً: "فيه إيه يا روح أمك؟ ماتتلمي بدل ما أفلقك نصين. فيه إيه؟ هو جديد؟ ما إنتِ بتتحضني بفلوس. واحدة شمال، هو جديد؟"
أحست بقلبها سينشق: "إني بتحضن بفلوس؟ إني شمال؟"
هتف: "مالك محسساني إنك خضرة الشريفة كده؟ والكل عارف. وجبل قال بدل المرة ألف إنك شمال ومفضوحة."
تراجعت وترنحت: "جبل عارف؟ جبل جالك إني شمال وبتحضن؟ جبل قادر يجولها لك ورضي؟ جالك بتحضن بفلوس؟"
هتف كاذباً: "أيوه، قال وقال كتير كمان. ولو عايزك هيديكي فلوس. بس هو عشان لسه خاطب، إنتِ قدامه في أي وقت يشاورلك بفلوس. أنا لا. ليه؟"
"آه بقه. دانت كنت عايزة جبل؟ إيه؟ عاجبك؟ والا عشان صعيدي زيك؟ بس عموماً، هو عارف يا ستي إنك هنا. نخلص مع بعض وينط مكاني. وهخليه يتوصى بالفلوس. هو بس غشيم شوية."
نزلت دموعها: "جايبني ليك للدرجادي؟ إن ما عادش فارجة معاه للدرجادي؟ إني رخيصة قوي؟ ما عادش نخوة؟ ما فيش شرف؟ حتى يشاورلي بالفلوس أروح له لو عايز؟ داني صعيدية زيه؟ بلاش حرمة من خلق الله يا جلبي اللي بيتمزع. آآه، ليه يا رب؟ إيه السواد والهوان ده؟"
اقترب أمير واحتضنها.
"هديكي، ما تزعليش."
صرخت وابتعدت وترنحت وهي تشعر بدوار: "ابعد يا واطي، ابعد يا زبالة. هيا مين اللي هتديها؟ يا مري! هيا حصلت يا حزنك يا جمر. إيه اللي إنتِ فيه ده؟ جايبلي زبالة يا جبل تحضني؟"
هنا انفعل أمير وصفعها. فسأل الدم من فمها: "أنا زبالة يا زبالة يا كناسة الشوارع؟ فيه إيه يا بت؟ إن ما كناش عارفين حالك الوسخ وركوبك عربيات مع الرجالة، هتيجي عندي وتعملي شريفة؟ وبديكي فلوس؟ إيه؟ مش هتكيفك؟ يا روح أمك زي العجوز ما كيفك اللي ركبتي معاه؟ اداكي كام؟ انطقي."
كانت تتراجع وتهز رأسها ودموعها تنزل وبدأت تشهق: "إيه الكابوس ده؟ ده كابوس؟ آه، كابوس. اصحي يا جمر، اصحي. لا، مش حقيقي. ماينفعش يكون."
بدأت تترنح. فقد وضع لها في العصير مخدر. فترنحت.
اندفع يمسكها. فدفعته فوقعت لتسقط أرضاً وتنغرز جسدها في حافة المنضدة. فصرخت من الألم.
اقترب وحملها. وهي تبعده ولكن قواها خارت.
فهتف: "طب نخليها بقى ببلاش طالما إنتِ بتقلّي أدبك."
كانت قد بدأت تتوه وجسمها يسيب ولا تقوى على رفع يدها وتترنح يميناً ويساراً. ليريحها على الفراش ويخلع قميصه.
"انت ليلتك مش معدية."
اقترب بهدوء وفتح بلوزتها. كانت تبكي ولا تقوى على الكلام وتحس به يلمسها. فرد شعرها وهي قد بدأت تتغيب عن الدنيا وتعلم أن تلك النهاية وأن حياتها ستقف عند تلك اللحظة.
عند جبل، ما إن رآهم اندفع وركب عربته وذهب وراءهم. وجدها تنزل معه. فهتف: "نهار أسود! راحة فين دي يا مري؟ هيا حصلت يا جمر؟"
نزلت وصعدت. ظل جالساً لفترة يشعر بنار في جوفه. "دي آخرتها؟ بقيتي بتروحي شقق يا مراري؟ طب إني هموت. والله هموت."
"لا، ما موتتش. إني هقتلـها. هيا سودت حياتي دي. تتقتل."
قام ونزل مسرعاً وصعد إلى البيت. ظل يخبط على الباب بجنون. كان أمير يقترب من قمر فسمع خبطاً فـتأفف وقام وقفل الباب وقام وفتح الباب. وعندما رآه جبل في تلك الحالة صرخ بهياج كالمجنون: "انت خدتها؟ خدت البت؟ لا، لا ما خدتهاش. لاه. هيا فين الفاجرة؟ هيا فين؟"
اندفع يبحث في الحجرات. دخل فانشل مكانه. كانت نائمة وبلوزتها مفتوحة. فاندفع إليها: "دي آخرتها يا فاجرة!"
ومسكها من شعرها، فلم تتحرك. كانت نائمة. قطب جبينه. اقترب أمير وشـد يده: "انت اتجننت؟ سيبها واطلع بره. انت إزاي تتهجم علينا كده؟"
كان جبل ينظر إليها وعيونه جاحظة وقلبه سينشق: "هيا… هيا عاملة لي أكده؟ فيه إيه؟ وانت إزاي تعمل أكده؟"
شده أمير للخارج وخرج: "فيه إيه؟ مش قلت لي شمال؟ مالك إنت؟"
"جبل، من فضلك. أنا ما بحبش حد يدخل في حياتي."
صرخ جبل: "انت مخبول؟ انت عايز تاخد البت؟ هيا مالها؟ ميتة والا مالها؟ ماسكه من ملابسه. انطق، عملت إيه؟"
هتف أمير متأففاً: "لا، واخـداها بس مـهديء وخلاص بقى. هتعمل قصة على بت ما تسواش."
هتف مذهولاً: "انت مخدر البت اللي جوا دي يا أمير؟ نهارك طين."
فهتف أمير: "مالك إنت؟ أخدر وأنا أنيل. الله! أنا هراضيـها بالفلوس. مش انت قلت إنها شمال؟ أنا قلت لها هراضيها وقولتلها إنك عارف وإنك اللي قلت لي عليها شمال وبتتحضن بفلوس وعارف إنك واخدها عشان الفلوس. هاه؟ لسه حاجة تانية؟ واتفضل بقى. نكدت عليّ. الله ينكد عليك."
وقف جبل مشلولاً: "إيه؟ جولتلها إيه؟"
أحس بقلبه سينفلق. هنا هجم عليه جبل: "بقا أنا! أنا اللي جولت لك تاخدها؟ ليه؟ جرني ومركب جرون. منك لله. دي آخرتها؟ بتجولها إيه؟ انت زمانها جالت إيه؟"
هتف أمير: "أنا وقعت في وسط جوز مخابيل. إنت مهبول وهي كانت عاملة زي المدبوحة لما قولتلها إنك عارف. إنتو فيه إيه بالضبط؟"
صرخ: "فيه إيه؟ فيه إيه؟ فيه سواد. فيه حزن وبيتحط عليّ بالكوم. كني ناجص حاطيط. إيه منك لله؟ تخدر البت وتاخدها في الحرام."
صرخ: "أمال عايزني أخـدها في الحلال؟ انت عقلك فيه حاجة؟ ويلا بقى قبل ما تتهبب تفوق. أنا هديلها الميت ألف وقولتلها."
صرخ جبل: "انت واحد واطي."
هتف أمير: "لا بقى! انت تلم نفسك وتطلع بره أحسن لك."
قال جبل بحرقة: "ألم نفسي؟ دانت ليلتك سودة."
وهجم عليه. فدفعه أمير ليقع أرضاً واندفع إلى الحجرة وقفل عليه وهجم على قمر.
شعر جبل بالهياج: "افتح يا واطي! يمين الله لاطلع روحك. افتح! لو لمستها هنتش جلبك من جواك."
ظل يضرب الباب إلى أن انفتح ووجد أمير مستلقياً على قمر. فهاج واندفع يضرب فيه. ظل يضربه بقوة كأنه جُن. وقربها من ذلك الحقير. أماته. صرخ: "بقي إني جولت لك تاخدها؟ إني كنت عارف إنك هتجبها اهنه؟ إني جولت لك بتتحضن بفلوس يا فاجر؟ يا مري! هموت! البت هتجول إيه؟ يا ريتني ما جولت ولا نطقت! مين اللي شمال يا زبالة؟"
ظل يضربه. "إني ما قصدتش أقول لك يا واطي. كنت محروق."
هلك أمير بين يديه وغاب عن وعيه. ووقف جبل يلهث وقلبه يحترق. اندفع احتضن قمر بقوة: "لاه، لاه. ما كانش هياخدك. لاه. جلبي بينحرج. ما عادش قادر. ما عادش. أعمل إيه؟ لا، إني هتجنن خلاص. إني ما عادش نافع. انت بتاعتي. ما تروحيش لحد. بتاعتي وبس."
ظل يحتضنها بقوة ويملس على جسدها بحنان. دمعت عيناه. "ليه عملتي فينا أكده؟ كنت اصبري. كنت هجيب لك فلوس كتير. والله كنت هجيب. كنت هجيب لك نجمة من السما."
نزلت دمعة من عينه. أغمض عينيه واحتضنها وركن على الفراش يهدئ قلبه. "طب إيه؟ هعمل إيه؟ ما فيش في دماغي حاجة. والزبالة يقولها إني عارف. نهار أسود! هتجول إيه؟ إيه الجرف ده؟ حتى لو بكرهها ما هفرطش في شرفها أكده. داني أحطها في العين والنني. كنت هنهبل عليها. لاه. هيا مش أكده. هيا آه بتاعة فلوس، بس مش أكده. إني بوجعها بكلام وأغش، بس جوايا مش أكده. مش أكده."
"جمر مش أكده. جمري استحالة تفرط في حالها. كلبش فيها. أيوه، هيا لسه بشوكها. أيوه، وإلا أموت حالي. إني بكرهها. أيوه، بس ما أصدقش. ما أصدقش."
ظل ساهماً يراقبها تلمس شفتها المصابة. "بكرهها. إني بكرهها."
نزلت دموعه. "لاه، مش قادر أكرهها. أعمل إيه يا سنيني السودة؟ نفسي أموت. نفسي."
قفل بلوزتها وحملها بهدوء ونزل بها إلى عربته واندفع بها إلى بيته. صعد وأراحها وظل جالساً يفكر ماذا يفعل. كانت تفكيره مشلولاً.
بدأت هيا تفتح عيونها. ظلت ساهمة لا تعرف أين هي. ثم تذكرت آخر لقطة فصرخت برعب وهبت. فاندفع ومسكها: "أهدي، أهدي. ما فيش حاجة."
ظلت تنتفض وتنظر إلى جسدها وتصرخ. ظلت تصرخ. اندفع واحتضنها: "والله أهدي. ما حصلش حاجة. إني لحجتك. والله ما حد لمسك. أهدي يا جلبي."
سمعت كلمته فكلبشت فيه. كانت ترتجف في أحضانه. وكلما تذكرت قرب ذلك الحقير منها تصرخ وتئن. وهو يكلبش فيها عن آخره. "خلاص. والله خلاص. إنتِ أهه معايا. ما حدش جه جارك. إنتِ سليمة. ما لمسكيش الواطي ده."
استكانت ولكنها كانت تنتفض وهو لا يتركها. ظل يمسد عليها: "أهدي يا جلبي. والله إنتِ زينة."
ظل يهدهدها إلى أن استكانت تماماً ونامت مرة أخرى بين أحضانه من رعبها وما حدث لها. أما هو فركن وأخذها في أحضانه وظل يمسد على جسدها وهي تنتفض بشدة: "إني عايش سواد ما حدش عاشه."
مر الوقت ورن تليفونها. قام فوجد أنه أبوها. فنادى الخادمة وقال لها أن ترد عليه وتقول إنها في اجتماع وسوف تتأخر. فامتثلت له.
مر الوقت وفتحت عيونها مرة أخرى. كان هو قد أحضر لها كوباً من الليمون تشربه. مد يده إليها. ظلت تنظر إلى يده الممدودة. لم تمد يدها. قامت بهدوء. كانت تترنح فمسكها. ابتعدت على الفور. كان قربه يكوي قلبها. تشعر أنه لعنة في حياتها لن تتخلص منها. رفعت عيونها تنظر إليه تتفرس فيه. كيف لم تعرفه جيداً؟ كيف تخلى عنها بهذه البساطة؟ أليس له شرف؟ أشرفها عنده في الحضيض.
كانت تنظر إليه نظرات مبهمة. فصرخ بحرقة: "بتبصيلي ليه أكده؟ إني ما عملتش حاجة."
رفعت حاجبيها وابتسمت ثم انفجرت ضاحكة. وهو ينظر إليها بذهول. هل جـنت؟ ماذا بها؟ هزت رأسها بيأس واستدارت. فوقف أمامها: "رايحة فين؟ إنتِ تعبانة."
هتفت بجمود: "رايحة بيتي يا جبل بيه."
كانت نبرتها خالية من أي شعور. ابتلع ريقه بصعوبة وبداخله يتمزق. استدارت ليندفع يقف أمامها قائلاً بلهفة: "إني ضربته. خلصت عليه ضرب."
ابتسمت وأكملت طريقها. فوقف مرة أخرى أمامها: "إيه؟ ماهتجوليش حاجة؟ جولي إيه حصل؟ إنت إيه اللي طلعك معاه طيب؟ ماتسيبنيش أكده. انطقي. جلبي انهري يا شيخة."
رجعت تنظر إليه فصرخ: "انت مخبول؟ بتبصيلي ليه أكده؟"
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل العشرون 20 - بقلم ميفو السلطان
وقف جبل أمام قمر وهتف:
"اسمعي يا جمر، إني عارف إنك عايزة فلوس وإني جررت أديكي الفلوس."
نظرت إليه رافعة حاجبيها:
"هتديني الفلوس بعد إيه وليه؟"
هتف:
"إنتِ ليكي تاخدي الفلوس، مش عايزة فلوس ومش هسألك عايزاهم ليه، مع إنّي عارف."
قطّبت جبينها:
"عارف؟ عارف عايزة الفلوس ليه؟"
ضحك:
"ماهو أكيد عشان جوازتك، عايزة شوار تزغللي عين عرفان."
ضحكت ونظرت إليه بغلب، هزت رأسها مبتسمة:
"كأنه إيه، والله عايزّاهم لأكده."
هتف:
"بصي بقى، إني هديكي الفلوس، بس… بس…"
قاطعته:
"بس إيه؟ أكيد مش لله في لله."
"جول، احدف اللي في عبك عادي، إني عايشة عشان ينحدف عليا. جول ما تخجلش."
"هتشغلني خدامة في القصر بتاعك؟ والا همسح سلالم الشركة؟"
هتف:
"لأه، ماهعملش أكده."
نظرت إليه:
"ماتجب اللي في بطنك يا جبل وجول التمن إيه."
هتف وقلبه يخفق بشدة:
"تتجوزيني؟ هديك الفلوس."
نظرت إليه ورجف قلبها:
"لو وافجتي تتجوزيني هديكي الميت ألف."
كانت تتأمله تحاول أن تعرف ما يقصد. همست بوجع:
"عايز تتجوزني يا جبل؟ إيه ده؟ ليه؟ خير يا رب."
ابتلع ريقه:
"عشان اكتشفت إنّي عايزك يا جمر."
رفعت جبينها:
"عايزني؟ إنت يا جبل عايزني؟ إنت؟"
هتف:
"أيوه عايزك، فيها إيه؟ راجل عايز واحدة."
هتفت:
"لسه عايزني إنت؟ بسهولة كده وهتنسى اللي فات؟"
هتف مندفعًا:
"إني عمري ماهنسى اللي فات يا جمر."
نظرت إليه بوجع:
"ماني عارفة ومتأكدة، عشان كده مستغربة."
ابتسمت بسخرية:
"أما هتجعد معايا العمر كله؟ فاكرلي اللي عملته؟ هتتجوزني وإنت بتكرهني؟ هتعملها إزاي دي؟"
هتف:
"ومين قال إنه هيبقى عمر كله."
قطّبت جبينها، رجف قلبها:
"أما مش جولت هتتجوزني؟ تاعب حالك وهتتجوزني؟"
هتف:
"أيوه، بس عرفي وما حد يعرف، وهديكي الفلوس اللي تعوزيها."
عمّ صمت مطبق، وكل منهم ينظر للآخر وأصوات أنفاسهم عالية. ظلت تنظر إليه، لمعت عيناها قهراً. أحست بزبحة في قلبها. ألهذه الدرجة رخيصة؟ ولكنها ابتسمت:
"آه، قصدك زي ما أمير عمل، تنام معايا بفلوس بس تحللها لروحك بالعُرفي، صوح أكده؟"
هتف:
"اسمعي، إني ما عارفش أكمل كده. إني اتأكدت إنّي عايزك وعايز تبقي ليا، عايز أشبع رغبة هتموت جوايا."
هتفت:
"رغبة جواك؟"
"مش إني شمال، هتاخد واحدة كده؟ هتعملها إزاي؟"
هتف:
"هعملها عادي، دي أيام وهنعديها. إنتِ هتستفادي وأني هشوف اللي جوايا ده أخلص منه."
هتفت بابتسامة ساخرة:
"اممم، يعني هتنسى إني شمال بس عشان رغبتك؟ وبعدين تاخدني وترميني؟ مانا مش هبقى مراتك العمر كله، حاجة ماتشرفش."
هتف:
"مش إنتِ عايزة فلوس؟ هديكي."
هتفت بقهر:
"بتشتريني بالفلوس يا جبل؟ هيا دي آخرتها؟"
هتف بغضب:
"بدل ما الشايب ياخدك، هتعملي بيه إيه؟ إني أهه مكانه. جمر فكري كويس، هتتجوزي السايب ده ليه؟ إني أهه عايز فلوس، هغرقك فلوس. سيبيه، هيديكي. ادي لأ، إني هديكي أكتر. وفوق كده جدع، مش شايب مالهوش لازمة، تعملي إيه بيه ده؟"
اقتربت منه وقالت بأسى:
"إنت عمرك ماهتكون مكانه. عرفان جَلبه حنين، وإنت الغل جواك بيكوي الجلب. هجرب منك كيف وإنت مغلول كده؟"
صرخ:
"مالكيش صالح، إنتِ ليكي تاخدي فلوسك و…"
هتفت:
"وأنام معاك بيهم؟ صوح؟ هتديني الميت ألف عشان نومة؟"
هتف:
"لأه، هو شهر، أبقى معاكي وتاخدي الميه بعديهم."
نظرت إليه وظلت ساهِمة:
"شهر وأبقى معاك؟ وإيه كمان؟ جول جول."
هتف:
"شهر آخدك وهنسافر، ماحد يعرف، إني مش عايز أتفضح."
انفجرت ضاحكة:
"آه، صوح. ماينفعش تتفضح. جمر الشمال تاخدها بعيد تريح جتك اللي بتغلي عليها، صوح؟ وبعدين ترميها وترميلها جرشينات."
هتف:
"إيه مشكلتك؟ مانتِ رايحة للشايب، زي ما أنا هعمل."
ضحكت:
"كمان جوا جول عادي أكده؟ وفين شرفي ودنيتي معاك؟"
هتف بغضب:
"مالي بيكي مش شرفي ولا حرمتي، إني هقضي معاكي وقت وأخلص من اللي جوايا بجرفِهِ."
اقتربت منه:
"مش شرفك ولا حرمتك. وجرفِهِ؟ جول يا سيد، جول. إيه تاني؟ لسه فيه عفاشة تانية ماسيبتهاش؟ هتتجوزني عرفي بفلوس في الدرا زي بتوع الليل؟ يا مري، حد كان جالك إن جمر ناقصها رجالة؟ وعشان آخرتها تيجي تقولي كده؟ حد كان جالك إني بقيت واجعة كده؟ يابن العزايم، عمال تتشرط وتودي وتجيب وإنت الغل موتك وحلل جتك. إيه ده يا مري؟ عايش إزاي أكده؟ ده مش ذنب، ده شيطان واتحكم واتمكن."
اقتربت أكثر:
"عارف يا جبل؟ لو بزحف عالأرض مالقيتش بج ميه، ما أرفعش وشي وأطلبه منك. لو النفس إنت اللي هترجعُهولي، ما أطلبهوش منك. يا خسارة يا جبل، ما تخيلتش إنت إزاي بقيت أكده."
صرخ:
"منك ومن عمايلك."
هتفت:
"لأه يا جبل، مش مني. إني ما جلتلكش غل، خلي شيطانك ينحر جواك. إني سبتك زي أي حد ما بيسيب عيال صغيرين، بس إنت قلبتها تار. عارف يعني إيه تار؟ عايز جمر تاخد تارك منها؟ راجل ياخد تاره من مرة؟ وإني بقى مرة بألف راجل؟ جرب تاني تقف جدامي يا جبل وتجولي أكده، هتلاقي جدامك جمر تانية. جمر شبعت قهر وغِل. جمر اكتفت، يابن الناس. ابعد غلك، إني ماعدتش متحملة."
استدارت، فأحس بالجنون. فهو سيجن، يريدها بقوة، فاندفع واحتضنها:
"طب لو طلعتلك حنية؟ حنية الجبل؟ هتوافجي؟"
أحست بقلبها يئن وجعاً. أدارها وهمس:
"بصيلي، بصي لجبل."
نظرت إليه دامعة. كان في عيونه شوق رهيب إليها. هتف:
"تعالي ننسى أنا مين وإنت مين، وبعد الشهر ده ما هكونش جدامك تاني. جوايا بينحر، عايزك، ما متحمل."
تنهدت بقهر ووجع:
"كفاية يابن الناس."
صرخ:
"ما قادرش، إنتِ بتغلي جوايا، رايدك. جتي بتنحر جوايا، أعمل إيه؟ أموتك وأموت حالي؟ جمر، إني ليا حق عندك، عايزة. حق وجع سنين، حق رميتي بالرخيص، ليا حق وماهتنازلش عنه. مش أقعد أنجهر وإنتِ تعيشي وتفرحي."
نظرت إليه وضحكت:
"أعيش وأفرح؟ مامصدقاش والله. الحزن اللي أنا فيه وحق جاي تقول لي حق؟ حقك جالك يابن الناس وغيبتك اتردت."
صرخ:
"حق إيه اللي جالي؟ إنتِ أهه جدامي، هتفرحي؟ مابيكيش حاجة؟ ولا الحزن خطي عتبتك؟ إنتِ هتضحكي عليا؟ عشت قهر سنين، إنت عشتيه. عشت وجع إنت عشتيه. إنت ما عشتيش حاجة من اللي أنا عيشتها. إنتِ موتتِ جبل وعشتي وعايزة تكملي على حسابي."
تنهدت ونظرت إليه بقهر:
"ما عشتش؟ جاي تقول لي ما عشتش؟ أقول إيه؟ كتمة القهر حتى وجع. آه والله، كتمة الحزن وجع. إنت بتجولهالك تاني وعاش يمين الله، حقك جالك تالت ومتلت."
صرخ:
"إنتِ عايزة تجننيني؟ اسمعي بقى، إني خلاص، عليا حزن. جلتلك هديكي فلوس، عايزة فوق الميت ألف هديكي، وتاجي من سكات نخلص الجصة دي."
هتفت:
"ويا ترى يا جبل، بعد ما تاخدني هتخلص الجصة؟"
صرخ بجنون:
"ما خابرش، إني جتي بتنحر جوايا، ما قادرش أكمل أكده. جمر، إني خلاص ماعدتش هكدب على حالي. إني رايد جتك ودلوك، هديكي كيف ما بدك. إني ماشي وراكي زي المجذوب. عملت إيه يتعمل فيا أكده؟ إني نفسي أموت بكرة. حالي ومش قادر أنسى، عايزك."
نظرت إليه بقهر:
"وبتجولهالي في وشي أكده؟"
هتف:
"وما أقولهاش ليه؟ ماهو ده اللي فاضل من جبل القديم. عايز أموته ونخلص."
نظرت إليه بوجع:
"تموته؟ ماهو مات يابن الناس، مات وشبع. وجه مكانه حزن يكمل على حزني، بس خلاص أكده خلصت. إني ماعدتش عايزة حاجة. إني لو طولت أموت روحي، هعملها."
استدارت، إلا أنه لم يحتمل، فشدها واحتضنها:
"طب عايزه إيه طيب، وتكوني ليا؟ جمر، بصيلي، عايزة إيه؟ هعمله والله هعمله."
تنهدت:
"إني ما عايزاش حاجة. الله يبعدك ويحليلك دنيتك."
صرخ:
"يحليها لي معاكي! عايزك، هموت عليكي، بتتعذبي إنتِ قدامي، بتتعذبي."
هتفت:
"خلاص، إني همشي. هسيب الدنيا بتاعتك."
اندفع وشدها:
"ساعتها أموت، ماهقدرش غيابك. مش هيمنع جوايا، جمر، إني عايزك. رايدك. إيه؟ عايزة إيه؟"
أحس باهتياج:
"بصيلي، صرخ، بصيلي."
نظرت إليه، فهتف:
"هو إنت خلاص عيونك ما عدش فيهم قطر الحنية؟ أما زمان ده كنت عيونك نار؟ إيه خلاص نسيتي جبل جوي أكده؟ كنت هوا، ما فيش خالص؟ جبل اللي كان واقف في الساحة، عيونك خطفت جلبه؟ ما فيش حبل اللي جعد سنة يعشق ويجيب ويحفي؟ ما فاكرالوش حاجة خالص؟ جبل اللي جاب فستان يتمنى تكوني ليه وانتشت جلبه؟ ما فيش خالص؟ جبل اللي ركع تحت رجلك وقال الحلو كله؟ لأه، ما مصدقش، كل ده ما فيش؟ راح خالص."
أغمضت عيونها بوجع، فصرخ:
"فتحيلي عيونك، ماتخلنيش أموتك، والله هموتك."
فتحت عيونها، فلان وجهه، فنظراتها، بداخلها شيء من قمر القديمة. حاوطها هامساً:
"جولي، ما حستيش بيا طيب؟ ما عمرك جولتي يا ترى حياتي معاه هتبقى شكلها إيه؟ امبارح وإنت في بيتي، ما فكرتيش كنا هنبقى إيه؟ ما فكرتيش مرة جربي هيبقي شكله إيه؟ راحة لعرفان ليه؟ هيسعدك مثلاً؟ إنتِ مالكيش زي يا جمر، ليه تعملي أكده؟ جبل أهه رايدك ورايد ياخدك ويفرح بيكي، وهيفرحك برضك. اللي كنتِ عايزاه مني، ما فكرتيش فيه واصل."
مسك وجهها وعيونها لمعت بدموعها:
"كنتِ رايدة قصر، مش أكده؟ هجبلك والله هجبلك. كنتِ رايدة ألماس، فاكرة؟ رايدة، أيوه فاكر. كنتِ بتجوليلي عايزة أبقى هانم، هعملك والله هعملك، بس تكوني ليا. جولي طيب، جمر، كانت رايدة جبل زمان، اللي كان بينا ده زمان، فاكراه؟ ما فيش، فاضل حاجة جواكي. جولي، جولي."
كانت تشعر بالقهر ونزلت دموعها. أغمضت بوجع، نتش قلبها، فهذا كثير. مسك وجهها وصرخ:
"بصيلي."
نظرت إليه، وبانت مشاعرها. فهي لم تنسَ من الأساس حتى يذكرها. كان حنانه فوق الوصف، وقلبها يئن، ومشاعرها صرخت من عيونها. تعشقه، وعلمت أنها تعشقه. أرادت أن تزيح وجهها، فصرخ بالجنون:
"فما أراه أكل قلبه. هتف: لأه، ماتبعديش. شايفه بعيونك إنك عايزة. أيوه، إني حاسس. مش مصدق. إني حاسس بعيونك. آه، حصل مابينا اللي حصل، بس لسه بحس. حاسس بيكي دلوك."
كان يسيجن. بدأت ترتجف، فهمست:
"بطل، ارحمني."
شدها إليه بجنون:
"لأه، ماهبطلش. إني واصل، ماهبطلش يا جمر. إني ما صدقت لجيت ليا حاجة لسه جواكي. إني عايز الحاجة دي، أديهالي. ده حقي. حقي أفرح، حقي أعيش ولو يومين. إني مافرحتش من ساعة مامشيت. بفكر فيكي كيف المجذوب، رايدك. وافجي يا جمر، هديكي والله هديكي."
دفعته بعيداً:
"أما أبقى رخيصة؟ هوافق يا جبل أبجالك مرة بالعُرفي؟"
صرخ:
"أما أنتِ عايزة بالرسمي؟ ماهتحصلش. أما سبتيني زمان ليه؟"
دفعته واستدارت. اندفع وكلبش فيها بجنون:
"إنتِ عجلي، إني هحجز شهر في دهب، فاكرة؟ فاكرة دهب كانت حلمنا؟ هاخدك ونروح هناك، فاكرة؟ كنتِ عايزة شاليه صغير هناك. إني جبت فيلا وقفلتها وما أعرف جبتها ليه، ما بروحهاش، بس عشان إنتِ جولتي. جبت قصر، يخنقني بس عشان إنتِ جولتي. جبت كل حاجة اتمنتيها، تتلف حبل على رقبتي، تموتني، بس عشان إنتِ جولتي. ده حلمنا، جبت كله."
سالت دموعها:
"كنت حلم صوح، بس عمره ما كان حلم رخيص يا جبل. أسدات وخرجت والقهر ينهشها."
صرخ بالداخل:
"طب أعمل إيه؟ أطولها إزاي؟ أقتل إيه؟ أروح أقتل عرفان ده؟ أعمل إيه؟ أروح أهدده؟ ما يخافش، راجل كبير، رجله والجبر. أروح فين يا مري؟ لأه يا جبل، إنت حسيتها، ماتسيبهاش. البت بتتنفض جدامك، ماتسيبهاش. شاغلها بالفلوس، مالهاش حل تاني."
جلست قمر بالخارج، لا تعلم ماذا تفعل. من أين تأتي بالمال؟ يا رب، تعبت. أنهت عملها وذهبت إلى قبر أخيها تجلس أمامه. سالت دموعها:
"ابنك في خطر يا أخوي، وما عارفاش أعمل حاجة. ربنا بيحط عليا. وحشتني جوي جوي. أعمل إيه دلوك؟"
كانت تبكي بحرقة، فإذا بها تحس بأحد خلفها. استدارت، فإذا بسليم يقف أمامها ينظر إليها بحب. فلم ينساها أبداً، حتى بعد أن تزوج من أجل العزوة والخلف. ابتسمت له ومسحت دموعها:
"كيفك يا سليم؟"
ابتسم وهتف:
"بخير يا ست البنات. كيفك إنتِ يا جمر؟ مابتوديش البلد واصل؟ خلاص نسيتونا."
تنهدت:
"هننزل ليه يا سليم؟ مانت عارف كل حاجة راحت."
هتف:
"لأه يا جمر، والله ماراحت حاجة. كل حاجة كيف ماهيا، محطوطة ومحطوط عليها ملس، مخبيها من القهر والكتمة."
تنهدت ولم تفهم شيئاً. هتفت:
"كيفك وكيف خالتك؟ ومبروك ما جا لك، سمعت خلفك الجديد."
هتف:
"تصدقي؟ ماني فرحان، ولا شفت فرح من ساعة مامشيتي."
نظرت إليه:
"الدنيا ما بتجعدش لحد يا سليم، ربنا يسعدك." واستدارت.
فهتف:
"إنتِ بتشتغلي فين يا جمر؟ إني بنزل كتير المركز."
تنهدت:
"ليه بتسأل؟"
هتف:
"يعني إنتِ عارفة إن عندنا شركة وأكده، يعني مانتعاملش معاكو ليه؟ لو بتشتغلوا في مجالنا."
تنهدت:
"شركتنا بتشتغل في بناء الفنادق والحاجات الكبيرة والقُرى، وأكده."
هتف:
"طب ماهو حلو، إني بشتغل في مواد البنا. اسمها إيه؟"
تنهدت وقالت له على اسمها. هتفت:
"معلش، إني اتأخرت، همشي بقى." واستدارت وودعت أخيها.
عادت، ووقف سليم ينظر في أثرها:
"ولا يوم نسيتك، ولا يوم يا جمر. مكلبشة جوايا، بتمناكي في حلمي."
تنهد وظل يفكر وابتسم واستدار منشغلاً بتفكيره. دخلت بيتها وذهبت لابن أخيها واحتضنته وأعطته أدويته المؤقتة، وسلمت على أبيها ودخلت تنام. سهمت وتذكرت جبل وما طلبه منها. دق قلبها:
"يا ترى لسه جواهُ حاجة؟ والا عايز جته وخلاص."
تنهدت:
"حتى لو جواه يا جمر، إنتِ مخبولة، ما عدتش ينفع تاني. وشوفي هتعملي إيه، هعرض البيت للبيع لأي حد وخلاص."
رن تليفونها، ففتحته. سمعت همسة:
"بتفكري فيا يا جمر، صوح؟"
تنهدت بغلب:
"فيه إيه يا جبل بيه؟ إنت متصل متأخر تجولي أكده؟"
تنهد:
"إني مش بيه. جوليها يلا يا جمري، فـ أمرُه. جبلي."
"ماهو إني بفكر فيكي، ماتكدبيش وتجولي إنك مابتفكريش."
نظرت للفون:
"هو مخبول؟ جبلي إيه؟"
هتفت بجمود:
"وافكر ليه فيك يا جبل؟"
ضحك:
"عشان شفت في عيونك شوك القديم يا جمر."
هتفت بسخرية:
"احلم، احلم."
ضحك:
"إني دلوك أحلامي بتتحقق، زمان كنت أحلم، أما دلوك، لاه، أنفذ على طول."
هتفت:
"والله، طيب ربنا معاك."
هتف:
"آخرتها حضني يا جمر، ماتحلميش إنك تكوني لحد تاني."
هتفت:
"تمام، ولما تاخدني هتتهدى يا جبل؟ هتفضى رغبتك دي، هتهديك؟"
هتف:
"ساعتها أشوف هيبقي إيه الحال."
هتفت:
"طب لو مامشيش الحال، هتعمل إيه؟"
هتف:
"عادي، نكمل. إيه المشكلة؟ راجل وهبسطك وهديكي فلوس، رايدة إيه تاني؟"
ضحكت:
"الا صحيح، هريد إيه تاني؟ دا حزن. أعيش معاك في الدرا، تاخد وتشبع، وأني مانطقش؟ ماني هاخد فلوس كلبة فلوس. روح يابن الناس، الله يسهلك."
هتف:
"هيسهل يا جمر، هيسهل. وآخرتها حضني."
هنا لم تحتمل واقفلت الخط، وأحست بقهر. ماذا، ألا يكفيها عذاب؟ يريد أن تكون عشيقته، يفعل بها ما يشاء. شعرت بغضب:
"إنتِ اقفليه أكده، اقفليه وسودي عيشته. هو كان اشتري، نصيبه إيه؟ دا ما عدتش راضي يرتدع ليه؟ دا مرار."
في الصباح ذهبت لعملها. استدعاها، وما إن دخلت حتى قفل الباب وأدارها، فارتعبت:
"إيه؟ فيه إيه؟"
نظر إليها نظرة رغبة:
"حبيت أقول للجمر إنه واحشني، بس مش أكتر."
كانت عيونه تلتهمها، فاشتعلت وزادت أنفاسها. رفع إصبعه وملس على خدها:
"جمر، وطول عمرك جمر."
دفعته وهتفت:
"بعد إيه المسخرة دي؟ ماتحترم حالك، إيه قلة أدبك دي؟"
ضحك:
"قلة أدبي؟ إني لسه عملت قلة أدب؟"
اقترب وغمز لها:
"بس إني ناوي أعمل قلة أدب ما حد شافها."
ابتلعت ريقها وهمت أن تتململ، فوضع يده على شفتيها:
"إيه جبل؟ ما وحشكيش كيف ما إنتِ وحشاه؟ بس عموما، نحسسه بينا شوية."
وأنهال عليها، وهي مصعوقة. كان لينا يصب عليها مشاعر صادقة تكويه من داخله. كانت ترتجف من تحوله. كم الحنان الذي بداخله. لم تستجب، ولكنها كانت مستكينة، ترتعش. فابتعد ووضع رأسه على رأسها:
"حاسة بيا صوح؟ ما قدرتيش تجفلي؟ عارفة ليه؟ عشان زي ما جوايا بيغلي، إنتِ كمان جواكي بيغلي. إنتِ عايزة جبل، اعترفي يا جمر، إنك عايزاني، جولي."
دفعته بقهر:
"إنتِ تحترم حالك بقى. إيه المرار ده؟ كنتِ عابدة عندك واعترفت واتهببت. أوعي عندي زفت." ودفعته ورحلت.
تنهد وركن على الباب:
"جلبي بيدج، يا بنت الحلال، هبلتيني. لأه، البت جواها ليا حاجة، إيه؟ آه، جواها. مانيش أهبل. ويمين الله، ماهعتج أمها إلا ماتصرخ وتجول اللي جواها."
واندفع فوجدها تجلس غاضبة، قاطبة. وقف يتأملها بهيام:
"هموت عليكي يا بنت الحلال، جوايا بينحر، رايدك، ومش بعد ما شوفت عيونك، أبعد. لاه، ده على موتي."
اقترب وجلس على طرف المكتب، معطياً ظهره للباب. همست:
"جوم مكتبك بقى وارحمني."
همس:
"رايداني وجلبك مولع. هتجولي رايداك؟ ميتة؟ عشان إني مش هسيبك. عيونك كنت بتصرخ جوا، وشفايفك جالت كل حاجة."
تحملت ووضعت رأسها في الأوراق. مد يده ولمس ذراعها بحنان. أحست بالجنون وبدأت ترتجف، فضحك:
"هتفضلي كاتمة؟ لميته؟ ماهو إني ماههمدش. جبل خلاص شاف عيون الجمر."
قامت الفتاة التي بالمكتب معها. اقترب برأسه من شعرها يستنشقه بهيام، لترتعد وتحس أنها لم تعد تحتمل. هبت وقامت ودفعته، فصدحت ضحكته. وهربت منه، لم تعلم أين تذهب:
"ده انخبل منك لله، عايز إيه؟ عرفي إن بالعرفي."
تنهدت وسمعت خطواته. اتجهت للمصعد ودخلت. بدأ يقفل، وضع يده، فارتعبت وهمت أن تخرج. وقف أمامها. أراد أن يستفرد بها، يغازلها، ولكن دخل معهم بعض الأشخاص. ركن هو للخلف وسهم فيها، وهي متجمدة. لم يستطع أن يمنع نفسه، مد يده يداعب ذراعها، فخبطته على كتفه، فضحك. نظر الرجل إليه، فهتف جبل:
"معلش، أصل السخونة بتخليني أضحك."
انفتح الباب، خرج الرجل، فاندفعت للخارج. ظل يسير خلفها، وهي تلف في المكان. ظلت تدور لفترة، إلى أن غاب عنها. وقفت ترتاح بعيداً عن ملاحقته.
"وده هعمل معاه إيه؟"
سهمت قليلاً ووقفت تتذكر مداعباته:
"هو، هو بيعمل ليه أكده؟"
ركنت على الحائط:
"إيه؟ بيجول جوا حاجات؟"
"بطلي حاجات إيه دي؟ رغبة وجرف وهم."
تذكرت لمساته، ومدت يدها تتلمس شفتيها. وتذكرت كلامه:
"عمركش فكرت قربه منك هيبقي إيه؟"
دمعت عيونها:
"عمريش فكرت. دانا عايشة أفكر وأعض على يدي، بس خلاص. إنت رحت، وإني مت يا جبل. وآخرتها عرفي. أقول إيه يا رب؟ تعبت."
وقفت تتلفت حولها وتبحث عنه بعيونها، فسمعته يهمس:
"جمري، جبلك أهه، بتدوري على إيه؟ كنتِ هيمانة فيا صوح؟ أجيلك إني أهه جنبك بدل ما الحلو هيمان لوحده. كنتِ بوسة نار، مش أكده؟"
نظرت إليه بغضب:
"بطل قلة أدب. إنت مخبول؟ مين دي اللي بتفكري؟"
هتف:
"أما كنتِ حاطة إيدك على شفايفك الجمر ليه؟"
اقترب أكثر، فهتفت بغيظ:
"إنتِ، إنتِ."
وتركته ورحلت. فضحك:
"إني بتاعك من أهنه ورايح. وهتليني يا واكل جتي، هعملك اللي ما يتعمل، وهتليني."
تنهد وسهم:
"وهتبقى ليا. أطولك بس، وماهتخرجيش من حضني واصل."
قطب جبينه:
"ماهتخرجش، هو شهر. إنتِ بتجول إيه؟"
هتف:
"أتسخمط شهر إيه؟ إنتِ لو طولتها هتنهبل. لأه، نكمل، أيوه، ماهسيبهاش إني."
تنهد:
"ما عدتش عارف حاجة، إني تعبت." واستدار وعاد للمكتب. كان يراقبها من الزجاج ولا يكف عن مغازلتها. لتقوم بغضب وتقفل الستار، فلم تعد تحتمل:
"إني هغور وهمشي، كفاية حزن أكده، إني تعبت. بقه، هو انخبل."
شعر بالغيظ:
"طب يا جمر، برضه مش هسيبك."
مر الوقت. دخلت عليه تعطيه بعض أوراقها. هنا سمعا طرقة على الباب، لتدخل السكرتيرة الأخرى:
"فيه حد بره عايز يجابلك."
هتف:
"مين ده؟"
هتفت:
"سليم المرغني."
قطبت هيا جبينها:
"سليم؟ ما جاش إنه جاي."
هنا اشتعل ونظر إليها:
"مين؟ سليم مين؟ سليم، وما جاش؟ ما جاش إيه؟ سليم."
سهم قليلاً. توقف قلبه:
"هاج مرة واحدة. قصدك سليم ابن العمدة؟"
صرخ:
"جاي ليه؟ ويعني إيه ما جاش إنه جاي؟ نهارك طين. إنتِ بتجابليه يا مري؟ إنتِ هتحلجي على رجالة البلد؟ أقتلك دلوك. كلمتيه؟ ميتة؟ والا كنتِ بتكلميه؟ وجاي ليه؟ وبيسأل عليكي ليه؟ انطجي. من ميت بتشوفيه؟"
كان كالمجذوب:
"سليم ابن العمدة بره بيسأل عليكي ليه؟ يادي المرار. هو إني لحقت إني... عرفان مرة وسليم مرة. طب ماني أهه، ماتخديني معاهم؟"
نظرت إليه بغلب. أحست أن عقله انتهى:
"جبل، بدعيلك ربنا يشفيك. إنتِ حالتك بقت مرار."
واستدارت وخرجت. وجدت سليم، ابتسمت له:
"ما جلتش إنك جاي."
هتف:
"لأه، جلتلك إن حابب أتعامل مع شركتكو."
"هو إنتِ بتشتغلي مع جبل؟ أول مرة أعرف."
ابتسمت:
"أهو نصيب."
اقترب سليم ونظر إليها بشوق:
"نصيب؟ والنصيب بيلاقي نصيبه ويروح منه ويرجع ياخده؟ إني متأكد إني هاخده."
هنا سمع صوت جبل الغاضب:
"ماهي كت ناقصاك."