نظر سالم بصدمة. وقبل أن تغرس السكين فيه، صرخ بشدة. أمسكت مهجة يديها وتحدثت مردفة: "لع يا فاطمة، مش هتكون نهايتك أكده في الآخر. مش بعد كل اللي ضحيتي بيه في حياتك تنهيها بالطريقة دي. أيوه حنان وأسماء ماتوا، بس تفتكري أسر وفهد وفرحة وهبة ومالك هيكونوا مبسوطين وهما شايفين أمهم بتتسجن في قتل أبوهم؟ فاطمة ببكاء:
"أنا خلاص تعبت… جيبت آخري من كل حاجة وخسرت كل حاجة. بناتي ماتوا، والباقي بين الحياة والموت، وحياتي باظت كلها. وكله بسببه… أنا غلطانة من الأول إني استحملت كل ده… أنت السبب يا سالم، منك لله." نظر سالم إليها بحزن شديد ودموع، ثم تحدث مردفاً: "أنا هاخد بتار عيالي يا فاطمة، وهتغير ومش هزعلك تاني ولا هزعل حد منهم تاني. أنا عرفت قيمتهم والله." فاطمة بصراخ: "بعد إيه… بعد إيه يا سالم؟ بعد ما ماتوا؟ بعد ما سالم جاله سرطان؟
ولا بعد ما فهد بقى قاسي ومش بيسامح ولا بيثق في حد بسبب معاملتك ليه؟ ولا بعد ما مالك سافر وعاش عمره كله بره بسبب قسوتك، ولما رجع فلوسه اتاخدت وحياته كانت هتروح بسبب أنانيتك ودماغك الغلط؟ بعد ما فرحة هربت وراحت اتجوزت من ورانا؟ ولا بعد ما مصطفى خسر مرته وبنته هتعيش يتيمة، وأنس خسر أمه وهيعيش يتيم؟ ولا بعد ما هبة بقت وحيدة وإخواتها البنات كلهم اللي ماتوا، واللي بعد… قول لي بعد إيه؟ جاي دلوقتي تقول هتتغير؟
أنا هستفاد إيه لما تتغير دلوقتي؟ هستفاد إيه لما تاخد بتارهم؟ هييجوا لي؟ هتعرف ترجعهم؟ لما تروح تاخد بتارهم وتقتل اللي موتهم… طيب أنت مفكرتش إن ممكن ده يحصل وأنت بتحرق له الأرض اللي بياكل منها هو وولاده؟ مصدر الرزق الوحيد له." سالم بحدة ودموع: "يعني أسيبه؟ ولادي ماتوا وعايزاني أسيبه؟ أنا مستحيل أسيبه وهعمل فيه زي ما عمل في ولادي وهقتل أولاده كلهم، بس أعرف مكانهم."
–بعد مرور أسبوع، خرج الجميع من المستشفى بعد إصرار كبير منهم. أما في المقابر، جلس أسر بدموع أمام قبر أخته وزوجته وهو يبكي بشدة، ثم تحدث مردفاً: "أكده تروحوا من غير ما أودعكم؟ ده أنا كانت روحي معاكم… ينفع تمشوا وتسيبوني أكده؟ أنا إزاي هونت عليكم تبعدوا عني؟ فهد ببكاء: "يمكن ارتاحوا يا أخوي… الدنيا دي وحشة جوي وحياتنا أوحش بكتير منها… إحنا اللي نعيش حياتنا الموت بالنسباله راحة." فرحة ببكاء:
"راحة ليهم يا فهد… أنا عايزة أخواتي، أنا ملحقتش أطلب منهم السماح… ملحقتش أعتذرلهم… أنا ملحقتش أعمل حاجة معاهم." هبة ببكاء: "يمكن ده قدرنا إن كل الناس اللي بنحبهم يبعدوا عننا… إحنا ملناش نصيب في الدنيا دي." جلس مالك بجانبهم، ثم تحدث ببكاء مردفاً: "إنتوا خلاص هتعترضوا على أمر ربنا؟ مش دايماً كنا بنقول إن أي حاجة ربنا يجيبها أكيد هتكون كويسة؟
حرام لو اعترضنا. حتى لو خسرنا إخواتنا، بس مينفعش نعترض. إحنا ندعيلهم بالرحمة وإن ربنا يغفرلهم ويدخلهم الفردوس الأعلى إن شاء الله. يلا كلنا نقرأ الفاتحة ليهم." بدأ الجميع في قراءة سورة الفاتحة مرددين: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ
(6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) صدق الله العظيم."
انتهى الجميع من قراءة الفاتحة، ثم بدأ أسر يردد هذا الدعاء مردفاً: "اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدلهم داراً خيراً من دارهم، وأهلاً خيراً من أهلهم، وأدخلهم الجنة، وأعذهم من عذاب القبر، ومن عذاب النار. اللهم إنهم في ذمتك، وحبل جوارك، فقهم من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق. اللهم اغفر لهم وارحمهم، إنك أنت الغفور الرحيم."
انتهى أسر من قراءة الدعاء أيضاً، وجلسوا قليلاً ثم ذهبوا إلى البيت. فوجدوا فاطمة ومهجة وحسينة وسالم يجلسون ويتحدثون بعصبية. فأقترب أسر من والدته فاطمة وتحدث بحزن مردفاً: "أنس راح مع فرحة لبيت جوزها، وده الوقت اللي هنمشي فيه من هنيه." نظر سالم إليهم بصدمة، فتحدثت فاطمة مردفة: "أي حاجة هتجولوا عليها أنا موافقة من غير نقاش، هروح معاكم." فهد بحزن: "وإنتي يا مرت عمي هتيجي معانا؟ حسينة بدموع:
"هاجي يا ابني… هروح معاكم أي مكان غير هنيه." مهجة بحزن: "طيب وأنا؟! وأنا يا أسر؟ نظر أسر إليها، ثم تحدث مردفاً: "رجوعك هنيه تاني بعد كل اللي حصل كان غلط من الأول… كفاية وامشي من هنيه." مهجة ببكاء: "أنا رجعت هنيه تاني عشانك يا أسر، ومستعدة أدخل في النار عشانك أنت وبس." فاطمة بدموع: "يلا يا مهجة علشان تيجي معانا." سالم بحزن: "كلكم عايزين تبعدوا عني دلوقتي… عايزين تسيبوني." مالك بحدة:
"كان لازم نسيبك من زمان يا عمي… إحنا باستسلامنا اللي خليناك كده، بس خلاص كفاية علينا جوي أكده. بكرة أول يوم العيد وهنبدأ حياة جديدة وعيد جديد، وكفاية جوي اللي خسرناه." نظر سالم إليهم بحزن، وجاء ليتحدث ولكن قاطعه أحد الحراس وهو يهمس في أذنه. فتحدث سالم مردفاً: "هاخد بتاركم وبعدها هرجع أحاول أعوضكم عن اللي فات." –القي سالم كلماته، ثم ذهب بسرعة. فتحدثت فاطمة ببكاء مردفة: "هيقتلوا ولاد الراجل يا أسر، روحوا الحقوه."
نظر الجميع بضيق، ثم ذهبوا بسرعة خلفه ليلحقوا به. أما في مكان آخر، في إحدى الغرف البسيطة الموجودة في الأماكن الزراعية، كان يجلس هذا الرجل بجانب أولاده الثلاثة وزوجته يتحدث مردفاً: "المهم الولاد بس يبقوا كويسين، عايز أهربهم من هنيه." زوجته بخوف: "نوديهم لأختي في القاهرة يعيشوا معاها يا إحسان." إحسان: "خلاص، هروح دلوقتي مش هضيع وقت." ولم يكمل إحسان كلماته، وفجأة تجمد مكانه عندما سمع صوت سالم وهو يتحدث مردفاً:
"مش هتلحق يا إحسان." نظر إحسان بخوف، واقتربت زوجته من أولادها واحتضنتهم بشدة. فأشار سالم للحراس، فبدأوا في إلقاء البنزين في جميع أنحاء الغرف، ثم أمسك شعله من النيران وتحدث مردفاً: "هولع فيك أنت وولادك يا إحسان." زوجة إحسان بتوسل: "بالله عليك بلاش ولادي، أبوس إيدك، هما محدش فيهم ليه ذنب." صرخ سالم في وجهها بغضب مردفاً: "يعني هما ولادي اللي كان ليهم ذنب؟ أنا هقتلهم كلهم."
ألقى سالم كلماته، ثم ألقى النيران وجاء ليخرج بسرعة، ولكن أمسك إحسان يده وتحدث مردفاً: "مش هسيبك." ظل الأبناء الثلاثة يصرخون، وهنا يحاولون أن يهربوا. فوصل أسر وفهد ومالك بسرعة وحاولوا إطفاء النيران، ولكن لم يستطيعوا. كانوا يقفون في الخارج ينظرون بانهيار. فتحدث سالم بلهفة مردفاً: "امشوا إنتوا… امشوا إنتوا." نظر أسر بقله حيلة وصرخ بشدة: "استعجلوا المطافي بسرعة."
ألقى أسر كلماته، ثم ركض إلى الداخل وسحب ابنه منهم وخرج. فلحقه فهد ومالك وأخذوا الأطفال الثلاثة والأم وخرجوا. وجاءوا ليدخلوا مرة أخرى بعدما اجتمع الناس لينقذوا سالم، ولكن انفجرت الغرفة. فصرخوا جميعاً. –وبعد فترة من الوقت في المستشفى، كان سالم على الفراش وجسده ووجهه به حروق هائلة، والأطباء بجانبه عاجزون عن فعل أي شيء معه. فتحدث بهمس مردفاً: "سامحوني… سامحوني يا ولاد." فهد ببكاء:
"مسامحينك والله العظيم… مسامحينك، بس بالله عليك بلاش تموت." سالم بتعب شديد: "أنا عارف إنكم بتكرهوني. أنا آسف.. آسف سامحوني عشان لما أقابل رب كريم. أنا عارف إني هموت وهتبدأوا عيد جديد وحياة جديدة يا مالك." مالك ببكاء: "متجولش كده يا عمي، أنا والله كنت متعصب. بالله عليك بلاش تموت." سالم بابتسامة تعب:
"أسر سامحني يا ابني.. وخلي بالك من أخواتك وخد علاجك عشانهم. أنت دلوقتي هتبقى كبير العيلة، طول عمرك شايل هم الكل. وقول لفاطمة ومهجة وحسينة وهبة وفرحة يسامحوني. أنا هموت وأنا راضي عنكم، وإنتوا كمان ارضوا عني." أسر ببكاء: "متجولش كده، أنت أبونا ومن واجبنا إننا نسامحك وإننا نخليك ترضى عنا مهما عملت، بس متسيبناش. إحنا هنعيش كلنا مع بعض.. بلاش تسيبنا بالله عليك."
ابتسم سالم ولفظ أنفاسه الأخيرة بين حضور أبنائه. فصرخوا جميعاً وهم في قمة حزنهم. –وبعد مرور ثلاث سنوات، في أول أيام عيد الفطر المبارك، كان الجميع في الشارع، كل منهم يحمل صغيره. فتحدث فهد مردفاً: "انهاردة العيد عيدين عشان التحاليل بتاعتك للسنة التانية طلعت كويسة الحمد لله. أتأكدت إنك بقيت كويس واتحسنت." أسر بابتسامة: "الحمد لله." مصطفى بتذمر: "ما يلا بقى عشان جوعت." أحمد بضحك: "هو أنت همك على بطنك كده دايماً."
ضحك الجميع ووصلوا إلى البيت وجلسوا على مائدة الفطور. فتحدث أسر مردفاً: "فيه حاجة ناقصة لفرح ومالك؟ مهجة بابتسامة: "لأ يا حبيبي كله جاهز خلاص. أخيراً مالك بكرة هبقى عريس." سيف: "عقبالكم." سهير بضيق: "احترم نفسك." أسر بضحك: "ما تحترم نفسك صحيح، فيه حد يبقى متجوز سهير ويبص لواحدة تانية؟ سيف بتذمر: "كمل.. كمل." حسينة بابتسامة: "عقبالكم إنتوا يا أسر… إنت ومصطفى." أسر:
"لأ يا مرت عمي… اللي يتجوز أسماء ميعرفش يتجوز غيرها. أنا الحمد لله على كده كفاية عليا انس وعيال أخواتي." مصطفى: "وأنا لو لفيت الدنيا مش هعرف أجيب واحدة زي حنان ومستحيل أتجوز تاني خلاص، هربي بنتي وأعيش كده." فرحة بابتسامة: "ربنا يرحمهم… ها، إيه ترتيبات الفرح بقى؟ أحمد بمشاكسة: "إيه فرح تهيصي فيه أنتِ؟ تحبي الأفراح جوي؟ فرحة بضحك: "جوي." مالك: "طيب يلا عشان نروح نشوف البدل، جوموا." هبة:
"ويلا يا فرحة إنتِ وسهير نشوف إحنا الفساتين، ونروح للعروسة يمكن تكون محتاجة حاجة." ذهب الجميع كل منهم إلى وجهته، عدا أسر الذي جلس بجانب فاطمة ومهجة وحسينة، ثم تحدث مردفاً: "والملكات التلاتة مش ناويين يجيبوا فساتين؟ فاطمة بضحك: "إحنا كبرنا على الفساتين." مهجة: "قولي لنفسك أنا صغيرة." ضحكت حسينة وتحدثت مردفة: "خلاص يا أسر اختار لنا إنت." أسر بابتسامة: "طيب يلا هنروح إحنا الأربعة نختار أحلى فساتين للملكات التلاتة."
مهجة بابتسامة: "ربنا يرضى عنك يا أسر يا ابني يارب ويراضيك." فاطمة وحسينة: "آمين يارب." ابتسم أسر ثم قبلهم من يديهم وذهبوا، ووووو. والنهاية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!