في الماضي كان هناك حشرة تعيسة تعيش في مجرى الصرف الصحي. كانت حشرة متوهجة رغم عالمها المتوحش الذي لا يعرف الرحمة، كانت لديها حلم. ما شأني أنا إن كانت تشبهني أو لا تشبهني؟ اعترضت ندا، وقصدت غرفتها الكائنة بالطابق العلوي المطلة على الحقول. ربما كان أمر غير مهم، لكنه بدأ يشغل عقلها. علينا أن نعرف أن كل الأمور التعيسة تبدأ بفكرة. "انت شايف البنت اللي هناك دي؟ "آه شايفها، مالها يا معلم؟ "انطردت من المحاضرة مرتين!
"ودا معناته إيه يا معلم؟ "معناه إنها مشاغبة، معناه إن ممكن يجي منها، ومعناه إنها لا تبدو مثلما تبدو." "بس دي لابسة واسع ومنقبة ومش بتقف مع أي حد؟ "دا لأنها لسه ملقتش الشخص المناسب." ابتسم صابر. "حلوتك يا معلم، يعني هنخرج معاها؟ "قصدك هخرج معاها، أنا حطيتها في دماغي خلاص." ثم مسح نوح الشارع بعينيه. "بس هنتظر الوقت المناسب. أول ما تبعد البنت اللي معاها عنها هتكلم معاها وأشوف ميتها إيه."
"بس أنا عايز أشرب قهوة يا نوح، دماغي مش لاقيه." "روح انت يا صابر، أنا هستنى هنا، مفيش حاجة بتيجي بالساهل، لازم الإنسان يتفانى في عمله عشان يكلل بالنجاح." انحشر نوح بين الطلبة داخل المدرج. مكنتش محاضرته، لكنه كان عايز يكون في نفس المكان اللي موجودة فيه ندا. حط ندا بين عينيه وجعل يراقبها. معجبوش الدكتور اللي واقف على البنش، لكنه كان مضطر يستحمله لآخر المحاضرة. لو كان الأمر بأيده كان ساب المحاضرة من زمان.
كان جاسم يشرح الدرس، وكل شوية يوجه سؤال لشخص يعرفه من الطلبة، كان بيناديه بالاسم. كان واضح إن الدكتور جاسم له فريق بين الطلبة، مجموعة مقربة، وندا مكنتش بينهم. لكن وسط الكلام ودون سابق إنذار، جاسم وقف ندا، شاور وقال: "انتي؟ جاوبي على السؤال ده." ندا قعدت ساكتة دقيقة، مترددة، لكن بعد كدا جاوبت السؤال. جاسم صمت دقيقة، بعد كدا قال: "برافو عليكي، اتفضلي اقعدي."
انتهت المحاضرة، ندا ونيرة خرجوا من المدرج. كانت آخر محاضرة، وفي طريقهم إلى البيت، بعد ما ركبوا المترو، استقلوا سيارة أجرة عامة. بعدها نزلت نيرة قبل ما تواصل ندا طريقها نحو موقف الأقاليم، مشوارها بعيد جداً والجو حر. همس نوح اللي كان واقف يستند على عمود وفي فمه سيجارة. لأول مرة تقف ندا أمام المرآة بتلك الطريقة. يعني إيه "تشبهني"؟ شعرها طويل زي؟ عينيها واسعة زي عينيه؟ فيه شامة على رقبتها؟
بعض المقارنات لا تزيد المواقف إلا سخافة. هو لو شافني على الطبيعة هيلاقي فعلاً شبه بيني وبين خطيبته؟ ابتسمت ندا، رغم إدراكها غرابة ما تفعله، إلا إنها جميلة. إذا كانت خطيبة جاسم اللي تشبهها زي القمر، يبقى أنا جميلة كمان. ما الذي يدفع العقل للتفكير في شخص ما؟ شخص يعتبره غير مهم على الإطلاق، ولا يطيقه، ولا يتصوره معه في مكان واحد؟
مكنش لازم أجوب على السؤال، كان لازم أفضل صامتة. ندا كان أقل رد على أفعال جاسم ضدي. نادى صوت داخلها، لم أكن مستعدة لإهانة أكبر. يجد الإنسان المبررات لأفعاله مهما كانت حقيرة قذرة.
هجاوب على الأسئلة عشان أثبت لجاسم إني مش غبية أو فاشلة كسولة، لكن ده مش هيغير نظرتي فيه إنه إنسان مغرور، نرجسي، وقح، ظالم. فتحت محاضرة جاسم، درستها بدقة أكبر من المعتادة، ودون أن تشعر كانت ندا تمنح مادة جاسم أضعاف الوقت الذي خصصته للمواد الدراسية الأخرى. يبدأ كل شيء صغير، صغير جداً، ثم يتضخم مع الوقت حتى لا تسعه قلوبنا وأرواحنا.
فتحت ندا صفحتها على الفيسبوك. الناس اللي زي جاسم بتنشر أفراحها وأحزانها على صفحات التواصل الاجتماعي. إنهم لا يعرفون كيف يحتفظون بأفراحهم ومآسيهم لأنفسهم. بحثت باسم جاسم، ولم يكن هناك نتيجة. صورة جاسم لم تكن بين النتائج.
بعد نصف ساعة اكتشفت ندا إنها بتبحث باللغة العربية. وشخص زي جاسم أكيد هيكتب اسمه بالإنجليزي. كتبت ندا الاسم مرة ثانية. انفتحت صفحة جاسم. بعدها فتحت فمها ببلاهة. بطريق أو دب باندا غبي. إن الأشباه الأربعين غير موجودين في الحقيقة، بس اللي ندا شايفاه شيء خارق وغير اعتيادي. "وجدت نفسي بهيئة أخرى. أنا شايفه إنك منطلقة زي السهم في مادة دكتور جاسم." همست نيرة ببرم. "دا مفيش سؤال بيعدي عليكي." "قولي ما شاء الله يا نيرة!
"العين مش بترحم." "نيرة، لا، قوليلي بجد، انتي إزاي بتعملي كده؟ أنا شاكة إن الأسئلة بتتسرّب ليكي. يكنش دكتور جاسم قريبك؟ كانت مصادفة دون أدنى شك، لكن ندا حست إن فيه خنجر استقر في صدرها ومزق شرايينها. "قريبي إزاي يعني؟ وليه؟ انتي إزاي بتقولي كده؟ "يا ستي والله كنت بهزر. أنا لو أعرف إن جاسم قريبك هقطع علاقتي بيكي." "يا آنسة لحظة لو سمحتي؟ وقفت ندا، كان صوت جاسم اللي خارج من المدرج شايل شنطته. "ممكن كلمة لو سمحتي؟
"آه طبعاً يا دكتور،" ردت نيرة أمام صمت ندا الغير مبرر. "أنا أقصد الآنسة،" وشاور على ندا. "مش أنتي؟ "آه حاضر،" انسحبت نيرة وأخذت جنب. "أنا شايف إنك بتجاوبي على الأسئلة بطريقة ممتازة ومندهش إزاي مكنتيش من بين الطلبة الأوائل في امتحان الشهر؟ تلعثمت ندا. "أنا ببذل كل جهدي دايماً والله، وبرضى باللي ربنا كاتبه لي." "واصلي على مثابرتك واجتهادك وأنا واثق إنك هتكوني من ضمن صفوة الطلبة وممكن تجيبي العلامات النهائية."
"شكراً يا دكتور، ربنا يبارك في حضرتك، بعد إذنك لازم أمشي عشان ألحق الباص." "شايف يا معلم؟ كانت واقفة مع دكتور المادة بتاعتها." وضع نوح إصبعه على أنفه. "دي حاجة ممتازة يا صابر، وبتفتح لي طريق أكبر." "قصدك إيه؟ ودون أن يرد، مشى وراء ندا بسرعة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!