كم هو صعب أن ترضى بالغياب ولكن الذكرى لا ترضى بالرحيل فلا نحتاج إلا شعلة نسيان تدفيء برودة المشاعر فكلنا نكره الفراغ الموحش بعد الامتلاء فنصير غرباء حتى عن أنفسنا بعد أن كان لنا وطن صرنا مثقلين بالهزائم حد التلاشي تؤلمنا كل تلك الأشياء التي لم نقولها فالإفصاح أحياناً مؤذٍ لأرواحنا ليبقى الصمت سيد المواقف هناك أرواح تجعل حزنك يغفو وربيعك يزهر لكنهم ليسوا دائمين فتعلموا أن لكل شيء نهاية لا حزن ولا فرح يدوم
حينها سنعتذر لأنفسنا "عن كل الخيبات والإنكسارات التي أغرقناها بها". دلفت إلى الحفل توقفت بجواره قائلة: -مساء الخير. قالتها وهي توجه نظراتها إلى جاسر ويونس متجاهلة صدمته بوجودها. بسط يونس يديه وهو يطلق ضحكة من شفتيه ثم غمز إلى راكان: -مساء الجمال ياسيدة الحفل والقصر كله. معاكي يونس البنداري، خمسة وثلاثين سنة عازب، دكتور ستات محترم خبرة سبع سنين. قيصري وطبيعي وكمان تأخير إنجاب. ابتسمت على كلماته ثم تحدثت بعدما
شعرت بنيران تحرق وجنتيها: -تشرفنا يادكتور. قطب حاجبيه متسائلاً: -إنما الجميل معرفناش هو مين. اتجهت إلى راكان الذي بدأ ينفث سيجاره بغضب فتحدثت: -دي ابن عمك يجاوبك عليها. معرفش ممكن تقول فراشة حرة. جذب يونس جاسر الصامت وتوقف أمامها عندما استمع للموسيقى: -ممكن الجميلة تسمحلي بالرقصة دي؟ ابتسمت له: -أكيد يزدني شرف يادكتور، بس مينفعش متزعلش. فيه حاجات مينفعش نتهاون فيها. إنت آه ابن عم سليم، لكن مينفعش أرقص مع واحد غريب.
أقترب راكان وداس على قدم يونس حتى صرخ من الألم. جذب كفيه بوجه صارم متجهم الملامح متجاهلاً صراخه. فاقترب يجذبه من ذراعه متحركاً: -كنت عايز ترقص مع مراتي. يلا. ضيق يونس عيناه متجاهلاً نظراته النارية: -ليه هو عيب؟ دا إنت طول اليوم من حضن دي لحضن دي. عايز أجرب أنا كمان. رفع نظره إليه بصدمة، فقد نجح وبجدارة في أن يخرج شياطين جحيمه. فاردف: -لو شوفتك قدامي بعد ثانية أترحم على نفسك يامتخلف. تحرك يونس وهو يقهقه عليه:
-بحبك ياراكان وأنت متعصب. وصل إليها كانت تقف بجوار أسما ونوح. سحبها من كفيها بعض الخطوات. توقفت تنظر حولها وابتسامة على وجهها للجميع. وصل بها إلى مكان هادئ بعض الشيء فأردف: -ممكن أعرف إيه اللي جابك؟ لونت الصدمة معالم وجهها وهي تقترب منه قائلة: -مش فاهمة قصدك ياحضرة المستشار. جذبها بقوة حتى اصطدمت بصدره يهمس بجوار أذنيها: -دا إيه الجبروت اللي عندك دا؟ فيه واحدة تحضر خطوبة جوزها؟ ومش جوزها بس، لا حبيبها كمان.
تعثرت الكلمات على شفتيها من قربه ورائحته التي تغلغلت داخلها حتى تمنت أن يخطفها ويهرب بعيداً عن الجميع. رفعت نظرها إلى عيناه وتلاقت النظرات وعيناها تلمع بالدموع: -فعلاً زي ماقولت جبروت. يمكن من كتر اللي شوفته منك معنتش تفرق معايا. أو ممكن تقول عشان أثبت لنفسي إنك بقيت ولا حاجة. لكزته بسبابتها بصدره وهي تنظر لمقلتيه بجمود:
-عايزة أكدلك وأكد لنفسي الوقت اللي خرجت من باب أوضتي ومرحمتش قلبي وأنا بترجاك متعملش كدا. ورغم كدا دبحتني وجيت بكل برود تكمل جوازك وكأني عبيدة عندك. إنت بقيت خلاص زيك زي سليم اللي اندفن. دنت حتى اختلطت أنفاسهما وهمست أمام شفتيه وهي تنظر لمقلتيه: -إنت موت في قلبي ياراكان. متعرفش الست اللي جوزها يحرق قلبها ممكن تعمل إيه. دنت ودنت حتى وصلت للمحظور بقربه الذي اعتبرته ذلك من قسمها لنفسها.
-وحياة كسرة قلبي اللي انت بكل جبروت دبحته وخليت وجعه مستباح لأوجع قلبك. قالتها ثم تحركت بخطوات مهرولة لاتعلم أين وجهتها. كل ما فعلته أنها انتصرت وبقوة عليه. هي أصبحت لاتعلم أيحبها كما زعم؟ أم يتلاعب بها؟ وصلت حيث جلوس زينب التي كانت تراقبهما. جلست تأخذ أنفاسها المتسارعة وعيناها المترقرة بالعبرات. تنهدت زينب تنظر إلى راكان الذي يقف بجوار أصدقائه ووجهه عبارة عن لوحة من الحزن والوجع. أشارت إلى يونس بعيناها ففهم ما تريد.
تحرك متجها إلى نوح وتحدث: -نوح عايزك. تحرك نوح بعيداً عن راكان: -ليه راكان مصر يتجوز نورسين وهو عارف بلاويها؟ زفر نوح يمسح على وجهه ثم أجابه: -والله يابني ولا أعرف. هو جه وقالي تعالى النهاردة خطوبتي فجيت معاه. حاولت أفهم بيفكر في إيه ومعرفتش أوصل لحاجة. اقترب منه قائلاً: -طيب أسمع الليلة دي كلها عند المتر اللي معرفش محضرش الخطوبة دي ليه. فلما نوصل للمتر إحنا لازم نعمل لعبة حلوة عليه. قطب نوح حاجبه متسائلاً:
-مش فاهم قصدك؟ حاوط يونس كتفه قائلاً: -ليلى. ضيق نوح عيناه متسائلاً: -مالها ليلى؟ همس له ببعض الكلمات. توسعت عين نوح قائلاً: -يخربيتك دي متجوزة. انت عارف راكان ممكن يعمل إيه فيك لو عرف. دفعه يونس ساخراً: -والله انت غبي وتستاهل اللي فرندا عملته فيك. بعد قليل اتجه لوالدته وجلس بجوارها يرمق التي تتحدث مع أسما فتحدث: -شايفك جيتي ياماما. دقت النظر بملامحه: -مكنتش أعرف إنك هتزعل لما أجي. توسعت عيناه بذهول قائلاً:
-أنا أزعل لو جيتي ياماما. اقترب من والدتها وتحدث بصوت لا يسمعه سواها: -كوين زينب بلاش تلعبي بيا ولا عليا. ابنك مش غبي. بلاش نزعل من بعض ياكوين زوزو. غمز بعينيه قائلاً: -إنك تجيبي مراتي لخطوبتي وراها حاجة. فبقولك بلاش تستغبي ذكائي. ابنك بيفهمها وهي طايرة. ولمي خروف العيلة دا. أصل وحياة ربنا لو نفخته لأطيره. قاطعهم وصول فريال مع ناهد والدة نورسين: -زينب هانم وأنا بقول الحفلة نورت ليه. ابتسمت زينب ثم
توجهت بنظرها لأبنها قائلة: -الحفلة منورة براكان ومراته طبعاً. رجفة شعر بها حينما رفعت ليلى نظرها إليه. لم يفكر كثيرا فتوقف عندما استمع للموسيقى بافتتاح الحفل وهو يبسط يديه إليها. توقفت ناهد تنظر له بذهول قائلة: -معقول ياركان، هترقص رقصتك الأولى مع أرملة أخوك؟ أمال بجسده حينما تحدثت ليلى قائلة: -أنا مش هرقص يامدام متخافيش. سحب كفيها متحركاً وهو يقول: -دي مراتي مدام ناهد قبل بنتك.
تحركت معه ودقات قلبها بالارتفاع لأول مرة حيث نظرات الجميع متركزة عليهما. توقفت أمامه في المكان المخصص للرقص: -أنا مبعرفش أرقص. إزاي تسمح لنفسك تقرر بحاجة من غير ما تاخد رأيي. جذبها وحاوط خصرها بذراعيه هامساً لها: -الناس بتبص علينا. وبعدين الكل عارف إنك مراتي. ياريت تلتزمي بحدودك. من شوية يونس كان عايز يرقص معاكي. قالها وهو يرفع ذراعيها حول عنقه ودنى يجذبها ويتحرك مع الموسيقى. نظرت لشمسه الساطعة بالإضاءة وابتسمت:
-مش ذنبي إنه عايز يرقص معايا. ماهو يونس شبه ابن عمه نسيت ولا إيه؟ مش إنت الخبرة بتاعهم. أطلق ضحكة رجولية جعلتها تتناسى ما صار بينهما. فتحركت معه وهي تبتسم بحالمية. على الطاولة التي تجلس بها زينب، بدأت ناهد تتأكل من الغضب فتحدثت: -يعني إيه يرقص مع أرملة أخوه؟ مش المفروض يرقص مع نور؟ تهكمت فريال قائلة: -متعصبيش قوي كدا ياناهد. بدل راكان قال هيرقص معاها فهيرقص معاها مهما تعملي.
كانت النيران تتأكل بداخلها، فتحركت إلى نورسين التي تقف بجوار توفيق وأسعد. ابتسمت زينب بتهكم. فوقع نظرها على توفيق الذي يقف مع نورسين ويحاوط كتفها وضحكاته تعلو بالأرجاء. اتجهت بنظرها لأبنها الذي كان يحاوط ليلى والسعادة تشق ثغره، متناسياً ما يحاوطه وكأن لا يوجد بالمكان سواهما. فهمست بداخلها: -ياترى بتحاول تعمل إيه ياراكان؟ يارب يابني متكونش بترتب لحاجة تقضي عليك. عند نورسين وتوفيق...
وصلت ناهد والغضب يتملك منها تبحث عن زوجها. لمح توفيق الغضب بعينيها: -مالك مدام ناهد فيه حاجة؟ ابتسمت تنظر حولها وهي تتحدث من بين أسنانها: -مش عارف فيه إيه. بص لساحة الرقص وانت تعرف ياتوفيق باشا. اتجه بنظره إلى راكان، فاطلق ضحكة وتحدث: -زعلانة عشان بيرقص مع البت دي؟ لا ياناهد تبقي هبلة. دا مفيش عدوة على وش الأرض لراكان قد البت دي. أشارت نورسين لمامتها وتحدثت:
-قوليها ياجدو. ماما مكنتش موافقة بتقولي إزاي يكون متجوز وتتجوزيه. راقب توفيق راكان ومازال يضحك قائلاً: -متخافيش من البت دي. متستهلش إنها تزعل ناهد هانم. دي آخرها يوم ما تغلب ليلة مع حفيدي. ثم رفع نظره لنورسين: -وطبعاً البركة في الجميل بتاعنا مسيطر على الكل. قبلت نورسين خد والدتها: -اتفرجي وشوفي يامامي. إزاي بنتك هتغلب بت زي دي. تحركت نورسين متجهة إليهما. عند زينب.. زفرت بغضب من كلمات يونس: -انت يابني ليه مش مصدق؟
والله عرف كل حاجة يعني مهما تعمل ولا حاجة. نصب عوده ووقف: -اقفي واتفرجي يازوزو. هو إنت معاكي أي حد برضو؟ دا أنا الدكتور يونس البنداري. صمتت للحظات ثم قهقهت عليه: -حبيتك خلاص يادكتور. رفع حاجبه بسخرية واتجه بنظره إلى سيلين التي تقف بجوار أسما قائلاً: -وانت تحبيني ليه؟ حد قالك هموت قريب؟ أنا عايز بنتك اللي تنضرب وواقفة بعيد عني. قهقهت زينب عليه قائلة: -طب إلحق نورسين رايحة. غمز بطرف عينيه قائلاً:
-متنسيش يازوزو، يبقى تزوريني في المستشفى. أنا بقع من أول قلم. عند راكان، كانت نظراته تحتضنها كذراعيه اللذين يحاوطها. حاول استجماع نفسه والتمسك بالسيطرة على نفسه. فشدد من احتضانها. رفعت يديها حول عنقه، تتحرك معه على أنغام الموسيقى. اتجه بأنظاره للجميع، فرأى معظم العيون عليهما. دنى يهمس لها: -شايفك بترقصي حلو أهو. أومال "تؤ تؤ" دي كانت ليه من الأول؟ رفعت حاجبها وتحدثت:
-ماهو مكنش ينفع أخطف الأجواء من العروسة. ينفع برضو تفتتح رقصة الحفلة مع "المستعملة"؟ طيب كنت سيباها للعروسة. أطلق ضحكة رجولية وهو ينظر لليلها الدامس: -أصلك صعبتي عليا. مينفعش أسيبك نار الغيرة تاكلك وتتعبي ومتعرفيش تسهري بأمير. ضحكت بصوتها الأنثوي الناعم، فشددت من عناقه ودنت تقترب منه، ناظرة لشمسه مباشرة وهمست له: -غلطان ياراكان. بص حواليك ياحبيبي وشوف الكل يتمنى يرقص معايا. بس حضرتك طلعت نار زي التنين. ضغط
على خصرها بقوة حتى آلمها: -كنتِ عايزة ترقصي معهم يامحترمة؟ أتت لتتحدث، قاطعتهم نورسين تنظر إليه بغضب: -ممكن أعرف حضرتك هتفضل إمتى؟ قطع كلامهم يونس: -مدام ليلى تعالي معايا، سيب العرسان وتعالي. قاله. توقف ثم اتجه إلى يونس يرمقه بنظرة نارية وتحدث قائلاً: -كنت بتقول إيه يايونس؟ قالها ونيران عيناه تشتعل. تحرك يونس إلى نورسين وتحدث: -كنت بقول لنورسين عايزك في موضوع مهم. كانت جاتلي العيادة من كام يوم.
قاطعته نورسين وهي تتحرك معه بعيداً قائلة: -أيوه أيوه يادكتور تعالى. كور على قبضته وهو ينظر لتحركهما، ثم اتجه للتي تقف تنظر إليه بصمت. جذبها متجهاً لوالدته: -تقعدي جنب ماما وإياكِ تتحركي من مكانك لحد ما الحفلة تخلص. نزعت يديها غاضبة: -إنت متقولش أعمل إيه، ولا ليك دعوة بيا سمعتني؟ أنا هنا مع ماما زينب. قالتها متحركة.
بعد قليل، كان يقف بجوار نورسين وعيناه على تلك التي تجلس بجوار والدته تتفحص هاتفها وكأنها لم تفعل شيئاً. قاطع شروده بها أحد الأشخاص: -ازيك ياراكان!! نظر إليه راكان صامتاً، فتحدث الرجل قائلاً: -إيه مش فاكرني؟ ضيق عيناه ثم نظر إلى نورسين قائلاً: -آسف مش واخد بالي... أشار على يونس الذي يواليه بظهره قائلاً: -أنا إيهاب زميل يونس ياعم افتكر. ابتسم له بتصنع قائلاً: -أهلا دكتور إيهاب. آسف. مدت نورسين يديها:
-أهلا إيهاب افتكرتك. أومأ برأسه دون حديث، فاستدار يشير إلى ليلى متسائلاً: -دي أرملة سليم مش كدا؟ كور قبضته حتى ابيضت، وظل يرمقه بهدوء. فتحدث من بين أسنانه قائلاً: -مالها؟ تعرفها منين؟ هز رأسه رافضاً حديثه، ثم اقترب قائلاً: -كنت عايز أتواصل مع باباها. شكلها ما ارتبطتش من بعد سليم فقولت يعني. لم يكمل حديثه، فسحبه بعنف للخارج. توقفت نورسين تنظر إليه بغضب: -راكان رايح فين؟ اتجننت؟ هنلبس الدبل أهو.
لم يستمع إليها وتحرك للخارج، فلقد ثارت جيوش غضبه وأشعلت نيران صدره وكأن أحدهم سكب بنزيناً بصدره ليتقد إشعاله، وهو يتخيل ذاك الرجل يأكلها بعينيه. وصل لخارج الحفل، فدفعه بقوة للخارج وهو يلكمه، فلقد تحول إلى شيطان مارد وكل ما يراه نظراته لها، لمالكة روحه ومدمرتها. ظل يلكمه ثم صاح غاضباً: -جاي عايز تتجوز مراتي يابن ال... وصل يونس إليه وحاول إبعاد راكان عنه، ولكنه كان كالمفترس. وصلت ليلى تصرخ به وتقف أمامه: -إنت اتجننت!!
وسع هيموت في إيدك. هنا فاق واستدار إليها كأسد مفترس، وصاح بها بغضب: -تعرفيه منين؟ آه. قالها بعيون تطلق نيران جحيمية. -خايفة عليه؟ بعتالي واحد عشان يخطبك ياهانم. تراجعت للخلف كالملسوعة خوفاً من مظهره البادي عليه، فلقد تحول لشيطان وصاحت به بغضب: -إنت اتجننت؟ عارف بتقول إيه. لحظات مرت عليهم كالجحيم وهو يضغط على ذراعيها بقوة آلمتها متحدثاً: -إنت إيه اللي جايبك أصلاً؟
ماهو مش معقول جاية تباركيلي. إيه جاية تشوفي حد ولا إيه؟ رفعت يديها وصفعته بقوة في وصول نوح وأسما التي وضعت يديها على فمها بذهول. جذبها بقوة ودفعها بداخل السيارة. خرجت نورسين تسرع خلفه ووقفت أمام السيارة: -رايح فين ياراكان؟ -نور عشر دقايق وراجعلك. قالها وتحرك بالسيارة. اتجه نوح إلى يونس الذي يقوم بضمد جراح إيهاب: -أنا آسف ياإيهاب صدقني مكنتش عارف إنه هيتعامل بغباء كدا. ركله نوح حتى سقط وصرخ به:
-قولتلك بلاش يامتخلف. دي مراته. ياترى هيعمل في ليلى إيه. اتجه بنظره إلى أسما الصامتة وعيناها مترقرقة بالدموع. تحرك إلى أن وقف بجوارها: -متخافيش عليها ليلى قوية. وشوفتي إزاي ضربته قدام الكل. ارتجف جسدها ثم نظرت إليه وبشفتين مرتجفتين: -هو ممكن يعمل فيها إيه؟ دا مش حاسس بنفسه. شكله مجنون. قالتها ودموعها تنسدل بدموعها.
وصل بعد قليل لمنزله، ترجل من السيارة سريعاً متجهاً إليها، ثم سحبها بقوة حتى وصل لجناحه ودفعها حتى سقطت على الأرضية أمامه. أمال بجسده وعيناه لهيباً: -ساعتين وراجع. الاقيكي عروسة على السرير دا. عشان اعرفك إزاي تمدي إيدك عليا. نهضت سريعاً ولكمته بصدره: -دا في أحلامك إن شاء ياراجل القانون. إنت راجل قانون؟ إنت راجل عصابات. دفعها بقوة حتى سقطت على فراشه، ثم نزل بجسده سريعاً وهي تتراجع بجسدها: -راكان انت اتجننت أبعد عني.
جذبها من عنقها بقوة حتى أصبحت بأحضانه: -ساعتين وهرجع الاقيكي مستنياني. سمعتيني ياعروسة المولد. قالها وهو يرمقها جسدها بنظرات خارقة، ثم دنى ليقبلها. دفعته صارخة ووقفت متجهة لباب غرفتها: -على جثتي تقرب مني. روح كمل جوازك يامحترم جاي للي قتلت أخوك ليه؟ إيه مش أنا عدوتك. دنت خطوة وصاحت بغضب: -أنا هطلق منك ياراكان! سمعتني؟ مستحيل أفضل على ذمتك. جذبها من ذراعيها:
-هرد عليكي بنفس ردك على جثتي. ودلوقتي غوري من وشي. آخرتيني على عروستي. قالها ثم دفعها بقوة حتى هوت على فراشه. بعينين هالكتين وقلب فتته الوجع من قساوة من أحبت، أردفت بلسان قلبها الذي خانها قائلة: -لو خرجت ورجعت الحفلة هتكون نهايتنا للأبد. توقف لدى باب الغرفة وأجابها وهو مواليها ظهره:
-أصلاً من يوم ما مشيتي وضحك الكل عليا وإحنا انتهينا. من يوم ما روحتي ولجأتي للغريب إحنا انتهينا. إنت هنا عشان ابنك وبس دا لو عايزة تعيشي في البيت دا. قالها وتحرك بعض الخطوات. ثارت جيوش تمردها من كلماته، فرفعت رأسها بشموخ تنفي مشاعرها اتجاهه. فاقتربت منه: -عندك حق ياحضرة المستشار. إحنا انتهينا حتى من قبل ما نبتدي. وعلاقتنا هتكون أخو جوزي وبس. ملكش حكم عليا في حاجة. استدار إليها سريعاً كالملسوع ونظر لمقلتيها:
-إنتِ مراتي وغصب عنك عجبك ولا مش عجبك. قالها وتحرك سريعاً حتى لا يضعف أمامها وياخذها بأحضانه. بعد يومين بمكتب حمزة. دلف راكان وجلس أمامه قائلاً: -مفيش جديد عندك ياحمزة. دقق حمزة في ملامحه قائلاً: -مالك ياراكان؟ لسة موضوع نورسين قلقك. رجع بجسده على المقعد مغمض العينين قائلاً: -أنا تعبان من الكل. ومعنتش عارف الضربات هتيجي من مين. ملعون الفلوس اللي تعمل في الناس كدا. نهض حمزة يربت على كتفيه وجلس بمقابلته:
-معلش مركزك حساس متنساش. فتح عيناه وأردف قائلاً: -عارف توفيق كان عايز يعمل قضية زنا لليلى عشان ياخد الولد. جحظت أعين حمزة مذهولاً: -لا دا الراجل دا مجنون. وضع رأسه بين كفيه وتحدث: -كان لازم أكمل خطوبتي عشان أدخل بينهم. لازم أكون مستعد للجاي. دا وصل بيهم الفجر. -إنهم يعملوا قضية ليونس ويشطبوه من النقابة. -جدك عايز يعمل كدا في يونس إزاي؟ رجع خصلاته للخلف وهو يسحب كماً من الهواء ثم زفره بغضب:
-من ورا جدي. جدي ميعرفش. بقولك بيلعبوا عليه. وماشي وراهم عايزين يتخلصوا مني ومنك عشان القضية الأخيرة. نهض متجهاً للخارج. توقف لدى الباب قائلاً: -خلي بالك من درة كويس ياحمزة. كفاية المجنونة اللي عندي. -راكان استنى عايز اتكلم معاك في حاجة. قطب مابين جبينه متسائلاً: -فيه حاجة؟ جلس حمزة على الأريكة يشير إليه قائلاً: -اقعد الأول. جلس راكان بجواره منتظراً حديثه. حمحم حمزة ثم رفع نظره:
-هو سؤال خاص شوية ارجو مكنش بتطفل عليك. إحنا أصدقاء من زمان ودايماً عيوبنا قبل مميزاتنا صح ولا إيه. زفر بغضب وصاح متسائلاً: -هتقول عايز إيه من الآخر ولا اخبطك خبطة اموتك وارتاح. تأفف حمزة بضيق ثم تحدث: -"ليلى". هب فزعا وصاح به: -وبعدهالك ياحمزة عايز تقول إيه انت كمان؟ مش كفاية يونس البغل. جذبه ليجلس قائلاً: -اقعد بس واسمعني. ليلى دلوقتي انت متأكد من مشاعرها ناحيتك؟ متنساش انها اتعلقت فترة بسليم وممكن يعني.
هب كالملسوع وبدأ يركل كل ما يقابله صائحاً بغضب: -وبعدهالكم حتى انت ياحمزة. عرفت ياسيدي انها كانت مرات اخويا. حفظتها والله ومستعد اكتبها على جبينكم عشان تتاكدوا اني عارف. نهض حمزة وحاول إخماد بركانه الثائر فتحدث بهدوء: -مش قصدي كدا ياراكان ممكن تهدى وتسمعني. جلس وهو يحاول أن يتنفس حينما شعر بإنسحاب الهواء من رئتيه. أكمل حمزة قائلاً:
-قصدي أن ليلى قعدت فترة مع سليم. وطبعاً يعني سليم كان مسالم جدا وكان مفكر انها بتحبه فأكيد معاملته معاها هتكون معاملة حبيبة. وطبعاً بعد اللي عملته في ليلى قارنت بينكم وهي دلوقتي عندها انطباع ان حب سليم احسن منك. وممكن تكون كرهتك فعلاً. أحس ببرودة جسده وتصلبه، حتى لم يستطع الوقوف فاتجه ينظر بتشتت وضياع وهو يهز رأسه. فكلمات حمزة عصبت جروحه المدفونة الذي يحاول دفنها وتلاشيها. -حمزة سليم كان عارف إن فيه حد في حياة ليلى.
توسعت بؤبؤة حمزة متسائلا: -إزاي يعني؟ وهو كان راضي؟ جلس واضعًا رأسه بين راحتيه وتحدث بصوت مختنق يشعر بسكين باتر ينحره: -اللي بيحب بيعمل أكتر من كدا. تعرف سليم كاتب كل حاجة باسمه لليلى غير الرصيد اللي حوله لها. -نعم إزاي؟ وبعدين مقليش حاجة زي كدا. انت ناسي أنا المحامي بتاع الشركة ولا إيه؟ -ماهو دا اللي مجنني. ليه يخبي عليا؟
أنا لما المحامي جالي وكمان فيه وصية إن ليلى وأنا نكون المسؤولين عن الولد. تفتكر عرف أنا اللي كنت بحبها؟ ولا عرف إيه؟ لا وكاتب رسالة بنص الوصية ليا بيأكدلي فيها إن ليلى مشاعرها كانت لحد تاني. دايما كان حاسس فيه حد بينهم كان ناقص يقولي انت السبب في تعاسة قلبي يا راكان. تجمد حمزة بمكانه وهو يربط ما فعله سليم. فأخذ يتنفس بهدوء ثم زفر قائلاً: -ما أعتقدش. متشيلش نفسك فوق طاقتك. عشان كدا بتنتقم فعلاً من ليلى؟
قهقه راكان حتى انسدلت دموعه قائلاً: -لو قولتلك مش عارف هتصدق. حقيقي مبقتش عارف أنا بتعامل معاها كدا ليه. عايزها ومش عايزها. بحبها وبعشقها وبكرهها. عايز أوجعها ومش متحمل عليها حتى الهوا. أنا اتجننت مش كدا. حدجه حمزة برفض قاطع لما قاله فأردف: -يعني انت خطبت نورسين عشان تنتقم فعلاً منها. هز رأسه رافضًا: -ابدا ياحمزة مش دا اللي كان في بالي ابدا. أنا عايز أحميها وكمان أعرف خطوايهم. متنساش إنهم كانوا هيتخلصوا مني.
أومأ حمزة متفهماً وتحدث: -خلي بالك من نفسك. ومتزعلش مراتك ياحضرة المستشار. الغيرة ولعت وحرقتك كل حاجة وصلتني. نهض متحركاً ولم يجيبه فتحدث: -هتروح فرح جاسر ولا لا؟ -لا. عندي قضية في إسكندرية مش هكون موجود. أومأ متفهماً ثم تحرك للخارج دون حديث آخر. *** بمزرعة نوح. جلست ترتشف قهوتها وتستمع إلى فيروز. دلف إليها ظل يطالعها بإشتياق. فخطى إلى أن وصل إليها حاوطها من الخلف قائلاً: -وحشتيني حبيبتي. نهضت مبتعدة عنه:
-أنا كويسة يانوح. قولتلك مليون مرة ياريت تخبط قبل ما تدخل. جذبها لأحضانه يحاوطها بذراعيه ويضمها بقوة: -إنسي يا أسما إني أستأذن وأنا داخل لمراتي. طبع قبلة على جيدها، مما جعل جسدها يرتجف بين يديه. فدفعته بوهن وتحدثت بصوت متقطع: -أبعد عني. إياك تقرب مني. روح لمراتك اللي قدرت تخوني معاها. إحنا في حكم المطلقين. قالتها وتحركت من الغرفة سريعاً.
خرج متجهاً ثم استقل سيارته متجهًا إلى شركة البنداري. وصل بعد قليل ودلف إلى مكتب راكان ثم جلس أمامه دون حديث. كان منشغلاً بعمله. أغلق الملف الذي بيديه ووضع خديه على كفيه قائلاً: -خير ياحيلة امك. عملت إيه تاني أشجيني ياخويا. ماهو أنا مش ورايا غير المجانين. -أسما عايزة تتطلق. نهض راكان متجهاً لشرفة مكتبه وقام بإشعال تبغه قائلاً بهدوء: -برافو عليها. حقها. طلقها وريحها. هب فزعاً متجهاً إليه ودون حديث لكمه بوجهه.
وضع راكان أنامله موضع تألمه ينظر إليه غاضبًا: -يخربيت شكلك متخلف. انت حمار. واحدة وعايزة تطلق من بغل خانها وراح اتجوز. وياريته سكت لا مراته البغلة اللي شبهه مصورة نفسها صور رخيصة زيها وبعتاها. مستني تاخدك بالأحضان. احمد ربنا إنها لسة على ذمتك أصلاً. جذبه نوح من تلابيبه ونظر إليه بغضب: -عارف تستاهل اللي ليلى بتعمله فيك. وحياة ربنا لأخليها تشربك بنزين عربيات. قهقه راكان وهو يدفعه ثم جلس يضع ساقاً فوق
الأخرى وهو ينفث سيجاره: -لا في دي متخافش. شربت من ميت البحر كمان. هو فيه زي لولة برضو. دي يابني حاجة كدا تتحط في الصاروخ ينفجر. ماشاء الله عليها قنبلة موقوتة كل شوية تنضرب في وشي. تذكر شيئاً فاطلق ضحكة مرتفعة قائلاً: -لولة ياسلام عليها وعلى انتقامها. دي عايزينها في الأمم المتحدة. دا البت دي جبروت. امبارح وقعت القهوة عليا وتقولي سوري ما أخدتش بالي بنت عاصم. لا وجايبة هدية وداخلة أوضتي بكل جبروت وممسكاها لأمير وبتقوله:
-متقولش لعمو مبروك ياميرو. حبيبي عمو هيتجوز ويجبلك أميرة. ظل يضحك عندما تذكر فنظر إلى نوح رافعاً حاجبه بسخرية: -تخيل باربي جايبة لي إيه. ضيق نوح عيناه منتظراً حديثه. تراجع للخلف متكئاً على الأريكة رافعاً ذراعيه حوله قائلاً: -قميص نوم عشان العروسة. أطلق نوح ضحكات مرتفعة وهو يضرب كفيه ببعضهما قائلاً: -تستاهل والله. لولا دي مفيش منها. هز رأسه بوجع عندما تذكر أيامه الأخيرة معها: -فعلاً أستاهل أكتر من كدا يانوح.
نهض نوح ونظر لمقلتيه مردفاً: -تمم جوازك من ليلى ياراكان. يمكن اللي عامل فيك كدا بعدك عنها. يمكن لما تقربوا من بعض تلملموا جراح بعض. أطبق على جفنيه وتنهد متمنياً قربها: -ربنا يسهل. أقعد وقولي إيه اللي حصل معاك. جلس بعدما أشعل سيجاره: -راندا جت من فترة لأسما وقالتلها إنها حامل. -وبعدين؟ تساءل بها راكان. -قالتلها كلام موجع طبعاً. أسما محكتش بس سيدة قالت بعض الكلام. فهمت اللي دار بينهم. تراجع راكان بجسده ثم تحدث مردفاً:
-ليه تممت جوازك بيها؟ قدرت تخون حبيبتك إزاي يابني آدم. توقف كطائر ذبيح وتحدث وكأن غصة منعت تنفسه قائلاً: -غصب عني. انت متعرفش يحيى الكومي دا ممكن يعمل. نصب راكان عوده ودنى منه ينظر لمقلتيه: -دي حجة خايبة يانوح. اللي بيحب حد بيموت عشانه. مش بيخونه. ثارت زعابيب غضبه ثم صاح بصوت مرتفع:
-انت متعرفش ممكن يعمل فيها إيه. إيه نسيت جوز لميا اللي عمله قضية أمن دولة وقالهم تبع جماعات إرهابية دا كله عشان مسمعش كلامه. كنت مفكر إنه هيرحم أسما مقدرش أشوفها قدامي بتتعذب بسببي ياراكان مقدرش. بخاف عليها من الهوا. -كان ممكن تعمل أي حاجة غير الخيانة يانوح. نظر نوح إليه متهكماً: -زي ما انت عملت كدا. روحت خنت ليلى واتفقت مع نورسين. جحظت عيناه بذهول فأردف: -انت اتجننت؟ هتجيب دي لدي؟
أنا بعمل كدا عشان أوقع شبكة إجرامية. وبعدين مستحيل أقرب من الحقيرة دي. أشار لصدره قائلاً: -دا بيتعذب ليل نهار عشان مش قادر أمسح وجع قلبها وأعرفها إنها لعبة. لو عارف ومتأكد إنها هتقدر تحافظ على السر صدقني كنت قولتلها. بس أنا معرفش إيه اللي هيحصل بكرة. كان لازم أخبي. مش بيلعبوا عليا بس دا بيلعبوا على حمزة ويونس كمان. أنا معرفش مين دول. بحاول أربط الكل عشان أعرف مين. تنهد ساحباً بعض الهواء وأكمل:
-أنا بقيت أشك في كل اللي حواليا. عامل كاميرات في كل البيت ومش عارف أوصل لحاجة. ياترى عمامي؟ ولا مراتتهم؟ ولا الشغالين؟ دول عرفوا علاقتي بليلى قبل جوازها. يعني بيشككوني في كل اللي حواليا يانوح. لقد سقط في بئر مظلم لا يشعر بنفسه سوى أنه مكبل الأيدي مغلول الأقدام لم يمتلك سوى قلبه النابض بعشقها. أطبق على جفنيه قائلاً: -بحاول أحميها يانوح مش بخونها أبداً. ربت نوح على ظهره قائلاً:
-بكرة تتعدل وزي ماقولتلك تمم جوازك صدقني هترتاح كتير. وتقدروا تتخطوا وجعكم حتى من غير ما حد يعرف. *** بعد شهر من خطوبة راكان. الشمس قد هلت بشائرها وأيقظ الفجر نورا فأحيا به عباد الله على الأرض ليبتغون من فضله. تجلس على فراشها تضم ركبتيها إلى صدرها مستندة برأسها. وعبراتها تنسدل من عينيها كلما شعرت بالعجز. أيقظها من هموم أحزانها رضيعها. اتجهت إليه كأن هذا الطفل دوماً ما يخرجها من أحزان قلبها التي لا تنتهي.
حملته وبدأت تهمهم له بكلمات الأمومة الحنونة التي زرعها الله بالفطرة لكل أنثى. بعدما أطعمته، جلست تمسد على خصلاته الناعمة فاليوم بلغ الشهر التاسع. -صباح الخير يا أمير باشا. قايم زعلان ليه؟ ابتسم الطفل لها بعدما شعر بسعادتها وهي تلاغيه. قطع وصلة حديثها مع طفلها طرقات على باب غرفتها. سمحت بالدخول لمن بالخارج اعتقاداً أنها الخادمة. ولكن فوجئت به يدخل بهيئته الجذابة والمؤذية لروحها. -صباح الخير. قالها دون أن ينظر لها.
اتجه بنظره لابن أخيه: -صباح الخير يا عمو. وحشت عمو يا أميري. ثم طبع قبلة على خديه. رفع الطفل كفيه الصغيران وامسك الطفل لحيته وبدأ يهمهم: -بابا. بب. ضحك له وهو يرفعه في الهواء: -روح بابا أميري إنت. ظل يداعبه بذقنه النابتة: -إكبر بسرعة علشان أعلمك حاجات كتير. اتجه بنظره للتي تجلس وتحيد ببصرها عنه فأردف متسائلاً: -منزلتش على الفطار ليه؟ اتجه بأنظاره لأمير وتحدث:
-شايف أمير صاحي. مش من الأولى إنك تنزلي بيه علشان ماما وبابا. أردف بها وهو يدقق نظره بملامحها الباهتة. نكست رأسها للأسفل وتحدثت: -ماليش نفس. وأمير سيلين هتيجي تاخده وتنزل بيه تحت شوية في الشمس. اختلج صدره بضربات عنيفة من حالتها فدنى منها يرفع ذقنها بأنامله: -مالك فيه إيه مش متعود ألاقيك كدا. إنت تعبانة؟ دفعت يديه بعيدًا عنه واستدارت متجهة للشرفة ولم تعره اهتمامًا.
زفر بغضب وتحرك خلفها وهو يحمل الطفل الذي ارتفع صوت ضحكاته في الأرجاء. "إحنا مش قررنا ناخد هدنة شوية ونريح بعض؟ استدارت له بجسدها ورغم حزنها المكنون على والدها إلا أنها تحدثت: "عايز مني إيه ياحضرة المستشار؟ هو إنت مش مبسوط بحياتك؟ أبعد عني بقى أنا زهقت وتعبت من تحكماتك. سبني أخد الولد وأمشي وإنت عيش حياتك زي ما أنت عايز." جز على شفتيه ثم جذبها بقوة وتحدث من بين أسنانه:
"بت بقولك إيه مش تخليني أعمل عليكي عبيط. هكرهك نفسك. إنت مبتزهقيش من أسطوانتك دي؟ *** ساد صمت مختنق بحزن من ناحيتها. أغمضت عيناها للحظات بعدما اتجه خارجًا بالولد واتجهت تنظر للحديقة تتنهد بحزن، مستسلمة لعذاب روحها. ثم رفعت هاتفها وهاتفت نوح. "عامل إيه يانوح؟ ابتسم بتهكم وتحدث: "هعمل إيه يعني أهو بحضر لعملية تجميل. طفلة جاية من حادثة حريق بحاول أشوف لها حاجة." انزلقت عبرة على وجنتيها هامسة:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. لسة مبتكلمش عمو يحيى؟ زفر بغضب وتحدث: "ولا عايز أسمع اسمه حتى. هكلمك بعدين ياليلى. عندي كشف مهم." أومأت برأسها وتحدثت: "تمام. بالنجاح والتوفيق." مساءً بغرفتها دلفت لمرحاضها وانعمت بحمام دافئ حتى تشعر بالراحة كي تستطيع النوم. فالحزن خيم على قلبها منذ رجوعها من منزل والدها.
أخرجت منامة شفافة باللون الأسود، ظهرت جمال جسدها الحليبي تصل إلى ركبتيها. ورفعت خصلاتها للأعلى، فظهر عنقها بسخاء. ثم اتجهت إلى فراشها وأحضرت بعض الكتب في الهندسة وبعضها في السنة النبوية. ثم جلست على فراشها تتفحص بعض الموضوعات للهندسة حتى استمعت لطرقات على باب غرفتها. "مدام ليلى، أمير مش راضي يسكت ولسة واخد شاور معرفتش أجيبه لحضرتك."
نهضت سريعا عندما استمعت لبكاء الطفل بصوته الصاخب. أسرعت لغرفته متناسية ماترتديه. دلفت سريعا إليه. "إيه ياحبيب مامي زعلان وبتعيط ليه؟ قالتها وهي تحمله لتهدئة بكائه. ظل صرخات الطفل تعلو. وضعت يديها على جبينه وجدت حرارته مرتفعة. اتجهت تقيس حرارته ونظرت بفمه ثم تحدثت: "هاتي خافض الحرارة بتاعه. شكله بيطلع سنان أميري وأسنانه بتوجعه." أعطتها المربية دوائه.
كان يقف على باب الغرفة. استمع لصرخات الطفل فخرج حتى يرى مابه. دلف ولكنه تسمر عندما وجدها بتلك الطلة. هي لم تراه كانت تواليه ظهرها تهتم بطفلها. شعر ببعض الحرارة تتسرب إلى جسده. فأشار للمربية بخروجها. ثم اقترب يقف خلفها يستنشق رائحتها وهو مغمض العينين. كانت تمسد على خصلات طفلها. شعرت بأحد خلفها ظنت المربية فاستدارت وإذ بها تتجمد بوقفتها. شعرت برجفة بعمودها الفقري من وجوده بتلك الحالة خلفها. فكان يقف مغمض العينين.
ارتجف جسدها حينما اقترب يحاوطها على فراش الطفل قائلاً: "أمير ماله؟ أطبقت جفنيها حتى تستطيع السيطرة على نفسها ولا تلقي نفسها بأحضانه. "ليلى." همس بها بجوار أذنيها. فتحت عيناها تبتعد عنه. "أبعد عني. المربية هتيجي تقول إيه." حاوطها بذراعيه وهو ينظر للطفل قائلاً: "الولد نام. تعالي معايا عايزك." تسمرت بوقفتها ولم تتحرك. وصلت المربية فابتعد عنها قائلاً: "خلي بالك من أمير. ولو عيط أو تعب تاني اتصلي بيا."
ثم سحب كف ليلى وخرج متجها لجناحها. "ليلى إزاي تخرجي من أوضتك كدا؟! تراجعت مبتعدة عنه بعدما تذكرت ماترتديه. وتحدثت بصوت متقطع: "أصل.. أصل أمير كان بيعيط وهو وهو." اقترب بخطى سلحفية. وعيناه تخترق جسدها الذي يظهر بوضح من تحت ثيابها. اتجهت سريعًا ناحية الباب فجذبها بعنف حتى اصطدمت بصدره وضمها لأحضانه وهو يهمس لها: "ليلى إمتى هنعيش زي أي اتنين متجوزين بيحبوا بعض." دقات عنيفة بصدرها حتى شعرت بهبوط وارتفاع صدرها قائلة:
"أبعد عني. أنا قولتلك مستحيل هتقرب مني طول ما أنت كذاب ومخادع كدا. إحنا انتهينا من يوم ما ضحكت عليا." وضع رأسه بعنقها وكأنه لم يستمع لحديثها قائلاً: "بكرة هتنقلي لجناحي. مفيش نوم برة الجناح دا تاني. وإياك أشوفك هناك. إنت هنا مراتي. والمكان اللي أنام فيه تنامي فيه." احتضن وجهها بين راحتيه ينظر لمقلتيها. "ليلى إحنا محتاجين بعض. أنا محتاجك جدًا الأيام الجاية. عايز حد يحس بيا. وإنت أكيد محتاجني." ***
كانت تمارس أقصى درجات النفس على قلبها حتى لا ترمي بأحضانه عله يزيل همومها ولكن كيف لها هذا وهو أكثرهم جراحًا. ورغم ذلك رفعت أنظارها إليه: "قولي ياحضرة المستشار ليه مصر إني انقل جناحك." ثم اقتربت وهي تحاول تملئ رئتيها ببعض الهواء حتى لا تجرح من غصتها كلما تذكرت بأن أخرى بحياته فأردفت بصوت متقطع: "على حد علمي إنك هتتجوز بعد شهر. يعني نقلاني هنا ملوش داعي." قالت ذلك وهي تغطي ألمها بتنهيداتها المنحسرة مع شهيقها وزفيرها.
تنهد على عنادها وكبريائها. فظلت نظراته مثبتة عليها قبل أن يتحدث: "على حد علمي إنك مراتي والكل عارف كدا ومينفعش نبقى قدام الكل إننا أعداء." لكمته بقبضتها الصغيرة بصدره الصلب. "إنت بتقول إيه مرات مين دا. شكلك نسيت نفسك. قولتلك ميت مرة جوازنا دا علشان الولد وبس. ومتنساش إنك متجوزني بألاعيبك القذرة." قالتها وهي ترفع سبابتها بوجهه. ارتفع إحدى حاجبيه تزامنا مع كلماتها وبدون وعي منه أردف:
"اللي أعرفه إنك مراتي أنا وتخصيني أنا. متجوزك ولا لا؟ ثم رفع يديه ملمسا جانب وجهها وأكمل مستطردا: "وحتى حرام تمنعي نفسك عني."
امتقع لونها وكادت أن تفقد وعيها من لمسته لها. ولكن أيقظها عقلها سريعا عندما أغمضت عيناها منتشية رائحته الشهية لأنفها وبداخلها اقترابها أكثر منه. ولا يقل الشعور عنده. تمنى أن يتذوق تلك الكريزة الشهية حتى يعلم مامذاق طعمها بجوفه الآن. فقد اشتاق إليها. بعدما امتنعت عن وجودها بمكان يجمعهما منذ خطوبته. رفع أنامله يتلمسها. فاق عندما دفعته بقوة: "إيدك ياحضرة المستشار. ماتحاولش تستفزني وتخرج الوحش اللي جوايا."
برقت عيناه من الغضب الذي أخافها عندما اقترب أكثر حينما أغضبته حركتها ودفعها الغير مقبول بالنسبة له. حاوط خصرها بقوة ناظر لسواد الليل بعينيها وأردف: "مفيش واحدة محترمة تزق جوزها كدا. دا حتى إنت عارفة دينك ومحجبة ولا الحجاب دا ساتر." حاولت دفعه بكل قوتها إلا أنه أصبح كالحائط لم يتحرك انش واحد. ضغط على خصرها بقبضته. أنزل برأسه لمستواها وهو مازال يطوقها.
"حركة كمان وهشيلك كدا زي ما أنت بقميصك دا وآخدك في مكان محدش يعرفه غيري." ارتفعت دقات قلبها وارتجف جسدها مع احمرار وجنتيها عندما لافحتها أنفاسه الحارة مع ملامسة ذقنه لشفاها. "راكان ابعد ماينفعش كدا." جذبها أكثر واكثر عندما ذكرته باسمه. الذي حرمت شفتيها بنطقه منذ فترة. فنطقها لاسمه يعد لحن موسيقي يغزو قلبه ويجعله يرفرف كالفراشة. أغمض عيناه عندما لافحته رائحتها.
"عايز أسمع كنتي بتقولي جوازنا باطل مش كدا. وانك متجوزاني غصب عنك." نظر لمقلتيها التي جذبته كالمنوم المغنطيسي. "إنت شايفة جوازنا باطل ياليلى؟ رعشة قوية أصابت عمودها الفقري من نظراته وهمساته ناهيك عن أنفاسه وقربه الذي ارغمها على عدم ايجابها عنه. تنظر فقط لعيناه الساحرة التي تتمنى أن تسبح بالنظر دائمًا إليها. انه زوجها ملكها ولكن كيف تتمنى. وهو بعيد كل البعد عن أمانيها. تركها عندما وجد صراعها مع عقلها وقلبها.
اتجه مغادرًا ولكنه تسمر عندما اردفت: "أنا مستعدة أجيلك الليلة وأكون تحت أمرك بس بشرط." اتجه بنظره إليها ودقات قلبه المرتفعة التي أعلنت انهزامه أمامها من مجرد كلمات طاغية بعفويتها. "عايزة عشرة مليون جنيه يتحطوا في حسابي قبل أي حاجة." صاعقة صفعته بقوة حتى أوشكت على فقدانه للوعي. انتفض ينظر إليها كمن لدغ بأفعى. كل ما فعله وقف حائرًا عاجزًا لا يعلم بماذا يشعر. تجمد جبينه بنظرة أشبه بالعاصفة النارية التي أوشكت
لإحراقها فتحدث بصوت متقطع: "سمعيني كدا قولتي إيه. آسف ممكن مكنش سمعت كويس." اقتربت إليه بخطى سلحفية وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها. لم يرف لها جفن متجاهلة حالته التي تحولت كاملًا: "عايزة عشرة مليون وهتلاقيني على سريرك." شعر بالعجز وعدم قدرته على الكلام. كأنه لم يعلم الحروف. أو كأن مخارجها هربت من فمه فلم يعد له القدرة أو حتى البوح على ما يعتليه صدره من صدمته بها.
هناك كلمات أو تعبيرات تكون أثرها علينا كالصاعقة تصفعنا بقوة دون رحمة. اقترب متحملا على نفسه وتعمد لمس خديها بأنامله مرة وبخديه مرة. لا يشعر بما يفعله. كطائر جريح ذبح عنقه بسكين بارد حتى جعله يتعذب بذبحه. وعلى حين غرة ضم ثغرها بقبلة قوية جريحة لقلبه بكل ماتحمله معانيها. لم يكن يعتقد أبدًا أول قبلاته لها. بعد فترة جفاء متواصلة لشهر كامل. تكون بهذه الطريقة. ظل يقبلها فترة وكل ما يشعر به الطعن برجولته وقلبه المسكين.
حاولت دفعه. كانت تعلم سيكون رده قاسي ولكنها لم يصل لتلك الدرجة. أنهى قبلته وهو يضم وجهها بين راحتيه يتلذذ بدموعها التي انسدلت على خديها. "طالبة عشرة مليون في حاجة لسة ما عينتهاش. مش يمكن ماتستهلش المبلغ دا." اقترب لشفتيها وهو يكاد يلمسها. "أدوق الأول وبعد كدا نشوف ست الحسن والجمال تستاهل المبلغ دا ولا لا." تجمدت مكانها لا تعي معنى كلماته. هل هذا يهينها. يهين أنوثتها. *** "باي يامدام هشوف تستاهلي ولا لا. وبعدها أقرر."
قالها وهو يمشط نظراته على وجهها الذي أصبح كالأموات. هنا شعرت بألم هائل يجتاح قلبها قبل جسدها. قبضة قوية اعتصرت قلبها وهو ينظر لها بتلك النظرات. أمتلأت عيناها بنيران الغضب. نظرت له بذهول. "إيه اللي بتقوله دا." خرج ولم يلتفت لها، كفى ما يشعر به من نيران أوردته. دلف إلى غرفته كالثور الهائج، وبدأ يطيح بكل ما يقابله ويصرخ: -لييييييه! قالها بصرخات هزت جدران المنزل. حطم الغرفة بالكامل. دلت زينب سريعا إليه:
-راكان، فيه إيه ياحبيبي؟ أزال دموعه وخرج سريعًا دون رد. توقفت تنظر إلى مغادرته بقلب مفطور. بكت بحرقة عليه بعدما جلست على فراشه تتذكر ما استمعت إليه بعد وفاة سليم. كان يجلس بغرفة مكتبه مع نوح. -يعني هتتجوز ليلى ولا إيه؟ مش فاهم. أطبق على جفنيه وأجابه: -شوفت سوء حظ أكتر من كدا؟ توقف نوح وجلس بجواره مجيبًا: -ليه بتقول كدا؟ ربنا بعتلك فرصة عشان ترجع لحبيبتك. شعر بغصة منعت تنفسه، فأردف بلسان ثقيل:
-مش هقدر دي دلوقتي أرملة أخويا وبس. ولو اتجوزتها عشان أحمي ابنها، وجوازنا هيكون صوري. نهض نوح فزعا وأردف: -تبقى مجنون لو فرطت في ليلى يا راكان. مش دي اللي ربنا حرمك منها واتجوزت أخوك؟ دلوقتي بيراضيك أهو وبيقولك خد العوض. تقولي جواز صوري؟ فوق يا راكان قبل ما تخسرها. هز رأسه وتحدث:
-ليلى عمرها ما هتكون غير مرات سليم في نظري يا نوح. كفاية وجع لحد كدا. أنا معنتش قادر أتحمل وجع تاني. عايز أرتاح. أنا مبقتش أنام من وقت ما أمي طلبت مني اتجوزها. مجرد تخيلي للفكرة بتدبحني. خايف على نفسي. خرجت من شرودها حينما دلفت أسعد يبحث عن راكان. -فين راكان يا زينب؟ وليه قاعدة كدا؟ رفعت نظرها بعينيها الباكية وأردفت: -ابنك هيضيع مننا يا أسعد. الراجل اللي بتحامى في ظله بينهار ومش عارفة أساعده. جلس بجواره مضيقًا
عيناه ثم تساءل: -قصدك إيه؟ مش فاهم؟ أزالت عبراتها ونهضت ثم تحدثت: -ولا حاجة. خلاص وقت السكوت خلص. قالتها ثم تحركت خارجة. بغرفة ليلى كانت تجلس خلف باب الغرفة، تضع كفيها على أذنيها ودموعها تنسدل بقوة عندما استمعت لتحطيمه بالغرفة. همست لنفسها: -غصب عني والله غصب عني. سامحني. *** باليوم التالي.
وقفت بالشرفة تتحدث مع أختها بالهاتف. دلف من البوابة الرئيسية للقصر بسيارته. نزل بهيئته الخاطفة للأنفاس. أسرعت إليه عاليا، إبنة عمته التي رجعت من سفرها. -راكان. وقف مستدارًا لها. -عاليا، حمدلله ع سلامتك. اقتربت منه قائلة: -الله يسلمك. وحشتني على فكرة. ضمها وهو يضحك رغم حزنه: -وانت كمان يا حبيبتي. أرجعت خصلاتها المتمردة على وجهها وهي تتحدث له بصوت عذب طاغٍ: -عرفت النهاردة إنك هتروح فرح. قطب جبينه وتساءل:
-ودا يخصك في إيه؟ -محتاجة أغير جو شوية. فعرفت إنك هتخرج مع سيلين فقولت أخرج معاكم. قطب جبينه قائلاً: -يعني لسه جاية من سفر وزهقانة؟ دنت تتمسك بكفيه: -عشان خاطري يا راكان خدني معاك الفرح. اقترب منها وهو يركل بعض الحصى بقدمه، ثم رفع نظره إليها: -تعرفي أنا بحبك أكتر واحدة في العيلة دي بعد سيلين. اقتربت منه وابتسامتها تملأ وجهها، واضعة يديها على ذراعه: -طيب ليه رفضت حكم جدي ومشيت ورا واحدة تانية؟ أنزل يديها بهدوء:
-عاليا إيه اللي بتقوليه دا؟ انتي أختي زيك زي سيلين. عمري ما فكرت فيكي غير كدا. ثم أوضح مستفسرًا: -أنا لو شايفك غير كدا صدقيني مكنتش هستنى جدي. ابتسم رافعًا ذقنها: -وبعدين ابن عمك بيمشي ورا البنات. إيه مشيت ورا واحدة؟ انسدلت عبراتها على خديها: -يعني مفيش أمل يا راكان إننا نتجوز؟ لكمها بكتفها بمزاح: -إيه يابت البجاحة دي؟ شوية وممكن ألاقيقي خطبتيني كمان. رفع نظره لغرفة ليلى التي تقف تناظرهم وهي تتحدث بهاتفها. طوق
أكتافها متحركا لمنزل عمته: -عايزك تحطي الكلمة دي في ودانك يا عاليا. أنا مستحيل أتزوج حد منكم كلكم. أخواتي. تنهد محاولا أخذ شهيقًا ببطء: -متنسيش إني متجوز كمان وخاطب. شوفتي حلاوة أكتر من كدا؟ اتجهت تنظر له: -كلنا عارفين حكاية جوازك من مرات سليم. متضحكش على نفسك. بس اللي مش قادرة أستوعبه إنك تتجوز واحدة زي نورسين دي. توقفت أمامه وأردفت: -تعرف ياريت تكمل مع ليلى بدل مفيش أمل بينا. لكن نورسين دي أنا مبحبهاش.
زفر بغضب من تلك المتطفلة، ثم تحرك وتركها مغادرًا متجهًا لمنزله. بالأعلى كانت نيران الغيرة تحرق صدرها، ورغم ذلك تحدثت بخفوت لأختها: -بكرة إن شاء الله هتكون الفلوس موجودة وبابا هيدخل العمليات ويزرع الكلية كمان. بكت درة وهي تردف بنشيج: -يارب يا ليلى يارب. بابا دا قوتنا وسندنا في الدنيا. قطبت جبينها من حزن أختها الموجود بنبرة صوتها: -إن شاء الله حبيبتي. تساءلت درة: -ليلى إنتي لسة متخانقة مع راكان؟
-لا ياحبيبتي أنا كويسة. هقفل دلوقتي عشان هشوف أمير. بعد فترة قامت بتجهيز نفسها بعد ما أخذت شاورها لتستجم لما هو آت. تذكرت منذ ساعات. فلاش باك. تجلس بشرفتها، دلفت زينب إليها: -مساء الفل يا لولا. وقفت تبتسم لها: -مساء الخير يا حبيبتي. محتاجة حاجة؟ اتجهت وجلست بمقابلتها: -اجهزي يا لولو. عايزكي تكوني نجمة الليلة. ضيقت عيناها وتساءلت: -مش فاهمة حضرتك يا ماما؟ نجمة إيه وهجهز ليه؟ دققت النظر في ملامحها الجميلة ثم تحدثت:
-فيه حفلة جواز النهاردة. ظابط صديق راكان. ثم أكملت مستطردة بتمهل: -وطبعًا لازم مراته تكون معاه. ولا عايزاه ياخد نورسين؟ قالتها وهي تدقق النظر إلى مقلتيها. فركت كفيها ونهضت قائلة: -ميهمنيش ياخد اللي ياخده. تنهدت زينب وتوقفت بمقابلتها قائلة: -إحنا مش اتفقنا؟ ليه رجعنا نضعف تاني؟ ربتت زينب على كتفها تحثها على النهوض: -مينفعش تسيبي جوزك لوحده. وقفت كالملسوعة تفرك يديها: -لا أروح معاه فين ولوحدي؟
حضرتك متعرفيش هو بقى يعاملني إزاي. جذبتها زينب بقوة وأجلستها بجوارها: -بقولك إيه يا ليلى. انتي عايزة راكان جوزك يابنتي ولا لأ؟ نظرت داخل عينيها وأكملت مفسرة: -مفيش واحدة متجوزة بتسيب جوزها كدا. انتوا بقالكم فترة متجوزين وكل واحد منكم في أوضة. غير إنك سيباه كل ليلة يبات برة. لا وكمان سبتيه يخطب. فيه إيه يا بنتي اتجننتي ولا إيه؟ قبل أي حاجة أنا مش هبلة وحاسة باللي بيحصل بينكم. وقفت ونظرت للحديقة وأردفت بحزن:
-فيه إن جوازنا كان غلطة يا ماما. هو اتجوزني بلعبة بس أنا صابرة عشان متحرمش من ابني. -يعني مش فارق معاكي يابنتي لو اتجوز نورسين؟ ارتجفت أوصالها من حديث زينب ورغم ذلك ابتسمت بسخرية: -ومين قالك يا ماما إن ابنك مستني جواز نورسين أو غيرها. ابنك عايش حياته بيا ومن غيري. اتجهت زينب ووقفت بجوارها تنظر للحديقة الشاسعة المليئة بالأزهار: -تبقي عبيطة يا ليلى. ومتعرفيش حاجة. نظرت لها وأردفت متسائلة: -مش فاهمة قصدك؟
ظلت تنظر كما هي: -مش كل اللي بنشوفه يا بنتي بيكون حقيقة. ثم اتجهت للداخل: -راكان بعتلك الفستان دا. بيقولك اجهزي واعملي حسابك على اتفاقنا الليلة. حتى قالي أهتم بأمير عشان هتروحوا عند نوح. *** ربتت على كتفها قائلة: -جهزي نفسك وروحي مع جوزك. بلاش تسبيه لوحده في ليلة زي دي. ومتنسيش انتي قدام العيلة كلها مرات راكان البنداري. بغض النظر إن جوازكم غصب زي ما انتي بتقولي بس انتي مراته. خطت عدة خطوات للخارج:
-لو باقية على جوزك خليه ما يشوفش غيرك. دا لو شايف حد أصلا. وبلاش وسوسة شيطانك. الحفلة بالليل. قدامك وقت طويل لسه تهتمي بنفسك. زفرت بغضب بعد خروج زينب من الغرفة، وتذكرت حديثها معه بالأمس. انتهت من لمساتها التجميلية. جلست على فراشها تلتقط أنفاسها وهي ترى اسمه ينير هاتفها. أخذت نفسًا طويلا ثم طردته: -أيوة. -على الجانب الآخر. -أنا خلصت لو خلصتي انزلي عشان منتأخرش. اتجهت تلقي نظرة أخيرة لهيئتها ثم تحركت لغرفة ابنها. رفعته
ثم طبعت قبلة على جبينه: -اسمع كلام نانا يا حبيبي. ثم وضعت أمامه ألعابه. استدارت عندما دلفت زينب: -الله أكبر عليكي حبيبتي. طالعة تاخدي العقل. -ميرسي يا ماما عيونك هي الحلوة. قامت بخلع خاتمها ووضعته بأصبعها: -دا هيكون بتاعك بعد كدا. وإن شاء الله تديه لمرات أمير. على فكرة الخاتم دا وراثة، ماشي ياحبيبتي. ابتسمت لها ثم تحركت للخارج. أوقفتها زينب قائلة: -ليلى. عايزة راكان يرجع يضحك زي الأول. يارب تكوني فهمتي قصدي.
بعد قليل كان ينتظرها بالأسفل بهيئته الجذابة الخاطفة للأنفاس، ولا يختلف الأمر عليها. نزلت بطلتها التي جعلته كالمسحور بجمالها. نعم خطفته أميرته بجمالها، سارقة قلبه وحواسه. قيم فستانها الذي باللون الأزرق الداكن وحجاب باللون الأوف وايت مع لمستها التجميلية التي أظهرت رونق عينيها السوداء وأهدابها الطويلة. نعم تشبه عيون الغزال بصفوها ورونقها. اتجه إليها وقام بفتح باب السيارة.
ركبت دون حديث، فهيئته أمامها حبست أنفاسها وجعلتها غير قادرة على الحديث أو التنفس. قام بتشغيل كاسيت السيارة الذي صدح بالأجواء بأغنية العندليب "حبك نار". نظر من النافذة إلى الخارج أثناء قيادته حتى لا يضعف أمامها ويقوم بضمها. ظل يضغط على أعصابه حتى وصل إلى الحفل خلال دقائق. أمسكها من يديها بهدوء وأنزلها من السيارة، ثم أخرج علبة من جيبه وفتحها. أمسك كفيها ووضع ببنصرها خاتم زواجهما. رفع كفيها ثم طبع قبلة مطولة عليه:
-أتمنى مش تخلعيه أبدا. نظر إلى مقلتيها مردفًا: -ممكن تخليعه لو مت. وضعت إبهامها على شفتيه: -بعد الشر. متقولش كدا. أطبق على جفنيه وهمس: -أنا أصلا ميت. ارتجفت شفتيها قائلة: -آسفة. ثم تحركت بعض الخطوات. جذب كفيها بعدما خرج من حالته قائلاً: -متحاوليش تبعدي عني. هنقعد شوية ونمشي. أومأت برأسها دون حديث، فشعورها بقبضة يديه كأنه يقبض على قلبها المسكين. ناهيك عن رائحته التي غلفتها بالكامل.
تحرك للداخل وهو يطوق خصرها، ينظر بانتشاء للجميع. فاليوم كأنه يمتلك الدنيا وما عليها. ابتسم على نفسه بسخرية وبدأ يحدث حاله: -فرحان من مجرد أنها جنبي الليلة وتخصني. طيب هعمل إيه لما تكون في حضني طول الليل. اتجه عز الألفي إليهما: -حمد الله على السلامة ياحضرة المستشار. قالها عز بحبور وهو يضمه بقوة. -نورت حي الألفي. نظر عز إلى ليلى. -نورتي الفرح يامدام ليلى. ابتسمت له وأردفت. -ميرسي. رفع نظره إلى جاسر الذي اتجه إليهم.
-أهلا باحضرة المستشار وأنا بقول الفرح نور ليه. اقترب منه قائلاً. -اسكت يافاشل، عايز أخنقك وحياة ربنا، بقى تعرف مكان أمجد ورايح بطولك ياأهبل. تراجع خطوة ينظر إليه بتقييم، ثم رفع نظره إلى جواد الذي يقف بجوار ريان وصهيب، ثم استدار إليه مرة أخرى. -إنت متأكد يابني إنك ابن جواد الألفي، أصلي أشُك الصراحة. قاطعهم وصول بيجاد. -اوبااا مين عندنا المحترم بزيادة. قهقه عليه راكان. -يخربيتك انت ايه اللي جابك هنا. ضمه بيجاد بمحبة.
-عامل ايه، وإيه أخبار سليم. تصنم بوقوفه، ثم رفع نظره إلى ليلى قائلاً. -سليم الله يرحمه بقاله أكتر من سنة ونص أهو. ربت بيجاد على كتفه. -آسف مكنتش أعرف، الوقت دا كان مراتي تعبانة، عشان كدا ماأخدتش بالي ومعرفتش. ابتسم راكان. -ولا يهمك، أشار إلى ليلى. -دي مدام ليلى مراتي. -أهلاً مدام ليلى. أومأت برأسها دون حديث. ***
انتهى الحفل وكلا منهما حاملاً بقلبه غصة من نوع آخر. صمت مقتول بالسيارة لفترة ليست بالقليلة حتى قاطعه هو محمحماً. -جاهزة، أحنا مش هنرجع على البيت. قالها بصوت متألم. أطبقت على جفنيها وهي تهز رأسها تنظر من النافذة بالخارج. لم يشعر بنفسه، فجذبها يضمها إلى صدره. أغمضت عيناها مستمتعة برائحته.
اتجه بها إلى منزل يخصه اشتراه منذ زواج سليم بجوار إحدى المزارع. كان يقضي بع معظم أوقاته بعيداً عنهما، بمشاعر غاضبة ونوبات جفاء وكبرياء منه نزل واتجه لها. فتح باب السيارة وامسك يديها التي كانت بمثابة الثلج الذي أرجعه لبرودة الجو. تفقدت المكان تشعر برعشة قلبها وسرعة اضطرابه. رغم إنها بحضرته، ضم خصرها جاذباً إياها إليه. أنزل يديه بهدوء. -مفيش حد موجود. وبعدين ايه البيت دا.. ليه مروحناش. وضع إصبعه على شفتيها. -اشش...
المكان روعة وهيعجبك. وبعدين عايزة الليلة مميزة. ماهو مش أي سهرة برضو. جذبها بقوة فهو يشعر بنيران قلبه التي تحرقه دون رحمة. دلفت للداخل بسيقان مرتعشة وقلب يكاد يقذف من محله خوفاً من اقترابه. -اطلعي فوق وغيري فستانك دا... وأنا مستنيكي هنا. رفعت نظرها إليه وأردفت بشفتين مرتعشتين. -أنا غيرت رأيي. ابتسم واتجه إليها. -يعني هنروح ومش عايزة فلوس!! -لا مش دا قصدي. قصدي أنا مش عايزة اكون معاك لوحدي هنا...
هنروح على الفيلا بتاعتنا. جن جنونه من هول كلماتها. قام بفك رابطة عنقه. -روحي غيري أنا مستنيكي. قالها واستدار. مواليها ظهره. فركت يدها. -أنا مجبتش حاجة معايا. أستدار يرسمها بعينه قائلاً. -كل حاجة هتحتاجيها فوق. صعدت للغرفة التي أشار إليها. جلست لدقائق تلملم شتات نفسها. حاولت التراجع ولكن تذكرت حديث الطبيب عن صحة والدها المتأخر. وقفت واتجهت للمرحاض وقامت بالاغتسال مقنعة نفسها.
قامت بارتداء ثيابها الخاص بهذه الليلة الذي انتقاه بعناية. "قميص أحمر شفاف مفتوح بقصة صدر واسعة... يصل مافوق الركبة" حقاً يبرز مفاتنها الأنثوية بسخاء ليجعلها أميرة قلبه. جلست أمام المرآة التي يوجد بها جميع العطور الأنثوية الخاصة بها. أمسكت قنينة العطر تشمها قائلة. -دي بتاعتي. في بداية الأمر استوقفت على ماذا يعني... ولكن أرجعته أنه أتى به لاستمتع بليلته... أو ربما سيكون صدفة.
نظرت حولها بالغرفة. اتجهت بنظرها للفراش الموضوع بالمنتصف. -ياترى كام واحدة جت هنا. انزلقت عبراتها. ثم. ارتدت مأزرها ونزلت بساقين مرتعشتين تبحث عنه بعينيها. وجدته جالساً أمام المدفأة شارداً. ظلت تنظر له ولسكونه ولظهره لبعض اللحظات. شعر بها من خلال رائحة برفانها الذي انعشت روحه وجعلته كالمدمن الذي ينتظر جرعته. تنهد معاقب قلبه وأردف وهو مازال على وضعيته. -قربي يامدام. قالها مختنقاً يتمنى أن تتراجع يتمنى أن تصرخ بوجهه.
ولكن خاب ظنه عندما اقتربت ووقفت خلفه مباشرة. -أنا جاهزة. بس الأول زي مااتفقنا.. عايزة الفلوس الصبح تتحول على حسابي. قبض على يديه بغضب. وخناجر تطعنه بقوة في قلبه. أغمض عينيه فانسكبت دمعة من طرف عينيه. أزالها سريعاً. ثم استدار إليها بهدوء. نظر إليها نظرات حبيب عاشق حد النخاع بقلب يتمزق إلى أشلاء. بدأ ينفث سيجاره بغضب. ويتناول من نبيذه. كان هيئتها هذه تحرق صدره مثلما يحرق تبغه رئتيه.
ألقى السيجارة أرضاً. ضاغطاً عليها بقدمه. يحاول يخرج عصبيته بها قبل أن يخرجها بها. اقترب منها بخطى سلحفية. وكأنه يخطو على نيران قلبه. اقترب واقترب حتى اختلطت أنفاسهما. حاوطها بذراعيه واضعاً جبينه فوق جبينها. وأردف بصوت مختنق حزين. -خليتي أجمل ليلة في عمري. أسوأ ليلة في عمري كله. رفعت رأسها تناظره. -مش فاهمة. قالتها متقطعة. رفع يديه ولمس خديها الناعم. الذي أثار نعومته جسده بالكامل فشعر بحرارة تنبعث بداخله. حبيبته...
عشقه... أمامه بكل ما تملك ولكن بطريقة مؤذية لقلبه. آهة خفيضة خرجت من اقتناص قبلته التي أحيت قلبه بعد أن جفا صحراويته مع دمعة تحررت من شمسه. فما أجمل من لذة اقتراب العاشقين. رغم إنها بطريقة مؤلمة للقلب ولكن منعشة للروح. استمعت بقلبها له.
ظلا وقتاً وهو يعزف لها معزوفة عشقه الأبدي. كل ما شعر كلا منهما اغتنام السعادة لروحهما. ولكن هناك نقطة فاصلة جعلته يشعر بنيران تأكل قلبه عندما شعر أنه ليس الأول بحياتها. اعتدل سريعاً متجهاً للمرحاض دون حديث. اعتدلت تلملم شتات نفسها التي بعثرها منذ قليل. ورغم ما كانت تشعر به إلا إنها استغربت حالته التي وصل إليها بعدما امتلكها كاملاً.
وقفت تبحث عن ملابسها. ولكن قميصها الذي مزقه بقبضه لم يعد ينفع لارتدائه. اتجهت لقميصه الموضوع على حافة الفراش. وارتدته سريعاً قبل خروجه. اتجهت لباب الغرفة. ولكن تسمرت مكانها عندما خرج. -استني عندك. شعرت بدقات عنيفة ظناً منه أنها سيكمل مابدأه مرة أخرى. ولكن أدمى قلبها عندما قال. -حولتلك عشرين مليون. اتجه إليها ونظر إليها نظرات ذات مغزى وهو ينظر لجسدها بوقاحة.
-الصراحة أول مرة أتمتع مع واحدة كدا. بس فيه حاجة بس زعلتني إني للأسف مش أول راجل يلمسك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!