باي يامدام هستنى المرة الجاية بفارغ الصبر ومتخافيش هعرف قيمتك.. قالها وهو يمشط نظراته على جسدها بوقاحة ثم رفع نظره لوجهها الذي اصبح كالاموات. هنا شعرت بألم هائل يجتاح قلبها قبل جسدها... قبضة قوية اعتصرت قلبها وهو ينظر لها بتلك النظرات. أمتلأت عيناها بنيران الغضب... نظرت له بذهول فتحركت إليه سريعا كالفهد المفترس ثم قامت برفع يديها لتصفعه. -اتجننتي!! مفكرة نفسك مين؟ دا حتى لسة مشتري ليلة بعشرين مليون.
تساقطت دموعها بغزارة وهي تهمهم بكلمات كفاقدة الحياة بعدما كانت تشعر منذ قليل بسعادة الكون وهي بأحضان حبيبها. -بكرهك. قام بإشعال تبغه ونفثه بوجهها مكملا حديثها. -ومكهرتيش في حياتك قدي غيره لو خلصتي كلامك ممكن تسبيني أغير هدومي أما بقى لو عايزة نكمل حاجة تانية معنديش مانع.
تراجعت للخلف وهي تهز رأسها ودموعها تغرق وجنتيها. قلبها بدأ يصفعها دون رحمة حينما استمعت لكلماته التي حطمت قلبها وجعلته فتات مبعثرة. دارت الأرض تحت قدميها وشعرت بتوقف تنفسها. فاستدارت دون حديث. تحركت بحركات واهنة ضعيفة كفاقد الحياة.
نظر إلى شحوب وجهها الذي تحول لشحوب الموتى بعدما كان يضج بسعادة عيناها بأحضانه. كان يقاتل بضراوة ألم قاتل بأنحاء صدره. تحرك خطوة خلفها. ولكنه تذكر حديثها المهين لرجولته. فتراجع ثم أغلق الباب بعنف حتى اهتزت جدرانه. زفر باختناق واتجه لشرفة غرفته. اما عنها... اتجهت سريعا إلى غرفتها دون هدواة خرجت كطائر ذبيح... ارتعاش بجسدها بالكامل... تتمنى الموت كلما تذكرت صفعاته لها بكلماته الدامية. كيف لها أن تعشق رجل بجبروته.
ارتدت ملابسها سريعا بعدما قامت بتمزيق قميصه بأبشع الطرق وإحراقه بالمكواه التي توضع بركن الغرفة. وضعت حجابها دون اعتداله وخرجت سريعا من ذلك المنزل الذي شهد بأسوء ليلة تمر بها. وقف في الشرفة ينفث دخان سيجاره كلما تذكر دموعها... كأن قلبه يكتوي ألما ووجعا... يود لو يذهب إليها ويضمها بكل قوة حتى يشبع روحيهما.
أغمض عيناه عندما تذكر لحظاتهم الحميمية. ابتسم بخفوت عندما تذكر همسها باسمه. فتح عيناه فجأه عندما استمع لخطوات حذائها ذو الكعب العالي. وجدها تخرج من المنزل متجه بين الأشجار في الغابة وهي تبكي بنشيج تتحرك كإنسان فاقد للحياة تكاد أن تقف على رجليها.
خطت بعض الأمتار أمام عيناه. نزل سريعا متجها إليها يبحث بعيناه عليها. دلف الى الغابة خلفها وهو يصيح باسمها. يكاد يموت خوف عليها. شعر باختناق روحه عندما لم يجدها. هزة أصابت جسده وتمنى بعدها الموت لا محالة من افتقدها. ظل يسير خلف أثار اقدامها التي اتضحت بأنها قامت بخلع حذائها. هنا هدأ روعه عندما استمع لشهقاتها وجلوسها بعدما تمزق فستانها من الأشجار وجرح كتفها. اقترب اليها بهدوء. احس بوخزة مؤلمة شقت صدره لنصفين.
ليلى أردف بها بعدما وقف بمقابلة جلوسها. نظرت إليه بأعين تغشاها الدموع. أعين منتفخة ابكت بكل ماتحمل من الالم على مااشعرها به. انحنى بكل أنفاسه الحارة التي ألهبت كيانه واختنقت روحه عندما شعر بفقدانها. ضمها بكل مايملك من قوة وتسائل. -انت كويسة. ورغم ما أصابها إلا أنها شعرت بالأمان بأحضانه. سكنت للحظات. وبدأت تبكي مرة اخرى. -ليه!! ليه تعمل فيا كدا، ليه تموتني كدا. رفعت عيناها الباكية. -لية بتكرهني أوي كدا!!
ضم وجهها وأردف. -اشش.. اسكتي.. متعرفيش حاجة... مجنونة انت أكرهك إيه. انسدلت دمعة خائنة بعدما نعتته بكره لها. اقترب ضامما ثغرها الذي أدمنه. حيث جعله كجرعة هيروين تريح أعصابه. وضع جبينه فوق خاصتها وأردف بصوت مبحوح. -ياريتني اقدر اكرهك.. صدقيني لو ربنا بيحبني عايزه يكرهني فيكي. -بس أنا بكرهك. على رغم كلماتها التي ذبحته إلا أنه قام بحملها بعدما تساقطت الأمطار بغزارة. -عارف إنك بتكرهيني.. يابختك.
حملها متجها للمنزل. وهي ترتعش بين يديه وتتمتم ببعض الكلمات التي تسبه بها. ضمها لحضنه. -راضي بكل اللي تقوليه. وضعها على الاريكة وقام بإشعال المدفأة مرة آخرى بعدما وجدها ترتعش من برودة الجو. اتجه للغرفة يحضر لها شيئا ترتديه. ولكنه ذهل من وجود قميصه المحترق والممزق. أخرج قميصا اخر. ونزل سريعا مع بعض الأغطية وقام بخلع ملابسها بالكامل التي تمتلأ بمياه الامطار. وألبسها قميصه.
كانت يديه تتحرك بعشق على وجهها وشفتيها المتورمة وهو يردف. -لو انت بتكرهيني أنا بعشقك. مقدرتش اكرهك حاولت بس مقدرتش. قالها وهو يضمها لأحضانه بعدما وجد جسدها يرتعش بالكامل. رفعت يديها على وجنتيه. -أنا كدابة!! متصدقش كلامي. كانت حرارتها ارتفعت. بدأ بعمل كمادات باردة لخفض حرارة جسدها الذي يرتعش بين يديه. همهمت بين اليقظة والنوم. -بحبك اكتر واحد في الدنيا دي.. حتى أكتر من نفسي.
وضعت رأسها في حضنه ومازالت تهذي ببعض الكلمات. عايزاك تحبني زي مابحبك وبس. على رغم كلماتها التي أروت قلبه. إلا انه تذكر شرطها. مسد على شعرها الأسود المبتل الذي يشبه سواد الليل. يضاهيه بحر عيناها الأسود اللامع. وبشرة حليبية يزينها خدان شهيان وثغر كنعقود عنب. دنى ملتقطًا ثغرها في قبلة شغوفة. وهو يسحقها بأحضانه. عندما قالت.
-راكان متزعلش مني. عارفة اني وجعتك كتير. أنا محتاجة الفلوس عشان بابا. وكمان قولت عشان اوجعك زي مابوجعني. ايوة إنت السبب. إنت اللي خلتني مجنونة بالغيرة. رفعت كفيها وتشابكت أصابعهم. ونظرت لعيناه. -قولي أعمل ايه في غيرتي دي. أعمل إيه وانت بتقولي حاجة وبتعمل حاجة. كسرتلي قلبي وروحت خطبت واحدة. وأنا مراتك. ضحكت عليا وفهمتني إنك بتحبني. وانت بتنتقم مني. طيب اديني عقل يخليني اسامحك. دققت في ملامح وجهه.
-راكان اثبتلي مرة واحدة إنك فعلا بتحبني. احتضن وجهها الذي ارتفعت حرارته واقترب منها. -راكان بيعشق ليلى. صدقيني فيه حاجات مينفعش احكيها. خليكي واثقة أني بعشقك. بعشقك لدرجة قلبي بيوجعني لما بتبعدي عني. شوفي بقالنا كام شهر والوضع بيسئ بينا. ليلى أنا بحبك والله مش كلام. بدأت تملس على خديه. -راكان أنا سقعانة غطيني.
جذب غطاء آخر عندما وجد جسدها يرتعش. حملها متجها للفراش حتى تنعم بالدفء. تسطح بجوارها وهو يضمها بكل قوة. قلبه يفعل به ما لا يتحمله عقل. بعد فترة ذهبت بنومها من شدة حرارتها. قام بوضع كمادات على جبينها كي تنخفض حرارتها. ضامما اياها لاحضانه. اخذ شهيقا عميقا ثم زفره ببطء. بعدما شعر بصراع بين قلبه وعقله. ويتذكر حديثها منذ قليل. كان عقله وقلبه مشتتين بين شقى الرحى.
حبيبته وعشقه بين يديه بكيانها وكينونتها. ابتسامة شقت ثغره حينما تذكر غيرتها. وتذكره مافعلته معه. بعدما اصبحت ملكه. ربت على خصلاتها وهو يستمع همهماتها. -"آسفة متزعلش مني". تسطح بجوارها وبمخيلته لحظاتهم الأخيرة وحديثها عن غيرتها. تمنى لو تحدثت بتلك الكلمات وهي بين أحضانه. هو يعلم إنها لا تشعر بما تتفوه به بسبب إرتفاع حرارتها. بسط أنامله يتحسس شفتيها. ظل يتلمسها بإبهامه مبتسمًا.
.هل هيا الآن أصبحت ملكه. ولكن صرخ عقله بالأبتعاد عنها. نهض للشرفة ينظر لغزارة الأمطار التي تحاوط المكان. لا يعلم ايبتسم على قدره الذي جعلها ملكه ام يحزن لما تفعله بقلبه. استدار متجها لها ليرى إذا كانت حرارتها انخفضت ام مازالت مرتفعة. جلس ينظر لوجهها البرئ. لمس وجنتيها بأنامله. وتحدث قائلا. -تعرفي ياليلى. أنا حبيت قبل كدا. أنا حكتلك مرة. بس متوجعتش اوي كدا مع إني اكتشفت الخيانة.
قلبي مادقش كدا معاها ياليلى. إنت غير. حتى لما بتجرحي فيا بسامحك من مجرد ضحكة او لمسة. اقترب يستنشق أنفاسها العطرة. -أنا أتجوزت كتير منكرش. اول لقاء بينا مكنتش حاسس باللي حسيته معاكي. اتكأ على كف يديه وظل يمسد على خديها. -أول مرة أحس إني ملكت الكون وانت في حضني وبتهمسي باسمي. مع اني مش أول راجل في حياتك بس حسيت بسعادة الدنيا. وضع رأسه بجوارها ومازال يستنشق انفاسها مغمضا عيناه.
-مفيش ست قدرت تعمل اللي إنت عملتيه في ليلة واحدة. ظل ينظر لها وأكمل. -لا ياريت ليلة دي مجرد دقايق. عملتي فيا ايه. قالها جاذبا إياها الى صدره. رفعت كفيها على خصلاته وهمست له. -"بحبك". هنا نسي كل شيئا وفقد سيطرته وتذكر شيئا واحدًا. مالكة قلبه وروحه بين يديه. فسحبها مرة آخرى ليتوج بها عشقه ويغرد لها بأعذب ألحان الحب. تاهت معه وهي لا تشعر بشيئا كأنها بحلم بعيد المنال.
بعد عنها بعد فترة وهو يجذبها لصدره. مقبلا رأسها حينما شعر بإنخفاض حرارتها. -آسف ياليلى. وضع جبينه فوق جبينه وهي بين اليقظة والحلم وتحدث مبتسمًا. -بسرق لحظات حلوة بينا. معرفش حياتنا هتكون إزاي بعد كدا. بس فعلا إنت وجعتيني لدرجة معنتش قادر أسامحك.
لازم أعالج نفسي من إدمان حبك. لازم أفوق عشان مضعفش تاني. لازم عقاب يخليكي تعرفي بعد كدا قيمة الحب اللي بينا. اللي شفعلك عندي هو حبك ليا اللي متأكد منه. وعارف ومتأكد سبب طلبك للفلوس. تنهد ساحبا بعض الهواء إلى رئتيه ثم زفره قائلا. -غبية ياحبيبي متعرفيش انا عملت حساب كل حاجة. وبجهز لعملية باباكي في ألمانيا. تذكر حديث حمزة منذ أسبوع عندما كان عنده بالمكتب. -مالك ياحمزة؟ تساءل بها راكان. مسح على وجهه وهو يدلكه قائلاً:
-الأستاذ عاصم حالته متأخرة وميئوس منها. حاولت مع درة أسفره ويعمل زرع كلى، بس هي رافضة. أشعل راكان تبغه وتحدث: -ابعتلي التحاليل وكل حاجة وأنا هكلم دكتور في ألمانيا ونرتب معاه. انت ليه بتتكلم مع درة أصلاً؟ أنا انشغلت بالي حواليا ونسيته فعلاً. بس متخافش، خلال شهر بالكتير هيكون عامل العملية. نهض وهو يشير إليه: -من بكرة أهتم بالموضوع دا شخصياً. مش عايز أظهر في الصورة عشان ليلى لو عرفت ممكن تموت أبوها ولا تشوفني بساعده.
توقف حمزة أمامه قائلاً: -طيب هتعمل كدا إزاي؟ وهم رافضين مساعدة حد. تحرك خارجاً وهو يردف: -اعمل اللي بقوله ومالكش دعوة. أنا هتصرف مع التنينة بتاعتي وقتها. ضحك حمزة قائلاً: -عسل ياراكي لما بيكون مزاجك عالي. توقف يسبه قائلاً: -هو فين المزاج دا؟ أيام اترحمت عليها من يوم ماحبيت. أنا كان مالي ومال الحب ماكنت عايش بالطول والعرض. تحرك حمزة حتى وقف أمامه: -كبرنا ياراكان، ولازم نعمل عيلة. هنفضل لحد إمتى؟ أطلق
راكان ضحكة من بين شفتيه: -أنا هكون عيلة أنا وليلى. دا إحنا أخرنا نلعب مصارعة. قهقه حمزة عليه. خرج من شروده وهو يستمع لهمهماتها بنومها. بعد ساعات، استيقظت على شدة آلام بجسدها. وجدت نفسها مكبلة بذراعيه. رفعت رأسها فكان قريباً من وجهها، مما جعلها تشعر بملامسة شفتيه لوجهها. رفعت يديه بهدوء. نظرت لنفسها، فكانت عارية تماماً تحت الغطاء. حاولت أن تتذكر ما صار بينهما، ولكن لم تتذكر سوى مقططفات.
نزلت بساقيها بهدوء، جاذبة قميصه من جوارها وارتدته سريعاً، متجهة للأسفل تبحث عن ملابسها. وجدت فستانها مبتلاً وملاقاه على الأرض. ارتدته سريعاً، ثم قامت بارتداء قميصه فوقه وخرجت متجهة لسيارته بعدما وجدت مفاتيحه بجوار فستانها. ركبت السيارة وقادتها سريعاً وهي تبكي بنشيج كلما تذكرت ما صار لها ليلة الأمس. أنفاسها تعلو وتهبط من شدة بكائها. في بيت المزرعة بعد قليل.
قام بفتح عينيه بعدما روادته جفونه أشعة الشمس. بحث بعينيه عليها ولكنه لم يجدها. اتجه للأسفل ظناً منه أنها بالمطبخ. ظل يجوب المنزل من أعلى لأسفل، يميناً ويساراً، يبحث عنها بقلبه قبل عينيه. يتمنى أن يكذب حدثه ويجدها بزاوية من زوايا المنزل. جن جنونه بعدما تيقن بعدم وجودها. ظل يرغي ويزبد ويعنف حاله. -ما بك يا رجل، وماذا فعلت بك هذه الفتاة؟ وأي تعويذة ألقتها عليك وعلى قلبك المسكين؟ من متى وتفعل أحداهن هذا بك؟
تذكر من أنت وعد إلى رشدك. أنت من لا تستطيع أي امرأة رفضك، وكم منهن ينتظرن إشارة إصبعك لتأتيك ركضاً. تذكر.. وتذكر.. وتذكر... لكي تستطيع أن تجابه هذا الحب الذي ينهش في قلبك كمرض لعين ليس له دواء ولا طبيب. أغمض عينيه وخانته ذكرياته للحظاتهما سوياً، وكيف أشعرته بالكمال، وكيف كانت بين يديه وقد شعر بقلبها ينبض باسمه. من هذه بالله عليك؟
هذه التي منذ كتبتها على اسمك وقد أغنتك عن صنف حواء، ولم تستطع ولو مجرد لمس فتاة بعدها. منذ متى وأنت ضعيف لهذه الدرجة؟ لأي أجل ستتوسل منها الحب؟ فق واستفق، واعلم أنها مجرد ساحرة وألقت لعنتها على قلبك، وعليك محاربة هذا الخصم لتحرر قلبك من فخ عينيها التي لطالما كنت أسير ليله وغريق بحره الذي يسحبك إلى قاع المحيط الدامس. لكن لا، وألف لا. من الآن ستقابل شخصاً آخر، شخصاً لم تعهده ولم تتوقعه في أحلامها.
بفعلتها هذه أشعلت جيوش الغضب بجوفه. قبض على يديه حتى ينفث غضبه وبدأ يسبها بأفظع السباب. عند ليلى قبل قليل. قادت سيارته بسرعة كبيرة، غير مسيطرة على نفسها ولا على تفكيرها. تفكيرها الذي كلما تذكرت كلماته الطاعنة لكرامتها وكبريائها أدمت قلبها ومزقت روحها. هل هذا هو الشخص الذي أول من دق له قلبها؟ هل هذا الذي لطالما تمنت أن تكون من نصيبه؟ هل هذا الذي لم تعرف روحها طعم الأمان غير بجانبه؟
هل خدعها قلبها للمرة التي لا تعرف عددها؟ هل كل ما شعرت به وهي بداخل أحضانه مجرد أوهام؟ هل حركته لها رغبته بجسدها فقط؟ لكن لماذا شعرت بعكس هذا؟ لماذا شعرت أنه توأم روحها وأنه المكمل لكيانها؟ كيف شعرت أنها امتلكت العالم بما فيه؟ وكم تمنت أن تتوقف حياتهم عند هذه النقطة، وهي زوجته، حبيبته، متيمته فقط وللأبد.
عادت الأفكار تداهمها وتتذكر خطوبته من تلك الفتاة الصفراء كما نعتها دائماً. وكيف أطعن كبرياءها. فقد تعذبت من رؤيتهما سوياً، ولطالما تمنت الموت على أن لا تشعر بهذا الألم الذي يدمي قلبها، ولا تعلم كيف تداويه.
توقفت فجأة وتذكرت كيف دفنت حبها له سابقاً عندما تزوجت بأخيه، وكيف عاشت واقتنعت نفسها أنها بخير وبدونه. نعم، فكرت بحياتها وزواجها الأول الذي حاولت به فتح صفحة جديدة من حياتها لكي تنساه. لكن الحياة كالعادة خزلتها ولم يكتمل حلمها ولم تعش فرحتها، رغم عشق سليم لها. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن وتنقلب حياتها رأساً على عقب وتتدخل أفعى سامة تسمم لهم حياتهم وتنزع استقرار أسرتها التي جاهدت لإنقاحها دائماً. ويتركها زوجها
في مهب الريح وسط أناس غريبين عنها وأناس يحاولون انتزاع آخر فرحة في حياتها. طفلها وزهرة حياتها التي كانت دائماً على أتم استعداد بالتضحية بكل ما تمتلك مقابل النظرة في وجهه ورؤية ابتسامته التي تمحو وتطيب جروح قلبها التي دائماً ما تتركها لها الحياة لكي تذكرها أنها ليس لها نصيب من الفرح في هذه الحياة، بعدما خذلها متيم روحها.
مهلاً ليلى، أنت لست بالضعيفة ولا الساذجة. لن يستطيع أحد أن يتمكن منك. ولن أسمح لأحد بانتزاع آخر وأهم أسباب فرحي في هذه الحياة. ابتسمت باستخفاف تتذكر ما مر بخيالها وهي بأحضانه وكيف شعرت أنها متيمة روحه. ولكن للأسف، نزلت من غيمتها الوردية على صخرة الواقع المرير وتناثرت أحلامها كلوح بلور مكسور، عندما نعتها بفتاة ليل. أخبرت نفسها:
-هذا من تمنيت أن تكوني ملكه ومليكته. انضم إلى باقي من يحاولون انتزاع سعادتي، وللأسف جاهد كثيراً لقتل روحك بكلماته التي سحقت روحك تحت قطار كلماته اللاذعة. وبقي قلبي يدمي ويرقص كطائر غدر به صاحبه على حين غرة.
إذاً، من الآن لن اتنازل ولن أستسلم لمحاولاتهم في هدم روحي وكياني. أنا أقوى من الجميع، ولنرى الغلبة لمن. لطالما كان الله نصير المظلومين وحامي الضعفاء. ليلى، أنت قوية بإيمانك بالله. وكلي ثقة يا نفسي العزيزة أن الله لن يخذلني. وصلت لمنزلها ودلفت سريعا لغرفتها متجه لمرحاضها لتزيل آثار ليلتها معه. جلست داخل المرحاض وشهقاتها بالارتفاع حينما تذكرت حديثه المهين لها. نعم جعلها كفتاة ليل.
ولكن كفى ليلى عليك أن تأخذي حقك من الجميع وأولهم ذاك الذي اعتبرتيه أمانك وما هو إلا دمارك. ظلت تفرك بجسدها بقوة حتى جرحت عنقها من آثاره التي باتت واضحة. مر قرابة الساعة وهي بالمرحاض بعدما جلست لوقت بالمياه الدافئة تستعيد حيويتها وهدوئها الذي فقدتهما. خرجت بعد ارتدائها ثيابها الخاصة. جلست أمام المرآة تنظر لنفسها. وشفتيها المتورمة وآثاره التي مازالت عالقة. انسدلت عبراتها وهي تهمس لنفسها:
-مش قادرة أتحمل كل اللي بيحصل معايا. -أنا في نظره فتاة ليل. -لدرجة دي يا راكان. -ده حبك ليا. طاحت كل ما يوضع أمامها وبكت بحرقة. -أنا مراتك يا غبي مش بنت من بنات الليل. ظلت تصرخ بها إلى أن انهارت قواها فجلست على الأرضية تضم ركبتيها وتضع رأسها عليهما. دفع الباب ودخل كالثور الهائج. وصل أمامها ثم جلس على عقبيه يجز على شفتيه متحدثًا من بين أسنانه. -قوللي هفضل متحمل واحدة زيك لحد إمتى؟
-لحد إمتى وأنا هفضل أسامحك وأديلك أعذار؟ جذبها من خصلاتها ولم يعرِها حالتها المنهارة. فتحدث وهو يهمس بصوت كفحيح أفعى. -شغل الحنية معدش ينفع معاك. -أنا هربيك وأعلمك الأدب. نهض وهو يرفعها من خصلاتها. -الأوضة دي معنتيش هتدخليها. -نومك هيكون جنبي وعلى سريري. دنى وهمس لها. -وفي حضني متنسيش إنك مراتي. -وبعد أقل من شهر الأوضة دي هتجهز لمراتي التانية. تجاهلت حديثه فهي تعلم. فنظرت له بعينين هالكتين وقلب فتته الوجع قائلة.
-طلقني يا حضرة المستشار. -إنت مش خدت اللي اتجوزتني عشانه. -انتقمت وكسرتني. -معدش فيه حاجة بينا. جذبها وخرج بها متجها لجناحه. متجاهلا كلماتها التي أشعلت فتيل نيرانه. ثم دفعها بقوة على فراشه وحاوطها بجسده ينظر لجروحها التي بدت أمامه بوضوح. جحظت عيناه مما فعلته. تمنى ما فهمه لم يكن صحيحًا. رفع عيناه لمقلتيها متسائلا بلسان ثقيل وقلب ينتفض بذعر مما وصل إليه. -مين عمل فيكِ كدا؟ قالها وهو يتلمس عنقها وفتحة صدرها بأنامله.
دفعت كفيه بعيدًا عنها. ونظرت له والكبرياء يعتلي كل ذرة بعينيها قائلة بنبرة مهينة له. -كنت بشيل آثار واحد مكرهتش قده في حياتي. أطلقت قذفتها التي اخترقت جسده. ولم يشعر سوى وكأن أحدهم ضربه بسياج حديدي من لهيب جهنم. لحظات مرت عليه وهو يناظرها فقط. لا يعلم ماذا عليه فعله. لقد جُنّت. لولا علمه بحبها له لشطر رأسها عن جسدها. ظل يراقب نظراتها التي تهرب من محاصرته. فلقد أطاحت به وبقلبه دون رحمة.
أمال بشفتيه ملتقطا ثغرها بقبلة قوية حتى سلب أنفاسها متلذذًا بدموعها وهي تحاول الفكاك من حصاره. حاولت التملص من قبضته ولكنها أشعلت بجوفه عاصفة غضب هوجاء جعلته يفترسها كحيوان مفترس. فصل قبلته العنيفة وهو ينظر لعيناها الباكية. وابتسم بسخرية عليها وصدرها يعلو ويهبط لأخذ أنفاسها. رفع أنامله بعدما حرر ذراعها يلمس شفتيها التي تورمت قائلاً. -امسحي ياحبيبي ياله. -عشان أعملك غيرها.
أمال وكأنه سيقبلها مرة أخرى ولكنه خدعها حينما ابتعدت برأسها عنه فأطلق ضحكة مشمئزة. -هستنى من واحدة إيه؟ -وهي بتقول لجوزها هبيعلك ليلة. اعتدل يجذبها من كفيها ثم جذب عنقها إليه قائلاً بجانب أذنها. -واحدة رخصت نفسها بعد ما كانت أقصى أحلامي أضمها لحضني بس. -دلوقتي بقيت أشمئز من لمسها. قالها وهو يدفعها بقوة ثم نهض وهو يشير للغرفة. -هتنقلي هنا. -ده مش حبًا فيك أبدًا.
-دا عشان أعذبك كل ما تشوفيني نايم جنبك كدا وتفتكري إنك رخصتي نفسك قدامي. قاطعته عندما هبت متجهة إليه تلكمه. -أنا مش رخيصة. -انت لو مهتم كنت عرفت عملت كدا ليه. -انت مفيش حاجة بتشغلك غير إنك تجري ورا دي وورا دي بس مراتك آخر اهتماماتك. حاوط جسدها وجذبها حتى اصطدم ظهرها بصدره وهو يهمس بجوار أذنها. -أيوه فعلاً إنت مين عشان اهتم وأفكر فيكي؟ -انت هنا مربية لأمير وبس. -وممكن نقول حاجات تانية.
نزعت نفسها بعدما ركلته بقوة وصاحت غاضبة وبدأت تحطم كل ما يقابلها. -هتطلقني يا راكان؟ -سمعتني وحياة ربنا لتطلقني وتخليني أمشي من البيت ده. تراجع للخلف بعدما جن جنونها وبدأت تلقي كل ما يقابلها عليه حتى هشمت المرآة بقنينة عطره وهي تصرخ. -طلقني. -أنا بكرهك. وصلت زينب وسيلين على صراخها. طرقت على الغرفة. -راكان افتح الباب. اتجه راكان سريعا وأغلق الباب بالمفتاح قائلاً. -ماما محدش يدخل بيني وبين مراتي. هرولت إليه سريعا.
-هي مين دي اللي مراتك؟ -أنا مش مرات حد. -انت هتطلقني. دفعته متجه لباب الغرفة تفتحه. جذبها بعنف. -رايحة فين مش شايفة نفسك عاملة إزاي؟ دفعته تصرخ. -ماما زينب خلي ابنك يطلقني. وصل أسعد إليهم. -افتح الباب يا راكان. جلس راكان ووضع رأسه بين كفيه دون حديث فلقد تطورت الأوضاع بينهما. نظرت حولها بالغرفة وجدت سلاحه موضوع على الكومود. أسرعت وخطفته ثم وجهته له. -طلقني ولا أقتلك. جحظت عيناه وهي توجه عليه السلاح.
وكأن أحدهم هوى بمطرقة حديدية فوق قلبه الذي اجتاحه ألم هائل فأنهار عالمه وأصبح كجسد ميت. لحظات بل دقائق مرت عليه. وهو يطالع عيناها الذائغة وعبراتها المتحجرة بعينيها ويديها المرتعشة الممسكة بالسلاح وتتحدث بصوت متقطع. -طلقني يا راكان. -ارمي عليا يمين الطلاق. -وإلا. نهض متجها إليها بخطوات متمهلة ونظراته تحاوطها. تراجعت للخلف وهي تتحدث. -ارجع يا راكان هموتك. -لو مش طلقتني هموتك. -ارجع.
استمع لطرقات على باب الغرفة من والده. -راكان افتح الباب خرج ليلى يا بني. ظل كما هو وتحدث. -إيه يا بابا هو ينفع حد يدخل على اتنين متجوزين كدا. هزت ليلى رأسها عندما استمعت لأسعد. -يالة يا زينب سبيهم يحلو مشاكلهم مع بعض. انسدلت عبراتها بعدما انقطع أملها بعد تحرك أسعد وزينب. -طلقني يا راكان. -إحنا مبناخدش من بعض غير أننا بنوجع بعض. -هنفضل لحد ما حد فينا يموت التاني. -لو سمحت طلقني واوعدك مش هحرمك من أمير.
-وكل يوم هجيبه لماما زينب. كأنه لم يستمع إليها. كل ما يشعر به نيران تحرقه بالكامل. -عايزة تموتيني يا ليلى؟ -موتيني. -أنا مستني على الأقل هموت وأنا مرتاح. هزت رأسها رافضة حديثه وصرخت به. -طلقني يا راكان لو سمحت. تنهد بحزن ينظر إليها. -هترتاحي لما أطلقك يا ليلى. أومأت بدموعها المنسدلة على خديها. -أيوه هرتاح. -لما أبعد عن وجعك هرتاح على الأقل مش هنام وأنا موجوعة وأنا عارفة إن جوزي مع واحدة تانية. أطبق على جفنيه متنهدًا.
-ليلى مفيش حاجة من دي. صرخت كالمجنونة. -كذاب. -انت واحد مشفتش منه غير الخيانة والكذب. زفر بغضب واقترب خطوة أخرى. ولكنه تسمر بوقوفه وتصنم جسده بالكامل وشعر بإنسحاب أنفاسه حينما وجهت السلاح لصدرها. -خلاص هيريحك مني وأموت نفسي عشان أرتاح من قلبي الخاين اللي بيشفعلك كل مرة. -عشان أرتاح من وجع قلبي وهو شايفك وانت في حضن واحدة تانية. بكت بشهقات. -أنا بكرهك وبكره نفسي يا راكان. -فلازم أرتاح من الألم ده. أشار بيديه.
-طيب خلاص يا ليلى. -اهدي هعملك اللي انتِ عايزاه. رفعت نظرها إليه وجدت ذعره عليها ولهفته. أطبقت على جفنيها لا تعلم لماذا يفعل بها ذلك وهو يحبها. نعم شعرت بخوفه عليها أكثر من خوفه على نفسه. استمعت لحديثه الهادئ. -ليلى عايزة تموتي كافرة. -ينفع بعد دا كله تقابلي ربنا كافرة. -هاتي المسدس يا ليلى وأتأكدي مفيش أغلى منك في حياتي. زاغت انظارها وهي تهز رأسها رافضة ما تسمعه. -كداب. -انت بتضحك عليا.
-أنا هريحك، مش انت عملت دا كله عشان أمير. -خلاص خده وطلقني. صدمة بدت على وجهه من حديثها. حتى شعر بعدم قدرته على الوقوف. -لدرجة دي كرهاني عشان كدا عايزة تتنازلي عن الولد لتتخلصي مني. -لدرجة دي يا ليلى. شهقات مرتفعة حتى فقدت إتزانها فسقط السلاح من يديها. وجثى على الأرض وهي تبكي بنشيج تهز رأسها رافضة حديثه له. -قلبي وجعني قوي. -أنا حاسة إني بموت. نهض سريعا متجها إليها وجثى بجوارها يضمها لأحضانه. -أششش اهدي حبيبتي.
-هعملك اللي انتِ عايزاه. ضم مأزرها عليها عندما انكشف جسدها أمامه. -حاضر هطلقك يا ليلى. -قومي روحي أوضتك وانسي أي حاجة حصلت بينا. قالها ثم نهض متحركا لمرحاضه. دلف للداخل وقف أمام المرآة ينظر لهيئته بعدما شعر ببرودة جسده كلما تذكر محاولة قتلها لنفسها أو قتله. أطبق على جفنيه متألما وهمس لنفسه. -كدا خلصت خلاص. -إحنا ما أخدناش غير الوجع من بعض. رفع كفيه يمسح بهما رأسه ممررًا أصابعه بين خصلاته.
سحب نفسًا عميق داخل رئتيه ثم زفره على مهل بيأس مما وصل إليه. خرج ولم يجدها. اتجه للخارج سريعا. ثم استقل سيارته. حينما فشلت والدته بوقوفه. اتجهت زينب إلى غرفته التي حُطّم معظمها من قبل ليلى. بحثت عن ليلى ولم تجدها. اتجهت متحركة لغرفتها. قبل قليل اتجهت ليلى بجسد واهن تكاد تحملها سيقانها ودموعها تنذرف بغزارة. دلفت لغرفة ثيابها وخرجت فستان رقيق باللون الأبيض به بعض الفراشات باللون السماوي. جلست تقوم بتمشيط خصلاتها.
دلفت زينب بعد طرقات على باب الغرفة. دلفت وجلست بجوارها تمسد على خصلاتها. شعرت بالحزن عليها عندما وجدت آثار ابنها على شفتيها المتورمة وعنقها. حمحمت زينب وتحدثت بصوت متحشرج. -ليلى!! راكان عمل فيكي إيه ياحبيبتي؟ ورجعتوا إمتى؟ استدارت تضم كفيها وتحدثت بصوتها المتحشرج من كثرة البكاء:
-ماما زينب.. أنا وراكان مفيش بينا غير الوجع والحزن.. كل ما بنقابل بعض بنوجع بعض.. هو بيدوس عليا.. وأنا مش برحمه.. وآخرها النهاردة دوسنا بالقوي لحد مارفعت السلاح وكنت يا أقتله يا أقتل نفسي. ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة بالغة تحاول التحدث لكنها فقدت النطق. لحظات مرت عليها وهي تشعر بغصة تؤلمها من كلمات ليلى. سحبت نفسًا ثم تحدثت: -إيه الي حصل وصلكم لكدا يابنتي؟ رفعت ذقنها ونظرت لمقلتيها: -ليلى هو إنت مبتحبيش راكان؟
زاغت ابصارها بكل مكان مبتعدة عن نظرات زينب. ملست زينب على وجنتيها وازالت دموعها قائلة: -بصي ياليلى.. أنا عارفة ومتأكدة من حب ابني ليكِ.. فلو إنت بتحبيه لازم غصب عنك تحافظي على جوزك.. أنا عارفة إنك معذورة.. جوزك مات ولسة مكملتيش غير شهرين معاه.. وكمان فجأة لقيتي نفسك مرتبطة براكان.. والشخصيتين مختلفين. ربتت على كفيها وأكملت:
-عايزة أقولك سليم الله يرحمه أهدى منه.. لكن راكان مفيش في حنيته.. قربي منه وخديه في حضنك.. صدقيني هتلاقي واحد غير دا خالص. نهضت وهي تتنهد بحزن قائلة: -متبقييش عليه إنتِ والزمن.. كفاية الكل بيحارب فيه وعنده قرايب عقارب. قالتها ثم تحركت للخارج. عند حمزة. كان يقف أمام كلية درة ينتظرها. بخطوات هادئة وخجولة وصلت إليه تبسمت ووقفت أمامه. -حمدلله على السلامه. دقق بملامحها الجميلة واردف بصوته الهمس: -الله يسلمك.. وحشتيني.
هربت من أنظاره وتحدثت بصوت متقطع: -إيه مش هنمشي ولا إيه؟ نظرت حولها وتسائلت: -هو كريم مجاش معاك ولا إيه؟ فتح باب السيارة قائلاً: -لا مجاش.. وأنا استأذنت من والدك. تنهدت مقتربة منه ثم أردفت: -بس دا مينفعش أركب معاك ياحمزة.. آه إنت خطيبي بس برضو مش جوزي.. وكل مرة كريم بيكون معاك فدلوقتي هو مش معاك. اقترب خطوة واحتضنت نظراته عيناها قائلاً: -حبيبتي إنتِ مش واثقة فيا ولا إيه؟ مطت شفتيها زافرة ثم تحدثت:
-مش موضوع ثقة قد ماهو الصح. -درة إنتِ خطيبتي غير هنكتب كتابنا قريب يعني المفروض أكتر واحد بيخاف عليكي.. مش عايز أقول من وقت ما طلبتك من والدك وإنتِ في حكم مراتي. تسارعت نبضاتها من كلمته.. فتحركت للسيارة حينما فقدت النطق. استقل بجوارها.. ثم اتجه بنظره إليها وإلى التفاح الشهي الذي ظهر بوجنتيها بعد شعورها بالخجل. أطبق على جفنيه حينما تخيلها وهي بأحضانه يتذوق هذا التفاح الذي يضج بالإحمرار.
قاطعت تأمله بها.. فهمست بصوت يكاد يخرج عندما وجدت نظراته لأول مرة إليها: -مش هنمشي. تنهد بعشقها الذي أروى قلبه بعدما تصحر فترة.. وتحدث مبتسمًا: -لو عاليا عايز أفضل كدا أتأمل جوهرتي الغالية. استدارت للجهة الأخرى ودقاتها بالإرتفاع. -درة. نطق بها حمزة بصوته المتحشرج من جمالها الآخذ لقلبه. أطبقت على جفنيها تحاول السيطرة على نفسها من رجفة قلبها وهو ينطق اسمها بصورة جعلت قلبها كفراشة رقيقة.
التفت تناظره بعيناها الساحرة.. وآه على دفاعاته التي شعر بإنهيارها من نظرة عيناها الجميلة.. فتحدث بخفوت: -أنا اتكلمت مع والدك لازم نكتب كتابنا قبل عمليته.. إنتِ عندك حق مينفعش ابدا نكون لوحدنا انا مضمنش نفسي عيل. رجع في كلامه. ارتسمت إبتسامة على شفتيها. -لا أنا مش ناوية اتجوز عيل.
قهقه عليها بصوته الرجولي الذي جعلها تنظر إليه لأول مرة تدقق في ملامحه الجذابة.. وضحكته التي جعلت قلبها كالفراشة تطير بمعدتها من فرط السعادة.. أن هذا الرجل سيكون رجلها الأول. تحرك بالسيارة محمحما عندما وجد نظرات الإعجاب التي ظهرت على ملامحها وهي تناظره.. فأردف: -لا كدا لازم اطير. بمزرعة نوح. تجلس أمام بعض أشجار الفراولة وتدون بعض الملاحظات وبجوارها أسيا. قاطعت أسيا إهتمامها بفحص النبات قائلة:
-أسما المهرة مريضة ولازم نوح يعرف. توقفت تقطب جبينها. -هو إنتِ مش عرفتيه؟ تنهدت أسيا قائلة: -هو أنا بقيت أشوفه.. بيرجع متأخر. ربتت على كتفها قائلة: -قوليله ياأسما.. أنا عالجتها بس برضو لازم يعرف عشان فيه فيرس منتشر في الحيوانات الأيام دي. هزت رأسها واجابتها: -حاضر ياأسيا.. لما يجي هقوله. دققت أسيا بملامحها الباهتة: -هتفضلي لحد إمتى وانتِ كدا؟
اتجهت بنظرها لصديقتها وشعور قاس يفترس روحها المغدورة.. فانبثقت عبرة على وجنتيها. -لو قولتلك حاسة إني مش عايشة أصلا هتصدقي. ربتت أسيا على ظهرها وتحدثت: -نوح بيحبك قوي ياأسما اقعدي معاه.. وافهمي منه ليه عمل كدا. قاطعهم صوت سيارة راكان. اتجهت أسما إليه حينما ترجل متجها لحظيرة الأحصنة. -حضرة المستشار!! قالتها أسما حينما وجدته تخطها دون حديث. توقف ينظر إليها. -فيه حاجة؟ استغربت طريقته وصوته الذي يحتوي على نبرة الألم.
اقتربت وتحدثت: -نوح مش موجود. تحرك وهو يجيبها: -عارف. بعد قليل خرج وهو يتمطى جواده.
لم يشعر بالوقت الذي يتمطى به حصانه. ظل يسير دون هدى بين الحقول حتى أرهق حصانه. وقف يلتقط أنفاسه بصعوبة. ثم نزل وجلس على الأرض الصلبة. يضغط على قلبه المحترق الذي شعر بنبضه يتوقف. ذهب بذاكرته لضعفه الذي لم يستطع السيطرة على نفسه من قلبه الضعيف حيث تذكر منذ عدة ساعات وهما بالبيت اللذان قضى بهما ليلتهما الأولى. تنهد وذاكرة خروجها وبحثه عنها بين الأشجار. حينها شعر بتوقف نبضه.
عندما وجدها تتألم. انتفض ذعرًا إليها حتى هوت بين يديه. ضرب على وجهها يضمها لصدره قائلاً: -أنا هنا حبيبي افتحي عينيكي. رعب مظهره وتثلجت اوصاله من شحوب وجهها الذي أصبح محاكيا للموتى. وشفتيها التي تخضبت بزرقة باهتة. هز رأسه رافضًا مما حدث لها. وحرارته المرتفعة. شدد من عناقها وضمها بقوة وهو يزأر بصوته كأسد جريح.
بأسمها "ليلى" وكأن سماء الشتاء تبكي لبكائه فتساقطت الأمطار بغزارة عليهما مما جعله ينهض ليضمها لصدره يخفيها بداخله بعيدًا عن مياه المطر. نظر إليها بقلبه الحزين بعدما مسح وجهه الغارق بالدموع التي اختلطت بمياه الأمطار لينحني على ثغرها يقبلها بكل ما أوتي به من قوة. خرج من ذكرياته على صوت صهيل الحصان.
جلس مستندًا على أحد الأشجار شعر بنسمة هواء ورغم إنها باردة إلا أنه ابتسم عندما تذكر قبلاته لها سواء المحمومة او القاسية. فكانت مثلجة للروح مرت على قلبه وتركت أثرها الفاتن بين ثنايا الروح. وضع كفيه على شفتيه يتلمسها وكأن أثرها مازال بها. أطبق على جفنيه وتمنى لو هي بجواره الآن. لأذاقها من عشقه مالم يرويه أحد. ولكنه فتح عيناه متألمًا لما صار بينهما.
حالة غريبة سيطرت عليه حالة متناقضة غريبة يعيشها معها في خضم أحاسيس أرهقته واثقلت سيطرته وشعوره بالخروج من سيطرتها. شعر وكأنه في منتصف متاهة لا يعلم كيف يخرج منها. ظل جالسًا مكانه متحدثًا لنفسه: -آه ليلى. خلتيني أشعر بالعجز. لا عارف ابعد ولا عارف أقرب كل اللي اعرفه انك مرض ومش عارف اشفى منه.
عند ليلى بعد خروج زينب اتجهت لغرفة طفلها اقتربت من فراش صغيرها. جذب مقعد وجلست بجواره تمسد على خصلاته. ثم ملست على وجنتيه ابتسمت على ملامحه فهو مزيج من زوجها المتوفي وعاشق روحها. أخذت تمرر كفيها على خصلاته الناعمة وهي تتذكر ما صار منذ عدة ساعات التي بدأت تظهر بوضوح أمام عيناها. وحديثه الذي يتردد بأذنيها من إعترافه من عشقها الضاري لقلبه.
تنهيدة حارقة خرجت من جوفها وهي تتذكر لمساته وهمسه لها بعشقه الذي تغلغل بوريده. اختلط وجهها بدموعها ونيران قلبها من الغيرة الذي حطمهما. كيف له أن يعشقها ويرتبط بأخرى. كيف له أن يعشقها كما شعرت وهو يؤلم روحها بتلك الطريقة. فتح طفلها عينيه وهو يبتسم ويدفع اقدامه بالهواء حتى تحمله. اعتدل الطفل جالسا. وحاول أن يستند على فراشه. كانت تراقب حركاته وتبتسم لقد انتشلها من أحزان قلبها. رفعته تضمه لصدرها وطبعت قبلة على وجنتيه.
-صباح الخير أميري. جذب خصلاتها وقهقاته بالإرتفاع ضمته وهي تدور به حتى دلفت مربيته وهي تحمل طعامه. -صباح الخير مدام ليلى. -صباح الخير ياهدى. خدي أمير غيريله وفطريه عشان هننزل أنا وهو مشوار. اومأت العاملة تحمل الطفل بينما ذهبت ليلى لغرفتها عندما استمعت لرنين هاتفها. -أسما عاملة إيه؟ تنهدت أسما وأجابتها: -الحمد لله. صمتت لبعض اللحظات ثم تساءلت: -إيه اللي حصل يا ليلى؟ ضيقت ليلى عيناها متسائلة: -مش فاهمة قصدك.
تحركت أسما وهي تراقب بنظراتها راكان الذي عاد بجواده ووجهه عبارة عن لوحة من الألم والوجع، فتساءلت: -إيه اللي حصل وصل راكان للحالة دي؟ شعرت بألم يتسرب لخلاياها فعلمت بوجوده بمزرعة نوح، فتحدثت قائلة: -مفيش حاجة مهمة كالعادة، خناقتنا اللي بتخلص. صمتت للحظة ثم تحدثت: -هو عندك من زمان. تحركت أسما متجهة لمنزلها مردفة: -بقاله تلات ساعات تقريبًا بيلف بالحصان، بس متكلمش معايا في حاجة، حتى نوح مش موجود. اتجهت ليلى
لخزانة ملابسها واردفت: -طلبت منه الطلاق. صاعقة نزلت على أسما من كلمات ليلى: -أكيد اتجننتي مش كده؟ قالتها أسما بغضب. مسحت ليلى على جبينها ترجع خصلاتها للخلف، تود لو تصرخ من أعماق قلبها بسبب عذابها من حبه، فتنهدت قائلة: -أسما أنا تعبت من الحب ده. وقبل أي حاجة، هعمل إيه بحبه وأنا مشفتش منه غير الوجع والخيانة. افتكري من أول يوم حبيته لحد امبارح وأنا ما حصّلتش غير الألم والوجع. ابتلعت غصة متألمة شقت جوفها وتحدثت:
-انتِ عارفة يعني إيه شعور الست لما تشوف الراجل اللي بتتنفس عشقه يكون مع واحدة تانية. واحدة تانية بتشاركك فيه. واحدة تانية بتقوله بحبك وتلمسه زيك. واحدة هو بيشوفها بعيونه زي ما بيشوفك. واحدة ممكن ياخدها في حضنه مكانك ويشم ريحتها بدل منك. شهقات ببكاء خرجت من جوفها بخناجر مؤلمة ودموعها تشق وجنتيها تحرقها وهي تتخيله قريبًا من فتاة غيرها.
جلست بروح متمزقة على فراشها عندما شعرت بفقدانها للوعي وبمخيلتها أن يفعل مع غريمتها مثلما فعل معها. انشطر قلبها وبكت بنزيفه وهي تتحدث بصوتها الباكي: -كتير عليا يا أسما المرادي. والله كتير عليا، مش قادرة أتحمل واحدة تقرب منه. كفاية وجع قلبي بعد جوازي من سليم. نزلت دموع أسما من حديثها فهمست قائلة: -لا، حاسة ودايقة الوجع يا ليلى. أنا شوفت وحسيت وتعبت قوي يا ليلى. صاحت ليلى بقهر قلب دمر واغتالت براءته:
-نوح مش زي راكان. نوح مجبور إنما راكان بيوجعني. عايز ياخد حقه مني في وجع قلبه لما اتجوزت سليم. هو قالي كده يا أسما. قالي انتِ كنتي بتتمتعي بحب سليم وأنا وراكي بتعذب. لقد أصاب قلبها الموت فوق الألم، فتحدثت: -يمكن لما نبعد نقدر نتجاوز وجعنا. زفرة محملة بالوجع من جوف أسما قائلة: -مش هتقدري. صدقيني مش هتقدري. اتكتب علينا نتوجع من اللي بنحبهم.
-لا هقدر يا أسما. استنى بس بابا يعمل العملية ووقتها هبعد عنه وعن كل حاجة بتربطني وبتفكرني بيه. هزت أسما رأسها وتحدثت: -معتقدش يا ليلى. ولكن أتمنى. بعد أكثر من أسبوع هبطت للأسفل فاستمعت لصراخ توفيق إلى زينب: -ابعدي ابنك لو خايفة عليه يا زينب. راكان مش هيسكت إلا لما يلحق أخوه. جلست زينب أمامه ورغم خوفها ورعشة قلبها من حديث توفيق إلا أنها أحبته: -خليه ينتقم منكم وأولهم أنت يا توفيق باشا. أوعى تفكر إني هقوله ابعد.
نهضت ونظرت لمقلتيها بجبروت امرأة: -لازم ياخد حقي وحق ولادي اللي دفنتهم من قبل حتى ما أفرح بيهم. جذبها توفيق بعنف يعقد ذراعها خلف ظهرها وتحدث بصوت كفحيح أفعى: -لو راكان حصله حاجة هدَفنك حية يا زينب، سمعتيني؟
دا اللي طلعت منه من ولاد أسعد. أوْعي تفكري إني عبيط ومعرفش إنك بتخططي عشان يتمم جوازه من البنت الحقيرة اللي سليم الغبي ابتلىنا بيها. دا على جثتي يا زينب والبنت دي همشيها من البيت ده وبفضيحة كمان بعد ما حصركوا على أمير. قالها ثم دفعها حتى هوت على المقعد وأشار بسبابته قائلاً: -راكان مش ابنك، متدخليش في حياته وجوازه من بنت النمساوي هيتم غصب عن الكل. حتى غصب عنه كمان. قالها ثم صاح بغضب للعاملة:
-اعملي قهوتي وهاتيها في مكتب راكان. قالها توفيق متحركًا للداخل. ظلت ليلى واقفة متصنمة مما استمعت إليه، وتساءلت بداخلها: -يقصد إيه من مش هيسيبوه؟ وهم مين دول؟ تحركت متجهة إلى زينب التي جلست بجسد مرتعد فتحدثت: -ماما زينب. رفعت زينب عيناها المترقرقين بالدموع، وقامت بمسح وجنتيها بكفيها المرتعش قائلة بصوت متقطع: -أيوه يا بنتي. جلست ليلى بجوارها وتساءلت بأعين ذائغة: -أنا سمعت كلامكم والله صدفة. هو جدو توفيق يقصد إيه؟
انسدلت عبرات زينب قائلة: -مضحكش عليكي بس حياة راكان في خطر. انتِ تعرفي في الحادثة اللي مات فيها سليم كانت مدبرة. مسحت دموعها وهي تنظر لليلى: -كانوا قاصدين راكان. بعد ما ضربوه بالنار ونفذ رجعوا يحاولوا يخلصوا منه. بكت بصوت مرتفع: -قولولي يا ليلى تفتكري ربنا بيعاقبني على حاجة عشان كده حرمني من أولادي كلهم؟ ودلوقتي الدور على راكان. بللت حلقها وابتلعت ريقها، بعدما توقف مجرى الدم بعروقها، تحاول أن تستوعب ما وصل
إليها من حديث زينب قائلة: -قصدك سليم مات بحادثة مدبرة القصد كان راكان. نهضت وهي تنظر حولها بضياع: -يعني كلامه ليا كان حقيقة. إنهم كانوا عايزين يتخلصوا منه. توقفت فجأة ونظرت إلى زينب: -تعرفي مين دول يا ماما زينب؟ قالتها بعدما شعرت أن ساقيها كالهلام، ظناً منها أنه أمجد. رجعت زينب برأسها على الأريكة وأجابتها: -قضية شغال عليها بقاله سنة وفيها ناس كتير ليهم مراكز، وأولهم جده زفت دا.
قصت زينب لها كل شيء، منذ زواجها من أسعد حتى إنجابها سليم ووصول سيلين إليها. جلست وشعرت بعدم القدرة على الحديث أو الحركة. -يعني سليم بس ابنك؟ وراكان وسيلين مش ولادك؟ أنا سمعت حاجة زي كدا بس متوقعتش أنها حقيقة، عشان بشوف علاقتك براكان وسيلين قوية جدا. سحبت زينب كفيها ونظرت إلى مقلتيها: -ومين قالك إن راكان مش ابني؟
راكان دا روحي يا ليلى. دا عوضني على حزن ووجع محدش يتحمله. لما يوصل بيك الحال إنك في بير كله ضلمة وفجأة تشوفي شعاع من النور. دا راكان في وسط حياتي اللي انهارت وخسرت كل حاجة. وموت أبويا وفجأة أشوفه بيمسك إيدي ويضحك في عز حزني وألمي. ضمت زينب وجه ليلى بين راحتيها. -أنا كنت زي الميتة. ابني اللي كنت بستنى إنه يكبر أشوفه فجأة تحت التراب. أبويا اللي كنت بتحامى فيه فجأة أدفنه هو كمان.
حياتي كلها كانت ضايعة وهو جالي وانقذني من الحزن والوجع. إحنا الاتنين كنا محتاجين لبعض، وقعدت بعدها خمس سنين لحد ما ربنا كرمني بسليم. خلاص هو بقى حياتي كلها. ابتسمت من بين وجعها وتحدثت: -تعرفي مكنش يعرف إلا قريب. ورغم كدا مزعلش، بالعكس خدني في حضنه وقالي: -الأم اللي بتربي مش اللي بتولد. ليه مقولتيش إنهم كانوا بيهددواكي بيا؟ انزلقت دموعها قائلة:
-كان بيهددني يا إما أعمل كل اللي عاوزه، يا إما يروح يقوله إني مش أمه، ووقتها هيكرهني ويبعد عني. بكت بنشيج وأكملت: -كنت بين نارين يا ليلى. يا إما اتنازل عن شقى عمري. يا إما اتحرم من راكان. راكان وسليم دول النفس اللي بتنفسه يا بنتي. واهو سليم يا حبيبي سابني بدري قوي. مالحقتش أفرح بيه وأشوفه وهو بيحضن ابنه. ودلوقتي جاي يهددني بآخر نفس ليا يا ليلى.
دفنت ليلى نفسها بأحضانها وانسدلت عبراتها على وجنتيها وهي تهز رأسها رافضة فقدانه، فتحدثت بصوت متقطع: -مش هيقدروا يؤذوه يا ماما. إن شاء الله ربنا هيحميه. قالتها بعدما أغرق وجهها بدموعها. اخرجتها زينب تنظر إلى مقلتيها:
-ليلى حافظي على جوزك. أنا عارفة إنه صعب شوية. بس لازم تتحملي عصبيته عشان مش يحرموكي من ابنك. صدقيني توفيق الشيطان بيتعلم منه. وانتِ سمعتي لما قال هيخرجك بفضيحة. اوعي تضعفي قدامه. خليكي دايما القوية. متعمليش زي يا بنتي. رفعت ليلى كفيها وطبعت قبلة وتحدثت مبتسمة: -أوعدك يا ماما زينب أحافظ على جوزي وابني. ومش بس كدا. هخليهم يعرفوا يعني إيه ياخدوا حاجة مش بتاعتهم.
مرت قرابة الساعتين وتوفيق مازال بمكتبه. هبطت للأسفل تبحث عن زينب. دلفت عايدة بجوار فريال. صاحت فريال على العاملة: -اعملي لي قهوة يا نعيمة. واعملي لعايدة العصير الفريش. طالعتهم ليلى بذهول وكأنها لم تكن موجودة. -استني يا نعيمة. فين ماما زينب؟ تساءلت بها ليلى. أجابتها العاملة: -راحت مع الباشمهندسة سيلين تعمل الفحص السنوي ياهانم. قالت لي أبلغك لما تصحي.
-طيب يا نعيمة اعملي أكل لأمير عشان موعد أكله قرب. وبالنسبة للهوانم فيهم يدخلوا يخدموا نفسهم بما إن مفيش غيرك النهاردة. جحظت أعين عايدة فهبت واقفة وتحدثت بتهكم: -أيوه بان يا أختي على حقيقتك. هي مين دي يا بت اللي تخدم نفسها؟ جلست ليلى تضع ساقاً فوق الأخرى وأشارت لنفسها. -متعرفيش أنا مين. رفعت كفيها ترجع خصلاتها للخلف قائلة: -أنا يا ستي ليلى البنداري. الكنة الوحيدة لعيلة البنداري. أو ممكن تقولي صاحبة العز دا كله.
شهقة قوية خرجت من جوف فريال ثم تحدثت: -عز مين يا أختي؟ إنتِ صدقتي نفسك ولا إيه؟ نهضت ليلى ودارت حولهم بهدوء وأردفت: -ليه يا طنط هو حد قالك قبل كدا إني مكذبة نفسي ولا إيه. هزت رأسها وأكملت بمغذى. -قصدك يعني عشان جوازي من راكان إنه جه غصب وكدا. جلست أمامها ووزعت نظراتها بينهما قائلة: -مش راكان أبداً والله. لا دا أمير سليم البنداري اللي حاولتوا تقتلوه. انتفضت عايدة ذعراً وهي تجذبها بعنف:
-بقولك يا بت إنتِ اوعي تخليني أحطك في دماغي. كفاية بسببك مات سليم وبنتي اللي انطردت من عز أبوها. قسماً عظماً لو حطيتك في دماغي لأخليكي تكرهي اليوم اللي اتولدتي فيه. انكمشت ملامح ليلى بتعبير ساخر مع نظراتها المتهكمة بينهما.
-لا شكل حضرتك متعرفيش مين هي ليلى المحجوب. أنا كنت صابرة المدة دي كلها عشان عذراكم. إنما بعد اللعبة اللي عايزين تستغلوا أمير فيها لا هنا واستوب. ابني خط أحمر ابعدي عنه يا مدام عايدة عشان مقلبش عليك. بغضب لون ملامحها اقتربت من فريال:
-دخلتي عليا زي الحية. وسمتيني بكلماتك وصور لراكان في حضن دي ودي عشان تكرهيني فيه. أطلقت ضحكة خافتة واشارت لنفسها وأكملت بصوت مختنق. متعرفيش إن أكتر شخص في حياتي مكرتهتش غيره هو حضرة النايب. يعني مكنش له لازم تعبك وسمك ليا. استدارت إلى عايدة واقتربت منها: -ابني اللي حاولتِ تقتليه قبل ما يوصل على وش الدنيا دا مفكرة مش هتتعاقبي عليه؟
لا يا مدام فيه اللي أكبر مني ومنك. وأن كان حضرة المستشار عمل حساب للقرابة. فأنا معرفكيش. نصبت قامتها بتكبر وأشارت إلى باب المنزل: -ودلوقتي بدل ما فيش غيري في القصر مش مرحب بيكم. وقت لما ماما زينب ترجع فيكم تيجي. امتقع لونهما وتوسعت نظرات كل منهما. أحرقتهما عايدة بنظراتها. فاقتربت منها تشير. ونبرة قوية يشوبها قسوة جعلت ليلى تنتفض بمكانها. -وعد من عايدة المرشدي قريب لأطردك من البيت دا. وهتشوفي إزاي توقفي قدام أسيادك.
عقدت ذراعيها وتهكمت قائلة: -قولي إن شاء الله. قالتها وهي تشير بكفيها للخارج. جلست تضع كفيها على صدرها تلتقط أنفاسها بعدما خرجوا. -لازم كل واحد يعرف حدوده بعد كدا. حاضر يا راكان مش عايز هدنة. والله لأخلي عيلة الندامة دي تلف حوالين نفسها ويبقى تخبي عليا حلو. باليوم التالي. دلفت إلى غرفته ووقفت أمامه بكبريائها. رفع نظره إليها وتحدث: -إيه يا بت اتجننتي ولا إيه؟
أهلك مش علموكي تخبطي قبل ما تدخلي ولا إيه. اقتربت منه بملامح ثابتة على عكس ما تشعر من رهبته فأردفت: -مفيش حد بيستأذن في بيته يا باشا. وحضرتك قاعد في بيتي. اعتدلت وأشارت بكفيها على المنزل كله وصاحت بغضب: -القصر دا كله ملكي. مالت بجسدها ولم يرف لها جفن قائلة: -شكلك ناسي اللي واقفة قدامك دي بتكون ليلى راكان البنداري اللي هو صاحب الكرسي اللي حضرتك قاعد عليه. ضربت على جبينها قائلة:
-أوبس نسيت أقولك فلوسك بعتهالك. هتحاول تقرب مني هفترسك. خد بالك وأعرف اللي واقفة قدامك دي بتكون مالكة لإمبراطورية البنداري ومستعدة اتنازل عنها كلها ولا إني أبعد يوم واحد عن جوزي. والبت الذبالة اللي حضرتك فرحان بيها دي متساويش الشوز بتاعي. اعتدلت ونظرت لصورة راكان الموضوعة على المكتب ثم اتجهت بنظرها إلى توفيق.
-ومستعدة أضحي بحياتي كلها مش فلوسي. فياريت تبعدني عن مؤمراتك القذرة. وصدقني البت دي لو قربت من جوزي تاني هتحول لأكلة لحوم البشر. ودلوقتي دا مكتب جوزي. والمفروض أنا بس اللي أدخله وهو مش موجود. يعني حضرتك هنا ضيف. آخرك الصالون. قالتها واستدارت متحركة وكأنها لم تفعل كتلة النيران التي ألقتها عليه فصاحت على العاملة: -وصلي توفيق باشا الصالون عشان ياخد الضيافة شكله تاه من مساحة القصر. هب فزع.
-استني عندك يابت. نهض ناصباً عوده وتحدث بفظاظة ونظرات محتقرة. -نسيتي نفسك يابنت الشوارع ولا إيه؟ ولا عشان لعبتي على حفيدي ووقعتيه هتعملي نفسك قيمة. لا فوقي دا أنا أدعسك زي الحشرة. بعينان قويتان عليها اقترب منها. -لا دا انتِ كتبتي نهايتك بنفسك يابت انتِ. مش باقي اللي حتة بنت مارضاش أشغلها خدامة عندي توقف قدامي وتقولي اطلع برة. لا فوقي. قالها بصراخ اهتزت جدران القصر.
-اخرس أهلي دول أشرف من واحد كل همه يبيع أهله عشان شوية فلوس. أبويا شقي وتعب علينا مسرقش فلوس حرام. اقترب منها واطلت من عينيه نظرة جوفاء قاسية اتبعها بكلمات هازئة. -ودلوقتي هتطلعي تلمي شوية الهلاهيل اللي دخلتي بيهم البيت دا. اللي أهلك أصلاً كانوا يحلموا يوقفوا قدام البوابة حتى لو بوابين. بدل ما أخلي حفيدي يجي يسحبك من شعرك زي العاهرة ويرميكي برة.
سحب نفساً طويلاً من تبغه الغالي وهو يطالع سكونها وانكماش جسدها حينما ابتعدت عنه بجسد واهن وصاح قائلاً بفظاظة. -دلوقتي هتمشي بكرامتك ولا لما يجي يطردك زي الكلبة. أشار بإذدراء عليها قائلاً. -أومال لو مش هيتجوز عليكي بعد شهر كنتي عملتي إيه. نهض من مكانه مقترباً منها. -راكان مش سليم الأهبل اللي هتضحكي عليه. دا ناصح وفاهم أمثالك. رمقته بإحتقار خفي فكلمات زينب تتردد بآذانها تملك منها الرعب حينما تحدث قائلاً.
-هخليه يطردك وياخد ابنك واكيد سمعتي عن عيلة البنداري إن لحمهم مُر. اختلج صدرها ضربات عنيفة وشعرت بألم يجتاز جسدها ورغم ذلك ألتوت زاوية فمها بابتسامة باهتة. تحاول الثبات أمامه واقتربت منه قائلة. -دا حضرتك بتحلم أحلام خيالية عظيمة. ضحكت ضحكة مستهزئة بحديثه قائلة.
-أحلم يا باشا الحلم للجميع. بس متنساش إنها هتكون أضغاث أحلام. ولو فعلاً زي ما بتقول إن راكان هيطردني وياخد ابني يبقى فعلاً يستاهل تبقى إنت جده. قالتها وتحركت مهرولة. ورغم تحركها السريع إلا أن خطواتها مبعثرة. ودقات عنيفة من شدة رهبتها. توقفت على أول درج عندما صدح صوته. -وعد من توفيق البنداري لتكوني برة البيت دا هتشوف إنه يستاهل أكون جده ولا لا يا بنت حضرة المحاسب المريض.
احتدت نظراتها من ذكر اسم والدها ومعايرته بمرضه. انبثقت عبرة غادرة تحرق وجنتيها قائلة. -هستنى من واحد مريض زيك إيه. واحد قتل أحفاده وابنه ومراته. تحرك كالثور الهائج وضغط على ساعديها بقوة نظرة نارية لو خرجت لأحرقتها قائلاً. -طيب الحمد لله إنك عارفة إني قتلت أحفادي. وابني. تخيلي ممكن أعمل إيه في واحدة نكرة. صاح على العاملة بغضب قائلاً. -عايز عشا على شرف خطيبة كبير العيلة النهاردة. عشا يليق بمرات راكان البنداري.
نظرت العاملة لليلى المنكمشة وذراعيها التي يضغط عليها توفيق بقوة. -عايزة أجهزلك إيه يامدام. دفع ليلى حتى سقطت على الأرضية أمام العاملة. -إنتِ بتسألي مين يا حيوانة؟ جثى يجذب ليلى من حجابها وألقاه أرضًا. وهي تصرخ: -دي هنا خدامة لحفيدي وبس، ووقت ما دورها ينتهي وناخد الولد هنرميها في أقرب مذبلة. فغرت العاملة شفتيها مصدومة من أفعاله بليلى. توقفت ليلى:
-اعرف قبل ما تعمل كدا أموتك وأشرب من دمك، اللي يقرب من ابني وجوزي أخليه طعام للكلاب. قالتها واتجهت ثم فتحت باب المصعد سريعًا، وجسدها ينتفض رعبًا من نظراته القاسية وما فعله وشهقاتها بالارتفاع. جلست لعدة ساعات بجوار طفلها ولم تتحرك من جواره. فكلما تذكرت حديثه تضم ابنها وتبكي. -لا إيه العيلة دي يارب ساعدني. تسطحت تحاول السيطرة على نفسها بألا تفعل شيئًا تندم عليه.
حاولت أن تغمض جفونها، ولكن كيف لها ذلك بعدما وجدت الجحيم على يديه. -راكان أنت فين؟ بقالك أسبوعين مختفي ليه ياترى روحت فين؟ أرجعت خصلاتها بعنف. -يارب ماخذلنيش ياراكان، المرادي هتكون قتلتني فعلًا. بعد فترة وصل راكان، كان متجها لغرفتها. لقد اشتاق لها حد الجنون. أسبوعين مر عليهما منذ تلك الليلة وكلاهما يبتعدان عن بعضهما. توقف عندما صاح توفيق الذي وقف متجهًا إليه.
-لسة بدري ياحضرة المستشار، إيه رجعت تسهر برة البيت وتبات كمان؟ زفر راكان واستدار إليه محاولًا السيطرة. فأخذ نفسًا مطولًا وطرده بهدوء: -خير ياتوفيق باشا، أنا راجع من برة ودماغي مش فيا وتعبان وعايز أرتاح. خطى إليه وهو يرمقه بملامح غاضبة وتحدث بصوت مرتفع: -فيه إن الخدامة اللي قاعدة مع حفيدي طردتني النهاردة، إيه يا كبير العيلة حتة بت من الشارع تطرد توفيق البنداري؟ إيه رأيك في الكلام دا؟
أخذ يتنفس الصعداء مقتربًا منه، وثورة حارقة بجوفه أرادت أن تلتهمه قائلًا: -قبل كدا قولتلك دي أخت راكان البنداري واللي يقرب منها هدفهن مكانه، أنا معنديش ذرة عقل دلوقتي عايز أرتاح عشان لو اتكلمنا هزعلك. قهقهات ساخرة خرجت من توفيق قائلًا: -لا ماهو انتوا مابتجبوش غير ولاد الشوارع، مش قصدي دي. تنهد بصوت عالي، وأخذ يقترب حتى جلس بمقابلة جده متسائلًا وهو يمسح على وجهه بغضب:
-بقولك ياتوفيق باشا، أنا جاي من سفر ومش فاضي لكلامك الفاضي دا. قالها راكان ثم نصب عوده متجهًا للأعلى، ولكنه توقف حينما صاح توفيق بغضب: -قصدي البت اللي كان متجوزها سليم. تجمد راكان في مكانه محاولًا استيعاب ما قاله. فتسائل: -قول قصدك مين؟ -قصده علي ليلى ياراكان. قالتها سيلين التي دلفت إلى الغرفة. بعدما حكت لها العاملة عقدت ذراعيها أمام صدرها وتحدثت: -جدو ضرب ليلى النهاردة. هب فزعًا كالملدوغ وتسائل: -عمل إيه؟ ضرب مين؟
يعني إيه؟ وزع نظراته لجده وسيلين التي أومأت برأسها. توسعت عيناه وباتت الأرض من تحت قدميه كفوهة بركان أوشك على الانفجار. ابتلع ريقه الذي جف واستدار سريعًا إلى سيلين: -قصدك ليلى مين؟ جلس توفيق يضع ساقًا فوق الأخرى ينفث تبغه وأشار عليها عندما وصلت ووقفت خلف راكان. فتحدث قائلًا وهو يرمقها باحتقار: -البت اللي وراك دي، قال إيه ياسيدي بتقولي اطلع برة، والمكتب دا محدش يدخله غيرها وغير قال إيه جوزها.
قهقه توفيق بعدما توقف متجهًا إليه: -دي صدقت إنها مراتك، شوف ياسيدي لملمت اخوك عملت إيه. استدار راكان ينظر إلى وقوفها، وعيناها المرتجفة، محاولًا استيعاب مدى القسوة والإهانة التي وجهها لها توفيق بحضرته. تحرك إلى أن وصل ووقف بجوارها. طالعها بنظرات تفحصية يبحث عن شيئًا أصابها. فتحدث بصوت حاول أن يخرج متزنًا: -هو قصده عليكي. تضرجت ملامحها بجمرة الغضب، حينما وقعت في براثن حيرتها من ملامحه التي لم تصل لردة فعله. فقالت:
-ابني اللي يقرب منه هاكله بسناني سمعتني، محدش يقرب مني ومن ابني. تهكم توفيق فتحدث: -ما تكملي ياختي اللي قولتي، قولتي ابني وجوزي. ضحك بسخرية. -المدام عشان رقصت معاها رقصة يبقى خلاص بقيت جوزها، متعرفش إننا استحملناها الفترة دي كلها عشان الولد بس. لحظات بل دقائق مرت عليها كظهر وهي ترى صمته. اقترب من توفيق بخطى سلحفية قائلًا: -يعني هي قالتلك اللي يقرب من جوزي وابني هاكله وبرضو حضرتك أهنتها بعد ما نسبت نفسها ليا مش كدا؟
رمقها توفيق بسخرية: -أيوه صدقت إنك جوزها حق وحقيقي، قولتلك نخلص منها. قاطع حديثه عندما صرخ راكان وهو يطيح بكل ما يقابله بيديه: -انت عايز توصلني لأيه قولي؟ أموتك وارتاح منك ولا أعمل إيه؟ وصل أسعد من الخارج للتو على صراخ ابنه: -راكان فيه إيه اتجننت؟ اقترب من والده مزمجرًا: -فيه إن الراجل دا لازم يمشي من بيتي فورًا، معنتش قادر أتحمله. -ولد اتجننت. قالها أسعد. توسعت أعين توفيق بذهول قائلًا: -اتجننت؟ بتطردني عشان حتة بنت؟
مين البنت دي عشان توقف وتطرد جدك يامحترم؟ جذب ليلى وحاوطها بذراعه يوزع نظراته إليهم جميعًا. -دي بتكون مراتي. قالها بصوت شق جدران القصر. ثم توقف وأشار إليها: -عايز تعرف مين دي؟ -دي أم أمير اللي هو ابن سليم الله يرحمه، تكون مالكة لأملاك سليم كلها. اقترب من جده: -اصلي نسيت أقولك ياتوفيق باشا. -إن سليم قبل موته بأسبوعين كتب كل حاجة باسمها، يعني دي ليها أكتر منك شخصيًا. استدار وطالعها بنظرات ذات مغزى وتحدث بهدوء:
-دي بتكون ليلى البنداري، أم أمير عيلة البنداري اللي يفكر يقرب منها همسحه من على وش الدنيا. ابتسمت زينب قائلة: -ومتنساش ياحبيبي بتكون ليلى راكان البنداري. هوى توفيق على المقعد قائلًا: -سليم كتبلها كل حاجة. دنى راكان يحاوط المقعد الذي يجلس عليه توفيق قائلًا: -ووصية كمان أنها هي المسؤلة عن أمير، ومش بس كدا محدش له الحق في أمير غيرها وبعدها أنا، يعني عشان توصل لأهدافك لازم تموتني الأول، ما أنت عملتها قبل كدا.
هب توفيق واقفًا وهو يزمجر غاضبًا: -أكيد هي زورت الوصية دي، لا أكيد لعبت عليه، مستحيل سليم يعمل كدا. قاطعهم وصول نورسين ووالدها. -مساء الخير. استدار راكان ينظر للتي دخلت. قطب راكان جبينه ينظر إلى نورسين قائلًا: -نورسين؟ خير فيه حاجة؟ تركت ذراع والدها واقتربت ثم طبعت قبلة على خديه. -حبيبي وحشتني. اتجه بنظره لليلى، فابتعد قليلًا متسائلًا: -خير فيه حاجة ولا إيه؟ اتجهت بنظرها إلى توفيق وابتسمت.
-جدو توفيق عازمنا على العشا. قوس فمه بسخرية. -طيب يانور بما أن جدو توفيق الي عازمكم فأنا تعبان لسة راجع. نظر إلى النمساوي. -آسف يانمساوي باشا بس بجد لسة واصل وتعبان. أجابه النمساوي وهو يرمق توفيق. -ولا يهمك ياحضرة المستشار، ربنا يعينك. اقترب من جده وتحدث. -لعبتها صح ياتوفيق باشا، لسة حسابنا بعدين. قالها بخفوت وتحرك، يبحث بعينيه على ليلى ولكنه لم يجدها. نظر لوالدته واومأ لها، ثم تحرك للأعلى.
بغرفتها قبل قليل، كانت تقف تنظر بألم. شطر جسدها بالكامل واحترق عندما اقتربت منه تلك الحية الرقطاء وقبلته على خديه. استدارت سريعا متجهة لغرفتها. جلست على فراشها تنتحب بنشيج على قلبها الضعيف الذي يعشق الإنسان الغلط. دفع الباب ودلف للداخل. نهضت تمسح دموعها وصاحت به بغضب ونيران تحرق قلبها. -بعد كدا خبط قبل ماتدخل. ابتسم إليها وهو يرمق وجهها الذي مازالت به آثار الدموع. اقترب منها قائلاً:
-دا بيتي وادخل أي مكان وقت ما أحب، حتى مراتي متقدرش تمنعني. صدرت منها شهقة بكاء مريرة خرجت من أعماقها المحترقة حينما ظنت قصده على الآخرى. -أمشي من هنا لو سمحت. اقترب منها وتمنى أن يضمها لأحضانه قائلاً: -إيه اللي حصل بينك وبين توفيق؟ أزال حجابها من على خصلاتها الذي انسدل كالشلال على ظهرها، ورفع ذقنها بأنامله. -مد ايده عليكي؟ هزت رأسها رافضة. -لا معملش حاجة.
قالتها بصوت مفعم بالبكاء. ودمعة غادرة انسدلت عبر وجنتيها، أزالها بحنو. ألقت نفسها بأحضانه وهمست بأسمه، جعل قلبه ينزف ألماً. كم آلامه دموعها التي نزلت بصمت. ربت على ظهرها بعدما تعالت شهقاتها بالأرتفاع. -إشش اهدي أنا هنا، محدش يقدر ياذيك. جففت دموعها وهي تجهش بالبكاء وتأخذ أنفاسها بصعوبة. -كنت فين بقالك أسبوعين؟ سحبها وجلس وأجلسها بأحضانه.
-أنا مش عايز أتكلم ونتعاتب على اللي حصل في المزرعة، أنا همسح اللي حصل، ويا ريت أنت كمان تمسحه. تنهد بحزن ينظر لمقلتيها قائلاً: -ليلى لازم ناخد هدنة ونفكر إحنا الاتنين كويس ونشوف هنقدر نواجه مع بعض ولا لا. هسيبك براحتك، وموضوع الطلاق دا مش عايز اسمعه حالياً، لكن وعد مني لو فضلت الأمور متأزمة كدا بينا هطلقك وأريحك. رفعت رأسها سريعا له. -أنا عايزة أرتاح بس ياراكان، عايز أحس بالأمان.
-ليلى حبيبي ممكن تهدي وتحكيلي إيه اللي حصل؟ هزت رأسها رافضة. -مش عايزة أتكلم ياراكان لو سمحت. ضمها بقوة وتسطح على الأريكة ثم جذبها لأحضانه. -طيب نامي دلوقتي وبعدين نتكلم، أنا جاي تعبان وعايز ارتاح. اغمضت عيناها مستمتعة بأنفاسه وأحضانه. مرت دقائق وبعدها ذهبت بسبات عميق. استدارت بوجهها إليه، تلمس وجهه بحب، ثم دنت وطبعت قبلة على شفتيه قائلة: -النهاردة بس عرفت انك اماني وحمايتي، ربنا يخليك ليا ياحبيبي يارب.
ظلت بأحضانه تملس على وجنتيه مرة وعلى خصلاته أخرى إلى أن ذهبت بنومها. مرت عدة أيام وهدوء بين راكان وليلى إلا من بعض المناوشات. دفع الباب ودلف كعادته. كانت تجلس تداعب طفلها وقهقهاتهم مرتفعة بالغرفة، ولكنها صمتت عندما دلف إليهما. لقد مر ثلاث ايام ولا تعلم عنه شيئا. لم يأت للمنزل سوى دقائق قليلة ويخرج دون حديثها. نهضت ورغم اشتياقها له صاحت غاضبة. -نفسي تتعلم الإحترام وتهين ايدك شوية وتخبط قبل ماتدخل.
انكمشت ملامحه بألم ورغم ذلك تبدل غضبه الحارق إلى سكون خارجي، رغم نيران الاشتياق بعد تذوقه لجمالها الفاتن الذي حرمه على نفسه. استدار وحمل الطفل يستنشق رائحتها به ولم يرد عليها وتحدث بمغذى إلى الطفل: -عامل ايه حبيبي وحشت عمو قوي قوي. ضمه لأحضانه وكأنه يضمها هي. رجفة سرت بعمودها الفقري عندما استمعت لصوته الدافئ ورائحته التي فاح عبيرها بالغرفة. تمنت لو يسحقها بأحضانه كما سحق طفلها. داعب الطفل لحيته وهو يتمتم. -با.با.
ضمه وتسطح على فراشها وهو يرفعه ويقهقه عليه عندما داعبه الطفل يضرب وجنتيه وضحكاته ارتفعت بالمكان. -هتقولي بابا دايما يا أمير ولا هتيجي في وقت وتقولي ياعمو؟ ياترى هتعرف اني مش بابا ولا لأ. قالها بصوت متألم حزين. جلست ليلى بجواره وعندها رغبة عارمة في ضمهما بعد حديثه الذي قطع نياط قلبها. انبثقت دمعة غادرة تحرق وجنتيها فهمست: -وياترى هتفضل تهتم بيه كدا، ولا هيجي الوقت وتنساه وتهتم بغيره؟
أطبق على جفنيه، وحاول السيطرة على دقات قلبه التي تدق كالطبول، قبل أن يستدير برأسه يطالعها بصمت وعيناه تحوي الكثير من الاشتياق إليها. أسبوع آخر مر عليه كدهرا من الألم والحزن، ولكن كيف أن يسامحها بعدما سحقت كبرياءه. قاطع تحديقه بها عندما تحدثت: -كنت فين الأسبوع دا؟ أعتدل جالساً ثم وضع الطفل على الفراش بعدما وضع له ألعابه. -ياترى دا سؤال ولا عتاب؟ لم تفكر كثيراً فأردفت:
-الأتنين ياراكان، من حقي تقولي كنت فين، هو أنا مش مراتك؟ من يوم ما جدك كان هنا وانت مختفي، غير طبعاً الناس اللي عايزين يؤذوك. نصب عوده وتوقف بعدما ضعف بالكامل أمامها حينما استنشق عبير انفاسها. تحرك للشرفة سريعاً وهو يكاد يأخذ أنفاسه التي سلبتها منه معذبة روحه. حملت الطفل واتجهت إليه وتحدثت بمغذى: -مش تقول لعمو يا أميري أننا هنسافر مع جدو ألمانيا الأسبوع الجاي. أخرج تبغه وقام بإشعاله وهو مواليها ظهره ثم تحدث:
-مفيش سفر دلوقتي. استدار يطالعها بنظراته الحانية متناسياً كل ما صار بينهما. -باباكي قدامه شهرين ويمكن أكتر هناك، مينفعش تروحي قبل ميعاد العملية الوقت دا كله. انزلت الطفل ونظرت إليه بغضب. -أنا مستحيل أسيب ابويا لوحده، كريم لسة صغير مينفعش يكون معاه لوحده. نفث تبغه واجابها: -كريم مش صغير، دا رايح تانية جامعة، غير الدكاترة هيهتموا بيه، وحمزة هيكون هناك كل كام يوم، وأنا مش هسيبه، إنما انت هتروحي إزاي وتسيبي ابنك؟
دنت منه ونظرت لعينيه. -هاخده معايا ياراكان، لوسمحت. رجائها ونبرتها الدافئة جعلته يحتضن كفيها وأشار للمقعد جواره. -اقعدي ياليلى لازم نتكلم مع بعض. جلست وعلى وجهها ابتسامة حالمة من حنيته التي ظهرت بلمسة كفيه وصوته الحاني. استدار إليها ثم اتجه للجانب الآخر وأخذ نفسا من تبغه ونفثه بهدوء ونظراته على مساحة القصر الشاسعة ثم تحدث:
-دلوقتي الولد لسة صغير ومحتاج إهتمام، غير انا مقدرش أضحي بيكوا. أنا ليا أعداء كتيرة في كل مكان، ومعرفش بيخططوا لأيه. -خايف علي ياراكان. جاء سؤالها المباغت ليخترق نبض قلبه. جذ بها ثم حاوطها بذراع ورفع أمير بذراعه الآخر. -ليلى قبل ماتكوني مراتي فإنت وصية اخويا، مقدرش افرط فيكم. لو سمحت، مش عايزك تزعلي ووعد مني هلاقي وقت ويبقى نسافرلهم يومين ونرجع تاني.
ابتعدت عن احضانه ورفعت إبنها وتحركت للداخل دون حديث آخر. ظنت انه يقول اكثر من ذلك. ظل لبعض الدقائق وهو جالس. نهض بعد فترة يبحث عنها بالغرفة. استمع لصوت المياه بالمرحاض وعدم وجود أمير بالغرفة. حاوط الغرفة بأنظاره. تصنم جسده وهو يرى صورة سليم الموضوعة بجانب الكومود. تحرك إلى أن وصل إليها وامسكها. انبثقت دمعة غادرة من عينيه.
-وحشتني قوي ياحبيبي ياريتني أنا اللي كنت موت، ولا اتعذبت العذاب دا كله. راكان بقى هش من غيرك ياسليم مكنتش أعرف قوتي فيك إنت. جلس يتلمس الفراش يطبق على جفنيه بقوة آلمته وأكمل. -كنت مستعد أضحي بحياتي عشانك زي ماضحيت بقلبي، ياريتني مخليتك تمشي اليوم دا. ياريت ايدي اتكسرت ولا قهرتك ياسليم، وخليت ابنك يتيم. وعد مني لازم أخد حقك وحياة كل دمعة بكيتها عليك ماهرحمهم حتى لو كانت حياتي التمن، ولو كان جدك نفسه.
كانت تقف في الردهة واستمعت لحديثه الذي شق قلبها إلى نصفين. خطت إلى أن وصلت إليه. -راكان. همست بها بصوت مرتجف. أزال دموعه ونهض متحركا إلى إتجاه باب الغرفة. توقفت أمامه متناسية ماترتديه. -مين الناس اللي عايزين يؤذك دول؟ هرب بأنظاره بكل مكان حتى لا يضعف بسبب رائحتها التي اخترقت رئتيه وانهارت دوافعه أمام جسدها الذي انكشف معظمه أمامها. لفظ الهواء بقوة من رئتيه قبل أن يترك يديها التي احتضنت يديه وتحدثت بفظاظة:
-دا شغلي متدخليش فيه، وزي مااتفقنا انت هنا عشان الولد وبس، عشان انت ترتاحي وأنا أرتاح. -إنت كدا هتكون مرتاح ياراكان. -ايوة. قالها بقوة، فلقد بدا صوته بتصميم جلي في نظراته ولهجة فظة وهو ينظر لمقلتيها وأشار لصورة أخيه. -بدليل الصورة دي، عشان كل ليلة قبل ما تنامي تشوفيها وتفتكري أيامك الحلوة معاه. قالها بعدما نزع يديه وخرج سريعًا من الغرفة.
بعد فترة، جلس على فراشه يعمل على حاسوبه. قام بمهاتفة بعض الأشخاص، وكأن من بينهم مدير أعماله بألمانيا. -أستاذ راكان، الوضع هنا مأساوي. لازم تيجي في أقرب وقت. اعتدل يستمع إليه باهتمام متسائلاً: -هو مش سليم خلص كل الأوراق؟ فيه إيه تاني؟ تحدث الرجل على الجانب الآخر: -شركة مدام هيلينا موضوعة تحت الإجبار القانوني بزعم إنها غير قانونية. مسح على وجهه فأجابه:
-بعد بكرة هكون عندك. جهز لي كل حاجة، واعمل اجتماع طارئ لكل المساهمين. بعد إنهاء اتصالاته، أمسك هاتفه ينظر لصورها الذي التقطها لها بتلك الليلة. ووضعها بالسيكرت فون، حتى لا يعثر عليها أحد. كانت جميلة حد الفتنة. لمسها بأنامله. وآه حارقة خرجت من جوفه وهو يتذكر ليلته الوحيدة معها. -ياترى هنفضل لحد إمتى نعذب بعض؟ مش قادر يا ليلى. بيني وبينك جدار واحد بس، زي اللي بينهم محيطات وأبحر.
ظل ينظر لصورتها وهي بأحضانه بتلك الليلة التي امتلك العالم بها. شعر بثقل أنفاسه وتمنى لو تأتي إليه لينعم بليلة أخرى. جلست بجواره تلمس وجنتيه ونظرت لمقلتيه. -راكان، هو أنا وأمير إيه بالنسبالك؟ احتضن كفيها وهو يطالعها. -مش عارف هتصدقيني ولا لا، بس أنتوا أحسن حاجة حصلت لي في حياتي. استدار ينظر لعيناها الساحرة. -ليلى، مش معنى إننا بنتخانق يبقى بتمنى لك حاجة وحشة. دنت تضع رأسها بأحضانه وهمست له: -عارفة يا راكان.
طوقها حتى أصبحت بأحضانه كاملاً وتحدث: -لا، إنت متعرفيش حاجة. لو تعرفي مكنتيش بعدتي عني وعاملتيني كأني عدوك. رفعت رأسها لوجهه ولمست وجهه. -أثبت لي ده يا راكان. اثبت لي إنك بتحبني فعلاً. رفعها من خصرها حتى جلست على ساقيه. -فيه حاجات مجبرين نخبيها عشان نحافظ على اللي بنحبهم. نهنهات متقطعة خرجت من جوفها وهي تتمسح بصدره كقطة أليفة. -نفسي أحس بكده. نفسي أنام في حضنك وأكون مطمنة إنك مبتلعبش بمشاعري.
لف خصرها بذراعيه مطبق الجفنين وصدره يعلو ويهبط قائلاً بأنفاس تتثاقل شيئًا فشيئًا. فهمس بصوته المبحوح بكثرة ما يشعر به من مشاعر: -عايزك تتأكدي، عمري ما حبيت قدك، ولا اتمنيت قرب حد قدك. احتضن وجهها وتقابلت شمسه مع ليلها الدامس مقتربًا من ثغرها الذي يشبه حبة الكرز. -اتأكدي إن راكان بيعشقك إنت وبس. داعب وجهها بأنفه يسحب عطر أنفاسها هامساً لها:
-بحبك مولاتي، ومهما تعملي فيا مش هبعد عنك ولا أبعدك عني، لأنك قدري اللي ربنا راضيني بيه بعد الوجع دا كله. أمسك كفيها الموضوع على وجنتيه وقبله ثم وضعه موضع نبضه. -حسي واسمعي كويس واعرفي إن دا ملكك إنت وبس. أغمضت عيناها منتشية تستمتع بقربه وروحه ورائحته الرجولية التي عبأت رئتيها وكأن كل عشق الدنيا تزاحم داخل قلبها لها.
تلاقت ملاحم النظرات العاشقة بينهما فدنى يلتقط ثغرها بقبلة جامحة يبث بها كل أشواقه وعشقه. سحب بها أنفاسه وأنفاسها. رفعت ذراعيها تحاوط عنقه. بخفة حملها عاقد النية أن يعزف بلهيب عشقه. تحرك ومازال ثغره يعقد علاقة منفردة على ثغرها حتى وصل بها إلى الفراش. ولكن أيقظه من وصلة أحلامه رنين هاتفه الذي صدح بالأرجاء. فتح عيناه يبحث حوله عن حوريته التي سلبت أنفاسه ولكن خيب آماله بعدما تأكد ماهي إلا أضغاث أحلام. فتح هاتفه وأجاب.
-أيوة يا حمزة. على الجانب الآخر: -راكان، الليلة كتب كتابي. إياك متحضرش، وبعدين ليلى هتكون موجودة أكيد. رجع خصلاته للخلف وهو يتنهد بلهيب الاشتياق من مجرد ذكر اسمها فأجابه: -حاضر، هكون موجود قبل الميعاد. -راكان، إنت كويس؟ تساءل بها حمزة. أجابه على الطرف الآخر: -أيوة كويس. كنت نايم بس.
مساءً. دلف غرفتها. كانت تقف أمام المرآة تنهي زينتها. دلف يقف خلفها وأخرج من جيبه سلسالاً عبارة عن عين واسعة وبها حجر من الزمرد ويكتب عليها ليالي. رفع خصلاتها وهو يهمس بجوار أذنيها: -بما إننا في هدنة، فحبيت أهديكي هدية. لو بتحبيني اوعي تخلعيها مهما حصل. أغلقها ولم يستطع السيطرة. نزل برأسه وطبع قبلة على جيدها. ارتجف قلبها وشعرت بماس كهربائي بعمودها الفقري. فأطبقت على جفنيها.
رفع رأسه ينظر لانعكاس صورتها بالمرآة. أدار وجهها إليه. فتحت ليلها الدامس بأهدابها الكثيفة. ارتجفت شفتيها من نظراته إليها. بلعت ريقها وتحدثت بتقطع: -ر... ا... كان... أغمض عيناه ورعشة أصابت جسده من نطقها لأسمه. -كملي لبس هنتأخر. قالها وهو يبعد عنها. أمسكت كفيه. رفع عيناه فتلاقت بعيناها. -نعم، فيه حاجة؟ ضمت كفه وتحدثت:
-عايزة أنقل جناحنا الجديد. خلاص السرير دا بشوف فيه كوابيس. معنتش عايزة أنام عليه. وبعدين ببرد بالليل ولازم تدفيني. هزة عنيفة أصابت جسده. وشعور مبهج اجتاح بجسده. ابتسم بخفوت وهو يلمس وجنتيه بأنامله. -طيب، ينفع حد يستأذن وهو رايح لحضن حبيبه؟ قالها بصوته الهادي المبحوح. رفعت نظرها وابتسمت تتلاعب بزر قميصه. -لا، دا مش إذن ياحبيبي، دا عشان متتفاجأش ويغمى عليك. قهقه عليها وهو يضمها بقوة لأحضانه.
-حبيبتي قطة شرسة ولسانها أطول منها. خرجت وأكملت: -وكمان عشان عرفت حاجة تانية. ضيق عيناه متسائلاً: -إيه اللي مولاتي عرفته؟ رفعت رأسها وطبعت قبلة على شفتيه قائلة: -عشان عرفت إني بحبك قوي قوي، وكمان عرفت إن خطوبتك من نورسين لعبة. قهقه عليها بصوته الرجولي ورفعها من خصرها يدور بها بالغرفة. -مجنونة بس بعشقك. حاوطت عنقه تضع جبينها فوق خاصته وأنا بحبك. أنزلها بهدوء ومازال محاوطها فغمز بعينيه. -هو لازم نحضر كتب الكتاب دا؟
لكزته بصدره. -ياله عشان اتأخرنا. تحركت خطوة فجذبها بقوة حتى اصطدمت بصدره وضم ثغرها في قبلة شغوفة حتى انقطعت أنفاسهما. فصل قبلته وهي تدفعه بقوة تحاول أخذ أنفاسها. صدرها يعلو ويهبط بطريقة جعلته يقترب منها ويحاوطها. -حد قالك تبعدي عني شهر كامل؟ لا، هو مش شهر. خمسة وتلاتين يوم وست ساعات. نظر في ساعته وتسع ثواني. طالعته بنظرات عاشقة. -ياه، دا إنت حاسبهم بالثانية. حاوطها وهو ينظر إليها بذات مغزى. -دي أوقات تتنسي برضه.
نزلت بنظرها بخجل ووجنتيها التي تورّدت من مغزى حديثه. سحبها للخارج وهو يردف: -دقيقة واحدة واقفل الباب دا بالمفتاح وارمي المفتاح برة الأوضة ومش عايز أعرف مكانه. وضعت رأسها بصدره تلكمه. -بس احترم نفسك يا راكان. قهقه وهو يجذبها. -لا، إنت كدا بتشتميني على فكرة. بعد قليل وصلوا لمنزل والدها. خرجت درة بطلتها التي جعلت حمزة يقف مسحوبًا بجمالها الآخذ. جلس الجميع بالخارج وتم عقد القران وأخيرًا أصبحت درة زوجته.
دلفت الفتيات للداخل. كانت تجلس على المقعد تتذكر لحظاتهما منذ قليل. ابتسمت بخفوت وهي تلمس السلسال ثم قبلته. جلست أسما بجوارها تلكزها. -الكلام على إيه ياباشمهندسة؟ ابتسمت لها وتحدثت: -الكلام على الحب. أنا وراكان اتصالحنا. ضمتها أسما بسعادة. -حسيت من ضحكات راكان برة. ربنا يسعدكم يارب. متخليش حد يدخل بينكم. والحمد لله عرفتي تتصرفي صح.
-البركة في نوح هو اللي قالي كل حاجة. وكمان أكد لي إنه مش هيتجوزها هو عايز يوصل لقاتل سليم. أومأت أسما متفهمة. قاطعتهم سمية. -إنتوا قاعدين كدا ليه؟ قوموا احتفلوا بالبت. نهضت أسما وقامت بتشغيل الموسيقى. جذبت ليلى. -قومي بقى ارقصي. فيه حد قدك الليلة. لازم تفرجيها علينا. شعرت بألم يغزو معدتها فهزت رأسها رافضة. -لا مش قادرة. نهضت درة. -والله لترقصي يا ليلى. إيه مش عايزة تفرحي أختك؟ مش كفاية مفيش فرح.
ضمت أختها والسعادة تشق ثغرها رغم آلام معدتها وبدأت تتحرك ببطء في البداية حتى انسجمت مع الموسيقى وبدأت تتحرك بحركات أغوائية. بالخارج. كان يجلس بجوار نوح همس له: -هربيك يا أبو لسانين. روحت كشفتنا. الله يفضحك يا أخي. غمز نوح قائلاً: -شكل الغزالة رايقة على الآخر. الضحك من الودان للودان. نهض يونس متحدثاً: -أنا لازم أمشي. عندي عملية. ومبروك يا زومي. عقبال لما أشوفك في الكوشة يلا. بعد قليل صدح صوت الطفل بالبكاء. توقفت سمية.
-هاتيه. أدخله لمامته. هز رأسه رافضاً. -لا، لازم نمشي. عندي سفر الصبح بدري. ممكن تبعتي ليلى عشان نتحرك. أومأت متحركة ولكن أوقفها عاصم. -أدخليني يا سمية. الولاد مش غرب. نهض راكان ونوح معاً. -خدي أمير وأحنا نساعده. أخذت الطفل وقاموا بإسناد عاصم للداخل. تسطح عاصم بمساعدة نوح وراكان. أمسك عاصم كف راكان. -اقعد يابني عايز أتكلم معاك شوية.
بعد قليل خرج وهو يبحث عنها فلقد غلبه الشوق. وقف متصنم حينما وجد باب الغرفة مفتوحًا وجسدها الأنثوي الذي يتحرك أمامه بطريقة مثيرة. وخصلاتها التي تغطي وجهها.
بلع ريقه بصعوبة متجهًا لباب الغرفة وقام بإغلاقه. كور قبضته بعنف. تكاد تخرج مقلتيه من محجريه كلما تخيل أن نوح قد رآها بتلك الهيئة. فتح أول زر لقميصه عندما شعر بإنسحاب أنفاسه وهو يتخيلها تتراقص أمامه بتلك الهيئة مع اختلاف بسيط. بمنامتها التي جلبها إليها من إحدى الماركات الشهيرة بعدما أعلنت سيطرتها على قلبه وقرارها بإقترابه والتنعم بأحضانه. وصل للخارج وهو يكاد يتحرك بهدوء رغم حربه الداخلية فتحدث بعدما أخذ الطفل.
بصوتًا جاهد أن يخرج متزنًا: -ممكن تنادي لليلى يادوب نمشي. تحركت للداخل. خرجت ليلى بعد قليل. طالعها بنظرات صامتة. ود لو قام بإختطافها في التو. فلم يعد له القدرة على التريث. وقفت تفرك كفيها فدفعتها درة. -بعد إذنك يا أستاذ راكان. ليلى مش هتروح معاك الليلة. هب كالملسوع يبلع ريقه بصعوبة. -نعم، ليه إن شاء الله. لكزه نوح بجنبه فتحدث بدلاً عنه: -راكان يقصد ليلى مينفعش تبات برة البيت يا درة. رمق حمزة نوح فتحدث من بين أسنانه:
-اسمها الباشمهندسة درة. يلا. اقترب راكان هارباً من حرب حمزة ونوح مقتربًا من ليلى. -عايزة تباتي هنا؟ فركت يديها وابتلعت ريقها تحاول الحديث. فقاطعتهما درة. -وحياتي يا ليلى باتي معايا. فيه حاجات عايزين نرتبها مع بعض. اتجه راكان بأنظاره إلى درة قائلاً: -هتجيلك بكرة. أجابته درة: -عندي تستات كتيرة مش هكون فاضية. خلاص يا راكان سيب ليلى يومين هنا، انت كدا كدا هتسافر. قالها حمزة.
جز على أسنانه يريد أن يحطم فم حمزة الذي نطق بتلك الكلمات بعدما تحدث الجميع يحثه على ذلك. حاوطها بنظراته المترجية بأن تتحرك معه، ولكن قطعه كريم وهو يضم أخته من أكتافها. -خلاص يا أستاذ راكان، ليلى من يوم ما اتجوزت وهي ما بتتش معانا ولا ليلة. أطبق على جفنيه وأومأ برأسه بالموافقة. دنت منه وتسائلت: -هتسافر إمتى؟ أجابها دون النظر إليها: -الساعة خمسة إن شاء الله، لازم أوصل بدري عندي اجتماع مهم.
تحرك للخارج. خرجت خلفه. توقف لدى الباب ثم ضمها وطبع قبلة مطولة على جبينها يبث بها أشواقه إليها. -خلي بالك من نفسك ومن أمير. ترقرق الدمع بعينيها وهمست: -متتأخرش علينا. وضع جبينه فوق جبينها هامسًا: -هكلمك كل وقت أكون فاضي فيه. متخرجيش من غير الحراسة. ومالكيش دعوة بتوفيق خالص. رفعت كفيها على وجنتيه: -خلي بالك من نفسك. لا إله إلا الله. تحرك وهو يقول: -محمد رسول الله.
عند يونس يجلس أمام فراشها وهو يتناول مشروبه. فتحت عينيها تشعر بألم يفتك رأسها. تنظر حولها. اعتدلت وهي تصرخ عندما وجدت نفسها عارية تمامًا وعلى فراش لم يكن فراشها. رفعت نظرها بعدما استمعت لصوته وهو يرتشف مشروبه: -صح النوم يا عروسة. صباحية مباركة. ياسيلين يونس البنداري. نظرت حولها بضياع بعدما وجدت علامة طهارتها على الفراش أمامها. نهض بخطى سلحفية إلى أن جلس بجوارها. ورفع كفيه يلمس ذراعها العاري ثم اقترب منها.
-دلوقتي عايز أعرف هتهربي مني وتتجوزي غيري إزاي بعد ليلة زي دي وانت في حضني؟ وكمان شوفي. رفع عيناه للكاميرا التي أمامها. هزت رأسها بطريقة جنونية وصرخت حتى انقطعت أنفاسها وسقطت بين يديها فاقدة الوعي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!