تحميل رواية «عازف بنيران قلبي» PDF
بقلم سيلا وليد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ماتت حروف الحب من دفتر الكلمات، فقد ظلمت مثلما ظلمت، مثلما حكم الجميع على قلبي وحالي من بعيد، دون أن يسمع أحد أو يرى في عيني انكسارات قلبي السابقة. حكموا على مشاعري دون أن يلمسوها في العلن، حكموا على إحساسي دون أن تدخل قلوبهم لقلبي. أصبحت قلوب الجميع قاسية لا تعرف عن الحب شيئًا، إلا استغلال الفرص إن كانت لصالحه أو لا. مات الحب مثلما قتلوا قلبي أمام عيني، ثم تركوني أبكي وحدي في جنازتي...! -*-*- في إحدى الأحياء الراقية في مدينة القاهرة، خاصة في ذاك القصر المقام على مساحة شاسعة يحاوطه الحرس من كافة...
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الأول 1 - بقلم سيلا وليد
ماتت حروف الحب من دفتر الكلمات، فقد ظلمت مثلما ظلمت، مثلما حكم الجميع على قلبي وحالي من بعيد، دون أن يسمع أحد أو يرى في عيني انكسارات قلبي السابقة. حكموا على مشاعري دون أن يلمسوها في العلن، حكموا على إحساسي دون أن تدخل قلوبهم لقلبي. أصبحت قلوب الجميع قاسية لا تعرف عن الحب شيئًا، إلا استغلال الفرص إن كانت لصالحه أو لا. مات الحب مثلما قتلوا قلبي أمام عيني، ثم تركوني أبكي وحدي في جنازتي...!
-*-*-
في إحدى الأحياء الراقية في مدينة القاهرة، خاصة في ذاك القصر المقام على مساحة شاسعة يحاوطه الحرس من كافة الاتجاهات، وهو قصر يعد مبنى من الطراز الكلاسيكي الضخم. ورغم اتساعه إلا أنه يفتقد الدفء، حيث تحتوي جدرانه برودة سكانه. رغم غناهم الفاحش ومظاهر الترف والرفاهية الطاغية من أثاثه ومفروشاته المطرزة على أحدث طراز.
ورغم أنه يضج بسكانه، إلا لم نجد الدفء سوى في هاتين الغرفتين. إحداهما لفتاة تبلغ من العمر اثنتين وعشرين عامًا، والأخرى لزوجة ابنهم الراحل التي تجلس بشرفة غرفتها مع بداية شروق الشمس التي تتسلل أشعتها لتسطح على سطح الأرض لينعم به الناس من دفئ طبيعة الخالق.
انتهت ليلى من صلاة الفجر وجلست كعادتها تتلو وردها اليومي بعد قراءتها للأذكار الصباحية، ثم نهضت تتنفس بهدوء جمال الطبيعة حولها.
كان المنظر الرباني حقًا رائعًا للقلب قبل العين. قطرات الندى التي تغطي أوراق الشجر وتبدأ التلاشي بشعاع الشمس. وقفت بعد الانتهاء تنظر للزروع التي تحاوط القصر من كل مكان، تتنفس نسيم الصباح بنداها الطيب. لم تحب في هذا القصر سوى المساحات الخضراء الكثيرة التي تحاوطه.
أمسكت دفترها وبدأت تدون به بعض الجمل التي تشعر بها.
"لا بأس أيها العاصي.. مرحبًا بحياة نلتقي فيها كل يوم ألف مرة دون لقاء."
"حقًا لا شيء أسهل من الكراهية، أما الحب فهو يحتاج نفوسًا عظيمة."
قطع اندماجها بالكتابة إشعار رسالة وصلت لهاتفها. أمسكت الهاتف تنظر من الذي راسلها بهذا الوقت المبكر. نهضت كالملدوغة وأحست بغصة بحلقها تمنع تنفسها عندما وجدت بها:
"ليلى لو مش عايزة راكان يعرف إنك حامل وممكن يقتلك لازم نقعد مع بعض ونتكلم، وعلى ما أعتقد إنك مؤمنة وعمرك ما تفكري تنزلي البيبي."
لونت الصدمة وجهها ونظرت حولها كالذي يُسحب على المشنقة.
جلست وعيناها تحجرت بالدموع عند ذكراها لذاك الرجل التي اعتقدت أنها تستمد قوتها وحمايتها منه. اعتقدت إنه ملاذها الأول، ولكنه صفعها بشدة كما صفعها القدر سواء من زوجها الراحل أو من زوجها الحالي. ليظهر وجهه كذئب بشري أودى بها لغياهب الجب.
مسحت عبراتها التي انسدلت على وجنتيها تحرقها كما تحرق النار سنابل القمح. أمسكت هاتفها وجسدها يرتج تلعن اليوم الذي فعل بها ذلك، ثم هاتفته صارخة به:
"إنت عايز مني إيه مش كفاية اللي حصلي بسببك؟ بتهددني براكان؟ الله ياخدك إنت وهو في لحظة واحدة. ربنا ينتقم منكم.. وهنزل الولد.. يارب تكون مرتاح."
قالتها بقهر وعجز في آن واحد. لم تعطيه فرصة للرد وأغلقت الهاتف، ثم وضعت يدها على أحشائها وهي تبكي بنشيح:
"أعمل إيه يا ربي في المصيبة دي."
قالتها عندما شعرت بعجزها. فقد فعل بها القدر وأسقطها في بئر مظلم لا نجاة منه وهي مكبلة الأيدي.
ظلت على حالتها لبعض الوقت إلى أن استمعت لطرقات خفيفة على باب غرفتها. وإن دلت خفتها فتدل على صاحبتها بحيويتها وجمال روحها وابتسامتها الخلابة. سمحت بالدخول بعدما أزالت عبراتها.
دلت سيلين بمرحها كالفراشة وابتسامتها العذبة تزين ثغرها:
"صباح الخير يالولة.. أنا قولت أكيد صاحية."
رسمت ابتسامة على وجهها لم تصل لعيونها بعدما شعرت بانهيار قواها الداخلية، فأجابتها:
"صباح الخير ياسيلي."
طالعتها سيلين تقيم فتساءلت:
"إنت كنت بتعيطي ياليلى؟"
هزت رأسها بالنفي وهي تتجه لابنها بعدما استيقظ وأجابتها:
"مش العياط اللي في دماغك.. أنا بس بابا وماما وحشوني أوي، وطبعًا أخوكي اللي معرفش مستحملينه إزاي.. محاوطني بسجن من حديد."
كانت إجابة واهية كاذبة علها تهرب من تساؤلات سيلين.
ربتت سيلين على ظهرها فهي تشاطرها أحزانها، فتعثرت الكلمات عند شفتيها ولا تعلم كيف تخفف عنها. تنهدت وهي تنظر لذاك الطفل.
ظلتا الاثنتين صامتتين لبعض اللحظات، أخطرجهما من صمتهما "أمير" الطفل الذي يبلغ من العمر سنة ونصف السنة وهو يتحدث بكلمات طفولية:
"ماما.. ماما.. سين.. سين."
اتجهت سيلين إليه تحملة وتقبله من وجنتيه:
"قولي أعمل فيك إيه؟ عايزة أكلك يا ولا يا أمير."
اتجهت بنظرها تطالع ليلى فتحدثت علها تخرجها من حالتها الحزينة فناغشتها:
"معرفش ليه حاسة أمير قلب لعمه راكان، حتى شوفي عيونه بقت تهبل وتجذب زي عمه."
برقت ليلى عيناها وهي توزع نظراتها بين سيلين وأمير وشعرت وكأنها أسقطت دلوا من الماء المثلج فوق رأسها ببرودة شديدة.
جذبت أمير تحدق نظراتها به وداخلها رجفة تسري بجسدها لا تعلم ماهيتها، ثم دفعت سيلين بيدها بوهن وهي تتمتم بلسان ثقيل كأنها تتعلم الحديث:
"إنت بتفرسيني ياسيلين.. وعايزاني أكره الولد؟ بتشبهي ابني بالتنين المجنح ده."
قهقهت سيلين عليها وأمالت بجسدها تحدقها بغموض:
"بقى راكان اللي سيدات مصر كلها يتمنوا منه نظرة واحدة تشبهيه بالتنين يالولة؟ والله قلبك قاسي أوي أوي."
اشتعل غضبها من حديث سيلين فرمقتها بنظرة تحذيرية:
"بالله عليك مش عايزة صباحي ينتزع على الصبح في سيرة اسم الله عليه أخوكي ده، وبلاش تجيبي سيرته مع إنه مسافر ومرتاحة منه.. بس ممكن تلاقيه ناططلي هنا بيجي على السيرة زي الشيطان لما بيجي على المزمار كدا."
ضحكة صاخبة أفلتتها سيلين من فمها حين استمعت لحديث ليلى، فجلست تمسك بطنها من كثرة ضحكاتها.
أخرجت ليلى زفرة حادة وهي ترمق سيلين:
"بطلي ضحك يابنتي.. وأحمدي ربنا إن الزغنفر مش هنا.. مش بقولك يا جمال الحياة وهدوئها.. طيب تصدقي بالله أنا بشعر بالراحة زي صفاء المية في البحر الأحمر كدا.. وانت بتشوفي فيه جميع الشعاب المرجانية.. واخوكي زغنفر دا مش هنا.. يالهوي دا عليه تناكة إلهي يعدمها ياشيخة."
وضعت سيلين يديها على فمها حينما شعرت بتوقف قلبها من كثرة ضحكاتها.
نهضت سيلين وهي تراقص حاجبيها مردفة مما جعلها كالكتكوت المبلول:
"لولة.. راكان تحت وعايز يشوف أمير."
ثم تلقفت الطفل من يديها وهي تطالعها بشقاوتها:
"هاخد أمير لراكان.. صحي من النوم وبيسأل عليه وإنت اجهزي وانزلي يازوجة راكان البنداري اللي هتجنن بسببكوا إن شاء الله."
صاعقة قوية ضربت قلبها فبعثرته لأشلاء.
وبعينين زائغتين وقلب فتته الوجع من شدة قساوة ما رأته بذلك المنزل وخاصة ذاك راكان، طالعتها وهمست بتقطع:
"هو جه."
أشفقت سيلين على حالتها كثيرًا، فهزت سيلين رأسها ترأف بها فتحدثت سريعًا:
"ليلى والله راكان طيب معرفش ليه بتقنعي نفسك إنه عدوك.. عايزة أقولك حاولي تقربي منه وبلاش أسلوبك القاسي ده."
ورغم كلمات سيلين البسيطة التي قالتها إلا أنها نجحت بإخراج نيرانها فأردفت:
"لا طيب ولا وحش خليه بعيد عني ياسيلين... وبعدين هو اللي خلاني كدا.. يوم ما دفني بالحياة في البيت ده."
ربتت على كتف سيلين وأردفت:
"سيلين متزعليش مني بس أنا بجد بموت ومعنتش متحملة البيت والناس اللي فيه.. دول مش بنأدميين دول شياطين وخصوصا ولاد عمك... ونصيحة مني خليكي بعيدة عن يونس زي ما إنت برافو عليكي."
أشفقت عليها حينما وجدت عبرات متكورة بعينيها، فأمسكت كفيها وضمتهما:
"إنت جميلة أوي ونفسك عزيزة أوي أوي واللي زي يونس وراكان دول مش وش بنات زيك.. دول فعلاً عايزين بنات من أشكال اللي بيسهروا معاهم."
تراجعت سيلين خطوة للخلف وهي تهز رأسها:
"عندك حق ياليلى.. علشان كدا أنا بعدت عن الكل.. بس راكان غير يونس ياليلى صدقيني.. راكان ظروفه هي."
وضعت كفها أمام سيلين:
"لو سمحت بلاش سيرته على الصبح.. كفاية إنه رجع.. عايزة أتنفس قبل ما أقابله وينزع حياتي."
قطعهم عندما دفع الباب بقوة فدخل بهيبته وهيئته الجذابة وعطره الذي تسلل لرئتيها مما أشعرها بالغثيان.
ثارت زعابيب غضبها فأردفت تطالعه بعينان تطلق شررًا:
"هتفضل لحد إمتى تدخل بالطريقة الهمجية دي."
رمقها بنظرات نارية لو تحرق لأحرقتها بالكامل. دارت عينه لأخته وتحدث بهدوء مميت:
"ساعتين عشان تجيبي الولد ياسيلين ولا المدام رفضت؟"
هزت سيلين رأسها وهي تطالع ثوران ليلى وغضبها فتحدثت:
"لا ياآبيه دا كان نايم وبنصحيه."
أشار بيديه وتحدث:
"سيلين انزلي بأمير."
قالها من بين أسنانه. خطت سيلين وهي تحمل الطفل بين يديها، ولكنه أوقفها وتلقفه بين يديه يقبله:
"حبيب عمه عامل إيه... وحشتني يااميري."
أمسك أمير لحيته الكثيفة وهو يتمتم:
"بابا.. بابا."
طبع قبلة مطولة وعيناه على التي تطلق شررًا والغضب يتملكها.
ناوله لأخته وأشار بعينيه للخروج.
غادرت سيلين الغرفة، بينما تسمرت ليلى بمكانها تستجدي طريقة تحاول التملص من قبضته ورائحته التي لم تعد تتحملها.
أوشكت على الالتفات فوجدت قبضته القوية التي أوقفتها بمكانها، وعيناه تبحر فوق ملامحها وهو يزمجر:
- أنا مش مليون مرة أقولك ماتتكلميش معايا بالطريقة دي.. نسيتي إنك مراتي وأدخل في أي وقت.. إيه عايزاني أستأذن قبل ما أدخل أوضتي.. ليه دايما بتخليني أتعصب؟
تصاعد غضبها للحد الذي جعلها تنفض يديه بعيداً عنها وتقول:
- أنا مش مرات حد.. ودي أوضتي أنا.. خليك في نذواتك وأبعد عني.
برقت عيناه، لقد تجرأت على كبريائه، فشعلت كلماتها جحيم غضبه والذي تجلى بعينيه، فخطى إلى أن توقف أمامها ودنا منها حتى اختلطت أنفاسهما:
- لا مراتي ياهانم.. وغصب عنك مش براضيكي.. ولو كنت نسيتي أفكرك.. ودلوقتي لازم تجوبيني.
- خرجتي من يومين وكسرتي كلمتي ليه؟
قالها عندما جلس على الأريكة يضع ساقاً فوق الأخرى، وقام بإشعال تبغه الغالي ونفثه وهو يُقَيِّم حالتها.
بللت حلقها تحاول أن تجيبه برد مقنع حتى لا يشك بها، فهي تعلم أنه سيعلم.
- كنت تعبانة ولازم أشوف دكتور.
قالتها وهي تفرك يديها وتهرب من نظراته.
توقف يدور حولها ونظراته مثبتة، يحدقها بتمعن.. لهجتها المتقطعة وعيناها الزائغة، جعل الشك يتسرب لقلبه فتحدث:
- ودكتور النسا دا معرفة آسر برضو؟
أفلتت شهقة من جوفها، فلقد بلغ الغضب ذروته، فلم تعد تستطع حديثه المسموم الذي أصاب احترامها، لذا اشتد صوتها وزادت حدته فصرخت:
- احترم نفسك.. إحنا اتقابلنا صدفة وعلى ما أعتقد اللي سايبه يراقبني قالك.
ألقت كلماتها بملامح مرتجفة وعينين تهتز من ثقل العبرات المحجرة بها.
- والله والمفروض أنا الأهبل أصدق صح؟
بداخله نيران تغلي وتحرق أوردته حينما علم بمقابلتها بذاك الآسر الذي يود لو يخنقه ويلقيه صريعاً.
- ماهو مش معقول تقابلي الأستاذ صدفة وكمان يطلع معاكي لدكتورة نسا.. دكتورة نسا مع راجل غريب يامدام.. وكمان قريبتكم.. ممكن المقابلة دي تكون واجهة ويا عالم عملتوا إيه.
قالها عندما تحولت عيناه لجحيم من النيران وبدأ يركل كل ما يقابله.
رمقها بنظرة حارقة وأردف مسترسلاً:
- أنا مراتي تروح مع راجل غريب لدكتورة نسا.. ليه مش متجوزة راجل؟
اتجهت إليه وطالعته بغضب أنثى داس بكل جبروت على شرفها.
- "أخرص".. مفكرني واحدة زي نزواتك.
قالتها وهي تدفعه بكل قوة وتنظر إليه بإشمئزاز، فقد كانت كلماته كنصل سكين بارد تبتر عنقها ليجعلها تموت بالبطيء.
أمسك ذراعيها يعقدها خلف ظهرها ودنى يهمس بجوار أذنها، فتقابلت عيناه التي بلون شعاع الشمس وهي تطلق كرات ملتهبة لسواد ليلها الذي ألقته كتعويذة على قلبه، خرج من سواد عيناها وناظرها بجمود:
- نزواتي.. على الأقل دول ستات معرفين بيعملوا إيه.. إنما المدام اللي تروح مع راجل غريب عند دكتورة نسا نقول عليها إيه؟
صفعة قوية هوت على خديه وصرخت:
- اطلع بررررة.. مش عايزة أشوف وشك.
اقترب يجذبها من رسغها.
- بتطرديني من أوضتي.. اتجننتي؟
قالها وهو يخطو إليها ونظرات الرعب تملكتها عندما وجدت نيرانه التي تخرج من عينيه. أمال بجسده وبدأ صدره يعلو ويهبط من انفعاله وقربه منها ورائحتها الشهية التي تسللت لأنفه رغبة عاتية في الاقتراب أكثر واستنشاق خصلاتها التي بلون عيناها، فهمس إليها:
- متنسيش إنك مكتوبة على اسم راكان البنداري.. ودا جايزة بالنسبالك.. تحمدي ربنا على الوصول لاسمه.
ظل يطالع حالتها المرتبكة فأكمل:
- احمدي ربنا إنك مراتي.. وإنك ست.. دا اللي شفعلك عندي.. لأن من قوانيني ممدش ايدي على واحدة ست.. فتخيلي بقى مش أي ست.. لا دا مراتي.. وحطي تحت مراتي دي مليون خط.
دنى حتى لامس شفتيها وأكمل:
- إنت مغلطيش بس يالولا.. لا دا إنت اتجاوزتي حدودك.. جبتي أخرك معايا يا ليلى راكان البنداري.. افتكري اللقب دا كويس لأنه هو اللي بيشفعلك في كل مرة.. بس احترسي رصيدك بيخلص.
طالعته بأعين مرتجفة وجسد هاوٍ محاولة استيعاب مدى قسوته وإهانته لها.
ورغم أنها في موقف الضعف إلا أنها تحدثت كقطة شرسة:
- متخفش اسمك محفوظ بعيد.. مش حبا فيك ياديستينجويشنج.. لا بس علشان مش عايزة افتكر اسمي مرتبط بشخص زيك.. عايزة أفقد الذاكرة ياسوبر مان.
صمت يطالعها بنظرات كالذئب وكأنه لم يستمع لما قالته أو كأنه ادعى ذلك. كانت عيناه على شفتيها التي تشبه حبة الكريز وهي تحركهم بحديثها، وود لو تذوقهم بتلك الأثناء حتى لو بها سم، فالسم لديها كترياق له.
دنى مرة أخرى إلى أن اقترب من شفتيها يهمس:
- متخلنيش أوريك المميز والسوبر مان يعمل فيكي إيه.. هنفذ كلامي اللي قولته قبل كدا وخصوصا بحالتك دي.
قالها ويود أن تعطيه فقط إشارة عينيها الجميلة.
شعور مقيت يجعل دقاتها تتقاذف بين ضلوعها من قرب أنفاسه التي تحرق رئتيها دون رحمة. تقابلت نظراتهما، هو بتمنيه قربها، وهي بنفورها من نفسها بسبب سيطرته الطاغية لروحها.
لحظات فقط كفيلة لتغرق كل واحد بجبروت عناده. أكمل وعيناه مثبتة بعينيها.
ثم سحب نفساً وطرده حتى لافحت أنفاسه وجهها وأستطرد:
- خليني بعيد عنك ياليلى لو سمحت.. مش عايز أذيكي وترجعي تكرهيني تاني.. لو سمحت متخرجيش الوحش اللي جوايا ناحيتك.
اللعنة على صوته الذي ذبذب جسدها بالكامل، وهمسه الهادئ بأسمها. ارتجفت شفتيها تحاول الحديث، ولكن حروفها قد هربت بالكامل. انتشلها من سيطرته الطاغية وأنفاسه القريبة ونظراته التي خدرتها بالكامل طرقات الباب.
اعتدل تاركاً إياها، محاولاً السيطرة على نفسه، فخرج صوته متزناً بعض الشئ:
- ادخل.
دَلَفَت العاملة وهي تتحدث بوقار لشخصه:
- توفيق باشا والعيلة كلها وصلت يافندم.. والست زينب بعتتني عشان الست ليلى تنزل.
أشار بكفيه بإنصرافها، فتحركت العاملة سريعاً وعيناها تلازم الأرض، ثم استدار للتي جلست على الفراش تهرب بنظراتها في كافة الاتجاهات.
- مسمعتيش؟ قومي اجهزي.. عشر دقايق والأقيكي تحت وإياكي تتأخري.. وقتها هطلعلك وبلاش أكملك.
تحرك خطوتين فتوقف عندما تذكر شيئاً:
- آه بلاش تحتكي بسارة وسلمى نهائياً.
قالها وهو يغادر بخطواته المهرولة كأنه ينأى بالهروب بعيداً عن عيناها.
أخيراً استطاعت التنفس الذي سحبه بالكامل من حولها. وقفت تضع يدها على صدرها وهي تحدث نفسها:
- وبعدهالك ياليلى هتفضلي لحد إمتى كدا.. لازم تخلصي منه ومن كل اللي يربطك بيه.
وضعت يديها على أحشائها:
- وإنت كمان هخلص منك إزاي.. يارب ساعدني.
قالتها بقلب يأن وجعاً.
بعد قليل هبطت إلى غرفة الطعام التي تضم العائلة بأكملها، بهيئتها الخاطفة للقلوب بفستانها الأبيض الذي يصل لكاحلها بنقوشه الزرقاء التي بلون السماء. رمقها الجميع بنظرات منها الحنينة ومنها نظرات كره وغيرة. كان الجد توفيق يترأس الطاولة وبالمقابل أسعد وبجواره أخواته وزوجاتهم وأولادهم.
- صباح الخير.
قالتها ليلى بهدوء.
- صباح النور ياحبيبتي.. تعالي اقعدي جنب جوزك.
هزة عنيفة أصابت جسدها عندما خصتها زينب بزوجته. رمقها الجد بسخرية وأردف:
- تعالي اقعدي شوية قبل ما مراتُه الجديدة تستحوذ على المكان.. مع أنه مش ملكك من الأول.
أخذت جرعة كبيرة من الهواء تحبسه بداخلها علها تهدئ من نيران الغضب الممزوج بالحزن الذي ظهر على ملامح وجهها وعيناها التي رمقته وهو يتناول طعامه بهدوء وكأنه لم يستمع لحديث جدها.
ابتسمت سلمى بحبور وهي تطالع ليلى التي مازالت واقفة وأجابت جدها:
- قوليها ياجدو.. وعرفها إن نورسين مبتحبش اللي يقرب من ممتلكاتها.
جذبت ليلى المقعد بعنف عندما شعرت بانهيارها وجلست بجوار سيلين وتحدثت:
- لا نورسين ولا غيرها.. خليها تيجي وتاخد القصر باكمله.. أنا هنا عشان ابني وبس.
أومأ الجد برأسه وطالعها بغموض:
- برافو عليك.. خليكي دايما متذكرة كدا.. إنت هنا عشان أمير ولا إيه ياراكان؟
استدار راكان لجده:
- عارفين الموضوع دا وحفظينه.. ليه دايما بتحسسنا إننا في حصة وبتسمعلنا الدرس.
- غيره ياتوفيق بيه.. قولي إيه سبب الجمعة الحلوة دي.. هو مكنش يوم الجمعة ولا أنا غايب بقالي سنين وغيرت النظام؟
ازداد غضب توفيق واستشاط داخله فرمقه قائلاً:
- هشام النمساوي اتصل وقال نحدد فرحكم قبل اجتماع مجلس الإدارة.. وطبعاً أنت عارف يقصد إيه.. إحنا عايزينه شريك للمشروع الكبير.
أنهى طعامه واتجه ليونس وتسائل:
- هو نوح مش بيحضر الاجتماعات ولا إيه؟ مال النمساوي باجتماعات الشركات.. وبعدين حضرتك دخلت يحيى الكومي قبل كدا ودلوقتي النمساوي.. إيه ياباشا عايز تاخد اقتصاد البلد كلها؟
قوس فمه وأكمل:
- على فكرة تفكير غبي.. لأنك كل ما الحاجة تبقى بتاعتك لوحدك أحسن من الشركاء.
اظلمت عينا توفيق وارتسمت عيناه بنظرة قاسية:
- أنا اللي هوطدت العلاقات بينا.. وكدا كدا إنت هتتجوز بنته.. فعادي أنه يحضر.. غبي ولا غيره.. انت مش عندك شركاتك مالك ومال شغل العيلة.. ولا عشان نصيبك الأكبر هتتفرعن على جدك ياحضرة النايب زي كل مرة؟
زفر بهدوء محاولاً السيطرة على غضبه عندما حثته والدته بعينيها بعدم الغضب.
- تمام ياتوفيق باشا.. اعمل اللي حضرتك عايزه.. شغلكم ماليش دعوة بيه.. والفرح حدد عليه.. معنديش مانع.
قالها وهو يرمق تلك التي جلست تتلاعب بطعامها بعينين تقطران الماء وملامح يكسوها الحزن الذي تغلغل لروحها.
قاطعهم دخول نورسين:
- جود مورننغ جدو.. جود مورننغ للجميع.
اتجهت لراكان:
- حبيبي حمدالله على سلامتك.. وحشتني أوي.
قالتها عندما قبلته على وجنتيه.
أشار توفيق على المقعد الذي يجاور راكان:
- صباح الخير ياحبيبتي.. اقعدي بنت حلال كنا لسة بنجيب في سيرتك.
طالعت راكان وأردفت:
- إيه ياراكي.. أوعى تكون كنت بتقول لجدو إني وحشتك؟
ابتسم بجانب فمه بسخرية، فأجابها دون النظر إليها وتحدث:
- أيوه طبعاً ياحبيبي كنت بقوله نورسين دي مفيش زيها.. وحشتني لدرجة هنعمل الفرح بعد أسبوع.
هنا رفعت ليلى عيناها سريعاً إليه فتلاقت بعينيه.
شيعها بنظرة خبيثة وأكمل:
- كفاية تأجيل.. إحنا كنا هنتجوز من فترة لولا موت سليم الله يرحمه.
رمقت نورسين ليلى فاستطردت قائلة:
- وياترى ليلى هتفضل معانا فوق.. سوري لكن من حقي يا جدو.. مش كدا ولا إيه؟
حمحم راكان وطالع ليلى مردفاً:
- مدام ليلى أصلاً مش هتكون موجودة في أسبوع الفرح.. معنديش مانع لو عايزة تقضي أسبوع الفرح في بيت المزرعة واكيد مش هعرفها الجو هناك بيكون عامل إزاي الأيام دي.
كان واقع كلماته على مسامعها كصدى صوت رعد بليالي الشتاء القاسية وزوابع عواصفها... لم يرحم قلبها فأكمل:
- مش عايز الناس يفهموا علاقتنا غلط.. وجودك هيصير الشك.. ودا عكس شخصيتي أبين حاجة وأعمل حاجة تانية.
استقرت كلماته القاسية وسط قلبها فمزقته لأشلاء حتى شعرت بآلام شديدة بأنحاء جسدها مما جعلها تتشبث بيد سيلين بجوارها.
طالعتها سيلين وهمست إليها:
- إنتِ كويسة؟
هزت رأسها وغشاوة من دموعها احتجزت بعينيها منعتها من التحرر، ولكن أكمل ما هشّم الباقي من كرامتها حينما أردف:
- ماما ممكن تنقلي ليلى وأمير للجناح التاني عشان حضرتك عارفة نورسين وغيرتها وأنا مش عايز دوشة حريم.
قبلته نورسين مرة أخرى على وجنتيه أمام الجميع، وهمست له:
- راكي خلص فطارك بسرعة عندنا فسحة هتغير مود الشغل اللي خطفك مني بقاله أسبوعين.
رفعت نظرها وعبرة غائرة انسدلت عبر وجنتيها مسحتها سريعاً حتى لا يرى ضعفها، فأجابته وهي توزع نظراته عليه وعلى نورسين:
- أنا اتكلمت مع طنط زينب من فترة كبيرة من بعد موت سليم وحضرتك رفضت.. يعني أنا اللي طلبت من الأول.. ودلوقتي مستحيل أخرج من جناحي دا بتاع جوزي واللي مش عاجبه ممكن ينقل في مكان تاني.. ووقت مايجيلي مزاج ياحضرة النايب هنقل هنقل مش هستنى حد يتآمر عليا.
ذهل الجميع من شراسة حديثها، بل شعر بصفعة مدوية فاتجه بنظره لوالدته:
- كلامي يتنفذ ياماما.. سليم مات ومش موجود بينا ودلوقتي مينفعش.
قاطعته عندما هبت كالملسوعة توزع نظراتها بين الجميع:
- سليم مات عندكم بس.. لكنه لسة عايش جوايا.. عايش في ابنه دا.. مش من حق حد فيكم يجبرني على حاجة مش عايزها... أنا اتجبرت مرتين ياحضرة المستشار.. المرادي لأ.. دا حق ابني احنا هنا اللي لينا الحق الأكبر.
وقف أسعد محاولاً هدوئها:
- ليلى حبيبتي اقعدي يابنتي هنعمل اللي أنتِ عايزاه.
- ازاي ياأسعد!!
أردف بها توفيق بقوة:
- هتسمع كلام أرملة ابنك؟
رمقها الجد واردف:
- إنتِ بأي حق تتكلمي كدا.. نسيتي نفسك؟
عايزة تحطي نفسك بنورسين؟
إلى هنا وقد طفح الكيل وصرخت كالذي مسها جنيا وضربت على طاولة الطعام:
- أنا فعلاً مش زي حد.. وعشان كدا خلي حفيدك المغرور دا يطلقني ويتجوز سليلة الشرف والنسب.... أنا مش عايزة أعيش هنا ادوني ابني خلوني أمشي.
هب كالملسوع ورفع سبابته أمام وجهها قائلاً بنبرة آمرة:
- مفيش خروج من البيت دا بأمير إلا بأمر مني.. ومتنسيش حضانة الولد معايا... عايزة تمشي اتفضلي الباب مفتوح، غير كدا مسمعش صوتك.
تساقطت دموعها بقوة عبر وجنتيها وهي ترمقه بنظرات احتقارية ثم تحدثت بصوتاً مرتجف:
- إن شاء الله تتعذب في حياتك ياراكان وتتوجع زي ماوجعتني كدا.
ضرب الجد بعصاه الأبنوسية على الأرضية:
- احترمي نفسك يابنت المحجوب متنسيش نفسك واعرفي إن اللي بتغلطي فيهم دول يبقوا إيه.
ظلت مسلطة بصرها تنظر إليه ببغض شديد. استدار لجده والغضب استحوذ عليه كلياً وصاح:
- متنساش أن دي مراتي ياتوفيق باشا.. ومش معنى اني ساكت يبقى تهينها اللي يغلط فيها كانه بيغلط فيا.
صفقت ليلى بيديها فقد فقدت السيطرة بالكامل حينما داسو على كبريائها:
- لا برافو.. زادني شرف والله ياحضرة النايب. اتجهت إليه تدفعه بيديها:
- أنا مش مرات حد.. واعرف آخد حقي كويس. اتجهت بنظراتها لنورسين:
- هو على بعضه مايلزمنيش ياحبيبتي.. ولو فعلاً شايفاه راجل ويستحقك خليه يطلقني.
توقف مجرى الدم بعروقه وتثلجت أوصاله حينما ألقت سهامها وداست على رجولته بكل جبروتها. استدار إليها وجذبها من رسغها:
- اقعدي واسمعي آخر الكلام يابنات الناس... أنا بحاول اتغاضى عن كلامك مش عشان أنا مش راجل.. أبداً.
تنهد وأخذ نفساً فأكمل:
- علشان اخويا المرحوم أولاً.. وعشان إنتِ مراتي.... فبحاول مغضبش عليكي ياليلى مطلعيش الغضب اللي جوايا.. صدقيني هكرهك في نفسك.
- إيه ياراكان مش أنت من شوية كنت بتقولها هعمل واسوي ماترسى على حل يابني.
قالتها فريال وهي تنظر إليه بسخرية.
نهضت ليلى من مقعدها سريعاً.. تحتضن ابنها الذي بكى من أصواتهم المرتفعة.
صاح راكان بغضب على مربيته:
- خدي أمير.
ضمته ليلى لأحضانها:
- لا محدش هياخده مني.
سحب الطفل منها بقوة وصرخ:
- خدي الولد أوضته وبعد كدا ممنوع يبات مع والدته.
نفذت المربية أمره سريعاً.
انتفضت ذعراً تقول بفزع:
- متبعدش الولد عني ياراكان لو سمحت.
جلس وكأنه لم يستمع لتوسلاتها.
اتجهت بعينيها تراقب ابنها الذي صدح بكائه بالمكان حتى اختفى، ثم استدارت تصلب أنظارها تستجديه بعينيها علها تجد بهما رأفة لحالها، ولكن كيف وهو الذي أوجع وأبكى قلبها وأدماه منذ لقائهما الأول.
سحب كف نورسين التي جلست تطالع الجميع بصمتاً مريب وتحرك بعض الخطوات.
شعرت بآلام تنخر بجسدها وشيئاً ما يسقط من بين ساقيها. ضغطت بقوة على يد سيلين التي تسائلت:
- ليلى مالك؟
انتبه الجميع لحديث سيلين.
اتجه لتحركه تطالعه بنظرات متألمة. رمقها سريعاً وتحرك خطوة وهو يردف:
- ماما متعملوش حسابي النهاردة مش هرجع.
هنا شعرت بآلام أشد قوة فخار جسدها وضعف حتى هوت جالسة تأن وجعاً وتصرخ.
دنى يونس إليها عندما وجد تعرقها وأنينها. جلس بمقابلتها وأردف متسائلاً:
- مالك يامدام ليلى؟
قالها عندما تغيرت ملامح وجهها وتحولت لشحوب كشحوب الموتى. أمسك كفيها ليرى نبضها. ولكن جحظت عيناه واستدار يطالع راكان الذي وقف متصنماً بمكانه من صرخاتها فسألها:
- مدام ليلى إنتِ حامل؟
تساقطت دموعها بغزارة تحرق وجنتيها كلهيب يقضي عليها.
فهمست عندما فاق الألم تحملها:
- الحقني يايونس أنا بنزف.
رجفة قوية أصابت جسده فعقد حاجبه يفهم سؤال يونس ومعنى حديثها:
- همست ليلى أنا حامل.
قالتها ودموعها أغرقت وجنتيها بالكامل.
صدمات وشهقات وهمهمات من الجميع عندما استمعوا لحديثها. بينما ذاك الذي تصنم جسده وكأن أحدهم سكب عليه دلواً من الماء الذي وصل لدرجة غليانه حولت جسده كحمم بركانية.
اتجه ليونس كالضائع بغيبات الجب واستمع لسؤاله عندما ازدادت سوء حالتها وبدأت قواها تتهاوى بفقدانها للوعي:
- ليلى إنتِ حامل في الشهر الكام؟
تساءل بها يونس الذي بدأ يقيس ضغطها ونبضها.
أطبقت على جفنيها متألمة وكأن روحها تنسحب منها وغمامة سوداء تطاردها فهمست:
- التالت.
لم تكمل كلمتها فسقطت بين ذراعي يونس فاقدة للوعي. نظر يونس تحتها وجحظت عيناه من آثار الدماء التي لطخت فستانها الأبيض فصاح بأخته وهو يحملها متجهاً لغرفتها:
- سلمى هاتي لي شنطتي بسرعة.
بينما سيلين التي وقفت كالمتصنمة تبكي على وضعها. الكل بدأ ينظر لراكان. هناك نظرات شفقة وهناك نظرات شماتة. ولكن عنده لقد هوى قلبه وزهقت روحه تمنى لو صرخ من أعماق قلبه حتى ينقطع نفسه. أومأ رأسه رافضاً حديثها بقوة. شعور بفقدان وعيه. نظر بضياع حينما أردفت فريال:
- إيه ياراكان أرملة أخوك اللي ميت بقاله سنة ونص حامل إزاي.. وأحنا كلنا عارفين طبيعة جوازكم.
هنا لم يجد كلمات تعبر عما يجول في صدره من آهات صارخة.
تحرك يونس خطوتين وهو يحملها بين ذراعيه متجهاً لغرفتها.
هب فزعاً وكأن صراخ سيلين باسمها أيقظه من صدمته فهرول يلتقطها من بين ذراعه وصاح بغضب:
- رايح فين؟
- أنا هوديها المستشفى.
قالها وشعور الاختناق يعيق خروج تنفسه كيف يتنفس وصفعات القدر المتوالية لم ترحمه.
خطى يونس بها للخلف وهو يضمها حينما وجد الغضب ونيران عينيه ووجعه بآن واحد. فتحدث بهدوء:
- راكان ليلى ممكن تموت.. ننقذها الأول.. ممكن يكون الطفل مات... وممكن يكون عايش.. ارجوك أبعد غضبك دلوقتي وخليني أنقذها.. وبعد كدا حاسبها زي ماأنت عايز.
تلقفها منه بقوة وغضب. وهو يدفعه بجسده:
- ابعد عني عشان غضبي ما يولعش فيك يايونس. إياك تقرب مني.
توقفت والدته وعمته سميحة حينما وجدا حالته فاتجهت زينب لأسعد ووالده:
- هتسبوه ياخدها؟
تحدثت سميحة:
- بابا.
رمقها الجد بنظرة غاضبة واشار بسبابته:
- مش عايز أسمع صوت حد فيكم.
اتجه بنظره لأسعد:
- شوفت مجايب ولادك.. أهو شرفهم بقى في الطين.
هبت زينب وصاحت بغضب:
- إيه مالكم خلاص حكمتوا إن البنت خطيت.. إيه انتوا ناسين انها متجوزة.
طالعتها فريال بسخرية:
- أه وعارفين كمان إن ابنك مش طايقها ومفيش حاجة حصلت بينهم واللي يثبت كلامي حالته المجنونة دي.
بينما جلست نورسين وهي تضع ساقاً فوق الأخرى:
- لا دي مش أشكال راكان.. دا مبيكهرش في حياته أدها.. وبعدين ياانطي متنسيش إنها السبب في موت سليم.. مش كدا ياسلمى.. فاكرة موت سليم.
قالتها نورسين بمغزى وهي تنظر لأظافرها.
بالخارج عند السيارة.
تحرك بها يحاول أخفاء مزيج المشاعر التي اجتاحت كيانه مما استمع إليه. يحاول أن يحرق الأخضر واليابس وكل ما يقابله خرج سريعاً وهو ينادي على سيلين:
- إلحقيني بسرعة للعربية.
بينما بالداخل هناك حرب شعواء بين الجميع.
تحدثت يارا ابنة عمته:
- معقول ليلى تكون غلطت مع حد.. لا أنا مش مصدقة.
بينما هز الجد رأسه وهو يردف:
- وادي الأشكال اللي ضحكو على أولادك يازينب قبل كدا بنت صياد والتاني جايبلي بنت محاسب.. لا وواقفة تجادلي وتقولي إنها متجوزة.
طالع زينب بسخرية:
- هو تربيتك هتجيب إيه غير كدا.
قالها ساخراً ثم أكمل:
- ادعي ربنا إن ابنك مايموتهاش ويدخل السجن في حاجة ماتستاهلش.
تحرك يونس سريعاً يستقل سيارته عله يحاول السيطرة على راكان.
أما بالسيارة. جلست سيلين بالخلف. تبكي وجسدها يرتعش عندما وجدت تغير ملامح ليلى ليصبح شاحباً كالأموات فهتزت شفتيها وحدثت أخاها:
- راكان بسرعة.. ليلى هتموت.
انهت كلماتها المتألمة وانفاسها المتقطعة بالبكاء.
هل شعر أحدكم كيف يكون حال العاشق حينما يرى موت معشوقه أمامه وهو عاجز؟ هذا ما شعر به راكان عندما شق طريقه بسرعة جنونية ود لو يحرقها ويحرق نفسه معاً. كور قبضته يضرب على قيادة السيارة ونيران صدره تشتعل بداخله تحرقه بالكامل وهو يصيح بغضب:
- ليه...
ليه يا ليلى ليه.. صرخ بها بغضب.
نظرت سيلين إليه بالمرآة فلا تعلم كيف تهدأ من روعه، وهو محق في غضبه. ولكن إلى أي حد سيؤدي به غضبه جراء نيران قلبه النازفة؟ هل حقًا تكون ليلى دهست على رجولته وخانته بهذه الطريقة الشنعاء؟
مسحت عيناها وهي تهز رأسها رافضة حديثها مع نفسها.
انسدلت دمعة حارقة على وجنتيه وهو يتذكر الماضي.
***
فلاش باك قبل ثلاث سنوات.
داخل هذا القصر المريب، في إحدى الغرف، تدخل سيدة في أواخر عقدها الخامس إلى غرفة ذات الطابع الأنثوي الرقيق.
جلست بجوارها السيدة التي تدعى زينب.
تملس على شعرها بحنان أمومي. ظلت لبعض الدقائق تنظر لأبنتها، تتمنى من الله أن يرزقها حياة هادئة مثلها.
"سيلين حبيبتي، يا له اصحي أخواتك، صحيوا يا قلبي. قومي علشان ما تتأخريش على جامعتك."
فتحت الجميلة عيناها التي تشبه لون البحر بأمواجه. اعتدلت الفتاة واتجهت لوالدتها مقبلة جبهتها.
"صباح الخير مامي الحلوة."
قبلتها والدتها: "صباح الياسمين على ياسمينة قلبي حبيبتي. يا له قومي بسرعة، خدي شاورك وغيري وانزلي بسرعة. جدك عامل اجتماع عائلي وعمك وولاده موجودين تحت."
مطت شفتيها الكنزة بتذمر:
"أوف، هو كل شوية اجتماعات عائلية؟ هو جدو دا ما يملش؟"
رمقتها والدتها بتحذير:
"سيلي، مينفعش نقول كدا على جدك. بابا لو سمع هيزعل جدا منك. يا له بلاش كسل، قومي لما أشوف سليم صحي ولا لا."
"هو أبيه راكان ما رجعش من إسكندرية؟"
أردفت بها سيلين باستفهام.
"رجع بس متأخر وصحي من بدري بيعمل تدريباته."
"نهار أسود! هتهزأ يا مامي، كنتي عرفيني. بقالك ساعة بتكلميني وساكتة."
قهقهت عليها والدتها:
"يعني راكان بس اللي بتعملي له حساب، والباقي لا يا سيلين. تمام."
قفزت من مخدعها متجهة إليها سريعًا تضمها بمشاكسة.
"إنتي الحب كله يا زوزو."
ضمتها لصدرها، وربتت على ظهرها.
"ربنا يهديكي يا بنتي."
رفعت ذقنها تنظر لمقلتيها:
"إنتي كبرتي يا سيلين، ما عدتيش البنوتة أم عشر سنين. عايز اكي يا حبيبتي تخلي بالك من تصرفاتك وبلاش الحفلات اللي ما بتنتهيش دي. راكان لو عرف مش هيرحمك وممكن يقعدك من الجامعة."
نفخت وجنتيها بتذمر:
"يا مامي، كل صحابتي بيعملوا حفلات وبيسهروا، وحضرتك لسة بتقولي أهو أنا كبرت؟ ما أعرفش ليه أبيه راكان بيخنقني بتصرفاته دي."
ثم أكملت مفسرة:
" عندك يونس أهو ابن عمه بس غيره خالص. اخواته بيروحوا حفلات وبيفضلوا للصبح، وهو كمان بيحب يضحك ويسهر. أما دا ما أعرفش ماله."
قاطعتها بحزم:
"أخوكي خايف عليكي، مش معنى كدا إنه بيتحكم فيكي. وبعدين ما هو بيعامل سليم الراجل كدا، مش هيعاملك إنتي يا بنت. وبعدين تعالي شوفي يارا بنت عمتك اهي بتعمل له حساب. يا ريت تاخدي بالك من أسلوبك في اللبس كمان وبلاها البناطيل المقطعة دي. قال موضة."
"دي موضة زفت على دماغكم." قالتها زينب وخرجت متأففة من أسلوب ابنتها.
اتجهت إلى غرفة ابنها.
طرقت الباب عدة طرقات. دخلت بعدما سمح لها بالدخول.
"صباح الخير يا حبيبي."
"صباح الورد يا ست الكل." قالها مقبل جبينها.
جلست على فراشه.
كان واقفًا أمام مرآته يهندم ملابسه. نظر لها من خلال المرآة وتساءل:
"فيه حاجة يا ماما؟"
ابتسمت له وأردفت:
"سلامتك يا حبيبي."
اتجه لها ناظرًا باستفهام:
"لا، شكلك مضايقة من حاجة."
هزت رأسها بالنفي. ثم زفرت وتنهدت.
"جدك عامل اجتماع، وربنا يستر ما يتخانقش مع راكان زي كل مرة."
قطب جبينه متسائلاً:
"إنتي خايفة على راكان يا ماما من جدو؟"
أخذت شهيقًا وزفرته بهدوء:
"راكان عصبي وجدك كمان. أنا كل مرة بحط إيدي على قلبي. متنسيش مرات عمك بتحب تلعب في المية العكرة يا بني."
ضحك سليم بصوته الرجولي:
"مين دي يا ماما؟ إيه يا زوزو نسيت إنتي مين وولادك مين ولا إيه؟ خايفة من فراويلة بنت سلطح ملطح دي منفوخة على الفاضي."
اغروقت عيناها فجأة من ذكريات أليمة مرت بها بتلك العائلة. كم كانت تكره ضعفها الذي انتابها حين تذكرت مأساة مع والد زوجها الطاغي. هذا الضعف تحول لحزن تسرب إلى قلبها فدماه حتى شعرت بعدم تنفسها.
نظر سليم لصمتها ثم احتضن يديها بين راحتيه:
"ماما مالك يا حبيبتي؟ ليه شكلك اتغير كدا؟"
هزت رأسها وربتت على يديه:
"مفيش يا حبيبي، بس افتكرت حاجة. المهم يا سليم كلم راكان وخليه يهدى وبلاش كل شوية تصادم مع جده يا ابني."
قبل رأسها وطالعها بنظرة حنونة مؤكداً:
"حاضر يا ست الكل، أنا هعدي عليه قبل ما أنزل."
وقفت متجهة للخارج.
"ربنا يكملك بعقلك يا حبيبي."
على الجانب الآخر.
في منزل ليس بالرقي الفاحش أو بالتوسط، يقال عليه بالطبقة فوق المتوسطة. يتكون من ثلاث غرف كل غرفة بحمامها وبه صالون على الطراز الحديث.
يعد صاحب هذا المنزل للأستاذ عاصم المحجوب، الذي لديه ابنتان وولد.
ليلى التي تبلغ من العمر ستة وعشرون عامًا، وابنته الأخرى "درة" التي تبلغ من العمر ثلاثة وعشرون، وهي بالفرقة الرابعة بكلية الهندسة. أما الابن الأصغر "كريم" الذي يبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا، وهو بالصف الثالث الثانوي.
بداخل هذا المنزل الذي تحتوي جدرانه على الدفء والحب والتعاون.
تستيقظ تلك الجميلة من نومها.
فتاة في منتصف عقدها العشرين، تمتلك من جمالها ما يميزها عن غيرها. عيون سوداء اللون متوسطة الاتساع برموشها الكثيفة، وأنفها بطوله قليلاً، ودقة أرنبة أنفها، وشفتيها اللتان تشبهان حبة الكرز. وشعرها الأسود بسواد الليل يصل لمنتصف ظهرها.
وقفت متجهة إلى حمامها لتؤدي فرضها.
بعد قليل، قامت بارتداء ملابسها العملية التي كانت عبارة عن بدلة نسائية من اللون الأبيض وحجاب باللون القرمزي.
دلفت والدتها مبتسمة لها:
"صباح الجمال على جميلة ماما."
"صباح الورد يا وردة."
دققت النظر في ملابسها، ثم قطبت جبينها متسائلة:
"رايحة تدوري على شغل برضو زي كل يوم؟"
ابتسمت بهدوء:
"لقيت شغل وعندي انترفيو النهاردة. دعواتك يا سمسم."
اتخذت نفسًا طويلاً تملأ رئتيها بأكسجين الأمل وأردفت داعية:
"داعية لك يا قلبي بكل وقت وحين. ربنا يوفقك ويكتب لك الخير. يارب يا بنتي تقبلي، مش هخبّي عليكي حبيبتي."
"الحمل تقل على باباكي أوي، وخصوصًا مصاريف الثانوية العامة بتاعة كريم أخوكي."
ربتت على يديها بحنان:
"أنا حاسة المرة دي هتقبل يا ماما. بس يارب ما يكونش كتير. مقدم لأن الشركة دي كبيرة أوي وبيقولوا لها فرع في كل محافظة، ورغم كدا آسر اداني أمل إني هقبل."
تمتمت أمها بدعواتها وخطت متحركة اتجاه المطبخ قائلة:
"هروح أحضر الفطار علشان تفطري مع أخواتك وباباكي قبل ما تنزلي."
"تمام يا ست الكل، بس سريعا علشان زحمة المواصلات. انتي عارفة زحمة الشوارع في الوقت دا." قالتها ليلى التي تقوم بعمل شعرها على شكل ذيل الحصان.
بالغرفة المجاورة.
كانت تجلس تدرس محاضراتها، فهي بالفرقة الرابعة بكلية الهندسة. دلفت إليها ليلى.
"صباح الورد يا وردة."
"صباح الورد يا لولة. عاملة إيه حبيبتي؟"
دققت النظر بها:
"إنتي خارجة ولا إيه؟"
أجابتها وهي ترد بتمني قبولها:
"في مقابلة عمل في شركة البنداري جروب، تسمعي عنها؟"
ظلت تردد الاسم وهي تدق بقلمها على سطح مكتبها في محاولة التذكر، فأجابتها:
"حاسة سمعت الاسم دا قبل كدا. المهم بالتوفيق يا حبيبتي إن شاء الله وربنا يكتب لك الخير."
قبل خصلاتها الحريرية.
"خدي بالك، عايزين امتياز زي كل سنة."
أومأت درة برأسها وابتسمت بحنان لأختها.
"إن شاء الله يا حبيبتي."
خرجت من غرفة أختها وهي تأمن على دعواتها. بعد قليل، يجلس الجميع على مائدة الطعام.
"اممم، بيض بالبسطرمة، تسلم إيدك يا ست الكل." هذا ما أردفت به درة.
"بالهنا على قلبك يا حبيبتي."
رمقها زوجها بنظرة حنونة:
"تسلم إيدك يا سمية، دايما بتطلعي بأجمل نكهة مع أقل تكلفة."
"بالهنا يا حبيبي على قلبك."
"حبيب مين يا سمسم، إحنا هنا." أردفت بها ليلى بمشاكسة.
ابتسمت بخجل لأبنتها. قاطعها والدها:
"مالك ومال سمسمتي يا ليلى؟"
رفعت حاجبها وهي تلوك الطعام بسرعة وتحدثت:
"والله سمسمتك، وأنا إيه يا سي بابا؟ اعترف حالا."
قهقه والدها عليها وأجابها:
"إنتي روح بابا وقلبه يا حبيبة بابا."
وقفت ضمته بجلستها مقبلة خديه:
"ربنا يخليك لنا يا حبيبي يارب. يا له أنا لازم أنزل."
ربت والدها على يديها:
"ربنا يوفقك يا بنتي يارب. ومش عايزك تشيلي هم يا حبيبتي، يعني لو ما لقيتيش النهاردة تلاقي بكرة إن شاء الله. حتى لو ما فيش خالص مش عايز العيون الجميلة دي تحزن أبدا."
ابتسمت لوالدها بعرفان وقبلت جبينه.
"ربنا ما يحرمنا منك يا حبيبي يارب."
قاطعهم كريم أخيها:
"دا إيه العشق الممنوع دا على الصبح؟"
ابتسمت له.
"صباح الخير يا حبيبي. عامل إيه في دراستك؟ ما شفتكش امبارح."
"تمام يا حضرة المهندسة النشيطة. وإن شاء الله هيكون لك وريث هندسي."
"إن شاء الله يا حبيبي، شد حيلك بس يا كريم. عايزة مجموع ما يقلش عن هندسة، هزعل منك بجد."
ابتسم لها وأردف مؤكدا:
"إن شاء الله يا لولة، متخافيش، أخوكي قدها."
أرسلت له قبلة في الهواء وتحدثت:
"أنا نازلة يا ست الكل. محتاجة حاجة؟"
"سلامتك يا عمري وربنا يوفقك يا بنتي يارب."
في مكان آخر بأحد المنازل العريقة التي تشبه القصور، وهو قصر الدكتور يحيى الكومي.
كان يواجه والده بهدوء ظاهري ونبرة عميقة، ونظرات عيناه تبحر فوق ملامحه بغموض.
أردف والده بغضب:
"وبعدهالك يا نوح، هتفضل منشف دماغك لحد إمتى؟ أنا خلاص اديت كلمة للناس وآخر الأسبوع دا هتروح تشوف العروسة."
حبس نوح أنفاسه داخل صدره ضاغطًا على كل عصب بجسده ألا ينفلت، وبنبرة عميقة:
"هو ليه حضرتك محسسني إني بنت ولازم أمشي ورا طوعك؟ أنا كبرت يا حضرة الدكتور، ما عدتش العيل اللي لازم يسمع الكلام ويقول آمين."
اغتاظ يحيى من حديث ابنه وغروره اللامتناهي وتعجرفه مع كل بنت يختارها له.
جلس واضعًا ساقًا فوق الأخرى منفثًا تبغه الغالي الذي يشعل صدره كنيران ابنه المستعيرة له.
"المرة دي أمر يا حضرة الدكتور العظيم. هنروح يوم الجمعة علشان تشوف البنت."
"ودا آخر كلام عندي."
اسودت عين نوح وازداد عبوس ملامحه الخشنة تزامناً مع أنفاسه الحارة.
ثم خرج كالإعصار، ويبدو أنه شيطان طاغٍ للمحاربة. ولكنه اصطدم بجسد ضعيف أثناء خروجه.
وقف يناظرها بهدوء رغم بركانه الثائر.
ارتجف جسدها من نظراته التي أربكتها. إنها أسما، المهندسة الزراعية التي تبلغ من العمر خمسة وعشرون عامًا وتعمل بمزرعتهم.
قطعت نظراته لها وهي ترد مرتبكة:
"أنا كنت جاية أشوف دكتور يحيى عشان المزرعة."
افسح لها الطريق دون حديث.
اشتبكت عيناه بعيناها التي أشعرته بدقاته، ولكنه أبعد هذا الشعور وتحرك مغادراً.
تنهدت بحزن من عدم مبالاته لها، وانسدلت دمعة شريدة من عيناها. أزالتها سريعاً بأناملها متجهة لغرفة الدكتور يحيى.
دلفت وألقت تحية الصباح.
"صباح الخير يا دكتور."
أشار بيديه وأردف:
"تعالي يا أسما، فيه حاجة؟"
أمسكت بعض الأوراق ووضعتها أمامه.
"دي أنواع سلالات جديدة لبعض الخيل، وكمان بذور جيدة لأنواع الفواكه والمحاصيل."
أمسك الأوراق يطالعها.
"تمام، سيبيهم هشوفهم وبعد كدا هقولك تمام."
أومأت برأسها مغادرة، تبحث عن الذي جفاها النوم من حالته الأخيرة.
على الجانب الآخر، بقصر جلال البنداري وهو عم راكان.
بإحدى الغرف شاب ينام عاري الصدر ورائحة الغرفة المظلمة متشبعة برائحة تبغه.
ظلت العاملة تطرق على باب غرفته بعضاً من الوقت. فتح عينيه وصاح بصوته النائم:
"فيه إيه على الصبح؟"
"أنا آسفة يا دكتور، بس الست فريال بتقول لحضرتك لازم تنزل حالا علشان الحج توفيق عامل اجتماع على الفطار في قصر البشمهندس أسعد البنداري."
"تمام، روحي انتِ. وأنا شوية ونازل."
استلقى على ظهره يزفر بضيق، ثم وضع كف يديه على شعره. أرجعه للخلف بضيق في حركة تنم عن مدى غضبه من تحكمات جده. رفع هاتفه.
على الجانب الآخر، في غرفة شاسعة ذات الطابع الرجولي. جدرانها باللون الرمادي الداكن مع اللون الأبيض. يقف أمام المرآة منتصب العود، صاحب ملامح حادة قوية مع صلابة عظامه وفتول ذراعيه وعضلاته البارزة من قميصه الأسود الذي يرتديه. ذو بشرة قمحاوية مع عيون بلون أشعة الشمس.
يقف يغلق زر قميصه الكلاسيك. قاطعه رنين هاتفه.
"صباح الخير يا يونس."
"أيوة بيقول فيه اجتماع الساعة تسعة. أنا عندي جلسة الساعة عشرة. مش فاضي لجدك، وكمان فيه اجتماع في الشركة معرفش فيه إيه حصل في فرع إسكندرية. كويس المشاكل دي حصلت بعد ما جيت."
على الجانب الآخر أردف يونس ابن عمه:
"تفتكر جدك عامل اجتماع الصبح ليه؟ وياترى عمك خالد هيكون موجود هو وسميحة ولا؟"
قاطعه مردفاً:
"دلوقتي نعرف. ياله أنا نازل وإنت فوق كدا وبطل سرمحة يا جيمس بوند."
قهقه على الجانب الآخر:
"تلميذك يا أمبراطور، وبطل تراقيني يا راكان. أنا مش مسرمح يا بني، أنا محبوب بس. أعمل إيه الستات بيموتوا في جمالي."
شعر بمدى حماقة ابن عمه، فزفر بغضب:
"قدامك عشر دقايق وتكون هنا، يا أما فيديوهاتك هتكون على الصفحة الإخبارية."
قفز من فوق مخدعه.
"وعلى إيه الطيب أحسن دا أنا تحت بس إنت مش واخد بالك." قالها مقهقهاً عندما أغلق راكان الهاتف بوجه.
بالأسفل بغرفة الطعام.
دخل بهيئته الجذابة وقامته المديدة. كان الجميع يجلس في غرفة الطعام سوى فريال مرات عمه وابنها يونس. دلف ملقياً تحية الصباح بهدوء على غير شخصيته العصبية.
على رأس طاولة الطعام يجلس توفيق البنداري، الجد الصارم الذي يبلغ من العمر سبعة وسبعين ربيعاً.
في مقابل الطاولة يجلس ابنه الأكبر أسعد. على جانبه والديه راكان بجانبه سليم وسيلين. كانت الطاولة تضم خالد وزوجته وهما لا يملكان سوى توأمه سارة وفرح اللتان تبلغ من العمر أربع وعشرين. أما يجلس بجانب الجد ابنه الأصغر جلال بمقابله ابنه يونس الذي وصل للتو، وعدي الذي يبلغ خمسة وعشرين عاماً، وابنته سلمى التي تبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عاماً.
بجوارهم تجلس سميحة وزوجها وابنتهما الوحيدة يارا.
رمق الجد الجميع بنظراته الصقرية.
"طبعاً انتوا متعرفوش أنا مجمعكم هنا ليه دلوقتي على غير عادتنا."
"أولاد أسعد: راكان، سليم، سيلين. وهو الأكبر لتوفيق."
"الابن الثاني: خالد ولديه ابنتان توأم سارة وفرح."
"الأبن الثالث: جلال ولديه ابنان وبنت: يونس، عدي، وسلمى."
"وابنته الوحيدة سميحة ولديها ابنه واحدة وهي يارا."
رفع الجميع أنظارهم إلى الجد إلا من ذاك الذي يجلس يتفحص الجريدة وكأنه لا يعنيه حديث جده.
استشاط الجد من أسلوبه البارد وغير المحبب لديه لعدم احترامه له.
صاح بصوته:
"أنا بتكلم يا راكان، إيه مفيش احترام لجدك؟"
"أنا سامعك يا جدي."
قالها وهو ما زال ينظر للجريدة ولم يعتريه حتى أن يرفع نظراته لجده.
ضرب بعصاه الأنبوسية بجواره وتحدث بغضب:
"من الإحترام لما جدك يتكلم تبصله يابن زينب."
هنا رفع نظره لجده وظهرت علامات الغضب قائلاً بفظاظة:
"إيه ابن زينب دي؟ محدش قال لحضرتك إننا بنسمع بودانا. بقالك ساعة عمال تتكلم في مقدمات وأنا عندي شغل." وأكمل بإبانة:
"كلنا متعطلين علشان وصايا حضرتك اللي مبتخلصش، وفي الآخر تقولي يابن زينب."
نصب عوده ووقف وهو يلقي الجريدة من يديه.
"مالها أمي كل شوية إهانات ليه؟"
نظر لأخيه الذي يرمقه بنظراته أن يهدأ وصاح به بغضب:
"إيه بتبصلي ليه؟" اتجه مرة أخرى لجده.
"زينب اللي مش عاجبك ولادها هما اللي رافعين اسم عيلة البنداري. بص حواليك وشوف مين هي زينب اللي دايماً بتقل منها."
رفع سبابته أمامه.
"لو حضرتك شايف إن سكوتي على إهانة أمي دا يعتبر احترام، فأحب أقولك يا جدي العزيز وقتها أعرف إن حفيدك مترباش صح."
قام بجمع أشيائه الخاصة.
"أنا عندي شغل وقرارات حضرتك يونس أو سليم يبقى هيبلغهالي. بعد إذنك."
جحظت أعين الجد من تمرد حفيده الأكبر عليه. فهو رجل ذو هيبة يستمع إليه الكبير قبل الصغير وأوامره تطاع على الجميع إلا من ذلك المتمرد.
اتجهت والدته إليه وعيناها تترجاه:
"حبيبي علشان خاطري أقعد، ماينفعش تسيب العيلة كلها متجمعة وتمشي وانت أكبر حفيد."
قاطعها عندما لملم أشياءه:
"عندي محكمة يا ماما بعد نص ساعة مش فاضي لطقوسات العيلة اللي مبتخلصش."
صاح أسعد بولده:
"اقعد يا راكان عشر دقايق ونمشي."
اتجه بنظره ليونس وهو يكز على شفتيه السفلى. أومأ له يونس بعينيه أن يهدأ.
"هقعد بس يكون في معلومك يا جدي، أي غلط في أمي تاني مش هسمح بيه. وكمان أنا ابن أسعد مش ابن زينب." أردف بها وهو ينظر داخل مقلتيه. تحدت النظرات بين الجد وحفيده.
قطب الجد جبينه بسخرية.
"والله عرفتي تربي يازينب. الحمد لله إنك معكيش بنات." قاطعه وهي تردف سريعاً وهي تنظر لسيلين تترجاه بعينيها:
"ولا يهمك يا عمي. راكان عصبي لما بيكون عنده مرافعة في قضية."
رمقها راكان بنظرات حزينة لضعفها أمام جده.
بدأ الجد حديثه:
"أنا جمعتكم علشان ناوي أخليكم دايماً متماسكين وايد واحدة."
قاطعه أسعد متسائلاً:
"مش فاهم حضرتك يا بابا تقصد إيه؟ هو إحنا مش متماسكين؟"
رمقه الجد توفيق:
"لا، فيه الأقوى يا بني."
"النهاردة ناوي أجوز الولاد لبنات عمهم."
تناول راكان شريحة توست وبدأ يلوكها بهدوء حتى يخرج غضبه، ثم التوى فمه بابتسامة سخرية.
كان الجد يراقب حركات وجهه مما جعله يستشيط غيظاً.
زفر الجد بحنق وأكمل حديثه:
"يونس هيكتب على سارة بنت خالد." اتجهت نظرات يونس سريعاً لسيلين التي تتلاعب بصحنها دون مسه. في حين أكمل الجد حديثه:
"وراكان هيكتب على سلمى بنت جلال."
"وسليم هيكتب على يارا بنت عمته."
صمت الجميع لبرهة، فيه من أعجبه هذا القرار كثيراً وفيه من استشاط داخله.
"طيب وسيلين يا عمي؟ نسيت سيلين؟"
رمقها بنظرة تحذيرية وأردف بغلاظة:
"هنشوف لها واحد من بره العيلة دي، مالهاش حد من عمرها."
أشفق راكان كثيراً على والدته وأخته فتحدث قائلاً:
"زي بالظبط كدا يا ماما مفيش حد على قدي من العيلة."
"إيه اللي بتقوله دا يا ولد؟ كلامي هيتنفذ كله."
قهقه راكان مما جعل حالة من التوتر تصيب والدته. أرجع بجلده يتكئ على مقعده ورفع بصره لجده وتحدث:
"وحضرتك نسيت تسمي العيال إيه يا توفيق باشا؟"
وضع إبهامه على ذقنه مصطنعاً التفكير.
"أيوة، أنا لو جبت ولد هسميه توفيق البنداري." مط شفتيه وتحدث:
"ماهو لازم نخلد ذكرى كبير العيلة مش كدا ولا إيه يا يونس." ابتسم بسخرية وأكمل يوزع نظراته على الجميع.
"شوف يا توفيق باشا، بص حواليك كدا، شوف الدكتور يونس بقى إزاي من قراراتك التحكمية بتاعتك." ثم اتجه لسليم:
"ولا الباشمهندس سليم اللي كل حاجة لازم جدو يعرف. ياراكان، هو برضو كبير العيلة."
"أوف توفيق باشا، نسيت أهم شخص انفلاتي بالعيلة." أمال برأسه لمرات عمه ونظر بخبث:
"الكونتيسة سارة البنداري." رفع يديه لأبنة عمه الأخرى:
"آوه برنسيس فرح. آسف سموك، أصلكم كتير الصراحة مش عارف أبدأ من يونس ولا عدي ولا سليم." توقف ونظر لسيلين.
وأومأ بنظرة حنون إليها وأردف قائلاً:
"والله كان نفسي أحقق لك أمنيتك دي يا جدي العزيز بس للأسف ماليش نفس للجواز أو ممكن تقول كدا، جربت حظي مرة ومش هتتكرر تاني والبركة فيك." قالها ثم وقف مغادراً بخطوات نارية، كالنيران التي أشعلها جده بجسده.
بينما يونس نظر لصحنه ووجع قلبه الدامي لا يعلم كيف الجراح به. على الجانب الآخر نظر سليم لفرح ثم رفع نظره لجده.
"أنا آسف يا جدي مش هقدر أحقق طلبك أنا كمان. فرح أخت ليا ومستحيل أشوفها غير كدا."
رمقته والدته بنظرات التعاطف عله تجديه على عدم التحدث حالياً.
كانت سيلين تجلس ودموعها تنذرف على وجنتيها عندما استمعت لحديث جدها القاسي.
رمقها يونس بنظراته الحزينة. نزلت دموعها على صدره كقطع زجاج تقطع جلده لطبقات متألمة.
وقفت متجهة للأعلى. غادر المائدة خلفها بعدما وجد الأحاديث الجانبية بعد خروج راكان.
"سيلين." أردف بها بصوتاً هادئ.
أطرقت رأسها للأسفل تقاوم رغبة قوية بالبكاء. لماذا تصفعها الحياة بهذه القسوة؟
سحبها من يديها متجهاً إلى الخارج في غفلة من الجميع سوى فريال والدته التي همست لزينب.
"لمي بنت الـ... دي بعيد عن ابني بدل ما تنطردي يازوزو." قالتها بشماتة.
في جامعة القاهرة بكلية الهندسة.
تجلس تتابع شرح دكتور المادة بكل تركيز. فهي من الطالبات المتفوقات ودائماً من أوائل دفعتها.
كان يناظرها من حين لآخر. براءتها وجمالها الهادئ يخطف السلام النفسي لروحه.
رفعت نظرها عن دفترها التي تدون به بعض المعلومات المهمة. ووجدته يصوب نظراته اتجاهها وحدها. لكمتها صديقتها.
"أروى."
"الدكتور نور ماله مش منزل عيونه من عليك يا جميل." اتجهت بنظرها إليها:
"إيه اللي بتقوليه دا يا أروى، إنتِ عارفة أنا مش بتاعة الحاجات دي."
قاطعهم زميل لهما:
"درة ممكن أشوف كشكولك فيه حاجة معرفتش أدونها."
ناولته دفترها بكل هدوء. إلا أن ذاك الغاضب الذي كان يتابعها بعينيه الصقرية.
"ممكن المهندسين اللي ورا يركزوا معايا."
نفخت وجنتيها بغضب من صديقتها:
"جبتينا الكلام ياحضرة المهندسة."
بعد فترة من انتهاء المحاضرة، وأثناء خروجها، أوقفها صوته.
- باشمهندسة درة.
استدارت له وتساءلت:
- فيه حاجة يادكتور؟
أومأ لها برأسه. اتجهت له ووقفت بمقابلته.
- فيه حاجة يادكتور ولا إيه؟
رمقها بنظرة إعجاب ثم تحدث:
- لو فيه حاجة مش فاهماها ممكن أشرحهالك.
شكرته متعجبة من أمره.
- شكراً لحضرتك.. كله تمام بعد إذنك.
تحركت مغادرة. ظلت نظراته متشابكة بها إلى أن اختفت من أمامه.
بمكان آخر، يجلس بمكتبه يراجع قضيته. قاطعته مديرة مكتبه.
- فيه واحد بره عايز يقابل حضرتك.. بيقول عنده قضية.
رفع نظره من على الأوراق.
- خلي "سماح" تشوف قضيته إيه، أنا خارج دلوقتي عندي ميعاد ضروري.. وميت مرة أقولك يانرمين مدخليش حد بدون ميعاد.
- والله ياأستاذ حمزة حاولت بس هو أصر.
نفخ بضيق ثم جلس مرة أخرى.
- دخليه وقوليله عشر دقايق بس.
أومات برأسها وتحركت للخارج.
بعد قليل، دخل المدعو راجح.
- إزي حضرتك ياأستاذ حمزة... سمعت عنك كتير.. وعرفت أد إيه إنك محامي شاطر.. عندي قضية عايزك تترافع فيها.
أشار حمزة بيديه وتحدث بلباقة عمله.
- والله ياأستاذ أنا مشغول جداً.. ممكن تشوف حد تاني.
طالعه الرجل بنظرات توسلية.
- لو سمحت أنا عرفت عنك إنك شاطر في القواضي اللي زي دي.. وخصوصاً إن المنافس راجل متجبر ومبيعرفش الرحمة.
أشار بيديه وتحدث:
- سامعاك ياحج راجح.
جلس يستمع له باهتمام. بدأ الرجل يحدثه بحثثيات القضية فأردف قائلاً:
- فيه عيلة أخدوا مني قطعة أرض غصب... وعايز أرجعها.
خرجت الكلمات من فمه غاضباً، وأكمل.
- أنا معايا اللي يثبت إن الأرض ملكي.
- عايز ترفع القضية على مين؟
سؤال أردف به حمزة.
- جلال البنداري.
حجزت عين حمزة، فكانت الصدمة تجتاحه. ظل يستمع له باهتمام إلى أن انتهى.
- تمام، سبني أشوف أوراق القضية وأبلغك رأيي.
بعد قليل، في إحدى المحاكم، دخل بقامته المهيبة.
- حضرة المستشار راكان موجود؟
أومأ العامل بالإيجاب. فاردف إليه:
- قول له حمزة الغمري.
دخل المسؤول عن مكتب راكان.
- فيه واحد بره اسمه حمزة الغمري عايز يقابلك ياباشا.
- دخله حالاً.
بعد لحظات، دخل حمزة بابتسامته.
- حضرة وكيل النيابة اللي محدش بقى يشوفه.
ضمه راكان بمحبة.
- وحشني ياحمزة... إيه يابني مختفي ليه؟
رفع حاجبه بسخرية.
- أنا برضو اللي مختفي؟ ليه نوح ويونس مش واصلك أخباري ولا إيه؟
قطب جبينه وتساءل:
- نوح مش شفته بقالي أسبوع.. أما الدكتور الفاشل دا مبعرفش أتلايم عليه من كتر مصايبه.
قهقه حمزة وأردف بشقاوته المحبوبة لقلب راكان:
- لسه زي ما أنت.. يونس بصواريخه وأنت بغضبك وعصبيتك..... وبعدين مش عليا ياراكان.. أخبارك عندي يابتاع شط بحر الهوى والستات الحلوين.. أنا بسمع إنهم ناوين يلموك.
قوس راكان فمه.
- أيوه جينا بقى للنق يانص متر.. أنا باخد توفيق باشا على قد عقله.. بدل ما نقلب على بعض... المهم سيبك من توفيق البنداري وتخطيطاته.. وتعالى عايزك في موضوع ومفيش غيرك.
- ليه يونس راح فين؟
- يونس دا هاخده أرميه في البحر للحوت ياكله.. فيه بنت واكلة عقله والمشكلة إنها متجوزة.. ودماغه طايرة على الستات.
مط حمزة شفتيه.
- لا إلا المتجوزين مش سكتنا.
لكزه راكان.
- ماتتلم أنت كمان ياحلوف.. هلاقيها منك ولا جيمس بوند.
رفع حمزة حاجبه وتحدث مدافعاً عن يونس:
- والله يونس أحسن منك.. على الأقل بعرف ألمه.. منكرش مغامرته تدوخ.. بس يستاهل والله بيجيب ستات صاروخ أرض جو.
دفعه راكان بقلمه.
- ماتتلم ياحمار.. شايفنا قاعدين في ديسكو.. دي محكمة ولازم تحترم نفسك.. أصل ورب الكعبة هخليهم ياخدوك تحرش.
قهقه حمزة عليه.
- اهدى ياحضرة النايب اللي يسمعك يقول مقطع خصر الجامع... دا إحنا طبيخينه سوا.
رفع حاجبه بسخرية وأكمل.
- فينك يايونس والله أنت اللي في عيلة البنداري.
أُغيظ من أسلوبه المغلف المدافع عن ابن عمه، ولكن سرعان ما تحول لقهقه عندما تذكر بعض مناوشات مع يونس.
- سيبك من يونس ومغامراته.
- أخبارك إيه وإيه اللي رماك عليا النهارده؟
أجابه حمزة:
- ياسيدي أنا كان عندي مرافعة في المحكمة دي وعرفت حضرتك موجود هنا... فقولت أسلم عليك.. وكمان فيه موضوع يخص عمك جلال.
في فيلا خالد البنداري.
- جلست تتأكل من الغيظ.. شوفتي ياماما؟ يونس عمل إيه... سابني وطلع يجري ورا السنيورة.
ناظرتها عايدة بهدوء وهي تقلم أظافرها ثم نفختهم بضيق.
- اهدي ياحبيبتي... مش مهم بيعمل إيه.. المهم إنه هيرجع لمين ويتجوزها.
اتجهت فرح إلى والدتها.
- ماما إزاي سكتي إن سليم يتجوز يارا؟ حتة البت المفعوصة دي عايزة تاخد مني حب عمري.
وقفت عايدة متجهة للنافذة وهي تتحدث بحقد.
- كل حاجة معمول حسابها متخافوش... وسليم هيكتب عليكي يافرح.
ثم اتجهت بنظرها لسارة.
- أوعي تذلي نفسك قدام يونس فهمتي ياسارة؟ خليكي ملكة قدامه.. علشان يعرف مين بنت الحسب والنسب من بنت الشوارع.
جحظت عينا ابنتها وأردفت متسائلة:
- قصدك مين ياماما بكلامك دا؟
ضحكت بسخرية وهي تجلس تضع ساقاً فوق الأخرى.
- سيلين هانم.. ماهي مش بنت أسعد وزينب زي ماهم ماقرطسونا كدا.... دي بنت لاقينها في الشارع وكانوا مخبين على جدك وعلينا... بس إحنا عرفنا وأخيراً.. جت زينب تحت ضِرسِي.
قاطعتها فرح وتساءلت.
- علشان كدا جدو رفض يجوزها من العيلة؟ طيب ماكده عارف.
تهكمت عايدة وأجابتها.
- لا.. عشان سيلين نقطة ضعف راكان.. فهو عايز يضغط على راكان بسيلين.. واللي عرفته إن راكان خيّرُه بين جوازه وبين أنه يبعد عن سيلين.. ولحد دلوقتي هو بيحافظ على سيلين على إنها بنت ابنه.
هزت فرح رأسها بنفي وتحدثت.
- لا ياماما... فيه حاجة غلط... جدو عارف بدليل قالها أحمدي ربك إن خلفتك ولاد.. أنا إزاي ما أخدتش بالي.
قطبت عايدة حاجبها وتساءلت.
- قصدك إيه؟
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الثاني 2 - بقلم سيلا وليد
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
لا تدري أنها رحلت
وخلفت وراءها قلبا قعيدا
يتكئ على كتف فراق أعمى
قلب
سقط في جب يوسف
ولن تنجيه سوى رؤيتها وضمها
قلب مازال يرتجف شوقا
لا يدري
كيف يحتمي من برد رحيلها
وهي التي علمته معنى الدفى
***
دلفت إلى الصرح الضخم وهي تنظر بإنبهار
كان عبارة عن مبنى ضخم ذو واجهات زجاجية تعطيه رونقا خاصا وتصميمات هندسية دقيقة
دلفت تطالع الموظفين تجلى في عينيها الدهشة من النظام الدقيق من قبل العاملين به
اتجهت نحو المكتب الموجود بالطابق الأرضي
صباح الخير
لو سمحت أنا جاية علشان الوظيفة المطلوبة
رد عليها موظف الاستقبال التحية
وأشار لأحدهما
هتطلعي الدور السادس
دا مكتب الباشمهندس المسؤول عن مقابلة الموظفين الجدد
أومأت برأسها وشكرته متجه لوجهتها
بعد قليل بالأعلى وقفت أمام الموظف المسؤول عن توظيف المهندسين
نظر الرجل لها بعد إعجابه الشديد بقدراتها
لحظة وراجعلك يابشمهندسة
اتجه لمكتب سليم وقف أمام السكرتيرة
الباشمهندس فاضي
أجابته السكرتيرة بعملية
أيوه لسة قدامه نص ساعة على الاجتماع
طيب عرفيه إني محتاج أقابله ضروري
أومأت برأسها بالموافقة وبعد لحظات أشارت له بالدخول
بداخل المكتب كان يستند بظهره على المقعد وهو يحاول أن يجد حلا وسطا بين جده وراكان
الذي وصلت العلاقة بينهما للاصطدام ككل مرة يحدث بها اجتماعهما
دلف المهندس المسؤول عن توظيف المهندسين
حمحم عندما وجده شاردا في ملكوته
رفع نظره قاطبا جبينه
خير يامعتز فيه حاجة
أيوة يافندم
بالنسبة للإعلان المنشور لتوظيف مهندسين الديكور
من إمبارح وأنا بقابل المتقدمين
والنهاردة الحمد لله موجود دلوقتي تلات مهندسين وأنا محتار أختار مين فيهم
فلو ينفع تفضل بينهم
نقر على مكتبه وأردف متسائلا
إحنا محتاجين كام مهندس للوظيفة دي
والله يافندم إحنا محتاجين في كل قسم مهندسين على الأقل
أنا اخترت المعماريين
بس مهندسين الديكور دول اتقدم فيهم أكتر المبدعين
فتركت الاختيار لحضرتك
نهض يضع يديه بجيب بنطاله وتحدث
مش المفروض دا شغلك ولا إيه
حمحم معتز ثم تحدث آسفا
والله يافندم أنا محتار بين تلات مهندسين
التلاتة نفس المستوى ومحبتش أظلم حد
وبما إن حضرتك خبرة فقولت أرجع لحضرتك
أومأ سليم برأسه وأشار بكفيه
تمام يامعتز
دخلهم واحدة واحدة وبعد كدا هشوف مين اللي ممكن نستفيد بخبرته
أومأ معتز برأسه وخرج مستأذنا وبعد قليل وقفت ليلى أمامه بـ CV
دقق سليم بملفها رفع نظره لها
شهادتك ممتازة
لية ما اشتغلتيش بعد ما خلصتي
ابتسمت بهدوء وأجابته
لو حضرتك دققت أكتر هتعرف إني كنت بحضر دكتوراه في السنتين دول
والحمد لله لسة مخلصة من شهرين بس
فحصها بنظراته
ظل للحظة ساكنا يناظرها
فحمحم وتحدث بهدوئه المعهود
تمام يابشمهندسة
دلوقتي ممكن أقولك مبروك
منتظر إبداعك
أومأت برأسها وأردفت
شكرا لحضرتك واتمنى أكون قد المسؤلية يافندم
ضغط على زر الاستدعاء السكرتيرة
خدي المهندسة خليها تستلم شغلها مع المهندسة صابرين
وخلي محمد يشتغل في مكتب يافوز
تمام يافندم فيه أي أوامر تانية
لا شكرا يانورة
هاتيلي قهوتي
تحركت السكرتيرة مع ليلى إلى مكتبها الجديد الذي سيغير حياتها
***
في مكتب راكان
بعد قص حمزة ما حدث من راجح من قضيته مع عمه جلال
رجع برأسه على المقعد
بس عمي جلال مستحيل يعمل كدا
أنا أعرف أنه بيحب الفلوس بس مبياخدش حاجة مش بتاعته
زفر حمزة وتحدث بشك
أنا لو هقبل القضية هدور ورا عمك
ولو الراجل دا له حق متزعلش هضطر أتصرف
نقر راكان على مكتبه وبدأ يتحدث بشرود
خليني أشوف إيه اللي ورا عمي الأول
إنت عارف أنه له أسهم عايز يبيعها علشان يعمل شركة خاصة بيه على الأرض دي
وعلى العموم لو اتأكدنا إن الراجل دا كلامه صحيح فوقتها أعمل شغلك
عمري ما أدخل في حاجة مش من حقنا
وقف حمزة وأردف
تمام يابوص أنا قولت كدا بردو لازم تعرف قبل ما آخد أي قرار
دلوقتي أسيبك تشوف شغلك والموضوع بقى عندك ياسيادة المستشار
شوف ورد عليا بس متتأخرش
أومأ له راكان
تمام ياحضرة المحامي
بقولك أنا عازمك النهاردة على العشاء فيه
موضوع عايز آخد رأيك فيه
قطب مابين جبينه متسائلا
موضوع إيه ياراكان هتقلقني ليه
ضحك على صديقه وأردف مبتسما
فيه إيه يابني خوفت ليه كدا
هاخدك تحري ولا إيه
قهقه حمزة وهو رافعا يديه
وعلى إيه ياعم الطيب أحسن
وقف حمزة أمامه وحدق به
راكان مالك
فيه حاجة حصلت ولا إيه
وضع يديه بجيب بنطاله واتجه للشرفة وهو ينظر للخارج واسترسل بنبرة حزينة
جدي مش راحمني ياحمزة بيحاول يخنقني وأنا بحاول أتغاضى بأي طريقة
عشان سيلين وأمي
استدار يطالعه وأكمل بإبانة
تخيل النهاردة كان عامل اجتماع عشان يجوز العيلة في بعضها
اتجه ينظر إلى الفراغ بعينان تقطران ألما وملامح يكسوها الحزن فاردف مستطردا
لولا ماما ووعدي ليها
صدقني مكنتش رحمت حد
هم مفكرني نسيت الماضي
أو تقدر تقول أنا أوهمتهم بكدا
خيم الحزن على وجه حمزة فربت على كتفه وتحدث مواسيا
لازم تنسى الماضي عشان تعرف تعيش الحاضر ياراكان
أوعى تفكر تمثيلك عليهم بيفرق معاهم
ليه دايما بتحط صورة مش كويسة لنفسك قدام الكل
ارتسم تعبير مندهش ممزوج بالغضب واستدار يتحدث بإستنكار
علشان أنا كدا بالفعل ياحمزة
أنا واحد مش كويس
وبلاش إنت اللي تتكلم وتقول كدا
دا إحنا دفنينه سوا ياصاحبي
لا ياراكان إنت اللي دايما بتوهم نفسك وبتوهم اللي حواليك بكدا
بلاش تخليني أتكلم كلامي هيزعلك
احمد ربنا فيه اللي اتخان وقادر يقف على رجله
والله واللي حصلي مش خيانة
قولي ياحضرة المحامي هي الخيانة إيه في منظورك غير الطعن في الضهر
تحرك حمزة عندما وجد النقاش بينهما سيؤلم احدهما
أشوفك بالليل ياراكان لحد ما تروق
***
في مزرعة نوح
تجلس بمكتبها تراجع في بعض المراجع الخاصة بالنباتات
دلت إحدى العاملات
والد حضرتك برة يابشمهندسة وعايز يقابلك
لم تكد العاملة تكمل جملتها حتى تفاجئت من ذلك الصوت خلفها
صوتا تمنت أنها تنساه للأبد
أشارت للعاملة بالذهاب
دلف والدها وهو يبتسم بفخر
كدا يا أسوم بقى بابا ما وحشكيش ياحبيبتي
اشتعل غضبها بصورة كبيرة من حديثه فاحتدت نظراتها واختنقت أنفاسها
عندما تذكرت مأساتها من ذلك الأب الذي أقل ما يقال عنه سوى أنه أب في شهادة الميلاد فقط
جلست بمقابلته وشعور مقيت تشعر به اتجاهه
حاولت السيطرة على حالها فأردفت
خير يابابا إيه اللي فكرك بيا
بقالنا كتير متقابلناش
جحظت أعين والدها من مقابتلها الجافة كما وصفها
دي مقابلتك لبابا يا أسما بعد شهر
ثم رفع نظره وتحدث بحزن عله يستعطفها
وحشتيني يابنتي هتفضلي مقاطعة أبوكي لحد إمتى
أمتقع لونها وانسحبت الدماء من أوردتها
عندما علمت هدفه من كلاماته
بابا لو سمحت مهما تعمل وتقول أنا هفضل زي ما أنا مستحيل أتجوز
وزي ما حضرتك شايف أنا مرتاحة في حياتي
وقف والدها وحاصرها وهي تجلس على مكتبها
قائلا بنبرة شيطانية مستهزئا
أوعي تفكري يابت إنك علشان اشتغلتي وقعدتي لوحدك تقدري تمشي كلامك على أبوكي
لا فوقي كدا وأعرفي اللي واقف قدامك دا منير العشري يابت
وضعت يديها على أذنيها وتحولت نظراتها إلى الكره الواضح فأشتعلت عيناها كجمرتين من اللهب الحارق وصرخت بوجهه
كفاية بقى إنت مبتزهقش
كل شوية منير العشري بن حضرة الضابط كاظم العشري
وقفت واتجهت له وكانت لحظات غضبها استحوذت عليها فلوحت بيديها وهي تتحدث
أسما كبرت ياحضرة منير العشري
وبقت تعرف تاخد حقها من كل اللي أذوها
ماهو بنت الوز عوام
وأنا أحييك علمتني كتير أوي يامنير يا عشري
إقترب والدها وهو ينظر لها شرزا
وياترى يابشمهندسة أبوكي آذاكي في إيه لدا كله
المفروض تشكريني لولا اللي كنت بعمله مكنتيش وصلت لكدا
وبقيتي الباشمهندسة أسما العشري
ضحكت بسخرية وهي تلطم يديها ببعضها البعض
دا مفيش حد آذاني أدك للأسف
آه منكرش اني اتعلمت جبروتك واتعلمت آخد حقي
لكن خسرت كتير أوي
قاطعهم
دخول نوح
صباح الخير يا أستاذ منير
أزدرد ريقها بصعوبة تستجمع بعض الكلمات التي هربت من بين شفتيها بسبب حالتها من دخول نوح
أهلا يادكتور نوح الحمد لله يابني إنك جيت وحضرتنا
علشان عايز أشكيلك من الباشمهندسة اللي مقاطعة أبوها دي
نظرت لوالدها بعتاب بينما جلس نوح بمقابلتها ينظر لها بهدوء وتدارك توترها فتحدث
مزعلة والدك ليه يا أسما
إنكمشت ملامح وجهها بإمتعاض من إفصاح والدها بما يصير بينهما
ابتلعت غصة مؤلمة من نظرات نوح وأردفت
مفيش حاجة يادكتور سوء تفاهم عائلي بينا وهيتحل إن شاء الله
مش محتاج للغرب التدخل
مش كدا يابابا
أردفت بها وهي تنظر لوالدها حتى يخرجها من مأزقها الذي ألقاها به دون رحمة
مسح والدها على ذقنه بعلامة تفكير
كأنه يستغل خجلها من نوح
ثم أومأ بعينيه دلالة على فهم ما يشير إليه
فعلا يادكتور
ممكن يكون مفهمتش بنتي كويس
وقف نوح وابتعد ومازال مسلطا بصره عليها ثم تحدث
جيت أقولك يا أسما
استلمنا خيول جديدة
كنت عايزك تشوفيهم
وتخلي الدكتور عاليا تشوفهم كويس
ابتسمت بسخرية وكأن قلبها موشوم بالوجع الذي أهلك روحها من ذاك الرجل فأومأت إليه وهي ترمقه بعيونا حزينة
إن شاء الله يادكتور هكلم عاليا تشوفهم
ظل ينظر لها بعمق وثار تمرده عليها عندما وضعت حاجز بينهم ونادته بتكليف
مما أظلم عيناه عن وجعها وتوجه بحديثه لوالدها
بلاش تزعل الباشمهندسة ياعم منير
اقترب منير للخارج وهو يحدق ابنته ثم اتجه بنظره إلى نوح
إن شاء الله يادكتور
وزي ماقولت لحضرتك سوء تفاهم
***
بالجامعة عند درة
جلست بالكافيه الخاص بالجامعة تنتظر محاضرتها التي ستبدأ بعد نصف ساعة
وصلت أروى إليها تحمل كوبين من عصير الفراولة وجلست بمقابلتها.
- اشربي العصير دا هيروق دماغك وتعرفي تحلي الأسئلة صح.
مسحت على وجهها بعنف قائلة بإنفعال:
- والله يابنتي حليت زيهم كتير قبل كدا معرفش ليه دماغي واقفة كدا.
استمع عدي لحديثها صدفة الذي يقف خلفها، فأقترب.
- مالك يادرة بتتخانقي مع نفسك ليه.. قالها بإستهزاء.
نهضت تقف بمقابلته وصاحت بوجهه بغضب:
- ابعد عني ياعدي عشان متتهزأش زي كل مرة.
جذب مقعد وجلس بجوارهم وهو يطرق على الطاولة.
- وأنا بموت في التهزيق وخصوصا لما يكون من واحدة قمر زيك كدا.
أمسكت درة كوب العصير وسكبته فوق رأسه وتحدثت بشماتة:
- اووبس اصلي لقيت لو رديت على واحد ذيك يبقى برفع من قدرك وأنت الصراحة متساويش براية قلم رصاص من سوق الجمعة.
قالتها ثم جمعت أشيائها وسحبت كف أروى التي وقفت تنظر بذهول مما فعلته.
توقف جميع من بالكافيه وبدأو يضحكون بسخرية على هيئة عدي خاصة وهو يرتدي تي شيرت أبيض وسروال باللون نفسه.
ركل الطاولة وهو يصرخ بهم ويدفع البعض. اتجه سريعا لصديقه الذي كان ينتظره ليرى ماذا سيفعل بدرة. تحرك وجحيم غضبه يسيطر عليه. أمسكه صديقه الذي يدعى بأحمد.
- عدي!! أوقف رايح فين حانت اللي غلطت في الأول والكل هيشهد بكدا.
دفعه بقوة وهو يزمجر قائلا:
- هي متعرفش مين عدي البنداري ولا إيه والله لازم افصلها من الجامعة دي واخليها تروح جامعات الشحاتين.
قالها ثم تحرك سريعا متجها خلفها.
توجهت درة لقاعة المحاضرة وهي تضحك على مافعلته. هزت أروى رأسها وهي تشاركها ضحكاتها ثم تحدثت:
- بس دا مش هيسكت يادرة.. خلي بالك.
اتجهت وجلست بالبنش الذي يتوسط القاعة ووضعت ادواتها وأجابت صديقتها:
- دا واحد مغرور ويستاهل اللي يجراله.
قطع حديثهم دخول الدكتور نور. ولكن قبل أن يلقي التحية رأي ذاك الذي أسرع بإتجاه درة. ووقف أمامها وسحب يديها يجذبها بعنف.
- أنا هعرفك ياحيوانة إزاي تتجرأي وتعملي كدا.
اتجه الدكتور نور:
- إنت ياحيوان بتعمل إيه عندك... إزاي تعمل في زميلتك كدا.
رفع بصره للدكتور وأجابه بنبرات غليظة:
- آسف يادكتور... حساب ولازم نصفيه.
اتجه نور لدرة بنظرات مستفهمة.
هزت رأسها وهي تحرر كفيها من كف نور الذي يقبض عليه بقوة.
اتجه نور إليهما وتجمع كل من يوجد بالقاعة لفك شباك عدي ودرة. دفعه الدكتور بعيدا عنها.
ثم اتصل بأمن عندما علم بهويته ثم اتجه.
يسحبه اتجاه الأمن الذي اخدوه لعميد الجامعة. أستغل الوضع لصالحه وقام بتقديم شكوى بدرة.
شهقة قوية خرجت من جوف درة عندما وجدت الموضوع تطرق لرئيس الجامعة. هذا المعتوه حول الأمر لصالحه.
مسدت أروى على ظهرها وتحدثت بعيون مطمئنة:
- اهدي إن شاء الله البنات اللي كانوا موجودين في الكافيه هيشهدوا.
- أنا مش خايفة منه أنا خايفة من تقديراتي تتأثر بسبب المشكلة. قالتها بملامح مرتجفة وعينين زائغتين.
وصلت ليلى للحرم الجامعي حينما هاتفتها أروى وقصت عليها ماحدث.
ضمتها لأحضانها حينما وجدت حالتها المرثية وعيناها المتورمة فتحدثت بكلمات الطمأنينة:
- متخافيش حبيبتي محدش يقدر يأذيك.
تحركت متجة للداخل حيث مكتب رئيس الجامعة. دلفت بعد الإستئذان.
وجدت عدي يجلس وكأنه أبن من أبناء الوزراء.
القت التحية بإحترام. ثم أردفت بهدوء ووقار أمام رئيس الجامعة:
- بعد إذن حضرتك يادكتور.. ممكن أعرف اختي متحولة للتحقيق ليه.
رمقها عدي بسخرية وهو يوزع نظراته بين درة التي وقفت صامتة وبين ليلى التي تقف أمام رئيس الجامعة كمحامي في قاعة المحكمة.
- اتفضلي إقعدي ياباشمندسة.. أخت حضرتك تطاولت على الباشمندس عدي البنداري.
اتجهت ليلى تطالع عدي بنظرات تقيميه. رفع حاجبه ينظر إليها بطريقة مستفزة وهو يشير على قميصه.
- أختك سخرت مني قدام الجميع ودلقت العصير.
وقفت تطالعه لبعض اللحظات ثم اتجهت لرئيس الجامعة:
- هو اي حد يجي يشكي حد من غير دليل.. وبعدين مش يمكن حضرتك يكون قل أدبه.. طبعا آسفة في اللفظ.. لكن من المفروض حضرتك نسمع جميع الأطراف ونشوف الشهود الموجودين.
قاطعهم دلوف يونس أثناء حديث ليلى مع رئيس الجامعة.
نهض رئيس الجامعة يحيه:
- أهلا دكتور يونس... نورت الجامعة حضرتك.
اتجه يونس يطالع أخيه الذي يجلس وكأنه ليس المذنب. ثم تحولت نظراته لليلى ودرة.
جلس بعدما قام بفتح ذر بدلته وبعد حديثه فترة مع رئيس الجامعة أشار لأخيه ليحكي ماصار أمامهم.
كما اتجه لدرة:
- ومن حق الباشمهندسة تدافع عن نفسها وتقول مبرر لفعلتها دي.
تحدث بإبانة لدكتور الجامعة وعيناه مسلطة على ليلى.
أصل الصراحة مش كل مانضايق من كلمة واحد يقولها ندلق عليه عصير مش كدا ولا هايه.
مط شفتيه وطالع ليلى الصامته وأكمل حديثه:
- دا لو معاكي سكينة كان ممكن تطعنيه.. عشان ضايقك بالكلام.
حاولت ليلى السيطرة على غضبها وهي تضغط بقبضتها فوق ساقيها. ثم رفعت رأسها وابتسمت ابتسامة لم تصل لعيناها.
- طيب ليه حضرتك إن كل واحد يحترم نفسه ويعرف إن بنات الناس دول خطوط حمرا ومينفعش نستتقل بدمنا عليهم ونستخف ونرمي نفسنا ونقل أدبنا.
ولا عشان الدكتور له وزنه في المجتمع يرضى بتجاوز اخوه الغير أخلاقي.
أووبس. قالها يونس وهو يطالع شراستها. ابتسم تلقائيا على ردها ثم تحدث:
- إهدي حضرتك أنا مقولتش ان عدي مغلطش.
نهضت وتحدثت بهدوء حاولت اكتسابه ثم أكملت:
- حضرتك لو أختي غلطت من حقك تعاقبها بمجلس تأديبي زي ماحضرتك شايف. لكن تطاول في الأخلاق من الدكتور في حق اختي مش مسموح.
وقف يونس مبتسما على شراستها فأقترب خطوة يطالعها بهدوء. وجهها البرئ وعينيها التي تشبه عين الغزال بلونهما واتساعها. حدقها لبعض لحظات ثم اتجه لرئيس الجامعة.
- اعمل الل باشمهندسة طلبته يافندم.. ولو اخويا غلط يتعاقب. قالها وهو يرمق ليلى بإبتسامة تسلية ثم خرج.
بعد عدة شهور من عمل ليلى بالشركة.
خرجت من غرفتها بعد آداء روتينها اليومي.
قامت بتحية الصباح على والدها مقبله يديه ثم إتجهت لوالدتها.
- صباح الخير ياسمسم... عايزة منك دعوات تهد جبل ياماما النهاردة.
شاكستها درة بغمزة:
- ليه ياقلبي ناوية تقابلي صاحب الشركة المبجل ويقع في حب الاميرة.
لكمتها في ذراعها:
- بس ياهبلة خليكي في مذاكرتك.
عقد عاصم حابيه متطلعا لدرة:
- متقوليش كده تاني يادرة عيب ياحبيبتي الكلام دا.
تأسفت درة لوالدها قائلة بأسف حقيقي:
- مكنش قصدي يابابا والله احنا بنهزر.
مسدت ليلى على خصلات أختها.
- ولا يهمك ياقلبي. ثم همست لها.
على فكرة قابلته يابشمهندسة.
جحظت عيناها وأردفت بسعادة:
- قولي والله... ولسه ألوووون ياحضرة المهندسة العظيمة.
قاطعهم والدهم واردف متسائلا:
- فيه عندك إيه ياليلي النهاردة.
ارتجفت عيونها بقلق وأجابت والدها:
- هيختاروا أفضل تصميم للمدينة الجديدة يابابا.. ديكورات لبعض التصاميم ولبعض الفيلل والقرى السياحية.
ربت والدها على يديها:
- أنا واثق فيكي ياحبيبتي. حتى لو ماتوافقش على تصميمك خليكي فاكرة إن ربنا عنده الافضل. وإنك مجتهدة وناجحة.
قبلت رأسه وأردفت مبتسمة:
- أكيد يابابا ربنا مايحرمني منك ياحبيبي.
اتت والدتها بقهوتها.
- خدي اشربي قهوتك ياحبيبتي. على طول مستعجلة. قبّلت خديها:
- معلش ياماما يادوب أنتِ عارفة زحمة المواصلات. والنهاردة أول اجتماع سنوي لمساهمين الشركة ماينفعش أوصل متاخر.
في فيلا أسعد البنداري.
صباحا على مائدة الطعام.
يجلس والدهم ويتحدث بهدوء:
النهاردة الاجتماع السنوي للمساهمين في الفرع الجديد. اتجه بنظره لراكان الذي يتفحص هاتفه.
- لازم تحضر يابابا. وبلاش عصبيتك كل ماتتقابل مع جدك وعمك ياحبيبي لو سمحت.
رفع نظره من هاتفه وإتجه لوالده محاولا السيطرة على غضبه فتنهد متحدثا:
- بابا أنا مبتكلمش. بس حضرتك عارف إن جدي بيضغط عليا جامد. ياريت يتعامل معايا في حدود. هو مالوش علاقة اتجوز ولا لا. ومن الأفضل مايفتحش معايا الموضوع دا. ثم اكمل مفسرا.
- أنا عاقل مافيه الكفاية مش محتاج حد يقولي أعمل ايه.
لم يشعر بنفسه وهو يتحدث:
- الراجل دا عمري ماهسامحه على عمله وتدميره لحياتي.
نهض يجمع أشيائه الخاصة عندما تحجرت دموعه داخل جفونه حتى أصبحت ثقيلة.
وتحدث دون النظر لوالده:
- أنا بحاول أسيطر على نفسي قدامه صدقني عشان حضرتك بس. دا اللي مخليني راكان العاقل. أما غير كدا كان زمانه تحت التراب من تلات سنين.
قالها وبخطى متعثرة اندفع خارجا يركض للخارج بلاهدي إلى أن اصطدم بأحدهما.
صاح بغضب:
- إيه مش تفتحي. عقدت ذراعيها أمامها وهي ترمقه بسخرية:
- إظهار إن حضرة المستشار اللي ماشي مش واخد باله. حضرتك اللي خبط فيا. قالتها عايدة.
زمت شفتيها بملامح جامدة والتوت زواية فمه بشبه إبتسامة محتقرة:
- شوف إزاي وأنا اللي فكرت إنك الغلطانة. دنى يهمس إليها:
- لمي تعباينك أصل ورحمة أمي هخليكي تشوف أيام أسود من لون شعرك. مع اني مش متأكد من لونه الطبيعي.
رفع بصره لخصلات ذات الصبغة السوداء وأكمل مستهزءا:
- انما لونه يامرات عمي. قالها بإستهزاء وخرج بخطوات ظاهرها ثابت ولكنها متعثرة بوخز قلبه من طعنات الأقارب.
أسرعت فرح خلفه تناديه.
أشتعل نيران الغضب بعينيه ورغم ذلك تحرك ومتجها لسيارته. ولم يعري إهتمام للتي خلفه تحاول اللحاق به.
- راكان استنى خدني معاك. قالتها فرح وهي تتجه إليه.
- عديني على النادي عربيتي في التوكيل.
أجابها بحاجب مرفوع وزاوية فم ملتوية بإبتسامة هازئة:
- نعم ياختي. ليه حد قالك أنا بشتغل شوفير الصبح. قالها وهو يرمقها بنظرة حارقة ثم استقل سيارته وتحرك مغادرا بسرعة جنونيه وكأنه يطارد عدوه.
توقف بالسيارة أمام النيل وذكريات الماضي تطارده بقوة.
فلاش باك.
"منذ ثلاث سنوات".
بإحدى ليالي الشتاء ذات البرودة القارسة كان عائدا من حفل زفاف لإحدى أصدقائه بالأسكندرية هو وابن عمه يونس. داخل السيارة.
فتح يونس موسيقى هادئه وهو ينظر لقطرات المطر الغزيرة بالخارج فاتجه لراكان الذي يقود السيارة بحذرا شديدا بسب زخات المطر الشديدة ثم تحدث قائلا:
- بقولك ياراكي ماتيجي نبات هنا في أي فندق للصبح. الجو وحش أوي يابني وإنت شايف مفيش طيران للقاهرة دلوقتي.
توقف راكان بجانب الطريق. واتجه إليه:
- تعالى سوق شويه يايونس وبطل كلام. أنا عندي بكرة جلسة الساعة تسعة عارف دا معناه ايه. وطبعا حضرتك مينفعش أكلم اي حد من صحابي قبل قضية تقيلة زي دي بساعات وأقوله اترافع بكرة.
ترجل يونس من السيارة وهو يزفر.
اتجه سريعا لينجو من قطرات المطر. استبدل الأثنين مقاعدهما.
وفي أثناء سفرهما، كان راكان يشعل تبغه. فقام بفتح نافذة السيارة ينظر للخارج مع تنفيس تبغه. ولكن قطعه منظر لهروب فتاة من ذئاب بشرية وهي تصرخ. كانت تهرول بحثا عن النجاة من تلك الأوغاد، وهي تصرخ وكأنها تقطع أحبالها الصوتية. حاوطها بعض الشباب الذين لا يذكرون لصلة ببني البشر سوى أسمائهم فقط.
رفع راكان كفيه يحث يونس على التوقف.
"اقف يايونس بسرعة."
توقف يونس فجأة حتى اصطدمت أجسادهما للأمام.
"فيه يابني خضتني."
أشار بيديه على الشباب الذين يحاوطون الفتاة ويحاولون التحرش بها.
"شوف ولاد الكلب بيعملو في البنت إيه."
تحرك يونس بالسيارة.
"راكان دول شكلهم مجرمين وإحنا ممعناش أسلحة مش شايف ماسكين أسلحة بيضة للبنت أزاي."
ظل يقود السيارة وهو يرمقه ثم تحدث.
"وفيه بنت محترمة تخرج من البيت في الجو دا وفي الساعة دي... تلاقيها كانت متفقة على سعر واختلفوا.. فحبت تعمل كدا."
قالها بشبه ابتسامة سخرية.
هز راكان رأسه وصوت ضميره يصفعه. فهناك شعور يؤلمه والذي كان كالسكين ينحر عنقه من مظهر تلك الفتاة وهي تستغيث بأحدهم. بسط يديه وحول مجرى السيارة سريعا مما أدى ارتفاع صوت صريرها العالي وتهاوى أجسادهما.
صرخ يونس براكان.
"أكيد اتجننت مش كدا."
أشار بيديه على الطريق.
"ارجع بسرعة يايونس مفيش وقت.. مستحيل أشوف حاجة زي كدا واسكت.. إيه انت معندكش أخت يابني... مش خايف يتعمل فيها كدا."
أفرغ يونس شحنات غضبه من ابن عمه وهو يضرب على قيادة السيارة.
"مجنون وعايز تموتنا."
أشار راكان بعينيه للطريق دون حديث.
اتى يونس لفتح فمه للتحدث. رفع سبابته أمامه بغضب.
"ولا كلمه.. مش عايز ولا كلمة.. امشي بسرعة لسة هترغي."
بعد قليل وصلوا للمكان ولكن لا يوجد به أحدا.
ترجل راكان من السيارة يبحث بعينيه. فالمكان مظلم لغياب القمر والنجوم بسبب كثرة السحب السوداء التي تغطي سماء الأسكندرية بالكامل.
استدار لكي يعود وبداخله خيبة أمل وصوت ضميره الذي يؤنبه. ولكن تسمر بوقفته عندما استمع لصراخها مرة اخرى.
تحرك سريعا. ترجل يونس خلفه وهو يسبه يبحث عنه. وصل راكان للمكان الذين يحتجزونها به. حيث يوجد به نفوس البشر الحيوانية. انسدلت عبراتها وهي تضغط على جفنيها بألم لأقترابها من موتها الحقيقي لأنثى ستحطم حياتها من تلك الأيادي الخبيثة.
حاولت بكل قواها التحرر من قبضتهم.
صفعة قوية على وجهها أدت لضعف جسدها بالكامل حيث شعرت بتمزق روحها وعلمت إنها النهاية.
رفع أحدهم يديه وقام بتمزيق ملابسها ولكن وجد نفسه طائرا بالهواء. امسكه راكان ثم رفعه للأعلى تاركا إياه يصطدم بقوة بالصخرة حتى شعر بتهشيم جسده.
تراجعت الفتاة التي تدعى بشمس للخلف وهي تضم ركبتيها لصدرها وتبكي بشهقات مرتفعة وهي تضع يدها على آذانها كي لا تسمع شجارها. تحمد ربها لأنقاذها في الوقت المناسب.
حاوط الثلاث شباب راكان بأسلحتهم البيضاء وكلا منهم حاول النيل منه ولكن قوته الجسمانية وتدريباته القتالية ساعدته في تفاديهم. إنضم إليه يونس وبدأ الأثنين مقاتلتهم بكل قوة. ولكن رأى راكان أحدهم متجه ليونس من الخلف لطعنه. فجذبه من تلابيبه وابرحه ضربا وماكان على الآخر إلا أن طعنه. في هذه الأثناء وصلت الشرطة التي قام يونس الاتصال بهم بعد إصرار راكان على إنقاذها.
أسرع يونس لأبن عمه عندما جثى على الأرض وهو يمسك بطنه والدماء تلطخ قميصه الأبيض. ومياه الأمطار التي اختلطت بدمائه حتى شعر ببركة دماء أسفل راكان. جحظت عيناه وهو يضمه ويصيح بغضب.
"قولتلك بلاش."
"طالعه وهو يكاد يفتح عينيه."
"بطل ياغبي دي مطوة في البطن مش في القلب.. اتصرف.. هو إنت مش دكتور ولا سرقت الشهادة وبتضحك علينا."
فحصه يونس وهو يكز على شفتيه بغيظ.
"تعرف كان نفسي يقطعوا لسانك اللي بيرمي طوب دا."
شعر بالنعاس يداعب جفنيه ولم يقو على فتحهما. حاول فتح جفنيه.
فاتجه بأنظاره للفتاة المنكمشة بجانب الصخرة تبكي وهي تطالعهم لم تظهر ملامحها بسبب الظلام وكمية تساقط الأمطار.
وقف الضابط أمامهم ويونس يقوم بالأسعافات الأولية. وبعد بعض الأسئلة ووصول سيارة الأسعاف، رفع نظره ليونس وهمس بصوتا يكاد يسمع.
"اخلع الجاكيت بتاعك يايونس."
قام بخلعه سريعا يضعه على كتف ابن عمه ظنا منه أنه يشعر بالبرد.
ولكنه أشار على الفتاة التي تقف مع الضابط وهي تلملم ملابسها الممزقة بيديها وتبكي وهي تقص ماصار.
فهم يونس مايعنيه. فأسرع إليها ووضعه على أكتافها وهو يطالع ملامحها الباكية. كانت فتاة تبلغ من العمر اثنى عشرون عاما.
اتجهت إلى راكان ويونس عندما وجدت المسعفون يضعونه على السرير المتنقل.
"إنت كويس."
قالتها وهي تنظر إليه ودموعها تغرق وجنتيها. "شكرا ان شاء الله هتقوم بالسلامة."
حدثها يونس بعنف عندما اغلق ابن عمه جفنيه.
"بتعيطي ليه.. فيه واحدة محترمة تخرج في الجو دا والوقت دا."
قالها وهو يرمقها بنظرات محتقرة. ثم أسرع خلف راكان الذي دلف لسيارة الإسعاف.
بعد فترة من الوقت.
كان يونس يقف أمام غرفة العمليات ينتظر الطبيب. وتجلس الفتاة بجوار والدها الذي اتى بعد اتصالها به وهو يضمها لأحضانه.
خرج الطبيب. أسرع إليه يونس.
"ايه يادكتور طمني."
"كويس مفيش خطورة الطعنة كانت بعيدة على الأعضاء الحيوية.. هو اتنقل لأوضة ممكن تروحو تشوفوه بعد مايفوق."
قالها الطبيب ثم تحرك.
جلس يونس يمسح على وجه بعنف يكاد يقتلع جلده.
"الحمدلله عدت.. الحمدلله."
اتجه بنظره للفتاة ووالدها وهو يرمقهم بنظرات تفحصية. نهض إسماعيل والد شمس واتجه اليه. بسط يديه ليونس.
"أنا إسماعيل.. ابو شمس."
قطب يونس حاجبه متسائلا.
"مين شمس."
أشار والدها عليها وتحدث بعرفان.
"البنت اللي انقذوتها.. ربنا يبارك فيكم يابني وينجيكم دنيا وآخرة."
شعر يونس بالخجل من نفسه من عتابه على راكان فيبدو أنه تسرع في الحكم. فأومأ برأسه.
"إحنا معملناش حاجة... أي حد مكانا كان هيعمل كدا."
قالها ثم تحرك متجها لغرفة راكان.
بعد فترة فتح عينيه. كان يونس غافيا على المقعد بجواره. بينما في أخر الغرفة على إحدى الأرائك. تجلس شمس بجوار والدها تقرأ بمصحفها. نهضت عندما استمعت إليه وهو يتمتم.
"يونس."
ولكن يونس كان غارقا بنومه. اتجهت إليه ووقفت وهي تضم جاكيت يونس عليها وطالعته بعيون مترقرقة وتحدثت بشفتين مرتعشتين.
"إنت كويس.. عامل ايه.. أنادي الدكتور."
أطبق على جفنيه عندما شعر بألم بطنه وتحدثت بصوتا مرهق.
"إنت مين."
استيقظ يونس ونهض يسأله بلهفة.
"راكان إنت كويس."
أومأ بعينيه وتحدث وهو ينظر للفتاة.
"مين دي."
قوس يونس فمه بسخرية وأشار عليها.
"دي بنت عم القمر.. قالها غامز بعينيه لراكان."
طالعها راكان كانت تنظر بعينيها للأسفل وتفرك بكفيها.
دنى يونس منه وهمس.
"دي البنت اللي حضرتك عملت فيه فريد شوقي وانقذتها."
استيقظ والدها واتجه اليهم.
"حمدالله على سلامتك يابني.. مفيش كلمة شكر تعبر عن اللي عملتوه."
أومأ له بعينيه ومازالت نظراته تتفحص شمس التي لم ترفع عيناها عن الأرض.
فأردف متسائلا.
"عملتوا إيه مع الشرطة.. متخافيش منهم لازم تاخدي حقك.. علشان لو كل واحدة سكتت عن حقها في كدا.. هندي فرصة للزيهم يتمادوا."
رفعت عيناها التي تشبه مياه البحر فتقابلت عيناهما للحظات حتى ذهب بنومه مرة أخرى.
غادرت شمس مع والدها. وظل يونس بجواره ينتظره حتى يفيق كاملا. ولكنه غفى بمكانه.
أسدلت الشمس ستائر نورها الدافئ ولاتزال سماء الأسكندرية ملبدة بالغيوم تارة تحجب أشعتها وتارة تتغلب على سحبها السوداء فتنير الأرض.
اعتدل يونس وهو يمسك عنقه بسبب نومه على المقعد. نهض يفحص ابن عمه ثم جلس مرة اخرى ينتظر ايقاظه. أمسك هاتفه يتفحصه. واتسعت عيناه مما رأى.
فتح راكان جفنيه وحاول الأعتدال ولكنه تألم. ساعده على الأعتدال بعض الشئ ثم تسائل.
"حاسس بإيه."
أومأ له وأجابه بصوتا مرهق.
"أحسن الحمدلله.. تليفوني فين لازم أعمل مكالمة ضروري."
اعطاه يونس هاتفه وانتظر بعد إنتهائه من مكالمة عمله. ظل يطالعه بنظرات غاضبة.
"قول ماتقعدش تبحلق فيا كدا.. ولا أقولك أقوم خلينا نمشي.. أنا مبحبش المستشفيات."
ظل يونس صامتا للحظات ثم تحدث متهكما.
"انت عارف العيال اللي اتخنقنا معاهم فيهم ابن المسيري."
تجهمت ملامح السخرية بنبرته وهو يسأله.
"ومين البتاع اللي قولت عليه دا."
ارجع يونس خصلاته للخلف بغضب وتحدث.
"والله العيلة دي ماهتتبرى مني غير من أعمالك دي ياراكان.. استعد لنار جدك لما يعرف.. استعد ياحبيبي.. ولا اقولك ولا كأننا عملنا حاجة ولو حد سألني هقولهم انك اتسممت وعملت تنضيف معدة."
ابتسم بسخرية لم يستطع مدارتها وهو يعود بظهره على فراش المشفى للخلف مستندا على مرفقيه.
"قوم يابني يلا علشان نروح معرفش مخبوط على دماغك ولا مالك على الصبح.. عكننت عليا الهي ربنا يعكنن عليك دنيا واخرة."
نهض وهو يميل عليه هامسا.
"المسيري ياراكان.. اللي انضرب امبارح وعملناله قضية اغتصاب.. انت فاهم معنى القضية ياحضرة النايب.. يعني هيفتح علينا جحيم جهنم وياسلام لو جدك عرف.. دا هنولع قبل مانوصل."
هنا تذكر ذاك الرجل. فحاول النهوض يستند على يونس.
"طيب تعالى نمشي."
أومأ يونس برأسه.
"أحسن برضو .. لكن غريبة راكان يسمع كلامي من غير جدال.. إيه اللي ناوي عليه ربنا يستر."
وصل بعد فترة لسيارته بعدما أنهى يونس الأوراق الخاصة بالمشفى.
صعد للسيارة بهدوء بسبب جرحه وجلس بصعوبه ثم اتجه بنظره ليونس.
"روح على القسم.. عايز أعرف إزاي العيال دي طلعت في قضية أقل حكم فيها عشر سنين."
هنا صفع يونس على وجهه وظل يتمتم.
"احيه عليك ياراكان... وحياة ربنا أخرتي في العيلة دي على ايدك."
خرج من ذكرياته على رنين هاتفه. زفر متخذا نفسا ورفع الهاتف.
"أيوة ياسليم.. تمام."
قالها ثم أغلق هاتفه وقاد السيارة عائدا لمنزله. وبدأت أنفاسه في الاضطراب وخفقاته تتسارع في سباق حتى شعر بأنه سيفقد وعيه بسب ماتذكره من ماضي مؤلم لروحه.
وصل بعد قليل. ترجل من السيارة.
قابله والده توقف أمامه.
"مش هتحضر الأجتماع ياراكان.. براحتك يابني.. أنا هروح الشركة مينفعش سليم يكون لوحده."
ماهو مينفعش تكون تلات أرباع الشركة من نصيبنا وسليم يوقف لوحده في الاجتماع.
وقف أمام والده بجسد مستقيم رغم أحزانه التي تحرق قلبه فتحدث بصوت رصين:
- بابا عايز تروح اتفضل.. أنا هنزل بعد شوية.
سحب نفساً وطردها، حاول أن يتحلى بالجلد والصمود فخرج صوته معبأً بالألم:
- ياريت تكلم جدي يخليه بعيد عني زي ما كان بعيد عني السنين اللي فاتت لو فعلاً عايزني أروح الشركة.
زفر والده بحزن:
- يعني يابني زعلان من جدك وانت دلوقتي داخل على اتنين وتلاتين سنة يعني مش صغير زي ما انت لسه قايل.
هرب اللفظ من بين شفتيه فأخذ نفساً مطولاً:
- المطلوب من ابنك اللي داخل الخمسة وتلاتين إيه.. قالها عندما اختنق من إصرار والده.
مال والده عليه ينظر بحدقيتيه فتحدث قائلاً:
- أنا هتنازل عن مجلس الإدارة لحضرتك ياحضرة النايب.. واعمل حسابك مفيش اعتراض.. ماهو تعبي السنين دي كلها ميوقعش في الأرض عشان غضبك من جدك وهتكون جنب سليم لحد ما يعرفك مكنونات الشغل ورغم إني عارف ومتأكد إنك متابع كل حاجة.. بدليل شركتك وأرباحها اللي بتزيد.
ربت على كتفه وأكمل:
- راكان انت الكبير مينفعش سليم يدير الأمبراطورية دي كلها لوحده.. يونس وانت أدرى بعميله.. ونوح يوم في الشركة وعشرة لا.
سحب أسعد نفساً وطردها وأكمل بإبانة:
- أحنا أكتر ناس هتتضرر ياراكان.. متنساش النصيب الأكبر في المجموعة بتاعنا والمعظم عايز المجموعة توقع.
زفر بضيق وحنقه زاد بسبب ذاك العمل:
- حاضر هنزل الشركة مع سليم وكمان حضرتك ماتزعلش.. لكن لوي الدراع دا بلاش منه تمام.
أستدار بجسده يطالع والده.. ثم أشار بكفيه:
- عندي شروط لأستلام المجموعة.. وأولها.
- أي غلط من أعمامي وجدي صدقني العواقب هتبقى وخيمة على الجميع على الكل يابابا.. مش هرحم حد.
- تقصد إيه ياراكان.. قالها أسعد.
احتلت نبرته وأجابه:
- جدي لو فضل مصر يفضل مسيطر عليا وعلى اخواتي هطلع القديم والجديد صدقني مش هرحم حد.. خاصة سيلين.
تنهد أسعد بحزن وحاول أن يستجديه بعطفه على سيلين فاستغل نقطة ضعفه:
- طيب ياحبيبي لو فعلاً خايف على اختك من جدك سكته واتجوز بدل ما يحط سيلين في دماغه مكانك.. هو أهم حاجة عنده تتجوز.
اشتعلت عيناه كجمرتين من اللهب الحارق:
- طيب خليه يقربلها وشوف هعمل إيه.. أقسم بالله العيلة كلها ماتكفيني.
دنى أسعد منه بعد محاولته الفاشلة:
- طيب لو قولت عشان خاطر أبوك ياراكان.
- تسمع الكلام المرادي بس.. انت يابني على طول كدا.. نفسي أفرح بيك وأشيل ولادك.. ولا شايف دا كتير على باباك.
تنهد بحرقة شديدة وغاص في عتمة عناده وأردف بنفاذ صبر:
- بابا حضرتك شايف إني في مركزي دا.. استنى حد يختارلي شريكة حياتي.
ربت والده على يديه وتحدث بهدوء:
- انت مش كدا كدا هتجوز ماهو مش معقول هتفضل يابني من غير جواز.. خلاص اتجوز أي واحدة تعجبك ياسيدي وجدك يسكت.
صمت هنيهة يحاول تمالك أعصابه:
- حاضر يابابا هشوف موضوع جوازي دا.. بس ما أوعدكش حالياً ومش عشان جدي.. لا عشان زي ما حضرتك قولت جه الوقت اللي أعمل عيلة.
وقف وتحدث:
- أنا هطلع أغير وأنزل على الشركة حاضر.
قالها ثم تحرك للأعلى.
بعد قليل وصل للشركة دلف لغرفة مكتب سليم.
- نهض سليم وهو يرفع يديه يادي النور.. يادي الهنا.. والله الشركة نورت ياحضرة المستشار. قالها سليم وهو يرفع حاجبه بشقاوة أمام أخيه.
وقف بشموخ وبخطوات ثابتة متجهاً لغرفة الاجتماعات:
- عارف يابني مالوش لزوم أعرفك المكان اللي راكان البنداري بيدخله بيزيده شرف.
توقف سليم يقهقه عليه وهو يومئ برأسه ويرفع ذراعيه:
- اتفضل سمو الأمير على الرحب والسعة.
لكزه بكتفه ورفع حاجبه وأردف بفظاظة:
- إسمها اتفضل سمو الملك.. الأمير دا ابني اللي هجيي لما ندفن جدك إن شاء.
قوس فمه معلقاً:
- أصلي خايف لو اتجوزت دلوقتي أجيب ولد شبه.. كفاية عمك خالد.. تلاتة في العيلة كدا ممكن العيلة تولع.
توقف سليم ومازال يطلق ضحكاته على أخيه الذي خرج وهو جلس يجيب على هاتفه.
تحرك متجهاً للمصعد ولكن قطعه رنين هاتفه زفر بغضب وتوقف للايجاب:
- أيوة يانورسين.. أيوة في الشركة خلاص نازل. قالها ثم أغلق قائلاً:
- بنت باردة.. وعايزة قطم رقبتها. فجأة اصطدم بجسد أنثوي مما أدى لتساقط هاتفه.
جز على شفتيه السفلية ورمقها بنظرة سريعة:
- إيه قطر معدي.. براحة هدوسني قدامك.
رمقته بنظرة استخفافية.. وتقدمت بخطوات ثابتة بحذائها العالي الذي كأنه يتحرك على جمرات غضبه منها.. عندما لم تعره أي اهتمام.
أغضبه تجاهلها كثيراً فهمس بصوتاً:
- يخربيتها دا ولا كأنها شافتني.. لا ودخلت الأسانسير وسبتني.
وصل سليم يطالعه باستفهام:
- راكان واقف كدا ليه وبتبص على إيه. هز رأسه وتحرك عندما فتح المصعد.
بمنزل عاصم المحجوب.
دلت سمية زوجته وهي تحمل كوب من الشاي الساخن... وضعته بجواره وهو جالساً يقرأ بمصحفه.. أغلق المصحف يطالعها:
- فيه حاجة ياسمية. جلست بجواره وتحدثت بإبانة:
- فيه جمعية قدامي عايزة أدخلها عشان جهاز ليلي يا أبو ليلى البنت معدتش صغيرة وبكرة أبن الحلال يجي وقتها نقوله استنى معلش أصلنا مجهزناهاش.
رجع بجسده على المقعد وربت على ساقيها:
- ربك يسهل إن شاء الله حبيبتي.. وقتها ربنا هيعنا.
قاطعته مستطردة:
- ام محمود بتعمل جمعيات كبيرة وليلى ماشاء الله قبضها حلو ليه نستنى.. اهو أدخل بجزء من مرتبها والباقي يكون لدروس كريم.
أومأ برأسه وتحدث بإبتسامته حنونة:
- اعملي اللي أنتِ شايفاه صح يا أم ليلى.. ربنا يباركلي فيكِ يارب.
في شركة البنداري.
بعد أكثر من ثلاث ساعات في غرفة الاجتماعات يجلس جميع المساهمين.
وقف سليم أمام شاشة العرض الكبيرة وتحدث بعملية:
- طبعاً آخر صفقة أخدناها حققت أرباحاً هايلة.. وزي ما كلكم عارفين المشروع الجديد محتاج مننا أفكار جديدة.. للمدن الجديدة اللي صممناها وطلعت بالمستوى الممتاز.
اتجه بنظره لشاشة العرض وتحدث بإبانة:
- نيجي مثلاً لمدينة ( ) دا تصميمها أكتر من رائع والحمد لله يعتبر خلصنا حجز جميع الوحدات بيها.
دلوقتي محتاجين بس نصمم ديكورات جديدة لبعض القرى المحيطة بالمدينة دي.
أنا جمعت أفضل المهندسين اللي موجودين عندنا.. وكل واحد هيعرض فكرته وبناء عليه هتختاروا فكرة واحد فيهم.. ونبدأ نكمل فيها.. عشان في الإعلان الأخير عن المدينة نذكر كل المواصفات الداخلية والخارجية.. وبكده هنكون حققنا أفضل مكسب.
أومأ والده وعمه خالد وبعض المساهمين من خارج العائلة بالموافقة.
اتجه كل مهندس بعرض فكرته للمنتجع الذي أقامته الشركة من مدن جديدة يحاصرها قرى سياحية بإحدى المحافظات المطلة على البحر.. وضح ثلاث مهندسين أفكارهم.. فيما رفع سليم نظره لليلى لتوضح فكرة تصميمها.
نهضت ليلى للشاشة وهي ترتدي بدلة نسائية سوداء اللون وحجاب باللون الوردي... فظهرت بطلتها الخاطفة للقلوب.
رآها يونس الذي قام بالتصفير المنخفض:
- أيوه هو إنتِ.. مرحباً أيتها القطة الشرسة.. وأنا بقول شوفتك فين أتاريكِ في أحضان البندارية.
رمقه الذي يجلس بمقابلته بنظرة أخرسته.
اتجه ينظر بتمعن لتلك التي تقف بثقة أمام شاشة العرض مع بعض الرسومات التي قامت بتصميمها بدقة عالية... لتخرج بأجمل صورة وبدأت الشرح بطريقة عملية وجذابة للاستماع لوجهة نظرها.
أمال برأسه لسليم:
- دي مهندسة جديدة ياسليم ولا بقالها فترة هنا.
نظر إليه بصدمة:
- راكان بيتكلم عن واحدة معقول تكون عجبتك.. طيب الأهبل دا وعارفينه.
احتلت نظراته ثم رجع بنظراته إليها:
- أنا بسأل ياغبي عشان وقفتها دي وقفة واحدة مخضرمة بعملها مش عشان ملفته ولا حاجة.. أهي زيها زي أي بنت مفيش حاجة تميزها.
رفع يونس حاجبه ساخراً:
- فعلاً انت هتقولي.. فعلاً مفيش حاجة تميزها غير جمالها الهادي الملفت ولا صوتها الكرواني.
وقف يونس متجهاً إليها... يرمقها بنظرة سريعة واتجه بجوارها ينظر للجمع:
- أنا شايف إن التصميم دا أحسن واحد.. وبدأ يشرح وجهة نظره بعض النقاط الخاصة... وختم حديثه:
- طبعاً أنا مش مهندس ولا أفهم بشغلكم زيكم بس لو هنيجي نقارن هنشوف دا مثلاً.
أكمل راكان حديث يونس وهو يرمقه بتحذير:
- أنا مع يونس.. ثم وزع نظراته للجميع وهو جالساً بمكانه.
وبدأ يشرح بدقة وجهات الاختلاف بين أربع التصاميم... اعتماداً على دقته بوظيفته بأدق التفاصيل.
قاطعته نورسين ابنة أحد الشركاء:
- بس أنا أختلف معاك ياراكان وزي ما انت قولت انت مش مهندس... أنا كعملي بقول إن تصميم عامر أعلى.. دا تحسه Simple أوي والطبقات الراقية عايزة حاجات تانية.. ولا إيه يا عمو أسعد.
اتجه أسعد بنظراته لراكان الذي يجلس بهدوئه كأنه يعلم بأجابة والده:
- أنا مع راكان. ثم توجه لسليم:
- وبما إنك المسؤل ياسليم مقولتش رأيك. وقف سليم متجهاً إليهما.
وبدأ يشرح وجهة نظره هو كذلك... وافقه عمه خالد ومعظم الموجودين سوى نورسين التي نظرت لليلى بحقد على إشادة الجميع بعملها.
اتسعت ابتسامتها عندما أشادوا بعملها.
رفعت بصرها لراكان فتلاقت أعينهما سريعاً فشرد للحظات يتأمل حدقيتها الواسعة.. ولكن ذهب شروده لأمواج بحره الذي غدر قبل الوصول لشاطئه.. أستفاق سريعاً عندما استمع لبعض المناقشات حول التصاميم الهندسية الأخرى.
اتجهت ليلى لتجلس بمكانها.
أومأت بنظرها إليه تشكره على رأيه:
- شكراً لحضرتك.
هز رأسه وهو يطالع بعض الأوراق بيديه.
وتحدث بصوتاً رصين ولم يلتفت إليها:
- مفيش داعي للشكر.. انتِ عملتي شغلك كويس.. فاحنا وافقنا على أجمل تصميم.
ثم رفع بصره وحدق بمقلتيها:
- كان الأفضل تتأسفي مش تشكريني ياحضرة المهندسة.
تصاعد الغضب بداخلها، فتحركت تجلس بجوار زميلتها والغيظ يتآكل داخلها. فطالعته مرة أخرى وهو جالس وكأن ما يدور حوله لا يعنيه، فأردفت:
- عامل زي الطاووس دايما، فعلا واحد مغرور.
اتجه سليم إلى الطاولة التي توجد بها المخطوطات، بعد خروج المشاركين إلا من بعض المهندسين المسؤولين عن العمل.
أشار سليم إليهم جميعًا للتوجه للطاولة.
وقف سليم بجوارها، ونوح الذي اتجه لمكان تواجدهم على التخطيط الهندسي.
عقد نوح حاجبيه وهو ينظر إليهم وهم يتحدثون عن التصاميم الموجودة أمامهم.
فجلس أمام راكان وهو يرمقهم.
- أنا ماليش في شغل الهندسة ياراكي، تحس أنه معقد سبحان الله، ماليش غير في الذوق الجميل.
استدار راكان وأجابه:
- بالعكس يانوح، الهندسة حلوة وعملية جدًا، وكل ما تتعمق فيها تحبها أكتر. ربنا يسامحه اللي كان السبب.
ذهبت ذاكرته لذاك اليوم.
ضمته زينب بحب ودموعها تتساقط عبر وجنتيها:
- ألف مبروك ياحبيبي، مش عارفة أوصلك فرحتي إزاي يابني، ربنا يوفقك ويسعدك دايما ياراكان زي ما أسعدتني بنتيجة النهاردة وتكون الأولى على دفعتك. الفرحة مش سيعاني، وخصوصًا إنك هتحقق هدفك وتدخل الكلية اللي بتحلم بيها، مش كدا ياباشمهندس؟
اتجه توفيق بنظرة باردة إليه:
- جهز نفسك بقى علشان تدخل هندسة، وتتعلم كويس وسيبك من أحضان زينب اللي مش هتاخد منها غير الضعف. ثم صاح بغضب بها:
- ابعدي عن الولد يازينب انتِ، نسيتي نفسك ولا إيه، متنسيش إنه كبر دلوقتي وبقى راجل، مش طفل علشان تاخديه في حضنك كدا.
بكت زينب بنشيج وشعرت بدوار يضرب رأسها من كلمات توفيق السامة، فأجابته بشفتين مرتجفتين:
- أنا ياعمي هعلم ابني الضعف، وعايز تحرمني إني أضمه لصدري؟
رمقها بغضب ونهض وهو يطلق لها نظرات نارية.
- انتِ بتردي عليا يابنت الحصري؟ ورفع يديه حتى يصفعها، ولكن توقف راكان أمامها وتلقى الصفعة مكانها.
توسعت أعين توفيق من فعلة حفيده، فصاح بغضب:
- إنت عملت إيه ياولد؟
ابتلع ريقه بصعوبة وهو يضم والدته، ثم قال بهدوء مفتعل:
- لو شوفتك بتعمل كدا ياجدي في أمي وأسكت يبقى ما استهلش أكون ابنها، يبقى أنا واحد جاحد عاصي لبر الوالدين.
نظر بداخل عينيه ولأول مرة تمرد على جده، فتحدث:
- وقبل ما تقول اسطوانتك كل مرة، هتفضل أمي نور عيني لأخر لحظة في حياتي. قالها وهو يشدد على كل كلمة تخرج من بين شفتيه وكأنه قاصد استفزاز جده.
صفعة أخرى هوت على وجنتيه وصاح بغضب به.
صرخت زينب بأعلى صوتها:
- "راكان!"
رفع نظره إليها بنظرات جحيمية فأخرصتها، ثم لوح بيديه:
- هستنى من تربية زينب إيه غير واحد عديم التربية زيك، هي بنت الحصري بتعرف تربي؟ رفع سبابته.
- أسمع ياولد، متفكرش نفسك علشان خلصت الثانوي هتكون كبرت عليا، إنت هتعمل اللي هقوله وبس وإياك تاني توقف قدام جدك بعدم احترام.
هتجهز ورقك وتقدم في الهندسة ودا أمر من توفيق البنداري، وخلي بالك عيني عليك.
وصل أسعد إليهم يوزع نظراته بينهم.
- مالكم واقفين كدا ليه؟
رمق راكان جده.
- بابا أنا مش هدخل هندسة.
صاعقة أصابت زينب وهي تهز رأسها بالرفض لما نطقه راكان، بعيون مترجية.
- حبيبي متخليش انفعالك يخليك تاخد قرارات تندم عليها طول عمرك وأنت بتحلم بالهندسة.
نظر بداخل عين جده وأردف بإصرار:
- كان زمان ياماما، دلوقتي لا. قالها بصوت مرتفع.
قهقه توفيق بسخرية فأردف:
- ومين اللي هيخليك تعمل كدا ياولد؟ دنى من والده ونظر إليه.
- بابا، وأنا وغير كدا محدش له سلطة عليا.
نهض توفيق سريعًا يحاول الفتك به، ولكن توقف أسعد أمام والده.
- بابا لو سمحت حضرتك بتعمل إيه، حضرتك شايف إن راكان طفل علشان تضربه؟
- لا متخافش من الحتة دي يابابا، لأن جدي قام بالواجب وزيادة. أنا مش هدخل هندسة ودا أخر كلامي. قالها ثم اتجه يقبل رأس والده، يطالعها ملامحها الحزينة بأسف.
- سامحيني، نوع الكلية مش تقييم للإنسان ياماما، تقييم الإنسان بنجاحه اللي بوصله.
قالها ثم تحرك للأعلى.
خرج من ذكرياته وتلألأ الدمع بعينيه، وقف سريعًا متجها لشرفة الغرفة وأخرج تبغه ينفثه بدخان غضبه الماثل بصدره.
جلست ليلى مع زميلتها وزميلها عامر وبدأوا يتحدثون عن التصميم ويطبقون الملاحظات. ابتسم عامر على ذكائها.
- فعلاً ليكي حق يادكتورة إنك ما تحبيش شغل الجامعات.
امسكت قلمها وبدأت ترسم خطوط عريضة وتتحدث وهي تعمل.
- لو اشتغلت في الجامعة هفضل دكتورة بدرس للطلبة من غير تجديد. رفعت نظرها له وأردفت مفسرة:
- يعني روتين ممل، أما شغلي الحر دا بيحب الإبداع والتغيير، وكمان ممكن أدرس حاجات كتيرة وأطبقها، فهمتني؟
صفق بيديه وأردف مهنئًا بسخاء:
- برافو ياليلى. اقترب وهمس لها: تسمحيلي أقولك ياليلى بدون ألقاب؟
قاطعهم سليم:
- عامر شوف التصميم دا وراجعه كويس مع نورسين.
اومأ عامر برأسه وخرج وهو ينظر لليلى.
- هستناكي في مكتبي.
استغربت حديث عامر، ورغم ذلك نظرت لبعض الأوراق التي توضع أمامها.
كان يقف بجوار النافذة يراقب ما يحدث مرة وينظر لمرور المارة بالخارج، وهو ينفث تبغه. سالت قطرة ضعف من عينيه على ذكرياته المؤلمة.
رفعت نظرها إليه وكأنها ترسمه بملامحها.
شخص هادئ بملامح غامضة، ملامح يكسوها الوجوم، ملامح ثابتة جامدة على عكس طلته الجذابة، شعره الناعم الغزير مع لحيته، ولون عيناه التي تتغير بتغير ملامح وجهه. اقتربت نورسين منه وهي تضع يديها على ذراعه.
- الشركة نورت ياراكان، مصدقتش لما يونس قال إنك هتنزل وكمان تستلم الشغل.
التزم صمته وهو ينظر للخارج، أما هي فقد راق لها التقرب منه والتلذذ بملامحه الرجولية التي توصف بوسامتها. رفعت كفيها تلامس وجنتيه.
تراجع للخلف وهو يرمقها شرزًا.
- اتجننتي، إحنا في المكتب بين الموظفين.
توسعت ابتسامتها:
- سعيدة أوي بوجودك ياراكان بجد.
رفع حاجبه ورسم بسمة سخرية:
- أفهم من كدا إنك مبسوطة من وجودي. اقتربت وطوقت ذراعه وهي تقترب منه حتى أصبح لا يفصل بينهما انش واحد.
- أوي ياراكان، إنت عارف أنا بتمنى كدا من زمان.
مط شفتيه للأمام وناظرها بهدوئه الغامض، ثم رفع يديه يزيح خصلاتها المتمردة من على كتفه.
- هنشوف يانور، قعدتي في الشغل هتعمل إيه.
تحركت ليلى متجهة لسليم عندما أشار بيديه إليها:
- شوفي المنتجع دا عايزه عالمي، حاجة تخص اسم البنداري.
أمسكت بعض المساحات التي عرضها سليم أمامها.
- تمام، هشوف الباشمهندس عامر ونشتغل عليه.
قاطعهما راكان ونورسين:
- سليم أنا هروح على المكتب، بس بلاش شغلك انت ويونس وتلمولي شغل الشركة كله وتعملوا عليا خبراء.
جذب التصميم من يد ليلى.
- دا بتاع نورسين مش كدا؟ اتجهت نورسين له وابتسمت ثم تحدثت بفخر.
- والله ماهو إنت عارف أهو.
- شوف ياسليم التصميم دا مش عاجب اخوك بتاع القانون. ثم توقفت تنظر له.
- انت عرفت إزاي صحيح، دا من بين تصاميم كتير.
تحرك وهو يتحدث.
- نور أنا مش مجرد كرسي بتفرج على الموظفين، عارف كل واحد بيعمل إيه.
أوقفه سليم.
- استنى ياراكان، لسة بيظبطوا لك المكتب، مكنتش عامل حسابي إنك هتداوم النهاردة، خليك معايا هنا لحد ما يخلصوا.
جذب مقعد بجوار سليم وجلس دون حديث.
دلف المهندس المختص بالتنفيذ.
- مهندسة ليلى ممكن حضرتك تيجي نتناقش التصميم.
أشار له سليم.
- تعالى هنا ياآسر نراجع مع بعض، علشان من أول الأسبوع نبدأ التنفيذ.
جلس آسر وبدأ يعترض في بعض النقاط. اتجه سليم إليهم.
- بعدين نشوف، أنا تعبت. اعتذرت ليلى.
- لازم نخلص، مش معقول تصميم الانتهاء هياخد أكتر من شهر.
كان يطالعها بعمق.
- فتاة ذكية منمقة بعملها، حاصلة على أعلى الدرجات، واثقة بنفسها بدرجة عالية، أسلوبها وحديثها وإقناع الغير بوجهة نظرها بطريقة سلسة، ناهيك عن حجابها الذي أعطاها هالة من النور.
قطع شروده بها عندما تحدث آسر.
- ليلى عندها حق.
رفع بصره لأيمي المهندسة الأخرى.
- ممكن ناخد ريست ونكمل.
وصل يونس إلى مكتب سليم وهو يرمق ليلى.
- سليم أنا ماشي، عندي عمليات كتيرة وماليش في جو العكننة دا.
قالها ومازالت نظراته مثبتة على ليلى.
- استنى يايونس، فيه موضوع مهم لازم نتكلم فيه.
قطب جبينه وتساءل:
- هتتأخروا يعني؟
رفع نظره لساعته.
- نص ساعة بالكتير.
تنهد ثم جلس بجوارهم وهم يتناقشون. انتبه يونس لحديث ليلى، فابتسم وتحدث.
- بقولك يا... قالها يونس وهو يطالعها بهدوء.
رمقته ليلى باستخفاف وأجابته.
- "اسمي ليلى".
طيب يابشمهندسة ليلي ممكن تبعتي التصاميم لمكتب المهندس التنفيذي وسليم هيتعامل، وزي ماقولتي مش معقول هنفضل علشان حتة انتهاءمن تصميم اليوم كله، غير إني جوعت والله. أنا بقول نطلب بيتزا إيطالي، واقعد آكلها هنا معاكم وأسك على العمليات النهاردة.
في الجامعة وخاصة كلية الهندسة.
- خرجت من المدرج مع صديقتها أروى.
- الحمد لله كنت خايفة أوي من موضوع عدي البنداري، لولا دكتور نور ربنا يباركله يارب أنقذني. وطبعًا ليلى شغالة عندهم، ربنا يستر. واحد مستفز، لازم أروح أشكر دكتور نور.
ضحكت أروى مازحة.
- ليكون معجب ياغزال؟
لكمتها بكتفها.
- عيب ياأروى، ماتقوليش كدا، مهما كان دا دكتور. اتجهت الفتيات إلى الكافتيريا.
جلستا مطالبة مشروبهما الذي هو عبارة عن قهوة سريعة التحضير الكابتشينو.
اتجهت مها طالبة من فرقتهما.
- أهلا يادرة، عاملة إيه؟ سمعت عنك كل خير النهاردة.
رفعت درة نظارتها الطبية وتحدثت.
- "فيه إيه يامها مالك؟"
جلست أمامها واضعة ساق فوق الأخرى.
- إلا نور يادرة، سبتلك شباب الدفعة كلهم وبما فيهم عدي البنداري.
ضيقت درة عيناها ونظرت لأروى رافعة أكتافها.
- مالها دي ومين نور دا؟
وقفت مها مردتية حقيبتها.
- متستهبليش يادرة، مش علشان إنتِ حلوة شوية تتغري بنفسك فيه أكتر منك حلاوة ياقلبي، أنا بحذر مرة واحدة، شاووو.
في شركة البنداري.
اتجه راكان إليهم بعد ساعتين، بعد تركهم وذهابه لعمله بمكتبه. ذهل من استمرار عملهم.
- سليم لسة كتير؟
أشار سليم بالجلوس وهو مازال يتحدث بالعمل.
جذب المقعد وجلس بجوارها. ارتفع صدرها بشهيق طويل من قربه ورائحته أنفاسه الممزوجة بتبغه وعطره التي تسللت لرئتيها حتى منعت تنفسها.
- شوف ياسليم، الوقت واحسب عليه وحاول الشغل كمجموعة بلاش الفردية دي، أنا شايف كل مهندس شغال على حدة.
كانت ترمقه بين الحين والآخر بنظراتها التقييمية.
أجابت عن كلماته وهي تنظر لسليم.
- حضرتك كل اتنين شغالين على تصميم معين.
نظر إليها صامتاً وانتظر حديث سليم.
- إحنا يعتبر أوشكنا يا راكان.
نهضت توضع التصميم أمام سليم. فكانت قريبة منه حتى لامست ثيابها وجهه.
- أنا خلصت شغلي المطلوب حالياً وممكن أكمل الباقي في البيت ياباشمهندس. حضراتكم ممكن تشوفوا المناسب.
- خلاص يا ليلى. انتي خلصتي الجزء الأكبر وأنا ممكن أساعدك في الباقي في البيت. وهخلي عامر يراجع بتاع المهندسة نورسين.
نهضت وهي تلملم أشيائها. عندما أذن سليم إليهم بالانصراف، تحركت ولكنها نسيت هاتفها بجواره على الطاولة. ولكنها تسمرت فجأة.
- ليلى. قالها راكان، متجه بنظره وهو يرفع يديه بهاتفها. فتحركت إليه ونبضاتها تتخبط بعنف بين ضلوعها وكأن قلبها سيخرج من صدرها. جذبت الهاتف من يديه وأردفت.
- شكراً لحضرتك يافندم.
أومأ برأسه دون حديث.
كان سليم جالساً على مكتبه وهو يرمق يونس بنظراته الغامضة.
- هتفضل هلاس لحد إمتى؟ مالك ومال ليلى؟
غمز بعينيه لسليم واتجه بجوار راكان يربت على ساقه.
- نورت الشركة والدنيا كلها يا راكان، إنما مقلتليش:
- إيه رأيك في الشغل ياحضرة المستشار؟
رمقه سليم بغيظاً عندما تجاهل سؤاله.
رجع راكان برأسه للمقعد وأغمض عينيه.
- أنا بزهق بسرعة من شغلكم ده.
دلف العامل بقوتهما.
- وضع القهوة وتحدث.
المهندس آسر بيقول لحضرتك هيخلص الشغل بتاع المهندسة ليلى وهيبعته لحضرتك.
عند أسما بالمزرعة.
كانت تتحرك بين الخيول هي والدكتورة البيطرية عاليا ويتحدثون عن احتياجهم.
توقفت أسما عندما استمعت رنين هاتفها. ابتسمت حينما وجدتها ليلى.
- لولة حبيبتي وحشتيني أوي كدا من يوم حفلة نوح ماتقابلناش.
كانت ليلى تستقل سيارة أجرة عائدة لمنزلها.
- وإنتي كمان يا أسومة وحشتيني أوي. آسفة ياباشمهندسة. وقتي بقى ضيق بس وعد هحاول أعمل أجازة وأقضيه كله في المزرعة وأهو أقعد مع نوح شوية.
سحبت نفساً طويلاً وزفرته ثم تحدثت.
- أسما أنا قابلته النهاردة.
قطبت أسما حاجبها وأردفت متسائلة.
- هو مين دا اللي قابلتيه يا ليلى؟
نطقت بصوتاً ممزوج بمشاعرها التي جاهدت طويلاً لدفنها بداخلها.
- راكان يا أسما، اتقابلنا النهاردة.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الثالث 3 - بقلم سيلا وليد
لو سمحت عايزة أعرف بابا فين.
نهض الضابط مضيقًا عينيه فتساءل:
- إنت بتسألي على مين.
قاطعه آسر عندما ردف:
- الشرطة من ساعتين قبضوا على واحد اسمه عاصم المحجوب بتهمة الاختلاس وعرفنا أنه هنا.
أومأ الضابط برأسه ثم تحدث:
- آه دا شكله مزنوق عليه من ناس واصلة. ياريت تجيبوله محامي كويس، أصله دخل على وكيل النيابة على طول.
قطب آسر حاجبيه وتساءل:
- ممكن توضح أكتر.
جلس الضابط وهو ينادي على المسؤول عن مكتبه (العسكري):
- ياعسكري، وديهم مكتب وكيل النيابة يابني، في قضية الراجل المغتلس.
أرتجفت أوصالها من حديث الضابط ووصف والدها بالمغتلس.
تحركت سريعًا خلف الشرطي إلى أن وصلت الغرفة المنشودة. فأشار الشرطي:
- دا مكتب وكيل النيابة، وقت مايخلصوا هيطلعوا، خليكوا هنا.
تحركت ليلى متجهة لباب المكتب. جذبها آسر:
- ليلى بلاش تهور، استني نشوف إيه اللي هيحصل. استني نشوف مين وكيل النيابة، وأنا هكلم صاحبي ممكن يدخل ونعرف المشكلة.
قاطعهم خروج والدها ومتألمًا بيديه السلاسل الحديدية. أسرعت إليه وهي تضمه وتبكي بنشيج وقلب محترق:
- بابا حبيبي، إيه اللي حصل ومين اللي عمل كدا.
جذبه الشرطي:
- اتحرك يامتهم يلا.
بكت ليلى وهي تجذب والدها وصاحت بغضب مرتفع:
- بابا مش متهم، وأبعد ايدك عنه.
قالتها بقهر. رفع آسر نظره للعسكري:
- مين وكيل النيابة هنا؟
- المستشار راكان البنداري، هذا ما قاله الشرطي.
ضمت ليلى والدها وظلت تبكي وتدفع العسكري. حاول آسر التحدث مع العسكري ولكنه جذب والدها بعنف. صرخت ليلى:
- بابا مش هسيبهم ياخدوك.
ربت على ظهرها وأردف بنبرة حنونة:
- حبيبتي ماتخافيش، أنا كويس. روحي وطمني ماما زمانها قلقانة، والسكر بتاعها علي عليها.
هزت رأسها بالرفض وبدأت تصرخ في وجه الشرطي:
- سيب بابا، بابا مظلوم.
دفعت الشرطي من أمامها بقوة وهي تصيح بغضب:
- بابا حبيبي مين اللي عمل فيك كدا.
أدى صوت صراخها إلى خروج راكان وهو يتساءل بغضب:
- إيه اللي بيحصل هنا، إيه الدوشة دي؟
أسرعت ليلى إليه وهي تزيل دموعها بكف يديها كالأطفال:
- لو سمحت يافندم بابا بريء، بابا مستحيل يعمل كدا.
طالعها بغموض وتساءل:
- إنت مين وباباك مين؟
أسرعت لوالدها وهي تجذبه ناحية راكان ودموعها مازالت تتساقط بقوة. رفعت بصرها إليه وتحدثت بعيون راجية:
- والله بابا مظلوم، عمره ما يعمل كدا.
عقد حاجبيه وتحدث:
- آه قولتيلي بابا مظلوم.
أشار للعسكري:
- خده على الحجز، هو أي حد يعيط شوية وينزل دموع التماسيح يوقفه. دا متهم والقانون هيحاسبه على جريمته، اتحرك.
توسعت بؤبوتها وهي تنظر إليه بسخط. تحركت إلى أن تقلصت المسافة بينهما وهي ترمقه بازدراء:
- لا يافندم مش كل واحد يعيط يبقى مظلوم. ولو تفكر أنا بستعطفك بدموعي تبقى غلطان.
بنبرة مختنقة تحدثت:
- أنا أبويا أشرف راجل في الدنيا، مش محتاج دموع التماسيح اللي حضرتك بتقول عليها.
صمتت برهة ثم أكملت:
- مش مستنية رأي حضرتك في أبويا عشان تقول عليه متهم.
في تلك الأثناء وصل نوح إليهم:
- ليلى إيه اللي حصل؟
رفع بصره لراكان واتجه إليه ليسلم عليه، ثم تحدث:
- فيه إيه؟ وايه تهمة عمو عاصم ياراكان؟
قطب راكان حاجبيه وتساءل:
- أنت تعرفه؟ دا متهم بالاختلاس في الشركة اللي بيعمل فيها.
أسرعت ليلى إليه وبدأت تصيح كالمجنونة:
- حضرتك ليه مصّر تقنع نفسك واللي قدامك إن بابا متهم. بابا أنضف واحد، ومستحيل يقبل على نفسه يأكلنا بقرش حرام.
مسحت دموعها بغضب لتتساقطها أمامه وأكملت:
- مش من حق حضرتك تقول عليه متهم غير لما تتحقق، مش كل بلاغ نرمي الناس بيه بالباطل ياحضرة النايب.
قالتها بعيون حزينة. وضع يديه بجيب بنطاله وهو يطالعها بهدوء:
- وطي صوتك، أنا مقدر حالتك، لكن والدك حرامي.
- اخرس، قالتها بضجر. آهات ملتاع صاحبتها نبرة مرتعشة وعينيها تطلق شرزا.
- أنا بقول لحضرتك لو سمحت بلاش تظلم بابا، ولا إنت تبعهم، ماهو أكيد تبعهم.
توقف نوح أمامها عندما وجد حالتها:
- ليلى اهدي، دا قسم شرطة، اتمالكي أعصابك لو سمحتي.
قالها نوح بنظرة رجاء من عينيه ثم هز رأسه:
- أنا هعرف إيه اللي بيحصل تمام، ممكن تهدي.
رفعت يديها نحوه وصاحت بغضب:
- أهدى إزاي يانوح وهو عمال يقول بابا حرامي؟ يعرف إيه عن أبويا عشان يقول عليه كدا؟ هو عشان وكيل نيابة يدوس على خلق الله بالباطل؟
توهجت عيناه قائلا بغضب ولهجة صارمة:
- صوتك، يابنت، أبوكي هنا متهم.
تحركت بغضب وهي تكاد أن تقبض على عنقه حتى لم ولن يتفوه بكلماته القاتلة لقلبها. جذبها نوح وحاول تهدئتها:
- وبعدين ياليلى؟
طلعتوه بعينيها الباكية وتحدثت بصوت باكي:
- أنت ممكن تصدق يانوح إن بابا حرامي؟ بابا مستحيل يعمل كدا. تلاقي حضرة النايب تبعهم، لكن ماتخافش ياحضرة المستشار. لينا ربنا أحسن منك ومن غيرك، وأنا هعرف أطلع أبوي.
دلف راكان لمكتبه وهو يصيح بغضب:
- البنت دي لو مابطلتش تصرخ وقفت بوقها هحبسها، نوح سكتها يا أما خليها تمشي من هنا.
قالها مزمجرا بغضب. هز نوح رأسه بالرفض من أفعال ليلى، فجذب كفيها وأجلسها، وطلب كوبًا من الماء:
- ليلى ممكن تهدي، أنا أوعدك والدك مش هيبات في الحجز، هدخل أشوف راكان وهطلعلك.
نظرت إليه بأمل وبعيون مترجية:
- نوح بابا ممكن يحصله حاجة لو بات هنا، إنت أكيد مصدق أنه مش كدا.
رفع بصره لأسر الصامت:
- خليك معاها، وأنا هدخل أشوف راكان.
أومأ رأسه بالموافقة.
داخل المكتب، دلف نوح ووجده عيناه كالجحيم:
- إيه البنت قليلة الاحترام دي، إزاي تعلي صوتها كدا. وحياة ربنا لولا وجودك لكنت حبستها.
تبسم نوح وهو يرمقه بنظراته المستعطفة:
- إيه ياحضرة النايب أول مرة تشوف بنت كدا. المهم سيبك من ليلى.
- إيه موضوع الاختلاس دا، الراجل دا عمره ما يعمل كدا.
أشعل تبغه وبدأ ينفثه بهدوء ناظرًا لنوح:
- تعرفه منين يانوح؟
مسح نوح على رأسه وأرجع خصلاته بغضب من برود صديقه:
- راكان متهزرش، بلاش برودك دلوقتي وقولي الراجل دا اتحبس ليه.
سند بذراعيه على المكتب وهو يرمق نوح:
- عشان حرامي ومتسمعش كلام البنت اللي برة دي، ودلوقتي هتقولي إيه علاقتك بالراجل الحرامي دا؟
هب نوح كالملسوع ولوح بيده:
- على مهلك ياحضرة المستشار، دا بيكون جوز خالتو، يعني عشرة سنين، والراجل دا هو اللي مربيني، فأكيد البلاغ كيدي.
رجع بظهره على المقعد وتحدث بإبانة:
- نوح الشهود كلها شهدت أنه سرق فلوس خزنة الشركة، غير الكاميرا مصوراه وهو بيدخل المكتب.
ظل نوح يزرع المكتب ذهابًا وإيابًا ثم تحدث مستطردًا:
- مستحيل ياراكان، عايزة أقولك إنك تشك فيا، أما عمو عاصم بعيد عن الشبهات.
جلس نوح وتحدث:
- أكيد فيه حاجة غلط، دور عليها وأنا بأكدلك على ضمانتي إن الراجل دا بريء.
زفر باختناق وتحدث:
- يابني بقولك التهمة لابساه.
أما نوح بجسده ساندا بذراعيه على المكتب:
- الراجل دا أضمنه برقبتي ياراكان، أكيد حد مزنوق عليه، فأنت من واجبك تدور عليها ياصاحبي يابتاع القانون.
أومأ برأسه وتحدث قائلا:
- حاضر هدور ورا الشهود، وأراجع. كدا أرتحت؟ ليه بتحسسني أنا اللي عملت قضية.
تنهد وأكمل:
- أكيد إنت عارفني مستحيل أقبل بالظلم.
تذكر شيئًا فتحدث:
- البنت بنته دي مستحيل تكون عاقلة، إيه دي عاملة زي القطر، يخربيتها خرجتني عن شعوري وكل شوية بابا مظلوم.
ابتسم نوح وأجابه:
- ليلى دي سكرة يابني، بس هي حزينة واتعصبت عشان والدها، متزعلش منها، امسحها فيا.
جز على فكيه اغتياظا:
- امسح فيك إيه يابني آدم، ماهو لولاك كانت زمانها مرمية في السجن.
اتسعت ابتسامة نوح وهو يغمز بعينيه:
- من إمتى الحنية ياحنين، دا إحنا دافنينه سوا، ولا يمكن العصفور بيطير حوالين القفص؟
انفجر راكان ضاحكا ثم دنا منه:
- عصافيري كتير ووقت ما أزهق هعرفك ياقط.
ضرب نوح يديه ببعضهما وأشار بيديه:
- طيب دا أقوله إيه، هو أنا في إيه ولا في إيه، الراجل محبوس بتهمة خطيرة يابني.
سحب نفسا وهو يطالعه بهدوء:
- طلب أخير ياصاحبي.
قهقهه راكان وتحدث:
- مش هينفع، دا ضد مبادئ، لازم يبات في الحجز، وأنا أوعدك هباشر القضية بنفسي وأسهر عليها.
هز رأسه بالرفض:
- مستحيل ياراكان أخلي الراجل دا يبات مع المجرمين، وعد مني هجبهولك الصبح.
زفر راكان بغضب، وبدأ ينقر على مكتبه ثم رفع بصره إلى نوح:
- أنا ممكن أخدمك أنه يبات في مكتب الظابط، غير كدا ما أوعدكش ياصاحبي، صعب والله صعب إنه يخرج عشان الدلايل كلها ضده.
- أنا كلمت حمزة وهو زمانه على وصول، إنت عارف إنه هيعرف يتصرف أكتر مني.
التوت زواية فمه بعبث ثم تحدث وهو يرمقه:
- دا الموضوع مش مجرد جوز خالتك، أي هو إحنا سبنا أسما ومسكنا في القطر اللي برة.
شهق حمزة وهو يطالعه بصدمة:
- يخربيتك إنت قصدك إيه؟ ليلى زي أختي، لا لا دا بقيت صعب لا تحتمل.
- خلاص، هو أنا غلطت في البخاري؟ شكيت في اهتمامك.
إنزعج نوح من كلماته فأجابه:
- لا إن ولا كان.
قالها متحركًا للخارج متجها إلى ليلى. توقف لدى باب المكتب واتجه بأنظاره إلى راكان.
- طيب خليهم يجيبوه علشان بنته تقعد معاه شوية. وخليه زي ماقولت، حرام راجل زي دا يبات مع المجرمين.
تحرك بخطواته الهادئة متجها مع نوح للخارج. هرولت ليلى لنوح ووزعت نظراتها بينهما.
- بابا هيخرج مش كدا يانوح؟ إنت وعدتني صح.
ربت نوح على كتفها.
- إهدي ياليلى. بابا كويس وهيجي وتشوفي. هو بس هيبات الليلة هنا وبكرة هيروح، مش كدا ياراكان؟
كان راكان يتحدث مع الضابط المسؤول لمبيت عاصم بمكتبه. تحرك متجها إليهم.
فوقف أمامها وهو يشير بيديه على نوح.
- أنا هعمل معاه واجب علشان نوح مش أكتر.
قالها وهو يتجول بنظراته عليها.
قطعت المسافة بينهما بخطوة واحدة ونظرت لمقلتيه.
- لا ياحضرة وكيل النيابة. متفكرش إنك بتشفق علينا. حضرتك لو عندك ذرة شك أن والدي متهم مكنتش عملت كدا.
ظل يتابعها بعينيه الصقرية الحادة. كل حركة وحرف يخرج من بين شفتيها يراقبه بتلذذ.
تبسم بمكر وطالعها بشموخه.
- غلطانة يا...
هز رأسه وهو ينظر لنوح فتحدث بسخرية.
- قولتلي إسمها ايه يانوح؟
رفع يديه يمسد على لحيته وتحدث.
- "ليلى".
قالها بتهكم ثم تحرك مغادرًا وهو يرمق نوح.
- مش هتلاقي وكيل نيابة حنين وطيوب زي كدا يانوح. أفتكر دا.
تهكم نوح مبتسما بسخرية.
- عارف والله!!
وصل حمزة بتلك الأثناء يوزع نظراته بينهم.
- فيه إيه يانوح وقضية إيه اللي بتقول عليها دي؟
رفع بصره للتي تجلس تضع رأسها بين يديها تنتظر والدها ثم اتجه لحمزة.
- نوح، قريبه متهم بالاختلاس ياسيدي وجايبك علشان تجبله البراءة.
رفع يديه يربت على كتفه ثم تحدث متهكمًا.
- ياله ياحضرة المحامي الشهم وريني شطارتك وقولي إزاي هطلع الحرامي من السجن.
هبت فزعة عندما استمعت لحديثه. ووصلت إليه وتحدثت بغضب عارم.
- هو ليه حضرتك مش عايز تصدق إن بابا مظلوم؟ ليه مصر على الظلم؟ مش من واجب حضرتك ترد المظالم؟ ولا الدنيا اتشقلب حالها وبقيتوا تحكموا بالظلم ولا خلاص؟
استدار ورمقها بتهكم كأن كلامها لم يرف له جفن متجاهلاً حديثها تمامًا. فاتجه لحمزة وحدثه.
- عرف الأستاذة ياحمزة أننا بنحكم بالدلائل والشهود. وقولها إن كل الشهود ضد والدها. مش معقول كلهم ظالمينه.
قالها وتحرك للخارج.
جلست ودموعها تغرق وجنتيها بقوة وهي تتمتم.
- بابا مظلوم.
وصل والدها إليها. بينما اتجه حمزة ونوح لضابط المسؤول للاطلاع على أوراق القضية.
***
بعد ثلاث أيام وتحري حمزة وتحريات راكان وضغطه على الشهود. جلس عاصم أمام راكان. فاتجه راكان للكاتب الخاص بكتابة القضايا وتحدث.
- بعد التحقق من الأدلة قررنا نحن وكيل نيابة ( ) راكان أسعد البنداري، الأفراج عن المدعو عاصم سيد المحجوب وذلك بناءً على عدم وجود الأدلة الكافية التي تدينه بهذه التهمة إذ لم يطلب على قضايا أخرى.
تبسم عاصم بارتياح وهو يحمد ربه ناظرًا لحمزة.
- شكرًا ياأستاذ حمزة. مش عارف أشكرك إزاي يابني.
ابتسم حمزة بحبور وهو ينظر لراكان.
- الشكر لحضرة المستشار ياأستاذ عاصم. هو اللي أدلنا على أول الخيط.
قاطعه راكان متسائلاً.
- ليه الراجل دا بيتهمك؟ دي تهمة كبيرة.
هنا توقف عاصم وهو يطالع راكان.
- معرفش. ربنا يهدي عبيده. أشكرك ياحضرة النايب. ممكن أخرج علشان بنتي زمانها قلقانة.
أومأ برأسه دون حديث. ولكن تابعه بعيناه حتى خرج. توقف حمزة أمامه.
- تفتكر الراجل صاحب الشركة عمل كدا ليه في الراجل دا؟
مط شفتيه رافعًا منكبيه.
- الله وأعلم. بس الراجل دا شكله متهدد بحاجة اللي يخليه ساكت كدا ومرديش يقدم بلاغ فيه تعويض على اللي حصله.
هنا اقتحمت ليلى الباب وهي تدفع الشرطي الذي يقف أمام الباب.
توقفت أمامه تنظر إليه بإزدراء.
- شوفت حضرتك بابا طلع برئ مش زي ماكنت بتقول. تحت السواهي دواهي. بيقولوا عليكم بتنصفوا المظاليم وانتوا أكتر ناس بتظلموا.
أخذ نفسًا من سيجارته ورفع بصره إليها عندما تصاعد غضبه ولكنه تحكم بغضبه عندما جذبها والدها وهو يهز رأسه لراكان.
- آسف ياحضرة المستشار. بنتي لسة صغيرة ومش عارفة حاجة.
قالها والدها وهو يحاول أن يجذبها.
انتزعت نفسها من والدها ووقفت تطرق بقوة على مكتبه.
- دلوقتي ممكن تجبلي حق كرامة أبويا والشرطة وخداه وبتعامله كمجرم؟ دلوقتي تقدر تجيب كرامتي بين زمايلي في الشغل والكل بيبص إني بنت الحرامي المختلس؟ هتقدر ترجع وجعنا طول تلات أيام اللي فاتوا وأنا بحاول أقنع حضرتك إن والدي برئ وحضرتك كل اللي بتقوله. القانون مابيخدش بسيرة الناس إحنا اهم حاجة عندنا دلايل.
دنت منه حتى أصبح لا يفصل بينهما سوى سنتيمترات وهي تنظر داخل مقلتيه ثم أردفت.
- إنما ايه أخبار دلايلك ياحضرة المستشار؟
قالتها بتهكم. ثم سحبت والدها الذي حاول إيقافها ولكن كأنها صم لا تسمع شيئًا.
وقف حمزة ونوح الذي وصل للتو أمامها.
- آنسة ليلى. والدك خرج بفضل سيادة المستشار. المفروض تشكريه. علشان هو اللي وصلنا للدليل الأقوى ولولا الدليل دا مكنش والدك خرج.
تنهد حمزة وهو ينظر لنوح بهزة من رأسه.
- قولها يانوح لولا مساعدة راكان اللي وصلني للمجرم الحقيقي كان زمان الأستاذ عاصم محبوس.
انكمشت ملامح وجهها بإمتعاض ولمعت عيناها بذهول عندما استمعت لحديث نوح فاردفت بين نفسها.
- معقول المغرور دا هو السبب في براءة بابا؟
هزت رأسها رافضة فاتجهت ببصرها لوالدها. الذي أطبق على جفنيه وهو يهز رأسه بالموافقة.
حل الصمت بالغرفة بينهم للحظات. حمحم نوح وهو يرفع حاجبه لليلى.
- اعتذري ياليلى.
قالها هامسا.
هنا اعتصرت عينيها بألم ورغم ذلك لم تستدر إليه وضمت ذراع والدها الذي علم بحالة ابنته. رفع بصره لراكان.
- أنا آسف بناءً عن بنتي ياسيادة المستشار.
أومأ برأسه دون حديث.
***
خرجت من شرودها عندما استمعت لرنين هاتفها.
- أيوة ياآسر. لا أنا بشتغل عليه مفيش داعي. إن شاءلله بكرة هيكون خلصان.
باليوم التالي... بمزرعة نوح.
صباح لاح بالأفق ليعلن عن شروق شمس جديدة. تستيقظ كعادتها مبكرًا. تقوم بأداء روتينها اليومي من قضاء فريضتها ثم جلست تذكر ربها لبعضًا من الوقت.
***
بعد فترة اتجهت بين الحقول تنعش بالهواء المنعش النقي. ظلت تتحرك وتنظر باستمتاع للحقول والطيور التي تغرد في الصباح الباكر إلى أن وصلت لمكانها المعتاد.
جلست بوجه يكسوه الحزن عندما تذكرت حديث والدها بالأمس. وضعت يديها على صدرها تحاول أن تتنفس بهدوء. وكأنها تريد البوح عما يعتريها من الآم الماضي.
قطع شرودها رنين هاتفها.
- صباح الخير يا لي لي. دا الصباح الجميل دا.
على الجانب الآخر أجابتها ليلى.
- كنت عارفة هلاقيكي صاحية دلوقتي. عاملة إيه؟ معرفتش أكلمك امبارح خلصت التصميم متأخر ونمت ودلوقتي بجهز ونازلة.
أرتسمت أسما ابتسامة هادئة على ملامحها الجميلة فتسائلت بهدوء.
- مقولتيش.. عملتي إيه مع راكان؟ قالك حاجة؟
أطبقت ليلى على جفنيها. ثم سحبت نفسًا طويلاً وطردته بهدوء.
- كنت مفكرة إنه نسي. ابتسمت وأكملت.
- طلع فكرني وبيقولي الأولى تعتذري.
ضحكت أسما بصخب فتحدثت متهكمة.
- أنهي اعتذار بالظبط يالولا؟ بتاع الحفلة ولا بتاع قسم الشرطة؟ معرفش يابنتي حاسة أني هشوف بينكم حب أفلاطوني.
هزة عنيفة أصابت عمودها الفقري من حديث أسما. وشعور بسعادة يدغدغ قلبها لا تعرف لما شعرت بذاك. ورغم ما أحسته.
صاحت بصوت متقطع.
- أسما! إيه اللي بتقوليه دا؟ أنا يوم ما أحب أحب الطاووس دا. دا عليه غرور يابنتي زي غرور فرعون وهو بيقول أنا ربكم الأعلى. إلهي يعدمه ياشيخة.
قهقهت أسما على حديثها. ثم صمتت فجأة وأردفت.
- بس عيونك مابتقولش كدا ياليلى. إيه هتخبي على أسما؟
اتجهت أسما بأنظارها للحدائق الواسعة تستنشق رائحة الزهور والخضرة بها ثم أكملت حديثها.
- شوفت نظرة إعجاب منك له يوم الحفلة. على رغم إنك متكلمتيش بحاجة. بس شوفت لهفة عيونك عليه.
صمتت للحظات ثم استطردت ما جعل قلب ليلى يخفق بشدة.
- ليلى إيه حكاية راكان البنداري. أوعي الراجل دا يشدك. أنا حاسة إنك معجبة بيه. حاسة بيكي. هو يتحب الصراحة. لكن حياته غير حياتنا. وأنا حكتلك عنه وعرفتك بنزواته.
جلست ليلى على فراشها وهي تضع يديها على صدرها حينما اختلج صدرها بكثير من المشاعر المتناقضة حوله. حب أم كره.
ولكن هناك حقيقة حدثها قلبها بها.
"لماذا يخفق هذا القلب بعنف بجانبه؟"
أغمضت عيناها ثم تحدثت بصوت متقطع.
- أسما إتأخرت على الشغل. هكلمك بعدين.
أومأت أسما برأسها دون حديث. وظلت جالسة بمكانها. ثم همست لنفسها.
- للأسف ياليلى حبه باين في عيونك ياصاحبتي. ربنا يستر عليكي من القلب المطعون.
في الشركة وخاصة بمكتب راكان.
كان سليم يجلس بجوار راكان على طاولة دائرية وأمامهم الكثير من الأوراق المتعلقة بالشركة.
جذبت نورسين مقعد جلست بجواره تضع ساقًا فوق الأخرى وأضافت بنبرة ذات مغزى تدرك إنها ستنجي ثمارها.
- المهندسة الجديدة دي ياسيلم كله بتمسح فيها ليه. وحساها كدا مش كويسة.
قاطعها سليم.
- نورسين متنسيش إنك بتتكلمي عن مهندسة في شركة البنداري. وبعدين ليلى مش جديدة. ليلى بقالها تمن شهور هنا والكل بيحترمها غير حبهم ليها.
عقدت ذراعيها.
- أي ياسليم اللي يشوفك يقول إنها عجباك.
هنا اعتدل راكان مضيقًا عيناه.
- إيه يانور ماسكة البنت من ساعة ماشوفتيها كأنها عدوتك.
رفعت حاجبها بسخرية وتحدثت.
- والله مين بيتكلم. روكا حبيبي.
أنزل يديها من على كتفه ووقف يردف بغضب.
- ميت مرة أقولك بلاش أسلوب الإستهبال دا. وبعدين أنا معرفش إنت هتفضلي لحد إمتى كدا. إيه حبيبي دي؟
قاطعهم سليم.
- ممكن تهدوا مفيش حاجه حصلت لدا كله.
قاطعهم دخول يونس.
- ازيكم ياولاد البنداري.
جذب مقعد وجلس بجوار نورسين.
ثم ضيق عيناه مالكم انتوا كنتوا بتضربوا بعض وأنا قطعتكم
رمقه راكان بنظرة غاضبة أخرصته... قاطعهم حينما دلفت ليلى بعد السماح لها بالدخول.
عزمت امرها ودلفت حيث مكان جلوسهم
وضعت بعض عملها أمامها سليم على المكتب.
- حضرتك دا شغل المهندسة نورسين... طلعت منه بعض الديفوهات... وكمان المهندس عامر...اعترض علي بعض النقط... ودا شغلي المهندس أسر هو اللي راجعه.
هبت نورسين متجه لها:
- اتجننتي إنت ولا إيه... إنت مين علشان تطلعي ديفوهات في تصميماتي... دا انا نورسين النمساوي أكبر مهندسة هنا.
تدخل يونس عندما وجد الغضب على وجه سليم. أمسك يديها وتحدث:
- نور تعالي نشرب قهوة فيه موضوع عايزة أخد رأيك.
دفعت ذراعه وتحدثت بغضب:
- إيه يايونس إنت مش شايف المهزلة دي... سليم جايب حتة عيلة من برة بتعمل عليا ريسة وبتراجع ورا نورسين النمساوي.
كان يجلس يطالعهم بهدوئه غير المعتاد.
اتخذت نفسا طويلا تشحن رئيتها باالاكسجين ثم نظرت لها وتحدثت بثقة:
- اولا حضرتك غلطي فيا مرتين.. فدا مش مسموح... إنك أهنتيني بعملي الوظيفي بغض النظر أنا قولت إيه عن الشغل اللي مطلوب مني... ثانيا ودا الأهم.
- حضرتك ياريت بدل ماتعلي صوتك وتسمعي الناس كلها عندنا حاجة إسمها ثقافة الحوار... تقولي الغلط بس باسلوب مهذب... ثالثا ودا من عندي ياحضرة البشمهندسة... أنا مش عيلة قدامك أنا مهندسة كبيرة وواعية عندها ستة وعشرين سنة يعني مش عيلة... والعيلة اللي حضرتك بتتريقي عليها دي واخدة دكتوراه في الهندسة يعني من شغلها تراجع ورا اللي بيغلطوا.
اتجهت بنظرها لسليم:
- آسفة حضرتك بس كان لازم أعرف الباشمهندسة إزاي تعرف تتعامل مع اللي قدامها.
أمسكتها من ذراعها تحدجها والشرر يتطاير من مقلتيها:
- إنت اتجننت يابت إنت... متعرفيش بتتكلمي عن مين... دا إنت لسة مكملتيش غير كام شهر هنا... لا فوقي ياقلبي وأعرفي انك واقفة قدام نورسين النمساوي.
اللي بتاخدي مرتبك منها.
دنت ليلى منها وتحدثت:
- وأنا متنازلة من المرتب اللي حضرتك بتدهولي نظير تعبي ومجهودي مش صدقة منك.
إقتربت منها نورسين وتطلق إليها نظرات نارية لو تقتل لقتلتها.
ثم دفعتها بقوة حتى تسقط على الارض إهانة لها... وتحدثت بنبرة شيطانية:
- دلوقتي اعرفك إزاي تغلطي في أسيادك.
ولكن تلاقها بذراعيه عندما وقف متجها إليهما حين علم بنية نورسين.
تلاقها حتى أصبحت بأحضانه بالكامل.
رفعت نظرها للذي حاوطها بذراعيه ورائحته تغزو رئتيها... تقابلت نظراتهما للحظات... تناسا العالم حولهما حتى أصبح عالمهما دقات القلوب لبعض اللحظات.
ترنح جسدها وأحست أن ساقيها فقدت القدرة على حملها وعدم قدرتها على التنفس بسبب رائحته التي ملئت رئتيها.
اعتدلت سريعا عندما طالعها بنظراته ثم أردف بهدوء ماقبل العاصفة:
- إنت كويسة..!!
اومأت براسها بنعم... حمحمت بصوتها حتى يخرج... ثم استجمعت شتات نفسها وقوتها وتحركت للخارج سريعا عندما فقدت قدرتها بالكامل أمامه.
اقترب راكان من سليم وطالعها بغضب:
- إيه اللي كنت ناوية تعمليه دا.. إيه قالها بصوتا مرتفع غاضب.
فركت يديها وأجابته:
- إنت مسمعتهاش بتقول إيه.
قاطعها سليم وتسائل:
- هي قالت إيه يانور.. ياريت ماتدخليش في موظفيني تاني.. بلاش تخليني أخرج عن شعوري يانور.
ابتسمت بتهكم ورفعت حاجبها بسخرية:
- ليه بتحسسوني إني غلطت في كوين ايطاليا.. دي واحدة متساويش.
- نوووور.. صرخ بها راكان ورفع بسبابته:
- إهانة للموظفين مش مسموح.. وإنت هنا زيك زيها.
قاطعهم دلوف ليلى دون الأستئذان:
- آسفة يابشمهندس سليم... اتفضل استقالتي حضرتك... المكان اللي إتهان فيه ماينفعش أكمل فيه.
دوى صوت ضحكات نورسين الذي انشطر قلب ليلى لاستهزائها:
- شوفوا بتعمل إيه مفكرة إننا هنتحايل عليها.. جود باي.
قاطعها راكان وصاح بغضب عارم:
- اعتذري.
قالها وهو يرمقها شرزا:
- جحظت عيناها وتحدثت بغضب:
- تقصد إيه ياراكان...!! عايزني اعتذر لدي.
أخرج تبغه وبدأ يشعل سيجاره:
- غلطي يانور ومن الأفضل إنك تعتذري.
صرخت بصوتها:
- مستحيل اعتذر من دي.
وقف سليم واتجه لليلى:
- أنا آسف ياليلى حقك عليا أنا... ونور مستحيل تتعرضلك بكلمة تانية.
بلغ الغضب دروب راكان بعد فعلة سليم:
- قولت اعتذري يانور منها إنت غلطتي.
إتجهت له وألقت نفسها بأحضانه:
- كدا ياراكان... وأنا اللي فكرت إنك تاخد حق حبيبتك.
أخرجها بهدوء:
- قولت اعتذري يانور.. مش هعيد كلامي.
اتجهت ليلى لباب الغرفة وضعت كفها المرتعش على مقبض الباب لمحاولة الهروب من حصارهم اللعين عليها.
- إستني عندك... أنا مسمحتش إنك تمشي.
قالها راكان عندما ازدادت وتيرة أنفاسه من غضبه... إنتفض جسدها من صوته المرتفع.
تدخل يونس سريعا لفض الاشتباك:
- اهدى ياراكان الموضوع مش مستاهل العصبية دي كلها.
- خلاص آسفة ياراكان كدا حلو.
- الأسف مش ليا يانور إنت مغلطيش فيا ولا تقدري تغلطي اصلا.
استدارت ليلى بجسدها ونظرت إليه:
- وأنا مش محتاجة أسف من حد.
نفث دخان سيجاره بغضب وتحدث دون النظر إليها:
- مش إنت اللي تقولي اعمل إيه.. إنت هنا بتشتغلي في شركة البنداري.
رفعت سبابتها أمامه:
- أنا شغالة تحت اشراف الباشمهندس سليم والتعامل معه بس خليها تبعد عني.
قالتها بحدة... لا تعلم لماذا تفوهت بها.
خطى إليها حتى وقف أمامها:
- إنت مين علشان تعلى صوتك وأنا موجود.
بصي يا... مش مهم إسمك إيه.. أنا مبحبش الظلم وهي غلطت وهتتأسف.. وكمان مبحبش أكرر كلامي مرتين... إحنا مش في حصة... وممنوع صوتك يعلى.
ارتفعت دقات قلبها وارتجف جسدها عندما رأت نظراته النارية التي تفننها أمامها... ساد الصمت للحظات.
ابتلعت غصتها وتحدثت:
- وأنا مستحيل أفضل في شركة زي دي.
تدخل سليم لتلطيف الأجواء:
- راكان اهدى.. ليلى مهندسة محترمة متقصدش كلامها.
- ولا تقصد ياسليم فيه هنا قوانين للشغل لازم الكل يلتزم بيها.
احتدت نبرة صوتها وهي ترمقه بنظرات غاضبة:
- أنا معرفش حضرتك... ولا.
قاطعها:
- أنا اللي صاحب الشغل اللي حضرتك بتخططيله... وكلامي اللي يتسمع هنا بس.
ثم استدار سليم:
- إيه ياسليم ماقولتش للمهندسة القوانين اللي مفروض تلتزم بيها وتعرفها إنها ماضية عقود احتكار لشركتنا.
جحظت عيناها من أسلوبه المستفز كما وصفته:
- حضرتك تقصد اي.
اتجه لمقعده جالسا ينفث تبغه حتى غطى وجه خلف دخانه:
- قصدي إنك مينفعش تسيبي الشغل غير بعد تلات سنين دا مبدأي وراجعي على العقد اللي حضرتك مضتيه كويس... أما عن موضوع الإهانة اللي اتكلمتي عنه.
فنورسين فهعتذر.
إتجه بنظره لنورسين فتحدثت نورسين عندما وجدت نظراته النارية:
- آسفة يابشمهندسة.
قالتها بتحفز نورسين.
نفخ دخانه ونظر إليها ببرود:
- ودلوقتي على شغلك ومفيش حاجة إسمها استقالة إلا إذا دفعتي الشرط الجزائي... وبلاش شغل البنات بتوع الكرامة دول.
فرت دمعة فوق وجنتيها ببطئ مسحتها سريعا.
نظرت اليه والصدمة تجتاحها فظلت تناظره مدوهشة وهو يبادلها نظراتها باخرى قاتمة.
ابتسمت بسخرية... عندما تصاعد غضبها حتى أعماها فلم تتمالك نفسها عندما قالت:
- تمام يا... معرفش إسمك إيه.
قالتها ثم خرجت صافعة الباب بقوة خلفها.
جحظت اعين يونس وسليم اللذان كانا يجلسان صامتين منذ نشب الخلاف.
في فيلا خالد البنداري.
تنام سارة على فراشها عارية ولا يسترها سوى شرشف خفيف... وتقوم عاملة المساچ بتدليك جسدها.
اغمضت عيناها وهي تتحدث بالهاتف مع ابنة عمها سلمى:
- وبعدين ياسلمى أخوكي هيفضل سايق عليا الدلال لحد إمتى... مش قولتي هساعدك.
نفخت سلمى وجنتيها بضجر:
- ماهو انت عارفة يونس أكتر مني ياسارة.
صرخت عندما ضغطت العاملة على جسدها:
- اه.. براحة ياحمارة.
أجابتها سلمى هي مين دي اللي حمارة ياابلة سارة:
ضحكت سارة بسخرية:
- مش قصدي عليكي ياهبلة قصدي على بتاعة المساج دي.
وقفت مسرعة متجه لباب غرفتها:
- عندك بتاعة المساج متخلهاش تمشي لما اجيلك محتاجها تمام.
ثم أغلقت الهاتف.
ضيقت سارة عيناها وتسائلت:
- هي مالها المجنونة دي ومن إمتى وهي بتهتم بالمساج.
نظرت للعاملة:
- اشتغلي حلو جايلك زبونة جديدة.
في شركة البنداري:
ظل يجوب المكتب ذهابا وايابا كلما تذكر نظراتها... يصل الغضب والحنق بين طياته.
ضغط على قبضته بغضب حتى أبيضت مفاصلها:
- انا يتقالي يا.
مسح على وجهه بغضب وهو ينظر شرزا ليونس الذي رفع يديه متهكما من حالته:
- ابعد عني يايونس هولع فيك... ولا أقولك أنا هسبهالك على بعضها.
خرج من مكتب أخيه وكأن شيطانيه تتطارده... وجدها تجلس مع آسر وتضحك وكأن لم يحدث شيئا.
تصاعد غضبه حتى أسودت عيناه ولكنه تحكم بنفسه بصعوبة... واتجه لجلستهم:
- ايه اطلبلكم حاجة ساقعة تطري القاعدة.
وقف أسر وحمحم حتى يخرج صوته:
- إحنا خلصنا ومستنين الباشهمندس سليم.
فتحت حقيبتها وأمسكت هاتفها كأن الذي أمامها لم يكن:
- ايوة يادرة... لا حبيبتي كويسة... تمام نص ساعة وعدي عليا.
استشاط داخله من طريقتها المستفزة وأردف ببرود ليحرق روحها:
- عندنا شغل لأربع ساعات قدام... مفيش خروج دلوقتي... وياريت تشوفي شغلك بدل ماقاعدة تضحكي مع دا ودا.
بنفس ملامحها الهادئة ونبرتها المتزنة أجابته:
- لو حضرتك شايفني مقصرة في شغلي ممكن تمشيني من الشغل.
قالتها ثم حملت أشيائها متجه للخارج:
- آسر بلغ الباشمهندس سليم إني خلصت شغلي زي مااتفقنا وسلمه المشروع.
ثم رفعت نظرها للواقف يضع يديه بجيب بنطاله وينظر لها بملامح غامضة:
- لو حضرتك خلصت إهانة ممكن أمشي.
قالتها متحركة للخارج.
اخترقت كلماتها أعماقه وكلماتها التي أشعلت بجوفه نيران التحدي:
- استني عندك أنا مش لسة قايل قدامنا أربع ساعات شغل.
وصل يونس وسليم في تلك الاثناء:
- في ايه ياراكان مالك.
ظل ينظر لها شرزا.
اخرجت زفرة حادة من جوفها علها تهدأ من روعها حتى لا تغضب احدا شيئا.
اتجهت بنظرها لسليم:
- فيه لسة حاجة مطلوبة مني يابشمهندس.
أشار بيديه إتجاه الباب:
- لا ياليلى ممكن تمشي دلوقتي.
في فيلا جلال البنداري.
تجلس فريال بجوار الجد توفيق:
- يعني أي ياعمي هتسبنا وتروح تقعد عند أسعد.
كانت ملامحه قاسية ونظراته غاضبه.
تحدث إلى فريال:
- فريال لازم أوقف راكان عند حده.
الولد أبوه سايبه يطيح في الكل.
يعني هتقدر تقعد عند زينب وعيالها ياعمي؟
ضرب بعصاه على الأرض وتحدث بغضب:
- أنا هقعد في بيت ابني محدش له عندي حاجة.
امتقع لونها بشدة وانسحبت الدماء من أوردتها وبدأت تهمهم:
- خايفة تروح هناك وزينب تضحك عليك بسهوكتها اللي خلت أسعد يسيب الدنيا كلها علشان... خايفة تنسى ابنك محمود الله يرحمه اللي هي السبب في موته.
صباح يوم جديد.
كانت تجلس بحديقة منزلهم.. وتقوم برياضة اليوجا. جلست وهي مغمضة العينين تضع يديها على ساقيها. وصل وجلس بجوارها يرسم ملامحها الجميلة بعينيه. كانت خصلاتها تتطاير بفعل الرياح.
دنى يستنشق رائحتها طارداً زفيره، عندما تسللت رائحتها التي تشبه رائحة الأطفال رئتيه. استنشقت رائحة تحفظها جيداً ففتحت عيناها سريعاً تنظر للذي يجلس بجوارها.
اقترب بجوارها للحد الغير مسموح وهمس بصوته الرجولي:
- بتاخدي العقل ياسيلين.. بتخلي قلبي عايز يطلع من صدري.
رفع خصلاتها التي تطير على وجهها وقربها لأنفه:
- بموت في ريحة شعرك بتفكرني لما كنتي طفلة وكنتي بتنامي في حضني فاكرة الأيام دي ولا نسيتيها.
رجفة قوية مرت بسائر جسدها فهزتها من اقترابه وتناست العالم من حولها حتى أصبح هو عالمها الوحيد. ابتسمت بحبور من كلماته:
- لسه فاكر الأيام دي يايونس.
وضع كفيه على وجنتيها يلامس نعومتها التي أرسلت إليه قشعريرة لذيذة:
- عمري ما نسيت حاجة تخصنا ياسيلين.
أقترب منها متعمد خفض صوته الذي جعل جسدها يرتعش بالكامل، فحبست أنفاسها عندما منعت تنفسها:
- يونس إبعد.. إنت بتقرب ليه.
قرص وجنتيها مردفاً والسعادة تتملكه:
- قلب يونس وحياته كلها ياسيليني.
رفعت بصرها تنظر إليه بسحر وهيام من كلماته التي أخذ قلبها.
تشعر بتدفقات تتوغل في أوردتها فاحمرت وجنتيها بحمرة الخجل وأردفت بصوت متقطع:
- بس يايونس عيب كدا.. إيه اللي بتقوله دا.
قهقه عليها ثم غمز بعينيه:
- هو أنا لسه قولت حاجة.
عند أسما وليلى.
ضيقت أسما عيناها مستفهمة:
- إيه اللي حصل... اوعي يكون اتخنقتي مع سليم... دا كيوت خالص.
ضحكت عليها ليلى وأردفت من بين ضحكاتها:
- يابنتي إركزي على واحد علشان أعرف أرد عليكي.. إنت مع سليم ولا نوح ولا يونس ههه.
ابتسمت بحزن على ذكرى نوح:
- دي مش عايزة كلام صديقتي العزيزة.
ارتدت ليلى حذائها الرياضي وهي تتحدث بهاتفها:
- إنت فين دلوقتي في المزرعة ولا في الشقة.
أخذت شهيقاً عميقاً ثم زفرته:
- نزلت اتمشى في المزرعة إنت عارفة أنا بحب الجو دا دلوقتي.
- تمام أنا هنزل أجري شوية وأعدي عليكي في الكافيه بتاعنا تمام.
- تمام ياليلى.
في فيلا سميحة.
استيقظت يارا ابنتها متجهة لغرفة والدتها:
- ماما عايزة اتكلم معاكي شوية.
أشارت والدتها التي كانت تقرأ بمصحفها:
- تعالي ياحبيبتي.
- ماما أنا عايزة أنزل الشغل في الشركة مع ولاد خالي.
وضعت والدتها مصحفها:
- تعالي جنبي يايارا عايزة اتكلم معاكي شوية.
اتجهت ابنتها وجلست بجوارها.
مسدت والدتها عليها بحنان:
- كبرتي يايارا وعايزة تشتغلي.. بس لو كنتي نازلة الشغل علشانه فبلاش ياحبيبتي.
وزعت نظرها بين والدتها وبين هاتفها الذي قام بالرنين. سألتها والدتها:
- مين بيتصل بيكي دلوقتي.
حمحمت وأجابتها:
- دي فرح بنت خالو خالد.. كانت عايزة ننزل النادي نعمل رياضة.
أومأت والدتها برأسها:
- بصي ياحبيبتي أنا مش مع جدك في اللي قاله.. لاني عارفة ولاد أسعد أكتر من أي حد... دول أبوهم وأمهم ربوهم إن قراراتهم من نفسهم محدش يقدر يفرض رأيه عليهم وخصوصا راكان... هو عنده والدته فوق الكل... تخيلي بقى واحد عنده امه فوق كل حاجة... ويجي اللي كل شوية يهينها يجبره على حاجة يعملها.
فركت يديها ببعضها وسألتها:
- ليه بتقولي كدا ياماما... أنا شايفة راكان بيكنلي مشاعر... يعني مش مغصوب من حد.
ابتسمت والدتها وربتت على كتفها:
- بيحبك زي أخته مش أكتر... وبعدين دا عصبي ومش هيسعدك... غير البنات اللي حواليه.
- إنت اللي بتقولي على راكان كدا ياماما... مش دا اللي دايما تقولي مفيش غيره في ولاد اخواتك.
- وأنا لسه عند رأيي يابنتي... راكان هو أجدع واحد فيهم وكمان متحمل مسؤولية من صغره والعز اللي فيه أبوه دا كله بسببه متنسيش كان واقف من صغره مع أبوه... وهو اللي استلم شركات والدته ورغم مش مجال تعليمه لكن الحقيقة خلاها من أكبر الشركات.. حتى الشركة العائلية.
ضيقت عيناها وتسائلت:
- أنا مش قادرة أفهمك ياماما بتقولي الكلمة وعكسها.
- أنا بقولك أنه يكون اخوكي أحسن ميت مرة لما تخليه يتغصب على جوازك وفي الآخر مش هيتجوزك... ومتنسيش سلمى وأمها بيرسموا عليه مش حبا فيه لا علشان فلوسه...
ثم أكملت مفسرة:
- راكان له النصيب الأكبر في الشركة هو لوحده اربعين في المية والعيلة كلها الباقي غير نسبة عمه محمود اللي هو بيديرها من ورا جدك... وفريال مش هتسيب زينب تتهنى بولادها فهمتيني.
إنسدلت دموع يارا على وجنتيها:
- بس أنا بحبه وأنا اكتر واحدة أولى بيه أنا مردتش أتجوز ياماما السنين دي كلها... ودخلت الكلية اللي كان نفسه يدخلها علشان يحبني.
ضمتها والدتها لأحضانها:
- عارفة يابنتي دا كله بس صدقيني إنت اللي هتتعبي.. راكان لسه تجربته متعلجش منها هيفضل يعاني ويشك في كل اللي حواليه متخلهوش يكرهك يابنتي اسمعي من أمك أنا ماليش غيرك.
مسحت دموعها وشعرت بنيران تكوي قلبها لآلام ابنتها. رفعت ذقنها وأردفت:
- أنا هتكلم معه والله يابنتي لو فيه أمل أنه يحبك كزوجة هوافق على جوازكم بس أنا مش عايزة تتعشمي فيه.
في إحدى الكافيهات على النيل.
وصلت ليلى وجدت أسما تنتظرها:
- صباح الورد ياوردة... وحشتيني أوي ياأسما.
ابتسمت لها وهي تحاوطها بنظراتها:
- وأنت كمان ياحضرة الدكتورة المهندسة الكبيرة.
قهقهت عليها وهي تجلس:
- إيه يابنتي التعريف الاخباري الشاشتوي دا.
ضحكت الفتيات.
نظرت ليلى بهدوء لأسما:
- إيه أخبارك... وباباكي رجع يحوم حواليكي تاني ليه.
آهة خفيضة تحررت من بين شفتيها يتبعها حزن بعيون دامعة. نظرت أسما للخارج وتساقطت دموعها رغما عنها:
- كالعادة ياليلى عريس من العيلة وعايز يتمم الصفقة... ماهو مفلس ومحتاج فلوس... وأمي صحتها معادتش بتيجي على الشغل.
ربتت ليلى على ذراعها بحنو وتحدثت لكي تخفف عن صديقتها:
- ربك هيحلها زي كل مرة... ولا تزعلي نفسك والله يابنتي أبوكي دا نفسي مش عارفة أقولك إيه.
تنهدت أسما بحزن:
- ابويا مصر يسرق أحلامي كلها... سرق حلمي بكليتي .. وسرق حبيب عمري ودلوقتي جاي يسرق شغلى وباقي حياتي الحزينة.
احتوت ليلى وجهها بين راحتيها:
- أسما محدش هيقدر يسرق منك حاجة تانية وأنا لسه عند رأيي لازم تحكي لنوح مش تفضلي تتفرجي من برة... لسه ممكن تنقذي حبيبك.
أطبقت جفنيها الحزينتين تاركة لدموعها حرية الإنسياب:
- إنت اللي بتقولي كدا ياليلي عايزة أقل من نفسي أكتر من أنا قليلة في نظره... عايزاني أروح اعترفله وهو في الآخر يدبحني... لا أنا راضية بحياتي كدا... راضية أحبه في صمت وبس.
أنهت كلماتها وقلبها ينشق لنصفين.
تمتمت ليلى بكلمات مستاءة من حياتهما البائسة في الحب.
رفعت أسما حاجبها وسألتها:
- بتقولي إيه ياليلى اتجننتي بتكلمي نفسك ياقلبي.
ضربت ليلى كفها ببعضهما واضعة خديها فوق كفها:
- مش أنا قابلت الطاووس تاني امبارح واتخانقنا.. وشكله هيقعدلي على أنفاسي.
برقت أسما أعينها من كلماتها:
- اتقابلتوا تاني واتخانقتوا..!!
مسحت ليلى على وجهها بعنف:
- أهو من حظي الأسود... تخيلي طلع زي مارسمته بالضبط من يوم القسم ... تنك تناكة يخربيت أبو تناكته ياشيخة... دا بيقول يا أرض إتهدي وما عليكي أدي.
نظرت لها وبدأت تقلد صوته:
- إنت اتجننتي بترفعي صوتك قدامي.
ضحكت أسما عليها وعلى مظهرها وهي تقوم بتقليده:
- ياخبيتك ياليلى.. يعني يوم ماتقابليه تتخانقي معاه...
وفجأة توقفت عن الحديث:
- استني إنت شوفتيه فين... وليه اتخانقتوا ياخايبة.
ارتسمت ابتسامة واسعة على محياها:
- الشركة ياقلبي من حظي الحلو نزل الشغل بسمع كدا... لا وكمان عامل فيها فيها فلانتينو... فيه هناك البت الصفرا اللي شوفناها يوم الحفلة.
ابتسم ثغرها عندما تذكرت ماصفعته به وبدأت تقص لها ما صار.
وضعت أسما يديها على فمها من الصدمة وأردفت بسخط:
- يخرب عقلك ياليلى دا إنت المرأة الحديدية يابت.
كتمت صوت ضحكاتها وهي تنظر لصديقتها:
- ليلى إنت متأكدة أنه هو اللي كان في الحفلة وفي القسم.
كزت ليلى على شفتيها السفلية بغل تود أن تراه أمامها الآن ثم رفعت نظرها لأسما التي مازالت تضحك:
- هو بغروره وحياتك... تعرفي أول مادخلت الشركة وعرفت إنها بتاعتهم كنت بدعي ربنا إني أقابله تاني... بس بعد مقابلته الزفت دي... بدعي ربنا ماشفوش تاني قدامي.
ثم أكملت مفسرة:
- والله ياأسما معرفش المرة الجاية هعمل إيه لا والآنسة نورسين رايحة جاية حبيبي.
دققت أسما النظر اليها:
- أيوة حبيبتي عارفة إنك متغاظة.. نفسك تكوني مكانها.
صمتت لحظات وهي تهز رأسها ثم تمتمت بتقطع:
- مش ملاحظة كل أسئلتك حول راكان ياأسما.
قالتها وهي ترفع كوبها ثم ارتشفت قهوتها.
انعقد حاجبيها:
- أيوة ياليلى... مش دا اللي كنتي عايزة تعرفي كل حاجة عنه من خلال نوح.
التوى ثغرها ساخرا:
- دا لما شوفت الكاميرات كلها حواليه والعيون محاصراه... كنت عايزة أعرف مين الشخصية المهمة دي وخصوصا لما أنه صديق نوح بس مش أكتر.. ولما جت قضية بابا فأنا عرفته أكتر ياحبيبتي.. ومن وقتها وأنا كرهت سيرته.
انكشفت ملامح أسما وأردفت:
- اكيد بتهزري ياليلى... دا اللي يشوفك وانت بتبحثي عنه يقول إنك معجبة.
قاطعتها ليلى:
- ابدا.. إنت عارفة أنا بحب أعرف كل حاجة عن الشخصيات المهمة أو بمعنى أصح اللي عليها علامة استفهام ودا قبل ماأقابله في النيابة.
تمتمت أسما بكلامات منخفضة:
- ايوة فعلا بتحبي تعرفي محور الكون.
- سامعاكي على فكرة ياأسما.
قالتها بابتسامتها البريئة.
اتسعت ابتسامتها ثم اقتربت متكئة على المنضدة:
- طيب عيني في عينك كدا... إنك مش مغرمة بحضرة البشكاتب... دا حتى كنا لسه بنحكي على أحضان وريحة تدوخ.
رمقتها ليلى بنظرة تحذيرية:
- أسما إياك تقولي كدا قدامي... إنت على فكرة بتدليني للرزيلة.
قهقهت أسما بصوتها كاملا وصدى صوت ضحكاتها حتى نظر حولهم إليهما.
رفعت ليلى نظرها بتوبيخ:
- ينفع كدا خليتي الناس تبص علينا يقولوا إيه.
وضعت يديها على فمها تكتم ضحكاتها:
- والله إنت مصيبة يابنتي.
ثم تذكرت شيئا:
- هو مفيش شغل النهارده ولا إيه.
الساعة تمانية وحضرتك لسة بلبس الرياضة، ولا شكلك ناوية تروحي تكملي تدريبك مع اسم الله عليه، الحليوة اسمه إيه؟
تناست العالم حولها عندما تذكرت نفسها وهي داخل أحضانه.
أغمضت عيناها كأنها تستنشق رائحته التي ملئت رئتيها بعبقه.
طرقت أسما أصابعها أمام وجهها.
- الجميل راح مني فين!!
اعتدلت واقفة هاربة من نظرات أسما التفحصية.
- أنا يادوب أمشي وزي ماحضرتك لسة قايلة عندي شغل... مش عايزة أتأخر.
وقفت معها متجهة للخارج بعد دفع الحساب.
- بقولك ياسوسو مايبقى تعدي عليا في الشركة ونخرج زي زمان.
قطبت جبينها.
- امتى؟ انت عارفة بخلص شغلي على أربعة وأنتِ بتخلصي امتى؟
- والله ياحبيبتي على المواعيد بتاعة الباشمهندس سليم تلاتة... بس لو حضرة البشكاتب هيستمر في الشركة تقدري تقولي ممكن اتناشر بالليل.
جحظت أعين أسما وأردفت.
- بتهزري.
ثم ربتت على ذراعها.
- متخافيش أنا أعرف أنه بيخرج كتير برة القاهرة لقواضي، سمعته مرة بيتكلم مع نوح.
أومات برأسها متفهمة.
- ولو مخرجش ميهمنيش، أنا قولت للباشمهندس سليم إمبارح شغلى معه.
أستقلت سيارة الأجرة التي أوقفتها.
- على تليفون ونكمل كلامنا بعدين، سلام.
أشارت لها أسما وتحركت مغادرة للمزرعة التي تبعد عدة أمتار.
في فيلا جلال البنداري على مائدة الإفطار.
نظر الجد ليونس وتحدث.
- ماقولتليش تعمل خطوبتك إمتى على سارة يادكتور.
قبضة قوية اعتصرت قلبه عندما تحدث الجد مرة أخرى، ورغم ذلك وزع نظراته لوالدته التي تحثه على القبول وبين جده الذي ينظر له بترقب ووالده الذي يستهين بالأمر.
- الأيام دي مشغول أوي، عندي حجز كتير في العيادة وكمان محاضرات في الجامعة.
وقت ماأفضى هعرف حضرتك.
قالها ثم نصب عوده يلملم أشيائه الخاصة، مردفًا نظارته الطبية، وتحرك مغادرًا.
بعد مغادرته نظرت فريال له حتى اختفى، ثم توجهت للجد.
- يونس مستحيل يكسر كلمتك ياعمي، وزي ماحضرتك شوفت اهو قالك يفضى بس من زحمة شغله.
أومأ براسه وهو يناظر ابنه الذي منشغل بهاتفه.
- إيه أخبار شغلك ياجلال؟
زفر جلال بغضب.
- البورصة يوم عن يوم بتنزل وأسهمنا بقت في الأرض... معرفش أسعد دايما أسهمه بتطلع وأنا وولادي لا.
اتجه عدي الذي نزل للتو.
- جود مورننيج على الجميع.
ابتسمت والدته بهدوء.
- طبعًا عدي طول الليل سهران للمذاكرة علشان كدا لسة صاحي.
نظر جلال لابنه بغضب.
- مين دا اللي سهران يذاكر ياهانم، ابنك راجع البيت وش الفجر... لا وكمان مش همه حد... ياريته يخلص كليته اللي بقاله سبع سنين فيها لما خلص على فلوسي.
ضغطت فريال على يديه وابتسمت بخبث أمام والده.
- هو كلمني وقال بيذاكر مع واحد صاحبه.
نظر الجد له شرزًا وتحدث بغضب.
- معرفش مفيش حد فيكم نجيب ليه... ولاد زينب حرمتهم من اللقمة وشوفوا هما فين وانتوا فين، واحد وكيل نيابة والتاني دكتوراة في الهندسة، حتى بنت الشوارع اللي بيربوها دخلت هندسة كمان.
ثم أكمل مستطردا.
- وانتوا الفلوس كلها تحت رجليكم وياريت حد فيكم نجب غير يونس.. ولولا زينب اللي كانت بتواليه مع راكان كان زمانه فاشل... وياريته دلوقتي فالح طالع مزاجاني معرفش لمين... قولت أهو واخد الشطارة من ابن زينب وحرمت ابن زينب من الهندسة ودخلت يونس طب قولت علشان يدوس عليه بتعليمه... اتضحلي ان التاني اللي بيدوس على الكل.
قالها بغضب ثم وقف متجها للخارج.
- هاتلي شنطة هدومي ياجلال، روح اقعد عند أسعد يمكن حالكم ينصلح انت وخالد.
توقفت فريال تسائله بغموض.
- حضرتك قصدك على مين بنت شوارع ياعمي.
رمقه بسخرية ثم تحرك متجها لفيلا أسعد.
في فيلا أسعد البنداري بغرفة راكان.
استيقظ وعلامات الغضب ترتسم على ملامح وجهه منذ الأمس، كلما تذكر حديثها وتصديها له وهو يجن.
أمسك هاتفه وقام الاتصال بصديقه.
- أيوة ياعزيز عندي قضية بكرة في إسكندرية محتاجك تروح مكاني... فيه مشكلة في الشغل ولازم أكون موجود.
أجابه على الطرف الآخر.
- تمام ياحضرة المستشار.
بعد قليل اتجه للأسفل لتناول افطاره مع عائلته.
قام بتقبيل رأس والدته ككل صباح ثم اتجه لوالده.
- صباح الخير يابابا.
رد تحيته بحنان أبوي.
- صباح الخير ياحبيبي.. إيه شكلك منمتش باين على وشك الإرهاق.
نظر حوله وتجاهل أسئلة والده وتسائل.
- فين سليم وسيلين مش باينين ليه؟
- سليم راح الشركة ياحبيبي... وسلين فوق بتجهز لكليتها.
أومأ برأسه وهو ينظر إلى طعامه.
حمحمت زينب وهي تمسد على رأسه.
- جدك جاي يقعد عندنا كام يوم ياراكان علشان خاطري ياحبيبي استحمله لو بتعزني زي مابتقول.
قالتها زينب بتعاطف.
امسك يديها وقبلها.
- ماما علشان خاطرك إهد الدنيا... حاضر طول ماهو بعيد عنك أنا كمان مش هتكلم... أنت عارف خلافي معه على إيه... أنا مش بكرهه ابدا والله... دا مهما كان جدي وعارف ومتأكد أنه بيحبني كمان بس التعبير في الحب عنده مختلف.. هو مفكر الحب جبروت وعايز يتملك في الكل.
زفر وأكمل.
- وتملكه وجبروته بيخليه يعمل حاجات عقله بيصورله إنه صح.
- صدقت والله يابن أسعد... فعلا جدك بيحبك بس مابيعرفش يعبر عن حبه له.
قوس فمه وأجاب والده.
- يعني تركت كل كلامي وممسكتش غير في الكلمتين دول يابابا.
ثم وقف عندما استمع صوت توفيق.
اتجه متحركًا للخارج فقابله وقف أمامه وهو يرتدي نظارته الشمسية ناظرًا إليه.
- أهلا بتوفيق باشا البيت نور طبعا بوجودك... وأكيد كلنا فرحانين بوجودك وسطنا.
ثم دنا منه.
- يارب حضرتك اللي تتبسط مننا.
أومأ الجد برأسه له.
- عارف يابن...
ثم سكت متجها بنظره لزينب وأكمل.
- ياراكان يابن أسعد.
ناظره راكان بنظراته الصقرية عله يكتشف بما يفكر به ولكنه لم يصل لشئ ثم اتجه متحركا للخارج طالعه الجد.
- دا اللي سمعته جد... إنك هتواظب في الشركة وتنسى شغل القواضي.
توقف لدى باب الفيلا وأستدار ينظر إليه من تحت نظراته.
- مش بالضبط... أنا بواصل هنا وهنا... دي شطارة ياتوفيق باشا... وأكيد حضرتك عارف الشغل من زمان سايبه كله لسليم وهو كتر خيره ما اشتكاش... جه الوقت اللي أساعده علشان يرتاح.
رمقه الجد وأردف.
- عارف إنك شاطر ياحفيدي.. ولكن قبل دا كله لازم تتجوزوا ونفرح بيكم مش كدا ياحضرة المستشار.
تحرك راكان للخارج وتحدث.
- لسة لما اقابل بنت الحلال اللي تقدر تسعدني.
قاطعه الجد.
- وبنت الحلال دي قولتلك عليها.
استدار وهو يرمقه شرزًا.
- بنت الحلال اللي تعجب راكان ياتوفيق باشا.
قالها ثم تحرك مغادرًا.
زفر الجد بغضب ونظر لأسعد.
- ابنك من إمتى هيحترم الكبار ياأسعد.
وقفت زينب وتحدثت.
- هعملكم قهوتكم.
صاح الجد بغضب.
- استني عندك... روحي ربي ولادك الأول وبعد كده اعرفي شوفي القهوة.. ولا علشان الولد مش ابنك بتعلميه يبقى قليل الأدب وميحترمش حد.
قاطعه اسعد بهدوء.
- بابا لو سمحت مينفعش كدا... هي قصرت في إيه كل شوية تغلط فيها ليه... ليه مش عايز تتغير... ومن إمتى زينب قصرت في تربيته.. راكان زيه زي سليم.
- انت بتعلي صوتك على أبوك ياأسعد أقوم أرجع عند خالد ولا جلال ولا اروح لسميحة.
في الشركة وصل إلى جراج السيارات.
ودلف إلى المصعد الخاص بملاك الشركة.
أسرعت بعدما تركها المصعد الآخر.
دلفت سريعا ولم يخطر بذهنها أنه موجود به.
حاولت أن تتنفس بهدوء بسبب سرعتها ولكن انتعشت تنفسها برائحته التي مازالت عالقة برئتيها.
استدارت سريعا تنظر للذي خلفها يطالعها بنظراته ماكرة.
- أهلا بحضرة الباشمهندسة النشيطة المتأخرة على عملها نص ساعة كاملة.
شعرت بأنفاسه تضرب وجنتيها وهو يتحدث.
رعشة لذيذة أصابت جسدها ولم تقو على الحديث كأنها لم تعرف الحروف.
حاولت التفوه ولكن الصمت سيد موقفها.
اقترب منها ونظر لداخل عينيها لأول مرة.
تذكر أنه رأى تلك العيون التي تشبه عيون الغزال بل سواد الليل، قبل مقابلته لها بالنيابة ولكن أين لا يعلم.
- كنتي بتقولي إيه امبارح... عايز اسمع.
ارتجفت شفتياها ولاتعلم ما الذي صار لها.
اقترب للحد الغير مسموح وكلاهما ناسيا أو تناسى إنهما بالمصعد.
فهمس.
- أنا شوفتك فين قبل القضية.. إحنا اتقابلنا في مكان تاني صح.
طالعته بصمت وكأن دقات قلبه العنيفة تسحبه دون أن يدري اتجاهها.
- "ليلى" قالها بتلذذ بين شفتيه.
رفعت نظرها له وكل خلية بجسدها تنتفض لقربه.
حاصرها بذراعيه بالمصعد وهي ترتعش كأنها فقدت الحركة.
ورغم ذلك أيقظها عقلها سريعًا.
- ابعد انت اتجننت.
رفع حاجبه بسخرية.
- اتجننت يانهار أبيض أنا شكلي بتهزأ.
رفعت حاجبها مثله.
- اومال اللي يقرب على بنت لوحدها في الاسانسير دا إيه.
فجأة توقف الاسانسير وأظلم المكان بالكامل.
تراجعت بزاوية الأسانسير وبدأت تتمتم بكلمات مش مفهومة.
- قولهم يشغلوا البتاع دا.
دي شركة كبيرة ازاي اسانسير يتعطل فيها.
رأف بحالتها كأن التي أمامه الآن ليس هي منذ لحظات فقط.
صرخت بصوتها كله.
- حد يفتح الباب دا.
- ليلى اهدي من فضلك... هتصل متوترنيش.
- نظرت له في الظلام.
- راكان لو سمحت قولهم يشغلوا البتاع دا بسرعة.
قالتها ودموعها تنسدل بقوة على وجنتيها.
ورغم ما قالته إلا أن نطقها لاسمه ذلذل كيانه ومن غير ما يشعر اقترب يحتوي كفيها ويربت عليهما.
- وهو يردف لها كلمات تشعرها بالطمأنينة.
فجأة اشتغل المصعد مرة أخرى.
هنا فاقت من الصدمة التي كانت تحاصرها وهي بالقرب منه.
انتزعت كفيها بقوة.
ثم أشارت بسبابتها.
- إنت مين أدالك الحق تمسك إيدي.. أنا مش من معجبينك ياحضرة النايب.
قالتها وهي تنظر لمقلتيه بغضب لا تعلم غضب من نفسها بالسماح له من الاقتراب ولا غضب منه وهو يتلذذ بتحطيم غرورها الأنثوي.
توقف المصعد أمام الطابق المنشود وخرجت سريعا تمسح دموعها بغضب... وهي تسب نفسها.
أما هو الذي وقف للحظات جاحظا عيناه من تلك المتمردة.
كيف تطاولت عليه بذلك.
لا تعلم من يكون.
كز على شفتيه بغضب كاد أن يدميها ثم أردف لنفسه.
- فوق دي حتة بنت لا راحت ولا جت.. إنت كل يوم بتقابل أحسن منها.
خطى بعض الخطوات ولكن توسعت عيناه عندما رآها بتلك الحالة.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الرابع 4 - بقلم سيلا وليد
كان وداعه باردًا.. وكأني لم أكن له شيئًا.
أقاوم الوقت من دونه بشكل يهلك قلبي.
ماذا لو تجاوزنا المنطق وتخطينا حدود الواقع..
فكتبت له: كيف حالك؟
فأجابني بعفوية: لست بخير من دونك.
أعلم جيدًا أنك ستشتاقين لي يومًا ما..
وستجدين كل ما يذكرك بي.
ولكنك.. للأسف "لن تجديني" وقد لا أكون موجودًا.
***
خرج من المصعد متجهًا لمكتبه، ولكنه توقف عندما استمع لتهشيم شيء ما. تخطى بعض الخطوات إلى أن وصل لباب مكتبها، وقف ولكنه أصيب بصدمة مما وجدها في حالة يرثى لها.
خطى للداخل وهو يطالعها بعيونه جاحظة مما تفعله. رأته، رفعت كفيها أمامه.
- حضرتك دا مش مكتبك.. ولا شغلي مع حضرتك.. فيا ريت ماتتعداش حدودك معايا بعد كدا.
توقف مجرى الدم في عروقه. حاول السيطرة على نفسه حتى لا يثور بغضبه عليها. فتجولت أنظاره في الغرفة بتأني، يحاول سحب شهيقًا ويطرد زفيره بهدوء. ولكن..
دنت منه بخطوة ورفعت رأسها بشموخ وتحدثت:
- لو أعرف إننا هنتقابل هنا تاني صدقني كنت رفضت الوظيفة حتى لو دفعتولي مال قارون. ودلوقتي عندي شغل.
لقد نجحت في إخراج وحوشه الكامنة وإضرام نار غضبه. فرمقها بنظرة متهكمة.
- أهدي ياماما.. أعصابك شوية... نسيتي نفسك ولا إيه.. إنت هنا في شركتي.. يعني في ملكي.. أدخل أي مكان وقت ما أحب مش هستنى من واحدة زيك تقولي أدخل فين وامتى.
دنى ومازال يطالعها بنظرات مشمئزة.
- إنت مين علشان أقرب منك.. إيه؟ قالها بصوت مرتفع حتى اهتز جسدها. أشار عليها بسخرية مردفًا:
- حبيت أعمل معاك راجل بس شكلك متستهليش. قالها ثم تحرك غادرًا وهو يصفع باب المكتب بقوة.
تجمدت بأرضها وقد شعرت للحظة برغبتها في التلاشي، فلم تعد تتحمل كلامه. وضعت يديها موضع نبضها وهمست لقلبها وتعاتبه:
- بطل بقى.. ملقتش غير دا تدقله.. أنا بكره.. انسدلت دموعها خارطة وجنتيها.
- مش قادرة أكرهك ياراكان مش قادرة.
عند درة.
خرجت من قاعة المحاضرات.. وتحركت متجهة لخارج المبنى. توقفت حينما وجدت دكتورها يقف أمامها.
- باشمهندسة درة ممكن كلمتين على انفراد. اتجهت بأنظارها لصديقتها ثم اتجهت إليه.
- حضرتك ممكن تتكلم.. فيه موضوع خارج الدراسة. هز رأسه بالموافقة.
ربتت أروى على كتفها وتحدثت:
- هستناك قدام شوية يادرة.. خلصي وألحقيني. أومأت رأسها بالموافقة.
وقفت عاقدة ذراعيها أمام صدرها.
- اتفضل حضرتك سمعاك.
طالت نظراته عليها لبعض اللحظات ثم حمحم لكي يخرج صوته ثم تحدث:
- كنت عايز رقم والدك.. عايز أزوركم أنا ووالدتي وأختي.. الوقت اللي يناسبكم.
أنزلت ذراعيها بصدمة.. وألقت نظرة خاطفة على ملامحه كي تستشف بما يقصده.
ابتسم عليها وأردف:
- الصراحة أنا معجب بيك وعايز أزوركم علشان أطلب إيدك.
تورّدت وجنتاها خجلًا... فأنزلت ببصرها للأرض وهي تفرك يديها. لقد صدمها بحديثه. حاولت أن تتحدث ولكنها أصبحت كالعاجزة. ظلت للحظات صامتة إلى أن قاطعها:
- درة مبترديش ليه؟ ممكن أزوركم ولا لأ؟
هزت رأسها ولم تقو على الحديث.
- مش عارفه.. أنا هقول لبابا الأول. قالتها ثم تحركت سريعًا.. وهي تتخبط بخطواتها.
وصلت لأروى التي تناظرها بابتسامة.
- إيه نقول مبروك؟ لكزتها درة وهي تسحبها عندما وجدته متجها لسيارته خلفهم.
- امشي يا كلب البحر.. أنا مش قادرة أقف على رجلي أصلا. رفعت أروى حاجبها بسخرية.
- ليه ياختي لتكوني عشقاه يابت من ورايا.. بس بصراحة هو دكتور مز ويتحب.
لكزتها مرة أخرى ودفعتها بداخل سيارة الأجرة.
- اركبي يا مصيبة حياتي.. هو مين دا اللي مز ياختي.. بتجيبي الألفاظ السوقية دي منين.
عند سيلين.
خرجت من فيلتهم متجهة لچراج سيارتها. توقفت سارة أمامها، واقتربت تطالعها باستهزاء.
- إنما الجميلة متأخرة على الجامعة ولا إنت مش وراكي جامعة وخارجة نعملي فسحة. قالتها وهي تدور حول سيلين.
رفعت بصرها وابتسمت بحبور.
- والله يا سارة لو فاضية كنت عملت معاكي البحث العائلي بتاع العيلة دا..وياترى بتعمليه معايا أنا بس ولا إيه.
اقتربت سارة وهي تناظرها بغضب جحيمي وجذبتها من خصلاتها.. ولكن قاطعهما وصول يونس.
- ابعدي ايدك عنها ياسارة اتجننتي. ايه الهمجية دي.
اسرعت سارة تتصنع البكاء أمامه.
- ماهو لو عرفت قالت إيه يايونس مكنتش زعقت كدا.
مد يونس كفيه لسيلين التي تطالعه وتنتظر جوابه.
- تعالي هاخدك في طريقي ووقت ماتخلصي أرجعك معايا.. مش إنت عندك سكشن بس الساعة تلاتة. ابتسمت بعيونها وهي تهز رأسها بالموافقة. كانت السعادة تحاوطها بسبب اهتمامه بتفاصيلها.
تشابك كفيهما ببعضهما أمام سارة التي نظرت إليها بعيون تطلق شررًا. تود أن تصفعها بقوة. كورت قبضتها بغضب.
فتح باب السيارة وهمس لها:
- ودلوقتي أنا أسعد واحد علشان أميرتي الصغيرة هوصلها الجامعة.
استقلت السيارة بجواره. تحرك بالسيارة أمام سارة التي وقفت تتآكل من الغيظ.
بسط كفيه واحتوى كفيها ثم رفعه وطبع قبلة بداخله. مما أصابها برعشة مرت بسائر جسدها. وبحركة أذابتها ودغدغت مشاعرها. دني هامسًا إليها.
- نفسي أقول للدنيا كلها... أنا أسعد راجل في الدنيا النهاردة وأخيرا عرفت انفرد بحبيبتي. قالها وهو يجذبها ويضمها لأحضانه. ثم قبّل رأسها.
- أكيد إنت عارفة أنا بحبك قد إيه. قالها وهو يجمع خصلاتها على كتفها. حتى لفحت أنفاسه وجنتيها.
شردت بملامحه التي تعشقها منذ نعومة أظافرها. رمقها بنظرة خاطفة ثم غمز بطرف عينيه.
- حلو مش كدا. اعتدلت تستند على المقعد وتحدثت بهدوء رغم ضجيج قلبها.
- يونس هتعمل إيه في قرار جدو. تجاهل سؤالها ومازال يقود السيارة. بسط كفيه وقام بتشغيل الكاسيت الخاص بالسيارة.
- شوفي الأغنية اللي الكل ماشي بيغنيها دلوقتي. ارفع صوتها "سطلانة" حتى يشتت تركيزها بإجابته.
التفت بأنظارها للخارج تنظر من النافذة. وعرفت من جهله لأجابتها. زفر بحزن عندما وجدها بتلك الحالة.
جذبها مرة أخرى لتستقر بأحضانه. وظل يمسد على خصلاتها.
- سيلي حبيبي مش عايزك تخافي من قرارات جدو.. أنا هحل الموضوع.
كادت أن ترفع رأسها من على كتفه ولكنه رفض.
- سيلين أكيد إنت حاسة وعارفة أنا بحبك قد إيه.. فيا ريت حبيبي تصبري شوية وأنا هظبط الدنيا.
خللت أصابع كفيه بأصابعها وتحدثت ومازالت تستند برأسها على كتفه.
- يونس وأكيد إنت عارف أن علاقتنا بقالها قد إيه.. وكمان مضايقة من نفسي علشان اخواتي عندهم ثقة فيا متخلنيش أندم إني حبيتك لو سمحت.
أعدل وضعيتها وأدار وجهها إليه.
- أنا هتكلم مع راكان في أقرب وقت.. كنت هقوله لكن جدي جه هد كل مخطوطاتي.
هزت رأسها بتفهم ورفعت بصرها إليه.
- أنا معرفش جدو بيعمل كدا ليه.. ومعرفش مابيحبنيش ليه.
مسد على خصلاتها بكفيه ونظر لعيناها.
- صدقيني معرفش.. ولو أعرف كنت قولتلك.. أنا بحاول أبعد نظره عن علاقتنا علشان ماينفش دماغه ويعمل حاجة فيا زي ماعملها في راكان.
رفع ذقنها وهو يوزع نظراته بينها وبين الطريق.
- سيلو عايزك تتأكدي أنك الوحيدة اللي هزت قلبي.. وابعدي عن سارة خالص.
تحولت ملامحها الهادئة إلى أخرى ثائرة فدفعت كفيه بعيدًا.
- انسى يابن عمي.. خليها تقرب مني وشوف هعمل فيها إيه. ثارت زوابع غضبها. فأمسك كفيها يقبلها.
- سيلي اهدي حبيبي.. أنا بحاول ألاقي مخرج مش أكتر.
بلعت غصة بجوفها منعتها من التنفس فأردفت بنبرة مبطنة بالبكاء.
- يونس أنا بحاول أضغط على نفسي قدامها وهي كل شوية تقولي يونس بيكلمني وبيجبلي و.. وو..
وضعت كفيها على وجهها وانخرطت بالبكاء.
- صعب أتحمل واحدة عمال تتغزل في حبيبي.. كتير أوي على قلبي بجد حرام اللي بيحصلي دا.
توقف بالسيارة على جانب الطريق. عندما وجد انهيارها. دمى قلبه لحالتها. جذبها بقوة لأحضانه كأنها ستتركه وترحل وبدأ ينطق بصوت ممزوج بمشاعره.
- سيلي حبيبي.. عارف إنك في موقف صعب.. لكن صدقيني الفترة دي مش هطول. أخرجها من أحضانها وحضن وجهها بين كفيه.
- أنا مقدرش أبعد عنك.. إنت عارفة إنت إيه بالنسبالي.. أنا بحبك بجنون.
امسك كفيها ووضعها موضع نبض قلبه.
- دا ملكك إنت وبس.. مستحيل ينبض لحد غير سيلين. ابتسم لها ومسح عبراتها التي كوت قلبه وأردف.
- حب عشر سنين.. تخيلي كدا ممكن أن أتخلى عن حب مكنون في قلبي من عشر سنين. إنت كنتي بذرة ودلوقتي شجرة اتفرعتي جوايا.
حاوطها بنظراته المحبة لقلبها. عايز أشوف ابتسامة حبيبي.
ابتسمت حتى لمعت عيناها. وضع جبينه فوق جبينها وهمس.
- بموت فيك يا طفلة يونس وعشق قلبه.
في مزرعة يحيى الكومي.
تجلس بين الزروع وتأخذ بعض الشتلات النباتية لفحصها. كان يتمايل جواده. رآها وهو عائدًا من جولة صباحية. اتجه لحظيرة الخيول. واضعًا جواده بمكانه ثم اتجه إليها. وصل إليها ولكنه دون انتباه.
ظل يتطلع عليها بنظراته الحزينة على حب طفولته وصباه ولكن كان للقدر رأي آخر.
أمسكت زهرة من بعض الزهور التي تحاوطها ثم استنشقت عبيرها وهي تغلق عيناها بإستمتاع لرائحتها العبقة.
- ياريتني مكانها. هزة أصابت جسدها واتجهت بنظرها مدهوشة من وجوده بل لما سمعته ملجمة اللسان تستطيع النطق أو النظر إليه. ولكنها أبعدت بنظرها عن مجرى نظراته.
خطى بخطوات متمهلة عكس دقات قلبها التي ارتفعت بصدرها. حتى وصل ولم يفصل بينهما سوى خطوة واحدة.
- مبترديش عليا ليه؟ قالها نوح وهو يطالعها بإشتياق.
استدارت تواليه ظهرها وعبرة غائرة على وجنتيها مسحتها سريعًا ثم أردفت متسائلة.
- مش فاهمة قصدك يادكتور. خطى حتى وصل بمقابلتها ونظر لمقلتيها.
- عايز أعرف إيه اللي حصل يوم الحفلة يا أسماء من يوميها وإنت متغيرة.
قالها متصلب أنظاره عليها. أما هي فكأن كلماتها هوت فوق رأسها كالماء الساخن وشعرت وكأن الأرض تموج من تحت قدميها. ورغم ما شعرت به.
فركت كفيها وهي تتهرب بنظراتها بجميع الاتجاهات. ثم أردفت بصوتها مهزوز بعض الشيء.
- معرفش تقصد إيه.
ضحك ضحكة مستهزئة واتجه إليها يرمقها.
- بجد!! متعرفيش قصدي. أسبلت جفنيها تحاول الثبات أمامه. ساد صمتها مما جعله يأخذ نفسًا عميقًا حتى استمعت إليه.
- تمام ياباشمهندسة.. مترجعيش تعيطي بعد كدا. قالها ثم تحرك للخارج.
في مكتب راكان.
دلف للمكتب وهو يكور قبضته بقوة. ثم ضربها بقوة بجدار الغرفة حتى يخرج غضبه الذي أشعلته تلك المرأة. أحرقته بكبريائها وشموخها.
بدا وقلبه يضخ نيران وليس دماً. ثار وثار إلى أن فقد توازنه.
اتجه لمكتبه وكلما تذكر حديثها، تزداد نيران صدره اشتعالاً بثورانها. طاحت يمينه بكل ما قابله على المكتب، وهو يمسح على وجهه بغضب.
قام بفتح زر قميصه الأبيض بعدما خلع جاكيت بدلته، وبدأ يزرع المكان ذهاباً وإياباً كالأسد الجائع. يود لو يصفعها بقوة على فمها حتى يخرسها.
لحظات بل دقائق وهو يحاول ضبط أعصابه كي لا يخرج إليها مرة أخرى. جلس مطبقاً على جفنيه بقوة. لحظة، اثنتين، وكلماتها نخرت قلبه بشدة، بل كانت كزجاج تشحذ طبقات صدره.
"ليه يا ليلى؟ بعد دا كله وجاية تدبحيني بكلماتك؟"
أغمض عينيه محاولاً سحب نفس لرئتيه عندما شعر باختناقه.
"عملت دا كله وفي الآخر اتمنيت إنك مش تشوفيني."
قاطعه طرقات على باب المكتب.
دَلفت السكرتيرة.
"الأستاذ حمزة برة."
أومأ برأسه دون حديث. دلف حمزة غامزاً بعينيه ولم يلاحظ حالته فتحدث:
"مصدقتش لما عرفت العصفور وقع في القفص."
مسح على وجهه بغضب وهز رأسه، ثم أخرج تبغه وقام بإشعاله بطريقة حارقة مثل قلبه الذي يحترق كسيجاره.
جلس حمزة وطالعه بتقييم.
"راكان مالك فيه حاجة؟ دا أنا قولت أباركلك على خطتك يا عم لما عرفت إن ليلى اشتغلت عندكم."
زفر دخانه بقوة حتى اختفى وجهه خلف غباره واردف:
"حمزة بلاش نتكلم في الموضوع دا دلوقتي، لو سمحت. وزي ما اتفقنا نوح مايعرفش حاجة، مش هأكد عليك."
توقف حمزة متجهاً إليه ثم جلس أمامه على المكتب.
"تمام نوح مش هيعرف ولا حتى يونس. بس احكيلي مالك ومن زمان مشفتش حالتك كدا."
هز رأسه ومازال يدخن بشراسة، حتى انقطع تنفسه من كثرة استنشاقه. دقائق وحمزة يتابعه ولم يتحدث لأنه يعلم حالته وقت غضبه.
اتجه للنافذة حتى يستنشق بعض الهواء النقي هروباً من غبار تبغه الذي ملأ الغرفة.
عقد حمزة ذراعيه أمام صدره ومازالت نظراته عليه. عاد راكان يقف بمقابلته، مربتاً على كتفه.
"أنا كويس.. شوية مشاكل بس وهتتحل إن شاء الله."
"ليلى السبب؟" قالها حمزة بتحفز.
شعور مقيت يجعل دقاته تتقاذف بين ضلوعه في نيران تحرق قلبه من مجرد ذكرها.
أخذ نفساً طويلاً من تبغه مرة أخرى وقال بعدم اهتمام:
"إنسى الموضوع دا كله.. ولا كأننا اتكلمنا فيه."
رفع حاجبه متسائلاً.
"أي اللي حصل يا ابني؟ مش دي اللي فضلت تخطط وتخلي الشركات كلها ترفضها، لحد ما خليت نوح يكلمها عن شركتكم. ودا كله ليه؟ إنت مش عايز تعقل يا راكان."
تحرك وبدأ ينظر إليه بغضب.
"كان عندي أمل فيها وقولت يمكن دي اللي تفوقك يا صاحبي لكن طلعت غلطان."
نفث دخان تبغه ومازال جالساً بمكانه فتحدث بهدوء:
"بتكرهني قد كرهك لداليا يا حمزة؟"
جحظت عينا حمزة وهو يهز رأسه بصدمة فأردف:
"مستحيل.. اللي بتقوله مستحيل."
قاطعهم سليم عندما دلف بابتسامته.
"انتوا قاعدين هنا وأنا قاعد باكل في الورق لوحدي."
قهقه حمزة وهو يرمق راكان الذي خيم الحزن بعينيه.
"كنت هعدي أسلم عليك وأخد شوية ورق أتسلى فيهم في العربية لما أجوع."
ضحك سليم بصخب وهو ينظر لراكان.
"شفت صاحبك.. شكل يونس عداه."
تركهم راكان وتحرك للخارج ولكنه توقف.
"سليم شوف نورسين عملت إيه.. وجهز نفسك لمؤتمر الغردقة علشان أنا مش هسافر. عندي قضية في مرسى مطروح.. ومينفعش حد غيري. شوف حد من المهندسين المطبقين للمشروع واجهزوا."
قالها ثم تحرك للخارج.
بعد أكتر من ساعتين في العمل.
أعطى السكرتيرة بعض الأوراق.
"ابعتي دول لسليم.. وابعتيلي المهندسة ليلى وآسر."
أخذته السكرتيرة وأجابته بطاعة.
"تمام يافندم."
ثم تحركت دون حديث. رجعت المهندسة وتحدثت:
"الباشمهندسة ليلى مشغولة بمشروع الغردقة حالياً."
هب فزعاً واتجه إليها بغضب من طريقتها التي هيجت أعصابه لدرجة جعلته يفكر بصفعها. احتقن وجهه من الغضب ما يكفي.
***
بمكتب ليلى.
وقفت تحتسي مشروباً دافئاً ليقيها برد الشتاء القارص. دلف إليها وألقى ما بيديه.
"خدي التصميم دا راجعيه عليه كله أخطاء... ياريت تركزي في شغلك بدل ما إنتِ عمالة تضحكي مع دا ودا."
لم تحيد ببصرها عنه، كانت تستمع إليه بملامح جامدة. صاح بغضب عندما وجد برود نظراتها.
رفع سبابته إليها وأردف غاضباً.
"أنا بحذرك التكاسل بشغلك... وشغلك تحت إشرافي بعد كدا... ماهو مش بدفع الرواتب دي كلها علشان تيجوا تهزروا مع بعض."
وخرج مطارداً من عدوه.
وقفت مصدومة من حديثه، محاولة استيعاب ثلجية كلماته التي ألقاها عليها وبريق عينيه التي تحدقها شرزاً. جلست على مقعدها. هي تعلم إنها أخطأت بحقه ولكنه رد إهانتها أضعاف.
حاولت أن تتنفس بهدوء علها تملأ رئتيها بالأكسجين الذي شعرت أنه انسحب بالكامل من حولها.
"ليه بتأذيني بطريقتك دي... إنت مفكر نفسك مين... ملعون أبو الوظيفة اللي هتهين كرامتي دي."
وقفت محاولة استجماع شتات نفسها وتحركت متجهة لغرفة سليم بعد ما أخذت ورقة وقلم وكتبت استقالتها للمرة الثانية.
اتجهت للسكرتيرة الخاصة بسليم.
"البشمهندس سليم موجود."
أومأت برأسها بـ. تحركت متجهة إلى سليم.
دَلفت للداخل ثم وضعت استقالتها أمامه.
"آسفة مستحيل أكمل الشغل في الظروف دي."
وقف سليم واتجه إليها جالساً أمامها وطلب منها الجلوس.
"ممكن تحكيلي إيه اللي حصل؟"
زفرت باختناق ونيران صدرها مشتعلة من ذلك المتجبر.
"حضرتك سؤال واحد بس... مين المسؤول عن المجمع دا غير المهندسين... إيه علاقة الأستاذ راكان بشغل المهندسين؟"
جحظت عيناه من حديثها.
"راكان؟" قالها متفاجئاً. "ماله راكان هو إيه اللي حصل بينكم تاني؟"
وقفت وتحدثت.
"أنا مش جايه لحضرتك علشان أقولك قال إيه أنا خلاص عايزة استقيل."
"تمام يابشمهندسة استقالتك مقبولة."
قالها راكان وهو يقف مستنداً على باب غرفة المكتب ثم أكمل حديثه.
"عندك شرط جزائي ادفعيه ومع ألف مليون سلامة."
"راكان!" صاح بها سليم.
نظر لأخيه بغضب.
"فيه إيه ممكن أعرف؟ احنا فاتحين الشركة ليه إيه... علشان نشتغل ولا نقعد نهزر مع الموظفين ناسين شغلنا... ونعمل شغل كله أخطاء... احنا مش هنيجي على آخر الزمن سمعتنا تنضرب بسبب مهندسة غير مسؤولة."
تحركت متجهة له وعيناها تطلق لهيباً لو أخرجته لحرقته بالكامل.
"مسمحلكش كفاية إهانة لحد كدا... أنا مقصرتش في شغلى... وإن كان حضرتك بتتكلم على وقفتي مع الباشمهندس آسر فكان بيعزمني على خطوبة أخته اللي هي أصلاً بنت عمي مش واقفة أضحك مع حد غريب.. لا أخلاقي ولا قيمي تسمحلي أخرج عن المألوف مع أي شخص.. وحضرتك عارف دا كويس."
نفس غضبه بدخان سيجاره وتحدث بغروره.
"مش مسمحولك وقت شغلك تتكلمي مع حد في إطار غير الشغل... لو على الأخلاق ياما فيه بنات ماشية تدعي الأخلاق بستار خلف أعمالهم."
"آخرص." قالتها بصوت مرتعش.
لقد طعنها بخنجر سام بقلبها، فانسكبت دمعة من طرف عينيها.
"آسفة." قالتها ثم خرجت مسرعة ودموعها تتساقط بقوة. لأول مرة تشعر بالعجز.
زفر سليم بغضب مختنق ليتحدث إليه بغضب خيم دخان نبرته.
"ليه كدا يا راكان من إمتى وأنت ظالم... البنت نشيطة وبتعمل شغلها المطلوب بدقة عالية."
قالها ثم تحرك خارجاً إليها.
جلس راكان وهو يمسح على وجهه بغضب من نفسه. يعلم أنه أغضبها وجرحها بحديثه المهين. تذكر صباحاً عندما دلف إلى مكتبه وجدها تقف مع أحد المهندسين وهي تضحك ببراءة. كانت كطفلة بريئة بملامح جذابة لكل من ينظر إليها. شعر بدقات عنيفة تجاهها. خطى عدة خطوات إليها ولكنه تراجع عندما استمع لأحد الموظفين.
"المهندسة ليلى دي جميلة أوي عليها جسم صاروخ ولا ضحكتها يخربيت جمالها فعلاً."
عقب آخر.
"تعرف نفسي أتكلم معاها بس... لا والباشمهندس سليم عمل حصار عليها يا عم ومكتب خاص لوحدها وجنبه وتحت إشرافه بعد ما كنت تحت إشراف المهندس آسر."
ضحك الآخر.
"ماله حق آسر عينه هتطلع عليها... إنت مش واخد بالك من الكيميا اللي بينهم... لا وبنت عمه هو أولى بيها."
عاد إلى مكتبه ونيران صدره تكاد تحرق قلبه.
أفاق من شروده عندما دَلفت نورسين.
"حبيبي فينك روحت مكتبك بس مكنتش موجود."
وقف متجهاً للخارج.
"أكيد مش هكون موجود وزي ما حضرتِك شوفتي أنا هنا أهو."
وصل لمكتبها.
"سليم أنا خارج عندي قضية وقدامي أسبوعين لحد ما أرجع. أنا كنت جاي أبلغك."
قالها وتحرك دون أن ينظر لها. شعرت بحزن من كلماته لا تعلم لماذا.
هل لأنها لم تراه مرة أخرى لمدة أسبوعين؟
أم لأنه خرج دون أن يعتذر منها أو تعتذر منه؟
نظرت لخروجه وجدت نورسين تطوق ذراعه متحركة معه للخارج. أغمضت عينيها وهي تسب نفسها كثيراً.
بعد قليل.
كانت تجلس تراجع التصميم الذي أحضره لمراجعته، ووجدت به أخطاء. تذكرت حديث سليم منذ قليل.
"ليلى راكان راجل قانوني بيحب يشوف كل حاجة مليون المية... هو ممكن يكون عنده مشكلة في القضية اللي ماسكه وخصوصاً إنها في مرسى مطروح. صديق عزيز عنده حصل عنده حالة وفاة فلازم يوقف معه ياخد قضاياه اللي مفروض يترافع فيها... ومش هخبي عليكي كل قضية في مكان مختلف."
نظر لها وأكمل حديثه.
"ليلى لو سمحتي شوفي التصميم تاني فيه أخطاء فعلاً... معرفش إزاي ما أخذتيش بالك منه... أنا مع راكان في الشغل... بس طبعاً كلامه التاني فأنا آسف بدلاً عنه... وأنا بوعدك ما عادش هيتعرضلك بأي كلمة."
صوت نفس طويل خرج من رئتيها بعدما نظرت للتصميم ووجدت أخطائها.
"تمام يابشمهندس... بس سؤال."
"هو إزاي عرف أخطاء التصميم دا مع إنه مش مهندس؟"
ضحك عليها سليم.
"راكان عارف كل حاجة... ما يغركيش شغله بس هو مش مندمج أوي معانا. صدقيني لو فضل في الشركة حالها هيتطور... بس هو مش حابب الشغل دا... بيحب شغله التاني أو بمعنى أصح بيهرب بشغله بطموحه."
ضيقت عينيها وتسائلت.
"يعني إيه مش فاهمة؟"
اقترب واضعاً يديه على المكتب ونزل بمستوى جلوسها.
"أكيد هيجي وقت وأحكيلك كل حاجة... نفوق بس من مشروعنا دا اللي هينقلنا نقلة جديدة وبعد كدا هنقعد مع بعض كتير وأحكيلك كل حاجة مش عنه بس عن العيلة كلها."
استغربت حديثه ورغم ذلك تحدثت.
"تمام... هشوف التصميم تاني."
***
بمكتب حمزة.
يجلس يراجع قضية لشخص ما. قطع تركيزه رنين هاتفه.
"أيوه مين؟"
استمع لتنهيدات أنثوية.
"عامل إيه يا حمزة وحشتني!!"
وقف متجهاً للنافذة بعدما علم هوية المتصل.
"عايزة إيه يا سلمى؟"
أجابته كحية رقطاء.
"لسة زعلان مني يا حمزة... والله عرفت قيمتك بعد ما بعدت عني... عرفت فعلاً إنك..."
قاطعها وتحدث بغضب.
"قولي بسرعة عايزة إيه معنديش وقت."
"حمزة أنا اكتشفت إني بحبك فعلاً... فعلاً زي ما أنت قلت أنا كنت موهومة ومفكرة نفسي إني بحب راكان بس والله بعد بعدك عرفت إني بحبك إنت."
كور يديه بغضب متملك قائلاً بتأفف.
"سلمى كان فيه منه وبح خلص."
خفي عني يا سلمى لأني ما عدتش حمزة القديم. وإنتي زيك زي داليا، بكرهكم انتوا الاتنين. ودلوقتي وبعد إذنك مش فاضي، ويا ريت ماتتصليش بيا تاني.
اتسعت عيناها من حديثه. ظنت إنها لما تتكلم معاه، هيسرع إليها بسبب حبه المتمادي لها.
كزت على أسنانها بغيظ.
- والله ما هرحمك يا حمزة، لأخليك تيجيلي زاحف.
دلفت والدتها إليها.
- إيه يا سلمى اتجننتي؟ يابنتي بتكلمي نفسك.
- مفيش يا ماما.
قالتها وهي تشعر بأن دمائها تغلي من شدة الغضب.
جلست والدتها مقابلتها.
- كلمتي راكان ولا لسه؟
كانت تنظر من النافذة بشرود.
صاحت والدتها مرة أخرى.
- سلمى بقولك، كلمتي راكان ولا لسه؟
أخذت شهيقا عميقا واستطردته.
- لسه يا ماما، والصراحة مش عايزة أكلمه. بارد ومتكبر ومبحبوش.
وقفت والدتها واتجهت تصرخ بوجهها.
- نعم يا أختي، هو مين دا اللي بارد؟ إحنا هنستهبل، مش دا راكان اللي رفضتي العرسان بسببه؟
- أوووف يا ماما، دا كان زمان مش دلوقتي. دلوقتي حسيته مغرور، دا مابيقولش كلمتين يرضوا ربنا وهو بيبصلي. كل ما أقعد معاه يا إما ماسك تليفونه، يا إما بيتكلم لي على كسوف الشمس وخسوف القمر.
- إنت مالك النهاردة يابت؟ عايزة إيه؟ مش دا راكان اللي خليتيني أتخانق مع فريال بسببه؟
هي لم تسمع ما تتفوه به والدتها، أو ربما ما يدور حولها. كل ما تشعر به رغبة عارمة في الوصول إلى حمزة. لقد اشتاقته كثيرا.
نظرت من النافذة وهي ما زالت على شرودها.
- معقول يا حمزة تكون نسيت سلمى بالسرعة دي؟
بفيلا خالد البنداري.
خرجت من المرحاض وهي تدندن بصوتها الناعم. فجأة توقفت عن الغناء.
- صباح الخير يا يارا. فيه حد يخض حد كدا؟
أشارت لها يارا بالجلوس.
- عايزة أتكلم معاكي شوية يا سارة، ممكن؟
مطت شفتيها بسخرية، ثم جلست واضعة ساقا فوق الأخرى.
- بسرعة بس علشان عندي ميعاد مهم.
انكمشت ملامح وجه يارا بامتعاض من أسلوبها المستفز.
- ممكن تسمعيني يا سارة لو سمحتي، وبلاش طريقة الاستهزاء بتاعتك دي.
- زفرت بحنق وأجابتها.
- تمام يا يارا، خير. أنا سامعاكي أهو.
- مالك ومال سيلين؟ ليه دايما بتحاولي تضايقها؟ دي بنت خالنا ووحيدة، مالهاش إخوات بنات.
انفجرت ضاحكة ووقفت وهي تضرب يدا بالأخرى.
- مين دي اللي بضايقها؟ ومين دي بنت خالنا؟ شكلك طيبة أوي يا بنت عمتي، بس حبيت أوضح لك حاجة.
- تبعد عن حبيبي وأنا أبعد عنها.
زفرت يارا باختناق من طريقتها.
- كلنا عارفين إن يونس بيحب سيلين يا سارة، ماتضحكيش على نفسك.
التوى ثغرها ساخرة ثم توجهت لغرفة الملابس.
- مين اللي ضحك عليكي بكدا يا قلبي؟ أظن إنت أكتر واحدة عارفة أنا ويونس مرتبطين من زمان، لحد ما نقلنا هنا جنبهم وبدأت تتلاعب عليه. وأهو أخد شوية معاها.
خرجت برأسها وتحدثت بسخرية.
- حب يجرب حاجة جديدة عليه. يعني واحدة تقول نعم وحاضر وبس.
انعقد حاجب يارا.
- مش معقول يكون بيلعب بمشاعر بنت عمته.
قهقهت سارة بالداخل.
- المفروض تقولي دا لو ما عملش كدا، ما يكونش يونس بتاع الستات.
تمتمت يارا بكلمات استياء محاولة إبعاد سارة عن يونس.
- اللي أعرفه إن يونس بيحبها. يعني من الأفضل ترفضي قرار جدك.
خرجت وهي تقوم بهندمة ملابسها المثيرة للغاية.
- بصي يا يارا علشان ما نزعلش مع بعض. إنت عندك راكان، روحي العبي براحتك معاه. بلاش تدخلي في حياتي علشان ما أدخلش في حياتك.
ثم اقتربت ونظرت لها بقوة.
- بلاش إنت يا يارا، متنسيش إن سلمى هتموت وحد يساعدها علشان تجذب راكان ليها. بس أنا بقول إن عينه منك. فخلي عينه دي عليكي يا قلبي بدل ما تلف على حد تاني.
في فيلا يحيي الكومي.
كان يجلس يراجع بعض أعماله. دلفت إليه أسما.
- دكتور يحيي، أسيا الدكتورة البيطرية جت وشافت السلالات الجديدة بتاعة الأحصنة وبتقول ممتازين. وأنا شفت البذور والشتلات بتاعة المزرعة.
أومأ برأسه.
- تمام يا أسما، شكرا يا بنتي.
- مطلوب مني حاجة تانية؟ أنا بعت برنامج الخاص بتاع الشتلات دي.
اتجهت مغادرة بعد ما أنهت حديثها. ولكنه أوقفها.
- أسما استني، عايز منك خدمة.
استدارت له حتى تعلم ماذا يريد منها.
تسلطت عيناه عليها وتحدث بهدوء، لعله يبعد أي واجس بداخله.
- عايز منك تكلمي نوح، خليه يوافق يروح معايا نخطبله.
حدقت به بصدمة من كلماته، عندما شعرت كأن صاعقة صفعتها بقوة. وقلبها يتمزق ألمًا. تجمدت مكانها وجسدها يرتعش من صدى طلبه منها. رفعت نظرها وبدأت تتلعثم بالكلمات ويداها ترتعش.
- تفتكر هيسمع مني؟ هو بقاله فترة كبيرة ما عدش بيتكلم معايا، معرفش ليه.
استند بظهره على المقعد ينظر لها وإلى صدمتها. ورغم ذلك لم يرحمها، بل صفع قلبها وأدماها بكلماته.
- عارف يا بنتي إنه ما عدش بيكلمك. وشكرا للي عملتيه علشاني وعلشانه. لكن عايزك دايما تعرفي إن دا دكتور كبير وكمان ابن مين. كبر وعرف إنه مينفعش يتكلم مع أي حد. بس أنا فكرت فيكي، قولت يمكن لسة عنده صدق مشاعر الرأفة بحالتك ويسمع منك زي زمان. فاكرة زمان يا أسما؟ أيام لما كان بينقذك من ضرب أبوكي ليكي إنت وأمك.
أغمضت عيناها بوجع. وشعرت بقبضة قوية تعتصر فؤادها. وكأنه يضعها فوق لهيب ليشتعل قلبها أكثر وأكثر. حتى تحولت ملامح وجهها وأصبحت بملامح شحوب الموتى.
- حاضر يا دكتور. أوعدك هكلمه لو سمع مني.
قالتها وخرجت دون حديث آخر. خرجت وهي تتضارب بخطواتها كأنها لا تعلم إلى أين ستذهب. ضائعة، تائهة بين الدروب. فجأة اصطدمت به وعيونها تنسدل عبراتها كالشلال.
جحظت عيناه عندما وجدها بهذه الحالة.
- أسما مالك؟ فيه إيه! وإيه الدموع دي!
مسحت دموعها بقوة وتحدثت بغضب.
- أنا كويسة، مفيش حاجة. بعد إذنك.
في فيلا أسعد البنداري.
دلف للفيلا، وجهه ينم عن غضب شديد. قابلته سيلين على باب الفيلا.
- مساء الخير يا آبه.
أومأ برأسه دون حديث وتحرك مغادر. ضيقت عيناها مستغربة حالته هذه.
- آبه راكان، ممكن طلب.
توقف في سيره وما زال مولياها بظهره.
- فيه حاجة يا سيلين؟
اقتربت وهي تفرك يديها. حمحمت ثم تحدثت.
- الكلية عندنا عاملة رحلة لشرم الشيخ. وأنا بعد إذنك يعني نفسي أروح مع صحابتي وأغير جو.
استدار قاطبا جبينه.
- إحنا بنروح كل سنة تقريبا شرم أنا وإنت ويونس. ليه السنة دي عايزة تروحي؟ وكمان إحنا في الشتا. هي الرحلة دي إمتى؟
اقتربت تستعطفه بعينيها ثم تحدثت بصوت حزين.
- لو سمحت يا آبه، نفسي أخرج زي زمايلي. عايزة أحس إني زيهم.
صدمته بكلاماتها. اقترب جاذبها لأحضانه.
- إيه اللي بتقوليه دا يا حبيبة أخوكي؟ هو أنا حارمك من حاجة؟ دا إنت أهم حاجة في حياتي.
ابتسمت ومسحت دموعها سريعا.
- خلاص وافق لو أنا مهمة عندك، نفسي أروح معاهم بليز يا راكان.
رفع حاجبه بسخرية.
- بليز وراكان؟ لا دا شكلها طارت منك يا سيلي.
ألقت نفسها بحضنه تستعطفه.
- وحياتي عندك يا آبه، يا رب ينولك اللي في بالك ويسعدك يا أخويا يا حبيبي يا رب.
- باااس يخربيتك. اللي يسمعك يقول البت بتشحت عليا.
ضحكت بصوتا هادئ. وضع يديه على ذقنه بتفكير ثم نظر لها مضيقا عينيه.
- هوافق تروحي بس بشرط.
ضيقت عيناها وتسائلت.
- وإيه هو شرطك يا حضرة المستشار؟
- أشوف يونس ولا سليم الفاضي يروح معاكي. ما هم دول اللي أقدر أمنلهم يا سيلي، غير كدا انسي.
ضربت قدمها بالأرض وهي تكز على شفتيها.
- يعني مفيش فايدة فيك أبدا يا آبه.
ارتدى نظاراته وتحرك.
- أبدا يا سيلي. هتروحي زي ما إنت عايزة أهو مع صحابك، بس برضه حد من أخواتك ياخد باله. ومتقوليش مش واثق فيكي، أنا مش واثق في اللي معاكي يا حبي.
قالها وهو يصعد درجات السلم.
دلف غرفته وقام بخلع جاكتيه بعنف. جلس على أطراف الفراش وهو يمسح بعنف على وجهه كلما تذكر تلك الليلة التي أذهبت بعقله لجحيم التفكير بها.
ألقى بظهره على الفراش ينظر للسقف ويتذكر جميع لقاءته بها. يتذكر تلك العيون جيدا. نعم رآها قبل القضية، ولكن لم تسعفه ذاكرته للتذكر.
تذكر ذلك اليوم وهي تخرج من باب الشركة، وكانت تنتظرها فتاة تشبهها كثيرا بخجلها ورقتها، ويبدو إنها تصغرها بالعمر.
اقترب من الفتاة عندما وجد أحد الشباب يضايقها بحديثه.
- فيه حاجة يا آنسة، واقفة كدا ليه هنا؟
فركت يديها ونظرت بخجل للأرض.
- مستنية أختي، شغالة هنا. وهتخرج بعد شوية.
أومأ برأسه ثم أشار لها عندما وجد الشبه الكبير بينهما.
- طيب ادخلي استنيها عند الريسبشن، وقفتك في الشارع مش كويسة.
أومأت متحركة للداخل دون حديث معه.
تحرك لسيارته الذي أحضره فرد الأمن. وتحرك أمامه البودي جارد المسؤول عن حمايته.
فتح باب السيارة جالسا بالخلف مرتديا نظارته، إذ بها تخرج من الباب الرئيسي وهي تضم أختها وتضحك ببراءة. ضحكتها التي خطفت لب قلبه وليس عقله فقط. ظل واقفا يتابعها بعينه.
أوقفها المدعو آسر.
- باشمهندسة ليلى، لحظة من فضلك.
استدارت له وما زالت ابتسامتها تنير وجهها.
- أيوه، فيه حاجة.
اتجه آسر بنظره لدرة وبسط يديه بتحيته.
- أزيك يا أدور.
- الحمد لله يا أسورة.
- كنت بقولك لو ينفع بكرة نخرج بعد الشركة، عازمك على الغدا.
قطبت مابين حاجبيها.
- آسفة يا آسر، مشغولة.
قالتها ثم تحركت متجهة لتاكسي وركبت مغادرة نهائيا. وقف آسر ينظر لها بنظرات عاشقة إلى أن اختفت. أغمض عينيه وكأن قبضة قوية تعتصر فؤاده عندما وجدها اليوم تقف وتبتسم معه رغم إنها ابنة عمه. ولكنه رفض التحدث بصوتها الناعم لغيره. اعتدل سريعا وهو يمسح بغضب على وجهه كلما تذكر أنها ابنة عمه. ولكنه رفض التحدث بصوتها الناعم لغيره. اعتدل سريعا وهو يمسح بغضب على وجهه كلما تذكر ذلك. ود لو اختطفها من الجميع ولا يراها سواه.
وقف متجها لمرآته وظل ينظر لنفسه ويتحدث مع نفسه كأنه شخص آخر.
- فيه إيه يا راكان، أول مرة تكون ضعيف كدا. دا أجمل منها بيتمنوا نظرة منك. فوق كدا، متخليش ست تتحكم فيك. بقالك شهور بتخطط علشان تبقى جنبك، ويوم ما تقرب تهينك بالشكل دا.
أطبق على جفنيه بألم. يكفي ما أحس به قلبه من كرهها اللامتناهي له، ولا يعرف لماذا.
بعد أسبوعين.
داخل غرفة المكتب تجلس تطالع ساعة يديها. ثم نظرت للأوراق التي أمامها دون تركيز.
طالعها سليم بابتسامة.
- إيه، وراكي مشوار؟ كل شوية بتبصي في الساعة.
هزت رأسها بالنفي واتجهت تنظر لتصميمها مرة أخرى وهي تشعر بالحزن. قاطعهم رنين هاتف سليم.
رفع نظره ليونس وتحدث.
- دا حمزة بيتصل بيا ليه، غريبة.
- طيب رد. ممكن عايز يسأل على راكان. ممكن ما يعرفش إنه في مطروح.
قالها يونس بقلق.
- حمزة حبيبي.
ولكنه هب فزعا وهو يصيح.
- هو فين دلوقتي؟ بتقول مستشفى إيه يا حمزة.
صرخ بها سليم وهو يجمع أشياءه، متحركًا للخارج. ثم صاح ليونس:
- راكان انضرب بالنار يا يونس.
ارتعدت أوصالها، والرعب والخوف تملك منها حتى شعرت بالدوران يجتاح جسدها بالكامل، وكأن الأرض تميد بها.
استفاقت سريعًا تنادي باسمه لسليم.
- راكان كويس؟
توقف يونس يرمقها بعدما استمع للهفة سؤالها عنه.
أسدلت جفنيها تنظر للأسفل، تلعن نفسها من تسرعها. فتحدثت:
- هو حالته إيه؟ كويس؟
قالتها بهدوء. كان سليم قد خرج سريعًا ولم يتبق بالغرفة سواها مع نظرات يونس التي تحاوطها.
- لما نروح هنعرف، وأكيد هنطمنك.
قالها بمغزى ثم خرج سريعًا.
اهتز جسدها بالكامل وانسدلت دموعها تحرق وجنتيها. ولم تشعر بنفسها إلا وهي تتمتم:
- يارب نجيه.. يارب متوجعش قلبي عليه.
ظلت لبعض الوقت حتى ساءت حالتها من البكاء، كلما تذكرت ما قالته إليه. دلف آسر إليها.
- بدور عليكِ. من وقت.. قاعدة كدا ليه؟
مسحت دموعها ونهضت تجمع أشياءها.
- كنت بشتغل ونسيت الوقت.
- إنتِ بتعيطي؟
تساءل بها آسر.
هزت رأسها رافضة، فأجابته بصوت مكتوم من البكاء:
- لا، افتكرت حاجة.. لازم أمشي.
- عرفتي اللي حصل لراكان البنداري؟
تصنّم جسدها. وفجأة أحست بانقباض شديد لقلبها الذي كاد يتمزق من الألم. وانسدلت دموعها مرة أخرى وهي تواليه ظهرها. فحاولت الحديث ولكن كان لقلبها شيئًا آخر.
قلبها يدمى كأنين وتر مقطوع، وتتمنى لو يرجع بها الزمن لم تحدثه بتلك الطريقة.
- بيقولوا حالته خطرة. الرصاصة جنب القلب بكام ملي.. وممكن يموت...
هنا انهارت بالكامل وهوت على المقعد تبكي كما لم تبك من قبل.
جحظت أعين آسر على حالتها وجسدها الذي بدأ يرتعش أمامه. أسرع يجلب لها كوبًا من المياه وحاول أن تشربه.
- ليلى أهدي.. إيه اللي حصل... معقول تكوني زعلانة على راكان.. لا مستحيل.
رفعت بصرها إليه ولم تعرف بما تجيبه.
- افتكرت موت خالتو يا آسر... ماتت برصاصة غدر.
ربت على كتفها وساعدها في القيام متجها للخارج ومازالت دموعها تنسدل. استقلت السيارة بجوار آسر.
- آسر وديني عند أسما.. مش عايزة أروح دلوقتي.
بعد قليل وصلت لمزرعة الكومي. كانت أسما تجلس بين الزروع تبكي بصمت.
رأت سيارة آسر تقف أمام البوابة الرئيسية للفيلا. تحركت تمسح دموعها متجهة لليلى التي ترجلت من السيارة. كانت تتحرك بوهن وكأنها تسير على جمرات تحرق أقدامها. وصلت لأسما ولم تشعر بنفسها إلا وهي تلقي نفسها بأحضان أسما.
- راكان بيموت يا أسما.. مش هسامح نفسي لو حصله حاجة.
أحتضنتها أسما باكية على ما أصابهما. أختلج صدرها بطعنات قلبيهما. سحبتها وأجلستها على الأريكة التي توضع أمام الملحق التي تمكث به.
أحتضنت وجهها وتحدثت مخففة عن قلبها آلامه.
- ليلى راكان هيكون كويس.. ونوح سافر له من ساعة تقريبًا.. حمزة كلمه.. هو آه حالته خطرة لكن هيخرج إن شاء الله.
تنهدت بحزن على بكائها فأردفت مرة أخرى.
- حبيبتي ممكن تهدي وأنا هكلم نوح ونطمن عليه.. هو زمانه خرج من العمليات لأنه مضروب الصبح أصلًا وهو راجع مش دلوقتي.
هزت رأسها تشير لهاتف أسما.
- كلمي نوح وطمنيني.
زفرت أسما وحاولت الحديث.
- هقوله إيه يا ليلى بس.. هيقولي بتسألي ليه.
ظلت ليلى تهز رأسها.
- لا مش هيسأل.
ربتت على كفيها.
- تمام هتصل.. ممكن تهدي!! لا وبتقولي مش بتحبيه دا إنتِ ميتة فيه يا خبيت إخواتك.
مسحت دموعها.
- بحبه قوي ومضايقة منه أوي.. لا زعلانة منه بقالي أسبوعين يا أسما وهو بعيد لما خلاص عرفت أنه مهم قوي.
- أيوة يا نوح.
قالتها أسما بهدوء.
على الجانب الآخر يجلس أمام العناية هو سليم وحمزة ويونس ووالده الذي وصل للتو.
- فيه حاجة يا أسما؟
حمحمت أسما وهي تنظر لليلى التي تنتظر بلهفة إجابته.
- لا مفيش.. كنت بتصل أشوفك هترجع إمتى.. والمستشار عامل إيه.
- هنرجع بكرة القاهرة إن شاء الله.. هو كويس منتظرينه يفوق.
توقفت أسما وسألته بأمل أن ترى يريح قلب تلك المسكينة.
- هي أصابته خطيرة يا نوح؟
حمحم نوح مبتعدًا وأجابها بغضب.
- من إمتى راكان مهم عندك؟ دا إنتِ بقالك أسبوعين مش بتكلميني.
اتجهت بنظرها لليلى وتحدثت بهدوء.
- طمنيني يا نوح بجد.. راكان كويس.. صعبان عليا مش أكتر وبعدين دا صاحبك عارفة إنه مهم عندك.. وهتكون حالتك عاملة إزاي دلوقتي.
أرجع خصلاته للخلف بغضب منها وأجابها.
- كويس يا أسما الحمد لله.. مستنين يفوق مش أكتر.
اغلقت معه سريعًا حتى لا يدخلا بنقاش أمام ليلى.
ابتسمت ليلى.
- كويس الحمد لله.. ما خدتيش غير دموعك وعينك اللي ورمت بس.
غمزت لها.
- دا الحب مقطع الجميل.
باليوم التالي بغرفته بالمشفى. كان حمزة يجلس بجواره بعدما ذهبوا جميعًا لقضاء بعض وقت من الراحة.
استمع لهمهمته.
- ليلى... ليلى.
قالها عدة مرات. اقترب حمزة وحاول يحدثه.
- راكان فوق حبيبي ياله.
لحظات وبدأ يستعيد وعيه. حاول فتح عينيه ولكن إضاءة الغرفة كانت تعرضه.
بعد لحظات فتح عيناه وهو يتساءل بصوت متعب.
- أنا فين؟
ابتسم حمزة له وغمز بعينيه.
- في حضن لولا يا وحش.
قطب مابين حاجبيه محاولا الحديث. ولكن ألمه سيطر عليه فهمس.
- هي فين ليلى؟
قهقه حمزة وهو يرفع يديه.
- لا دا الرصاصة اخترقت عقلك ولكن شغلت القلب يا قلب.. ليلى.
قالها مرة أخرى وذهب بنومه مرة أخرى. دلف سليم بعد استياقظه.
- هو لسة مفاقش.
تساءل بها سليم. كان حمزة مازال يضحك فأردف من بين ضحكاته.
- لا فاق وسأل على حبيبت.. ولكنه صمت ولم يكمل حديثه.
قطب حاجبيه متسائلا.
- راكان له حبيبة؟
قاطعهم يونس الذي يتثاءب.
- راكان عامل إيه.. سليم كلم والدتك قلقانة من غيابنا كلنا.. وطبعًا لو عرفت هتقلب الدنيا.
أومأ سليم برأسه متحركا للخارج. لكنه توقف وتساءل.
- أنت كنت تعرف إن راكان له حبيبة يا يونس.
جلس يونس يتمطى بذراعيه مردفًا بسخرية.
- لا عارف أنه بيتجوز كل أسبوع.
لكزه حمزة.
- اخرس ياحيوان.
بعد أسبوع انقطعت ليلى عن العمل. وعاد راكان للقاهرة محجوزًا بمشفى أخرى. ذهب إليه معظم العاملين من الشركة.
ذهبت بعد أجازة أسبوع كامل من العمل. دلفت لمكتبها تحاول السيطرة على نفسها.
دلف يونس إليها.
- حمد الله على السلامة.. دا طلع مش راكان بس المريض.
حاولت الابتسامة فتحدثت حتى تهرب من نظراته المحاصرة.
- الحمد لله.. كنت واخدة دور برد شديد وبلغت بكذا.
أومأ برأسه ومازال يطالعها.
فرفعت رأسها وسألته.
- حضرة المستشار عامل إيه دلوقتي.
- كويس.
قالها يونس بتحفز ثم خرج وهو يطلق صفيرًا. فابتسم بخبث.
- بتلعب عليا يا ابن عمي.. تمام لو مكنتش يونس لو مطلعتش عليك القديم والجديد.
في فيلا أسعد البنداري.
جلست تمسد على خصلاته وهو غافيًا ودموعها تنسدل عليه. كيف سيكون حالها لو فقدته. فتح عيناه بعدما شعر بها. حاول الاعتدال. فقبلت رأسه.
- حبيبي خليك ماتتعبش.
ضم كفيها ورفع أنامله يزيل دموعها.
- ممكن أعرف بتعيطي ليه يا حبيبتي.. أنا كويس حبيبة قلبي.
قبّلت جبينه وأردفت.
- ربنا ما يحرمني منك يا حبيبي.
ابتسم لها.
- ولا منك يا ست الكل.. ممكن بقى تساعدي ابنك أنه يجهز.. عايز أخرج أشم شوية هوا.
هزت رأسها رافضة.
- لا مستحيل تخرج.. إنت لسه تعبان.
أعتدل ناهضًا من مخدعه.
- ماما حبيبتي أنا هخرج بلاش تتعبيني بالكلام يا حبيبتي لو سمحتِ.
ضمت وجهه وتحدثت بعاطفة الأمومة.
- ويرضيك أمي تفضل قلقانة عليك يا حبيبي.
أمسك كفيها وقبلهما.
- ست الكل أنا هكون كويس أكتر لو خرجت.
طالعته بنظرات مستفهمة.
- يعني إيه يا راكان.
تحرك بهدوء خطوتين.
- عايز أروح أشوف حبيبتي يا ست الكل وحشتني بقالي شهر بالكامل مشفتهاش.
ابتسمت بحبور وأسرعت تضمه.
- راكان إنت بتحب واحدة.
هز رأسه وابتسم لها وتحرك دون حديث.
أستقل السيارة وتحدث لسائقه.
- على الشركة يابني.
جلس ينظر من النافذة ويتذكر زيارة جميع من بالشركة سواها. ابتسم بخفة.
- بتعاقبيني يا ليلى.. هعرفك كويس إزاي تعاقبيني بعد كدا.
في مكتب ليلى. جلست مغمضة العينين.
سحبها من يديها متجها للأريكة التي توجد بمكتبه. ثم جلس وأجلسها بأحضان يضمها.
- وحشتيني.
ابتسمت له ونظرت لصدره.
- موجوع.. الجرح لسه بيوجعك.
هز رأسه بالنفي.
- لا.. كان لكن دلوقتي كويس.
وضعت رأسها على كتفه. ويديها موضع إصابته.
- خفت عليك أوي.
قالتها بصوت متحشرج بدموعها.
رفع ذقنها وضم وجهها بين كفيه.
- ليلى أنا كويس.. لو سمحتِ بلاش أشوف دموعك دي.
انسدلت دموعها بقوة على وجنتيها.
- كان ممكن تموت يا راكان.
ضمه لصدره.
- إشش إهدي حبيبي.. أنا كويس.
أخرجها من أحضانه يمسح دموعها ثم دنا يهمس أمام شفتيها.
- تعرفي أنا بحبك قد إيه.
فزعت من غفوتها على المقعد ودقاتها تتقاذف بعنف.
- وبعدين ياليلى أنتِ وعدتي نفسك.. فوقي لنفسك هتخسري نفسك كدا.. دوسي على قلبك... الشخص دا لازم تدوسي عليه مينفعكيش.
تذكرت اليوم الذي ذهبت لزيارته بصبحة آسر. وصلت المشفى وتحديدًا أمام غرفته. وجدت يونس يجلس بالخارج بجوار إحداهن. ويضمها وكأنه يواسيها. وبالجانب الآخر والده ووالدته. توقفت تهز رأسها لآسر.
- ادخل أنت أطمن وطمني.. مش عايزة أدخل أنت عارف علاقتنا متوترة.
أومأ برأسه وتحرك للداخل. خرجت إحدى السيدات من داخل غرفته التي تظهر بالجاذبية والأناقة. توقفت أمام باب الغرفة وهي تلوح بيديها.
- هستناك حبيبي ألف سلامة عليك.
ضغطت على ثيابها بقوة وهي ترمق التي تتحرك بخيلاء متوجهة لأسعد.
- عمو أسعد ألف سلامة على راكي.. إن شاء الله يقوم بالسلامة.
بعد دقائق وصلت يارا ملقية نفسها بأحضان زينب.
- راكان يا طنط عامل إيه.
ربتت زينب بمحبة.
- أهدي حبيبتي هو كويس مفهوش حاجة.. ممكن تدخلي تشوفيه.
تهكمت في نفسها.
- دنجوان عصره اسم الله عليه.. عامل فيها توم كروز.. لا وأنا العبيطة اللي كنت هموت نفسي من العياط عليه.
خرج آسر.
تحركت أمامه سريعا كأنها لو ظلت دقائق أخرى ستدخل وتصفعه على عينيه.
توقفت عندما استمعت لأخرى تسأل عن غرفته. نظرت لها بتقييم. كانت ترتدي ثيابا تظهر جسدها أكثر مما تخفيه.
- وحياة ربنا الراجل دا نفسي أضربه على وشه.
قالتها وهي تكز بأسنانها.
وصل آسر يطالعها ثم تساءل.
- ليلى بتكلمي نفسك.
هزت رأسها وتحركت لسيارته.
خرجت من شرودها ثم زفرت بغضب من نفسها. فتوقفت متجهة للنافذة تحاول أن تخرج من حالتها. وشردت بالمارة بالخارج. لحظات وفتح الباب وطل منه بهيئته التي جعلتها تلقي جميع وعودها لنفسها بالأرض. ودت لو أسرعت وألقت نفسها بأحضان حتى تشبع منه.
وقفا يناظران بعضهما البعض للحظات. حتى خطى بخطواته السلحفية وانظاره تحاوطها بإشتياق.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الخامس 5 - بقلم سيلا وليد
خرجت من شرودها ثم زفرت بغضب من نفسها.
توقفت متجهة للنافذة تحاول أن تخرج من حالتها، وشردت بالمارة بالخارج.
لحظات وفتح الباب وطل منه بهيئته التي جعلتها تلقي جميع وعودها لنفسها بالأرض.
ودت لو أسرعت وألقت نفسها بأحضانه حتى تشبع منه.
وقفا يناظران بعضهما البعض للحظات، حتى خطى بخطواته السلحفية وانظاره تحاوطها بإشتياق.
عند حمزة.
جالسا بمكتبه بعد إتصال سلمى إليه.
أغمض عيناه وتذكر من ماضيه مايؤلمه.
(فلاش باك)
- بقولك ياداليا عارفة بابا إننا هنجي نزوركم بكرة.
وقفت كالملدوغة.
- بتقول إيه ياحمزة، مش لما تخلص مشروعك الجديد، وبعدين إنت قولت إنك هتسيب شغلك وهتتفرغ للشركة مع راكان ونوح، إيه رجعت في كلامك.
زفر بحنق وتحدث بغضب:
- داليا إحنا هنفضل نتكلم في الموضوع دا كل شوية، مينفعش أسيب شغلي.
ثم اكمل مستطردا:
- أنا بحب شغلي يعني ينفع اقولك سيبي وظيفتك.
اهتزت نظراتها وحاولت التحدث.
رفع كفيه:
- سؤال واحد بس وعايز إجابته: إنت موافقة تكملي معايا حياتك بوظيفتي دي.
هربت بأنظارها منه وبدأت تتلعثم بالكلمات.
- حمزة أنا عارفة إنك راجع من ألمانيا ومفكر الحياة في مصر زي ألمانيا.
سحبت يديه الموضوعة على المنضدة ووضعتها بين يديها.
- هيكون صعب نعيش بمرتب وظيفتك دي، وأنت بإيدك تتغير للافضل.
ظل ينظر لها بصمت فأكملت حديثها باستبانة:
- أنا بحبك مفيش كلام بس الحب دا مش هيعيشنا حياة مرتاحة، يارب تكون فهمت قصدي.
سحب يديه من يديها وكأن خنجر كلماتها طعن قلبه بشدة.
عقد ساعديه بإختناق وهز ساقيه ناظرا لها نظرات نارية.
كانت ملامحه ثابته جامدة على عكس دواخله التي اضطربت.
- داليا إحنا بقلنا أد إيه بنحب بعض، قالها بسخرية ثم قال مصححا:
- قصدي بقالك أد إيه بتتلاعبي بيا.
رفع قهوته وأرتشف قهوته بهدوء.
تنهدت ونظرت إليه:
- والله كنت عارفة إنك هتقول كدا، حمزة لو سمحت ممكن تفكر في كلامي الأول وبعدين خد موقف.
وقف مرتدي نظارته ثم اخرج حافظة نقوده فألقاها على المنضدة ورفع نظره إليها:
- مش عايز اشوف وشك مرة تانية ولو صدفة.
قالها ثم تحرك مغادرا.
وقفت وأمسكت ذراعيه.
- استنى ياحمزة متكنش قفوش كدا، أنا بقولك كدا علشان تفكر في تحسين لحياتنا لو إنت باقي عليا، أنا مستحيل أتجوز واحد بعيش بمرتب.
اشعل سيجاره وتحدث وهي بفمه:
- شيلي ايدك لأقطعهالك، افضلك تنسي انك قابلتي واحد اسمه حمزة في يوم من الأيام.
نظر لها بسخرية وأكمل:
- أنا كل اللي زعلان عليه الخمس سنين اللي شيلتك في قلبي فيه، بس وعد مني لأدوس عليه بجزمتي.
قالها ثم تحرك مغادرا دون حديث آخر.
خرج من ذكرياته على طرقات السكرتيرة.
- العميل بتاع الأرض برة يافندم عايز يقابل حضرتك.
أومأ لها ثم اعتدل جالسا يننظره.
في منزل عاصم المحجوب.
قامت سمية بشراء بعض الأشياء التي يحتاجونها في تلك الزيارة الخاصة بخطبة درة أبنتها.
دلت إلى مطبخها وقامت بإعداد بعض المأكولات والحلويات التي تقوم بها كل أسرة مصرية بتلك الزيارات.
خرجت وجدت زوجها يقرأ بمصحفه.
قام بإغلاقه بعد التصديق ورفع بصره.
- فيه حاجة ياسمية، محتاجة حاجة أجبهالك.
ربتت على كفيه وتحدثت بمحبة إليه:
- ربنا يخليك ليا ياأبو ليلى، كنت عايزة اتكلم معاك في موضوع قبل ماالبنات يجوا.
اعتدل بجلوسه يستمع إليها بإنتباه.
- خير ياسمية فيه حاجة.
حمحمت سمية وتسائلت:
- إنت ممكن توافق على عريس درة دا، ينفع نجوز الصغيرة قبل الكبيرة ياعاصم.
ابتسم بوجهها وأجابها:
- ليه لأ لو الولد ابن حلال وكويس ويعرف ربنا.
ربت على يديها.
- ليلى معندهاش مانع ابدا، ودي جالها نصيبها ليه نأجل وبعدين هو موافق إنه يستناها لما تخلص.
تنهد وأكمل: المهم يكون ابن حلال ويتقي ربنا فيها وأول مقابلة له بتدل إنه محترم.
توقفت سمية وهي تنظر بشرود.
- معرفش ليه مش مرتاحة ياعاصم، اللي ربنا كاتبه بقى هنشوفه.
عند درة داخل قاعة المحاضرة.
- يعني هتتفقوا النهاردة على الخطوبة ولا إيه.
ابتسمت درة لأروى.
- والله يابنتي أنا معرفش وافقت إزاي، حسيته شخص كويس ومحترم وبعدين دكتور جامعي.
الصراحه ليلى كمان أقنعتني بيه.
نظرت لنور الذي دخل وألقى تحية السلام وهمست لها.
- أسكتي علشان دخل أهو.
عند يونس أمام كلية الهندسة.
وقف مستندا على سيارته بإنتظارها.
رأته يارا ابنة عمته.
اتجهت إليه.
- عامل إيه يادوك.
قهقه عليها وغمز بطرف عينيه:
- الصغنن قفشني وهيفتن مش كدا.
توقفت بجواره وهي تنظر للطلاب الذين يخرجون من بوابة الكلية.
- لا يادوك مش هفتن عليك، لأني بصراحة أكتر واحدة عايزة أشوف سيلين سعيدة.
اتجه بنظرات متسائلة:
- هو فيه حد عارف أنا بقابل سيلين يايارا.
رمقته بنظرة ثم اعتدلت تنظره إليه بصمت للحظات وتحدثت.
- يونس لو بتحب سيلين بجد لازم تاخد خطوة جدية في علاقاتكم، بلاش شغل الحرامية بتاعك دا.
زفرت واستدارت عندما وجدت صمته ورغم ذلك أكملت.
- سيلين أنقى واحدة في عيلة البنداري، غير برائتها وحبها الظاهر في عيناها، بلاش تكسر قلبها يابن خالي لو سمحت.
قالتها ثم اتجهت لسيارتها.
وصلت سيلين وهي ترى يارا متحركة للسيارة نادتها.
- يارا استني.
وصلت إليها وهي تنظر من مسافة إلى يونس.
- فيه حاجة، انت اتخنقتي مع يونس ولا إيه.
ربتت يارا على ذراعيها وهي تنظر إلى يونس الواقف يطالعهم.
- لا ياقلبي هتخانق ليه، أنا كنت بسلم عليه.
دنت منها وتحدثت:
- سيلين خفي من خروجك مع يونس، متعرفيش لسة نهاية العلاقة دي.
تحركت يارا ووقفت سيلين تطالع ذهابها بالسيارة.
رعش قلبها عندما ذكرتها يارا بنهاية علاقتها مع يونس.
وصل يونس إلى وقوفها وسحب كفيها.
- واقفة كدا ليه ياسيلي.
استدارت إليه.
فتحركت دون حديث حتى وصلت لسيارته.
حاولت إستجماع نفسها والتمسك بشجاعتها الواهية فأخذت نفسا عميقا.
قبل أن تقول بنبرة مرتعشة:
- يونس لازم تقول لبابا وراكان عن علاقتنا.
صمتت لحظات وظل هو ينتظر باقي حديثها ودقات قلبه السريعة تخبره بأن القادم سيكون مميت له.
نظرت له وتسائلت:
- هتقول لبابا إمتى يايونس، اتمنى النهاردة كل حاجة تخلص، ولا ناوي نفترق.
جاء سؤالها كصاعقة أصابت قلبه الذي تمزق من فكرة ابتعادها عنه.
قاطع حديثها بصرخة خرجت من أعماق قلبه:
- إياك أسمعك بتقولي كدا تاني، مش عايزك في يوم من الأيام أسمع منك كلمة فراق أو ابتعاد.
جذب كفيها وضمها بين كفيه.
- حبيبتي هنرجع إن شاء الله من رحلة شرم ووعد هفاتح الموضوع مع عمي أو راكان، كدا حبيبة يونس ارتاحت.
عند راكان وليلى.
خطى إلى أن وصل أمامها.
توقف يطالعها بإشتياق قلبه الكامن بصدره.
رفعت بصرها إليه وتحدثت بشفتين مرتعشتين:
- حمد الله على السلامة ياحضرة المستشار.
ابتسم بخفة على تورد وجنتيها وتوترها.
تراجعت خطوة للخلف عندما دنى منها.
- هو فيه حاجة، أنا شايفة ان حضرتك مضروب في قلبك مش عقلك، دا مكتبي على فكرة.
ظل يخطو إليها.
ود لو يضمها ليؤكد لها أن أشتياقه لها فاق الحدود.
ظلت تتراجع حتى إصطدمت بالجدار.
اهتز جسدها من قربه لها.
- إيه بتقربلي كدا ليه.
أمال بجسده عليها فتراجعت حتى استندت على الحائط، فجذب المقعد الذي بجوارها وتحدث:
- معرفش دايما بتحكمي على الناس بمنظورك ليه، أنا بشد الكرسي، تعبت وعايز أقعد.
تجمد الدم بعروقها وجحظت مقلتيها بإندهاش من حديثه.
- هو حضرتك ناسي إن المكتب دا بتاعي، مكتبك في آخر الدور.
ابتسم بتلقائية على توترها.
جلس مستندا على المقعد، مغمض العينين وكأنه يتألم، فهمس وهو مازال على وضعه.
- مكتبك أقرب مكتب، مقدرتش أكمل، لو تاعب جلالتك، ممكن تروحي مكتبي او مكتب سليم تكملي شغلك.
ارتبكت وتلعثمت الكلمات بحلقها فتوجهت إليه ووقفت على بعد خطوة منه عندما شعرت بألمه.
- طيب لما حضرتك لسة تعبان جاي ليه.
فتح عيناه وتقابلت بليلها الدامس.
- يمكن علشان الشركة وحشتني قوي.
قالها وهو ينظر داخل مقلتيها.
رفرفت بأهدابها الكثيفة تحاول السيطرة على إرتعاشة قلبها فتحدثت.
- الشركة مش هطير، كنت ترتاح وبعدين تيجي للوحشاك.
- "مقدرتش".
همس بها وهو مغمض العينين.
وأكمل بمغذى:
- عمرك اشتقتي لحاجة ونفسك تشوفيها ومش عارفة.
اهتز جسدها من نظراته وحديثه الهامس.
فاتجهت سريعا تجلس على مكتبها.
- لا مبحبش الأشتياق، او تقدر تقول مفيش اللي يستاهل إني أشتقاله.
نجحت في غرس سهامها في منتصف قلبه.
فهز رأسه وأطبق على جفنيه بقوة.
هو يعلم إنها عنيدة متمردة ولكنه يشعر بأنها تكن له بعض المشاعر.
- الكل جه وزارني إلا إنت، لدرجة دي كنت مش فارق.
تسائل بها وهو مازال على حاله.
أعتدل وفتح جفنيه وحادثها.
- دا حتى زيارة المريض واجب، ولا كنت بتتمني تسمعي خبر موتي.
نجح في تسديد لكمة قوية لقلبها.
فتت الوجع بداخلها.
ارتجفت شفتيها محاولة الحديث ولكن حديثه بفقدانه ألمها كثيرا.
لا تعلم ماذا تشعر أتحبه حقا، أم إنها تكرهه كما اقنعت نفسها.
زفرت وأجابته:
- ليه بتقول كدا، ممكن اللي زاروك يكونوا على علاقة بيك، أما أنا مفيش بينا رابط، او تقدر تقول، الموضوع مش مهم ولا يفرق معايا، لكن في نفس الوقت عمري ماأتمنيت حاجة وحشة لأي إنسان حتى لو كان عدوي.
صاعقة قوية ضربت قلبه فبعثرته لأشلاء حينما أستمع لحديثها الذي أداماه.
هنا اخرج عن صمته فأعتدل ينظر إليها.
- بجد ياليلى، يعني أنا عدوك ولو مت مكنش هيفرق معاكي.
قالها ثم أعتدل واقفا عندما وجد صمتها حينها شعر بإنهيار عالمه.
فتخطى بهدوء بتلك الأثناء بألما جرحه وكأنه فتح ونزف داخليا فترنح بخطواته.
- راكان لو سمحت.
قالتها عندما وجدت ترنحه بهذه الطريقة.
اتجهت تقف أمامه.
- راكان إنت عايز مني إيه وليه بتعاملني كدا.
طالعها للحظات كيف ينجو من سؤالها وهي التي تربعت على عرش قلبه وبعثرت كبريائه وهي التي طعنته دون رحمة.
استند على الجدار خلفه.
- ولا حاجة مين قالك عايز حاجة.
عقدت ذراعها أمام صدرها.
- أنا مش زي أسطول الحريم اللي حواليك.
ياريت تبعد عني لو سمحت.
آمال بجسده وهو يضع يده موضع جرحه. عندما اشتدت آلامه:
- كذابة ياليلى.. لأنك عايزة قربي زي ما أنا عايز قربك قوي كمان.
ارتجفت شفتيها.
- إيه اللي بتقوله دا!
ابتسم على هروبها من نظراته وتحدث:
- أهي حالتك دي أقرب دليل.
ترنحت خطوة للخلف بأعين جاحظة وشفتين فاغرتين مصعوقة بحديثه. لا تعلم أتفرح أم تحزن.
استند إلى أن وصل إليها. جذب كفيها وضمهما.
- ليلى لازم نتكلم.
نفضت يديها من يديه سريعا. بأنفاس مرتجفة ولسان تجمدت فوقه الكلمات. لحظات وهي تطالعه. ضعفت من نظراته وقرب أنفاسه إليها فاقت سريعا وصاحت بغضب:
- قولتلك مية مرة متحاولش تلمسني، إيه مبتفهمش!
جذبها بقوة من رسغها وهو يجز على أسنانه وتحدث بغضب من جفائها:
- بقولك لازم تسمعيني.
دفعته بقوة وصرخت:
- ابعد عنيييي!
قالتها وهي تدفعه بقوة وتلكمه بصدره وكأنها تلكم قلبها الذي أحبه دون الكل. حتى أصابت جرحه بقوة آلمته.
أشار بيديه عندما شعر بإنسحاب أنفاسه وتحدث بصوت مؤلم:
- خلاص اهدي.
قالها وأستدار ليتحرك. ولكن دلفت نورسين وهي تتحدث بسعادة:
- راكي مصدقتش لما قالولي إنك جيت النهاردة.
اتجهت بأنظارها إلى ليلى التي وقفت ووجهها شاحب كالأموات.
- مالها دي! تساءلت بها نورسين.
لم يستدر إليها. ظناً إنها غاضبة منه ولا يعلم خوفها على حالته التي ظهر بها.
تحرك متجها للخارج.
- راكان إستنى إنت جرحك بينزف! قالتها وهي تحاول أن تفحصه.
رفع كفيه أمامها.
- أنا كويس مفيش حاجة.
تصنمت ليلى بوقفتها وأصابها الهلع عندما وجدت قميصه الذي صبغ باللون الأحمر.
هرولت إليه وتوقفت أمامه.
- إنت بتنزف!
لم يعطها اهتمام. تحرك خطوة وكأنه لم يستمع إليها.
وصل سليم إليهم.
- راكان حبيبي إيه اللي جابك بس!
تحرك بجوار سليم وهمس إليه:
- روحني وإتصل بالدكتور ياسليم.
مساءاً بمنزل عاصم المحجوب.
جلس الجميع بغرفة المعيشة. وبعد الاتفاق فيما بينهم تم خطبة درة على الدكتور "نور". وتم تحديد موعد للخطبة وكتب الكتاب إلى انتهائها من عامها الجامعي وسيتم حفلة للزفاف.
بعد ذهابهم جلست بشرفة غرفتها حزينة.
وحدثت حالها:
- وبعدهالك ياليلى هتفضلي كدا لحد إمتى!
زفرت بإختناق وشعرت بغصة تمنع تنفسها. أمسكت هاتفها وبدأت تهاتف أسما لبعض الوقت حتى تخرج من حالتها المأسوية.
في فيلا خالد البنداري.
ارتدى ملابسه وعقد العزم على مواجهة الجميع. قابلته والدته. رسم قناع بارد فوق ملامحه.
- عايزة إيه ياماما.. مش فاضي.
تحركت فريال حتى وقفت بمقابلته.
- إنت ليه لحد دلوقتي مش عايز تحدد ميعاد خطوبتك على سارة!
زفر بضجر واستدار يناظرها بمقت.
- انت بتتكلمي بجد.. هو حضرتك مصدقة اني ممكن أتجوز سارة!
دنت منه والتوت زاوية فمها بشبه ابتسامة سخرية.
- ومفيش غير كدا..ودا طبعاً علشان بنت الشوارع اللي رايح جاي معاها من ورا الكل.
ابتلع ريقه بصعوبة وقال بهدوء مفتعل:
- إيه اللي بتقوليه دا.. حضرتك ناسية إن سيلين بنت عمي.. يعني زيها زي سارة.
لوحت بيديها وصاحت بقوة:
- أنا كنت فاكرة زيك كدا.. لحد ما فوقت على أكبر صدمة من عمك أسعد اللي قرطسنا كلنا للأسف.
قهقه على كلمات والدته. عقدت ذراعيها.
- سيلين مش بنت أسعد يايونس ولو عايز أكدلك معنديش مانع.
ضيق عيناه متسائلاً:
- ممكن توضحي كلامك لو سمحت.. مش عايز ألغاز.. إزاي سيلين بنت شوارع!
سحبت يديه واجلسته وجلس بمقابله.
- عايدة هي اللي عرفتني بحقيقة زينب السوسة.
مسح على وجهه بغضب.
- ماما!! أنا مش فاضي لرغي الستات دا.. عايز اعرف إيه صحة الكلام عن سيلين عشان لو لقيت لعبة في الموضوع مش هرحمكم.
ضحكت بسخافة على ولدها ثم تحدثت:
- عرفنا إن زينب بعد ولادة سليم حصلها نزيف والدكاترة شالوا الرحم بتاعها يادكتور النسا.. وطبعاً إنت فاهم معنى كلامي.
تجهمت ملامحه فأردف:
- ياسلام.. طيب مايمكن دا بعد ولادة سيلين مش سليم!
وضعت ساقا فوق الأخرى وبدأت تنظر لأظافرها وتبتسم بخبث.
- لا ياحبيبي.. عمك جلال معاه كشف من المستشفى بيدل إن زينب عملت العملية قبل ولادة سيلين بخمس سنين.. وهجبلك نسخة منه عشان ترتاح وتتأكد إنه مش مزور.
وقف وكأن صاعقة أصابته. فك رابطة عنقه عندما شعر بتثاقل وكأن حجراً يطبق على صدره ثم قال بتيه:
- وليه عمو أسعد يعمل كدا.. ماهو معاه ولدين.. ليه يتبنى بنت!
نهضت وتجاهلت صوت ابنها الحزين فتحدثت بمكر:
- علشان تفهم جدك إنها معاها ولاد كتير وميقدرش يجوز أسعد زي ماكان عايز.
افتعلت شهقة مزيفة ودنت منه.
- يمكن علشان لما تكبر تتجوز واحد من العيلة عشان تكوش على الكل.
رمقت يونس الذي تصلبت ملامحه.
- وإنت شوفت اهو زي ماخططت ووقعتك.
لم يتحمل المزيد من حديث والدته الذي تمكن في ارتياب عقله وأخذ ينهش به دون رحمة. تحرك بخطوات سريعة للخارج.
ضحكت فريال بصخب.
- اتخلصت من هيلينا زمان وجه الوقت عليك يازينب.. حاولت بكل الطرق تاخدي مكان هيلينا وتكوني أم حنونة جميلة لراكان.
قوست فمها بسخرية.
- عايزة أشوف وشك لما راكان يعرف إن هيلينا أمه الحقيقة يعنى ماتت وصحبتها اتجوزت جوزها.. لا وكمان جبت بنت من الشارع ونسبتها للعيلة.
وصل عدي ينظر لوالدته.
- ماما بتكلمي نفسك!
رفعت بصرها له.
- لا عندنا حفلة قريب على شرف راكي باشا. قالتها بسخرية ثم تحركت للأعلى.
بعد يومين بغرفة راكان استيقظ على رنين هاتفه.
- إيه يابني حد يصحي مريض الساعة عشرة.
قهقه حمزة عليه. فتحدث بمشاكسة:
- اومال إزاي روحت الشركة ولا الحب مسكن للأوجاع ياحب!
ابتسم بوجع فتحدث:
- لا مسكن ولا غيره.. إيه اللي فكرك بيا ومصحيني بدري كدا!
أجابه حمزة وتحدث:
- موضوع الأرض دا طلع حقيقي ياراكان... عمك جلال باع الأرض من كام سنة للراجل دا وكانت رخيصة ودلوقتي الأرض دخلت كردون المباني قريب من العاصمة الجديدة. وبقت غالية جداً. وبيقولوا ممكن تنضم العاصمة الإدارية.
فطبعاً عمك اتجنن ورجع الأرض بشوية رشاوي.
أعتدل يرجع خصلاته للخلف وتحدث:
- اعمل اللي شايفه صح ياحمزة.. أنا مش هفضل أنضف وراهم زهقت من العيلة دي كلها.
استوقف حمزة رده العنيف.
- مالك ياراكان انت زعلان من حاجة... صوتك مش مريحني زي مايكون حزين أو مخنوق.
مسح راكان على وجهه محاولاً استيعاب حديث حمزة. فأجابه بهدوء:
- مفيش بحاول أستوعب واحد زي عمو رغم اللي معاه لكن مابيشبعش.
في منزل ليلى.
رجعت من عملها دلفت لوالدها للاطمئنان عليه.
- عامل إيه ياحبيبي... وأخبار جنبك إيه!
ابتسم بوجهه رغم وجعه إلا أنه ادعى صحته الجيدة.
- كويس حبيبتي... شوية وجع بسيطة وهيروحوا لحالهم.
- لازم نروح نعمل أشاعات وتحاليل يابابا وماتتكلمش.. ولازم تاخد إجازة ترتاح شوية ياحبيبي كفاية تعبك معانا السنين دي.
ملس على يديها بحنان أبوي ورفع نظره لها.
- لسة أبوكي بصحته ياليلى وهفضل اشتغل في وظيفتي لحد ما أسلم كل واحدة لجوزها.
قبلت يديه ورفعت نظرها له.
- ربنا يديمك فوق راسنا ياحبيبي... ومتخفش لولتك هتفضل على قلبك العمر كله.
دلت والدتها وتحدثت مبتسمة.
- دا إيه العشق الممنوع اللي مبيخلصش بين الاب وبنته!
ضمتها ليلى بحب.
- سوسو بتغير على حبيب روحها ياناس... متخافيش ياسوسو انت مسيطرة بقوة.
ابتسمت والدتها.
- روحي غيري ياقلبي علشان نتغدى إحنا مستنينك.. وكمان خطيب اختك على وصول هيتغدى معانا.
أومأت برأسها متحركة.
- دلفت غرفتها واغمضت عيناها حزينة على حالة والدها التي بدأت صحته لم تسعفه على العمل.
جلست على الفراش ووضعت بعض الملفات التي جلبتها من عملها.
كانت رائحته منبعثة من ذلك الملف. قربته منها واستنشقت رائحته مغمضة العينين. هنا تذكرت أول يوم رأته فيه.
(فلاش باك)
دلت الحفلة بتلك الهيئة الجذابة. رأتها أسما اتجهت إليها سريعا.
- إيش إيش إيه الحلاوة دي خايفة تاخدي الأنوار يابنتي في الحفلة!
ضحكت على صديقتها.
- بتقولي إيه هكون أجمل منك... المهم فين نوح علشان أباركله على النجاح الحلو دا.
سحبتها من يديها متجه إلى نوح الذي يجلس مع حمزة ونورسين.
- "نوح" أردفت بها أسما.
رفع نظره لأسما ووقف متجها إلى ليلى.
- دا إيه النور دا... وأنا بقول الحفلة نورت ليه!
ابتسمت له وأردفت:
- طول عمرك بقاش ياحضرة الدكتور.. ألف مبروك ويارب دايما من نجاح لنجاح. بس اعترف يادكتور اخدت الدكتورة دي نجاح ولا واسطة مني.
قهقه عليها نوح.
- لا تلميذة أبويا النجيبة.. وبنت خالتو مش عايزة تعترف إني بقيت دكتور شاطر. بقولك روحي شوفي أستاذك كان بيسأل عليك.
أومأت برأسها واجابته:
- آه ياريت وعايزة اشوف خالتو كمان هي فين.
أشار بيديه نحو والدته.
اقتربت من يحيى الكومي والد نوح وزجته ناريمان.
- أهلا يالولة وحشاني حبيبتي عاملة إيه! وباباكي ومامتك عاملين إيه!
جلست بجوار ناريمان بعد السلام على والد نوح.
- كويسين ياخلتو وبابا بيسلم عليكوا كلكم.. هو كان عايز يجي بس تعبان شوية.
- ألف سلامة عليه حبيبتي... هو كلمني وبارك لنوح... وطبعاً مامتك زعلانة مني مش كدا.
قطع حديثهم صوت ضوضاء بالحفلة اتجهوا بانظارهم.
كان راكان يتجه إلى نوح والصحافة تحاوطه واسئلتهم عن نورسين التي تحاوط ذراعيه أمام الجميع.
سألت خديجة أخت يحيى عن الشخصية المهمة التي جلبت هذا الضوضاء.
- دا صديق نوح تقدري تقولي صداقة من عشر سنين.
ضيقت عيناها.
- باين عليه مهم أوي يخلي الصحافة تجري عليه كدا.
- الشخص الناجح ياخديجة الكل بيعمله حساب... ودا وكيل نيابة مشهور بصلابته وجرأته دا اللي اترافع في قضية الخلية المشهورة اللي عملت ضجة ورغم الخوف من البعض إلا أنه مخفش ودخل بقلبه واترافع. وكمان عنده شركات البنداري المشهورة بتاعة العقارات دي. هذا ما قاله يحيى.
أومأت خديجة برأسها.
- ماشاء الله الشباب الناجح موجود اهو.. ربنا يحميهم.
كانت تجلس تتابع بعينيها تلك الشخصية التي انصب اهتمام الكل عليها. وقفت واستأذنت.
- خالتو هروح أقعد مع أسما شوية.
تحركت متجه لأسما التي تجلس مع عاليا الطبيبة البيطرية الخاصة بالمزرعة.
جلست بجوارهم وفتح الحوار في مختلف الحياة. فجأة توقفت عاليا عن الحديث واتجهت بنظرها إلى حمزة ونوح وراكان.
- نفسي أخطف واحد من الحلوين دول إيه رأيكم يابنات أنا بقول أخد الطويل الرفيع.
كانت أسما تحتسي العصير.
- قصدك حمزة.. هو فعلاً كيوتي كدا ومحترم.
رفعت عاليا حاجبها وتحدثت بسخرية.
- إيه ياأسما شكلك حافظة الشلة.
وبما إنك حافظاهم قولي مين الديك الرومي اللي في النص دا اللي البت الصفرا لازقة فيه
ارتشفت ليلى من كأسها واستمعت باهتمام
- دا راكان البنداري يااختاه الضلع الأكبر في شركات البنداري غير طبعا الضلع القوي لشلة الفساد دي... بس ناقص فيهم اتنين معنديش علم ليه ماوصلوش
قهقهت عاليا بصوتها العالي مما جذب اهتمام الجالسين ورفع راكان نظره لها
وضعت يديها على فمها من النظرات التي تصوبت حولها
صوب نظرات سخرية عليها
تضايقت ليلى من نظراته... ثم حدثت حالها.. رجل ذو هيبة يبدو عليه الوقار لما يجلس بتلك الطريقة بجواره تلك الرقطاء التي لم تربطه بها رابط رسمي.. افاقت وهي تعاتب نفسها بقوة
- اتجننتي ياليلى إيه اللي بتقوليه دا...
وقفت مستأذنة للذهاب للمرحاض... واثناء عودتها كانت تنظر بهاتفها الذي لم يفصل رنينه... فجاة اصطدمت بجدار بشري
استدار لها ونظر نظرة سريعة عندما وجدها تنظر بهاتفها
- مش تاخدي بالك.. ياريت تبصي قدامك بدل ماماشية تخبطي في خلق الله
لم ترفع نظرها حتى له... وظلت نظراتها على هاتفها وكانه لم يكن موجود... وتحركت وهي تتحدث بسخرية
- الأعمى مش واخد باله ان هو اللي خبط فيا ..ولا الغرور مصورلك حاجات تانية
جذبها بقوة من ذراعيها... رفعت نظرها وصوبت له نظرات ناريه بعينيها السوادء التي تشبه عين الغزال
- إنت اتجننت إزاي تتخطى حدودك معايا...
دفعته بكل ماتملكه من قوة...مااسمحلكش..ثم تحركت مغادرة... متجهة سريعا إلى صديقتها
جز على شفتيه السفليه وهو يكور قبضته مغتاظا من تلك الشرسة التي صفعته بكلماتها
راقبها بعينيه هو لم يكد يراها لحظات فقط اثارت سودويتها شمسه الساطعة... قاطع مراقبته لها نورسين عندما اسرعت له
- راكي حبيبي دا كله بترد على التليفون
أومأ برأسه متجها بها حيث جلوسهم
وصلت ليلى بعد أن خمدت ثورة غضبها منها فتوجهت لصديقاتها:
- بنات لازم امشي دلوقتي
استغربت أسما حالتها فكان وجهها يشع احمرار ينم عن مدى عصبيتها
خرجت من شرودها والقت الملف الذي كان يحمل رائحته عندما تذكرت اهانته لها كلما تقابلا... قامت بتغيير ثيابها وادت فرضها متجه للخارج وصراع بين قلبها وعقلها من ذلك المتجبر
عند يونس
وصل إلى النيل وركن بسيارته يغمض عيناه ألما وقهرا على قلبه المتمزق إلى أشلاء
يتذكر منذ سنتين فقط قبل عودتها من ألمانيا وحياته كانت تسير بهدوء الى أن اكتشف ذلك الذي خنقه ولم يعد يتحمل آلام صدره اللا متناهية من بعدها المتكرر عنه... هنا أغمض عيناه يتذكر أول إعتراف لها بحبه
- حمدالله على السلامة... وحشتونا أوي... إيه ياراكي مش ناوي تقعد الفصعونة دي هنا وكفاية سفر بقى
مطت شفتيها التي تشبه حب الكريز وتحدثت
- إيه يادوك ناوي تقلب عليا آبيه ولا إيه.. أنا بزهق من هنا بسرعة والصراحة عايزة أستقر في ألمانيا.. خطت إلى أن وصلت إلى راكان وألقت نفسها بأحضانه
- آبيه راكان ميهونش عليه سيلي حبيته صح ياآبيه مش هتخليني اقعد هنا
حاوطها بذراعيه بحنان أبوي وطبع قبلة على خصلاتها وتحدث بهدوئه المعتاد
- اللي إنت عايزاه ياحبيبة قلبي.. طول ماإحنا بنسمع الكلام ومنضايقش آبيه راكان.. راكان وحياته كلها تحت أميرة العيلة
صفقت بيديها وغمزت ليونس
- يعيش راكي حبيب سيلي
ثم قبلته على خديه
رفع راكان حاجبه متزامنا مع شفته العلوية
- والله لو قولت غير كدا كنت زماني هتلر.. مش كدا
فتحت فمها لتعترض على حديثه.. أشار لها
-مصدقك ياسيلي.. أنا هطلع أرتاح.. مش عايز إزعاج عشان مغيرش رأيي..
إستدار ينظر ليونس
- وإنت مش هتروح واقف كدا ليه.. ياله روح مالكش بيت.. إنت سلمت عليا ناقص ايه هتنام معايا...زي ماأنت شايف الكل نيام
قهقه يونس وغمز بعينيه
- لو حضنك هيدفيني ليه لا..
رجع راكان إليه بخطوة واحدة ثم لكمه بوجهه
- إنت غبي يلا.. مش واخد بالك إن اختي واقفة ياحمار
قطب حاجبيه بدهشة وهو يطالعه بمكر
- ليه هو أنا قولت سيلين.. أنا بقول انت..
قال جملته الأخيرة بتمهل وكأنه قاصدا إقتحام معناها لداخل عقلها.. تحركت بعض الخطوات عندما وجدت نظرات راكان المستعيرة بالغضب إلى يونس
اتجهت لأرجوحتها بحديقة القصر.. ولكن توقفت أمام حيوانها المفضل
- مرحبا لوجي وحشتيني..مامي كانت بتعتني بيك..
حملتها وبدأت تمسد عليها وتقبلها.توقفت من مداعبة قطتها حينما استمعت لصوته خلفها
- ياريتني كنت لوجي..
استدارت بجسدها وهي ترمقه بنظرات مستفهمة
- مالها لوجي ياآبيه..دي كيوتي خالص..
جلس بجوارها ونظراته تطالعها بإشياقا جم...ود لو اعتصرها بأحضانه حتى يشبع روحه من إفتقادها عن تلك الشهور المنصرمة التي بعدت بها عنه
ابتسمت له وبدأت تداعب قطتها وتقبلها
ولكن توقفت عن حديثها عندما همس لها
- مش كفاية بعد ياسيلين..ناوية تعملي في يونس إيه أكتر من كدا
ناظرته بإستفهام لم تفصح عنه شفتيها
دنى منها ثم مد كفيه يزيح خصلاتها المبعثرة بعشوائية على وجهها وأردف
- وحشتي يونس ياحبيبة يونس.. ياترى يونس وحشك
رعشة أصابت جسدها من حديثه... فارتجفت شفتيه وبعينين زائغتين تحدثت
- أكيد وحشتني كمان.. زي ماآبيه سليم وحشني..
نصب عوده وسحبها من كفيها
- قومي ياسيلين متخلنيش أتعصب عليك.. مبحبش الأغبياء..
لم تجادله كثيرا فيكفي مايصير لها من قربه
وصلا إلى المسبح وجلس وأجلسها بجواره
ظل يناظرها لبعض اللحظات.. عينيها التي تشبه أمواج البحر وخصلاتها المموجة باللون البني.. وثغرها الذي يشبه حبة الكريز تمنى ان يتذوقه ليرى كيف يكون طعمه.. ناهيك عن بشرتها البيضاء الناعمة
هربت من أنظاره التفحصية وتسائلت
- ممكن أعرف بتبصلي كدا ليه.. أنا فيا حاجة غلط...
كان يمارس أقصى درجات النفس كي لا يسحبها إلى أحضانه ويلتقط ثغرها بقبلة شغوفة.. ولكنه منع نفسه بقوة
ضم كفيها بين راحتيه وتحدث
- سيلين إنت عارفة أنا كنت بعد الأيام أد إيه علشان بس أشبع من صوتك وصورتك قدامي
ابتسمت بخجل جعل وجنتيها كحبة الطماطم الناضجة.. فنزلت ببصرها للأسفل
رفع ذقنها وملس على خديها بأبهامه
- "سيلين أنا بحبك"ومش حب عادي ولا وليد يوم ولا إتنين.. لا بحبك من زمان قوي...
دنى منها يهمس اليها وهو يمشط نظراته على وجهها بالكامل
- بحبك وهموت لو بعدتي عني تاني..
تنهد وأكمل
- أكيد مش هتسبيني تاني كام شهر علشان تكملي تعليمك برة.. صدقيني وقتها هعمل حاجات مش هتعجبك..
هنا هبت فزعة من حديثه وبدأت تتمتم بكلمات متقطعة
- أنا مش فاهمة كلامك يايونس.. أنا..
قاطعها عندما فاض تحمله وفقد السيطرة على نفسها وهو يجذبها لأحضانه يعتصرها بقوة
- وحياة يونس عندك لو كنت غالي لو شوية صغيرين بلاش تحرقي قلبي وتبعدي تاني.. سيلين أنا بموت في بعدك
هزة عنيفة أصابتها فجعلت ساقيها كالهلام ولم تقدر على حملها.. فتثاقلت بجسدها عليه.. فضمها بقوة رافعا جسدها حتى أصبحت اقدامها لا تلامس الأرض وبدأ يدور بها
- بحبك بجنون ومش هسيبك تبعدي عني لو وصلت أخطفك..
انزلها بهدوء واضعا جبينه فوق خاصتها
- بلاش تعذبيني ياحبيبتي لو سمحت.. عايزك في حضني على طول ياسيلي
لم تعد تشعر إلا ببعض الحرارة تتسرب إلى جسدها لأقترابه منها بهذا الشكل.. حاولت الأبتعاد عن أحضانه ولكن قوتها الواهية لم تساعدها... لقد وقعت في عشقه وقضي الأمر.. قلبها اصبح كآلة طبول.. ابتعدت عن احضانه تحاول لملمة شتات نفسها ولكنها شعرت بدوار خفيف
وجدها بتلك الحالة
فضمها إلى أحضانه
- هتبعدي تاني عن يونس ياسيلين
خرج من ذكرياته على رنين الهاتف بأسمها ..نظر لصورتها المنقوشة على هاتفه ..ثم اغلق الهاتف وهو يتنفس بقوة كالمتسابق
بعد شهر بشركة البنداري صباحا اتجهت إلى المصعد وجدته يتحدث بهاتفه
- لا ياحبيبتي يعني ساعتين شغل... ماهو الباشمهندس سليم مصدق إجازة النهاردة
- خلي بالك من نفسك وأسمعي كلام سليم
اجابته بشقاوة
- أنا مش هرجع القاهرة لما تيجي وتقعد يومين
ضحك بصوته الرجولي
- بت بقولك اقفلي وهكلمك لما أروح المكتب أنا في الاسانسير ..سلام حبيبتي
استدار عندما شعر بأحدهم...وكأن قلبه شعر بوجودها
شعرت ببرودة تجتاح جسدها عندما وجدته بهيئته أمامها... لقد اشتاقت له كثيرا.. حتى شعرت بدقات قلبها تتقاذف بعنف داخل قفصها الصدري... ولا يختلف الأمر عنده... شعر بانسحاب أنفاسه من وجودها أمامه
ظلت نظراتهما مثبته كلا منهما على الآخر باشتياق لبعض اللحظات قبل أن يحمحم
- صباح الخير...
أومأت برأسها دون حديث... كأن الحروف هربت من شفتيها... وقفت بجواره على بعد مسافة
أستدار يواليها ظهره وقام بتشغيل المصعد
كان جسدها يرتعش من رائحته التي ملئت رئتيها.. اخرجت هاتفها الذي قام بالرنين
- ايوة ياباشمهندس... لا دقيقة وأكون عندك... لا معايا وخلصته تمام
أخرج زفرة حادة عندما علم بهوية المتصل
حتى شعرت بأنفاسه تحرق المصعد
توقف المصعد... خرجت سريعا علها تستطيع التنفس الذي منعته منذ دخولها
- "ليلى "أردف بها راكان بهدوء على غير عادته
توقفت وهي تواليه ظهرها
- عايز اعرف آخر تطورات المشاريع الجديدة... أنا غايب بقالي شهر.. لو تاخدي بالك
استدارت بهدوء
- ماخدتش بالي إنك موجود ولا لا... وعلى العموم مش أنا المسؤلة حضرتك على إني اتناقش في المشاريع...
تحرك متجاوزها وأردف
- مستنيكي في مكتبي عشر دقايق وتكوني عندي ...
قالها وتحرك ولم يعيرها أهتما من نظراتها النارية
امتقع لونها وكادت أن تفقد وعيها من ذاك المتجبر لم تستطع الصمود تحركت متجهة لغرفة مكتبه متخطية السكرتيرة التي دخلت خلفها
- استني ياباشمهندسة...
كان يقوم بخلع جاكيت بدلته... استدار للتي اقتحمت المكتب... ابتسم بخفوت فقد وصل للذي خطط له
- روحي ياسهام على شغلك... الباشمهندسة جاية تراجع معايا التصاميم بتاعةالمشروع
برقت عيناها من هدوئه المستفز وتصاعد غضبها للحد الذي جعلها تقترب منه وتتحدث بانفعال
- إنت مفكر نفسك مين... أنا هنا مهندسة تصميم مش المرمطون بتاع حضرتك
قام بعقد قميصه ورفع أكمامه.. فظهرت عضلاته و هيئته الجذابة أمامها... قام الاتصال على السكرتيرة
- ابعتيلي قهوتي... وقولي للمهندس آسر يجيب االتصميم... اه وهاتي للبشمهندسة ليمون فريش
بلغ الغضب ذروته فلم تعد تستطع تمالك أعصابها
- تمام ياباشمهندس... مش حضرتك باشمهندس برضو
رجع بمقعده للخلف.. اشتاق لشراستها بقوة
نظر لها نظرات لم تفهمها مط شفتيه وهو يهز رأسه
- لا أنا مستشار... وقاضي ساعات على حسب القضية قالها بمزاح الغير معهود
ثم رفع عيناه إليها وتحدث بحديث ذات مغذى
- بس بحب الهندسة جدا... وكان نفسي أكون مهندس تصميم كمان...
أمسك قلمه ونقر به على مكتبه.
"بس ملحوقة، مراتي إن شاء الله هتكون مهندسة تصميم... إيه رأيك؟"
كانت طريقة احترافية موجهة لقلبها الذي أعلن عصيانه عليها. تجلت الصدمة على وجهها، فظلت تناظره وهو يبادلها نظراته، إلى أن قطع حرب النظرات أسر.
"صباح الخير يا أستاذ راكان."
أومأ دون حديث.
وقف متجهاً لطاولة الاجتماعات. بدأوا يتناقشون العمل على آخر مشروع، وفروع التصميمات، وبعض المشروعات الأخرى وإنجازاتها.
كانت تقف بجواره. في بادئ الأمر لم تشعر بشيء سوى وقوفها بين يديه وهو يقوم بشرح بعض الأشياء المطلوبة. مرت دقائق وما زال يسيطر عليها بجاذبيته وحديثه. لكنها لم تفهم ما يقوله، تنظر له فقط، تسترق النظر فقط. قاطع شرودها أسر.
"ليلى مالهاش دخل بدا خالص ياباشمهندس. هي مهندسة ديكور فقط."
استشاط داخله بنطق اسمها دون ألقاب.
"اسمها الباشمهندسة ليلى... مش كده يا باشمهندسة؟"
نظرت للأرض بغضب من حديثه.
"الباشمهندس أسر بيحب يشيل التكليف مش أكتر. وبعدين دا ابن عمي."
رفع حاجبه بسخرية.
"والله... ربنا يهني سعيد بسعيدة. بس ابن عمك في بيتكوا وانتوا بتشربوا الشاي مع بعض وبتحكوا قصص ألف ليلة."
شهقة قوية خرجت من جوفها من حديثه الذي طعنها. ابتسمت مقوسة فمها وهي تتمتم له.
"حاضر هنعمل بالنصيحة يا حضرة الباشكاتب."
زفر بضيق ثم قال بصوت مبطن بجزع.
"بعد كدا هتراجعي مع معتز وسليم. تحداها بنظراته ومعايا. وآسر هيراجع مع معتز وسليم ونورسين."
ثورة حارقة اندلعت من أوامره. ورغم ذلك ابتسمت ابتسامة صفراء.
"سمعاً وطاعة يا حضرة القاضي." قالتها بمغزى.
استغرب آسر كلامهم الجانبي. فقطع الحديث.
"الباشمهندسة نورسين هتكون ضمن الكاست اللي هيشرف."
"لا نورسين هتروح في شركة باباها بعد كدا."
رفع يديه ببعض الأوراق.
"خد دول راجعهم وهاتهم بعد ما تخلصهم."
وقف آسر مستعدا للمغادرة.
"ليلى مستنيكي فيه حاجة مهمة لازم تشوفيها."
رفعت نظرها لراكان ثم توجهت بنظرها له.
"تمام."
قامت بجمع الأوراق.
افترسها بملامح حادة ثم اتجه لآسر.
"روح على مكتبك وهي شوية وهتسبقك."
قالها وجلس وهو يشير بيديه لليلى.
وقعت في براثن حيرتها عن طلبه الجلوس.
تطرقت إليه بعيونها المهتزة والتي تتراقص بتردد عن خروجها وتركه. قاطع حيرتها مع نفسها حين قال.
"ليلى فيه موضوع لازم نتكلم فيه."
جمعت أشيائها ودقاتها تتسارع من همسه لأول مرة. على الرغم من شرارة اللقاءات بينهما إلا أنها تتمنى أن تظل هذه الشرارة... شرارة النظرات... شرارة التفوهات...
ارتعشت يديها وتساقطت بعض الأوراق. نزلت بجسدها تلملمهم. نزل هو الآخر وجمع بعض الوريقات وبسط يديه أمامها بهم. رفعت نظرها له.
تعمق بداخل ليلها الدامس وهو يحادثها بنظراته.
"هل تشعرين بدقاتي التي تتقاذف بين ضلوعي منذ أن رأيتك؟"
توقفت سريعا حينما تفاقمت نظراته عليها.
أغمضت عيناها للحظات لتبعد نظرها عن شمسه التي سحبتها كالمغناطيس.
أمسك يديها.
"ليلى بقولك فيه موضوع مهم لازم نتكلم فيه."
نزعت يديها سريعا عندما شعرت بماسة يحتل كيانها. وتراجعت للخلف وهي تهمهم ببعض الكلمات غير المرتبة كالمعتوهة.
"مليون مرة أقولك ماتتخطاش حدودك معايا. أنا مش حريم السلطان تبعك، ولا من عينة سيادتك... دور على حد غيري."
اتسعت عينيه من هول ما تلفظت به. وهبت زعابيب غضبه عندما وجد نظراتها إليه كأنه عدوى. قطع المسافة بينهما ولكن...
قطعت حديثهما نورسين عندما دلفت إلى المكتب. وأرتمت بداخل أحضانه.
"وحشتني أوي حبيبي. أنا مفكرة إنك بتهزر لما قولتلي هتلاقيني الصبح في الشركة."
كان ينظر لليلى فقط التي انسدلت دمعة على وجنتيها. مسحتها سريعا. عندما قامت نورسين بتقبيله بجانب شفتيه. واتجهت إلى الباب.
أغمض عينيه عندما سارت بجواره كأنه يستنشق عبيرها. لم يشعر بنورسين التي طوقت عنقه وهي تتمسح به.
وقفت على باب الغرفة واستدارت تنظر له. وجدته مغمض العينين. ظنت حالته تلك من اقتراب نورسين له. زعما منها أنه اشتاقها. خرجت تمسح عبراتها التي انسدلت بقوة. عندما تأكدت بحبها له.
وضعت يديها موضع قلبها وهي تمسد موضع الألم.
"مالقتيش غير راكان البنداري... اه يا وجع قلبي اللي هتعيشيه معه...."
رفعت هاتفها على أذنيها عندما شعرت بانسحاب نفسها. كلما تذكرت صورته وهي تقبله دون رد فعل منه.
"أيوة يا أسما. فاضية محتاجة أتكلم معاكي ضروري."
"تمام يا ليلى أنا قدامي عشر دقايق هخلص وأقابلك في الكافيه."
بعد فترة خرجت من الشركة بعدما أخبرت آسر بتعبها وعدم مقدرتها على استكمال عملها اليوم.
كان يقف بنافذة مكتبه يتحدث لحمزة بهاتفه.
"شكلها كدا ياصاحبي. خطفتني ببرائتها وضحكتها الصافية."
أغمض عينيه.
وأكمل مستطردا.
"تفتكر هتكون بريئة ولا زي غيرها."
شعر بوجع حاد في كامل جسده كلما تذكر ماضيه.
زفر حمزة وحاول امتصاص غضب الآخر.
"راكان لو البنت عجباك زي ما بتقول، كلم نوح هو قريبها وهيجيبلك المفيد."
سحب حمزة نفسا قويا ثم أكمل.
"أما لو مجرد إعجاب ووقت لطيف، دي مش سكتك أبدا. وزي ما أنت عرفت كل حاجة عنها، إنها مش بتاعة الحركات دي."
أشعل سيجاره ينفثها بالخارج.
"مش مجرد إعجاب ياحمزة."
أخرج علبة مخملية من درج مكتبه ونظر إليها.
"حمزة أنا جبت خاتم الخطبة. مستني أكلمها مش أكتر."
"أوووه ياراكان. لا كدا لولا مسيطرة على الآخر. لا كدا يونس لازم يدخل بتقله. وهو اللي هيظبط الدنيا. إنما هو معرفش."
تذمر راكان عابسا.
"عرف من قبل من زمان. إنت عارف يونس ونظراته. قفش الموضوع. أول ما حسيت أنه عرف حكيتله."
"هو شبع فيا شماتة برضو."
قطع حديثه عندما وجدها تخرج من الشركة وتدلف داخل السيارة.
"طيب ياحمزة أشوفك بكرة ونكمل كلامنا."
قام بالاتصال بالسكرتيرة.
"ابعتيلي رقم المهندسة ليلى حالا."
خلال لحظات قام بالاتصال بها. كانت بسيارة الأجرة وتتذكر نظراته وهمساته لها. أغمضت عيناها وهي تسب نفسها.
"بيتلاعب بالمشاعر."
امسكت هاتفها عندما ارتفع رنينه.
استغربت الرقم ولكن ظهر باسمه بخاصية اكتشاف الأسماء.
"ألو." قالتها بارتعاش شفتيها.
"رايحة فين من غير ما تقولي؟"
جحظت عيناها من استفزازه لها.
"أنا استأذنت من آسر."
طرق على مكتبه بقوة وتحدث بغضب.
"هو آسر صاحب الشركة عشان تستأذني منه؟"
أغلقت الهاتف بوجهه ثم أغلقته كاملا.
"يخربيت تناكتك ياخي. مش معقول. مغرور واحد مغرور." قالتها وهي تجز على شفتيها.
نظر بصدمة للهاتف الذي أغلقته. لفظ الهواء بقوة من رئتيه وهو يكور على قبضته.
"وماله ياباشمهندسة."
في فيلا جلال البنداري.
"يعني يامتر إننا ممكن نخسر القضية دي. لا الأرض دي بتاعتي ولازم ترجعها حتى لو هندفع تمنها القديم."
اتجهت زوجته إليه بعدما أغلق هاتفه.
"فيه إيه يا خالد صوتك عالي ليه؟"
زفر بغضب وتحدث.
"صاحب الأرض رافع قضية عليا. وتخيلي مين ماسك قضيته الأستاذ حمزة الدمنهوري."
وقفت وصاحت بقوة.
"نعم حمزة مفيش غيره. وليه حمزة يقبل بحاجة زي كدا؟"
مسح على وجهه بغضب.
"ماهو دا اللي هيجنني. إزاي حمزة يقبل القضية وهو عارف أنها ضدي."
جلست وتحدثت بهدوء.
"كلم راكان واستعطفه بشوية كلمات. هيكلمه ويخليه يتراجع."
ارتفع إحدى حاجبيه وتحدث.
"راكان... دا مش بعيد هو اللي قاله يعمل كدا."
دلت سلمى من باب الفيلا.
"صباح الخير يا عمو. هي سارة مش موجودة ولا إيه؟"
نظرت عايدة للأعلى وأردفت.
"بتجهز ونازلة حالا ياحبيبتي. هو انتو رايحين فين؟"
اقتربت منها وهي تبتسم.
"رايحين نعمل شوبينج ونعدي على يونس في العيادة عازمنا على الغدا."
أومأت رأسها.
"تمام. بقولك ياسلمى."
"إنت لسه بتشوفي حمزة الدمنهوري؟"
اهتزت نظراتها أمام سؤالها وأدعت عدم معرفة سؤالها.
"مش فاهمة حضرتك يا طنط. حمزة مين؟"
اقتربت ووقفت بمقابلتها.
"حمزة الدكتور بتاع حقوق اللي كان اتقدملك دا وإنت رفضتيه." ثم أكملت مفسرة. "صاحب راكان."
ساد صمت للحظات. ثم رفعت نظارتها تطالعها وتحدثت.
"حضرتك أهو جاوبتي على السؤال. واحد اتقدملي ورفضته. إيه اللي هيخليني أكلمه؟"
هزت رأسها وتحدثت.
"أيوة فعلا عندك حق. هو إيه اللي هيربطك بيه. على العموم انسي ياقلبي."
وصلت سارة إليها.
"مامي أنا خارجة وهتأخر. شاو."
في الكافيه.
جلست تنتظر أسما وهي تتفحص هاتفها أو ربما تحاول أن تشغل نفسها. وصلت أسما.
"آسفة يالولة لسة مخلصة."
نظرت لها بعمق وتحدثت.
"إنت معيطة. مالك فيه حبيبتي وايه الدموع دي؟"
حاولت التقاط أنفاسها التي كادت أن تختنق من آلام قلبها.
"عايزة أسيب الشغل ومش عارف. ولو سبته هعمل إيه؟ هقدر ولا لا؟"
ضيقت أسما عيناها وأردفت متسائلة.
"ليلى إنت بقالك سنة في الشغل وكنت فرحانة بالشغل. وكمان مرتبك حلو بيساعد والدك شوية. إيه اللي حصل خلاكي تاخدي القرار دا فجأة؟"
"راكان هو السبب."
قطبت مابين جبينها.
"راكان قالك سيبي الشغل. لا أفهم. راكان على قد ماهو هوائي بس في الشغل جد جدا."
مسحت على وجهها بعنف ونزلت دموعها.
"حبيته يا أسما. حبيت الشخص الغلط وشوفي إنت لسة قايلة إيه شخص هوائي. بيتلاعب بالمشاعر. أنا بموت يا أسما حاسة إني بختنق."
جحظت عيناها بقوة من حالة ليلى.
"مش قولتي هتنسيه يا ليلى. أنا طبعاً معاكي إنك تبعدي عنه. دا لو سليم كان أرحم."
صاحت بصوتها الباكي.
"مش بإيدي. والله ما بإيدي."
"من الحفلة وهو مسيطر عليا أوي. مع إنه مش من طبعي الشخصية دي. وحاولت أتخطاه وكنت رافضة العمل في الشركة عشان كدا. معرفش حبيته إزاي أوي كدا يا أسما. بس بجد حاسة إني ضايعة."
ضمتها أسما بحنان.
"خلاص إهدي ياليلى. مش عارفة أقولك إيه. فرحت لما قولتي هتبعديه عنك." صمتت للحظات وأكملت.
"بس لو تقدري تخلعيه من قلبك اخ لعي عشان زي ما إنت لسه قايلة. دا هوائي وبتاع ستات. وكل أسبوع له جوازة."
خرجت من أحضانها. لم تتحمل المزيد من المعرفة التي تشق قلبها أكثر من ذلك. ورغم ذلك تحدثت: "نظراته ليا مبتقولش كدا يا أسما. تعرفي النهاردة كان فاضلي بس ثانية وكنت هجري عليه وأرمي في حضنه. بقاله شهر مبيجيش من وقت إصابته. بس كنت بطمن عليه من سليم ودا كان مريحني شوية."
صمتت لحظات تتذكر همسه لها ونظراته.
"حسيته كمان عايز يقولي حاجات كتير، هو أصلاً كان هيقول.. لكن خفت أضعف."
وضعت كفيها على وجهها وبكت.
"بكلمه بقسوة علشان أداري ضعف قلبي قدامه."
تنهدت أسما بوجع عليها.
"لازم تسيبي الشغل ياليلى، أنا هكلم نوح ممكن يشوفلك شغل تاني، وياريت بقى المرادي تسمعي مني."
أخذت أسما شهيقاً عميقاً ثم زفرته وتحدثت ما جعل قلب ليلى يدمى.
"اللي أعرفه عن راكان إنه مش بتاع حب، أنا سمعته بيقول كدا."
ثم أكملت متذكرة.
"سمعته بيقول، أنا عمري ما أسلم قلبي لواحدة ست تاني.. وآخر الواحدة معايا ليلة في السرير."
وضعت وجهها بين راحتيها.
"اسمعيني، دا واحد حبيته خانته.. قبل كدا.. تفتكري هيحب تاني وهو شايف الستات كلها زي بعض؟ أنا عارفة إنه جذاب وحلو والصراحة يتحب، بس لازم نفكر بعقلنا."
بكت بنشيج مرير في تلك اللحظة وارتجفت أوصالها من الحزن على قلبها اليتيم البريء البكر في الحب.
قاطعهم رنين هاتف أسما.
"أيوه يانوح.. لا أنا خرجت وقاعدة مع ليلى في الكافيه."
"تمام، لما أرجع هعدي عليك.. انت موجود في المزرعة؟"
قطبت جبيناها.
"انت في شركة البنداري؟ تمام... طيب لازم دلوقتي.. خلاص يانوح همشي حالا."
رفعت نظرها لليلى.
"نوح كان بيسأل.. هو عند راكان."
"بقولك تعالي نتغدى مع بعض.. هنروح المزرعة تشوفي الخيل.. الدكتور يحيى جايب شوية خيل حلوين وإنت بتحبيهم."
وقفت ورفعت يديها لتوقفها.
"ياله هنسيكي وجع القلب دا.. شكلنا يا صاحبتي جاين على الدنيا دي علشان نتعذب من الحب.. لازم أرجع على المزرعة فيه بذور وصلت ومفيش حد يستلمها."
بعد فترة في المزرعة.
كانت تتمشى بين الحقول وهي تستنشق رائحة الزرع.
"عندك حق يا أسما، المكان هنا ينسي الواحد نفسه."
جذبتها من يديها.
"تعالي شوفي المهرة البيضة دي هتخطف قلبك أكتر من راكان."
مجرد اسمه أمامها جعل تذبذب في نبضات قلبها.
وضعت يديها حتى تهدأ من روعتها.
"ليلى حالتها بقت صعبة ولازم تتعالج يا أسما."
قالتها ليلى بخفوت.
قهقهت عليها أسما وأردفت حتى تخرجها.
"واخدة بالي يا قلبي، يخربيته اسم الله عليه."
وقفت تمسد على الحصان الأبيض.
"دي شكلها يخطف فعلاً يا بنتي.. لا هموت وأركبها.. بقولك ساعديني عايزة أركبها وصوريني.. عايزة أعاند درة."
صاحت أسما باسم الرجل المسؤول عن الأحصنة.
"معلش يا عم محسن، ممكن بس تساعد حضرة الباشمهندسة في ركوب الفرس دا.. متخافش، مش هتروح بعيد، مجرد صورتين بس."
بسط الرجل العجوز يديه إليها وقام بتوجيه تعليماته لها حتى تعتلي الفرس.
"أسما الحصان جديد، متتحركوش من هنا."
أومأت أسما برأسها.
"تمام يا راجل يا عجوز، إن شاء الله متخافش."
دلف سيارتين للمزرعة في تلك الأثناء.
وهي تعتلي الحصان وابتسامتها تشق عنان السماء بحركتها البريئة، حتى تلتقط أسما بعض الصور.
نزل وهو يخلع نظارته وينظر للتي خطفته من أول لقاء بينهما.
ظل يدقق النظر بملامحها التي تشبه قطرات الماء النقية.
وأردف بينه وبين نفسه.
"نقية كجرعة المياه التي تنبت الزرع، حبيبتي."
ردد بشفتيه، حبيبتي.
اتجه كالمسلوب نحوها.
رأته أسما التي كانت تلتقط الصور وتضحك.
تسمرت بوقفتها.
رفعت ليلى يديها لتقطع شرود أسما.
تحرك الحصان بذاك الوقت.
صرخت بصوتها الناعم الذي ذلذل كيانه.
أسرع متجهًا للحصان حتى أمسكه وتوقف تماما أمامه.
كانت مغمضة عيناها منتظرة سقوطها بأي لحظة.
فجأة تساقطت قطرات المطر الندية.
فتحت عيناها عندما شعرت بتوقف الحصان وصوت أنفاس قريبة منها.
وجدته يطالعها بقلبه قبل عينيه.
"راكان."
ارتجفت شفتيها بنطقها.
شرع في القرب منها، حقاً كانت ساحرة بطلتها على تلك المهرة.
نعم، فهي مهرته، مهرة قلبه التي سلبته بابتسامتها وحركاتها الطفولية، ناهيك عن صوتها الناعم.
رغبة ملحة منه في الاقتراب منها وجذبها لأحضانه حتى يكسر حاجز المسافة بينهما.
صافح قلبها بنظراته التي شبهتها بقطرات المطر التي تساقطت عليها لتحيي قلبها بعدما تآكله الحزن.
بسط يديه وأردف بصوتا مبحوح.
"تعالي اسندي عليا علشان تعرفي تنزلي."
قالها هامساً لها.
هربت من حصاره وهمسه الذي اخترق قلبها وبعثر نبضاتها بعد وعودها الواهية.
بنظراتها البعيدة عن مرمى نظره.
"ليلى، لو سمحت، بصيلي."
"عليك اللعنة أيها القلب اللعين."
وما كان منها إلا أن تناظره فقط لتشبع روحها من قربه.
خرجت من تذلذل كيانها بقربه عندما لامس يديها.
نزعت يديها سريعاً.
"لا، هعرف أنزل لوحدي، ابعد شوية لو سمحت."
"لو سبت الحصان هيمشي وهتوقعي وممكن تتكسري، وأنا الصراحة مقدرش على كدا، هاتي إيدك علشان أساعدك."
فقدت قدرتها على الحركة أو الكلام.
كان هناك من يقف يراقبهما.
اقترب نوح منها.
"إيه الموضوع... شكل فيه حاجات كتيرة بتحصل من ورا نوح يا أسما."
ظلت تتابع بنظراتها حالة ليلى المشتتة في حضرته.
"يارب السمكة تهرب قبل ما تقع في الشبكة.. أصلها بعد كدا هتموت يا حضرة الدكتور."
قالتها أسما وتحركت إلى حيث وقوفهما.
بسطت يديها المرتجفة كحال قلبها لتعانق كفيه، ولكن قاطعت تواصل الأيدي أسما حين قالت.
"لولة آسفة يا قلبي، اتأخرت عليكي."
اتجهت بنظرها لراكان.
"شكراً يا حضرة النايب.. أصل ليلى بتحب الخيل جدا، فقولت أجيبها تغير جو وتشوف الخيل الجديد."
قالتها أسما وهي تمسك بيد ليلى بدلاً عن يديه.
جز على نواجزه بسبب تدخل أسما بينهما.
رفع بصره لوجهها علها تستمد مساعدته.
وقعت عيناها بعينيه التي تحكي الكثير والكثير، هنا ارتبكت عندما رفع يديه يلامس كفيها مزيحاً كف أسما.
لقد فقد توازنه بالكامل، عينيها بسوادها الذي جذبه كالمغناطيس.
"ليلى."
همس بها مما جعلها ترتبك.
وفجأة تركت لجام الحصان واعتدلت لتنزل، إلا أن الحصان تحرك سريعاً مما أدى إلى اهتزازها وسقوطها بين ذراعيه.
كان يعلم ما سيصير بسبب حركتها المخالفة لركوب الخيل.
أصبحت بأحضانه كاملاً.
رفعت نظرها وارتعش جسدها.
نظر كغريق لعيناها عندما ضمها وشعور انتابه بوجود ضالته التي افتقدها كثيراً.
ارتعشت بين يديه وفقدت الحركة تماماً، ليس حركة جسدها فقط بل حركة عقلها الذي غاب عنها للحظات.
راقبت نظراته بعيون مرتعشة وأنفاس تعلو وتهبط من قربه الذي اخترق قانون المسافات وأصبح غير مشروعاً.
حاولت التنفس ولكن رائحته تغللت لرئتيها.
أخيراً أفاق العقل وأشار بالمحظور عندما همس.
"إنت كويسة... كدا خوفتيني."
قالها وهو ينظر لشفتيها التي ترتجف ويتساقط عليها قطرات المطر، وأهدابها.
حقاً لوحة فنية رائعة لقلبه.
صمتت الألسن وانفجرت دقات القلوب.
خرجت من ضمته التي شعرت بعد تركها له ببرودة تجتاحها بعدما كانت تشعر بدفئ أنفاسه ويديه حولها.
ازداد تساقط المطر.
اتجهت سريعا لأسما التي تقف تنظر بخفوت لنظرات راكان المرتابة لصديقتها.
أيعقل إنه أحبها؟ هل يعقل أن راكان البنداري أحب مرة أخرى أم أنه يصطاد فريسة جديدة؟
تحركت.
أمسكتها نوح واردف متسائلاً.
"إيه الموضوع يا أسما... النظرات اللي شايفها دي حقيقي... ليلى وراكان؟"
نزعت يديه.
"روح اسأل صاحبك يا دكتور، وياريت تفهمه إن ليلى بريئة من حركاته دي، مش أنا اللي هوصيك على ليلى يا نوح."
أغمض عيناه متلذذاً بهمسها باسمه.
"تعالي عايز أتكلم معاكي... ولازم نحل المشاكل... وبعدين نشوف موضوع ليلى وراكان."
"أنا مش فاضية يا دكتور بعد إذنك."
"أسما استني بكلمك لازم توقفي وتسمعيني."
استدارت له وكم كانت تكره ضعفها أمامه، ولكن كفى من ذلك القلب المكسور.
تصاعد ألم قلبها من حديثه فقالت بانفعال.
"عندك حق يا دكتور.. تقول إيه، شغالة عندك ولازم أحترمك."
جذب يديها ونظر لداخل مقلتيها.
"إيه اللي بتقوليه دا يا أسما.. هو إحنا مش أصحاب؟"
نزعت يديها بقوة.
أردفت تناظره وقطرات المطر تغطي أهدابها.
"لا مش أصحاب يا حضرة الدكتور... صحاب دي كانت زمان."
اقتربت ومازالت تناظره بقوة.
"أيام ما كنت حفيدة حضرة الضابط لها مكانة بين الناس."
قاطعهم وصول راكان وليلى.
"شكلكم بتحبوا المطر أوي... إيه يا بني ادخلوا اتغرقتوا مية."
اتجهت أسما بنظرها لليلى التي تقف تحت جاكيتيه مبتسمة، وراكان الذي راق له الأمر من قربها وهو يطالعها بعينيه، ويحاول التقرب منها.
جذبتها من معصمها.
أوشكت على التحرك معها فوجدت قبضته القوية التي أوقفتها.
"رايحة فين؟ لسة مكملناش كلامنا."
جفلت من حركته.
"ممكن تسيب ايدي.. نوح يقول إيه دلوقتي."
كان نوح يتحدث بهاتفه.
"لو سمحت يا حضرة المستشار ممكن تسيب ايدي."
قالتها وهي تكز على أسنانها.
اقترب وهمس لها.
"متمشيش، هوصلك... ويارب تسمعي الكلام."
جذبت يديها سريعاً عندما شعرت برعشة قوية تجتاحها عندما اقترب منها بهذه الطريقة.
في عيادة يونس.
دلف إحدى الحالات المنتظرة.
كان يتحدث بهاتفه بشرفة مكتبه.
"والله من غيري يانوح... تمام يا عم."
"متخليهوش يمشي، عندي كام حالة كشف هخلصهم وأحصلكم سريعا."
"أنا عايز أركب المهرة الجديد... وإياك تقول لراكان عليه."
قهقه على الطرف الآخر نوح ونظر باتجاه راكان الذي تحرك مع أسما وليلى إلى المنزل الملحق بالمزرعة.
"وحياتك عينه قفشتها أول ما دخل، ومن حظه الحلو وحظك المنيل... ليلى كانت راكباها وأسما بتصورها."
"ليلى مين... المهندسة؟ وأيه اللي وداها المزرعة... وراكان معاها... بيعملوا إيه؟ كان بيصورها... يادي المصيبة."
"يخربيتك يا دكتور الهسهسة انت."
"مش ملاحق أجاوب ولا على سؤال."
ثم تذكر شيئاً.
"هو إيه الموضوع يالا."
"وبعدين ليلى بنت خالتي وبتيجي على طول هنا.. يعني عادي.. اللي مش عادي هلفتك بالكلام دا."
حمحم يونس ثم تحدث.
"لا، عندي كشف أشوفك بعدين سلام يا صاحبي، أشوفك بعد ساعة."
استدار وفجأة جحظت عيناه مما رأى.
"انت... هنا ليه؟"
اقتربت تتحدث بخبث.
"عامل إيه يا يونس... وياترى ابن عمك عامل إيه؟"
عند زينب بغرفتها.
أخرجت بعض الصور، تنظر إليهم وتتساقط عبراتها عبر وجنتيها.
دلف أسعد يبحث عنها.
"زينب قاعدة كدا ليه؟"
استدارت وحاولت الأبتسام ولكنه جذب الصور من يديها.
"ياااه يا زينب لسة محتفظة بصور هيلينا."
أزالت عبراتها وتحدثت بصوتا باكي.
"لازم أكون محتفظة بيهم يا أسعد.. أكيد هيجي يوم وراكان يعرف الحقيقة."
تنهدت بحزن وسألته.
"تفتكر راكان هيسامحني يا أسعد؟"
جذبها أسعد لأحضانه.
"راكان مستعد يضحي بنفسه عشانك يا زينب.. ليه مش هيسامحك؟"
خرجت من أحضانه وأردفت.
"عشان مفكرين أمه."
وضع يديه على شفتيه مقبلاً جبينها.
"هيسامح لما يعرف الحقيقة يازينب... إنت نعم الأم والزوجة.. وعارف حب راكان ليك أقوى من أي حاجة تهزه."
بالعيادة عند يونس.
جلست تضع ساقاً فوق الأخرى.
"إيه أخبار راكان يايونس... عرفت إنه لسة مااتجوزش لحد دلوقتي؟"
وضع يديه على مكتبه واقترب بجسده منها.
"عايزة من راكان إيه ياحلا... مش مكفيكي اللي عملتيه..." ثم ضيق عينيه وتساءل.
"أنا اللي بيدخلي يا إما حامل..." ثم نظر لها نظرات ذات معنى.
"يا إما عنده تكيس مبايض..." قالها بمغزى.
ضحكت على كلماته.
"لسة زي ما أنت يايونس." وضعت يديها مثله واقتربت.
"وليه ماتقولش غير كدا... عايزة أطمن على نفسي وأشوف لو اتجوزت ينفع أجيب ولاد ولا لا."
قهقه بصخب عليها.
"جيتي ملعبي أستاذة حلا... بس خايف عليكي من صدمة النتيجة."
قطع حديثهما عندما دلفت سارة وسلمى للداخل بغضب من السكرتيرة الخاصة به.
"إيه الهبل دا... إزاي تدخلوا كدا."
اقتربت سارة تنظر لحلا بسأم.
"ماهو لما خطيبتك تستنى كشف أكتر من نص ساعة لازم أدخل وأشوف إيه اللي بيحصل."
"برة..." ثم رفع نظره لأخته ثم صاح بقوة.
"قلت برة انتوا الاتنين."
في المزرعة.
جلست أمام المدفأة تتدلك يديها لتشعر بالدفء. اتجهت أسما وجلست بجوارها.
"دا اللي اتكلمنا فيه ياليلى... إيه اللي شفتيه دا." خبأت عينيها عن نظرات صديقتها بالاتجاه الآخر.
لفتت أسما وجهها إليها، وفرت دمعة من عينيها تسيل فوق وجنتيها ببطء.
"خايفة تعيشي زي... هتتعبي ياحبيبتي."
"أنا دموعي مابتنشفش... ومستحيل أشوف نفسي مع حد تاني... راضية بنصيبي." لمست خديها بحب ونظرت داخل عينيها.
"ليلى الحب وجع وبس... طول عمرك بتهربي منه... فاكرة ماجد اللي كان هيموت عليكي... عارفة أنا دلوقتي أتمنى ماجد يرجع ويتجوزك ولا إنك تعلقي نفسك براكان."
. ارتبكت وتلعلعت الكلمات بحلقها، فاردفت باهتزاز.
"مش يمكن تكوني ظلماه يا أسما... أنا بحس بحاجة تانية.. مش معقول نظراته تكون وهم يا أسما."
تنهدت أسما بحزن.
"ماهو دا راكان البنداري يابنتي... بتاع النظرات والهمس.. إنت متعرفوش أد ما أعرفه... أنا شوفته في الحفلات... هيكون صعب عليكي لما تشوفي حبيبك قاعد ضامم واحدة بحضنه وعمال يضحك معاها."
هزت رأسها غير مستوعبة حديث أسما.
"لا مستحيل يا أسما." فجأة تذكرت دخول نورسين وقبلاتها له.
ألقت بثقل جسدها على المقعد ونظرات بتوهان لصديقتها.
"معقول أنا أحب شخص غلط... شخص ما يعرفش قيم وأخلاق."
جلست أسما أمامها على عقبيها.
"الكلام كمان أسهل من الصورة... ابعدي حبيبتي... امسحيه وعدي وإنت لسة في الأول ..عارفة لو سليم صدقيني أول واحدة أشجعك..لأنه مش انفلاتي زي دا."
وقفت وارتدت جاكتيها.
"أنا لازم أمشي دلوقتي... بابا قالي ماتتأخريش... والساعة داخلة على ستة اهو."
امسكتها من يديها وخرجت.
"الجو بطل مطر كويس... تعالي هاخد عربية المزرعة من إحسان وهاجي أوصلك متنسيش الطريق دلوقتي مقطوع... بين المزرعة والعمران."
أومأت برأسها ووقفت بالشرفة تنتظر أسما.
اتجه نوح إليها.
"تعالي ياليلى الغدا جهز... اتغدى معانا وبعد كدا هسمعك المقطوعة اللي بتحبيها."
استدارت وعيناها مغروقة بالدموع عندما تذكرت حديث أسما.
"لا يانوح لازم أمشي.. علشان بابا وماما ميقلقوش."
رفع هاتفه وقام بالاتصال على والدها.
"أيوه عمو عاصم... ليلى عندي في المزرعة وهتتغدى معنا وهوصلها للبيت... لميا لسة جاية وعايزة تقعد معاها."
على الجانب الآخر.
"بس متتأخروش يانوح... وبلاش ترجع معاك لوحدكم مش عايز حد يتكلم يابني.. وبعدين ياريت لو لميا وأسما مش موجودين بلاه العشا وابعتها.... أنا مش بشكك بأخلاقك.. لكن الصح صح والغلط غلط."
زفر نوح بغضب عندما علم بما سيفعله راكان بعدما يعرفه.
"أظن سمعتي بودانك أهو."
"هي لميا جت فعلا ولا بتضحك على بابا."
"لا يا اختي لميا هنا أهو."
استدارت متفاجئة بها وتعانقت الصديقتان.
"إيه يابت الحلاوة دي.. احلوتي أوي يالولة."
رفعت حاجبها بسخرية.
"شوفوا مين اللي بيتكلم.. هكون أحسن منك يالولو."
قطع حديثهما العاملة.
"الغدا جهز يادكتور."
أومأ برأسه ساحباً أخته من ذراعيها.
"ياله ياليلى هنتغدى ونسمع شوية بيانو من لولو وبعد كدا هنوصلك أنا وهي."
وقفت لميا ونظرت في الحديقة.
"هو راكان راح فين..." جذبها نوح وتحدث.
"تعالي وليلى هتناديله بيعمل تليفون."
تسمرت ليلى بوقفتها.
"لا أنا ماليش دعوة... روح انت ناديله.. قالتها ثم دلفت سريعاً دون حديث آخر."
"خلاص يانوح أنا هروح أناديله."
كان يتحدث بهاتفه.
"وبعدين يابابا... متأكد إن الأرض دي هتكون حلوة للبرج."
"تمام سبني أشوف الأرض وأشوف دراسة المشروع هتكلف كام... وأشوف سليم كمان... هو لسة مارجعش."
أجابه والده.
"لسة بيقول بكرة إن شاء الله."
أنهى حديثه ملتفتاً، وجدها تقف تعقد ذراعيها وتقف أمامه.
"حمد الله على السلامة ياحضرة الدكتورة العظيمة."
"إزيك ياراكان وحشتني أوي." جذبها ضامماً إياها بأحضانه.
"إنت أكتر حبيبتي... إيه أخبارك؟.. وأخبار مستشفى المجانين بتاعتك."
تحركا للداخل.
"نفسها في واحد مجنون زيك ياحبيبي."
قهقه عليها وأردف.
"بعينك ادخلها... يوم ما أدخلها عشان أشتريها بمجانينها." لكمته بكتفه.
"والله إنت مغرور أوي.. تعالى نتغدى وبعدين نرغي زي زمان... بقالي كتير أوي غايبة عن مصر وكمان شامة ريحة حاجات غريبة."
ضيق عينيه وتساءل.
"يعني إيه حاجات غريبة." أشارت على قلبه.
"سامعة هنا هزات عنيفة... بس لمين أكيد ليا صح ياحضرة النايب."
ابتسم بسخرية على حديثها.
"أيوه فعلاً واخر الليلة هضربلك ورقة عرفي."
دلفت وهي تضحك بمرح على كلماته.
"شوف يانوح صاحبك الدنجوان بيشدني للرزيلة... وعايز يكتب عليا عرفي."
رفعت ليلى نظرها إليهما كانت تجلس بجوار أسما ونوح يتحدثون وجدت ابتسامتهما تشق عنان السماء.
اتجه وجلس بجوار نوح.
"عامل لي غدا على شرف لولو يالا ولا على شرف حد تاني."
كانت أسما تجلس تتأكل من الغيظ لأنها تشعر بتذبذب تلك التي تجلس بجوارها تتلاعب بصحنها.
"أنا بقول الغدا النهارده على شرف ليلى مش كدا يالولة."
اتجه راكان بنظره سريعاً إليها.
"عندك حق يالميا... السهرة كلها هتكون على شرف ليلى."
وقفت سريعاً كالملدوغة عندما استمعت نطقه لاسمها.
"اسفة لازم أمشي حاسة إني تعبانة... شكلي أخدت برد."
هب واقفا وصاح بغضب.
"إحنا لسة بنبدأ أكل مالك فيه إيه... ولا."
قاطعته بغضب.
"متعليش صوتك لو سمحت أنا مش في شركتك.. تعبانة وعايزة أروح إيه." تجرأت على كبريائه فكانت نظراتها مشتعلة لم يعلم لماذا.
"وأنا بقولك أقعدي. هوصلك بعد مانتغدى."
"ممكن ملكش دعوة بيا ..هو أنا في بيتك انت هنا ضيف."
استغرب حديثها وعصبيتها الغير مبررة من وجهة نظره.
"معلش يا جماعة ليلى كانت تعبانة وأنا اللي ألحيت عليها الصراحة... اسفة."
ثم اتجهت بنظرها إلى نوح.
"أنا هوصلها زي ماقولتلك."
وقفت متحركة بعد تحرك ليلى عدة خطوات.
"استني عندك..." قالها راكان بعصبية.
اغمضت عيناها وظلت كما هي تواليه ظهرها.
"تعالي اقعدي شوية هوصلك في طريقي ..ودا أمر ومش عايز كلام بعده. وقبل ماتتكلمي حقي ونص." قالها وهو يرمقها بنظرات نارية.
هنا توقف عقارب الساعة وشعرت بتوقف دوران الأرض وهو يتجه إلى نوح.
"بكرة الموضوع يكون خلصان.. وأنا دلوقتي هوصلها.. مش عشان هي قامت بطريقتها المجنونة دي. لا عشان هي تخصني يانوح.. لم الموضوع."
حمحم نوح وأردف.
"مينفعش ياراكان... رغم يعلم بما سيحدث منه... ولكنه أكمل حديثه."
"مينفعش ليلى تركب معاك وتروحوا لوحدكم.. حتى بعد اللي قولتهولي... بلاش أسلوب الضغط دا... خليك هوصلها أنا ولميا او أسما."
برقت عيناه من حديث صديقه.. بعدما علم ما يرمي له.
"نزل بجسده ووضع يديه على المائدة أمامه."
"انت غيرت رايك ليه يانوح... دا اتفاقي معاك." قالها بعدما غادرت ليلى وأسما دون حديث.
قطبت لميا جبينها وتحدثت.
"هو فيه إيه بيحصل من ورايا؟"
رفعت نظرها لراكان.
"ليلى... دي الدقات الجديدة ياراكان."
أبعد عينيه عنها، وقفت ونظرت إلى نوح.
"بلاش ليلى يانوح... ثم توجهت بنظرها إلى راكان... المرة دي روحت الحتة الغلط ياصاحبي... ليلى عاصم دي رابع المستحيلات ومحدش هيقفلك غيري . دي بنت خالتي ياراكان.. فاهم يعني إيه."
قالتها ثم تحركت ولكنها تسمرت عندما استمعت إلى ما أدهشها.
"بس بحبها يالميا.. وعايز أخطبها." قالها وهو يأخذ نفساً طويلاً من تبغه وينفثه بالهواء. استدارت لميا حتى تسيطر على نفسها فقالت:
"هوصلها أنا وأسما... وياريت أكون مسمعتش حاجة."
وصلت إلى منزلها. دلفت تغطي ألم قلبها بغلاف شفاف من التنهيدات المنحسرة تخرجها على هيئة زفير. توقفت أمام الذي يطالعها بنظراته الخبيثة. ووالدها ووالدتها يبدو عليهما الحزن الشديد. وزعت نظراتها بينهم وتساءلت.
"إيه اللي جاب دا هنا." اقترب يجذبها من رسغها وهو يهمس بفحيح.
"جاي أخد عروستي.. عشان نشتري الشبكة ويوم الخميس نعلي الجواز يالولا."
هزة عنيفة أصابت جسدها بالكامل وشعورها بالإغماء سيطر عليها حينها تمنت ألا تفيق أبداً.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل السادس 6 - بقلم سيلا وليد
وصلت ليلى لمنزلها وجدت ذاك المتجبر يجلس أمام والديها يضع ساقا فوق الأخرى.
دلفت وهي ترمقه بنظرات غاضبة.
- بتعمل إيه هنا؟
نصب عوده ووقف بمقابلتها وأردف وهو يضع تبغه بفمه.
- عروستي الجميلة أخيرًا وصلت.
وضعت حقيبتها وجلست بجوار والدها ثم رمقته بسخرية.
- وجودك مرفوض في بيتنا وياله أطلع برة، ياإما أتصلك بالشرطة.
دنى منها وأمال بجسده يحاوطها بذراعيه.
- تؤتؤ يالولا ياحبيبتي، كدا ماجد يزعل وزعله وحش جدًا، حتى أسألي والدك، كنا لسة بنتفق.
نهض عاصم واتجه لباب منزله وفتحه على مصرعيه.
- أمشي اطلع برة، ولو جيت هنا تاني صدقني هقتلك.
قهقه بضحكات صاخبة فاعتدل ينظر إلى عاصم.
- والدك الحبيب ماضيلي على شيك عشرة مليون جنيه، وإنت عارفة يالولا فلوسي غالية عليا أوي، قدامك تلات تيام ياإما ترجعلي فلوسي ياإما يوم الخميس هكتب على جميلة الجميلات.
قالها وتحرك خارجا.
شعر والدها بوخز قوي بقلبه فجلس يضع يديه على فؤاده.
أسرعت سمية إليه عندما وجدت تغير بوجهه.
- عاصم إنت كويس؟
ابتلعت ليلى حزنها واتجهت لوالدها ترسم ابتسامة.
- إيه يابابا! اوعى تكون خفت منه دا بوق على الفاضي.
جلست على عقبيها أمامه ورفعت كفيه وقبلته.
- بابا حبيبي مش عايزاك تخاف، متشلش هم، من بكرة هوقفه عند حده.
ضم والدها وجهها.
- ليلى ابعدي عنه حبيبتي وأنا هقول لوالده يعرف يوقفه عند حده.
استمعت رنين هاتفها فوقفت متجهة إليه.
وجدت اسمه منقوشا على هاتفها، ابتسامة عفوية ظهرت على وجهها، ولكنها تذكرت ما صار، فوضعت الهاتف مرة أخرى ولم تجيبه.
كان والديها يراقبان حركاتها.
- مين ياليلى؟ قالتها سمية بتسأل.
وزعت نظرها بين الهاتف وبين والدتها وتحدثت بتقطع.
- دي.. دي أسما ياماما.
دنت والداتها وهي تربت على كتفيها.
- خالتو عاملة إيه؟ وليه روحتي المزرعة مش البيت؟
صمتت وكأن أسئلة والدتها خرجت عن المألوف ولم تعلم بماذا تجيبها.
قاطع حديثهما درة التي استيقظت من النوم وأنقذت ليلى من براثن أسئلة والدتها.
- ماما مش قولتلك صحيني الساعة خمسة، دلوقتي الساعة تمانية وعندي تست بكرة ينفع كدا، أووف ياماما.
قالتها بصوتا ناعس ثم اتجهت لغرفتها وهي تزفر بغضب.
عند يونس.
خرج متجها إلى المزرعة.
استمع لرنين هاتفه، فتح الخط وتحدث.
- أيوة ياسيلين.
على الجهة الأخرى كانت تجلس بحديقة المنزل تحت قطرات المطر وتبتسم بحب.
- يونس فينك مختفي فكرتك هتستناني، أنا آسفة، لسة واصلين من ساعة بس، وحشتني قوي.
أغمض جفنيه بألما، فقد اشتاقها كثيرًا، اشتاق لضحكاتها البريئة، ولمسة يديها الناعمة، ولكننه لم يجد كلمات تعبر ما يجيش بصدره.
سحب نفسا وتحدث إليها على غير عادته.
- سيلين لو مفيش حاجة مهمة ممكن نتكلم بعدين.
توقفت تستمع إلى كلماته القاسية.
- يونس إنت زعلان علشان روحت مع سليم شرم، ماهو راكان اللي شرط بكدا.
تجهمت ملامحه من صوتها الرقيق الذي اخترق قلبه ورغم ذلك صاح بغضب.
- سيلين أنا بقولك مش فاضي مبتفهميش.
أغروقت مقلتيها بالدموع والحزن، وأردفت بصوتا مكتوما باكي.
- آسفة.
قالتها ثم أغلقت الهاتف دون حديث آخر.
توقف يونس بالسيارة على جانب الطريق وبدأ يضرب على قيادة السيارة ويصيح بغضب.
- ليه عملتوا معايا كدا، ليه ضحكتوا عليا.
مسح على وجهه بغضب وحاول أن يهدأ، عقد العزم على اقتلاعها من قلبه.
لحظات وهو يحاول السيطرة على انفعالاته، ثم أدار السيارة مرة أخرى متجها إلى المزرعة.
عند سيلين.
جلست تنظر حولها بتشتت تحاول أن تفهم لما بعد عنها في تلك الفترة، فهو منذ شهر وحالته متغيرة.
آهات ملتاعة مصاحبة بنبرة مرتعشة من تغيره المفاجئ، انسدلت عبراتها تغسل وجنتيها.
- ياترى أيه اللي مغيرك يايونس؟ ودا وعدك ليا إنك هتتحدى الدنيا كلها علشاني.
شعرت بدوار يضرب رأسها من فكرة اقترابه من سارة في فترة غيابها.
قاطع حديثها مع نفسها وصول سليم.
- سيلي قاعدة كدا ليه في المطر؟ انت مجنونة قومي هدومك اتبلت كلها.
ظلت كما هي وكأنها لم تستمع إليه.
جلس بجوارها يضمها لأحضانه.
- حبيبتي مالك قاعدة ليه كدا؟ من وقت مارجعنا من شرم وانت كدا، مش هتغيري.
أزالت عبراتها دون أن يلاحظ وأردفت بصوت جعلته متزنا، حيث خبأت آهاتها الصارخة وخيباتها وأجابته بقلب مفطور.
- كنت مستنية آبيه راكان وحشني قوي.
شعر بلهيبا بصدره كلما تذكر حديث يونس الغاضب قبل سفرهم بيوم واحد.
فاتجه إليها يمسد على خصلاتها وضمها لأحضانه.
- قومي ياقلبي علشان ماتخديش برد، وراكان أكيد لو عرف إنك رجعتي هيطلعلك على طول هو عنده كام سيلي بس.
أومأت برأسها ثم توقفت متجهة للداخل.
كان يراقب دلوفها وهي تتحرك بروح مسلوبه من جسدها.
أطبق على جفنيه حزنا عليها وهمس لنفسه.
- ياترى عملت إيه يايونس مخليها كدا.
زفر غاضبا من حالة أخته وظل جالسا كما هو، إلى أن أتت فرح وجلست بجواره.
- عامل إيه حمدلله على السلامة.
استدار ينظر إليها وابتسم لها.
- الله يسلمك اوعي تكوني انت كمان بتحبي المطر، أيه اللي منزلك في المطر.
دنت من جلوسه متعمدة إثارة قربها ثم ضمت ذراعه.
- يمكن علشان وحشتني وجاية أسلم عليك.
أنزل يدها بهدوء وأجابها.
- فرح إنت زيك زي سيلين.
اخذ نفسا ثم زفره وأكمل مستطردا.
- وإنسي كلام جدو لأني مرتبط، وخلال يومين هعلن ارتباطي بيها.
قالها ثم نهض متجها لمنزله.
كسا الوجوم ملامحها وهي تجز على أسنانها.
- والله طيب هشوف كلام مين اللي هيمشي ياسليم، قال مرتبط، قالتها بغضب دفين.
عند راكان ونوح.
بعد ذهاب أسما ولميا.
جلس وبدأ يتجرع بعض من أنواع الكحول.
جذب نوح الكوب من يديه وصاح به بغضب.
- أكيد اتجننت ياراكان، إيه الهبل دا من إمتى وانت بتشرب كدا.
رجع بجسده وهو يتكأ بظهره على المقعد وبدأ ينفث تبغه حتى أخفى جسده خلف غبارها.
- بنت خالتك دي خرجت عن المألوف صدقني أنا اللي مصبرني عليها القرابة اللي بينكم، بتصل بيها مبتردش.
دنى نوح بجسده منه وتسائل.
- ليه الدنجوان كان ناوي يعمل إيه لو ليلى مش قريبتي؟
نفث دخان سيجاره وهو يطالع نوح بهدوء مميت.
- كنت خطفتها.
صدمة تجلت على ملامح نوح فأردف.
- لا أكيد اتجننت مش كدا، من إمتى وإنت كدا.
ظل ينفث تبغه بشراسة ثم توقف ينظر من خلف زجاج النافذة.
- ولو قولتلك أنا مبقتش عارف نفسي.
اتجه بأنظاره إلى نوح وأكمل.
- من يوم قضية باباها وأنا بقرب منها أو تقدر تقول بقربها مني.
عارف أنك هتتصدم وعارف هتقول وصلت لمرحلة ضعف.
اتجه بخطواته ونظر إلي نوح الذي ظهر على ملامح وجهه الغضب.
- غصب عني، شدتني بطريقة مثيرة، مكنش ينفع أقولك، كنت عايز أتأكد من مشاعري، ولا هتكون زي غيرها.
ابتسم بسخرية وأكمل.
- أنت مفكر نزولي الشركة علشان بابا طلب مني كدا، طيب ماهو بيطلب بقاله سنين، وبلاش أقولك إيه ورا تخطيط توفيق البنداري.
سحب نفسا وأغمض عيناه.
- نزلت علشانها وبس، علشان أقرب منها، علمت فيا ياآخي هو مش من حقي أحب وأتحب بعد اللي غدروا بيا.
وقبل ماتقولي هتضعفك ياراكان، هقولك أنا ضعفت فعلا يانوح، بقيت زي الطفل قدامها، بتقولي كلام لو واحدة تانية كنت دفنتها، لكن منها بيكون على قلبي زي نسمة الربيع في عز الحر.
تنفس بتثاقل وكأن حجرا يطبق على صدره ثم قال بوجع مرير.
- كان نفسي أصارحك وأصارحها من بدري، لكن غصب عني بقيت أشك في كل الستات.
رفع نظره إليه بحزن وشعر بقلبه يقتلع من بين ضلوعه.
- ليلى لو كانت زيهم صدقني هيبقى نهايتي، فكان لازم أصبر شوية وأتأكد من حبي ومنها.
ظل جالسا يستمع إليه بقلب مفطور عليه، ثم ابتلع ريقه محمحما.
- راكان أنت عرفت إيه عن ليلى، علشان تتمسك بيها كدا.
توقف نوح أمامه.
- قبل ماتكون صاحبي هي بنت خالتي، يعني مقدرش أشوفها بتقرب من النار واسبيها تحترق.
تنهد بألما وشعور بالأختناق يعيق خروج زفراته الحارقة يريد صفع نوح بقوة على وجهه، ورغم ذلك حاول السيطرة على غضبه.
- قصدك قرب ليلى مني نار يانوح، يعني أنا بحرقها، بعد اللي حكتهولك دا بتقولي هحرقها.
أشتعلت نظرات نوح بشكل مخيف وصاح بغضب.
- راكان متحاولش تقنعني إنك هتخرج من القرف دا وتستقر بليلى، ليلى غير البنات اللي بتسهر معاهم.
ضرب على صدره وصاح بغضب.
- وخد الكبيرة ياصاحبي، أنا استكترتها على نفسي ماهو أنا أولى بيها ابن خالتها بقى.
لم يتحكم بنفسه إذ رفع كفيه وصفعه بقوة على وجنتيه وصاح حينما فقد سيطرته بالكامل.
- أخرص يانوح متقولش كدا تاني.
أمسكه من تلابيبه وبدأ يهزه بعنف.
- إنت عمرك مافكرت فيها، وأنا أكتر واحد عارف حبك لأسما.
قالها وهو يدفعه بقوة محاولا أخذ أنفاسه التي شعر بإنسحابها بالكامل.
اشار له بسبباته.
- عارف بتختبر صبري مش أكتر، علشان لو غير كدا كنت موتك.
اقترب نوح وطالعه بمكر.
- لا مش بختبر صبرك، الكلام دا مفهوش اختبار، فعلا ليلى عجبتني، بنت جميلة وذكية، لكن انا حياتي مقرفة والبركة في يحيى الكومي، لكن لو كنت سوي، أكيد كنت هكون أسعد واحد في الكون.
لكمه مره أخرى، وبدأ يتحدث كالمجنون.
- إنت عايزني أقتلك يعني ولا إيه؟
قاطعهم دلوف يونس وهو يوزع نظراته بينهما وكأنهما كانوا في حلبة مصارعة.
خطى بعض الخطوات وهو يطالعهم.
- مالكم في إيه، كنت بتتصارعه ولا إيه؟
حمل راكان جاكتيه وتحرك للخارج دون حديث.
ناداه نوح ولكنه لم يتوقف.
اتجه سريعا إليه توقف أمام سيارته.
- راكان أنا بهزر معاك صدقني، كان لازم أتأكد من حبك فعلا.
لم يرد عليه واستقل سيارته وخرج من المزرعة بأكملها.
رفع هاتفه وحاول الأتصال بها عدة مرات ولكن ككل مرة لم يوجد رد.
ولكن فقد الأمل ولكن بمرته الأخيرة قبل الأنتهاء فتحت الخط بيد مرتعشة ونبضات هادرة.
- أيوة مين؟ قالتها بصعوبة لعلمها من المتصل.
استمعت لأنفاسه العالية التي زعمت أنها لو أمامه لأحرقها بها.
اخرجت زفرة حادة عند صمته علها تهدأ من ذاك المتجبر الذي يشعل أعصابها.
- لو مقولتش إنت مين هقفل في وشك.
عقد حاجبيه وهو يقود السيارة ويتلذذ بصوتها الغاضب. لقد أخرجته من حالته الغاضبة ببعض كلماتها التي أصبحت دواء لداء عشقه. فأردف بهدوء:
- عايز أتكلم معاكي. بكرة الصبح هستناك في مكتبي، ومش عايز اعتراض.
صدمة ثم ذهول، فتمتمت بصوتا خافت:
- أي أوامر تانية يا حضرة الطاووس المغرور.
توقف بالسيارة فجأة حتى أصدرت صريرا مرتفع، وابتسامة عفوية خرجت من بين شفتيه. تمنى لو رآها أمامه لسحقها بأحضانه. قاطعه صوتها:
- حضرة الطاووس المغرور قفل السكة. حبيت أسأل علشان ميقولش.
قاطعها:
- لا يا حضرة ذات اللسان السليط.
ابتسمت بخفوت على صوته الغاضب. تجولت أنظاره على معالم الطريق وأخذ نفسا وأخرجه بهدوء.
- ليلى فيه موضوع مهم لازم نتكلم فيه.
تسمرت بوقفتها ودقات عنيفة أصابت قلبها. أحست بأن سيقانها لم تحملنها، فجلست على مخدعها تتنفس بهدوء وتستمع لنبرة صوته الرجولية التي تنسيها العالم بأكمله.
وجد صمتها طال، فابتسم فلقد سدد هدفه ببراعة هداف متقن. فأكمل حديثه وهو مازال ينظر على الطريق:
- أنا كنت عايز أكلمك النهاردة ولكن كالعادة حضرتك هربتي ومدتنيش فرصة أتكلم.
اغمضت جفونها بأستسلام حتى أخرجها عقلها من حالتها.
- الموضوع متعلق بالشغل؟ تسائلت بها وتتمنى أن يكذب حديثها.
- لا يا ليلى مش بالشغل خالص. ولو ترضي نتقابل في مكان ونتكلم على راحتنا معنديش مانع.
قاطعته سريعا:
- لا طبعا مينفعش. وكمان مينفعش تتصل بيا برة الشغل. بعد إذنك هقفل دلوقتي.
رد عليها بزفرة خافتة:
- تمام متتأخريش بكرة.
قالها واغلق الهاتف قبلها يزفر بغضب على شراستها في الحديث. أرجع جسده على المقعد.
- وبعدهالك يا راكان آخرة لعبة القط والفار دي إيه. أتمنى متعصبنيش يا ليلى.
***
بمنزل عاصم المحجوب وخاصة بغرفة درة.
كانت منهمكة بالمذاكرة والتخطيط لبعض المشروعات المقدمة إليها لتجتاز اختبارها. قاطع انهماكها رنين هاتفها. ابتسمت عندما وجدته خطيبها.
- عاملة إيه؟ استنيت تليفونك.
اتجهت تجلس على مخدعها وهي ترجع خصلاتها السوادء كسواد الليل.
- صحيت متأخر ولسة يادوب مخلصة كام مخطط. انت عامل إيه؟
على الجانب الآخر كان يجلس بجوار ابنة خالته ووالدته يتناول العشاء.
- أعملي حسابك بكرة بعد الجامعة هنخرج مع بعض شوية.
ارتبكت بجوابها وحاولت الحديث.
- نور إحنا اتكلمنا في الموضوع دا كتير. قولتلك بابا هيرفض متنساش مفيش بينا رابط قوي.
نهض وحاول السيطرة على انفعاله.
- ماليش دعوة. أنا عايز أخرج مع خطيبتي براحتنا. عايز أحس إني خاطب مش مجرد رايح زيارة وخلاص.
لم تتحمل الكثير من حديثه الغاضب فتحدثت:
- نور أنا مشغولة دلوقتي. ممكن نتكلم بعدين. بعد إذنك هقفل دلوقتي.
ألقى الهاتف بغضب أمام ابنة خاله ولم تكن سوى سارة. ابتسمت بخبث.
- علشان تعرف إزاي تروح تخطب واحدة مش من مستواك.
وصلت عايدة حيث جلوسهم ونظرت إلى نور.
- مالكم فيه إيه.
لكزت ابنتها وتحدثت بغضب:
- إنتِ زعلتي ابن خالتك في إيه يا سارة.
مطت شفتيها وهي تنظر إلى نور بسخرية.
- مش أنا يا ماما. البنت اللي خاطبها دي. حتى أسألي خالتو هي سمعت المكالمة.
أشتعلت نظرات نور الموجهة إلى سارة فنصب عوده وجمع أشيائه وهو يرمقها بغضب:
- ياريت تاخدي بالك من دكتورك الفاشل اللي مش قادرة عليها.
قالها وتحرك للخارج. اتجهت بأنظارها إلى خالتها التي تدعى بسلوى.
- شوفتي ابنك يا خالتو بيقول إيه.
وضعت شريحة اللحم بفمها وبدأت تلوكها بهدوء. ثم رفعت نظرها إلى سارة.
- عايزة منه إيه يا سارة. مش دا نور اللي مقدرتيش تحبيه وسبتوا بعض. هو حر خليه يتعامل مع خطبته براحته.
قاطعتها عايدة:
- ماهو ابنك اللي معجبوش يا سلوى هنيجي دلوقتي نتحاسب. وبعدين إنتِ عارفة سارة من صغرها مرتبطة بيونس.
رمقتها سلوى بسخرية. فدنت منها وتحدثت بخبث:
- يونس اللي رايح جاي مع بنت أسعد يا عايدة. فاكرة أسعد.
عند ليلى بعد إغلاقها الهاتف بتلك الطريقة.
ظلت تتجول بالغرفة ذهابا وإيابا كلاسد الجائع ثم أرجعت خصلاتها للخلف بقوة كادت تقتلعها.
- هو مفكر نفسه مين؟
جلست تحاول أخذ أنفاسها التي سلبها منها. شهقيا وزفيرا حتى هدأت تماما وذهبت بذاكراتها لليوم الذي حفرته بقلبها اليوم وهي قريبه منه تذكرت نظراته وهو يضمها عندما سقطت من فوق الحصان. وحديثه لها:
- لما تيجي تركبي الحصان بلاش حركاتك دي. كان ممكن تتأذي.
قالها وهو يمسد على ظهر الحصان وهي بجواره. أمسك بعض الطعام الخاص به من حبوب ووضعها بكفها وأمسك كفيها يقربها من فم الحصان. ونظر لمقلتيها:
- حسسيه إنك مهتمة بيه. خليها يحس بحنانك.
أطعم الحصان. اتجهت ببصرها تنظر إلى وجهه القريب وكفيها فوق كفيه. إستدار إليها وابتسامة جميلة على وجهه جعلته كنجم سينمائي يخطف القلب والعقل. ثم أردف لها بهمسه:
- على فكرة الحصان دا بقى ملكك خلاص محدش يقدر يقرب منه.
أغمضت عيناها فكانت زخات المطر تشتد من فوقهما. خلع جاكتيه ووضعه فوق أكتافها.
- خليه علشان هدومك ماتتبلش.
كان يرتدي قميصه الأبيض كحال قلبه في ذاك الوقت. رفعت نظرها إلى صدره وتذكرت تلك الرصاصة التي اخترقت صدره. كأن وجود الدماء مازال على قميصه فارتجفت شفتيها وتحدثت مسلوبة بالكامل من قربه الذي ذلذل كيانها:
- الجرح عامل إيه؟ مكنش قصدي وقتها.
قطع حديثها عندما ابتسم إليها.
- عارف مكنش قصدك. أنا كويس وبعدين لسة فاكرة.
ابتعدت عنه برفق تطرق رأسها للأسفل قائلة بشفتين مزمومتين:
- على فكرة كنت بسأل سليم عليك. مين كان عايز يموتك.
اكتفى بتنهيدة مرتجفة افلتت من بين شفتيه.
- دول ناس مكنش عاجبهم الحكم في القضية. فحاولوا يتخلصوا مني. ودي مش أول ولا آخر مرة.
ظلت صامتة لثوان تحاول تنظم دقاتها الهادرة وأنفاسها العارية أمامه من فكرة فقدانه. حمحم مردفا:
- بلاش سليم دي. ليه بتحسسيني انكو أصحاب.
تحركت عندما لم تجد ما تجيبه ولكنها توفقت بعد خطوة وامسكت جاكتيه.
- مش محتاجه اتفضل.
جذب الجاكيت ووضعه فوقهما وتحركا متجهين إلى نوح وهو يتحدث.
- أمشي يا ليلى متخليش صبري ينفذ.
خرجت من شرودها وهي تمسك كنزتها بين يديها تستنشق رائحته كمدمن يتجرع جرعته. استمعت لأشعار رسالة. ظنت أنها منه ولكن جحظت عيناها عندما وجدتها من ذاك المدعو ماجد.
- شوفي يالولا. الشيك هرفعه على باباكي في النيابة. مفيش غير بكرة بس. وبعده نكتب كتابنا.
جلست على الفراش وكأن روحها تنسحب منها وهي تقرب تلك الورقة المصورة ويوجد به إمضاء لوالدها. ظلت جالسة لبعض الوقت. ثم رفعت الهاتف تحاول الوصول إلى حمزة ولكن هاتفه مغلق.
أنكمشت ملامح وجهها بإمتعاض ولمعت عيناها ببريق الخوف على والدها من ذاك المتجبر. وضعت وجهها بين راحتيها علها تجد مخرجا من ذلك المأزق. قاطع شرودها مع نفسها رنين هاتفها.
ضيقت عيناها عندما وجدته سليم. رفعت الهاتف وانتظرت حديثه.
- عاملة إيه يا ليلى.
قالها سليم الذي كان يحتسي مشروبا دافيا وهو يجلس أمام حاسوبه.
ارجعت خصلاتها واجابته:
- الحمد لله كويسة. حضرتك رجعت.
كان يدقق بالعمل وأجابها وهو على وضعه:
- أيوة وبراجع على المشروع. جهزي نفسك إنتِ هتسافري مع آسر بكرة إسكندرية علشان تشوفوا كل حاجة على الطبيعة.
مسحت على وجهها وزفرت بحزن.
- ممكن أطلب من حضرتك أجازة يومين. آسفة بس حقيقي محتاجة اليومين دول. ممكن تشوف حد من الزملا.
ترك جهازه وتسائل:
- ليلى فيه حاجة؟ بتواجهي أي مشاكل.
هزت رأسها رافضة.
- لا يافندم كل حاجة تمام. أنا تعبانة شوية وعايزة أرتاح.
طبق على جفنيه. لقد اشتاق إليها كثيرا وكان يتمنى أن ترافقه تلك الرحلة. أغلق الهاتف واتجه لشرفة جناحه يتذكر وجهها البرئ وحديثها المهذب. دلفت والدته إليها.
- سليم هو راكان لسة مارجعش؟
قالتها زينب وهي تنظر لشرود ابنها.
- سليم.
كررتها زينب مرة أخرى وهي تربت على ظهره حتى افاق من شروده.
- أيوة يا ست الكل.
طالعته بنظرات تفحصية ثم تسائلت.
- إيه اللي واخد عقلك ياحبيبي.
احتوى كفيها وجذبها تجلس على المقعد وجلس على عقبيه أمامها.
- ماما إبنك بيحب واحدة.
برقت عيناها وتسألت:
- إبني مين فيكم؟ إنت ولا راكان؟
قهقه سليم عليها وغمز بطرف عينيه.
- إيه ياست الكل، هو راكان بتاع حب برضو؟ دا سمعته في مصر كلها.
لكزته بكتفه.
- احترم نفسك ياباشمهندس، دا راكان البنداري.
قبّل كفيها.
- بهزر يازوزو، إيه متعرفيش الهزار؟
مسحت على وجنتيه.
- ربنا يسعدك ياحبيبي، وأشوفك إنت وأخوك دايما مرتاحين وتتجوزوا وتكونوا أسرة بقى.
تنهدت وتجولت بأنظارها في أرجاء الغرفة.
- شوف أنت دلوقتي كملت التمانية وعشرين وهو داخل على الأربعة وتلاتين ولسة أوضكم فاضية ياحبيبي. نفسي أسمع كلمة نانا من ولادكم.
نصب عوده واتجه لغرفة ملابسه وهو يحادثها.
- طيب ياست الكل، جهزي نفسك علشان يومين كدا نروح نعملهم زيارة أنا وأنت وراكان.
تبسمت بحبور وتحدثت لكي تتأكد.
- بجد ياسليم، يعني مابتخدنيش على قد عقلي وهتتجوز؟ هي حلوة؟ حد أعرفه؟
توقفت فجأة تسائلت:
- طيب فرح جدك هيسكت ولا هيوافق؟ مش كفاية عدواته مع راكان.
وصل إليها.
- ماما دي حياتنا وجدو مالوش دخل. وأنا وفرح مفيش حاجة بينا غير الأخوة وبس، زيها زي سيلين.
هزت رأسها وتوقفت متجهة للخارج.
- شكل راكان جه. صوت عربيته تحت. تصبح على خير ياحبيبي.
قبّل جبينها.
- وإنت بخير ياست الكل.
بالأسفل، وصل راكان وظل جالسا لبعض الوقت بسيارته، يعيد أحداث اليوم. أغمض عينيه للحظات، ثم ترجل من سيارته ودلف للداخل.
بغرفة سيلين، ظلت فترة في شرفتها تنتظر رجوعه بفارغ الصبر. استمعت لصوت سيارته، هبطت سريعًا للأسفل وخرجت من باب القصر متجه لفيلتهم. توقفت أمام السيارة وهو يترجل منها. تصنم جسده وهو يراها تقف تعقد ذراعيها وتطالعها بنظرات هادئة رغم اشتياقها الكامل له.
- سيلين.
أردف بها يونس. تقدمت بخطواتها إلى أن وصلت أمامه.
- أيوة سيلين، اللي حبيت تتلاعب بمشاعرها يادكتور. سيلين اللي سلمتك قلبها.
فرت دمعة من عينيها تسيل فوق وجنتيها ببطء. وضعت كفها المرتعش وأزالتها.
- مبروك يادكتور، كنت عرفني بدل ما أتفاجئ زي الغريب. روح يايونس ربنا ينتقم منك.
لكمته بصدره بقوة.
- إلهي ربنا يوجع قلبك زي ماوجعت قلبي.
قالتها وتحركت من أمامه سريعًا، وعبراتها تسابق خطواتها. أما هو، جلس بمكانها عندما فقد الحركة يطالع خطواتها المتعثرة. تذكر صباح اليوم.
- ماما أجهزي بالليل هنروح لعمو خالد نطلب سارة، والفرح بعد شهرين.
أغمض عينيه بألم شديد، كلما تذكر دموعها ودعواتها عليه.
صباحًا على مائدة الإفطار. هبط للأسفل كان الجميع ينتظرونه لتناول طعامهم.
- صباح الخير يابابا.
رد والده تحيته وهو يطالع جريدته.
- راكان، إيه رأيك نسافر ألمانيا ياحبيبي؟ عايزين نخلص من موضوع سيلين دا.
ارتشف قهوته وتوجه لوالده بالحديث.
- الأسبوعين دول مشغول جدا يابابا. عندي قضيتين مهمين، وغير مشروع الغردقة اللي حضرتك ماصدقت سبت الشغل كله.
- ابعد عن راكان ياأسعد، خليه يشوف شغله وإنت روح خلص موضوع سيلين.
كانت تجلس تتناول فطورها بصمت تام. طالعها بنظرات تقييمية.
- مالك ياسيلي؟ رحلة شرم مش كويسة ولا إيه.
هزت رأسها بالنفي.
- أبدًا ياآبيه، بس منمتش كويس.
دلفت سارة وهي تنظر إليهم بسعادة وترمق التي تجلس بصمت فتحدثت قائلة:
- صباح الخير ياعمو أسعد، صباح الخير ياطنط زينب.
تبسمت زينب وردت تحيتها.
- صباح الخير ياحبيبتي، اقعدي أفطري معانا.
رفعت نظرها إلى راكان.
- أووبا راكي باشا متشيك ورايح على فين؟ ليكون مسافر.
اتجه الجميع بنظراتهم عليه.
قوست سيلين فمها وأجابتها.
- راكي طول عمره وهو شيك، يمكن حضرتك اللي مكنتيش بتركزي بس معرفش الصراحة النهاردة مركزة أوي ليه.
جذبت مقعد وجلست بجوار سيلين ثم رفعت نظرها إلى زينب.
- طنط زينب، ممكن أخد سيلين عند الكوافير النهاردة؟ حضرتك طبعًا عارفة النهاردة أنا ويونس هنلبس الدبل.
صاعقة قوية هزت جسدها بل ارتعشت يديها وتساقط كوب الماء من يديها. رفعت عيناها إلى راكان وارتجفت شفتيها وبعينين مغروقتين.
- آسفة ماأخدتش بالي.
جذب راكان المنشفة من فوق ساقيه وبدأ يمسح الماء من على ملابسها.
- أهدي حبيبتي ولا يهمك، اطلعي غيري وارتاحي.
اتجه بنظره إلى سارة.
- سيلين تعبانة ياسارة، شوفي اختك ولا بنت عمك تروح معاكي.
قالها وهو يجذب سيلين متجها بها للأعلى. شعرت بدوار خفيف فتشبثت بذراعيه.
- راكان، أنا تعبانة أوي.
أردفت بها سيلين بصوتها الباكي. توقف أمام المصعد ويضم وجهها بين راحتيه.
- مالك ياسيلي؟ محتاجة دكتور؟ أجبلك دكتور حبيبتي.
هزت رأسها رافضة حديثه.
- لا بس خليك جنبي، أنا تعبانة خليك جنبي النهاردة لو سمحت.
أدخلها المصعد بهدوء ووصل لغرفتها، وهو يحملها بين يديه عندما فقدت الحركة. وضعها على مخدعها ودثرها بالغطاء.
- ارتاحي حبيبة اخوكي، أنا جنبك لحد ما تنامي.
انسدلت عبراتها بقهر أمامه. جثى بركبتيه أمامها.
- سيلي، إنت حصل معاك حاجة في الرحلة؟ ولا إنت تعبانة جسمانيا؟
أغمضت عيناها مدعية النوم أمامه، علها تخرج من آلام قلبها. نظر إليها والدمع مازال يترقرق من عيناها. جفف دموعها مقبلًا جبينها ثم همس إليها.
- أنا مش هتكلم معاك دلوقتي، هسيبك ترتاحي، وبعد كدا نتكلم.
أومأت برأسها، ثم ذهبت بثبات عميق هروبًا من واقعها الأليم.
بعد فترة وصل إلى الشركة. جلس بمكتبه ينظر بساعته ينتظرها ولكن لقد مر الوقت ولم تأت. قام الاتصال على السكرتيرة الخاصة به، قاطعه دلوف سليم لمكتبه.
- أنا هسافر أنا وأنجي إلى الغردقة. طبعًا ليلى إجازة يومين، فالحمل كله على آسر بما إنك مسافر بكرة.
بخطوات ظاهرها ثابت ولكن متعثرة في خيبات أمله منها ومن هروبها المعتاد، أشعل تبغه الذي زاد نيران صدره أكثر وأكثر، فأومأ لسليم دون حديث.
مساء اليوم تم خطبة يونس وسارة في جو عائلي مبهج سوى من سيلين وراكان، الذي شعر بوجود خطب ما لأخته.
بإحدى المطاعم المشهورة، جلس يتناول عشائه وهي تجلس بمقابلته.
- سامعك ياسيلي، مالك؟ إيه اللي حصل في الرحلة مخليك حزينة كدا؟ ولا الموضوع متعلق بيونس؟
كانت الصدمة تجتاحها من حديث أخيها، فظلت تنظر إليه مدهوشة من معرفته. بادلها نظراته، فخرجت الكلمات من فمه غاضبة رغم محاولته السيطرة على نفسه.
- فيه حاجة بينك وبين يونس؟ مش كدا؟ وهو كالعادة اتخلى عنك وراح سمع كلام توفيق البنداري.
انتفض جسدها من حديث أخيها الغاضب، فهزت رأسها رافضة.
- لا ياراكان هو.
قاطعها عندما أشار بسباباته إليها.
- عارفة لو كان جه وطلبك للجواز كنت رفضته، فياريت تشيليه من دماغك. مش تشليه بس ياسيلين، لا دا تمسحيه من حياتك.
حاول أن يهدأ فأردف بهدوء.
- مش هو ابن عمنا، لكنه مش أمين ياسيلي، دا كل ليلة في حضن واحدة حبيبتي، ودا يوجعني أكتر منك.
انسدلت عبراتها تحرق وجنتيها فأردفت.
- زي حضرتك كدا ياآبيه، ماهو انتو الاتنين زي بعض.
طافت أعينه في جميع الاتجاهات فزفر بغضب وتحدث ولم ينظر إليها.
- مش كل اللي تسمعيه تصدقيه ياسيلين، أنا ويونس مختلفين تماما، فلو هتصوريني بيونس هقولك يبقى معندكيش ثقة في اخوكي.
- انتوا الاتنين واحد للأسف ياراكان.
هرب اللفظ مت بين شفتيها فجأة، سرعان ما وضعت أناملها على فمها عندما وجدت نظراته الحزينة إليها. توقف عن الطعام وأجابها.
- يبقى لازم تعرفي اخوكي من أول وجديد.
بعد يومين دلفت إلى مكتبه كان منهمكًا في بعض التصاميم التي أمامه ولم يلاحظ وجودها. فركت يديها وهي تنظر بكافة الاتجاهات لم تعلم كيف تحادثه. شعر بوجود أحدهم ظنًا أنها السكرتيرة الخاصة. رفع رأسه وتحدث سريعًا.
- اطلبي قهوتي، وابعتيلي سليم.
ثم اتجه لأوراقه مرة أخرى. ولكن، توقف ورفع بصره مرة أخرى ليتأكد من وجودها، وأنها ليست وهما. همس وهو يطالعها بإشتياق.
- ليلى، إنت رجعتي إمتى؟ واقفة كدا ليه؟ فيه حاجة؟
دنت من مكتبه وهزت رأسها.
- عندي مشكلة ومفيش غيرك هيقدر يحلها. أنا بحاول أتصل بأستاذ حمزة لكن تليفونه دايما مقفول.
نهض سريعًا متجها إليها، وهو يحثها على الجلوس.
- بتسألي على حمزة ليه وأنا موجود؟ وبعدين حمزة مسافر.
جلس بمقابلتها وتفحصها بنظراته.
- ليلى عندك مشكلة؟ وعلشان كدا مجتيش الشغل بقالك يومين ومبترديش على تليفوني؟
هز رأسه يمينًا ويسارًا مستنكرًا ما فعلته.
- بتعاقبي مين بالظبط؟
قالها صارخًا. استقامت بوقفتها عندما شعرت بإنقباض شديد في قلبها يكاد يمزقها من الألم من فكرة إرتباطها بذاك الشخص. وقف راكان أمامها.
- قولتلك عايزك في موضوع مهم، عملتي إيه؟ هربتي مني وطلبتِ أجازة من سليم.
دنى بخطوة منها فلم يعد يفصل بينهما شيء وهمس إليها.
- عايزة توصلي لأيه ياليلى؟ عايزة تقنعي نفسك إني بجري وراك؟
ضحك ضحكة مستهزئة من نفسه وأشار بسباباته.
- مهما كنتِ تعنيلي، لكن مبحبش اللي بيشوف نفسه عليا.
نظر لداخل مقلتيها وابتسم بحزن.
- مفكرة نفسك هتكسريني.
احتدمت نظراته وأكمل.
- لا ياباشمهندسة غلطانة، مش راكان البنداري اللي تهزه واحدة ست.
قاطعته عندما رفعت بصرها إليه اغرورقت مقلتيها بالدموع لأول مرة بحضرته، فهربت من نظراته الغاضبة، وهي تتحدث بصوت خافت.
- راكان، محتاجة مساعدتك.
ساد صمت مختنق بحزن بينهما، هو حزن مسيطر بألم قلبه، وهي من مطالبة آخر شخص بالنسبة لها مساعدته. شعر ببعض تأنيب الضمير عندما شاهد طبقة كرستالية من الدموع تتشكل في حدقتيها.
جذب كفيها وأجلسها وجلس بجوارها على الأريكة.
- فيه إيه مالك؟
هنا استمعت لرنين هاتفها. ارتعشت يديها وهي تنظر للذي يهاتفها، ثم رفعت نظرها إلى راكان.
- فيه واحد بيهددني، وبيهدد بابا.
قالتها وعبراتها تنسدل بقوة لأول مرة أمام عينيه. عبرات كوت قلبه. لا يعلم كيف يزيل ألم قلبه. كم آلمه دموعها التي تغرق وجهها. هذه المرأة أستولت على كيانه بالكامل. اشتعلت نظراته بشكل مخيف وتحدث:
- مين دا وعايز إيه وليه بيهددكم؟
تلعثمت بالحديث وهي تفرك كفيها وخرجت الحروف من بين شفتيها متقطعة.
- ابن صاحب الشركة اللي بابا كان بيشتغل فيها. دا اللي عمل القضية لبابا قبل كدا.
بصعوبة كمم صراخ قلبه الذي انتفض غضبا وألمًا على مظهرها وخوفها من ذاك المنحط.
أمال بجسده يحاوطها بنظرات تفحصية.
- عايز منك إيه؟
ظل يراقب عيناها الهاربة منه. طرق بقوة على سطح المكتب.
- بيهددكم بإيه ياليلى؟
قاطعهم دلوف حمزة ويتحدث بمرحه المعتاد.
- عرفت إنك مسافر.
توقف عن الحديث عندما وجده بجوار ليلى، ونظراته تتجلى بالغضب. حمحم وتراجع للخلف.
- شكلك مشغول. هشوف سليم لما تخلص شغلك.
نهضت ليلى إليه سريعا.
- أستاذ حمزة بحاول اتواصل مع حضرتك من يومين. ممكن نتكلم في موضوع مهم.
جز على جانب فمه يحاول منع نفسه من صفعها بقوة ليعلمها كيف تتخطى الحديث معه وتذهب تتحامى بغيره.
لم تعطي حمزة التفكير فأشارت بيديها على الخروج.
- هنتكلم في المكتب.
رفع بصره لراكان الذي اشتعلت نظراته ود لو يطبق على عنقه. أشار حمزة بيديه لكي يهدأ. ثم خرج سريعا خلفها.
بعد فترة بمكتبها.
- والدك بالفعل مضى على الشيك دا.
مسحت على وجهها حتى تهدأ وهزت رأسها بالموافقة.
- الندل حطه ضمن أوراق كتيرة وبحكم شغل بابا مضى طبعا زيه زي ورق مهم.
- للأسف ياباشمهندسة الموضوع مفهوش ثغرة. أولا الأمضاء صحيح مش مزور كان سهل نطعن فيه. يعني لازم السداد.
أطبقت على جفنيها بقوة فكان لديها أمل بحمزة. دلف راكان وهو يطالعهم.
- إيه ياأستاذ حمزة مالقتش حل للمنهدسة ولا إيه؟
قالها بزاوية فم ملتوية بعبث عندما لجأت إلى حمزة. دنا بخطواته وهو يرمقها وبداخله حربا شعواء تدور بين عقله وقلبه.
"لماذا تفعل به ذلك؟"
توقف حمزة متجها إليه وسحب كفيه.
- فيه موضوع مهم. عايزك تعرفه في قضية عمك قبل ماتسافر.
كان يصوب نظراته لتلك التي كانت بعالم آخر.
أومأ رأسه: روح على مكتبي وأنا لاحقك.
همس حمزة إليه.
- أمسك لسانك. البنت في مشكلة.
قالها حمزة وتحرك للخارج.
دنى واستند بظهره بمقابلها على المكتب ورغم انزعاجه منها إلا قلبه الخائن لم يتحمل ضعفها وحزنها.
حبس أنفاسه داخل صدره. ضاغطا على كل عصب في جسده ألا ينفلت ويتعصب عليها.
- ليلى متختبريش صبري.
رفعت نظرها إليه واكتسى الحزن ملامحها وسقط قناع القوة عن وجهها فاردفت بألما مزق روحه.
- ليه مش كنت بتقول إني بدلل عليك. خلاص الموضوع اتحل وأنا هتصرف.
مسح بكفيه على وجهه في محاولة لتهدئة نفسه من الادرينالين الذي ارتفع عن معدله الطبيعي بسبب هدوئها.
- مين دا ياليلى؟ أنا مش مكفيك؟ علشان تحتاجي حمزة.
- الموضوع إتحل إن شاءالله وخلاص لو احتجت لك أكيد هجيلك.
قالتها بعصبية.
مط شفتيه يهز رأسه.
- ليلى السوبر مان بتعرف تحل مشاكلها كلها من غير ماتحتاج لحد.
كان رده على كلامها مختصر ساخر بطريقة آثرت حنقها.
فأخذت جرعة كبيرة من الهواء.
- ممكن تبطل تريقة لو سمحت.
رفعت نظرها لتصطدم بعيناه الصقرية التي كانت قريبة جدًا منها تناظره بطريقة جعلت أنفاسه ساخنة تلفح وجهها فتجلى على وجنتيها فأصبح خديها محمران وضربات قلبها التي دقت بعنف حتى شعرت بأنه يسمعها.
بأنفاس مرتجفة ولسان تجمدت فوقه الحروف تسائلت حتى تخرج من حالتها.
- كنت عايز مني إيه؟ وعلى فكرة أنا مكلمتش الباشمهندس سليم. هو اتصل فأنا.
- أشش. إهدي. بعدين نتكلم. اخلص من الحقير اللي مخلي العيون الحلوة دي تبكي.
وقف يتأمل شحوبها وعيناها الدامعة لم يتعود على هدوئها وعجزها هكذا.
كم آلمه هذا الشعور والذي كسكين ينخر عظامه.
فتحرك بعض الخطوات وتوقف لدى الباب.
- أتمنى ماتكونيش مخبية حاجة تانية.
تراجع ينظر لمقلتيها.
- الحقير دا صدقيني مش هرحمه. وهعرفه إزاي يتعدى على خصوصياتي.
- "عايز يتجوزني".
تصنم جسده. وتحولت عيناه لغضب جحيمي. فرجع إليها بخطوة.
- كان عايز إيه ياختي؟ يأ إيه...
أشار بيديه حتى تعيد ماقالته.
منعت إبتسامة من مظهره. وحدثت حالها.
- هذا الرجل أصبح خطير على قلبها الضعيف. خاطرتها فكرة حتى تغضبه. دنت بخطوات سلحفية فأردفت.
- عايز يتجوزني. هو الصراحة كويس. يعني شاب تتمناه اي بنت لكن طريقته بالجواز اللي خلتني ارفضه.
أنحنى ينظر لمقلتيها ونيران عيناه لو خرجت من مقلتيه لأحرقتها.
- لا والله. إيه أروح أقوله غير طريقة طلبك في الجواز علشان الجميلة توافق. عادي ممكن ادخل.
ملئت صدرها بأكسجين عطره مبتسمة على عصبيته المجنونة فأجابته.
- لا طبعا هو لازم حد يعرفه. كان المفروض يكون عارف إن بنات الناس مش لعبة.
- " أخرصي ".
قالها وهو يدقق النظر بمقلتيها. أشار بسبباته.
- صدقيني كله هيخلص بس بوقته.
تحرك خارجا قبل فقدانه أعصابه أمامها.
بعد عدة أيام.
عادت مياه الأمل تركض من جديد بعدما علمت ما صار لذاك المتجبر المدعو ماجد وحبس راكان له.
جلست أمام مرآتها لأول مرة تنتقي ثيابها بشكل منمق. حتى مكياجها الذي أظهرها بطلة خاطفة. ارتدت فستانا من اللون الأزرق السادة ويلتف على خصرها شريطا باللون الأبيض من الستان. وحجابا بنفس لون حزامها. ابتسمت برضا على جمالها الهادئ. وتحركت للخارج بأناقتها فاليوم سيعود الغائب الحاضر بالقلب. وتحل لغز كلماته إليها. ابتسامة واسعة شقت ثغرها كلما تذكرت لقائهم آخرة مرة.
وصلت بعد قليل إلى الشركة ولكنها تسمرت عندما وجدته يترجل من سيارة نورسين وهي تحاوط ذراعيه. وهذا إن دل على شيئا فيدل على رابط بينهما.
اشاحت بوجهها. آهة خافتة تحررت من بين شفتيها يتبعها قولا مبررا لنفسها ولكنه كسكين بارد انغرس بقلبها.
- زعلانة من إيه! دا واحد دي حياته الطبيعية كدا.
لأول مرة تشعر بإنقباض حاد يسري كالنيران بصورتها. فأصبح كل أن في جسدها يأن ألما وغضبًا بآن واحد.
- كنت مفكرة إنه بيحبك. دا راجل هلاس فوقي ياليلى ودوسي على قلبك.
وخز قوي صاحب قلبها فشعرت بآنينه.
فتسللت دموعها المتقطرة والمتجبرة على وجنتيها لتحرقها كحرق قلبها المسكين. هرولت لتختبأ بأحزانها داخل المصعد قبل أن يراها.
وصلت إلى مكتبها ودقات عنيفة عاجزة بأنين يحرق صدرها بالكامل. حاولت التنفس ولكن كيف وغصة بحلقها تمنع تنفسها كليا. غصة كأشواك حادة.
وضعت وجهها بين راحتيها وهي تبكي بنشيج على حالها.
- آه. آآآه.
خرجت من جوفها تتمنى بعدها إنسحاب روحها. قاطع حزنها رنين هاتف المكتب.
- الباشمهندس سليم طالب حضرتك ياباشمهندسة.
- حاضر!
قالتها بخفوت.
ظلت لبعض الوقت ثم تحركت متجهة إلى مكتب سليم. دلفت وجدت آسر وبعض المهندسين يعملون على بعض المشاريع. اتجهت بجوار سليم وهو يتناقش معهم بعض الأشياء. كانت صامتة، تائهة، مشتتة.
لاحظ سليم ما تشعر به فقاطع حديثه.
- نطبق اللي طلبته وبكرة نكمل.
أومأوا وخرجوا من المكتب سوى آسر الذي يجمع أشيائه. اتجه لليلى التي تقف ولا تفعل شيئا.
- ليلى واقفة كدا ليه؟ تعالي معايا عايزك في موضوع.
قاطعه سليم.
- ليلى تعالي، فيه حاجة لازم تخلصيها. وإنت يا آسر روح على مكتبك وأبعتلي المطلوب.
أومأ برأسه وهمس إلى ليلى.
- هستناك نروح مع بعض، ماتروحيش لنفسك.
هزت رأسها دون حديث.
تحركت متجهة تجلس بمقابلة سليم. ظل يطالعها لبعض الوقت ثم حمحم.
- ليلى فيه موضوع مهم أجلته كتير، ودلوقتي جه الوقت المناسب.
رفعت بصرها تنتظر حديثه. نهض واتجه يجلس على المقعد الذي يقابلها.
- أنا مبعرفش اتكلم كتير، هجبلك من الآخر.
غامت نظراته عليها بالكامل فابتسم وتحدث.
- أنا معجب بيكي جدا، ومش من يوم ولا أسبوع لا من أول يوم شوفتك فيه. خطفتي قلبي برقتك وشجاعتك وثقتك بنفسك. الصراحة المواصفات اللي اتمنيتها في شريكة حياتي. والأهم من دا كله تدينك وإلتزامك.
صاعقة قوية ضربت رأسها بقوة. وتوسعت عيناها بل تجمد جسدها وقد شعرت برغبتها في التلاشي من أمامه. كيف يعترف لها بإعجابه وهي التي تنتظر حب أخيه؟ ارتجفت شفتيها كحال قلبها وهي تردد بخفوت غير مسموع "راكان". غصة مريرة تشكلت بحلقها جعلتها غير قادرة على التنفس من ذكر إسمه بقلبها وليس شفتيها فقط.
هنا دلفت نورسين.
- فين راكان ياسليم؟ أخوك دا عامل زي الفراشة مبعرفش أمسكه.
ضحك سليم ضحكات صاخبة.
- أوافقك الرأي يانور. لكن راكان خرج بقاله نص ساعة. فيه حاجة؟
وضعت حقيبة بلاستيكية مزينة وبها إحدى قمصانه.
- قميصه نسيت ادهوله. كل مرة لازم ينسى حاجة عندي.
جذب الحقيبة يستنشقها.
- ووواهه وكمان معطرها. ايه يابنتي ارحمي الراجل شوية. ولا أقولك اعمليله دولاب عندك وشكليها على مزاجك.
قهقهت بصوتها الأنثوي وجلست بمقابلة ليلى التي أغروقت عيناها. فتوقفت.
- هروح مكتبي ياباشمهندس. ممكن نكمل كلامنا بعدين. أنا تعبانة.
شعور مقيت جعل دقاتها تتقاذف بين ضلوعها في حرب طاحنة تهلك أنفاسها وتحرق اوردتها. عندما تحدثت نورسين بهذا الحديث توقفت نورسين قائلة:
- هسبقك على البيت أنا ياسليم. يمكن أعرف أمسك اخوك ونكمل سهرتنا.
تحركت نورسين مغادرة.
توقف سليم أمام ليلى يطالعها بنظرات لأول مرة تراه ينظر بها هكذا.
- ليلى مكملناش كلامنا.
هربت بأنظارها وتمنت أن تكون في كابوس وستفيق منه. رفعت بصرها إليه بعينان تقطران ألما وملامح يكسوها الحزن فأجابته بصوتا مكسور.
- ممكن نأجل كلامنا لوقت تاني.
تحرك خطوة ووقف بالقرب منها.
- لا ممكن تفكري في طلبي وتردي عليا في أقرب وقت. ليلى انا عايز أكمل حياتي معاك. عايز أكون أسرة. ليلى تتجوزيني.
كانت تقف مدهشة لما تسمعه ملجمة اللسان لا تستطيع الحديث أو حتى النطق. تمنت لو أنه راكان. هو فقط. ياالله كيف تضعني في ذلك الأختبار الصعب والثقيل على قلبي. ابتلعت ريقها بصعوبة وأخفضت بصرها خجلا من نظراته فتحدثت.
- لو سمحت ياباشمهندس. ماتتغطش عليا.
ابتسم وتراجع خطوة للخلف.
- هسيبك تفكري براحتك.
تحركت سريعا وهي تتخبط بسيرها تتمنى أن تصرخ صرخة بعدها تنسحب أنفاسها بالكامل.
اتجهت لمكتبها ولكنها تسمرت عندما استمعت إلى إحدى المهندسات بالشركة.
- السعادة باينة أوي على وشك يانور. شكل السهرة كانت مع راكي جامدة.
قهقهت نورسين وبدأت تتلاعب بخصلاتها.
- قوي. قوي يانجوى. هو دا أي حد. دا راكان البنداري يابنتي. وقريب جدا هكون حرم المستشار راكان البنداري.
ابتسمت نجوى بخبث.
- يعني اقدر اقول مبروك لحرم راكان البنداري قريبا.
هزت رأسها وهي تتحرك بخيلاء.
- الورقة متهمنيش ياقلبي. أهم حاجة أكون مؤثرة وبس.
تحركت ليلى سريعا ودلفت إلى مكتبها وهي تغمض عيناها بقوة وشهقة بكاء مريرة خرجت من أعماقها المحترقة. وضعت كفيها على فمها تمنع صوت نحيبها.
ظلت لفترة لا تعلم كم من الوقت مر عليها وهي بتلك الحالة. قامت بتجفيف عبراتها وتنفست بهدوء متجهة للخارج. ولكنها اصطدمت بجسد بشري.
تراجعت للخلف عندما استنشقت رائحته.
توقف يستند بذراعيه على باب المكتب. ظل يطالعها بإشتياق. فتحرك إلى أن وصل إليها وتفقدها من كاحلها لرأسها حتى رسمت عيونه وجهها الجميل الذي شبه بالحور العين.
- عاملة إيه؟
استدارت تواليه ظهرها حتى لا تقوم بصفعه على وجنتيه. فتحدثت بخفوت.
- الحمد لله.
زفر بغضب وتحرك متجها إليها.
- دي مقابلتك ليا بعد خمس أيام. مش ناوية تتغيري خالص.
تورمت الغصة في حلقها لدرجة جعلها فقدت السيطرة فأستدارت تنظر له بغضب وصاحت بقوة.
- تقصد إيه بمقابلتي دي؟ ليه الأستاذ مفكر علشان ساعدني يبقى أصبحت معبودة له؟ تخطت حتى توقفت أمامه ولم يفصل بينهما شيئ.
- لو عايز تمن لمساعدتك دي معنديش مشكلة. اهم حاجة مكنوش مديونة لأمثالك.
انتهت من كلماتها المتألمة بعد عناء مع أنفاسها المتقطعة. فرمقته بجفاء.
- ياريت تاخد بالك من كلامك بعد كدا. أصل اللي يسمعك يقول إن فيه حاجة بينا والصراحة دا ميشرفنيش.
ظل صامت يحاول تنظيم دقاته الهادرة من غضبه. ولكن تصاعد غضبه فلم يتمالك نفسه فجذبها بقوة من خصرها حتى اصطدمت بصدره. وتلاقت شرارة النظرات الغاضبة. حاولت التملص من بين يديه ونزعه بالقوة. ولكن نيران صدره جعلته متمكن بقوة من ضمها.
- بتقولي مايزيدكش شرف؟ لا وكمان عايزة تمن علشان متبقيش معبودة لأمثالي.
رفع كفيه يمسد على وجنتيها. أطبقت على جفنيها. لقد احترقت بالكامل من إقترابه منها.
- تمام ياباشمهندسة. عايزة تدفعي تمن مساعدتي مش كدا؟
قالها وهو يضغط على خصرها بقوة. ويجز على أسنانه.
دفعته بقوة من شدة آلامها ورفعت سبابتها له.
- إياك تتخطى حدودك. ماتلمسنيش تاني لو سمحت. ومساعدتك هدفعهالك. المهم مكنش مديونة ل.
وضع إصبعه على شفتيها. في حركة أجفلتها. فدفعت كفيه بقوة ونظرت إليه نظرات جحيمية. متجهة لمكتبها ولملمت أشيائها كي تغادر من حصاره الذي سيطر على كيانها فلم يعد لها القدرة على التماسك أمامه.
وصلت لدى الباب فتوقفت عندما أستمعت لكلاماته التي أزهقت روحها.
- التمن إنت ياليلى. عايزة تسددي دينك. يبقى إنت التمن.
تسمرت بمكانها وكأن صاعقة ضربتها دون رحمة حتى أصبح جسدها كالهلام لم يستطع يحملها. فتحركت سريعا وهي تتخبط بسيرها وشعور بالضعف والخذلان يسيطر عليها حتى أصبحت قاب قوسين أو أدنى بالإغماء.
أما عنده أرتجف جسده من مغادرتها بهذه الطريقة. جلس بمكانها على مكتبها وهو يتجه بأنظاره على غرفة المكتب بالكامل ليريح قلبه المتألم من تلك المرأة التي أصبحت له كالأكسجين الذي يتنفسه.
رفع يديه يلمس أشيائها بإبتسامة خلابة. لرائحتها التي تخللت لرئتيه فتحدث.
- هشوف آخرك إيه ياليلى. نفسي طويل فوق ماتتصوري لما الموضوع يرتبط بيك ياإمرأة هزت قلبي وكياني. إمرأة لم تكن سوى إنها حبيبتي. فلم أناديها سوى بحبيبتي.
أغمض عيناه وهو يردد تلك الكلمة مع نفسه بإبتسامة لقلبه قبل شفتيه.
بعد عدة أيام ظهرا بمكتبه في الشركة.
دلف إليه حمزة. وأردف بسعادة.
- مبارك ياحضرة المستشار. إيه يابني الحلاوة دي. الكل بيتكلم عن مرافعة وكيل النيابة اللي هزت المحكمة.
ابتسم بحبور لصديق عمره.
- عامل إيه ياحضرة المتر وحشنى. ضمه بمحبه.
- وإنت أكتر ياحبيبي لسة واصل حالا للقاهرة وعرفت اللي حضرتك عملته.
قاطعهم دخول نوح.
- حمزة يخربيتك إنت بقيت مستقر في الشركة يامتر ولا إيه.
اتجه حمزة بنظره إلى راكان فأردف.
- متعرفش إن راكان وظفني في الشركة دي. وباخد مرتبي منه.
ضحك نوح بصوته الرجولي. فغمز بعينيه.
- لا دا شكلك مسيطر ياجميس بوند. ثم اتجه لحمزة.
- المهم ياحموزي عامل إيه. هتحضر حفلة خطوبتي ولا ظروفك إيه.
- أنا الحمدلله. خطوبتك !! إنت خطبت.
شعل نوح سيجاره وتحدث.
- أيوة ياسيدي. يحيى الكومي أصدر الأمر.
وخلاص. أقترب منه حمزة وتسائل.
- وأسما؟ حب العشرين سنة اللي فاتوا. سهل كدا تتخلى عنهم.
زفر نوح وأجابه.
- بلاش نفتح دلوقتي الموضوع دا. انسوا. الدور على مين المرادي؟ مفيش واحد فرح بحبه فينا. يمكن الدنجوان يكسب المعركة.
حاول حمزة التخفيف بمرحه المعتاد فقال.
- بقولك يانوح حاسس منخيري كبرت شوية إيه رأيك تعملي فيها حاجة.
قهقه راكان عليه. رفع نوح حاجبه بسخرية وأردف بتهكم.
- والله أنا عايز أعملك عملية في شفايفك علشان تحرم تتكلم تاني.
تهكم ركان وأردف.
- ومال الشفايف ومال الكلام. متظلمش الشفايف. الشفايف دي لحاجة تانية ياحمار.
أشار حمزة إلى راكان وأردف متهمكا.
- اهو قالك الخبير. الشفايف دي لحاجة تانية. اتجه له حمزة وأردف متسائلا.
- وعلى سيرة الشفايف الحلوة ياحضرة المستشار.
امتى هتدوق الشفايف الجديدة.
وقف ولكمه بكتفه.
- لا هنا بتدخل في الاعراض ياحبيبي. هنا وهنسى إني أعرفك. دي خط احمر ياحبيبي.
ارتشف نوح من قهوته وأردف.
- انتوا بتتكلموا عن مين؟
ارجع بجسده على مقعده وقد فاض الحب من عينيه حتى أرتسم على ملامحه. ورغم ماوصلا إليه من آخر مقابلة ولكن أجاب نوح.
- بنت خالتك الشريرة. اللي عاملة فيها زينة وهركليز زمانها. اصبر عليا إنت وهي.
ناظره نوح بعمق وأردف متسائلا.
- ليلى غير البنات اللي بتتسلى بيهم ياراكان. وأحنا أتكلمنا في الموضوع دا كتير. ويكون في علمك لو حصل حاجه بينكوا أنا هقف معاها. أنت وعدتني وأنا خرجت من بينكم لكن حاليا مش أكتر. قولت هتثبت حبك.
نظر له نظرات ناريه.
- أولا. إسمها الباشمهندسة ليلى. وثانيا ليلى خط احمر للكل يانوح. مش هستنى منك أو من غيرك يقولي أعمل أيه معاها.
دنى نوح وأمال بجسده أمامه.
- دي لولة مش ليلى. سمعتني يابن البنداري. إنت اللي تقولها ياباشمهندسة.
لم يدعه يكمل حديثه عندما احس بلكمة بوجهه. وضع نوح كفيه على وجهه.
- يخربيت تقل دمك. واحد غبي. ايده سبقاه.
وضع حمزة يديه على خديه.
- دا الحب بهدلة ياولاد. والله هفرح فيك كتير يابن البنداري.
قاطعهم دلوف سليم متشابك الأيدي هو ليلى.
- دا إيه الحلاوة دي. متجمعين عند النبي إن شاء.
ناقصكم دكتور الهبل... هو فين دا أنا مكلمه قالي على الطريق
هذا ماأردف به سليم وهو ينظر للجميع ويبتسم.
كان راكان ينظر لأيديهم المتشابكة فقط. نظر نوح اتجاه سليم عندما وجد نظرات راكان.
- ايه ياسليم شايفك مبسوط خير إن شاء الله... اتجه بنظره لليلى وأردف ماكسر ظهر البعير.
- مش تقولوا مبروك أنا وليلى قررنا نتجوز.
هزة عنيفة أصابته. حتى جعلته كالمعتوه وتسائل:
- يعني إيه ياسليم مش فاهم قالها وينظر بتمعن وترقب لتلك التي تهرب بنظراتها منه.
إرتجف قلبها من صوته الهادئ. ناظرته وتقابلت نظراتهما للحظات فقط. كفيلة أن تموت حبا حتى لو دام لسنوات. على عكس نظراته المصدومة بها.
ابتسم سليم واقترب منه.
- أنا وليلى هنتجوز ياراكان إيه الصعب اللي مش مفهوم.
ساد صمتا مميتا على الجميع.
كلمات رغم إنها بسيطة إلا إنها خرجت كالسهم نفذ إلى صدره ليخترق جدران قلبه.
بل صاعقة قوية ضربت قلبه فبعثرته لأشلاء. ورغم ذلك،
حاول تهدئة نفسه ولكن كيف وهو يشعر بنيران تحرق صدره بالكامل. كور قبضته حتى ابيضت ثم رفع عيناه وحاول أن يرسم بسمة. مبتلعا غصة وخزت جوفه باشواك حادة. منعت تنفسه فتحول وجهه للاحمرار. ونهض بتكاسل كالذي طعن بطعنة غادرة بخنجر بارد نفذ ليشق صدره بكل ألما.
وأردف بثبات ظاهري:
- مبروك ألف مبروك.
تحرك ببطئ استعدادا للمغادرة. أشفق عليه أصدقائه كثيرا. فالأمر مؤلم وصعب.
ابتلع ريقه الذي جف عندما شعر بأن الأرض تميد به. وتحدث وهو يواليهم ظهره:
- أنا عندي جلسة بعد نص ساعة يادوب ألحقها... قالها مغادرا. كانسان.
آه بل إنسان. سحبت أنفاسه.
تحرك مرورا لوقوفها. نظر لها نظرات أخيرة حتى كادت مقلتيه تخرج من محجريها وقلبه أوشك أن يتوقف من الألم.
هنا شعر بضعف الدنيا يحتل كيانه وبرودة تجتاح جسده من نظرة عيناها الجميلة وابتسامتها الرائعة لسليم.
دلف يونس وهو يصيح بصرخات:
- سليم استنى... ولكن توقفت الكلمات. فقد خرج السهم من القوس وابتلع الكلمات بجوفه عندما وجد يديهما المتشابكتين. رفع نظره سريعا إلى راكان الذي كان يرتدي جاكيتيه. بجسد مسلوب الإرادة. ويهرب بنظراته من الجميع. اتجه يونس سريعا عندما علم بما يشعر به راكان.
اللي بتعمله دا غلط ياسليم.
- يونس صاح بها راكان بقوة.
اطرق رأسه للأسفل يحاول لملمة شتات نفسه.
- مش تقول مبروك لابن عمك... ثم رفع نظره له وتحدث بصوتا مخنوق:
- اهو الصغير هيكون أحسن مننا ويدخل الفرح البيت. أو بالمعنى الأصح مبروك ليكم انتوا الاتنين.
همّ أن يتحدث يونس.
- راكان انت عارف بتقول إيه.
استوقفه بسبابته محذرا:
- بارك لابن عمك يادكتور. ثم تحرك مغادرا وهمس له:
- انسى أي كلمة قولتها حتى بينك وبين نفسك. صعق يونس من كلامه.
اتجه حمزة سريعا له.
- أنا كمان عندي قضية في محكمتك. بينما تحرك نوح اتجاه ليلى ونظر بعمق وأردف:
- مش غريبة أعرف كالغريب ياليلى. دا احنا متعشين مع بعض امبارح. تمنى نوح أنه علم بالامر قبل ذلك. حتى يكون الالم أقل.
اقتربت منه مبتسمة وأردفت:
- والله يانوح سليم فجأني. هو كان مكلمني من اسبوع بس لقيته النهارده مصر ياخد الرد. الموضوع جه بسرعة ومجتش مناسبة.
نظر لعيناها وتحدث بمغذى:
- اسما تعرف ياليلى ولا هتتفاجئ زي كدا.
هربت من انظاره.
- لسة هقولها. هعدي عليها أكيد النهارده وابلغها.
اومأ براسه متجها إلى سليم.
- الف مبروك ياصاحبي بس أنا زعلان منك زيها. قطب مابين جبينه.
- هو إيه الموضوع أنا حاسس انكم مصدومين اكتر من فرحتكم.
تحركت ليلى مغادرة.
- سليم هروح على مكتبي. هسيبك مع صحابك.
اسرعت خلف راكان الذي كان واقفا منتظر المصعد يبكي مأساته بقلب مفطور. يود ان يقتلع قلبه ويلقيه بعيدا عن جسده.
خطى خطوات هزيلة ثم فتح باب المصعد ولكنه تسمر بوقفته عندما استمع إلى آخر شخص يود ان يراه ويسمعه الان.
- استاذ راكان. وقف كمن تلقى ضربة موجعة بقلبه من صوتها ونعتها له باستاذ.
استدار بهدوء على عكس نيرانه المستعيرة.
- فيه حاجة؟
نظرت لداخل مقلتيه لأول مرة.
- سهام السكرتيرة قالتلي حضرتك عايزني في موضوع مهم. آه لو على الدين ممكن تشوف حاجة تانية. أصل طلبك متستهلوش الصراحة. دنت منه وهي تعقد ذراعيه وابتسامة سخرية.
- مش ليلى المحجوب اللي تبقى من جواري معاليك. ليلى المحجوب هتكون مرات أخوك. فخليك محترم معايا بعد كدا وإلزم حدودك.
آهة خفيضة تحررت من بين شفتيه. وغصة كبيرة احكمت تنفسه حتى شعر باختناقه. صمتا مميتا للحظات.
ثم رفع عيناه إليها.
- آسف قالها مغلقا المصعد ونظراتهم متعلقة ببعضها البعض. ازدرد ريقها من حالته التي لأول مرة تراه بها. شعرت برجفة بجسدها وانسدلت عبراتها ولا تعلم لماذا. أيعقل إنها تسرعت!
أيعقل أنها جنت على قلبها وقلبه! كيف وهي التي رأته وسمعته. تحركت سريعا إلى مكتبها تجفف دموعها بقوة. تمنت لو يحدث كل هذا.
أما عنده وصل إلى الجراج يحبس أنفاسه داخل صدره ضاغطا على كل عصب بجسده.
قاد سيارته بسرعة جنونية. يكاد يحترق صدره مثل احتراق وقود السيارة.
اتجه لشقته.
بخطى متعثرة دلف لداخل الشقة بساقين مرتعشتين. خطوات واهية. قلبا ينزف وجعا.
آه وآه على حرق وإشتعال نيران قلبه للمرة الثانية على التوالي. صفعة تلي الصفعة دون رحمة حتى شعر أن الحب أصبح لعنته.
جلس على أقرب مقعد وأرجع بجسده للخلف.
لم يستطع تمالك نفسه أكثر من ذلك وانهارت حصونه بالكامل. الآن أبت الدموع داخل الجفون وتساقطت لأول مرة بغزاره. لتعلن عن إنها أصبحت الأولى التي تعزف بنيران قلبه.
آآه صرخ بها بقوة وهو يحطم المائدة الزجاجية التي أمامه حتى غرس زجاجها بكفيه.
اغمض عيناه وعبراته تحرقه بشدة. عندما شعر بالالم ينخر عظامه نخرا عميقا. شعر بقلبه الدامي داخل جسده.
استمع لرنين هاتفه. نظر إليه وهو موضوع على المنضدة أمامه. جسدا كالمشلول. قلبا كالمدبوح. ولسانا هربت من الحروف.
دقات عنيفة تكاد تذهق روحه. ولكن هنا لم تكن سوى دقات ألما وحزنا.
اخرج سيجاره وبدأ يدخن بشراسة. أعاد هاتفه للرنين مرة ومرة واخرى.
صرخه بآهة عالية خرجت من جوف حسرته. رفع يديه المدمية يرجع خصلاته التي كاد أن يقتلعها. بدأ يركل كل ما يقابله ويضرب بقبضته على كل شيئا حتى فتحت جروحا كثيرة دون شعوره.
جثى بركبتيه على الأرض بعدما خارت قواه وبدأ يتمتم بكلمات غير واعيه.
- ليه كل مرة اندبح بالطريقة دي. ليه هو أنا فيا حاجة غلط.
استمع لطرقات على باب الشقة تسطح على أرضية الشقة كأنه اصم. أبكم نعم هو لم يريد أن يرى أحد الآن.
فتح حمزة بمفتاحه ودلف.
هزة أصابت جسده عندما وجد محتويات الشقة بالكامل على الأرض. خطى عدة خطوات يبحث عنه بعيناه جحظت عيناه عندما وجده متسطح بهذه الطريقة. اتجه سريعا إليه.
جلس بجواره وارتعدت مفاصله عندما وجده بهذه الحالة ويديه التي تنزف بقوة.
- راكان. قوم. افتح عيونك عامل في نفسك كدا ليه. اعتدل راكان وهو ينظر حوله فرق وجهه بعنف. وأطبق جفنيه المتعبتين.
- انسى أنا كنت مخنوق شوية وفشيت غليلي. يعني من اللحظة دي كأن مفيش حاجة حصلت.
رفع نظره وتحدث إليه بصوتا مكتوم:
- حمزة موضوع ليلى تمسحه من ذاكرتك. حتى مع نفسك. انسى اني كلمتك في حاجة.
ظل حمزة ينظر له بنظرات قاتمة ونهض يجلب الإسعافات الأولية لتطهير جروحه. تنهد بحرقة على صديقه ثم أجابه.
- والله وبعدين ياحضرة النايب كمل. سامعك.
هتقدر تشوفها مع سليم. هتقدر تنسى ان مرات اخوك حبيبتك. دا اخوك مش واحد صاحبك.
بااااس. صرخ بها من اعمق نقطة تهز قلبه.
ضرب بقبضته على صدره.
- بقولك مش عايز اسمع كلمة. دا موضوع اندفن هنا قالها وهو يشير لقلبه. ثم رفع نظره له.
- مكنش موضوع أصلا علشان نتكلم فيه. وزي ماقولت دا اخويا. ومستحيل أوجعه حتى لو هموت. لو هموت ياحمزة مستحيل أكسر سليم. قاطع حديثهما رنين هاتفه. فنظر إلى المتصل. أمسك هاتفه سريعا.
- أيوة. نهض سريعا وهو يصيح.
- مستشفى إيه.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل السابع 7 - بقلم سيلا وليد
كفاك ياقلب ..لاتدق فقد أوجعتني
لمن تدق الأن ..أمازلت لا تعي
أتحاربني ياقلب ..أم أنت معي
تضغط ويعلو نبضك..في دمي
ألم تمل بعد أو تهتدي
إهدأ ياقلب .. ولاتستعجل مصرعي
فقد كنت قلبي ..يوم وعدت ألا تترك معصمي
ضعت ياقلبي..وضيعتني
كف ياقلب وأصمت فقد أوجعتني
❈-❈-❈
دلفت إلى غرفة مكتبها ..أغلقت الباب خلفها ثم جلست أرضا.
خالية من أي مشاعر سواء ندم أو لوم..تتحسس قلبها الذي توقف نبضه عندما تذكرت نظراته الحزينة إليها.
هل بالفعل ظلمته ام ظلمت قلبها ؟!
عادت إلى متاهة قلبها الذي يخادعها مرة بكرهه ومرة بعشقه ..
اتخذت نفسا طويلا تشحن رئتيها بالأكسجين حتى تستطيع المواجهة مع نفسها.
ظلت عدة دقائق على حالتها ،ثم توقفت تجمع أشيائها متجهة للخارج.
قابلها سليم وهو يهرول سريعا ...
أسرعت متجهة إليه تخشى أن يكون أصابه شيئا.
لا تعلم لماذا شعرت بذلك حتى أحست بتوقف قلبها تماما ..
توقفت أمامه.
- بتحري ليه في حاجة ؟
سحبها من كفيها متجها للمصعد وهو يحادثها.
- سيلين تعبانة ونقولها المستشفى لسة عارف دلوقتى..تعالي اوصلك في طريقي وأعدي عليها.
هزت رأسها رافضة وتوقفت.
- لا هروح مع آسر ،روح اطمن عليها وبعدين طمني.
أومأ برأسه فتحرك عدة خطوات ثم توقف مستديرا إليها.
- إيه رأيك تيجي معايا وتتعرفي على ماما ...
فركت كفيها ولم تعلم بما تجيبه ..
عزمت أمرها ودنت بخطواتها.
- سليم مينفعش أخرج معاك غير لما يكون بينا رابط قوي وكمان مش خاتم خطوبة ،اقل حاجة كتب الكتاب ،دي حاجة ،الحاجة التانية لازم تعرفها.
- تربيتي غير تربيتك ،طبعا مش بشكك فيك لكن شايفة كل حاجة عندكم مباحة ،زي مثلا طريقة كلامك مع نورسين وتقربها منكم ،عندي دا غير مقبول.
اقترب منها يطالعها بنظراته العاشقة.
- عايز أقولك حاجة ممكن ..
رفعت رأسها تنظر لعيناه.
لأول مرة تقابلت نظراتهما فأردف بصوته الرجولي الهادئ.
"ليلى انا بحبك"
هزة عنيفة أصابت جسدها ..
لحظة تجمد الدم بعروقها وشعرت بتعطل أجهزة جسدها حينما تخيلته حبيبها ودامي قلبها.
اقترب وتحدث.
- ليلى مبترديش عليا ليه ؟!
هنا لم تستطع السيطرة على نفسها ولم تمنع تساقط عبراتها.
فرجعت خطوة للخلف واستدارت سريعا متجهة للخارج حيث وقوف آسر بإنتظارها.
كانت تسير بخطوات واهية إلى أن وصلت لآسر الذي يراقب وقوفهما.
طالعها بترقب وتمعن.
- سليم كان عايز منك إيه ؟
استقلت السيارة بجواره وجسدها يرتعش كلما تذكرت كلماته.
كيف ستتأقلم على ذلك ،فلم تستطع التحمل من مجرد اعتراف حبه ،فكيف لها أن تتحمل الزواج به.
وضعت كفيها على وجهها علها تمنع صرخات قلبها.
- سحقا لكِ ليلى ،ماالذي فعلتيه بنفسك ؟كل هذا حتى تسحقي كرامته !!
قاطع حديثها مع نفسها آسر.
- ليلى مقولتيش سليم كان عايز منك إيه ؟
إستدارت وحاولت رسم ابتسامة.
- إيه رأيك في سليم ياآسر ..
كان يقود السيارة بهدوء ولكن توقف فجأة عندما استمع لحديثها.
- قصدك إيه ؟
ابتسمت ونظرت للخارج.
- يعني إيه رأيك فيه كراجل يعني ؟
زفر بإختناق وطالعها عندما شعر بشيء بينهما.
فأجابها بهدوء رغم حربه الداخلية.
- مبحبوش ،بحب راكان أكتر منه ،ولو سألتي ليه هقولك معرفش ،فيه ناس تتحب لوحدها وفيه ناس مجرد ما تشوفهم تحسي بخنقة.
ضيقت عيناها وتسألت.
- ودا سليم ،لا بالعكس سليم إنسان هادي وناجح وأهم حاجة إنه محترم.
قهقه آسر قهقهات لا تعبر عن فرحته بشيء.
وأجابها.
- لسة صغيرة ياليلى ،أو الأصح تقييمك للناس غلط ،عارفة راكان متخافيش منه أد ما تخافي من سليم.
انكمشت ملامح وجهها بإمتعاض وتحدثت سريعا.
- بلاش تجبلي سيرة الراجل اللي بيحرق دمي دا ،دا واحد كل ساعة تلاقيه في حضن ست.
انعقد حاجبيه بسخرية وأكمل حديثه.
- علشان كدا مش طيقاه ،والله إنتِ واحدة هبلة ،أنا بقالي اكتر من خمس سنين اسمع عنه كلام من دا ،لكن تقيمي له غير اللي بسمعه ،هتقولي اهبل هقولك يمكن.
تنهد وهو ينظر للطريق مرة وإليها مرة.
كانت نظراته تتناقض كليا مع كلماته.
فأكمل حديثه.
- عارفة الشخصية دي باينة للناس على إيه ،يعني مش خبيثة ،غير بقى اللي عامل ملاك وهو للأسف شيطان.
كسا وجهها بتساؤل.
- قصدك إن سليم خبيث.
- لا ابدا مش قصدي ،أنا قصدي إن راكان واضح غير سليم ،ممكن يكون طبع سليم الهدوء ،وممكن يكون الخبث معرفش ،لكن الصراحة مسمعتش حاجة عنه بالباطل.
توقف آسر عن الحديث وتسائل.
- بتسألي ليه عن سليم ؟
سحبت نفسا وطردته دفعة واحدة.
- طلب ايدي للجواز النهاردة!!
توقف مرة واحدة حتى اصطدم جسدهم للامام.
صاحت بوجهه.
- إيه ياآسر ؟ دي مش أول مرة مالك في إيه؟
احتدت نظراته.
- قولي كدا كنتِ بتقولي إيه ؟
زفرت بضيق وتحدثت.
- بقولك سليم البنداري طلبني للجواز.
أشار بكفيه.
- أيوة بعده ،قولتلي له ايه ياابلة.
التفتت إليه بحنق وضيقت عيناها.
- إيه أبلة دي ،شايفني واقفة قدامه السبورة وبشرح للعيال.
حاول تمالك أعصابه والسيطرة على غضبه قدر المستطاع.
فسحب نفسا واستدار بجسده إليها.
- ليلى مش معقول محستيش بيا طول الفترة دي.
عند راكان وحمزة.
توقف وجمع اشيائه بعدما سيطر على موجة الغضب التي حاوطته لفترة من الوقت.
توقف حمزة حينما رأه يتحرك للخارج.
- راكان مين في المستشفى ؟
أمسك هاتفه بأصابع مرتعشة وحاول الاتصال بسليم.
- سليم اختك في المستشفى ألحقني.
على هناك.
كان سليم يقود السيارة بطريقه إلى المستشفى فأجابه.
- ماما كلمتني وأنا في الطريق عشر دقايق وهكون عندها ،خلص قضيتك وتعالى على هناك.
جف حلقه وحاول التماسك فأردف.
- القضية أتأجلت عشر دقايق وهكون عندك.
رفع بصره لحمزة.
- كلم نوح وفهمه مش عايز يتكلم ولا يفتح موضوع ليلى نهائي حتى مع نفسه ،أكد عليه وبلاش يجادل أسما ،مش عايز سليم يشك مجرد شك إني اكون عائق في سعادته.
وانت هتقدر ياراكان ...تسائل بها حمزة.
آهة خفيضة تحررت من بين شفتيها يتبعها قولا مبررا بالحزن والضعف في آن واحد.
- هقدر ياحمزة الموضوع مش موتة يعني عادي ،عديت بالأصعب منها.
تحرك خطوة ثم تراجع ينظر إليه.
- ماتيجي نسافر ألمانيا كام شهر لو معندكش حاجة مهمة.
للحظة لم يستوعب حديثه.
توقف حمزة يستنكره.
- هتهرب شهر ،شهرين ،سنة ،سنتين ..طيب بعد كدا هتعمل إيه.
كان لحديث حمزة صدى مؤلم على قلبه.
فلأول مرة لا يعرف بماذا يجيبه فاكتفى بإيماءة بسيطة من رأسه.
وتحرك للخارج.
وصل بعد قليل للمشفى وجد والده يقف مع الطبيب ويحادثه عن حالة سيلين.
اتجه إليهما.
- سيلين مالها يابابا ؟
ربت والده على كتفه.
- مفيش حاجة خطرة ياحبيبي شوية إرهاق مع قلة غذا ،اغمى عليها.
تحرك للداخل وجد سليم يجلس بجاورها ويحتضن كفيها.
أما والدته فتقرأ بمصحفها.
اتجه لوالدته وقبل رأسها وتسائل.
- هي عاملة إيه دلوقتي ؟!.
اغروقت عيناها بالدموع.
- أختك مالها ياراكان ؟ انت قعدت واتكلمت معاها ،أكيد عارف حاجة خلاها توصل لكدا.
سحب والدته من يديها وأجلسها على المقعد بجوار فراش سيلين.
- هي كويسة ،انتٍ عارفة ياماما كل ما الامتحانات تدخل هي تتوتر وتتعب.
غامت عيناها بتأثر من حالتها.
فنظرت إليه ثم إلى سليم الجالس الصامت.
- معرفش حاسة انكو مخبين حاجة.
قاطعهم دلوف يونس ويتجلى على ملامحه الذعر.
توقف أمامهم وهو يكاد يلتقط أنفاسه من سرعة ركضه.
- سيلين مالها ؟ هي كويسة ،تعبانة إزاي؟
توقف راكان يطالعه بصمت.
حاول أن يهدأ فأخذ جرعة كبيرة من الهواء بحبسه بداخله عله يهدأ من نيران الغضب الممزوج بخوف ظهر على ملامحه.
فاقترب يسحب يونس للخارج.
- أنت جاي هنا ليه ؟! تسائل بها راكان.
اندلع شعور أهوج وصاح بغضب.
- ابعد عني ياراكان متخلنيش افقد اعصابي واضربك.
أظلمت عين راكان وارتسم بها نظرة قاسية.
فدفعه بقوة حتى اصطدم جسده بالجدار خلفه.
وأمسكه يطبق على عنقه حتى كاد أن تزهق روحه.
فأردف بصوتا كحفيح أفعى.
- إنت ابن عمي وصاحبي وكل حاجة ،لكن هي اختي اغلى ما أملك في الدنيا ،الهلس بتاعك دا لما يوصل لحد من دمك تبقى حقير ومالكش أمان.
قالها وهو يدفعه حتى شعر بإنسحاب أنفاسه.
بدأ يونس يتحسس عنقه ويلتقط أنفاسه بصعوبة.
اندفعت الدماء إلى أورده وسرت كالنيران الذي شعر بها تحرق أحشائه.
فتلونت حدقتاه باللون الأحمر واتجه إلى راكان.
- أنا مخدعتش حد ،وبما أنك عارف علاقتي بأختك من الأول ،اه كنت بحبها ،لا كنت بعشقها لكن تستغفلني وتعيشوني في خدعة ،مستني بعدها إيه ،اكمل مع واحدة معرفش أصلها من فصلها.
وصل أسعد على صراخ يونس.
ولكنه تسمر بوقفته بعدما استمع لحديثه.
- قصدك إيه يايونس بكلامك دا؟ تسائل بها أسعد.
أما راكان الذي وقف وكأنه تلقى صاعقة برأسه أطاحت بتوازنه.
فأصبح قاب قوسين أو أدنى من فقدانه للوعي.
فتسائل بصوتا مهزوز.
- ايه اللي بتقوله دا بالحيوان ؟
لم يجب عليهما ودلف للداخل متجها إلى سيلين.
طالع أسعد راكان بنظرات مرتابة وهمس بصوتا غير مفهوم.
- يونس ،يونس ،الولا دا يقصد إيه ياراكان.
ازدرد ريقه بصعوبه يستجمع كلمات يونس.
فتوقفت الكلمات على طرف لسانه واجاب والده بثبات انفعالي بعض الشيء.
- تفتكر عرفوا حقيقة سيلين يابابا ،يعني جدي عرف سيلين تكون بنت مين.
هزة عنيفة أصابت أسعد وهو يهز رأسه بخوف.
وجسده الذي بدأ يرتعش.
- لا جدك لو عرف مكنش سابها عايشة ،أنا عارفه اكيد كان موتها ،لا اكيد معرفش ياراكان ،صح اكيد هو معرفش.
اقترب راكان ساندا والده حتى أجلسه على المقعد الحديدي الذي يوضع أمام الغرفة.
وتدارك توتره فتحدث بثقة كي يطمئنه.
- بابا متخافش ،انت ليه خايف كدا ،ميقدرش يقرب منها ،هو إحنا عايشين في غابة،اقسم بالله لو قرب منها لأحاسبه على القديم والجديد.
تنهد أسعد ممسكا بكف ابنه.
- بلاش نسبق الأحداث ياحبيبي ،خليك ورا يونس اعرف منه ليه قال كدا.
ربت على كتف والده وأومأ له بإيماءة بسيطة.
- المهم حاول متظهرش حاجة قدام ماما ،انت عارف ماما لو عرفت ممكن تعمل إيه ،حتى لو عرف متخفش.
هز أسعد رأسه محاولا اطمئنان نفسه فتحدث.
- خلاص روح شوف اختك فاقت ولا لسة.
بالداخل جذب يونس سليم من ذراعيه وجلس بجوارها ممسكا كفيها.
- سيلين فوقي حبيبتي ،أنا آسف مكنش قصدي ازعلك ابدا.
اقتربت زينب منه ووزعت نظراتها بينه وبين ابنتها الراقدة على الفراش لا حول لها ولا قوة.
ثم تحدثت.
- ليه عملت في بنت عمك إيه يادكتور ؟!
تنهد بألم رافعا كفيها لشفتيه مقبلا إياه.
ثم أردف بصوتا مختنق.
- معملتش حاجة ياطنط ،بعدت عنها بس.
دنت زينب وجلست بجواره تربت على كتفه.
- فهمني أكتر ياحبيبي بعدت عنها إزاي ؟
اتجه بنظره إليها وانسدلت عبرة خائنة من عينيه فتحدث بصوت متقطع.
- ما وفيتش بوعدي ،وعدتها واخلفت الوعد ،قولتلها بحبك وهحارب الدنيا علشانك ،وفي الآخر روحت خطبت غيرها.
هنا فقدت زينب سيطرتها على نفسها ولم تشعر بكفيها الذي ارتفع على وجنتيه وصفعته بأقوى ما لديها.
ثم توقفت تشير إلى الباب.
- اطلع برة ،الراجل اللي يقطع وعده مع بنت ،يبقى مش راجل ،الراجل اللي يدوس على قلب بنت يبقى مش راجل ،ومن النهاردة بقولك إياك تقرب من بنتي ،وياله اطلع برة.
أطبق على جفنيه بألم وانسدلت عبراته على خديه تكويه.
- آسف ..قالها يونس بأنين قلبا ممزق.
والته ظهرها وصاحت بغضب.
- أسفك غير مقبول ياحضرة الدكتور ،ووجودك غير مرغوب.
رفع بصره إلى سليم الذي اقترب منه.
- ليه يايونس ،ليه كسرت قلبها بالطريقة دي ،قولتلي اديني فرصة اثبت حبي ،ادتلك فرص كتيرة وضعيتها.
جحظت أعين زينب تنظر لأبنها بغضب.
- إنت كنت عارف بعلاقته مع اختك وساكت ياحضرة المهندس العظيم.
اصابتها حالة من الذهول وهي تفرك كفيها بقوة وتنتقل بنظراتها بينهما.
- سليم ،ازاي رضيت أن أختك تكون على علاقة غير شرعية بالإنسان الغير أمين دا.
ثارت وبدأت تلكمه.
- من إمتى وانت مش راجل كدا ياسليم.
اسبلت جفنيها وقالت بصوت مهزوز.
- لدرجة دي معرفتش اربي ،أنا ام فاشلة.
توقفت مرة واحدة ورفعت بصرها إليه.
- راكان كمان كان عارف بالعلاقة مش كدا ،ايوة أنا إزاي مفهمتش لما جه وأخده برة ،هو هيفرق معاه حاجة ،ماهو مقضي حياته كلها هلس وخمور ،هستنى منه إيه.
دلف راكان في تلك الأثناء وهو يرمق يونس بإزدراء.
- ماما روحي مع بابا وانا وسليم هنجيب سيلين ونيجي لما تفوق.
طالعته بنظرات غاضبة وتحركت تقف أمامه وصاحت بغضب.
- حياتك المقرفة ياحضرة وكيل النيابة اختك دفعت تمنها.
قالتها بملامح جامدة.
صعق من حديث والدته المبهم فتسائل.
- مش فاهم حضرتك تقصدي إيه ؟
هنا فاقت سيلين وهي تهمس باسم والدتها.
-" ماما "
أسرعت زينب تجلس بجوارها.
- حبيبة ماما ،عاملة إيه دلوقتي.
رمشت بجفونها عدة مرات تحاول أن تفتحهما.
فهمست.
- أيدي وجعاني أوي ليه ؟ وأنا فين دلوقتي ؟
فتحت عيناها تنظر حولها فتلاقت عيناها المتألمة بعيناه المذعورة عليها.
فأردف.
- حاسة بإيه أجبلك الدكتور !
رمقته زينب بنظرة أوقفت حديثه.
اقترب سليم إليها.
- حاسة بإيه حبيبتي ؟
طالعت راكان الصامت الذي صدم من حديث والدته واتهامها له.
- راكان عايزة أروح خدني من هنا.
مسحت زينب على خصلاتها فأردفت.
- تخلصي المحلول ياحبيبتي وهروحك أنا وباباكٍ،أخواتك وراهم شغل ، حضرة وكيل النيابة عنده قضية مهمة ،لازم يروح يترافع فيها ،أصله بيترافع بالحق مش كدا ياحضرة وكيل النيابة.
قالتها زينب بمغزى.
❈-❈-❈
تحرك سليم للخارج عندما شعر بحالة التوتر التي حاوطت المكان وأن والدتهم لم تستهان بالأمر.
سحب يونس وحاول الخروج ولكن يونس دفعه وهو يطالع زينب متجها إلى سيلين.
جلس بجوارها وسحب كفيها المغروز به الإبر يتحسسه.
- عاملة إيه ؟ حاسة بإيه ؟
سحبت كفيها وهي تنظر إلى راكان وتحدثت.
- راكان قبل ما تمشي رجعني البيت ،أنا كويسة مش عايزة أشوف حد.
قالتها ثم استدارت للجهة الأخرى.
نصب يونس عوده ووقف يرمقها بنظرات غاضبة.
- تمام ياسيلين ،أنا كنت جاي اطمن عليكِ بنت عمي وقلقت عليها.
جذبه سليم عندما وجدت نظرات راكان النارية إليه وتحرك للخارج.
دفعه يونس وتحدث بغضب.
- مش تبقوا غلطانين وتحطوا الغلط عليا.
قالها وتحرك مغادر المشفى وقلبه يأن وجعا.
وصل لسيارته وهو يكاد يغلي بنار جهنم حينما لم يستطع أبعادها عنه لأسبوع فقط.
فكيف يتحمل إبعادها عنه العمر كله.
جلس بالسيارة يمسح على وجهه بغضب.
- ماشي ياسيلين.
تذكر منذ ثلاث ساعات.
ذهب إلى كليتها ،كانت تقف مع صديقة ولم تكن سوى درة يتحدثون.
اقترب نور وهو يطالعهما وتحدث.
- واقفين كدا ليه مستنين حد.
ابتسمت درة وتحدثت.
- دا دكتور نور طبعا عارفاه ..بيكون خطيبي.
أومأت سيلين برأسها وبسطت يديها تحية.
- اهلا دكتور نور ..الصراحة درة كلمتني كتير على حضرتك.
توقفت عن الحديث فأردفت.
- حضرتك نور الدين زيدان.
هز رأسه واجابها بإبتسامة.
- سيلين البنداري مش كدا !
ضحكت بصوتها الأنثوي الهادئ وأشارت إلى درة.
- إحنا طلعنا قرايب ،دا بيكون ابن خالة سارة وفرح ولاد عمي.
توسعت أعين درة وأجابتها.
- والله ،لا كدا هنشوف بعض كتير.
رمقها نور بنظرة هادئة فأردف.
- أنا مشفتكيش غير مرة أو مرتين ،لكن كنتِ صغيرة ،دلوقتي ماشاء الله كبرتي.
ابتسمت وأجابته.
- آه رجعت من ألمانيا أنا كنت مستقرة هناك ،ودلوقتي رجعت وتانية هندسة.
اتجهت بنظرها لدرة وتحدثت.
- وأول حد اتصاحب عليه كانت خطيبتك ،بس بعد خناقة بينا.
قهقه على حديثها وابتسم.
- لا خدي من دا كتير ،درة بتتخانق مع أي حد ،بس إنتِ شكلك كيوتي.
هنا لم يستوعب يونس إكمال حديثه فتدخل.
- "سيلين" أردف بها يونس.
قطبت مابين حاجبها وتفاجأت من وجوده.
فتحركت بعد استئذانها.
- دا إبن عمي ،لازم امشي ،اشوفك بكرة أن شاء الله.
وصلت إليه.
- بتعمل إيه هنا ؟ كلية الحقوق مش هنا خالص.
جذبها من كفيها ونيران تشعل صدره بالكامل.
- امشي بلاش اتغابى عليكِ متخليش الطلبة ياخدوا بالهم.
تحركت بهدوء حتى خرجت من الحرم الجامعي.
كانت سيارته مصفوفة بأحد الطرق.
توقفت وهي تناظره بغضب.
- ممكن أعرف إيه اللي جابك هنا ،وليه تحرجني قدام صاحبتي.
دنى منها ونظر إليها نظرات جحيمية.
- كلمة كمان وهنسى أنك حبيبتي ،اركبي العربية ومش عايز ولا كلمة.
نزعت يديها بغضب وصاحت وهي تلكمه بذراعيه.
- انا مش حبيبتك ياكذاب ،ابعد عني وإياك تقرب مني،انا خلاص مسحتك بأستيكة من حياتي ،وبكرة هلاقي اللي يصون حبي ،ويعرف يقدر حبي وقلبي.
لهجذبها بقوة من خصرها حتى أصبحت بأحضانه وضغط عليها.
- دا في جهنم والجحيم إن شاء الله..يوم ما تفكر العيون الحلوة دي تخوني وتبص لغيري ،صدقيني هعميها.
دفعته تجز على أسنانها.
- أنا نسيتك ومفيش رابط بينا ..افهم بقى ،وحياتي ملكي أنا وبس.
- آه حياتك الحلوة اوي، وأنتِ قاعدة تضحكي مع الغرب ،ولا كأن مفيش حد هيحاسبك ،إيه بتعوضي بعدي بحد تاني.
همس بجوار أذنيها.
- عادي ياسيلي اعتبريني واحد غريب وعوضي نفسك بيا.
صفعة قوية على وجهه وأشارت بسبابتها.
- من أمتى وانت حيوان كدا ،ولا إنت كنت حيوان وانا العمية ،لاول مرة تشعر بالقهر وقد كان بيد من دق له قلبها.
أغمضت جفنيها بألم.
- ابعد عني وإياك تقرب تاني مني ،متخلنيش احكي لبابا واخواتي.
قالتها وتحركت مغادرة.
وصل إليها بخطوة واحدة وجذبها بقوة يدفعها بسيارته وهي تلكمه.
كان بعض الطلبة يحاوطونهم متجهين بسيارتهم.
تاهت بنظراتها وحاولت السيطرة حتى تهرب من النظرات الموجهة إليهما.
استقل السيارة بجوارها.
وحاول إفراغ شحنات غضبه حتى لا يعاقبها على صفعه.
كان الصمت سيد الموقف لبعض الدقائق حتى ابتعدوا عن الجامعة.
فاقتربت تلكمه وتصبح.
- وقف العربية ،انا بكرهك ومش عايزة أشوف وشك ،ربنا ينتقم منك يايونس.
قالتها بصرخات عاتية من قلبها المتألم بحبه.
توقف بجانب الطريق وعلى حين غرة جذبها بقوة إليه وهو يضم ثغرها بشراسة وكأنه يعاقبها على ما تفوهت.
حاولت دفعه بكل قوتها ، ولكن قوة واهية ضعيفة في حالته التي وصلت للجنون.
ظل يقبلها بشراسة إلى أن انسحبت أنفاسها بالكامل.
حتى فصل قبلته وهو يضم وجهها بقوة ألامتها.
- يبقى قولي كدا تاني ،ضغط بقوة حتى صرخت بوجهه.
نظر لمقلتيها بجحيم واردف.
- المرة دي جت ببوسة بس.
أشار بسببابته واقترب يلمس شفتيها التي تورمت بسبب قبلته وهمس أمامها.
- المرة الجاية هخليكي ملكي للأبد ،غمز بعينيه وأكمل.
- اكيد عارفة معنى كلامي ياحبي.
لمي الدور ياسيلين وأحترمي نفسك وإياكِ أشوفك واقفة مع جنس ذكر.
وقتها هتلاقي واحد غير يونس حبيبك.
بصقت بوجهه وأردفت.
- الله يلعن اليوم اللي قلبي حب واحد ذيك.
حقييير ،إزاي كنت عامية كدا.
جذبته من ياقة قميصه.
- تعرف يايونس اليوم اللي تفكر فيه إني أكون ملكك وقتها أعرف إنك حفرت قبري بإيدك.
دفعته ثم فتحت باب السيارة وترجلت تغلقه بقوة حتى شعر بتحطيمه كما حطم قلبه وقلبها.
أوقفت سيارة أجرة سريعا واستقلتها عندما وجدته نزل من سيارته متجها إليها بجنون.
بدأ يركل عجل السيارة ويصيح عليها بغضب.
بينما هي تتساقط عبراتها بقوة عندما أحست بقلبها مازال ينبض له.
في منزل عاصم المحجوب.
دلفت إلى غرفتها بعد تناول طعامها بهدوئها الغير معتاد.
دلف والدها يتسائل.
- لولا مالك ياقلبي ؟
مسد على خصلاتها.
دخلت لأحضان والدها وانسدلت عبراتها وهي تعجز عن إجابته.
كيف ستقص له ما صار اليوم.
ابتعدت عن أحضانه بعدما جففت عبراتها.
- مفيش حبيبي، كان فيه شغل كتير النهاردة ،مرهقة شوية.
طبع قبلة على خصلاتها ونهض.
- إرتاحي حبيبتي.
أومأت برأسها ،خرج والدها وهي تستلقي على الفراش تبكي بنشيج.
وضعت الوسادة على وجهها حتى لم يسمعها أحد.
أطبقت على جفنيها كلما تذكرت نظراته إليها.
أيعقل إنها نظرات عتاب !!
أيعقل إنه أحبها بالفعل !!
لماذا وجدت نظرات الحزن على وجهه.
نعم أحست بتصلب جسده ونظراته المشتتة بإتجاهها.
همست بشفتيها وهي تتذكر كلماته.
- لدرجة دي شايفني رخيصة وعايزني بأي تمن.
هنا شهقة خرجت من جوفها بآلاما عاتية.
وضعت يديها على قلبها وهي تعاتبه.
- لسة بدقله بعد ماعرفت حقيقته ،فوق دا واحد مالوش أمان كان عايز يقضي ليلة مش أكتر.
تنهدت بحزن وحرب شعواء بين قلبها وعقلها إلى أن غلبها النوم.
عند راكان.
قام بحمل سيلين بعدما فقدت القدرة على الحركة.
وبعد فحصها تبين إنها حالة نفسية مؤقتة.
وضعها بهدوء بسيارته.
بعد نقاش حاد بينه وبين والدته أودى به للأبتعاد لفترة من الوقت.
وصل بها إلى القصر حملها متجها لغرفتها.
ولكنه توقف عندما وجد جده يقف في بهو القصر وهو يرمقه بنظرات نارية.
لم يعريه اهتمام واتجه بها ناحية المصعد ولكنه توقف عندما استمع لحديث جده.
- هو أنا مش مالي عينك ياراكان.
مفيش عامل إيه ياجدو.
أستدار بجسده وهو مازال يحمل سيلين التي كانت تغط بنومها بسبب علاجها.
- هو حضرتك كنت مسافر علشان أسأل عليك ،وبعدين أسأل على حضرتك وانت واقف قدامي سليم أهو ماشاء الله.
المفروض حضرتك اللي تسأل على حال حفيدتك.
قالها بمغزى.
اقترب توفيق وهو يوزع نظراته بين سيلين وبينه فأردف متهكما.
- على أساس إنها حفيدتي يابن أسعد.
هنا ابتسم راكان بسخرية.
ثم دلف المصعد ولم يجادله عندما علم بأن جده على علم بكل شيء.
وضعها على مخدعها بهدوء.
وطالعها لبعض اللحظات وقبضة قوية أعتصرت قلبه عندما تذكر حديث جده.
جلس يمسد على خصلاتها ويهمس لنفسه.
- طول ما أنا عايش محدش هيقدر يلمس شعرة منك ،وخليه يعمل فيكِ زي ماعمل في باباكي.
دخلت زينب إليها ترمقه بنظرة جانبية.
فاليوم لأول مرة يحادثها بغضب عندما وضعت عليه اللوم في حالة أخته وتحدث بحالة جنونية.
- هو ليه كل حاجة وحشة بترموها عليا ،حد قلك اني شخص حقير أوي كدا.
دي اختي على فكرة ولو كنت أعرف علاقتها بيونس مكنتش سمحت بكدا.
اقترب منها وصاح بغضب.
- متحطيش فشل مراعاتك ليها في السن دا عليا ياست ماما ،شوفي غلطك الأول وبعد كدا تعالي حاسبيني.
راكان صرخ بها سليم عندما وجد دموع والدته وحزنها من كلمات إبنه الجارحة.
نصب عوده واتجه بنظراته إليها.
توقف أمامها كطفل منتظر عقابه فأردف بصوتا حزين وقلب محمل بالهموم.
- آسف عارف زعلتك مني وكلمتك بأسلوب مش كويس ،سامحيني حبيبتي.
جذبته لأحضانها وتعالت شهقاتها وهي تتحدث.
- مكنش قصدي ازعلك ياحبيبي، ولا قصدي احط اللوم عليك ،لكن إنت الكبير ياراكان ،ولما عرفت سليم كان عارف اتجننت وحطيت همي فيك.
قبّل جبينها وأردف بحنان.
- عندك حق ياماما ،أنا الكبير كان المفروض اخد بالي منها أكتر من كدا ،علشان كدا اتعشينا برة وحاولت افهم منها لما شكيت وقت خطوبة يونس ،بس ماوصلتش لحاجة.
ربتت على كتفه.
- متزعلش مني حبيبي، انت أغلى من نور عيني.
رفع بصره إليها ولأول مرة انهارت حصونه بالكامل أمامها وتساقطت دموعه.
فألقى نفسه بأحضانها.
- ماما أنا مش وحش زي ماكلكم مفكرين ،أنا بحاول ابعد عن وجعي بس عمري ماعملت حاجات تخليكِ تتبري مني وتقولي إني منحط.
مسدت على خصلاته وهو جالسا أمامها.
ثم سحبته وأشارت على ساقيه.
فرد جسده بجوار سيلين واضعا رأسه على ساق والدته.
- قولي مالك ياحبيبي، أول مرة أشوف كم الحزن اللي في عينك دا.
انسدلت عبراته حتى شعرت بها والدته.
- دا شكل الموضوع كبير ياراكان اللي يخلي دموعك الغالية اللي لأول مرة أشوفها وأشوف ضعفك.
ملست على خديه وابتسمت.
- لا تكون عشقان يابن زينب.
آهة خفيضة خرجت من جوفه وهو يطبق على جفنيه بألم حتى شعر بإنقباض قلبه وانسحاب روحه وهو يتذكر تشابك ايديهما.
أعتدل سريعا يجفف وجهه ،ورسم ابتسامة مزيفة أمامها.
- حب إيه يازوزو ..تعرفي عن راكان كدا برضو ،لا أنا صعبان عليا سيلين ،وجعتلي قلبي.
مدت كفيها تزيل عبراته العالقة بجفنه تحاوطه بنظراتها مشككة.
- كان نفسي تفرحني زي سليم.
تنهدت وهي تطالعه.
- مش كان الأولى انك اللي تيجي تفرحني.
دلف سليم في تلك الأثناء وتسائل.
- سيلين عاملة إيه.
نهض راكان وهو يجيبه.
- هي نايمة دلوقتي الدكتور بيقول هتفضل نايمة للصبح.
اتجه بنظره لوالدته.
- روحي نامي شوية ياماما وأنا هفضل جنبها علشان لو صحيت.
هزت رأسها بالنفي.
- لا روحو ارتاحوا انتو الاتنين وأنا هبات معاها ،مينفعش هي مهما كانت بنت وهتحتاجني أكتر منكم.
خطى راكان بعض الخطوات ولكنه تسمر عندما استمع لحديث سليم.
- ماما أنا اتكلمت مع ليلى النهاردة، وطلبت تاخد ميعاد مع باباها.
جهزي نفسك انت وراكان وبابا علشان نروح بكرة نطلبها.
إيه رأيك ياراكان بكرة قبل مابابا يسافر ألمانيا.
تجمدت الحروف على شفتيه.
فأطبق على جفنيه وحاول أن يهدأ من دقات قلبه العنيفة داخل صدره.
ابتسمت زينب تربت على كتفه.
- أسمها ليلى ياحبيبي.
أومأ برأسه ولمعت عيناه بالسعادة وتحدث.
- أيوة ياماما ..ليلى وهي ليلى فعلا ،حلوة أوي ياماما ،لما تعرفيها هتحبيها ،بس طبعا هي وراكان زي القط والفار.
اتجهت ببصرها إلى راكان الذي يكور على قبضته حتى ابيضت وهو يرى السعادة على وجهه أخيه.
- مالك ومالها ياراكان ،دا سليم بيقول فيها أشعار ،وشكل البنت محترمة وحلوة من كلامه عليها بصراحة حبيتها من كتر كلام سليم عليها.
صاعقة ضربته بقوة وهو ينظر لوالدته.
- حضرتك كنتِ عارفة بالموضوع.
ضم سليم والدته وهو يراقص حاجبيه.
- قولتلها من يومين بس.
نيران مستعيرة أشعلت صدره بالكامل وهو يستمع لحديثه عن جمالها ورقتها لوالدته.
خطى سريعا للخارج وهو يتخبط بخطواته وكأنه غريق في بحر الظلمات.
أيقظه من ظلمات قلبه صوت توفيق الصاخب لوالده.
- البنت دي لازم ترجع الشارع إللي جت منه ،ياإما كدا ،ياإما لا إنت ابني ولا أعرفك.
دلف بخطواته لغرفة المعيشة على صيحاتهم.
توقف يرمق جده بغضب.
- ومين ادالك الحق إن شاءالله، تقولنا نقعد مين في بيتنا ومين لا.
- راكان ..قالها والده بحنو حتى لا تكبر الفجوة بينهما.
تحرك الجد حتى توقف أمام راكان.
- انت إزاي تكلمني كدا.
جلس راكان وقام بإشعال تبغه ليحرقه كما يحترق صدره.
فأردف بهدوء رغم نيران جسده بالكامل.
- من الآخر ياتوفيق يابنداري ..هقولك كلمتين ومفيش بعدهم.
- اللي جوا دي اخت راكان البنداري.
وحط مليون خط تحت اخت راكان.
سمع غير كدا ،يبقى إنت اللي بدأت.
وبيقولوا إيه يابابا.
..أيوة صح ،"البادي أظلم".
وحياة الراجل اللي واقف جنبك دا اللي هو ابويا.
لو حاولت تقرب من سيلين ولا تقولها حاجة ماهرحم العيلة من أكبرها لأصغرها.
توقف يتحرك حوله وهو يشير بسبباته.
- استحملت منك الكتير.
لو حابب اعدلك تمام وقتي يسمح.
ابدأ منين ياتوفيق باشا آه.
راكان قالها والده حتى يصمت.
رفع بصره لوالده.
- بابا لو سمحت النقاش محترم ومتبادل بينا أهو مش كدا يا...اه توفيق باشا.
رمقه الجد بنظرات لو تحرق لأحرقته.
فأردف.
- اللي حايشني عنك يابن أسعد إنك حفيدي.
قهقه راكان بضحكات صاخبة وهو يشير بيده بالنفي.
- لا ياجدي الغالي.
يعني واحد موت ابنه هيصعب عليه حفيده.
نهض توفيق يصرخ بوجهه.
- اخرص ياولد مين اللي قتل ابنه دا.
نفث راكان دخان تبغه بشراسة وأجابه.
- أنت ياتوفيق باشا.
نسيت عمو محمود ،وخالتو زينا.
قوس فمه ووضع ساقا فوق الأخرى ومازال ينفث تبغه وينظر بنظرات قاتمة لجده.
- مكفكش انك طلقت ابويا وأمي وخليته يتجوز واحدة لا من دينه ولا من جنسه ،لا وبعد دمرتهم وسبت أبويا واتنقلت على ابنك الصغير.
حتى ما أدتلوش فرصة يحكي.
وياريت عقلك يهدأ بعد دا كله لا.
جاي تكمل على ابنه ومفكره هيخضع لقوانينك.
نجح في تسديد هدف قاتل لجده الذي تغيرت ملامح وجهه وشُحبت كالموتى.
نهض راكان واتجه لنافذة الغرفة وأكمل.
- موت قلبي ومسخت مني شخص بيكره الستات من كتر ماجنيت عليه في أول حبيبة.
وحتى بعد سنين لما اتجمع بواحدة عرفت تلملم وجعه جيت ودوست بكل غدر ووجعتني وموت فرحتي وقتلتها بدم بارد.
تصلب جسده وشعر بنيران تحرق دواخله.
فأستدار يرمقه بغضب وبعدما تحولت عيناه للون الأحمر.
- عروسة تتقتل في حضن جوزها يوم صباحيتها ويتعملها محضر إنها خانته وانتحرت.
قالها بصراخ وهو يركل كل مايقابله.
وأشار بسبباته مقتربا منه كالمجنون.
- إنت مستحيل تكون بني آدم.
حفيدك اللي ميشرفوش نسب عيلتك دي كبر وكبر قوي.
فلو عايز تفضل محافظ على هيبة توفيق البنداري أبعد عن غضب راكان البنداري.
قالها ثم تحرك بعض الخطوات ولكنه توقف متسائلا.
- سؤال واحد بس.
إزاي قدرت تعمل فيا كدا ،إزاي جالك قلب تتفق معهم على كسر قلبي.
استدار يناظره فتقابلت عيناه المحجرة بالدموع بنظرات جده القاسية ذو نظرة الجفاء.
ابتسم توفيق بسخرية وتحدث ماشقه لنصفين.
- أنا معملتش حاجة إنت اللي روحت لبنات لمامة وحبوا اسم راكان البنداري.
ماهم لو حبوك يابن ابني مكنوش خانوك مش كدا ولا إيه ياحضرة وكيل النيابة.
أومأ راكان رأسه وهو ينظر لوالده الذي يطالع ابنه بحزن فتحدث.
- أنت في دي صح ياتوفيق باشا.
صح جدا ،المرادي فعلا غلبتني.
تراجع إليه وتحدث.
- علشان كدا أنا بعشق أمي اللي مهما عملت فيها ماحاولتش تخون جوزها اللي هو ابويا،اللي راح اتجوز عليها وسمع كلامك للأسف انتوا متستهلوش أمي.
قالها وتحرك سريعا عندما شعر بأنقباض أنفاسه.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الثامن 8 - بقلم سيلا وليد
في غيابك ..
تفوح الأرض شوقاً لك..
وتمتلئ السماء بعبق رائحتك..
وتنهال روحي مطراً على قلبك..
وأبحث عنك في الزوايا.
أسأل الأشواق عنك..
والشوق ينقلني إليك..
أفتقدك جداً.
كأنك الشمس..
حين تغيب يعم الظلام أرجائي..
ويسكن الخوف عروقي..
ويدب السكون في قلبي..
ويشتعل في داخلي الشوق لك..
يونس البنداري
***
ظلت كما هي لبعض اللحظات..
تراجع حديثه منذ خطوبتها حتى آخر لقاء.
ضغطت على فستانها وهي تهز رأسها رافضة حديثه.
- وأنا عايزك دايماً تكرهيني، ولو جه في يوم قلبك عذرني دوسي عليه بجزمتك.
وتذكرت حديثاً آخر.
- متخلينيش أكره أخويا، بلاش تعاقبيني بالطريقة دي.
وكلمات أسما.
- تعرفي بحس إن راكان بيحبك ياليلى.
نهضت تدور حول نفسها في الغرفة، وأشتعل غضبها منه بصورة كبيرة وبدأت تهذي لنفسها.
- معقول فيه واحد بيحب واحدة، وكل شوية رايح جاي مع واحدة تانية.
تذكرت نظراته لها، أطبقت على جفنيها بقوة.
- لازم يكلمني بصراحة، ميخلنيش هتجنن كدا، ماهو لازم يتكلم مش معقول مستنيني أتكلم.
كانت تمارس أقصى درجات ضبط النفس حتى ترحم عقلها من تلك الحرب التي أحست بسببها بصداع يفتك رأسها.
جلست تمسح على وجهها وتحاول أخذ أنفاسها بهدوء.
- ليلى لازم تفوقي قبل ما تقعي ومتعرفيش تطلعي تاني، أنا حقيقي مش هستحمل أكون مع أخوه وهو قدامي.
ظلت تتنهد تنهيدات منحسرة تخرج مع الهواء.
وكلما تذكرت اعتراف سليم بحبها تكاد تجن.
تذكرت حينما كانت تعتلي الحصان وحاوطها بذراعيه.
وحديثه.
- طيب لو وقعتي دا مش هقدر أستحمله.
أحاديث كثيرة ونظرات أكثر بدأت تضرب عقلها بقوة.
صاحت لنفسها بغضب.
- لازم تتكلم ياراكان، لازم تقولي ليه كنت قريب مني وفجأة بعدت كدا.
تحركت للخارج وعزمت أمرها أنها ستنهي خطبتها من سليم، ولكن عليها استماعه حتى لو كلفها الأمر.
خرجت تسأل عنه السكرتيرة.
- الأستاذ راكان خرج من الشركة.
هزت رأسها بالنفي وتحدثت.
- فيه واحدة جاتله وسألت عليه وهو راح معاها غرفة الاجتماعات.
قالتها منى السكرتيرة.
خطت بأقدام سريعة وهي عازمة إنها لم تتركه حتى تعلم ما به.
قبل قليل خرج من غرفة مكتبه بغضب جحيمي بعد حديثه معها، ولكنه اصطدم بأحدهما.
جحظت عيناه فهمس.
- "حلا".
طالعته بإشتياق.
واقتربت تلقي نفسها بين ذراعيه.
- وحشتني أوي حبيبي.
أخرجها بعنف ودلف بها لغرفة الاجتماع يدفعها بقوة.
- بلاش شغل الراقاصين دا، إيه اللي فكرك بيا بعد السنين دي.
دنت منه تطوق عنقه.
- دي مقابلتك لحبيبتك بعد السنين دي كله.
دفعها بقوة بعيدا عنه.
- إياكِ تلمسيني تاني ياحقيرة.
ثم تهكم ونظرات نارية يود لو يحرقها بها فتحدث.
- حبيب مين يا أستاذة حلا؟
دنت منه وهي تتلاعب بقميصه، تستخدم أسلوب أنثوي ماكر كعادتها.
- إيه ياراكي نسيت أول حب وأول دقة قلب.
أحس بارتفاع دمه من تلك الشمطاء، لم ينقصه سوى رؤيتها.
مسح على وجهه بعنف كاد أن يقتلع جلده، ثم زفر بغضب واتجه إلى المقعد وجلس.
ف قام بإشعال تبغه.
ينفثه ويحرقه كما يحترق صدره من تلك الرقطاء.
صمت وهو ينظر إليها بخبث فأردف.
- قصدك أيام ما كنت أهبل ومفكرك بني آدمة، ولا يوم ما فكرتك محترمة وتستاهلي واحد زي راكان اللي بعتيه بشوية فلوس.
سحب نفساً طويلاً من تبغه ومازال يطالعها ثم نفثه بهدوء وتهكم ساخراً بحركة من شفتيه.
تمنى لو يطبق على عنقها ويلقيها صريعة.
تحير عقلها فيما ستفعله معه، ولكنها لم تيأس.
فدنت تطبع قبلة سطحية على خديه.
دفعها حتى ارتطمت جسدها بحافة مكتبه ثم رمقها بنظرات نارية.
- شكلك عايزة أد ف نك مكانك، قلتلك بلاش شغل الرقاصين دا.
تصنعت البكاء أمامه.
- ياااه ياراكان دا قلبك أسود ولسة شايل، مع إني حاولت كتير معاك، وأنت زي ما أنت كأني قتلت لك قتيل.
زفر باختناق من سماع صوتها تمنى لو أصاب بالصمم حتى لا يسمع صوتها البغيض.
فاعتدل متكئاً على مقعده وهو يطالعها بنظرات ثاقبة.
- بت هاتي من الأخر، أصل ورحمة أمي أدفنك مكانك.
إيه اللي فكرك بيا وليه بتحسسيني إني ببكي على أطلالك.
- سليم اللي اتصل بيا وخلاني أجي.
توقف بجسد متصنم يعيد كلماتها بذهنه، يحدث حاله.
- ليه سليم يبعتها وهو عارف إنها أكبر قلم في حياته، لا أكيد فيه حاجة.
أستغلت شروده وأقتربت تطبع قبلة على شفتيه، حتى تعيده بطرقها التي كانت تستخدمها معه قديماً.
بدأت تحادثه من بين قبلاتها عله يلين وترجع عشقه المدفون كما ظن لها.
- نسيت حلا حبيبتك ياراكي.
نسيت أجمل أيام.
في تلك الأثناء فُتح الباب ودلفت ليلى وهي تتحدث.
- راكان ممكن.
ولكن تجمدت الحروف وتوقف دوران الأرض حولها وهي تشعر بتمزق كل أعضائها حينما وجدت إحداهن تقبله وهو يناظرها بهيام.
رفع بصره للتي اقتحمت المكان وكأنها صاعقة ضربته بقوة.
أظلمت عيناه وارتسم بها نظرة قاسية، فأرادت الهرب من نيران نظراته، ومن قلبها المتألم الذي جعلها على حافة الهاوية مما رأته.
نعم سمعت الكثير عن نزواته، ولكن أن ترى أقسى بمراحل من أن تسمع.
نصب عوده وأزاح حلا من طريقه وهو يتوجه إليها متسائلاً.
- عارف إنك خطيبة سليم، لكن دا ميدلكيش الحق تدخلي كدا بدون استئذان.
كانت تنظر إلى الفراغ بعينان تقطران ألماً وملامح يكسوها الحزن والألم في آن واحد.
خطى حتى وصل أمامها وأمال بجسده يطالعها مستهزئاً.
- إيه القطة أكلت لسانك.
رفعت نظرها إليه فابتسم وهو يتراجع للخلف.
- أنتِ هنا شغالة زيك زي أي حد وميديكيش الحق أنك تدخلي مكان وخصوصاً أكون فيه من غير إذن.
لم تحيد ببصرها عنه تستمع إليه بملامح جامدة لا تعكس ما يدور في نفسها من ألم حاد مما رأته منذ لحظات وحديثه الذي شطر قلبها.
اقتربت حلا منها وهي تطالعها بتقييم.
- مين دي ياراكي، لا متقولش دي خطيبة سليم.
عقدت حلا ذراعيه أمام صدرها واستدارت إلى راكان.
- بس حلوة، فعلاً سليم عرف يختار.
استدارت ليلى لتتحرك ولكنها تسمرت بمكانها عندما صاح.
- آستني عندك.
كورت كفيها وهي مازالت تواليه ظهرها.
- هتمشي من غير ما تتأسفي على دخولك المكان من غير إذن.
استدارت ببطء وهي تحرقه بنظراتها ثم تحدثت بألم يعتصر ما تبقي من روحها.
- آسفة ياحضرة المستشار.
ثم اتجهت لحلا.
- آسفة يا معرفش اسمك إيه.
منع ابتسامة كانت تشق ثغره من الغيرة التي رآها بعينيها.
حمحم ونظر إليها.
- كنتِ عايزة إيه؟ إيه اللي حصل يخليكي تدخلي بالطريقة دي.
ابتلعت ريقها بصعوبة وتحدثت.
- كنت جاية أسأل على سليم.
قالتها ثم تحركت سريعاً دون حديث آخر.
تصلبت أنظاره للمكان الذي خرجت منه بعد إلقاء كلماتها ونظراتها التي شعر بها كالماء الساخن الذي يحرق جسده.
أخرجته من حالته تلك التي اتجهت تجلس أمامه وتحتوي كفيه بين راحتيها.
- راكان وحشتني، لا لازم نتكلم، أنا جايه أتأسفلك على كل اللي حصل.
انسدلت دموعها.
- معرفتش قيمتك غير لما بعدت عنك.
اعتدل بجلسته يميل بجسده مستنداً على مرفقيه للأمام.
يطالعها بنظراته المستهزئة.
- اسمك إيه قولتيلي.
هز رأسه وأكمل حديثه بإهانة.
- أي إن كان اسمك إيه ميهمنيش.
جيتِ المكان الغلط للإنسان الغلط.
توقفت غاضبة وصاحت.
- إيه ياراكان مابراحة اللي يشوفك كدا مايقولش كنت هتموت عليا زمان.
- أطلعي برة.
قالها بهدوء رغم ما يشعر به.
دنت منه وتحدثت.
- مش هخرج غير لما تسمعني.
احتدت نظراته وتحولت عيناه للون الأحمر ثم توقف يجذبها من رسغها ويدفعها بقوة خارج المكتب.
- برررررة.
قالها بصراخ وأشار بسباباته.
- لو جيتي هنا تاني أقسم بربي لأسجنك ودلوقتي لو خايفة على نفسك أمشي من قدامي.
***
عند ليلى تحركت بوهن كأنها تسير بأقدام عارية على نيران تلتهم قدميها دون رحمة.
ولكنها تسمرت بمكانها عندما وجدت نجوى وهي تضم نورسين والسعادة تتجلى على وجوههما.
- لا طلعتي مش قليلة يانون، أرفع لك القبعة بجد يا أذكى مهندسة.
توقفت ليلى وكأن الأرض تسحب من تحت قدميها حينما وجدت نور تضع يديها على أحشائها.
- فرحانة أوي يانجوى، لازم أروح له وأخبره.
أمسكت كف نجوى وهي تتسائل.
- تفتكري راكان هيفرح لما يعرف هيجيله ولد، بجد أنا الفرحة مش سيعاني، لما الموضوع يخص راكان نفسه بكون أسعد واحدة في الكون.
وضعت كفيها مرة أخرى وتحدثت كأنها بتكلم جنينها.
- عارف بابي هيفرح أوي عشان آخر مرة قالي نفسي في بيبي.
تجمدت ليلى بمكانها وحاولت تتحرك ولكن كأن قدميها شلت.
ظلت لحظات تحاول أن تتنفس عندما أحست بانسحاب الهواء من المكان بالكامل.
خطوات ضعيفة واهمة بجسد مأنون بجميع خلاياها إلى أن وصلت مكتبها.
جلست بجسد مرتعش وقلب يئن وجعاً حتى شعرت بألم ينخر عظامها.
انسدلت دموعها كالشلال.
شهقات مرتفعة خرجت من فمها وهي تضع يديها تكتمها.
- شوف ياقلبي وصلتنا لفين.
شوف وحس بالوجع عشان متديش نفسك أعذار له.
دلف سليم بتلك الأثناء تسّمر بوقوفه من حالتها التي ظهرت عليها لحظات فقط ثم أسرع إليه وجثى على ركبتيه أمامها.
- ليلى حبيبتي مالك، وليه الدموع دي.
شهقت شهقات مرتفعة عندما لم تعد تسيطر على آلامها.
ضم وجهها يزيل عبراتها بأنامله.
- حبيبتي إهدي مالك إيه اللي حصل.
لأول مرة تشعر بالضعف، لأول مرة تحتاج لمن ترمي عليه آلامها دون عتاب، ولكن لمن تخبر بما يعتليه صدرها من آلام قلبها.
أطبقت على جفنيها تحاول السيطرة على بكائها.
فتحدثت من بين شهقاتها.
- سليم عايزة أروح، ممكن تروحني.
أمسكت كفيه ونظرته بدموعها الحارقة لوجنتيها وتحدثت بصوت باكي.
- سليم أنا بموت روحني لو سمحت.
أومأ رأسه سريعاً وهو يجذبها من ذراعيها.
حاولت أن تسير بجواره ولكنها لم تقو، اختل توازنها وكادت أن تسقط لولا ذراعيه التي حاوطها بها.
ضمه من خصرها متجها للخارج.
عند راكان شعر بتأنيب الضمير عندما تذكر نظرة الألم في عينيها، ولكن لماذا تفعل بهما ذلك.
توقف يدور حول نفسه بالغرفة كأسد جائع، ثم تحرك للخارج ينوي المغادرة من ذلك المكان الذي أصبح يطبق على عنقه.
سارت ليلى بجوار سليم بجسد مؤلم مرهق لا تشعر بما يدور حولها، ثقلت رأسها ولم تشعر إلا وهي تضعها على كتف سليم الذي يحاوطها بتملك.
رآهما من بعيد، يد سليم التي تضم خصرها ورأسها التي وجدها بأحضان.
لم يكن يعلم أن رؤيتهما بتلك الحالة حقيقة موجعة.
تنفس بتثاقل وكأن جمراً يطبق على صدره.
ظل يراقب تحركهما بقلب يقتلع بأنين من ضلوعه.
حاول أن يتحرك خلفهما وكأنه لم يراهما.
ظل يسير بخطوات ظاهرياً ثابتة ولكنها ضعيفة هشة لمن يقترب منه.
وصل إليهما ولم يفصل بينهما سوى خطوة عند دلوفهما للمصعد.
أمسك هاتفه الذي أعلن رنينه وأجاب.
- أيوه ياحمزة، لا هسافر على طيارة بكرة بالليل.
نظر لساعة يديه وأجابه.
- تمام نص ساعة وأعدي عليك قبل الجلسة.
ولكنه تسمر بمكانه ودقات عنيفة عندما استمع لصيحات سليم بأسمها حين هوت من بين يديه كورقة شجر بالخريف.
أغلق الهاتف سريعاً واتجه إليهما والخوف يتفشى بأوردته حينما وجدها بتلك الحالة، هو لم يعلم بتعبها، تخيل ضمها له كضمة حبيب.
جثى سليم يرفع رأسها ويضرب بخفة على وجهه.
- ليلى حبيبتي فوقي إيه اللي حصل.
جلس راكان بمقابلته ودقاته العنيفة بصدره كحلبة مصارعة، رفع بصره إلى سليم وسأله بصوتاً متقطع.
- إيه اللي حصل مالها.
قالها بلهفة محب وهو يفترسها بنظراته يود لو يحملها ويضمها لصدره.
قام سليم برفعها بين ذراعيه وتحدث.
- شغل الاسانسير هوديها للدكتور، دي مابتفوقش أبدا.
قالها وهو يضمها لأحضانه ويطالعها بخوف.
أشار راكان إليه بيده.
- إهدى هناخدها.
قالها وهو يضغط على زر المصعد الذي هبط للأسفل.
فتح باب المصعد سريعاً.
والتقطها من يدي سليم الذي شحب وجهه كالموتى.
وصرخ بإسمه.
- سليم فوق ممكن يكون أرق مفهاش حاجة.
هات العربية بسرعة.
قالها بصوتا مرتفع حتى يفيقه من حالة اللاوعي الذي أصبح عليها.
تحرك أمامه سريعاً متجها لسيارته.
أما الذي وقف يطالعها بنظراته ويهمس بأسمها وقلبه ينزف من الألم من حالتها.
- ليلى فوقي.
أنا آسف مكنش قصدي.
وصل سليم بالسيارة وترجل سريعا للخلف يضمها بين ذراعيه.
واتجه راكان لمحل القيادة.
وصل المشفى خلال دقائق.
ترجلا سريعا مطالبين بالفراش النقال.
وضعها سليم بحذر كأم تخشى أن يصيب وليدها بأذى.
أمسك كفيها الذي أصبح بارداً وضمه بين راحتيه وهو يتحدث إليها.
- ليلى حبيبتي..افتحي عيونك طمنيني عليك.
قالها وهو يسرع بجوار الفراش الذي أدخلوه المسعفين لغرفة الكشف.
***
في مزرعة يحيى الكومي.
كانت تقوم بقص بعض الشجيرات أمام الملحق الذي تستقر به وتستمع لغناء كوكب الشرق "بعيد عنك حياتي عذاب".
وصل إليها يحيى والد نوح وتحدث.
- صباح الخير يا أسما.
وضعت المقص التي تقص به وأستدارت ترسم ابتسامة على شفتيها.
- صباح الخير يادكتور.
عقد كفيه خلف ظهره وهو يتجه يجلس أمامها.
- حبيت أشكرك يابنتي.
أنا سمعتك وإنتِ بتتكلمي مع نوح وتقنعيه إنه يخطب.
صمتت برهة تحاول جمع شتات نفسها، ثم اتجهت تجلس بمقابلته.
- حضرتك أنا معملتش حاجة، أد تله نصيحة مش أكتر وهو واعي ما فيه الكفاية أنه يقدر يرسم حياته.
أومأ برأسه وابتسم لها ثم أخرج من جيبه ورقة وأعطاها لها.
- دا شيك وقبل ما تتكلمي مش تمن للي عملتيه لا دا تقديراً للي عملتيه الفترة الأخيرة في المزرعة، وأنا لسة عند وعدي لكِ، والدك مستحيل يقرب منك، وعلى ما أعتقد دا شوفتيه خلال الفترة اللي فاتت.
أخذت نفساً وطردته بهدوء ثم رفعت بصرها وهي تمد يدها بالشيك.
- "آسفة" مش هقدر أخده، حضرتك بتديني مرتب كويس، الشيك دا مش من حقي، وحقيقي أنا متشكرة لمساعدتك ليا يادكتور.
وصل نوح إليهما، وزع نظراته بينهما ينظر للشيك الذي بيدي أسما.
- فيه حاجة يابابا.
تسائل بها نوح.
توقف يحيى وهو يضع الشيك أمام أسما على الطاولة، اتجه إلى ولده.
- لا، كنت بطلب من الباشمهندسة حاجة.
ربت على كتفه وينظر لهيئته المنمقة ثم تحدث.
- إنت خارج ولا إيه.
مش النهاردة أجازة.
- أيوه خارج مع رغدة هنقضي اليوم مع بعض برة.
حضرتك عارف سفر لميا لخبط الدنيا وكان المفروض نخرج بعد الخطوبة لكن ظروفي مسمحتش.
قالها وهو يطالع أسما بهدوء.
بللت حلقها مستجمعة قوتها ثم استدارت.
- خطيبتك حلوة يادكتور ياريت تحافظ عليها مش تبقى زي غيرها.
وافقها يحيى الرأي فتحدث.
- عشان كدا بقول مفيش داعي نأجل الفرح يانوح.
يعني شهر وكل حاجة تتم.
أنزلت بصرها للأسفل عندما ترقرق الدمع بعينيها.
حاولت تقاوم نيران قلبها الملتهبة عاجزة عن ارتجافة جسدها عندما اقترب نوح ووقف بجوارها ورائحته التي تسربت لخلايا جسدها.
تحرك يحيى عندما قاطعهم رنين هاتفه.
جلس على المقعد يطالعها بنظرات ثاقبة.
- رغدة حلوة مش كدا.
ولكن نهضت سريعاً.
- دكتور يحيى نسيت حاجة معايا.
ثم اتجهت سريعاً وجلست بمقابلته تعقد ذراعيها أمام صدرها.
- كنت بتسألني على رغدة.
ابتسمت تنظر إليه ثم دنت وأجابته.
- حلوة وجميلة يانوح وربنا يسعدك معاها.
جذب ذراعها يجز على أسنانه.
- لحد أمتى هتقهريني كدا، لحد أمتى هدوسي عليا يا أسما.
كانت تقاومه بشدة فرفعت بصرها ونظرت داخل مقلتيه.
- نوح أحنا مننفعش لبعض، ينفع السلطان يتجوز جاريته.
صاعقة ضربته بقوة ورغم عنه هز رأسه بالنفي من حديثها.
- أكيد مجنونة يا أسما، مستحيل تكوني أسما اللي حبيتها.
احتضن كفيها بين راحتيه.
- أسما أنا بحبك، ومش شايف نفسي مع غيرك.
أسما احكيلي إيه اللي حصل وغيرك كدا.
مس كيانها بكلماته ورغم ذلك سحبت كفيها وتوقفت تواليه ظهرها.
- هتتأخر على خطيبتك يادكتور.
تجمد جسده وهو ينظر لظهرها لقد أحرقته بكلماتها.
اشتعل الغضب بداخله فاقترب يجذبها بعنف.
- وحياة حبي ليكِ يا أسما لأوجع قلبك ووعد مني قبل نهاية الشهر لأكون متجوز وأكون ملك ليها وحدها.
***
بقصر أسعد البنداري.
دلف زينب تحمل طعامها وابتسامة تتجلى على ملامح وجهها.
وضعت الطعام على طاولة بجوار فراشها واتجهت تمسد على خصلاتها الشقراء المموجة.
- حبيبتي قومي ياله علشان تاكلي وتاخدي دواكي.
فتحت جفونها بتثاقل وتحدثت بصوتا مفعم بالنوم.
- ماما ماليش نفس، عايزة أنام لو سمحتِ.
جذبت زينب الغطاء وصاحت بصوتا مرتفع.
- لا هتقومي وتاكلي وتاخدي دواكي.
سحبت نفساً وحاولت تهدئة نفسها فجلست بجوارها.
- أنا زعلانة منك ومش زعلانة بس لا إنتِ صدمتيني فيكِ.
كنت مفكرة خروجك مع يونس ماهو إلا ابن عمك، لكن توصل لعلاقة بينكم ومعرفش مدى العلاقة دي، فكذا خيبتي ظني فيكي للأسف ياسيلين.
أحرقتها كلمات والدتها.
فنظرت للأسفل وترقرق الدمع بعينيها.
- آسفة ياماما.
عارفة أنا زعلتك إنت وراكان.
رفعت نظرها وانسدلت عبراتها.
- أنا حبيته ياماما.
كنت مفكرة هيصون قلبي لكن للأسف مع أول عاصفة لعلاقتنا، أصبحت كسراب.
احتوت كف والدتها وقبلته.
- وعد مني ياماما مستحيل أدخل في علاقة غير مشروعة مع حد تاني، ودا وعد من سيلين البنداري.
جذبتها زينب لأحضانها وطبعت قبلة فوق خصلاتها وأردفت بحنو.
- وأنا واثقة فيكِ ياحبيبة ماما، ياله قومي افطري عشان ننزل الحديقة تحت الجو حلو والشمس جميلة تاخدي منها فيتامين دال بدل الفيتامينات اللي عمال تبلبعيها دي.
بعد فترة استندت على والدتها كالتي تتعلم السير وتحركت للأسفل.
جلستا أمام المسبح ويتحاكون لفترة ثم أمسكت زينب مصحفها لتقرأ وردها.
أما سيلين كانت تتصفح هاتفها.
توجهت عايدة إليهما ونظرت بخبث إلى سيلين.
- ألف سلامة عليكِ ياسيلي، آسفة جت متأخر إنتِ عارفة مشغولة بتحضير الحفلة، بكرة إن شاء الله كتب كتاب سارة ويونس.
ابتسمت سيلين وحدثتها.
- ولا يهمك ياأنطي، وألف مبروك لسارة، ربنا يسعدها.
جلست بجوار زينب التي كانت أغلقت مصحفها وطالعت عايدة.
- طيب ياحبيبتي مش عايزين نشغلك، أكيد مشغولة عشان الحفلة، وشكراً لتعبك وجيتك لسيلين.
ربتت على ساقيها وتحدثت بمغذى.
- من رأيي تعملوا فرح متعرفيش بكرة في إيه.
الله يكون في عون سارة هتفضل عايشة حياتها كلها على مهب الريح.
جحظت أعين عايدة فرمقتها بنظرة غاضبة وتحدثت.
- تقصدي إيه يازينب.
تدراكت زينب توترها فقالت بثقة.
- أنا قصدي ارتباطها بيونس، أصل اللي زي يونس دا علاقاته هوائية، شوفتي راكان ابني كدا أهم فولة واتقسمت نصين، بس الفرق بينهم أن راكان مبيتلاعبش ببنات الناس، حتى وقف راجل قدام جده ومفيش حاجة هزته وقاله لا.
أنا يوم ما أحس أني قد العلاقة، أنا اللي أختار شريكة حياتي.
قوست فمها وضربت كفيها ببعضهما.
- مع إني متأكدة مفيش ست هتهزه، أصل اللي زيه صعب يلاقي بنت تقدر على قلبه وتخليه يرضخ لها.
كانت عايدة تستمع إليها وكل إنش بجسدها يشتعل بنيران تكويه بالكامل.
ظلت تنظر إليها ببغض شديد وقطعت صمتها.
- يونس مش زي راكان، لحاجة بسيطة بس، أن يونس مفيش واحدة خانته وسابته يوم فرحه.
قالتها بنبرة شيطانية.
ابتسمت زينب وهزت رأسها بالموافقة.
- عندك حق فعلاً آه راكان عنده عذره إنه يكون هلاس كدا، لكن يونس ماتخنش ياترى بيعمل كدا ليه.
أيكونش طبع الخيانة في دمه، ومبحبش يستقر على واحدة.
هبت عايدة واقفة وصاحت بغضب.
- أنا عارفة أنك بتقولي كدا من حرقتك عشان ساب بنتك وراح للملكة، مش كدا.
قالتها وهي تنظر إلى سيلين بتفشي.
رسمت سيلين ابتسامة على وجهها رغم احتراق صدرها وأجابتها.
- غلطانة يا أنطي عايدة، أنا والدكتور يونس مفيش بينا غير علاقة قرابة فقط.
ولو عليه هو هيموت وأوافق نرتبط، لكن أنا رفضته، لأنه غير أمين عارفة ليه غير أمين يا أنطي.
ابتسمت بسخرية وأكملت.
- يوم خطوبته ساب سارة وجه يعترفلي بمشاعري، ولو مش مصدقة إسأليه أهو وراكي.
قالتها سيلين وهي تنظر لمقلتيه بغرور أنثى حاول أحدهما تحطيمها.
استدارت عايدة ترمقه ولكمته بصدره.
- صحيح اللي سيلين بتقوله دا يايونس.
تحرك يونس متجاهلاً صيحات عايدة وامال بجسده يضع ذراعيه على المنضدة أمامها.
- عاملة إيه النهاردة.
حركتي رجليك، بقيتي كويسة.
كان يطالعها بنظرات مشتاقة ود لو يضمها لأحضانه.
- يووووونس.
صاحت بها عايدة.
لم يعريها اهتماماً وظل يطالع سيلين.
لكزته زينب.
- رد على أم خطيبتك يادكتور.
ثم نهضت وهي تحاوط سيلين بيديها حتى يدلفوا للداخل.
- ياله حبيبتي الجو غيم، وشكله هيمطر.
توقفت عايدة وهي توزع النظرات بينهم.
- مش لما يونس يكذب بنتك يازينب.
ضيق يونس عيناه وجذب سيلين يحاوطها مردفاً.
- إسندي عليا حبيبي.
دفعته بكل شراسة وصاحت بغضب.
- إياك تلمسني، ابعد عني مش طايقة ريحتك.
جاهد نفسه حتى لا يصفعها على شفتيها وجذبها لأحضانه ليذيقها من عشقه ما ألذ لها.
أطبق على جفنيه وسحب نفساً طويلاً وهو يحدث نفسه.
- الحمقاء عديمة الشعور تعلم جيداً أن القتل في قانون عشقها مباح ولا يجوز الابتعاد عنه حتى لو كلفه الأمر حياته.
جذبته من كتفه عايدة.
- سيلين بتقول إنك سبت خطيبتك يوم خطوبتكم وجيت تعترفلي بحبك.
وضع يديه بجيب بنطاله وهو ينظر لزينب وتحدث بثقة.
- وهي قالت حاجة مش معروفة، طيب ماانتوا كلكم عارفين، ليه بتحسسيني انك متفاجأة.
دنى وهمس لها.
- بحبها يا طنط عايدة وخطبت بنتك عشان أرتاح من الزن مش أكتر.
جحظت عايدة من حماقته.
ابتسمت زينب بتشفي ثم تحدثت.
- وحبك مرفوض يادكتور.
قالتها ثم تحركت ولم تتحدث تحاوط ابنتها حتى لا تضعف من كلماته.
أمال بجسده وهمس بجوار أذن سيلين.
- لو كان حبي لكِ بالكلمات لجف اللسان عن التعبير.
ولكن حبي لك بالوريد والشريان.
أحبك بل أعشقكِ يامن تربعتي على عرش قلبي.
إياكِ تنسي حبي ليكِ ياسلي.
وحد يقربلك وحياتك عندي أموتك وأموته واموت نفسي.
مسمعتيش عن ومن الحب ما قتل.
أهو دا حب يونس ولازم تتقبليه.
اقتربت زينب حتى تسمع ما يقوله ولكنه رفع رأسه وتحدث بمغذى.
- هنقعد مع بعض يا طنط زينب ونفتح دفاترنا.
رمقته زينب ثم أجابته.
- الدفاتر تتفتح للي يصون العهد يادكتور.
وصل توفيق إليهم وهو يرمقهم بنظرات تفحصية فأردف متسائلاً.
- بتعمل إيه يايونس هنا، مش وراك عيادة، خلص اللي وراك عشان حفلة كتب الكتاب بكرة.
تحرك يونس ولم يجيبه، فاستدار إلى زينب.
- جهزي اوضتي هاجي أبات عندكم كام يوم.
وانتِ ياعايدة، خلي جلال ينزل خبر كتب كتاب يونس على بنت عمه في المواقع كلها.
تحركت زينب وهي تجذب ابنتها التي شعرت بآلامها دون أن تجادل أحدهما.
أما عايدة التي وقفت تتآكل من الغيظ من كلمات يونس.
فجلست بجوار توفيق وبخت سُمها.
- شوفت ياعمي جيت لقيت زينب بتوز يونس انه ما يكتبش على سارة، عشان بنتها.
تهكم بسخرية أجابها.
- متخافيش مش بعد اللي عملته دا كله تقدر توقف قدام توفيق البنداري، ولو نسيته أفكرها بيه، أنا اللي مصبرني عليها.
أخد اللي عايزه من ابن الألمانية مش أكتر.
كحية رقطاء دنت منه وأكملت.
- اللي يوجعها قوي ياعمي أن راكان يكرهها، دا هتكون خبطة بموتة.
أومأ برأسه مردفاً.
- مش دلوقتي، الأول أفوق سليم من البنت اللي عايز يبتلينا بيها، وبعد كدا أفوق لراكان.
فيه فكرة جت في بالي لو اتعملت صح هخلي زينب تموت بحصرتها وتعرف إنها جنت على حياتها.
نظرت بشرود ثم أعادت تضغط عليه حتى تعلم ما يخطط له فتحدثت.
- وياترى هتخبي على عايدة ياعمي، مش ناوي تعرفني إيه اللي حضرتك بتعمله.
سكن لثواني يطالعها ثم تسائل.
- فريال فين مش ظاهرة بقالها يومين، هنحتاجها هي كمان.
ضيقت عيناها والحيرة تضارب بأفكارها فتسائلت.
- حضرتك ناوي على إيه.
أطلق ضحكات صاخبة وضرب عصاه بالأرض ونهض.
- ناوي ألزم كل واحد عند حده، عشان أعرف اللي يوقف قدام توفيق البنداري يحصله إيه.
قالها ثم تحرك.
في المشفى عند ليلى.
دلف سليم إلى غرفة الطبيب الذي قام بالكشف على ليلى.
أما راكان الذي توقف بالخارج يبكي مأساته بقلب مفطور ملئ بالثقوب وهاوية الحب الذي أوقعته بغيبات الجب.
مسح على وجهه وهو يحدث حاله.
- كدا كتير عليك، لا لازم تعمل حاجة تخرجك من وجع القلب دا، سليم مايستحقش منك الخيانة.
فوق انت عمرك ما كنت ضعيف بالشكل.
قاطعه رنين هاتفه.
- أيوه يانوح.
تحدث نوح بصوتا مختنق.
- فينك روحت النيابة مش موجود، وروحت الشركة مش موجود.
إيه اللي ناوي تعمله دا، صحيح زي ما سمعت من حمزة ناوي تهاجر.
تحرك عدة خطوات.
وآهة خفيضة تحررت من بين شفتيه، ثم سحب نفساً طويلاً وطرده مرة واحدة.
- نوح متزدهاش عليا لو سمحت، دا أحسن حل وقبل كل حاجة أنا مبهربش.
أنا بحاول أعمل الصح.
تنهد نوح بمرار.
يبدو أن الزمن يعاندهما فكلما شفي من جروح الماضي يأتيه صفعة خذلان قوية من الحاضر.
حاول أن يتحدث ليقنعه.
- راكان أنت فين لازم نتكلم.
نظر حوله بتيه وكأنه طفلاً فقد والديه وتحدث بصوتا حزين.
كاد أن يخرجه من بين شفتيه.
- أنا في المستشفى جاي مع أخويا ليكشف على حبيبتي.
شوفت قهر أكتر من كدا.
قالها وهو يشعر بأنياب حادة تنهش بقلبه بنيران مشتعلة.
انكمشت ملامح نوح وتسائل.
- تقصد إيه ياراكان.
ابتسم راكان بسخرية على القدر.
- ليلى تعبت واغمى عليها وجبناها وسليم جوا مع الدكتور.
لقد فاق الألم حد الجحيم، فزفر هوائه المحمل بنيران الألم وأكمل.
- ماهو لازم أفوق من هبلي دا يانوح ودا مش هيحصل غير لما أبعد شوية وأعرف أنا عايز إيه.
- تمام ياراكان، فكر كويس وأنا معاك في أي قرار ولو حابب اكلم ليلى، اكلمها.
- "لا".
أجابه بها راكان سريعاً.
الموضوع مش مستاهل.
الغلط عندي أنا وأنا اللي لازم أعالجه.
قاطعهما خروج الطبيب مع سليم.
أغلق راكان الهاتف واتجه إليهما.
توقف بجوار سليم منتظراً حديث الطبيب.
- هي كويسة، ممكن تكون اتعرضت لأزمة نفسية ه اللي وصلتها لكدا.
هي هتفوق بعد شوية.
سلامتها.
قالها الطبيب وتحرك.
ربت راكان على كتف أخيه وهو مكبل الأيدي مصفد المشاعر حينما وجد حالة أخيه المزرية.
- متخافش حبيبي ان شاء الله هتكون كويسة.
رفع رأسه لأخيه وأغروقت عيناه بالدموع فتحدث.
- أول مرة أحس إني ضايع ومش عارف أعمل إيه.
أنا بحبها قوي ياراكان، قلبي وجعني عليها شعورك بالعجز دا صعب.
أحس ببرودة جسده وتصلبه فحاول أن يهدأ من ارتعاشته فقام بضمه راكان لأحضانه وبدأ يربت على ظهره.
- ان شاء الله هتكون كويسة حبيبي، بلاش تضعف كدا قدامها.
الضعف بيكسرنا ياسليم، خليك دايما قوي، عشان لما إحنا بنضعف مش بنلاقي اللي قوينا.
أخذ يحاوره بعينيه وهو قليلة الحيلة لا يعرف ماذا يفعل.
أرجع خصلاته للخلف وهو يهز رأسه.
- "آسف".
لخبط مواعيدك، روح شوف شغلك، وأنا هفضل لحد ما أتفوق وأروحها.
أومأ برأسه وهو يتحرك كإنسان آلي لا يشعر بشيئا.
وصل إلى سيارته واستقلها وهو يتحدث بهاتفه لأحد السائقين لديهم.
- هات عربية الباشمهندس سليم على مستشفى ( ).
ثم أغلق الهاتف وهو يغمض عيناه بارتجافة قلبه.
وصرخة من أعمق نقطة بقلبه هزته وجعلته يأن حتى شعر بانسحاب روحه.
ركن السيارة بجانب الطريق توقف وهو يرجع خصلاته يكاد أن يقتلعها من جذورها.
أخذ يتنفس الصعداء حتى ارتخت ملامحه وهي يعقد العزم أنه يقتلعها كمرض خبيث قبل أن يتشبع بخلاياه.
بغرفة ليلى فتحت جفونها وهي تنظر حولها علها تعرف أين هي، تذكرت ما أصابها، وما استمعت إليه ورأته.
ارتجف جسدها فانفجرت باكية مرة أخرى.
دلف سليم بتلك الأثناء.
اتجه سريعاً إليها.
- حبيبتي فوقتي حمدلله على سلامتك.
طالعته بعينيها الباكية.
- إيه اللي حصل وليه جبتني المستشفى.
جلس بجوارها على المقعد واحتض كفيها.
إيه الدموع دي؟ مالك ياليلى.
ضم كفيها باحتواء لقلبه ثم رفعه وطبع قبلة به.
رعشة أصابت جسدها من ملامسة شفتيه لكفها، ونظر إليها بعينيه العاشقة.
- كدا تخوفيني عليكي.
كنت هموت من الرعب.
بلعت ريقها بصعوبة.
وهي تسحب كفيها منه.
- أنا مش فاكرة حاجة.
دنى يهمس أمام وجهها وغمز إليها.
- أحسن ما في الموضوع إنك وقعتي في حضني، لولا كدا كنت زماني مت.
- بعد الشر عليك ياسليم.
قالتها بشفتين مرتجفتين.
- بجد ياليلى يعني لو حصلي حاجة هتزعلي عليا.
ترقرق الدمع بعينيها وهي تطالعه.
نعم هو لا يستحق ما تشعر به، هو ليس المذنب، قلبها الضعيف هو الذي سحقها وأجبرها على المتاهة.
كيف أن تحب رجل ليس لديه قلبا، رجلا لا يمس للرجولة بشيئا وتترك ذاك الملاك.
ربتت على كفيه.
- طبعاً ياسليم، مقدرش أستحمل يحصلك حاجة، وبعدين متنساش هتكون جوزي.
نصب قامته وتوقف يحاصرها بين ذراعيه وينظر لمقلتيها والسعادة تسيطر عليه ثم تحدث.
- طيب المفروض تعوضي جوزك على اللي حصله النهاردة وتوافقي نكتب كتابنا آخر الشهر.
رسمت ابتسامة وهي تدفع ذراعيه بوهن.
- طيب ابعد كدا ياسي جوزي انت.
على رغم قالتها بمزاح إلا أنها أشعرته بسعادة تمكنت بخلاياه.
تحرك للخلف بعض الخطوات وتحدث.
- هشوف الدكتور، عشان نروح.
إيه هنروح ولا نبات هنا.
غمز بطرف عينيه وأردف.
- لو عليا أتمنى نبات هنا، أنا أطول أقعد جنب قمري.
بس عايز حجة قوية للأستاذ عاصم.
ضحكة أفلتتها من بين شفتيها.
مما جعل الدموية تعود لوجهها.
- طيب يا عم السهران، روح شوف الدكتور قبل ما الأستاذ عاصم يقلب عليك.
رفع يديه للأعلى بحركة تمثيلية وأردف.
- لا أنا أقدر، مقدرش أزعل الأستاذ عاصم وبنته طبعاً.
خرج سليم من الغرفة، أما هي فابتسمت بهدوء، تحاول أن تعود لطبيعتها محطمة قلبها الذي يعاندها.
لفتت ذاكرتها حديثه.
- طيب جوزك لازم تعوضيه عن اللي حصله النهاردة.
أحست لو كان قالها غير هذا اليوم بعد ما استمعت ورأت لكان كلامه أشواكاً تخربش جدار قلبها، ولكن إلى هنا قد أحرقت نبضاته باسم ذاك المتجبر الذي صفعها دون رحمة.
عند درة خرجت من قاعة المحاضرة استمعت لرنين هاتفها.
قطبت مابين جبينها وهي تتسائل.
- سليم بيتصل بيا ليه، غريبة.
قالتها وهي تنظر لأرى صديقتها.
- طيب ردي يمكن فيه حاجة ضرورية.
فتحت الخط وأجابت.
- أهلاً سليم.
سحب نفساً وتحدث.
- درة ليلى اغمى عليها في الشغل وجبتها المستشفى، متخافيش هي كويسة، ياريت لو تيجي من غير ما تعرفي بابا وماما.
تسمرت قدميها بصاعقة الصدمة من كلماته لحظات وهي تحاول استيعاب حديثه.
ففاقت وتحركت سريعاً وقد أحست بوخزة بقلبها فتسائلت.
- بجد ياسليم يعني هي كويسة ولا بتضحك عليا.
لم يدعها تكمل حديثها فتحدث للإطمئنان.
- والله هي كويسة وهتخرج، أنا بكلمك عشان لازم حد يكون موجود يساعدها، أنت طبعاً عارفة هي هترفض مساعدتي.
استقلت سيارة أجرة بجوار صديقتها وهي تتحدث معه بالهاتف.
رآها نور وحاول أن يحادثها ولكن السيارة تحركت.
كان يظهر على ملامحها التوتر.
استقل سيارته وتحرك خلفها ولكنه ذهل عندما وجد طريقها مختلف عن طريق منزلها.
وصلت بعد قليل وترجلت سريعا من السيارة مع أروى.
كان سليم ينتظرها أمام الباب الرئيسي للمشفى، وقفت أمامه بأنفاسا مسلوبة.
- فين ليلى ياسليم.
سحب كفيها على حين غفلة متحركاً للداخل.
رآهما الذي اشتعل بنيران الغيرة تكوي قلبه.
كور قبضته حتى ابيضت وظهرت عروق رقبته وهو يتحدث بغضب.
- ماشي ياست درة، أنا تخافي تمسكي أيدي، وانت مقضياها مع خطيب أختك.
الصبر حلو لو مش ندمتك على فعلتك دي ما أكونش نور.
عند سليم ودرة.
سحبت كفيها سريعاً من قبضته وحاولت الحديث فتسائلت.
- هي حصلها إيه، وليه اغمى عليها.
فتح باب المصعد متوجهين للغرفة.
- مفيش الدكتور بيقول ضغط عصبي، بس هي الحمد لله كويسة.
دلفت وجدت الممرضة تفحص المحلول.
اتجهت إليها.
- ليلى حبيبتي إيه اللي حصل، وليه اغمى عليك.
رفعت رأسها تنظر إلى سليم.
- ليه كدا.
مكنش لازم حد يعرف.
وضع يديه بجيب بنطاله وأجابها بهدوئه المعتاد.
- كان لازم درة تيجي، هستناكِ برة ظبطي هدومك عشان أوصلكم.
ابتسمت إليه برضا فكأن حبه إليها سفينة نجاة انتشلتها من حب أخيه الذي ما جنت منه سوى الخذلان.
أطبقت على جفنيها وهي تعاند قلبها.
وتحدث قلبها.
- سليم يستاهل يتحب، أياكِ تخذليه ياقلبي، أيوه هو يتحب لازم تقتنع بكدا، لازم ترد كرامتك المجروحة، حتى لا أنعيك بالغباء والبعض يسخر منك.
هذا ما قالته ليلى لنفسها.
عند راكان.
رجع راكان إلى منزله وقلبه يعتصر وينخر عظامه بأنين.
دلف للداخل ولكنه اصطدم بوجود توفيق على مائدة الطعام بجوار والده ووالدته.
ألقى السلام وتحرك مغادراً.
-" راكان".
قالها توفيق.
توقف يواليه ظهره فأكمل توفيق.
- الأكل جاهز ولا جدك سد نفسك.
استدار إليه بهدوء وهو يرمقه بصمت فخطى عدة خطوات حتى وصل أمامه.
- ياريت سدة النفس تكون على الأكل بس ياجدي، للأسف انت سديت نفسي عن كل حاجة، بس ملحوقة.
نهض توفيق ولأول وجذبه يربت على أحضانه.
- اعذرني ياحبيبي، والله كنت بعمل كدا لمصلحتك.
كنت خايف عليك من غدر البشر.
واللي كنت خايف منه حصل وأهو شفت وصلت لفين، أخوك الصغير بقى أحسن منك وهيتجوز ويكون عيلة وانت لسة بتبكي على واحدة غدرت بيك وبعتك.
- ليه الكلام دا دلوقتي يا بابا.
قالها أسعد بتحفز.
تراجع راكان عن أحضان جده الذي لم يتأثر بها وتحدث وكأنه لم يستمع لحديثه.
- توفيق البنداري أهم حاجة عنده نفسه وبس، اوعى تفكر شوية دموع التماسيح هتأثر فيا.
تؤ ياباشا.
أشار على نفسه وتحدث.
- اللي قدامك دا انطعن كتير حتى مبقاش يحس بالوجع من كتر ما قابل.
وأحنا اتكلمنا من كام يوم، فياريت تشلني من دماغك ياتوفيق باشا.
اتجهت زينب إليه وربتت على ظهره.
- حبيبي اقعد كل حاجة، أكيد ما أكلتش واخوك برضو لسة مرجعش.
طبع قبلة على رأسها وتحرك وهو يتحدث.
- ماليش نفس ياحبيبتي.
استدار ينظر إليها.
- ماما لما تخلصي ممكن فنجان قهوة وعايزك في موضوع.
تحركت متجه للمطبخ.
- من عيوني ياحبيبي.
دقايق ويكون عندك.
تحرك ولكنه توقف عندما تحدث توفيق.
- عرفت أن البت اللي ضحكت عليك راحتلك الشركة ليكون هي اللي عملت في حالتك كدا.
أبتلع جمرات غضبه حين تفوه بتلك الكلمات فصمت يرمقه ونيران تحرق صدره، حتى ربط الأحداث ببعضها.
- أيوه صح.
جت بس أنا مش زعلان مين قالك كدا، والدليل أننا اتفقنا على الصلح.
قالها وتحرك سريعاً حتى لا يفعل ما يندم عليه.
وصل جناحه وكأن هناك عدوا يطارده.
بدأ يثور.
- وبعدين ك يا توفيق انت ناوي على إيه مش مرتحلك، ياترى بتخطط لأيه تاني.
استمع لطرقات على باب غرفته بعدها دلفت والدته.
- قهوتك ياحبيبي.
جلست بجواره وهي تنظر الى محتويات الغرفة التي بعثرها وكأنه يصارع عدوه فتوجهت بنظرات متسائلة.
- ماما عارف هتزعلي، بس توفيق بيحرق دمي كل ما أشوفه، الراجل دا بكرهه قوي.
ملست على وجنتيه بحب أموي.
- ابعد عنه ياحبيبي، راكان أنا استحملت كتير منه وناوية استحمل أكتر بلاش تلعب مع جدك، دا نابه أزرق مش هستحمل ياضي عيني.
هب كالملسوع وصاح بغضب.
- عايزة أقعد أتفرج وهو بيحركنا زي الشطرنج ياماما.
انسدلت عبراتها وشهقة خرجت من جوفها.
حتى جثى بركبتيه أمامها.
- متخافيش ياماما، طول ما أنا عايش ميقدرش يقرب منكوا ولا حتى يلمس شعرة من سيلين.
دققت النظر جاحظة به.
- يعني إيه يقرب من سيلين.
هو يقدر يعمل فيها حاجة، لا ميقدرش يخاف من أسعد، ومهما كان قاسي بس هو بيحبكوا متنسوش أنكم أحفاده.
احتوى كفيها وازال دموعها.
- ماما حبيبتي أنا هاخد سيلين ونسافر كام شهر لألمانيا، لازم سيلين تبعد عن هنا، لحد ما تنسى يونس.
هبت فزعة وهي تهز رأسها بالنفي.
- مستحيل تبعدو عني ياراكان.
إنت واختك هتفضلوا في حضني وأنا هعرف أنسيها يونس وابوه كمان.
أطرق رأسه للأسفل يقاوم دموعه.
كيف يقص عليها ما يجيش صدره من آلالام، فتحدث بهدوء حتى لا يبكيها.
- لو عايزة تيجي معانا ياماما مش همنعك، مستحيل أشوف سيلين تتعذب وأقف أتفرج.
غصة قوية منعت تنفسه، حاول أن يبلع ريقه وهو يطالع والدته فتحدث.
- وجع القلب مؤذي وبيهد القوي ياماما، ودي لسة صغيرة، وكل ما تشوف سارة قدامها مع يونس هتتوجع أكتر وأكتر.
نهضت وتركت يديه وهي تهز رأسها بالنفي.
- مهما تحاول تقنعني ياراكان مستحيل أسيبك تبعد عني إنت وهي لو حتى كلفني الأمر أوافق على يونس.
- يونس النهاردة جه وحاول يقنعني بحبه، أنا متأكدة من حبه، وعارفة كمان هو عمل كدا ليه، طبعاً جدك السبب، هو معذور يابني، ولو جه وطلبها وهي وافقت أنا هوافق عليه، مش عشان حاجة، عشان ما أوجعش قلب اختك.
للحظة لم يستوعب حديثه، لحظات كفيلة تجعله يتجاوز صدمة حديث والدته الذي استنكره بشدة فتحدث.
- وأنا مستحيل أوافق على واحد مش قد كلمته وأنه كسر اختي ياماما.
تحركت مغادرة وهي ترفض الاستماع إلى حديثه.
- لو سافرت ياراكان يبقى انسى أن ليك ام.
قالتها وتحركت مغادرة الجناح بأكمله.
جلس يمسح وجهه بغضب ورد على هاتفه الذي أعلن رنينه.
- أيوه ياحمزة.
قالها وهو يفرك جبهته.
هب فزعا وهو يسأله.
- متأكد من كلامك.
على الجانب الآخر أجابه حمزة.
- أيوه ياراكان.
طبعاً من وقت ماحكتلي وأنا شكيت.
فدورت ورا الموضوع وعرفت.
- حاول أن يهدأ من الأدرينالين الذي ارتفع معدله الطبيعي.
- الراجل دا أموته وأخلص منه، أهو أخلي الكل يرتاح من جبروته.
دلوقتي عرفت هو جه ليه وعمال يتمسح فيا، لا وفكرني أهبل هصدق حنانه.
زفر بضيق ثم تحدث.
- اسمعني كويس ياحمزة وأعمل هقولك عليه.
وجهزلي عقد جواز عرفي بالشروط اللي هبعتهالك على الإيميل.
والعب لعبتك يامتر.
قهقه حمزة عليه.
- ولا زمان يابنداري ياصغير.
دا احنا هنولعها يا حضرة المستشار.
كان في حالة لا تجدي المزاح فهز رأسه.
- أنا لغيت السفر، وعايز أشوف آخره إيه.
حمحم حمزة وتحدث.
- فيه حاجة كمان ياراكان لازم تعرفها، هي عن ليلى.
-" ليلى" مالها.
أخوها اللي في الثانوي توفيق بيلعب عليه بحتة بنت زميلته عشان يضغط عليها تبعد عن سليم.
أصبح صدره يستعير مثل لهب بركان ثائر.
لحظات كانت جحيمية عليه عندما توقف عقله عن التفكير.
بدأ يفرك جبينه بقوة، واشتعال بصدره يحاول تهدئته حتى لا يهبط للأسفل ويقبض على عنقه.
حدثه حمزة.
- راكان روحت فين.
- معاك ياحمزة بحاول أقنع نفسي أن جدي دا بشر زينا وعنده قلب.
أنا هتصرف مع البنت وهعرف أبعده عن أخو ليلى.
سلام.
أمسك هاتفه بعد دقائق من التفكير.
- حضرة الضابط جاسر الألفي.
أنا راكان البنداري، ياترى لسة فاكرني.
على الجانب الآخر ابتسم جاسر وأجابه.
- طبعاً هو حضرتك تتنسي يا حضرة وكيل النيابة الهمام.
ابتسم راكان بهدوء.
- لو فاضي ممكن نتقابل بكرة، عندي قضية وطبعاً زي ما حضرتك عارف عايزة ظابط كويس، وأنا وظيفتي ماتسمحليش بكدا.
- أكيد طبعاً نتقابل بكرة في المكان اللي حضرتك عايزه.
عند نوح.
وصل إلى مكتب والده ودفع بابه عندما علم بوجودها بالداخل فتحدث.
- عايز حضرتك تروح تتفق مع والد رغدة هنكتب الكتاب آخر الأسبوع، وعلى آخر الشهر الدخلة ودا آخر كلام لو مش عايزني أرجع في كلامي.
قالها ثم تحرك للخارج وهو يأكل بخطواته بالأرض.
ويوم جديد.
أنارت الشمس نهارها.
جلس الجميع على مائدة الطعام.
كان الجد يرمق راكان خلسة ثم تحدث.
- النهاردة هنكتب كتاب يونس وسارة، بما إنك الكبير لازم تكون موجود.
قوس فمه بابتسامة سخرية واجابه.
- مش فاضي، كفاية وجودك اللي كله هيبة.
جز أسعد على شفتيه وحاول أن يهدأ من المعركة التي ستبدأ بعد لحظات.
- ممكن نفطر بهدوء ياحبيبي، وبعدين إزاي متحضرش كتب الكتاب ياراكان.
قوله يا أسعد.
فهمه الأصول اللي مراتك نسيتها.
ظل راكان بهدوئه وكأنه لم يستمع لحديث جده فأجاب والده.
- أنا بفطر أهو يابابا ونفسي مفتوحة طبعاً، بوجود توفيق باشا.
احنا نطول انه يفطر معانا.
دا حتى شوف البركة في الأكل إزاي.
سيلين قاعدة وأكلت أكلها كله.
وسليم ماشاء الله هيتخن من كتر أكله وهو داخل على فرحه.
ضحكة أفلتها سليم من بين جوفه وهو يغمز إلى راكان.
- بس أكيد مش جدك اللي فاتح نفسي ياراكي.
دا الحب ياحبيبي، لسة مكلم ليلى فادتني جرعتي من السعادة اللي تفتح النفس.
قهقهات خرجت من شفتيه وهو يضرب كفيه ببعضهما.
- طيب يااخي اضحك عليه وزي ما أنا بضحك عليه وبحسسه انه يفتح النفس.
قالها وهو يحدق بمقلتيه توفيق.
- راكان اسكت ممكن تسكت.
قالتها زينب بغضب.
طافت أعينه على الجميع ثم اردف.
- أنا اتنازلت عن حصتي في شركة البنداري إلى سيلين.
صدمة أصابت توفيق ثم توقف وبدأ يثور عليه بغضب.
- أكيد اتجننت ودي تعرف إيه في شغل الشركات.
دا أنت نصيبك لوحدك أربعين في المية.
***
توقف يستند على المائدة بذراعيه وهو يهز رأسه بالنفي.
- لا يا جدي الحكيم، قصدك خمسة وخمسين في المية.
شكلك نسيت حاجة مهمة او يمكن مش خبروك يا عيني.
قوس فمه وهو يدور حول جده.
- عمو جلال باع نصيبه وأنا اشتريته.
وعمو خالد باع نصيبه وأنا اشتريته.
يعني الباقي عشرة ليونس وعشرة لنوح والباقي لسليم وحضرتك.
ثم استدار لوالده وأكمل ما كسر توفيق.
- دا بعد ما بابا اتنازل عن نصيبه بالكامل ليا أنا وسليم.
يعني كدا سيلين بقت صاحبة الشركة.
قالها وهو ينظر إلى سيلين وأكمل.
- أنا وسليم هنتولى نصيبها لحد ما تخلص وتتعلم كل حاجة وبعد كدا نسلمها شركة البنداري.
ضرب توفيق على المائدة وتحدث.
- على جثتي دا يحصل يا ابن زينب، سمعتني.
دنى من جده وهمس له.
- وابن زينب مرحب بكدا يا جدي الحكيم.
دي قرصة ودن للي يحاول يقرب من راكان البنداري يا جدي.
قالها وهو يقوم بجمع أشياءه وتحرك سريعاً وهو يبتسم بشماتة.
قام الأتصال على حمزة.
- لعبتها صح ياحمار، أول مرة أحس أنك بتفهم يلاَ.
قهقه حمزة مردفاً.
- منك نتعلم يا معلم.
توقف عندما استمع لنداء سليم.
استدار إليه وتسائل.
- نسيت أسألك عن خطيبتك، هي عاملة إيه.
ربت سليم على ظهره مبتسماً.
- الحمد لله حبيبي بقت كويسة.
واتفقت مع باباها أننا نكتب الكتاب آخر الأسبوع.
أنا قولت لبابا وماما، فحبيت تعرف.
عشان هتكون الشاهد ومفيش غيرك.
أخيراً ياخي هتجوز وأن شاء الله الفرح بعد شهرين.
وبعد تسع شهور منه تستنى ابن أخوك.
- لأول يختبر ذلك الشعور القاسي حين شعر بضلوعه التي انقبضت بقوة معتصرة قلبه ليشعر بألما حاد سرى كالنيران بين أوردته فأصبح كل أنش في جسده يأن ألماً وحزناً.
لم يعطي الفرصة إلى سليم حتى يشعر بشيئا.
فجذبه لأحضانه وانزلقت عبرة تكوي وجنتيه.
- ألف مبروك ياحبيبي.
عقبال لما أشوف ولادك.
بعد يومين.
دلف إليه ليلى ببعض التصاميم.
تضعها أمامه وابتسامة تشق ثغرها.
لا يعلم أيفرح أم يحزن من وجودها وابتسامتها الجميلة.
وضعت التصميم أمامه وتحدثت.
- حضرتك معتز قال لازم تراجعه، مع إني عارفة أن حضرتك مبتفهمش في الحاجات دي لكن شغلي حتم عليا بكدا.
رفع حاجبه بسخرية فاردف متهكماً.
- لا افهمي إنتِ شغلك وملكيش دعوة افهم ولا لا.
دا مش شغلك.
مطت شفتيها وأكملت.
- واضح طبعاً الغرور محطمك ومصورلك إنك بتفهم كل حاجة.
قطب مابين جبينه وتسائل وهو يرفع كفيه.
- هاتي من الآخر مبحبش شغل اللف والدوران.
أجابته باقتضاب مختصرة ساخرة بطريقة حولته للجنون.
- أنا مقولتش حاجة.
عايزة أشوف شغلي، مش فاضية للأسئلة التافهة دي.
أمسك الورقة ثم كورها بين يديه.
- غلط صمميه تاني.
ضربت بكفيها تحاول تهدئة أعصابها.
- إيه اللي عملته دا.
أنا قولت كدا.
واحد مغرور وبس.
جز على أسنانه وهو يرمقها بنظرات جحيمية.
- مالك ماتتهدي ولا توترك لفرحك هتحطيه فيّا.
رمقته مستهزئة وتحدثت.
- لا يمكن أنت اللي بتهرب ومش عايز تشوف اللي خلتك ممكن تكره أخوك.
اللي حبيتها ومعرفتش توصلها.
وخلتك هتموت عليها.
نسيت مش كل اللي تشاورلهم يجروا عليك.
ابتسمت بسخرية وأكملت.
- سليم يستاهل الحب كله.
الصراحة راجل بمعنى الكلمة.
أكرهو بقى يا حضرة النائب المحترم.
وياريت تبعد خيالك المريض عني.
-" أنت على بعضك لو قدمتلي مال قارون مستحيل أوافق عليك".
أنثى جريحة الكرامة.
تفننت بتعذيبه بأقوى سلاح لديها وهي تحطيم رجولته أمام نفسه.
رغم إنها تتوارى بقسوة كلماتها خلف قلبها الجريح إلا أنها أكملت.
- تعرف ياراكان أنا بحمد ربنا قوي، عشان محبتش واحد زيك، وبحمده أكتر عشان هخليك تتعذب وإنت شايف الست اللي هزت قلبك مرات أخوك.
اقتربت منه متعمدة خفض صوتها وابتسمت بسخرية.
- اتوجع ياراكان.
عايزة أشوفك وانت بتتوجع أكتر وأكتر.
لما تشوف حبيبتك مرات أخوك.
أمسكها بعنف ثم دفعها بعيداً.
- أنا قولت بلاش تكرهيني في أخويا مش عشان وهمك المريض أني حبيتك.
أنا الحب يعتبر ممسوح من دفتري.
أنا كان قصدي عشان أبعده عنك لأنك متستهليش حبه.
نيران مستعيرة اشتعلت بجسده بالكامل وهو يشعر بالعجز.
رفع بصره واقترب منها.
- اللي زيك مايهزنيش.
ولا تحركي قلبي.
أنا صعبان عليا أخوي مش أكتر.
بس مش بإيدي حاجة أعملها.
تحولت نظراته لنيران جحيمية واقترب يدور حولها.
- عارفة انتِ غلطي غلطين والاتنين أعظم من بعض ياباشمهندسة.
- أولهم حبيتِ تكسريني بسليم.
والتاني عقلك المريض أوهمك إني حبيتك.
أمال بجسده يطالعها بتقييم ثم اردف.
- بكرة هكون شاهد على عقد جوازك يامرات أخويا.
وعايزك تتأكدي ياباشمهندسة.
- لو خيروني بينك وبين اللي حطمتني قبل كدا صدقيني وقتها هختارها هي.
عارفة ليه.
- لأنك عديتيها بمراحل في الوقاحة.
ودلوقتي بكرة عايزك تمضي على وثيقة الجواز، وكلك ثقة أنك أخر ست ممكن تملي عيني.
رفع سبابته وأكمل.
- واياكِ تقربي مني.
بلاش تخليني أحطك في دماغي واعتبرك لعنة للعيلة.
بررررة.
قالها بصراخ افزعها.
اقتربت ورفعت كفيها وهي تشير على قلبه.
- دا هيتوجع كتير أوي ياراكان، عارف ليه.
عشان وجعت قلوب كتير بأسلوب الخبث بتاعك وتحسسني انك محترم.
قالتها بإهتزاز.
بينما هو يحاول إظهار قسوته، شاهد طبقة من الدموع تحاول إخفائها أمامه.
دنى منها وحاول أن يهدأ من حالة الغضب التي انتابته من حديثها.
- بلاش خيالك يصورلك حاجات مش صح، تلا شيني عشان مش أذيكِ.
تحركت بعض الخطوات للخارج بعدما فقدت السيطرة على نفسها.
ولكنها استدارت إليه مرة أخرى.
- آه نسيت أباركلك.
مبروك عرفت هيجيلك بيبي.
يارب تتهد بقى.
قالتها وتحركت سريعا.
أشار على نفسه ويحاول استيعاب اتهامتها الشنعاء التي ألقتها بوجهه دفعة واحدة وهرولت إلى الخارج.
جلس وكأن الأرض تدور به.
وظهر على ملامحه الغضب عندما فهم ما أشارت إليه.
مساءاً اليوم التالي بمنزل ليلى وهو اليوم المحدد لعقد القران.
دلف يعانق كفيه إحداهن.
اتجه للداخل وهو يلقي السلام على الجميع.
نهضت زينب تنظر بصدمة للتي يعانق ابنها كفيها، وهي تهز رأسها رافضة ما تفهمته.
أما ليلى التي كانت ترتدي فستاناً من اللون الأبيض وبه بعض الورود من نفس اللون وتجلس بجوار سليم.
رفعت بصرها وتلاقت نظراتهما للحظات وجدته ينظر ويبتسم إليهم.
تحرك نوح إليه سريعاً وحاول جذبه عندما وجد الأجواء مشحونة.
- راكان اتجننت.
نظر إلى نوح ثم رفع نظره للجميع.
- حبيت الفرحة تكون فرحتين.
أعرفكم.
- "حلا مراتي".
رواية عازف بنيران قلبي الفصل التاسع 9 - بقلم سيلا وليد
أنهى حمامه، ثم اتجه لغرفة أخيه ظنًا منه أنه وحده. لم يكن على علم بوجود ليلى بالقصر. كان يرتدي ملابس بيتية تتكون من تيشرت ضيق باللون الأسود يبرز عضلاته وبنطال باللون الرمادي.
فتح الباب فجأة وهو يتحدث إلى أخيه:
- سليم!!
ولكنه توقف عن الحديث عندما وجد أخيه يضمها بذراعيه ويقبلها. ابتعد، والى ظهره متجها للخارج متأسفًا:
- آسف، ما كنت أعرف إن معاك حد.
قالها بأنفاس متقطعة متجها لغرفته.
ناده سليم:
- راكان، استنى.
توقف مجرى الدم بعروقه وتثلجت أوصاله حينما ناداه سليم. هو الآن لا يريد أن يرى أحدًا، أو يتحدث. أنفاسه متسارعة، يكاد يتنفس بصعوبة. كور قبضته حتى يستطيع السيطرة على نفسه وألا يتعصب على أخيه.
اقترب سليم إليه:
- راكان، إيه مش هتسلم عليا؟ مش وحشتك؟ آسف، كنت هجيلك. ماما قالتلي إنك نايم.
قالها سليم وهو يقف خلفه. استدار بهدوء إلى أخيه حتى وصل سليم إليه وقام باحتضانه:
- وحشتني حبيبي، حمد الله على سلامتك.
لم يستطع التحدث ولا حتى النظر إليه كأنه فاقد لكل شيء. هز رأسه وهو يرسم ابتسامة على وجهه. لحظات وهو يحاول أن يجمع شتات نفسه، ولكن كيف عليه التحمل وهو يستنشق رائحتها على ثياب أخيه؟
تحرك سريعًا لغرفته دون حديث، فقد تحمل ما لا يتحمله أحد. أغلق الباب خلفه ولم يستمع سوى لأنفاسه المتسارعة. انزلقت عبرة غائرة بجانب عينيه. هوى جالسًا عندما فقد الحركة والمشهد أمام عينيه. هي بأحضانه ويقبلها بلهفة عاشق حد النخاع، وهي صامتة بأحضانه كأنه حبيبها منذ أعوام.
رجفة قوية أصابت جسده حتى شعر بارتعاش جسده كالذي يعاني من حمى. ليته يعاني حمى الجسد، ولا يعاني حمى قلبه.
أطبق على جفنيه حتى عصر عينيه. يلكم رأسه وهو يصرخ بآهات محبوسة داخل صدره. كيف عليه أن يخرجها؟ كيف عليه أن يحكي ما يؤلم صدره؟ ما أصعب هذا الشعور.
اتجه لمرحاضه وقام بفتح المياه ووقف تحتها بملابسه عندما فقد السيطرة بالكامل على نفسه. جلس تحت المياه حتى اختلطت دموعه بالمياه. يعض على كفيه وصورتهما أمام عينيه.
دلف سليم بعد فترة إلى جناحه وظل ينادي باسمه. ولكن، تراجع وانتظر بالخارج ينتظره. ظل راكان فترة ليست قليلة داخل مرحاضه، مما أنتاب سليم شعوره بالخوف عليه، فاتجه إليه يطرق على باب المرحاض:
- راكان، إنت كويس؟
استمع لصوته بالخارج فأجابه بصوت كاد أن يكون متزنًا:
- كويس ياسليم، شوية وخارج.
وقف أمام المرآة ينظر لنفسه، لعينيه التي تغير لونها، ووجهه الذي أصبح عبارة عن لوحة من الألم والحزن والغضب معًا. حتى حدث حاله:
- لما من أولها عامل كدا، طيب قدام هتعمل إيه؟ واحدة باعتك وهي عارفة ومتأكدة إنك حبيتها. نسيت قالتلك إيه؟ عايزة تشوف وجعك. برافو عليها، طلعت أقوى منك ياحضرة وكيل النيابة.
ابتسم بسخرية على نفسه:
- إزاي تدي لواحدة مكانة مش تستاهلها.
ضغط على أنينة عطره حتى تهشمت بيديه. ولم يشعر بذلك، فقط صدى صوتها بأذنيه وهي تحادثه:
- عايزة أشوفك بتتألم كدا ياراكان وانت شايف حبيبتك في حضن أخوك.
آآآآآآه. خرجت منه صرخة وهو يدفع كل ما أمامه من على المرآة حتى أصبح حمامه عبارة عن أشياء متناثرة بكل مكان.
دلف سليم سريعًا وهو يدفع باب الحمام حينما استمع لصرخاته:
- راكان، فيه إيه؟ إيه اللي حصل؟
أشار بيديه حتى يتوقف وأبعد نظره عنه:
- مفيش حاجة. افتكرت حاجة وعصبتني مش أكتر. انزل وأنا شوية هنزل، أنا أصلاً ماليش نفس.
دنى سليم منه وهو يدوس على الزجاج المتناثر بهدوء حتى لا يؤذي راكان عندما سحبه بهدوء:
- خلي بالك الإزاز، ممكن يدخل لرجلك.
رفع نظره لأخيه أخيرًا ووجد لهفته وحزنه عليه. لم يشعر بنفسه إلا حينما جذبه وهو يضمه لأحضانه مردفًا:
- سليم، أنت عندي أغلى من روحي. خليك دايما متأكد لو طلبت حياتي مش هتأخر عنك.
خرج سليم من أحضانه ينظر إليه بتيه ثم تساءل:
- مش فاهم حاجة ياراكان. طول عمرك وإنت سندي وحمايتي وقوتي، ليه الكلام دا دلوقتي؟
احتضن وجهه وأغرورقت عيناه بالدموع:
- عايزك تبقى واثق أن أخوك عمره ما يفكر يأذيك حتى لو بنظرة. خليك دايما واثق فيا. أوعى في يوم الثقة دي تهتز مهما يحصل. والله مستعد أفديك بروحي.
قالها وانزلقت دمعة من عينيه لم يستطع السيطرة عليها. كانت تقف على باب الغرفة واستمعت لحديثهما فدلت وهي تبكي وتتحدث:
- وأنا كمان ماليش دعوة. عايزاكو تفدوني بحياتكم.
قالتها بشقاوتها مما ابتسم راكان يجذبها لأحضانه:
- أنت أميرة قلب أخوكي، واللي يفكر بس يقرب منك أكله بسناني حتى لو الزفت يونس.
ضمهما سليم وهو يقهقه:
- وأنا عايز من العشق الممنوع دا.
ضحكات صاخبة منهما وهو يضموا بعضهما البعض. دفعهم بمزاح:
- عايز ألبس ياحلو منك ليها. إيه الأحضان اللي ببلاش دي؟
ضحكت سيلين بشقاوة وبسطت يديها:
- عايزة عشرين مليون جنيه عشان أشتري فستان لفرح الأستاذ اللي جنبك دا.
قطب مابين حاجبيه وغمز إليها:
- لو فرحي مش هديلك عشرين بس، وحياة مراتي اللي لسه مشفتهاش مية مليون لأحلى بنوتة.
وضع سليم يديه بخصره:
- نعم ياختي منك له، عايزة كام؟ ليه دا فرح الملكة إيزابيل فستانها ما وصلش للمبلغ دا؟
هنا تذكر سليم شيئًا فاستدار إليه متسائلاً:
- مقولتش الفستان دا بكام؟ شكله غالي جدًا. شايف تصميمه مكلف شوية.
ربت على كتفه وأجابه:
- متبقاش عبيط، مفيش حاجة تغلى عليك. ياله أمري لله اعتبرها هدية فرحك مع إني عاملك مفاجأة حلوة كمان.
دقق النظر إليه وتساءل:
- إيه غرضك من جوازك ياراكان؟
اتجه لغرفة ملابسه وهو يشير لسيلين:
- اسبقينا حبيبتي، وأنا هلبس وأنزل.
ضربت سيلين بخفة على وجهها:
- اوووبس، ماما زمانها هتقوم القيامة. دول مستنينك بقالهم فترة عشان الغدا، الضيوف زمانهم زهقوا مننا.
ضيق عيناه متسائلاً:
- ضيوف؟ هو إحنا عندنا ضيوف؟
- إيه يابني انت نسيت ولا إيه! دا لسه شايفني مع ليلى من شوية.
رجفة سرت بجسده عندما ذكره بصورة أراد لو يمحيها من ذاكرته للأبد. ابتسم إليه ابتسامة بسيطة وأردف متسائلاً:
- قصدك إيه؟
أجابه سليم:
- ليلى وأهلها تحت. ماما عزمتهم على الغدا، وكمان اتصلت بحلا ولسه ما اتكلمناش في موضوع حلا دا، خليك فاكر.
أخذ عدة أنفاس عله يهدأ من ضجيجه الداخلي وأشار بيديه:
- طيب، انزل إنت وأنا هلحقك.
هبط سليم لأسفل حيث تجمع العائلة، بينما توقف راكان ينظر حوله بتيه وتشتت محاولًا استجماع نفسه.
- أنت قدها، مش دي اللي تبكي عليها؟ مش دي اللي تخسرك أخوك؟ مش دي اللي تحرق قلبك؟ وانت شاكك إنها عارفة إنك بتكنلها مشاعر. فوق عمرك ما كنت ضعيف، دوس على قلبك، لو وصلت تفتح صدرك وتطلعه من جسمك. فوق ياراكان، فوق.
ظل يكررها عدة مرات.
***
عند ليلى بعد رؤية راكان لهما. دفعت سليم وجسدها يرتعش. حاولت أن تتحدث وتسيطر على نفسها ولكنها ضعفت.
مسد سليم على ظهرها:
- ليلى، إيه اللي حصل؟ إنتِ مكسوفة من راكان؟ عادي حبيبتي، متنسيش إننا متجوزين.
- لا مش متجوزين ياسليم، قالتها بغضب. ياريت يبقى في حدود لحد ما آجي بيتك.
توسعت عيناه مذهولًا وهز رأسه رافضًا حديثها:
- لا طبعًا، إنتِ مراتي على فكرة، وليا حقوق كتير إلا حاجة واحدة.
هبت من مكانها مذعورة عندما علمت بمعنى حديثه فنظرت إليه بغضب. نعم، لقد اختل توازنها بالكامل، لم تعد تتحمل ما تشعر به.
- لا طبعًا، انت من حقك تمسك أيدي ونقعد مع بعض لوحدنا بحدود، غير كدا إحنا في حكم المخطوبين.
انكمشت ملامحه باعتراض تجلى في نبرته عندما تحدث:
- ليلى، إيه اللي بتقوليه دا؟ إنتِ مراتي.
شعرت حينها بأنياب حادة تنهش بصدره وتمزق قلبها. هناك جبل يطبق على نفسها وتختنق. أغرورقت عيناها بالدموع عندما عجزت عن رده فجلست على الفراش تضع يديها على وجهها وتبكي بصمت.
اتجه يجلس أمامها عندما أصيب بالرهبة من حالتها التي ظهرت عليها من قبلته الوحيدة. أنزل كفيها يضم وجهها بين راحتيه:
- ليلى حبيبتي، ممكن تتكلمي معايا بصراحة؟ انتِ ليه وافقتي تتجوزيني وانت في حياتك حد تاني؟
صدمة أصابتها وهي تهز رأسها وعبراتها تسقط من وجنتيها. هنا أتقن سليم أن بحياتها شخص آخر. نصب قامته وتوقف يوالييها ظهره:
- أنا حبيتك وحبيتك قوي كمان، لكن توصل إنك...
نهضت سريعا تقف بمقابلته:
- لا ياسليم مش زي ما انت مفكر، مفيش حد في حياتي اقسم بالله ما فيه حد في حياتي، يعني مش مواعدة حد ابدًا. بس فيه موضوع مهم لازم تعرفه بعد الغدا.
أمسك كفيها ونظر لمقلتيها:
- أنا معاكِ ياليلى لو مفيش حد شاغل قلبك، أما لو أي حاجة غير كدا، كله يهون. أهم حاجة عايز قلبك ليا وبس. أنا مش هتحمل فكرة مراتي متجوزاني عشان تنسى حبيبها. صدقيني وقتها ممكن تشوفيني سليم تاني خالص.
رفعت كفيها المرتعشين تضم وجهه مع انسدال عبراتها:
- إنت جميل قوي ياسليم، وتستاهل حد أحسن مني. حقيقي، أنا خسارة فيك، خايفة مقدرش أسعدك.
ختمت كلماتها بدموع الوجع. أمسك كفيها يقبله:
- وأنا مش عايز غيرك. أما لو فيه حد تاني، أوعدك أنسحب.
- مش عشان كدا أبدًا. أنا بس أول مرة حد يقرب مني كدا، غير أن أخوك شافنا. دلوقتي يقول عليا إيه؟
مسح دموعها وتحدث بصوت متهدج بمشاعره:
- حبيبتي، عادي اللي بيحصل بينا دا، ومتخافيش راكان عمره ما يفكر فيكِ بسوء.
ابتعدت عنه عندما استمعت لطرقات على باب الغرفة. دلفت العاملة:
- والد حضرتك عايزك تحت ياهانم.
أومأت برأسها دون حديث. رفعت بصرها وتحدثت:
- لازم نتكلم، هحكيلك كل حاجة وقتها القرار في إيدك.
قالتها ثم تحركت للخارج. زفر مختنقًا ثم توجه إلى غرفة أخيه.
بعد قليل تجمع الجميع حول مائدة الطعام. كانت زينب تشرف بنفسها على المائدة. اتجهت ليلى تجلس بجواره ثم همست إليه:
- عايزة بعد الأكل نخرج الجنينة، ممكن؟ شكلها حلو قوي، وأنا بحب المناظر دي.
استدار يومأ برأسه:
- طبعًا حبيبتي، الجنينة وصاحبها تحت أمرك.
كان أسعد يترأس المائدة بجواره زوجته وعلى الجانب الآخر عاصم وزوجته. هبط راكان وهو يوزع نظراته على الجميع.
- آسف أتأخرت عليكم.
قالها بابتسامة عذبة، من يراه الآن لم يقل أن هذا الذي كان يصارع نفسه.
***
جلس بمقابلة والده على المائدة مرحبًا بالجميع. اتجه بنظره لحلا التي ترسم ابتسامة فدنت برأسها:
- دا كله تأخير. أنا زهقت وكنت همشي.
قوس فمه وأجابها:
- وإيه اللي قعدك؟
توسعت بؤبوتها مشدوهة من حديثه المستفز:
- دي مقابلتك ليا بعد أكتر من أسبوع ياراكان.
أشار بعينيه على الطعام وهو يرسم ابتسامة ثم تحدث:
- كلي حبيبتي وبعدين نتكلم.
دلت فرح وسارة في تلك الأثناء:
- هاي ياجماعة. إيه دا، عندكم ضيوف؟
استدار راكان يبتسم بسخرية مردفًا:
- أهلاً برنسس العيلة الفاشلة.
قالها بصوت خفيض، ثم تحدث:
- تعالي ياسوسو، دول مش ضيوف. بما أنكم أول مرة تتقابلوا فأنا هتولى التعريف بدلًا عن سليم طبعًا. تسمحلي ياسليم؟
قالها وهو ينظر إليه بمغزى.
- تعالي يافرح اتغدوا معانا.
هذا ماأردف به أسعد. اتجهت فرح تجذب مقعدًا بجوار راكان وتحدثت بصوت مرتفع بعض الشئ وهي توزع نظراتها بين ليلى وحلا ودرة:
- إيه ياآبيه راكان مش تعرفنا على ضيوفك؟
كانت نبرة قوية موجهة إلى سليم. وضع محرمة الطعام الخاصة به على ساقيه ورفع نظره إلى عاصم:
- أعرفك يا أستاذ عاصم. دول بنات عمي سارة وفرح، بنات عمي جلال. طبعًا حضرتك شوفته يوم الخطوبة، وبما إن الخطوبة كانت على الضيق فمحضرش.
- أهلاً يا بنات، قالها عاصم بابتسامة مرحبة بهما. ثم اتجه بنظره إلى سمية وتحدث:
- دي طنط سمية، حماة سليم تكون أم.
توقف للحظة عندما رفعت ليلى بصرها إليه وتلاقت نظراتهما فأكمل بصوت كاد أن يكون متزنًا:
- دي الباشمهندسة خطيبة سليم. واللي جنبها، باشمهندسة برضو بس لسه بتدرس. منورة ياباشمهندسة درة.
ابتسمت درة وأجابته:
- ميرسي ياحضرة المستشار.
أكمل حديثه متجها إلى كريم:
- ودا كريم أخو ليلى. قصدي الباشمهندسة ليلى ودرة.
طالعتهم فرح بتكبر وأشارت عليهم:
- دي بقى خطيبتك ياسليم، منورة يا... نسيت اسمك. قلتلي اسمها إيه ياآبيه؟
انكمشت ملامح سليم ورفع بصره إليها ثم تحدث:
- ليلى مراتي يافرح مش خطيبتي، وفرحنا بعد أقل من شهرين. عقبالكم يابنات.
قالها عاصم وهو يشملهم بنظرات تفحصيه عندما لم يروقه طريقة فرح بحديثها. قاطعته سارة وهي تنظر بأصبعها ثم رفعت كفيها للجميع وهي تطالع سيلين بتشفٍ:
- أنا مخطوبة ياعمو. إيه حضرتك مش شايف الدبلة في إيدي؟
نظر راكان لسيلين التي تحاول منع دموعها فرفع بصره إلى سارة:
- مبروك ياسارة، إنما خطيبك فين؟ أراضيه مش باين يعني؟ إيه يابنتي هو إنتِ طفشتيه؟
أحرقها بكلماته. ثم رفع نظره لعاصم:
- دي خطيبة الدكتور يونس طبعًا، حضرتك عارفه.
أومأ عاصم وأجابه:
- آه طبعًا، اتقابلنا كذا مرة.
جلست فرح تطالع ليلى بنظرات تقييمية ثم أردفت:
- هو أنتِ شغالة ياليلى مع سليم في الشركة؟ عشان كدا خطفتيه؟ قصدي يعني عرفتوا بعض؟
أومأت برأسها وأجابتها:
- أيوة بقالي سنة وشهرين.
كانت تتلاعب بطعامها ثم رفعت بصرها إلى سليم:
- مع إن سليم عمره ما جابلي سيرتك أبدًا.
قاطعتها سارة وهي تتناول بعض الخضروات التي توضع أمام راكان وتحدثت بمغزى:
- يمكن مفكرك هتزعلي يافروحة.
فهم راكان لعبتهما فاتجه يرمقها بنظرة سخرية وهو يلوك طعامه بهدوء، ولم يعرها اهتمامًا. بينما سليم تحدث:
- وليه أحكي عن حبيبتي للغرب؟ وبعدين الرسول وصانا بالكتمان. يمكن وقتها كان الرسول على علم من خبث النفوس.
تجمدت بأرضها وقد شعرت للحظة برغبتها في التلاشي فلم تعد تستطع الحديث.
قاطعهم أسعد وهو يتحدث معتذرًا:
- هو إحنا مش هناكل ولا إيه؟ الأكل برد ياسليم، دلوقتي الأستاذ عاصم يقول علينا إيه؟
هز عاصم رأسه:
- لا أبدًا، خليهم براحتهم، إحنا مش جعانين أبدًا.
وضعت زينب الطعام أمام سمية:
- الصراحة مكنتش عارفة انتوا بتحبوا إيه، فعملت كذا نوع. يارب يعجبك.
ثم اتجهت إلى راكان تضع طعامه أمامه. كان يجلس صامتًا لا ينظر لأحد إلا إذا وجه إليه الأسئلة:
- يارب ناكل، مش نعمل زي العيال الصغيرة.
رفع جسده وهمس إليها:
- روحي كلي يازوزو دلوقتي، الناس تقول عليا إيه طفل وأمه بتأكله.
لكزته بخفة وهي مازالت تضع له أنواع من الخضار:
- كل واسكت، شكلك مش عاجبني الأيام دي، وياريت أنا ومراتك نكون متفقين. كنت عرفتها إزاي تهتم بيك.
زفر باختناق فهو يشعر وكأن أحدهم يقوم بخنقه، فرفع بصره لوالدته:
- ماما، قولت نتكلم بعدين في الموضوع دا.
تحركت دون حديث وهي ترمق حلا الصامتة بجواره. دنت حلا منه وهمست:
- راكان، عايزة أمشي بعد الأكل، لو سمحت. حاسة الكل مش طايقني.
اقترب منها متعمدًا خفض صوته:
- بعد كدا متخرجيش من مكانك من غير علمي.
كانت ليلى تراقب حديثهما ونظراتهما بصمت. تنهدت بحزن وشعرت بوجع حاد في كامل جسدها والألم بصدرها أخذ يزداد بقسوة. تذكرت حديث أسما:
- لازم تحكي لسليم عن أمجد، وتعرفيه كل حاجة. وكان من الأفضل تحكي لراكان، بس إنتِ مُصرة أن راكان ميعرفش.
انسدلت عبرة أزالتها سريعًا حتى لا يراها أحدًا، ولكن هناك من رآها. أخرجه عندما مدت فرح شفتيها وتساءلت:
- مين اللي جنبك دي ياآبيه؟
ضحكة أفلتها سليم وهو ينظر إليها بخبث:
- أهو السؤال دا كنت مستنيه من وقت ما دخلتي ياحلولة، وياسلام لو جدو جه رحب بيها.
عقدت حاجبيها واردفت بسخرية:
- اشمعنى ياسولم.
- دي خطيبتي يا أستاذة فرح، فيه أسئلة تاني، ولا نكمل أكلنا؟
قالها راكان بغضب.
حمحم أسعد حتى ينتبه راكان إليه فتحدث:
- إيه رأيك ياليلى في القصر بتاعنا؟ بتمنى ترتاحي عندنا يابنتي.
توترت ولم تعلم بما تجيبه فاتجهت إلى سليم:
- أكيد حلو يا عمي، بس أهم من القصر، الدفى والحب يحاوطوا سكانه.
ابتسم أسعد واتجه لأبنه:
- خير ما اخترت ياحبيبي، ربنا يسعدك.
رفع يديها وطبع قبلة عليها ينظر لعيناها:
- ليلى يابابا دي الجمال والإحساس كله.
جذبت كفيها سريعًا، وتوردت وجنتيها حينما وجدت أنظار الجميع إليها. ابتسمت سيلين تنظر لوالدها:
- دي درة يابابا اللي كلمت حضرتك عنها.
ثم اتجهت لسارة:
- دي خطيبة ابن خالتك، معرفش تعرفوا بعض ولا لا.
نظرت سارة بإستخفاف إليها:
- لا، متقابلناش. أنت عارف نور عارف طريقة معرفتي بالناس، فبالتالي معرفناش على بعض.
اندفعت الدماء لأوردة ليلى وأجابتها:
- نفس إحساسنا برضو، مش أي حد نتعرف عليه، لازم نقيم الناس بأسلوبها، مش مظهرها.
نهض راكان معتذرًا:
- أنا الحمد لله. أتمنى محدش يضايق، كملوا غداكم.
ثم اتجه لحلا:
- كملي اكلك براحتك.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل العاشر 10 - بقلم سيلا وليد
اغمضت جفونها بقوة عندما فقدت السيطرة كاملة على أبعاده. ظلت تصرخ وتركله حينما دفعها فوق الأريكة يشق ثيابها ويردف بصوتاً متقطع كحاله من الثمالة:
- عايزة تبعديني عنك يا أسما؟ وأنتِ بتحبيني وأنا بحبك؟ طيب هتجوز غيرك؟ بس لازم آخد حق وجع قلبي منك.
دفعته بقوة وهبت من مكانها سريعا متجهة لباب الملحق، ولكنه أمسكها بقوة. صرخت به:
- نوح فوق! أنت مش حاسس بحاجة؟ عشان خاطري يا نوح..
- أنا بحببببببك. قالها بصراخ كأنه فقد عقله. وتحدث بغضب:
- الليلة هتكوني ملكي يا أسما. قالها وهو يجذبها بعنف.
أمسكت المزهرية التي توضع على الطاولة وضربته على رأسه وصاحت بغضب:
- ابعد عني يا حيوان! أنا بكرهك.
ترنح بوقفته ثم سقط مغشياً عليه. كانت هذه اللحظات أشد ألماً وغضباً في حياتها، فلأول مرة تريد موته.
جحظت عيناها وهي تهز رأسها بهسترية رافضة ما فعلته:
- أنا قتلته؟ لا أنا قتلته.
زحفت على ركبتيها إلى أن وصلت إليه. رفعت رأسه من على الأرض تضعها على ركبتيها وتضرب بخفة:
- نوح! فوق! حبيبي أنا آسفة.
نظرت ليديها الملطخة بالدماء ثم صاحت بصراخ كالمجنونة:
- أنا قتلته! نوح أنا قتلته.
نظرت حولها بتيه لا تعلم ماذا عليها أن تفعل. اتجهت تجذب الإسعافات الأولية وجسدها ينتفض.
***
بقصر البنداري، أنهى الجميع طعامهم متجهين لغرفة المعيشة وأحاديث بينهم في محبة.
تحرك راكان للخارج بينما توجهت ليلى إلى سليم الصامت، تبسط يديها:
- ممكن نتكلم شوية؟
نصب عوده وتحرك للخارج. كان راكان يجلس ينفث تبغه وبجواره حلا تتحدث، ولكنه كأنه لم يهتم لحديثها.
- راكان اتجوزتني ليه؟
طالعها بنظرات مبهمة وأجابها:
- يمكن عشان أنتقم منك مثلاً! وأنتقم من توفيق اللي حرق قلبي.
جحظت عيناها ثم نهضت سريعا وصاحت بغضب:
- أكيد إنت مجنون مش كدا؟
جذبها بعنف يضغط على ذراعيها:
- صوتك يعلى تاني هدَفنك. متنسيش نفسك. أيوه اتجوزتك انتقام.
ضغط على فكيها بعنف وتحدث بصوتاً كفحيح أفعى:
- مفكرة حباً فيكِ؟ فوقي يا مدام. أوعي تفكري أنا معرفش انتوا بتعملوا إيه. انتِ وتوفيق والزفت اللي كنتِ متجوزاه. راح تتجوزي واحد قد أبوكي عشان شوية فلوس. كنتِ تعالي وأنا أرميهالك على الجزمة.
قالها ثم دفعها بقوة حتى سقطت على الأرض أمامه.
في تلك الأثناء، خرجت ليلى بجوار سليم الذي راقه هذا المنظر. فأردف مبتسماً:
- أيوه كدا تعجبني يا راكان. كنت مفكرك لسة أهبل.
أسرعت ليلى إليه عندما وجدته يجذبها بعنف وهو يتحدث بغضب:
- دلوقتي تروحي على شقتك وإياكِ تطلعي منها لحد ما أقولك تعملي إيه. اتقي شري. أنا لسة بكلمك بالعقل.
وصلت ليلى وهي تحاول مساعدتها على الوقوف، فنظرت إليه:
- دا مش أسلوب حضاري في التعامل على فكرة. وبعدين مش من حقك تكلمها كدا.
أخرج تبغه وهو ينظر لسليم:
- خد خطيبتك ياسليم من قدامي.
وصل السائق إليه:
- نعم يا باشا.
أشار إلى حلا:
- وصل أستاذة حلا لشقتها وعرف الحارس ممنوع تخرج من باب الشقة.
أومأ برأسه:
- حاضر يا باشا. علم وينفذ.
اتجهت إليه:
- راكان اديني فرصة أشرحلك.
نظر للرجل الذي سحبها بهدوء:
- لو سمحتِ يا أستاذة بلاش تجبيلنا الكلام.
تنهد بغضب وهو يطالع خروجها. أما سليم الذي وقف يضع يديه بجيب بنطاله ويدقق النظر:
- انتقام مش كدا. أيوه مستحيل تسيب حقك.
طيب فيه حاجة لازم تعرفها. استدار لليلى وتحدث:
- نورسين بتقول لليلى إنها حامل منك. إيه رأيك في الكلام دا؟
تحولت أنظاره للذهول وهو يردد الكلام:
- بتقول حامل من مين؟
رفع بصره لليلى بنظرة جوفاء قاسية ثم تحدث بسخرية:
- وياترى إيه اللي ودّى الباشمهندسة لنورسين؟ إيه بتعمل فحص للعيلة؟
برقت عيناها من شدة الغضب والذي زاد من توهجها وأردفت غاضبة:
- أولاً سليم فهم غلط. هي ما قالتليش. أنا سمعتها بتتكلم مع المهندسة نجوى.
سألها بعينين متسلطتين بقوة على عينيها حتى يلمح بهما الكذب:
- وطبعاً حضرتك سمعتي من هنا وجريت تشتكي لسليم مش كدا؟
تابع آثار كلماته النارية على ملامحها فوجد خيطاً من الدموع يلمع بعينيها وهي تتحدث:
- لا مكنتش بشكيك لسليم. كنت عايزة أعرف انت إزاي تكون كدا.
قاطعهم رنين هاتفها. أمسكته وهي تتحرك خطوة:
- أيوه.
إنما سليم الذي توقف ينظر بحزن إلى راكان واردف:
- كان نفسي تلاقي حب حياتك في واحدة زي ليلى يا راكان. دي اللي تخليك تحب حق وحقيقي.
استدار يطالعه بذهول فأكمل:
- تعرف أتمنيت من قلبي إنك تحبها قبلي. لكن كل ما أشوفكم وانتم مش طايقين بعض فقدت الأمل فيك. مع أنها في الوقت دا جذبتني.
صدمة زلزلته فرفع بصره لأخيه وهو يكمل حديثه:
- أتمنى منك يا راكان تهتم شوية بنفسك. وتفوق الأيام بتعدي فينا. مستني لحد إمتى عشان تكون أسرة.
كانت الصدمة تجتاحه، فكأنه فقد الكلام والحركة. لقد شق صدره بحديثه. فظل يناظره مشدوهاً. فأكمل سليم حديثه:
- ليه دايماً واخد موقف من ليلى يا راكان؟
- ليه دايماً بحس إنك بتكرهها؟ حاولت تقرب منها بأساليبك ورفضت عشان كدا الحال بينكم كدا.
صدمة قوية نالت منه حتى شعر بأن الكون يدور به. فزاغت نظراته إليها وتذكر حديثها معه. مرت لحظات حتى شعر بأن قدميه لم تعد تحمله. فجلس عاجزاً عن الرد.
دنى سليم منه وهو يربت على كتفه:
- ليلى كويسة يا راكان. لو واخد منها موقف. أتمنى تتلاشاه عشان خاطر أخوك.
ازدرد ريقه بصعوبة يستجمع الكلمات التي جفت على لسانه وحاول أن يتحدث:
- ليه بتقول كدا ياسليم؟ ليلى محترمة وربنا يسعدكم.
أرجع خصلاته للخلف وأردف بغموض:
- هو ممكن حد يحبك من مجرد الاطمئنان وشعور بالأمان؟
أجابه وهو مازال يطالعها وهي تتحدث بالهاتف:
- الأمان أساس الحب ياسليم. يعني لو حسيت بالأمان معاها دا كافي إنك تعشقها مش تحبها.
***
تحرك سليم عندما وجد فرح تتجه إليها.
توقف أمام فرح:
- عايزة إيه يافرح؟
لكمته بصدره وصاحت بغضب:
- عايزة حقي فيك يابن عمي. من صغرنا والكل بيقول سليم لفرح.
جذبها من رسغها بعنف متجها بها لمنزلها:
- تعالي يافرح شكلك مش ناوية تجيبها لبر.
تحرك يجذبها خلفه. بينما راكان الذي جلس شارد بحديث سليم وحديثها عن نورسين. يجمع الخيوط ببعضها.
- هو سليم راح فين؟ تسائلت بها ليلى.
رمقه بنظرة غاضبة وهو ينفث تبغه فتحدث متسائلاً:
- إيه حكايتك بالظبط؟
هو فعلا إنت بريئة ولا ورا البراءة دي حاجة تانية
- ليه بتألفي حكايات عني لسليم!
عايزة توصلي لأيه بالظبط
ملئت صدرها بالأكسجين وتوجهت بنظرها إليه
- ليه دايما بتحسسني إني مهتمية بيك وشغلاني عشان ألف قصص عليك
نهض متحركا حيث وقوفها وأمال بجسده ينظر لمقلتيها
- أخويا أقرب إلي من روحي يعني لو طلب روحي مش هتتأخر فمتحاوليش تدخلي بينا عشان مزعلكيش ياليلى
دار حولها وأكمل
- كفاية اللي حصل لحد دلوقتي بينا وأنت بتقرري وبتحطي مبررات لنفسك
سحب كم من الهواء فزفره بوجع حتى لافح وجهها وتحدث:
- كلامك لسه معلم جوايا متفتكريش أسفك هقبله أنا بحاول أضغط على نفسي وأبلع رزالتك ودمك التقيل وبجاحتك غير غرورك عشان أخويا مش أكتر
توسعت عيناها بذهول
- دا كله فيا دا أنت مجمعني كأني مموتة لك قتيل
جلس وكأنه لم يستمع لحديثها وجد درة وسيلين وهم يتحدثون بضحكات صاخبة
- مفيش أحسن من البراءة اللي بتميز البنت إنما انت ماشاء الله بلاش أقول مكنة بجاحة ماشية على الأرض برجليين
- انت واحد مستفز على فكرة نفث سيجاره وابتسم بسخرية
- من بعض ماعندكم ياباشمهندسة
وطأت رأسها للأسفل وحاولت الحديث
- عارفة أنا غلطت وعارفة كمان مش من حقك تسامحني لكن فيه حاجة لازم تعرفها
" عمري مافكرت أفرق بينك وبين سليم ابدا بالعكس أكتر حاجة وجعاني رفعت بصرها ونظرت إليه بعيناها اللامعه بطبقة من الدموع
وأردفت:
- ياريت لو يرجع بيا الزمن لوقت ماكنتش اتوجعت كدا ولا كنت وصلت لمرحلة كارهة نفسي قوي كدا
دنت خطوة حتى أصبحت بمقابلته ولم يفصل بينهما سوى خطوة واحدة
- عارف أكتر حاجة توجع بجد لما يوصل بيك الحال إنك تكره نفسك..قالتها وعبراتها تنسدل على وجنتيها
- مش قصدي أوجعك بكلامي ولا قصدي ألف قصة عليك كل اللي أقدر اقوله لك ياراكان أنا اتلعب بيا صح وللأسف اكتشفت إني غبية بس بعد فوات الأوان ..قالتها واستدارت متحركة
" ليلى" أطبقت على جفنيها فكيف ماتشعر به الآن يكفي آلامها ...دنى بخطواته ووقف خلفها مباشرة
- انت مخبية عليا حاجة هزت رأسها رافضة ولم تنطق بسبب دموعها لم يرحمها وأكمل ما آلام روحها
- ليه قولتي عايزة أشوفك وانت بتتوجع تقصدي ايه؟
استدارت بعدما جففت عبراتها ونظرت مدققة النظر إليه فتحدثت بصوتا كاد أن يخرج بصعوبة
-أنا مش غبية ياراكان وعارفة قصدك ايه
بس ليه دايما حياتك مقرفة كدا ليه دايما مفكر إن كل ست تتمنى قربك لو كنت راعيت مشاعري صدقني وقتها مكنتش أستاهل الوجع دا ولا إنت تستاهل تكون كدا
ساد بينهما صمت ثقيلا مشحونا بالمشاعر المختلطة مابين الأنكار والإستنكار من الخذلان والألم ..ناظرت لمقلتيه وتحدثت
- تنكر إنك قولتلي عايزك تمن لمساعدتك تنكر قربك من نورسين وطريقتك معاها ومع غيرها
اقترب يضغط على رسغها وتحدث بغضب
- انت ليه غبية وبتفسري كل حاجة على هواكي ليه بتحسسيني أنا واحد منحط ومعنديش اخلاق
قلبها بدأ يدق بصدرها يكاد أن يتوقف من تسارع نبضاته بسبب قربه ورائحته التي غزت رئتيها وأنفاسه التي تضرب وجهها
- مكنش قصدي اللي فهمتيه ياباشمهندسة ياذكية قالها وهو يدفعها بعيدا
توقفت تنظر إليه بصدمة من حديثه حتى اكمل ماأكمل عليها من صدمات
- انا ماليش علاقات منحطة تخلي واحدة زيك تاخد فكرة زبالة بسبب تفكيرها المريض كدا بجد كل مرة بتصدميني
رمقته بإحتقار فقد دبحها بكلماته فاستدارت متحركة دون أن تعيره إهتمام تابعت خطواتها الواهنة ودموعها المنسدلة وساقيها التي أصبحت هلامتين كل ماتستنج معنى حديثه
عض على شفتيه السفلية بغل
- غبية واحدة غبية..وصل سليم يسأل عليها
- هي ليلى راحت فين؟
- معرفش قالها وهو يتجه للخارج متجها لسيارته
تابعه بنظراته وعلم أنهما تقابلا بنقاش حادا ككل مرة
عند أسما ونوح
كانت أسما تجلس على الأرضية الباردة على حالتها ملابسها الممزقة وخصلاتها المتمردة على وجهها بسبب يد نوح
استيقظ نوح وهو يشعر بألما يفتك به حاول يتذكر ماصار له ..هناك تشوش في الصور أمامه محاولا التذكر.. اعتدل وكأنه أصابه مس آهات خارجة من جوفه بدأت أنفاسه في الاضطراب وخفقاته تتسارع في سباق شديد حتى شعر بأنه فقد أحداهن ..عندما أعتدل ووجدها بتلك الهيئة ..جحظت عيناه وهو يهز رأسه بالنفي لما وصل عقله إليه ..حتى لم يشعر بنفسه وهو يضرب رأسه بالجدار ..كأنها لم تشعر به وبما يفعله..دنى منها ورفع يديه بأرتعاشة إلى وجهها
- أسما حبيبتي إيه اللي حصل؟
دموع فقط تنساب على وجنتيها..نهض سريعا لغرفتها وجلب إسدالها
- البسي ياأسما..حبيبتي البس دا واستري نفسك
شهقة خرجت من جوفها وهي تبكي بهستريا
- فين الستر دا يادكتور فين الستر اللي عايز تستروا انت عرتني يانوح بدل ماتسترني عر.تني قالتها بنشيج
جذبها لأحضانه يربت على ظهرها وتساقطت عبراته
- قولي إيه اللي حصل أنا اذيتك يااسما حبيبتي ردي عاليا
دفعته بقوتها الضعيفة ورغم ضعفها إلا أنها قوة أنثى جرحت كرامتها وتحدثت بغضب جحيمي
- ابعد عني ياحيوان أياك تلمسني تاني ورغم مافعلته به إلا أنه لم يتركها..جذبها يحاوطها بذراعيه يربط على ظهرها حتى سقطت مابين ذراعيه ورقة شجر هبتها الرياح بطريقة اوقعتها بمكان لم تخرج منه
حملها متجها إلى غرفتها ..وضعها برفق على التخت محاولا إفاقتها لبعض الوقت مسد على خصلاتها ودموعه تنسدل بقوة تحرق وجنتيه يضع جبينه فوق رأسها
- ليه ياأسما توصلينا لكدا ليه عايزة تموتي الحب دا
مسد على وجهها بحب وأمال يطبع قبلة على جبينها
- عايزة تبعديني عنك عشان تكون مرتاحة حاضر ياأسما هبعد عشان مااوجعش قلبك
دنى ينظر لمقلتيها وهمس أمام شفتيها
- خليك فاكرة إنت اللي كسرت حبي وحبك خليك عيشي مع الأحصنة واحكيلهم عن قصة حبك الفاشلة اللي محاولتيش تدافعي عنها
نهض وهو يتجول بنظراته بالغرفة ويشير بيديه
- كل مكان في المزرعة هيوجعك ويوجعني من الأحسن حد مننا يمشي من هنا
أطبق على جفنيه متألما
- هنقل بعد فرحي لفيلا الكومي خليك هنا عيشي على ذكرياتنا اللي دبحتيها بإيدك
قالها وتحرك للخارج...ثم رفع هاتفه
- عمو عاصم ممكن اطلب منك طلب بس مهم قوي ...على الجانب الآخر أجابه عاصم الذي كان عائدا لمنزله مع أسرته
- فيه حاجة يانوح ...حمحم نوح وحاول أن يتحدث
أسما صديقة ليلى تعبانة قوي ومفيش غيري في المزرعة لميا سافرت إسكندرية فلو ينفع تبعت ليلى تبات عندها الليلة أنا مش عارف اعمل ايه
زفر عاصم محاولا إيجاد حلا فأجابه
- هخليها تكلم خطيبها تستأذن منه يابني ولو وافق أنا معنديش مانع
- فيه حاجة يابابا توقف بالسيارة واستدار ينظر للخلف
- كلمي سليم استأذني منه عشان تروحي تباتي عند أسما
ضيقت عيناها وتسألت بالحيرة
- ليه إيه اللي حصل؟
أشار بيديه اتصلي واستأذني بيقول أسما تعبانة ومش عارف يتصرف
تحرك عاصم بالسيارة متجها للمزرعة بعد موافقة سليم
وصل راكان لمزرعة نوح يبحث عنه رفع هاتفه - انت فين مش موجود في البيت ليه؟
وصل حيث مكانه وجده جالسا يضع رأسه بين راحتيه كالذي فقد أعز مالديه..توقف يطالعه بنظراته المدققة
- عملت ايه يانوح؟ مد انامل يرفع ذقنه ينظر بمقلتيه
- نوح إيه اللي عامل فيك كدا؟
ساد صمت مختنق بحزن أكبر وألم يغزو قلبه
أغمض عيناه وانسدلت عبراته مستسلمه لعذاب روحه بكى حتى ارتفعت شهقاته
وقف راكان مذهولا من حالته جلس على عقيبه أمامه
- نوح إيه اللي حصل؟ وإيه الخرابيش دي؟
نهض وجذبه واقفا وهو يهز رأسه
- أوعى يكون اللي فهمته صح يانوح اوعى
هزه بعنف حتى يتحدث ولكن ماكان منه سوى الصمت والبكاء
مسح راكان على خصلاته بغضب يدور حول نفسه يحاول جذبه للحديث
- نوح احكي إيه اللي حصل ياله أنا سامعك
أخيرا رفع بصره إليه وتحدث من بين شهقاته
- انا حيوان ياراكان كنت هدبح البنت اللي بحبها
احتدت نظرات راكان عندما فهم حديثه هو كان يتمنى أن شكه وهما ولكنه صعقه بحديثه حينها لم يشعر بذراعه الذي رفعه على أشده هاويا على وجهه بصفعة قوية جعلته يترنح للخلف رغم قوة بنيانه ثم هزه وصاح بغضب
- من إمتى وأنت حيوان كدا يلا؟ قالها بقلبا مقهور ظل يدور حوله كالأسد الجريح يمسح على وجهه
- البنت عاملة ايه؟ وهي فين دلوقتي؟
اشار بيده المرتعشة للملحق الذي تمكث فيه
ثم اتجه إليه وتكاثرت عبراته
- تفتكر ممكن اكون اذيتها!
أنا مش فاكر كل حاجة وهي مش راضية تتكلم وخايف عليها لتعمل حاجة في نفسها عشان كدا بعت لليلى تيجي.
استمعوا لطرقات ليلى على منزل أسما وهي تنادي:
- "أسما" حبيبتي فينك؟ افتحي الجو برد. لولا جت ياباشمهندسة.
وقف راكان مذهولا وكأن الأرض تدور به عاجزا عن الفعل.
توقف نوح مترنحا متجها إلى ليلى. دفعه راكان بغضب:
- إيه هتقابلها كدا؟ روح ألبس حاجة. ربنا يعيني عليك وعلى عاميلك المتخلفة. فينك ياحمزة تشوف مصايب الدكتور.
لحظات وأتت ليلى تنادي وهي تقرع الجرس:
- نوح، يادكتور يابتاع التجميل. أين أنت؟ ليلى وصلت.
توقفت عن الحديث عندما خرج راكان ينظر إليها ثم تحدث:
- عرفنا والله إن حضرتك وصلتي. حتى شوفي الغيوم كترت في السما والجو هيمطر.
ولا زعابيب أمشير.
رغم صدمتها من وجوده، ولكنها شعرت بالسعادة الداخلية. عقدت ذراعيها:
- هو حضرتك عاملي زي عفريت العلبة؟ كل مكان تنطلي فيه. طيب تصدق يااسمك إيه؟
ياريتك تطلع فلوس. وقتها هكون غنية.
ابتسم رغم الموقف الذي لايدعى الابتسام. فاقترب منها:
- من جمالي بتلاقيني في كل مكان. وعشان كدا كل مانتقابل هعملك شيك بمليون دولار. ماهو مش أي حد برضو. دا أنا راكان البنداري.
- مغرور ومتكبر ومفكر نفسه حلو وهو شكل غطى الحلة.
قالتها وهي تتحرك متجهة لمنزل أسما مرة أخرى.
- سامعك على فكرة.
وصل المسؤول عن الخيول:
- حضرتلك الحصان ياباشا.
أشار بيديه وتحدث:
- مش دلوقتي يااسماعيل. شوية كدا.
توقفت ثم استدارت متناسية:
- الأرض مبلولة والجو فيه مطر إزاي عايز تمشي بالحصان دلوقتي والدنيا ليل.
وضع يديه بجيب بنطاله وتحرك إليها ينظر ليل عيناها الذي لم يرى بسحره:
- مالكيش دعوة خليكي في حالك.
تهكمت وتحدثت:
- يارب توقع ورقبتك تتكسر.
جحظت عيناه اقترب يرمقها شرزا يود لو يجذب لسانها.
قاطعهما وصول نوح. جحظت عيناها من مظهره. أسرعت إليه:
- نوح ايه اللي عمل فيك كدا؟
أمسكها من ذراعيها برفق متجها لأسما:
- تعالي! شوفي أسما ياليلى. وأعرفيلي منها كل حاجة.
تحركت بجواره:
- تمام. هي عندها برد ولا إيه؟ بس هي مكلماني من فترة كانت كويسة.
توقفت عن الحديث تطالعه متسائلة:
- تقصد إيه أعرف منها.
قام بفتح الباب وهرب بنظراته منها:
- ادخلي ياليلى مش قادر اتكلم.
تحركت للداخل تنادي على أسما.
تسمرت بوقفتها حينما وجدتها بتلك الهيئة.
كانت تجلس تنظر في نقطة وهمية ولا تشعر بشيئا. خصلاته المتمردة على وجهها بالكامل. ثيابها الممزقة. ناهيك عن علامته التي تركت آثاراً على عنقها وشفتها المتورمة.
أسرعت ليلى تجلس أمامها تحتضن وجهها:
- حبيبتي إيه اللي عمل فيكي كدا؟
أسما ردي عليا. مين الحقير اللي عمل فيكي كدا؟
كانت دموعها تنساب على وجنتيها بصمت.
لم تظهر أي تعابير على وجهها رغم مابه ولكنها اردفت بلسان ثقيل:
- ابن خالتك. هو اللي عمل كدا. الراجل اللي كنت بحميه بروحي. هو اللي دبحني.
فغرت شفتيها بعدم تصديق وهي تهز رأسها رافضة:
- لا مستحيل. نوح مش حقير.
وضعت يديها على اذنيها وبدأت تصرخ:
- متجبيش سيرته قدامي. أنا بكرهه.
ضمتها لأحضانها تحاول تهدأتها لفترة من الوقت. كانت تهمس بصوتا ممزق:
- نوح كان عايز يدبحني. حبيبي كان هيدبحني بسكينة باردة.
ظلت تهذي بكلماتها حتى شعرت بانتظام أنفاسها.
تحركت ليلى بعدما اطمأنت عليها متجها إليه ونيران تغلي بأوردتها.
توقفت أمامه تنظر إليه بشمئزاز. رفع نظره إليها وترقرت عيناه بالدمع:
- إسما عاملة ايه؟
تهكمت واجابته:
- لا تصدق صعبت عليا. يقتل القتيل ويمشي في جنازته. طلعت واحد حقير يابن خالتي.
توقف راكان وصاح بغضب:
- روحي شوفي صحبتك عملت إيه. وبعدين تعالي اتكلمي.
أشارت عليه مستهزئة:
- شوف مين اللي بتكلم.
اقتربت منه ودون وصاحت بغضب:
- إنت عامل زي الديب اللي بيعظ الديك عشان يصلي الفجر. هقول ايه ماانتو زي بعض.
تحرك راكان يجيب على هاتفه الذي لم ينقطع رنينه. ولم يعيرها إهتمام حتى توجهت إلى نوح وبدأت تصرخ بوجهه:
- من إمتى وإنت حيوان كدا؟ عملت إيه في البت يانوح؟ انت اللي تكسرها بالشكل دا.
توقف وصرخ بوجهها:
- إيه كفاية. ليه الكل بيدوس عليا؟ فيه حد فيكم سأل أنا حاسس بإيه؟ هي وبعدت عني بعد ماكنا متواعدين نعيش حياتنا كلها مع بعض.
تنهد بوجع وأكمل:
- وماما مفيش غير إهتمامها بالبنات وناسية أن ليها ولد من حقه يشعر باهتمامها. وبابا اللي عمال يضغط ومش شايف غير المناصب والمراكز ومش عايز يفهم أن سعادة ابنه أغلى من كنوز الدنيا. دا أنا ابنه الوحيد.
أمسك خصلاته وصاح بغضب كالمجنون:
- حتى هي عايزة تدفني بالحيا. عملت ايه كنت سكران ومحستش بنفسي. إيه اجرمت؟
اقتربت وامسكته من ثيابه:
- انت مش أجرمت بس يابن خالتي. إنت نزلت من نظري.
قالتها تدفعه. ثم استدارت للمغادرة.
- بلاش إنت ياباشمهندسة. خلي حد تاني يقول كدا.
وصل إليها بخطوة مردفا:
- على الاقل أنا محبتش واحدة وروحت ارتبط بغيرها.
هزة عنيفة أصابت جسدها وشعرت كأن الأرض تدور بيها فتحدثت مرتبكة:
- إيه اللي بتقوله دا يانوح؟ اتجننت!
اقترب يهمس لها:
- ياترى مين اللي بتحبيه ياليلى تعالي نخمن كدا.
- آسر اللي جالي يبكي وقدم استقالته وسافر؟ ولا راكان.
هز رأسه ينظر إليها بتشفي عندما تحول لون بشرتها وهزت رأسها:
- اسكت يامجنون. شكلك اتجننت على الآخر.
كأنه لم يستمع إليها فاكمل حديثه:
- أنا متأكد إنه راكان. ماهو مش معقول آسر. آسر بقاله سنين قدامنا. إنما راكان اللي ظهر فجأة وقلب حياتنا. غير نظراتكوا لبعض.
جذبها من ذراعها بقسوة وتحدث بصوتا جحيمي:
- بتعملي غلط ياليلى. دي جريمة. إنك تحبي واحد وتتجوزي أخوه.
دفعها عندما وصل لحالة الجنون كلما تذكر حديث أسما:
- سليم ميستهلش. مع إن علاقتي طفيفة بيه. لكن هو راجل مهما كان وعمري ماهقف معاكي. أنا قولت قبل كدا لراكان.
"لو حاول ياذيك هقف معاك". ودلوقتي بقولك نفس الكلام يابنت خالتي.
- فوقي من الغيبوبة دي. أنا كنت سكران عشان كدا محستش بنفسي وأنا بأذي أسما. إنما أنت بتأذي بقصد.
"انت، راكان، وسليم". تفتكري لو واحد فيهم عرف هيكون موقفك إيه.
أصاب نقطة دامية داخل صدرها فنظرت للبعيد:
- إنت مش فاهم حاجة يانوح. متحكمش على حاجة وإنت مش عارف اللي بيحصل.
جذبها واجلسها بجواره ممسكا كفيها:
- ليلى مهما كان اللي هتقوليه، مش يديلك الحق أنك تاذي نفسك وتاذيهم. فوقي يامجنونة انت بتحكمي على نفسك بالإعدام.
رفعت نظرها وبعيونا باكية:
- نوح مفيش حاجة من اللي بتقولها. معرفش إيه اللي خلاك تقول كدا.
أوقفها يهزها بعنف:
- يعني أسما هتكذب عليا؟ وهي بتقول ليلى بتحب واحد وهتتجوز من واحد تاني؟ لا وكمان قلبها هيوجعها طول ماهي شايفاها قدام عيونها.
- إيه ياليلى!
أنا مش غبي لدرجة دي. لما انت بتحبي راكان وافقتي على سليم ليه؟
- أيوه بحبه. قالتها بصراخ.
بأنفاسها المرتجفة ولسان تجمدت فوقه الكلمات، أكملت بقلب ينزف وتمنت أن تنتهي حياتها.
- أيوه يانوح، حبيت الشخص الغلط. حبيته واتخطبت لأخوه. ارتحت كده؟
جحظت عيناه ينظر إليها بذهول غير مصدق. تمنى لو كذبت.
أما الذي يقف على بعد خطوتين، ترنح جسده للخلف، يطبق على جفنيه بألم. ورغم أنه كان يشك بأمرها، إلا أن الشك شيء والحقيقة شيء آخر.
توقف يحاول أن يتنفس، وكلمات سليم تخترق قلبه قبل أذنيه. كم يعشقها أخيه؟ والآن هي تعترف بحبه. استمع إلى ما شقّه لنصفين.
- عايز تسمع مني إيه يابن خالتي؟ إن بنت خالتك منحطة عشان تحب واحد وتتجوز أخوه؟ مش ده اللي عايز تسمعه؟
كأنها ضغطت بكلماتها على جرحه، فانفلتت أعصابه وانفجر صارخًا بصوت جهوري.
- أومال تسمي إيه اللي بتعمليه؟ ضغط على كتفيها بعنف.
- مستنية مني أصقفلك وأقولك برافو. نزلت دموعه وأكمل ما أحرق روحها:
- هتقدري تتحملي إنك تكوني مع واحد وقلبك مع واحد تاني؟ بلاش دي. يمكن عندك قوة خارقة. أنا كراجل مش قادر أتحمل أتجوز غير أسماء. إنما البعيدة عايزة تكون مع اللي بتحبه في بيت واحد.
أطلق زفرة حارة من أعماق قلبه لعل يخفف أوجاعه، وقال ما جعل جسدها ينتفض.
- طيب شوفي يابنت خالتي، يا إيرون ومن...
راكان هو كمان بيحبك. اشربي بقى، واعرفي إنك بتلعبي بالنار.
للحظة فقط لم تستوعب حديثه الدامي لقلبها. هنا توقف الزمن وثبت دوران الأرض، ولم يكن سوى ضربات قلبها العنيفة بحبه فقط. ورغم ذلك نفت حديثه.
- ده وهمك اللي مصورك كده يانوح.
رفع الكأس يتجرعه دفعة واحدة، ونظر إليها ثم تحدث متهكمًا.
- مش وهم يابنت خالي. ياريت وهم. ماكنش راكان اتوجع كده وانت بتقوليله هوجعك.
ما أنت عارفة إنه بيحبك أهو، وبكل بجاحة رايحة تقوليله كده.
توقفت لثوانٍ تقاوم صرخة عبأت صدرها، ولكنها كتمتها وتابعت بعينين باكيتين.
- كنت حاسة، مجرد إحساس ليس إلا. وكنت بقول كلام وخلاص. بس برضو مهما كان ده ميشفعلوش عندي. ده طلب يعاملني زي جواريه.
- غلطانة ياليلى، وغلطك كبير. وبحذرك، محدش هيحترق بالنار غيرك.
بنظرات تحمل بين طياتها الكثير والكثير من العتاب، تحدثت:
- يااه يانوح، ده ليلى طلعت شيطانة قوية.
مازال غضبه منها يعشش فوق قلبه، فأردف بقهر.
- انت وصاحبتك ياليلى نزلتوا من نظري قوي.
وضع كوبه ووصل أمامها يشير لقلبه.
- وحياة وجع قلبي منها لأوجعها. وانت كمان الصراحة تفوقتي في وجع راكان. بس متخافيش يابنت خالتي.
النار بتمسك في اللي ماسكها الأول.
هزت رأسها وتحركت مترنحة للخارج وهي تتحدث.
- مش فاهمة حاجة يانوح، صدقني.
خرجت تسير بخطوات واهية، يترنح جسدها ودموعها تفترش خطاويها، حتى وصلت لمكان بعيد بعض الشيء وأطلقت صرخة من أعماق قلبها، ثم بكت بشهقات وقالت من بين بكائها:
- ياااااارب خدني وريحني من الوجع ده.
كان يتابعها من مسافة ليست ببعيدة، كور قبضته حتى تحول جسده لنيران لو خرجت لأحرقت الأخضر واليابس. تحرك إلى أن توقف أمامها وجهًا لوجه، فتجمدت الدماء بأوردتها وتبدلت نظراته المشتعلة إلى نظرات حنونة حينما وجدها بتلك الهيئة.
لأول مرة يختبر ذلك الشعور القاسي حين شعر بضلوعه تنقبض بقوة معتصرة قلبه بين شقه الأيسر لينتج عن ذلك ألم حاد يسري كالنيران بأوردته، فأصبح كل شبر في جسده يئن ألمًا.
حينما دنت منه وتحدثت من بين بكائها:
- عايزة أكون لوحدي. ممكن تسبني لوحدي؟
ولا دي كتيرة عليا؟ لو سمحت عايزة أكون لوحدي.
كان لحديثها وقع خاص على قلبه الذي لأول مرة لا يعرف كيف يسيطر على شعوره. لأول مرة يريد أن يسحقها بين أحضانه ويربط على قلبها. ولكن كيف وهي الذي أودت بهم في الظلمات.. حتى أشعرته بالعشق الأسود الممنوع.
رفع نظره يطالع عينيها الباكية وشفتيها المرتجفة، هنا لم يتحمل. فهذه الشفاه كان أخيه يتمتع بها منذ ساعات.
أطبق على جفنيه غاضبًا وشعور ينتابه بأن يقبض على عنقها بسبب ما فعلته بهم.
ورغم ما شعر به، إلا أنه أنكر شعوره تجاهها وكأنه لم يستمع لشيء. فلم يجد خيارات أمامه. نعم هو مجبر على ذلك. فلم يعد فرصة الرجوع خطوة للخلف. أخاه وما بعده الطوفان. سيدوس على قلبه ويحرقه لو كلفه الأمر. فهي الخائنة الوحيدة من نظره. لم يكن لديه شيء سوى كرهه فقط. وجع يديه بجيب بنطاله وتساءل وهو ينظر للبعيد:
- ليه عايزة تتجوزي سليم؟ طمعانة فيه؟ ولا زي ما بتقولي فكرتي إنّي هيمان بحب الأميرة فعقلك الصغير خيلك إنك بكده بتكسريني وتحرقي قلبي.
نفث من سيجاره بوجهها، فكلما تذكر حديثها ود لو أحرقها كما يحرق تبغه، فأكمل عندما وجدها صامتة:
- أنا فعلاً زي ما قولتي. أي واحدة بتعجبني بجيبها لعندي. وآخرة علاقتنا ليلة ولو عجبتني ممكن ليلتين. دنى وهو يركل بعض الحصى وأمال على وجهه ابتسامة سخرية.
- وأه نورسين حامل مني. مالك أنت بحياتي؟ ركزي في حياتك.
بينما هو يتفنن في إظهار قسوته حتى تكرهه، لم يتحمل مشاهد طبقة من الدموع تحاول إخفائها أمامه حتى لا تظهر ضعفها أمامه.
بصعوبة كمم صرخة قلبه الذي انتفض غضبًا وألمًا من حديثه، ثم رفعت بصرها إليه ولو كانت النظرات تحرق لأحرقته بالنيران التي تخرج من مقلتيها.
دنت منه بملامح حزينة وقلب مكسور ولم تشعر بنفسها وهي تلكمه بصدره وتتحدث بغضب:
- أنا بكرهك ياراكان. بكره كل حاجة فيك. من غرورك لغبائك لكل حاجة.
تنهدت بحرقة شديدة وحاولت التظاهر بالقوة أمامه وقالت بنبرة لم تهتز:
- سليم شخص يُحب. مش يستاهل أشغل نفسي بواحد مريض زيك. آه منكرش إني ما وصلتش لمرحلة الحب معه، بس أكيد بكرة هحبه وأعشقه.
أطبقت على جفنيها بألم ثم أطلقت زفرة خارجة من فمها وهي ترفع سبابتها أمامه.
- عيش حياتك مع اللي أذيتك. وابعد عني وعن حياتي. أنا وسليم هنتجوز قريب. وانت كمان. متخليش غرورك المريض يثبتلك إن الكل هيموت عليك.
كان مشدوهاً لما يسمعه ملجم اللسان عن شراسة حديثها. ورغم خطئها، إلا أنها مازالت تقف أمامه وتنكر حبه.
استدارت متحركة تمنت لو تحكي له كل ما يؤلم روحها. تمنت أن تحكي عن شعورها. تمنت لو يضمها ويطمئنها، ولكن كيف وهو مؤلم روحها.
- "ليلى". أردف بها راكان بقوة.
اقترب منها ونزل بجسده حتى أصبح بمقابلها وقريباً منها للحد الغير مسموح، حتى تراجعت للخلف حينما ضربت أنفاسه بشرتها.
- عيني عليك. لو حسيت مجرد إحساس إنك هتأذي أخويا. صدقيني وقتها هدفنك حية.
ازداد الغضب بداخلها حتى تشكلت غصة مريرة جعلتها عاجزة عن التنفس. فيكفي ما صار لها في تلك الليلة.
- ده جوزي. بلاش تحسسني إنه عدوي.
تحركت وهي ترمقه بنظرة جحيمية، مما اشتعل جوفه بعاصفة غضب هوجاء، فتحرك سريعًا خلفها.
- لو ابن خالتك يهمك خلي المختلة عقلياً دي تفوق قبل ما يتجوز. الفرح بعد يومين.
قالها وتحرك سريعًا متجهًا لإسطبل الخيول.
عند سيلين تجلس أمام المسبح بجوار سليم تحكي له عن درة. قاطعهما يونس عندما ألقى بجسده بجوارها.
- عاملة إيه؟ وحشتيني.
لكزه سليم.
- احترم نفسك يادكتور. اعتدل ينظر لعيناها التي تشبه موج البحر.
- ماهي أختك اللي مجننانى..
توقفت وهي تضع الشال على كتف سليم.
- حبيبي هروح أنام، تصبح على خير.
- حبك برص ياختي، مفيش حبيب غيري هنا.
رمقته بنظرة احتقارية ثم تحركت.
***
بعد مرور عدة أيام، وهو اليوم المقرر بزفاف نوح. تألقت ليلى بفستانها الذهبي الذي جعلها كأميرة، مع وضعها للمسات التجميل الخفيفة. خرجت منتظرة درة الذي ينتظرها نور بالأسفل. كانت درة ترتدي فستانًا باللون الأخضر الذي يعكس جمال بشرتها، مما زاد من جمال طلتها.
هبطت الأختان مع والدتهما ووالدهما. أشار عاصم إلى كريم.
- روح اركب مع اختك وخطيبها ياحبيبي.
بينما تحركت ليلى بابتسامتها الخلابة عندما وصل سليم يقف ينتظرها أمام المنزل.
فتح الباب وهو يطلق صفيرًا.
- مدامي الحلوة ممكن تتخطف مني في الفرح؟
ابتسمت له واستقلت السيارة بجانبه، منطلقًا لحفلة الزفاف.
رفع كفيها يطبع قبلة عليهما.
- حبيبتي طالعة تخطف القلب.
نظرت من نافذة السيارة للخارج.
- انت بتبالغ مش أكتر ياحبيبي.
جذبها يضمها من أكتافها.
- ليلى أنا بحبك قوي.
وضعت رأسها على كتفه ولم ترد. زفر باختناق فتحدث.
- مفيش وأنت كمان ياحبيبي.
اعتدلت تفرك بفستانها وتهرب من نظراته.
- هو مش إحنا اتكلمنا قبل كدا ياسليم؟ قولتلك خلينا نتعرف على بعض بعد فترة.
تشابكت أصابعه بأصابعها وترجلا من السيارة متجهين لداخل الحفل الذي كان عبارة زفاف أسطوري. دنت من أذنه بسبب الأصوات المرتفعة.
- سليم ممكن مانطولش في الفرح.
توقف عن السير.
- دا فرح نوح حبيبتي، ليه مش عايزة تحضري؟
- عايزة أروح لأسما، أصلها تعبانة ومقدرش اسبها لوحدها.
ابتسم يقرص وجنتيها.
- ع لم حبيبي، نقعد شوية وأوصلك عندها.
التمعت عيناها بابتسامة بريئة.
- شكرا ياسليم، ربنا يخليك ليا.
همس أمام شفتيها.
- بس لازم مقابل حبيبي.
نظرت حولها وتوردت وجنتيها من مغزى حديثه.
فنظرت للأسفل وتحدثت بتقطع.
- سليم بس بقى.
أطلق ضحكة وهو يمسد على وجنتيها.
- حبيبتي طفلة، إيه الطماطم دي عايزة أكلها.
وضعت رأسها بصدرها عندما جذبها بقوة حينما اصطدم أحدهما بظهرها.
شعرت بدقات قلبه العنيفة بداخل صدره. رفعت رأسها فتقابلت نظراتهما. لم يتحمل قربها بذاك الشكل، فجذبها إلى مكان لا يوجد سواهم واقتنص قبلة أعادت أنفاسه التي سلبتها منذ وجدها بتلك الهيئة. شعرت بإنسحاب أنفاسها فجأة. ظلت للحظات حتى تسيطر على حالها، تحاول بأقصى مالديها أن تتعايش معه. هو زوجها وسيكون حبيبها، هذا ما وعدت به نفسها.
رأت نور ودرة الذي يبدو على ملامحهم الغضب والحزن فتركت يديه وتحركت.
- هروح أشوف درة. قالتها دون النظر إليها.
أطلق ضحكة وهو يتحدث.
- اهربي، اهربي. فرحنا قرب، هشوفك هتهربي فين.
أمسكت ذراع أختها.
- مالك في إيه؟ هزت رأسها بالنفي.
- مفيش حبيبتي، روحي سلمي على حماتك.
هزت رأسها متجهة لزينب وأسعد. بينما تحرك سليم والابتسامة تشق ثغره، ووجه الذي أنار بحبها. اصطدم براكان الذي يجاور يونس متجهين للحفلة.
رفع بصره إليه.
- يخربيتك ياسليم مش صابر لما تروح.
إنما راكان الذي شعر وكأن أحدهما طعنه بخنجر بقوة فتحدث بصوتا غاضب دون أن يشعر.
- إيه مش واخد بالك من وشك؟ روح امسح الروج. قالها وتحرك وجسده ينتفض بنيران الغضب يود لو يدمر المكان بما فيه.
خرج العروس وعريسها الذي ينتظرها أسفل الدرج على موسيقى هادئة. هنا لم يشعر بنفسه وهو يفك رابطة عنقه عندما أحس إنها تطبق على عنقه. رفع نظره إلى ليلى التي تقف بمقابله تنظر إليه بوجع. نظر إليها بمغذى.
أومأت بعيناها.
- لا تقلق إنها بخير، فلقد تركتها ليلى في صباح اليوم مع أسيا، التي جلست تراعيها. فهي منذ ذلك اليوم وهي ملزمة الفراش. جسدها أصبح كالمشلول، لا تريد أن ترى أحدًا، أو تتحدث مع أحد. تذكرت منذ ساعات عندما كانت بالمزرعة ووجدت انهيارها بسبب زفافه. اتجهت سريعة إليه وحسمت أمرها أن توقف ذلك الزفاف ولكنها لم تجده ووجدت آخر شخص تود لم تراه في ذلك الوقت.
توقف راكان أمامها.
- نوح خرج مع يونس، مفيش غيري أنا وحمزة وأصدقاء نوح. وعلى ما أظن ماينفعش تدخلي بيت مفهوش غير الرجالة.
- راكان لو سمحت لازم توقف الفرح دا. والله حرام اللي بيحصل دا. قالتها بقلبا مشطور.
اتجه بنظره لأسيا وهي تسند أسما متحركة للخارج علها تستنشق بعض الهواء. كانت تتحرك كطفل يتعلم السير.
جلست بين الأشجار.
- خلينا شوية هنا مش قادرة أمشي. مسدت على خصلاتها بحنان. فرفعت بصرها عندما شعرت بأنسحاب أنفاسها.
- أنا مش قادرة أكمل. كنت مفكرة نفسي قوية بس أنا ضعيفة. أتمنى لو الفرح يتلغي ياأسيا. آه قلبي بيوجعني قوي.
استمع راكان لحديثها فاتجه إليها.
- دا تمن اللي عملتيه. اشربي بقى. قالها وتحرك لسيارته. أسرعت ليلى خلفه.
- راكان استنى. قالتها بصراخ.
زفر بغضب فكلما يستمع لأسمه من شفتيها، يود لو يمنع صوتها الذي يخترق روحه.
- كلم نوح ياراكان، ممكن يسمع منك.
ابتسم بسخرية رافعا حاجبه.
- ليه هو أنا غبي؟ أنا ماصدقت يخرج من دايرته المريضة.
خرجت من شرودها وهي تنظر للعروسين.
حاوط نوح العروس بذراعيه متجها لمكانهما المخصص للعروسين.
كانت تنظر بساعتها كل فترة. سحبها سليم لساحة الرقص. ذهبت ببصرها جهة راكان الذي كان يتحدث مع حمزة وكأنه يهرب من نظراته إليها. ابتسمت إلى سليم ورفعت رأسها وهي تتحدث معه.
- قلبي وجعني قوي. مش قادرة أكون هنا وأسما تعبانة ياسليم. بليز ممكن نمشي.
ابتسم إليها وأجابها.
- هنخلص الرقصة دي، وبعدين نمشي.
أومأت برأسها دون حديث آخر. عند درة.
وقف نور يبسط يديه إليها.
- تعالي نرقص. ولا دي كمان حرام؟
جذبت يديه واجلسته تنظر لوالدها الذي يراقبهما.
- نور من فضلك مينفعش كدا. إزاي عايزني أكون في حضنك واحنا مش مكتوب كتابنا.
أخرج سيجاره وغادر غاضبا.
- خليكي هنا لما تبقي مراتي.
مسحت على وجهها تحاول أن تسيطر على نفسها ولا تبكي. جلست بجورها لميا وربتت على كتفها.
- خطيبك طالع يطلع نار من بوقه ليه يابت؟ مزعلاه ليه.
ابتسمت درة إليها.
- لا مفيش ولا حاجة يالولو. هو مبيحبش الدوشة مش أكتر.
اتجهت سيلين تجلس بجوارها.
- أخيرا خطيبك مشي، كنت عايزة اجيلك بس اتكسفت.
تجهمت ملامحها مغتاظة من حديثها.
- لا ياريتك جيتي ياختي.
قوست فمها ونظرت للميا.
- مبحبش أكون عزول ياختي. ليكون الحب مقطع نفسه.
توجه صديق من أصدقاء سليم.
- ممكن ترقصي معايا ياسلين؟ ابتسمت له.
- أكيد ياعلي. تحركت معه إلى الاستيج.
رآها ذاك الأسد فهب فزعا متجها بنيران تخرج من عينيه. وصل عندهما ثم جذبها بقوة.
- شكلك اتجننتي وعايزة اموتك. قالها بصوتا صاخب حتى توقفت الموسيقى بسبب صوته.
اتجه راكان سريعا حينما وجد الوضع تأزم من صراخ سيلين. دفعته سيلين بشراسة.
- ابعد عني اتجننت.
سحبها بقوة. وقف كلا من يحيى محاولا السيطرة على الوضع. جذب راكان يونس يدفعه بقوة هو وحمزة للخارج.
تأسف يحيى مطالبا الجميع بإستمرار الرقص.
بينما بالخارج. اطاح يونس بكل شيئا وهو يصرخ.
- وديني هموتها ياراكان. اختك المستفزة هموتها.
حاول دفع راكان
- وسع كدا هي مفكرة نفسها مين عشان ترقص مع حد غيري
دفعه بقوة وهو ينظر للناس حوله
- ماتخرص فضحتنا دنى وتحدث بصوتا كالفحيح
- سيلين نجوم السما اقربلك منها يايونس فاتلم ..اتجه بنظره لحمزة
- خد الزفت دا من قدامي وجد ليلى تخرج مع سليم متجهين للسيارة
زفر مختنقا
- هو أنا هلاقيها منين ولا منين دا إيه القهر دا كله دا لو عامل ذنوب العالم كله مش هتعاقب بالطريقة دي
ربت حمزة على كتفه
- انا هاخد يونس وانت خلي بالك من نوح شكله مش مطمني
قهقهات مرتفعة ولم يعلم بما أصابه حتى ضحك بذلك الشكل فاتجه لحمزة
- ودا اعمله ايه ادخل معاه الأوضة واربطه مع عروسته ولا إيه لا دا كدا كتير والله
لكزه حمزة وهو ينظر ليونس الذي قاد سيارته كالمجنون
- أمشي شوف المجنون دا كمان الحكاية مش ناقصة
- بعد مرور شهر
- أتى اليوم الموعود فهو سعيد على البعض وحزينا على البعض
تجلس بجناح كأميرة بأكبر الفنادق بالقاهرة الذي سيقام به حفلة الزفاف والعديد من العاملات حولها يقمن بتجهزيها
نظرت لذاك الفستان الذي يعلق أمامها وكأنه يعد كفنها تمنت لو يأتي ويخطفها ويربط على قلبها بحبه ..اطبقت على جفنيها وعبراتها تسيل بغزارة على وجنتيها فاليوم ستخطو لأولى كابوسها بالحياة
تجهمت ملامح العاملة التي تقوم بتزيينها وتحدثت
- دي رابع مرة اظبط مكياجك لو سمحت مينفعش كدا ...أشارت أسما لها بالخروج لفترة
ثم اتجهت واحتضنت كفيها
- لو منك اهرب ياليلى اهربي انفدي بجلدك اختاري سعادتك حبيبتي محدش هيقاسمك وجع قلبك ياريت الوقت يرجع بيا كنت غيرت حاجات كتيرة
هزت رأسها رافضة
- مستحيل ياأسما مش أنا اللي أكسر ابويا مهما يحصل مش أنا اللي اذل نفسي لقلبي مش أنا اللي ارمي نفسي على واحد بايعني
ضمت وجهها رافضة حديثها
- راكان بيحبك ياهبلة كل كلامه ماإلا رد لكرامته اللي دوستي عليها وحياة ربنا بيحبك سمعته وهو بيقول لحمزة
شهقة خرجت من فمها تبكي بنحيب
- عرفت ياأسما نوح قالي بس مفيش حاجة بأيدي اعملها إحنا الاتنين غلطنا ولازم ندفع تمن غلطنا
استمعوا لطرقات على الباب..فدخلت العاملة
- ياله ياعروسة آخر مرة هظبط مكياجك عشان الوقت
أومأت برأسها ودقائق كانت انتهت من زينها بالكامل ..اقتربت درة وأسما ينظرون إليها بأنبهار
- طالعة ملكة ياحبية اختك
رسمت ابتسامة على وجهها وهزت رأسها
- ميرسي يادرة عقبالك حبيبتي...استمعوا لطرقات خفيفة على الباب ...أخو العريس برة عايز يدخل لحضرتك
هزة عنيفة أصابت جسدها رفعت نظرها سريعا لأسما التي لم تكن بحال أفضل من ليلى
دلف بهيئته الجذابة التي أشعرتها بدقات عنيفة بصدرها ولكن دقات تصيب قلبها بقوة نظر لدرة وأسما يلقي تحيته:
- مساء الخير..ثم رفع نظره إليها صاعقة أصابته
حتى شعر بإنسحاب الأرض من تحت قدمه فلمعت عيناه بالدموع لا يعلم دموع سعادة لفستانها الذي تخيله بها وكأن تصميمه لها وحدها أم دموع حزن من وجع قلبه
لأنها أصبحت لغيره وليس أي احد لكنه أقرب لروحه
- ممكن تسبونا لوحدنا خمس دقايق قالها وهو يطالعها بنظرات مبهمة ضغطت على يد أسما حتى لا تتركها لوحدها معه نعم تشعر الآن بالضعف حتى وصل شعورها إنها ستلقي بنفسها بأحضانه وتقص له كيف تشعر الآن
- إحنا لسة بنخلص قبل ماسليم يوصل
أجاب أسما ومازالت أنظاره على ليلى
- قولت سبونا لوحدنا استغربت درة مايصير حولها ورغم ذلك تحركت تجذب أسما
جذب مقعد وأشار بعينيه
- اقعدي ياليلى قالها بصوتا حزينا.
جلست ومازالت عينيها لا تفارق عينيه كأنها تخبره بكم الآم التي تصيب قلبه جلس بمقابلتها وتحدث بقلبا يأن وجعا
- أنا قولتلك قبل كدا إن سليم روحي أنا بعتبره ابني مش اخويا فيه حاجات كتير إنت مش تعرفيها
تنهد وسحب نظره بعيدا عنها وأكمل
- انت نجحتي بامتياز وجعت قلبي فوق ماتتخيلي ولسة الوجع مستمر
اتجه مرة أخرى ينظر لعيناها التي زرفت الدموع
- أنا مستعد اتحمل أكتر من كدا لكن لو حسيت إن سليم حزين من جوازته صدقيني مش عارف ممكن اعمل معاك ايه
ليلى أنا حاولت اكرهك ومقدرتش متوصلنيش إني اكرهك بجد إحنا غلطنا ولازم نتعاقب فلازم تجني تمن اللي عملتيه
سحب كم من الأكسجين يملأ رئتيه التي شعر بمنع تنفسه محاولا ألا يضعف أمامها فأكمل بصوتا كاد أن يكون متزنا:
- طول ماهو سعيد طلباتك أوامر مش هتكوني مجرد مرات ابن البنداري لا هخليك ملكة عيلة البنداري..فبعيدا على انتقامك مني بلاش توجعيني في أخويا لو سمحت حتى لو مجرد كلمة تزعله
ابتسم بسخريه على القدر ووقف
- اجهزي عشان هو جهز أنا طلبت منه أقعد معاك خمس دقايق هو مستعجل مش مصدق حبيته تكون في حضنه
اطبقت على جفنيها وشعور بتوقف قلبها كاد أن يزهق روحها جسدها بدأ ينتفض بألما فتوقفت واتجهت تقف أمامه ووجهها الذي تحول عن عبارة من الألم والوجع
- راكان...رفع ابهامه يضعها على شفتيها المطلية بأحمر الشفاه
- اشش مش عايز أسمع حاجة وقت السمع عدى وخلص دلوقتي فكري في حياتك وجوزك
- إحنا القدر فرقنا ...عايزة تسمعي مني إيه
ايوة مالناش نصيب في بعض يمكن ربنا شايف حاجة إحنا مش شايفنها بس بلاش تأذي سليم
نظرت إليه بقلبا يأن وجعا وتحدثت بحزن:
انا مش خاينة ولا منحطة أنا بقيت أكره نفسي أوي وانت السبب في دا كله تعرف نفسي في ايه بتمنى أموت وارتاح من وجع قلبي دا انت السبب ياراكان متلومنيش
هز رأسه يستمع لحديثها بقلب مشطور
- دلوقتي مش هنقول مين السبب ياليلى
إنت غلطي ولازم تدفعي تمن غلطك وأنا ربنا بيخلص مني حاجات كتيرة كنت مش واخد بالي منها ...الخلاصة يامرات أخويا
- إنك خططي ونجحتي المهم حافظي على جوزك وخليك قد كلمتك وزي ماتربيتي أنك مش خاينة ولا منحطة أتمنى ياليلى تكوني زي أول مرة شفتك فيها أتمنى تكوني قد اختيارك وتعرفي تسعدي سليم وزي ماقولتلك مستعد أتحمل من الوجع أكتر من كدا إلا أشوف وجع أخواتي
أشارت على نفسها في لحظة تيه منها وتسائلت بعينين مغروقتين بالدموع
- وأنا فين من دا كله فين وجعي
استدار حتى لا يضعف أمامها
- انت اللي اخترتي للأسف انت اللي دوستي ودوستي بالجامد قوي عيشي حياتك وعلى فكرة إنت عندي زيك زي أي ست بسهر معاها
...قالها ثم خرج بخطوات رغم إنها متزنة إلا إنها خاوية واهنة متحاملة بالألم
هوت بجسدها تنظر بتيه حولها ليتها أصيبت بالصمم حتى لا تشعر بحقارتها أمامه وهو ينسبها كالبنات التي تسهرن بأحضانه
هنا فاق الألم حدوده وضغطت تعض بأسنانها على كفيها
- غبية فهمتيه إنك بتحبيه شوفتي حرق قلبك ولا اهتم تستاهلي ياغبية
كورت قبضتها تضغط على فستان زفافها
- ماشي ياراكان والله لأخليك تلف حوالين نفسك مبقاش ليلى المحجوب اللي مخلتكش تندم على كل كلمة
بعد قليل كان ينتظرها سليم بآخر الدرج
هبطت بطلتها التي خطفت القلوب ينتظرها أميرها ..حبس سليم أنفاسه داخل صدره
ينتظر عروسته الجميلة ..وصلت وهي تطوق ذراع والدها والموسيقى الهادئة مع خطواتها
وصلت أمامه مبتسمة ببرائة وهي تبحث بعينيها بالأرجاء ولكنه اختفى
ضم سليم وجهها يطبع قبلة على جبينها ثم فجأة نزل لشفتيها يقتنص قبلته أمام الجميع
تصنمت بوقفتها تحاول السيطرة على نفسها
حاوطها بذراعيه ثم رفعها من خصرها
- ألف مبروك ياحبيبي
سحب كفيها متجهين لمكان رقصتهم الأولى
ضمها بقوة وهو يهمس لها
- أخيرا هتباتي في حضني يالولا ياااه كنت مفكر اليوم دا مش هيجي ابدا
تذكرت حديثه:
- لو فعلا حبتيني في يوم من الأيام زي ماقولتي ليونس اثبتيلي دا بسعادة سليم
وضعت رأسها بصدر سليم تضغط على نفسها حتى لا تبكي ..رفع سليم ذراعها حتى تطوق عنقه ويتحركا على نغمات الموسيقى
رفعت ذراعيها تطوق عنقه وتنظر إليه مبتسمة
ظلا يتمايلان لبعض الوقت على موسيقى رومانسية ..حتى انتهى من رقصتهما الأولى
عند راكان خرج من حفلة الزفاف بعد حديثه معها استقل سيارته يتحرك بشوارع القاهرة يحاول أن ينسى طلتها التي خطفت قلبه وبكائها الذي مزق روحه وكوها..ظلا يتحرك دون هدواة حتى استمع لرنين هاتفه
- انت فين يابني البكري وازاي تسيب أخوك في يوم زي دا...خمس دقايق وتكون عندي وياريت تبطل هلس
قالتها زينب وهي تصيح بالهاتف
أما حلا التي جذبها توفيق بجانب في القاعة
- انت اتجننتي يابت إزاي جاية هنا عايزة راكان يولع فيك
عقدت ذراعيها وأردفت غاضبة:
- راكان كتب كتابه عليا...صدمة أصابته حتى فقد النطق والحركة للحظات ثم اتجه ينظر إليها
- ليه راكان بيخطط لأيه..
- مش بيخطط لحاجة اتجوزنا وعايشين زي أي اتنين متجوزين بعد مابعتني لعنده افتكر حبنا ومقدرش يقاوم
- برافووو ياحلا كنت خايف لتفشلي نخلص من الفرح وبعدين اقولك على الخطوة الجاية
انتهت حفلة الزفاف وصل راكان إلى الفندق وهاتفه الذي لم يصمت عن الرنين
اتجه سريعا إلى أخيه
- ألف مبروووك يا حبيبي آسف كان فيه حاجة مهمة جت فجأة
طوقه سليم ينظر إليه بعتاب
- يوم فرح أخوك بكرة تترد لك ..ربت على ظهره : بقولك مبروك ياعريس عقبال مااشوف ولادك وأنا بشرط عليك بعد تسع شهور عايز ولد وياسلام لو طلع الواد زي عمه ويتولد في الشهر السابع هيكون كدا كتر خيرك
قهقه سليم وهو ينظر لليلى التى تحاول السيطرة على نفسها أيعقل يكون بكل ذاك الجبروت ليطلب منهما ذلك
زفرت بغضب فكلامه يجعلها تستشيط غضبا
اتجهت بنظرها إليه:
- كل واحد أولى باله ياحضرة المستشار وعلى مااظن إنت كمان هتتجوز وهنيجي نباركلك لكن مستحيل اطلب منك كدا
ابتسم بسخريه فمن هذه التي تقف أمامه
منذ قليل كانت ملاك تستعد أن تلقي نفسها بأحضانه والآن تحولت لقطة شرسة تستعد أن تقوم بتمزيق وجهه
دنى منها عندما وجد سليم يتحدث مع والدته
- متخافيش مش هطلب منك تربي ولادي لاني مش هتحمل على ولادي تربيتك ليهم
- سليم..قالها راكان وهو يطالعها ثم اتجه بنظره لأخيه
طايرة خاصة لليونان وكمان تركيا ياحبيبي هدية جوازك عشان تقضي شهر عسلك وتتبسط
ثم اتجه بنظره إليها
- مبروك يامرات أخويا..وياله عشان أوصلكم للمطار