فوجئت سيبال بإقامتهم بفيلا فخمة بألمانيا، هي كانت تعتقد أنهم سيقيمون بأحد الفنادق أو شقة، لكن بفيلا فخمة كهذه لم يخطر ببالها. وجدت امرأة تجاوزت الخمسين ترحب بهم بلغة عربية ركيكة تميل إلى الفصحى. لتبتسم سيبال وتقول: "حضرتك عربية؟ لترد: "أنا مارلين، ألمانية الجنسية، عربية الهوى." ليبتسم مؤيد ويقول: "ودا إزاي بقى؟
لترد مارلين بابتسامة: "زوجي الراحل كان فلسطيني وتعلمت منه العربية وأستطيع التحدث بها فقط بالفصحى، وكما علمني قراءة القرآن الكريم." لتقول سيبال بسؤال: "أنتي مسلمة؟ لترد: "أجل، لقد أعلنت إسلامي منذ عشر أعوام وذهبت للعمرة وحج أيضاً وزرت الأماكن المقدسة." لترد سيبال: "ربنا يثبت إيمانك." لتبتسم مارلين وتقول: "سأكون سعيدة بالعمل لديكم طوال مدة إقامتكم بألمانيا، وأتمنى أن تعودوا إلى موطنكم وأنتم محققون ما أتيتم من أجله."
لترد سيبال: "آمين، وأعتقد أن العلاقة بيني وبينك هتكون صداقة، ليست علاقة عمل." لترد مارلين: "يشرفني ذلك." ليقول عاكف بسخرية: "أظن اتعرفتم على بعض كفاية، ممكن دلوقتي نرتاح لأن بكرة هنروح المستشفى نعمل شوية فحوصات لمؤيد علشان العملية هتبقى بعد تلات أيام." لتبتسم مارلين بعملية وتقول: "تفضلوا معي." لتذهب مارلين برفقة مؤيد وسيبال، لتدخلهم إلى إحدى الغرف بالدور الأرضي،
لتقول: "أخبروني أن السيد ليس لديه زوجة، فمن تكونين أنتِ؟ لترد سيبال: "أنا اسمي سيبال وتزوجت من مؤيد من حوالي شهر فقط." لترد مارلين: "هذا يعني أنكم مازلتم بشهر العسل." لتضحك سيبال وتقول بمزح: "لأ، إحنا قربنا على الأربعين." لترد مارلين بعدم فهم: "ماذا يعني الأربعين؟ لتبتسم سيبال وتقول: "متقلقيش، هعرفك كل حاجة وهتتكلمي مصري لبلب." لتقول مارلين باستهجان: "ماذا يكون لبلب؟ ليرد مؤيد بمزح: "دا اسم فيلم عندنا، عنتر ولبلب."
لتضحك سيبال وتقول: "مؤيد يحب المزاح وكذالك أنا أيضاً." لترد مارلين: "يبدو عليكم ذلك، أما السيد عاكف فيبدو عليه أنه جاد، فمنذ أن تعرفت عليه منذ شهر أيقنت هذا." لتقول مارلين: "سأترككم للراحة وسأنادي عليكم عندما يتم تجهيز الطعام." لتتركهم. ليقول مؤيد: "أنا حاسس إني بسمع مسلسل تاريخي، دي كل كلامها بالفصحى." لتضحك سيبال وتقول: "بس باين أنها ست طيبة ولذيذة، وأحنا هنبقى أصحاب." ***
في اليوم التالي، ذهبوا إلى المشفى لإجراء بعض الفحوصات الطبية الخاصة قبل إجراء العملية لمؤيد. ويذهبون إلى الدكتور ماتيوس. ليرحب بهم. لتخبره أنها أصبحت زوجة مؤيد. ليقول ماتيوس: "كنت ألاحظ نظرات العشق لكِ بعينيه، وأعتقد أنكِ كنتِ سبباً في تقدم حالته، فالعاشق يفعل المستحيل ليكون جديراً بمن يعشق." لتبتسم سيبال وتشكر.
ليقول ماتيوس: "ستكون العملية بعد غد، وأتمنى النجاح، مثلما تظهر هذه الفحوصات أن هناك تقدم بنسبة نجاح العملية. فعندما فحصته بمصر سابقاً، كانت أمامي النسبة لا تتعدى عشرين بالمئة، أما الآن فار تـفـعـت إلى خمس وأربعين." لتترجم سيبال لهم ما قاله الدكتور ماتيوس بفرحة. ليبتسم مؤيد ويقوم بمسك يدها ويقبلها قائلاً: "يعني احتمال أرجع من هنا ماشي على رجلي." لتبتسم سيبال وتقول بأمل: "أكيد إن شاء الله."
ليسعد عاكف كثيراً، رغم جرح قلبه الذي ينزف من جرحه لنفسه بيده، فلو لا مساومته لها بهذه الطريقة واعترف من البداية أنها لم تكن رغبة بل كانت بداية حب، لأصبحت له بشكل رسمي. *** خرج عاكف لمقابلة أحد رجال الأعمال الألمان وتركهم بالبيت بعد أن عادوا. لتقول لمؤيد: "إيه رأيك نخرج نتمشى بالعربية، السواق ألماني وأكيد يعرف أماكن ممكن نتفسح فيها." ليرد مؤيد مبتسماً: "زي ما سيبال تحب، بس البسي لبس تقيل، الجو هنا برد جداً."
لتأتي إليهم مارلين لمعرفة إذا كانوا يريدون شيئاً. لتقول سيبال: "أنا عايزة أعرف مكان حلو وهادي نروح نتفسح فيه ونغير جو." لتشير مارلين عليه بأحد القاعات التي تعرض عروض رقص على الجليد. لتقول سيبال: "أنا بحب أشوف العروض دي على التلفزيون وكان نفسي أحضر عرض مباشر." ليوافق مؤيد ويذهبا معاً لتلك المكان. *** عاد عاكف من الخارج لم يجدهم، ليسأل عليهم مارلين.
لترد عليه باحترام: "لقد خرجوا للتنزه ومشاهدة أحد عروض الرقص على الجليد كما تحب السيدة سيبال." ليقول لنفسه بتهكم: "الرقص على الجليد ولا الرقص على القلوب." لتقول مارلين: "هل تريد أن أحضر لك العشاء؟ ليرد عاكف بنفي: "لأ، أنا مش هتعشى، تقدرى تنصرفي." "بس أعملي لي قهوة." لتنصرف مارلين، ليبقى عاكف وحيداً. ليقوم بالاتصال بشامل. رد شامل بمزح: "إيه بنات ألمانيا شغلوك ونسوك تتصل عليا؟ أنت من وقت سافرت ورنتش حتى عليا بالغلط."
ليرد عاكف: "محسسني إني بقالي سنة، دا هما يومين." ليقول شامل: "قولي بنات مصر ولا بنات ألمانيا الأحلى في المعاملة." ليرد عاكف ساخراً: "كل جنس حواء نظام واحد في أي مكان وأي زمان." "وبعدين أنا مش متصل عليك علشان نتكلم عن كده، أنا عايز أعرف وصلت إيه من خطط يسرى، أنا متأكد أنه هيستغل غيابي وينفذ خططه." ليرد شامل: "هو فعلاً بدأ يزرع عامل بين العمال يحرضهم على إضراب عن العمل، بس أنا اتعاملت معاه وعرفته مقامه."
ليقول عاكف: "تمام، أنا عايزك تراقبه على النفس، مش عايزة يعرف يستغل غيابي." ليقول شامل: "وأنت هتغيب كتير؟ ليرد عاكف: "معرفش، بس مؤيد هيعمل العملية بعد بكرة، وإن نجحت أكيد هيكون في فترة علاج طبيعي، مش عارف هيعملها هنا ولا هينزل مصر، وكمان قدامي عقد شراكة مع شركة ألمانية بدرسه من مدة وبفكر أبدأ بتنفيذه وأنا هنا بالمرة." ليرد شامل: "يعني دي رحلة علاجية مع عمل، طيب والجنس الناعم أخباره معاك إيه؟
ليرد عاكف: "أنت فايق وأنا في دماغي ألف شغلة ومش فايق لك، يلا تصبح على خير." أغلق الهاتف. ليقول شامل: "الحكاية مش إنك فايق أو لأ، الحكاية إنك بتحب لأول مرة، بس الألم اللي أنت عايشه كبير، إنها قدامك طول الوقت وبعيدة عنك وقريبة لأقرب حد لقلبك." *** عادت سيبال ومؤيد من الخارج متأخرين يضحكون معاً. ليجدوا عاكف بانتظارهم، يجلس بغرفة المعيشة، لينظر إلى ساعته يجدها اقتربت من الواحدة.
ليقول ساخراً: "إيه السهرة كانت حلوة قوي كده، إيه اللي أخركم؟ ليرد مؤيد مبتسماً: "إحنا كنا بنشوف عرض رقص على الجليد وقعدنا لحد ما انتهى، بس كان عرض رائع وجميل، ياريتك كنت معانا." ليرد عاكف: "لأ، أنا ماليش في التفاهات دي، وبعدين عندك عملية بعد بكرة ولازم ترتاح." ليرد مؤيد: "بالعكس، أنا مرتاح جداً." ليرد عاكف مبتسماً: "طالما مرتاح، أعمل اللي أنت عايزه." لتقول سيبال: "أنا عايزة أنام، هسيبكم مع بعض، عن إذنكم."
لتتركهم معاً وتذهب إلى غرفتها. ليقول مؤيد بسؤال: "إحنا هنسافر بعد العملية بقد إيه؟ ليرد عاكف: "معرفش، بس ممكن نطول هنا، أنا هشارك رجل أعمال ألماني وهأسس فرع جديد لنا هنا، فممكن نطول هنا." ليرد مؤيد: "أنت مش بتفصل، دايماً بتشتغل وعقلك مش بيفكر غير في الشغل، يا عم أفصل شوية وأتجوز." ليرد عاكف: "أنا طير حر، بطير على كل غصن شوية، إيه اللي يخليني أستغنى عن حريتي وأتحبس في قفص، حتى لو قفص دهب."
"وبعدين كفاية، أنت اتجوزت، عايزك تجيب عيال كتير علشان اسم العيلة يفضل." ليضحك مؤيد ويقول: "حاسس إني بسمع جدك إبراهيم لما كان بيقول علينا إننا إحنا اللي هنشيل مسئولية نسل عيلة الفاروق." ليهمس لنفسه: "كل عذاب حياتي السبب فيه جدك إبراهيم الفاروق." *** يوم العملية. فوجئت سيبال بوجود تغريد بالمشفى، وكذالك أيضاً بوجود شامل الذي أتى للوقوف جوار عاكف. ذهبت سيبال إلى تغريد وتقول لها: "إيه اللي جايبك يا تغريد؟
لترد تغريد: "مؤيد غالي عندي وأنا جيت مع شامل علشان نكون جنبه وندعمه." لتقول سيبال بسخرية: "وأنتِ أكتر واحدة تقف في الظهر وتدعم، بدليل خيانتك ليا." لترد تغريد: "أنا مكنتش أعرف عاكف بيخطط لإيه، وبعدين أنتِ اللي كسبتي لما اتجوزتي من مؤيد." لترد سيبال: "فعلاً أنا كسبت لما اتجوزت مؤيد، لأنه أكتر واحد بيحبني وبيفهمني وعمره ما هيأذيني، وهنكون مع بعض عيلة على الحب والتفاهم والإخلاص والأخلاق، بعيد عن غدرك وحقارة عاكف."
"وبشكرك إنك جيتي النهارده علشان تشوفي بنفسك إنك مالكيش مكان في حياة مؤيد." لتتركها وتذهب. وقف عاكف مع شامل يقول له بسؤال: "إيه اللي جاب تغريد معاك؟ ليرد شامل: "هي طلبت مني وقالت إن سيبال صديقتها هي ومؤيد وعايزة تبقى معاها وتدعمها." ليقول عاكف بسخط: "تدعمها؟ آه، وهي أحسن واحدة تدعم، مش مهم، المهم دلوقتي ربنا يشفي مؤيد." *** وجدت سيبال هاتفها يرن لترد عليه سريعا. لتقول: "أهلاً يا ماما." بعد الترحيب.
لتسألها نجاة: "مؤيد دخل العملية ولا لسه؟ لترد سيبال: "لأ، لسه بيجهزوه." لتقول نجاة بدعاء: "ربنا ينجيه ويشفيه وترجعوا مع بعض وهو ماشي على رجليه." لترد سيبال: "يتمنى يارب يا ماما، أنتي ادعي له، إحنا محتاجين دعائك." لتقول نجاة بدعاء: "بدعي لكم في كل صلاة وربنا عطوف وهيعطف عليكم." لتقول نجاة: "هبقى أرجع أتصل عليكي تاني أعرف أخبار مؤيد، أبقى ردي عليا." لتقول سيبال بطاعة: "حاضر يا ماما، وأنتِ ادعي لنا." لتغلق الهاتف.
كان الوقت كأنه يمر ببطء، الجميع على أعصابه. وقفت سيبال تشعر بدوران برأسها واختناق، كانت تتخيل كل الرؤوس سوداء، لتشعر أن روحها تفارق جسدها، لتضع إحدى يديها تدلك بها جبهتها والأخرى تدلك بها صدرها، لتسحبها تلك الغيمة لتهوى بها. كان عاكف يشعر بانهيار داخله، يريد أن ينتهي هذا الانتظار ويخرج الطبيب مطمئناً له.
لينظر إلى ساعته، ليرفع رأسه ينظر إلى اتجاه وقوف سيبال، ليجدها تضع إحدى يديها على رأسها والأخرى على صدرها، ليجدها تهوى. ليتجه إليها سريعاً قبل أن تهوى أرضاً، لتقع بين يديه وجهها شاحب وتتنفس بصعوبة كأنها تفارق الحياة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!