خرج أدهم من القصر الذهبي يمشي في شوارع القاهرة ولا يعلم بحاله سوى الله. يتذكر الأوقات التي جمعته بنور، يتذكر أنه حاول جاهدًا ألا يذهب إلى هذا المكان، يعلم أنه لا يعقل كيف له أن يتزوج مثلها. أميرة بعزها وبعز أبيها وأخيها، تعيش بقصر حتى عيناه تعجز عن رؤية مثله في أحلامه. ماذا فعلت بحالك يا أدهم؟ أجننت حين استمعت لها وذهبت؟ أم حبك وتعلقك بها دفعك إلى هذا الجنان؟
لهذه الدرجة تخليت عن كرامتك وأنت تستمع لكم الإهانات التي نطق بها. ظل أدهم يتذكر ما حدث بينه وبين فايد. دخل أدهم المكتب ليجد فايد جالسًا على مكتب، أقل ما يقال عنه أنه فخم، مكتب لا يجلس عليه ملوك. وهل النوم كان يوجد عندهم مكاتب؟ ما هذا الثراء؟ وماذا الجنان الذي دفعت نفسي إليه؟ فايد بعجرفة: أهلًا، اقعد. أدهم: بعد على أحد الكراسي أمام المكتب. أهلًا لحضرتك يا فايد بيه. فايد: خير يا… اسمك أدهم، أظن؟ أدهم: أه.
فايد: كويس أنك جيت، كنت منتظرك. أدهم: منتظرني؟ فايد: أكيد، أنت حزنت بنتي وكان لازم تيجي في يوم تسترد المقابل، بس اتأخرت شوية. أدهم: أنا مش جاي أسترد مقابل لرجولتي وأخلاقي اللي اتربيت عليها، لما ألاقي حد محتاج مساعدتي. فايد: أومال جاي ليه؟ طيب بلاش جاي تاخد المقابل، ممكن نسميها بطريقة تانية، اعتبرني نائب للدايرة وجاي عايزني أتوسطلك في شغل مثلًا، أنا تقريبًا كدا حالتك الاجتماعية على قدها.
أدهم: كان صبره قرب يخلص. لا أنا جاي في موضوع تاني، وحالتي المادية مش سيئة، لأن كفاية إن بنام أنا وعيلتي مش جعانين، ولا علينا دين لحد، وده كفاية فضل من الله. فايد: عايز إيه يا بن البحيري وإيه جابك هنا؟ أدهم بتوتر: أنا كنت جاي بس عشان… فايد: ما تخلص، أنا مش فاضيلك طول اليوم. أدهم كان الغضب كاسي وجهه ويريد الخروج من المكان بأي شكل. أنا جاي أطلب نور للزواج. فايد بصدمة: أنت عارف أنت بتطلب إيه؟
هو ده بقى المقابل اللي عينك عليه؟ لاااا، فوق، ده أنا أعميك لو كنت بصيت بس لبنتي بصة مش تمام. أدهم بغضب: قولتك أكتر من مرة مش عايز مقابل للعملته، ومش أنا اللي أبص بصة محرمة لبنت. فايد: وطلبك لبنتي تسميه إيه لو مش مقابل؟ أدهم: أسميه أني جاي أطلبها في الحلال تكون مراتي، أسميه أني بحبها أكتر من روحي، وأن لازم الحب ده يتوج بالزواج. فايد: أنت اتجننت يالا؟ أنت تتجوز بنتي؟
أدهم: اسمي أدهم. ياريت متنساش، يمكن طلبي لزواج نور يتسمى جنان، بس أنا بوعدك أني هعمل اللي أقدر عليه وأسعدها. فايد: لا، ده أنت مجنون رسمي. تتجوز مين وتسعدها إزاي؟ أنت مش شايف عايشة إزاي وفين؟ مش عربيتها، أنت تعرف بنتي بتصرف كام في الشهر أو في اليوم الواحد؟ أدهم: في نفسه. عارف زي ما أنا مش لي قدري قاسي كدا… أنا كل اللي أعرفه إني بحب بنتك وقادر أحميها وأسعدها.
فايد: أنت شكلك مش بتفهم. طيب اسمعني كويس، هتخرج من هنا وتنسى أنك تعرف نور للأبد. ومش بس كدا، أنت مينفعش تعيش أصلًا في نفس البلد اللي هي فيها. أدهم: أنت شايف إن كلامك ده ممكن يمشي عليا؟ فايد: أه هيمشي، لما أخوك يخسر وظيفته كوكيل نيابة ومستقبله يدمر. أو أختك، خير، سمعتها ويطلع عليها شباب سكرانين. أو أبوك المشلول ياخد دوا غلط يموت فيها. ولا يمكن الست أمك عربية تخبطها. وأنت مركبك تتحرق وأنت فيها. أدهم بصدمة: أنت… أنت!
فايد: أنا إيه؟ ده أنا هكون رحيم بيك وأسيبك تخرج من هنا ومش هنفذ كلامي إلا بعد 24 ساعة من دلوقتي. يبقى تلحق تطلع رخصة مركبك وتهاجر من هنا وللأبد.
أدهم: همشي يا فايد بيه وهبعد، بس صدقني مش دي النهاية. بنتك وأنت ليك حق تتحكم في مستقبلها، لاكن ملكش حق في عيلتي ولا مستقبلي. أنا أكيد حقي راجع، لكل ظلم نهاية. وبعدي مش خوف منك على نفسي، لإني أقدر أحمي عيلتي، لأ دا لإن الحرب بينا مش هتكون عادلة، ولحد ما نكون في نفس الموازنة. وقتها هتعرف مين أدهم البحيري. في الكافيه، رن فون محمد. أدهم: محمد، أنت فين؟ عايزك ضروري. محمد: حاضر، قولي أنت فين وأجيلك.
بعد ساعة، محمد وأدهم اتقابلوا. محمد: هههه، يعني أخوات وعايشين في بيت واحد وبنتقابل بره. أدهم: محمد، عايز منك خدمة تخلصها لي في السريع. محمد: إيه هي؟ عايز ترخيص للمركب بالسفر وياريت تخلصه على بكرة. محمد: تسافر ليه يا أدهم؟ مالك؟ احكي لي. أدهم: أنا عايز أروح، وهناك هفهمك. في قصر فايد سليمان. نور: بابا، أنا عايزة أتكلم. فايد: عايزة إيه يا نور؟ نور: أنت ليه رفضت زواجي من أدهم؟
فايد: أنت شايفة إن فيه سبب واحد يخليني أوافق عليه؟ نور: لو عايز أكتر من سبب أقولك. أولهم إن بيحبني وأنا كمان بحبه. غير إن أخلاقه عالية وبيخاف عليا وقادر يحميني. كل دي أسباب تخليك توافق عليه وأنا أتمسك بيه. فايد: كل اللي قلتيه ولا حاجة. تعرفي تقوليلي هيعيشك منين؟ هيأكلك إزاي؟ هيصرفك عليكي منين؟ وكليتك اللي بآلافات هيسدها إزاي؟ ولا يمكن مستني إني أصرف عليكي وأنتِ مراته؟
نور: أدهم مش كدا، كرامته متسمحش إنه يعيش على حساب حد. أظن إني حاولت أساعده قبل كده ورفض. وبعدين الحياة مش أكل وشرب، مش فلوس. فايد: الحياة مش فلوس، يعني أنت تعرفي تعيشي من غير فلوس؟ اعقلي يا نور، الولد ده طماع ورسم عليكي الحب وعرف يخدعك صح. نور: أدهم مش كدا وعمره ما كان طماع ولا حاولت أستغل حبي ليه. ولو خايف على فلوسك، أنا مش عايزاها. فايد: أدهم ده لو آخر شاب في الدنيا مش هجوزهولك يا نور.
نور: وأنا لو عشت عمري كله مش هكون غير لأدهم. وسابتهم وطلعت غرفتها وهي بتبكي، وطلعت وراها سارة. سميرة: أنت بتعمل ليه كدا؟ أنت متأكد إن أدهم شاب كويس وأخلاق عالية وهيحافظ على بنتك؟ فايد: أنت اتجننت أنت كمان يا سميرة؟ أجوز بنتي لجاهل فقير محلتوش أكلة يومه، معندوش حتى مكان بنتك تعيش فيه؟
سميرة: لا، ما اتجننتش. أنت اللي ظاهر مش فارق معاك ولادك اللي بيدمروا واحد ورا التاني، مش قادر تعملهم حاجة رغم فلوسك ونفوذك. سارة اللي قفلت على نفسها وخسرت روحها بخسارة جوزها وابنها. وأحمد، اللي عاش عمره يحب مايا وهو متأكد إن أفكارهم مختلفة لحد ما اتصدم إنها فعلًا أبعد ما يكون إنها تكون زوجته، وادا حاله عايش ليل ونهار شغل وبس، عاجبك حاله كدا؟ أحمد: ماما، أنا… قاطعته سميرة: اسكت خالص. ودلوقتي دوري على نور، كل ده ليه؟
عشان فقير؟ يا أخي خدهم، فقيراً يغنيكم الله. شغله في الشركة، هات له شقة يعيش منها ويبقى يدفع، أظنها على أقساط. لأنه كرامته مش هتسمح له بأكثر من كدا. ومتخسرش بنتك ويبقى حالها من حال أختها. فايد: بعصبية. أنا قولت قراري في الموضوع ده، حتى لو متجوزتش. آخر حد هتربط اسمها بيه يكون اللي اسمه أدهم. سميرة: وأنا مش هسمح إني أخسر ولادي أكتر من كدا.
فايد: سابهم ومشي وهو متعصب، بيقسم في نفسه لو أدهم منفذش الاتفاق وخرج نهائي بره حياة بنته، هيكون مدمر هو وعيلة البحيري. في اليوم التالي، دخل غرفة أحدهم كان بيجهز شنطة استعدادًا للسفر. عبير: ببكاء. هتسيبنا وتروح فين بس؟ أدهم: لازم أبعد يا ماما، مش هقدر أعيش هنا. عبير: ليه بس يا ابني؟ كل ده عشان أبوها رفضك؟ طيب إحنا ذنبنا إيه تتغرب عننا؟
أدهم: سامحيني يا أمي، والله ما بإيدي. وكمان أنا عايز أبدأ حياتي. تقدري تقوليلي، سواء نور أو غيرها، لو فكرت أتجوز هعيشها فين؟ عبير: هنا في البيت. أدهم: هههه، البيت؟ نور سليمان تعيش هنا؟ سيبيني أمشي يا أمي، متزوديش عليا اللي أنا فيه. دخل محمود بكرسيه المتحرك. محمود: سيبيه يا عبير. عبير: أسيبه إزاي؟ أنت بتقول إيه؟ محمود: أدهم، وجوده هنا صعب. سافر يا ابني ومترجعش إلا وانت قادر تقف قصاد فايد سليمان. عبير: بقف قصاده ليه؟
خلاص مش عايزين منه حاجة. بنته يشبع بيها، بس ابني يفضل جنبنا. أدهم: مش فاهم قصد محمود، بس فهم إن لازم يرجع أقوى من دلوقتي. دخل محمد بنبرات حزينة. محمد: الترخيص جاهز يا أدهم. أدهم: سلم عليهم وعلى مروة اللي مش مبطلة عياط. خالِ بالك من نفسك يا رورو، وابقي طمنيني عليكي. مروة: وأنت كمان يا أدهم. متنساش أختك الصغيرة.
ابتسم أدهم بحب ودموع عين، كان ينظر لهذا البيت الصغير الذي احتواه في طفولته وكبره وذكرياته الجميلة المتعلقة بأهل هذا البيت. دخلت مروة سريعًا وتركتهم يودعوا أدهم، واتصلت على نور وهل تبكي. مروة: الووو، نور. نور: مروة، مالك؟ أدهم فين؟ جراله حاجة؟ مروة ببكاء: أدهم مسافر دلوقتي. نور: بتقولي إيه؟ أدهم؟ إزاي يسيبني؟ طيب هو فين دلوقتي؟ مروة: هيسافر بالمركب بعد نصف ساعة.
نور: رمت الفون ونزلت مسرعة، حتى قابلت أحمد يدخل بسيارته بوابة القصر. أحمد: استغرب شكل نور وهي بتجري ناحية أحد السيارات وهي بتبكي. أحمد: نور، مالك ورايحة فين؟ نور ببكاء: سيبني يا أحمد، أرجوك، لازم ألحقه. أحمد: مين؟ نور: أرجوك يا أحمد. أدهم مسافر ومش هشوفه تاني. لازم أوقفه، مش لازم يتخلى عني بسهولة كدا. أحمد: كان صعبان عليه أخته، هو عارف معنى خسارة حد بتحبه ووجع الفراق. أحمد: اهدى يا حبيبتي، أنا جاي معاكي، اركبي.
أمام مركب أدهم. أدهم: أسوأ وشك بخير يا عبد الرحمن. عبد الرحمن: مع السلامة يا أدهم، خلي بالك من نفسك. خالد: وأنا مفيش مع السلامة يا خالد؟ أدهم: وأنا أقدر بردوا. أشوفك على خير. خالد: أه ياعم، حد قدك مسافر بريطانيا، الإمبراطورية التي لا تغيير عنها الشمس. أدهم بابتسامة مزيفة: تفتكر فعلًا يا بختي؟
خالد: بقولك يا أدهم، أنا ابن عمي اسمه مصطفى. هكلمه وأخليه يقابلك في ميناء لندن، وهو هيساعدك كتير، أنا واثق من كده. مش هيتأخر عليك في أي مساعدة. أدهم: شكراً يا خالد. محمد: خلي بالك من بابا وماما ومروة ومن نفسك. أستودعكم الله. دخل المركب على استعداد للرحيل، ليسمع صوتها الذي طالما عشقه تنادي باسمه. يلتفت لها ليجدها تجري متقدمة إليه. نور باكية: أدهم، ارجوك متسبنيش ولا تبعد عني. أنا مش عايزة غيرك.
أدهم: يمسك خديها بين كفيه وهو يبكي. سامحيني، بس أنا لازم أبعد. نور: لأ، مش لازم خالص. ولو هتمشي، خدني معاك. أنا وجودي في أي مكان أنت مش فيه معناها موتي. أدهم: إحنا مكنش ينفع نتقابل ولا نكون لبعض. نور: ارجوك متقولش كدا. طيب أنا مستعدة أتجوزك فورًا. أحمد هنا وهو موافق إن أتجوزك. أدهم: ياريت كان ينفع. كملي حياتك يا نور وانسيني. نور ببكاء: بتتخلى عني ببساطة كدا يا أدهم؟ أدهم: يدير ظهره لها ويتركها، وعيناه يملأها الدموع.
تقع نور بالأرض وتستند على أحمد وهي تنظر لمركبه وهي تغادر. "وما الذي سيرهق قلبي شوقًا غيرك أيها المغادر." كان أدهم يبكي لأول مرة، يريد العودة إليها ليأخذها داخل أحضانه ويلملم كسر قلبيهما. وف نفسه المنكسرة: "لو أننا نستطيع أن نكون ما نريد، لإخترت أن أكون اللحظة التي نتخلى فيها عن كل شيء ونمضي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!