الفصل 15 | من 52 فصل

رواية عازف بنيران قلبي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سيلا وليد

المشاهدات
30
كلمة
5,088
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 29%
حجم الخط: 18

اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك. أبتسمت بغرور حينما سألني: "ألم تعرفين ماذا فعلت بي؟ "من أنت وماذا أقول عنك؟ وقفت بشموخ وأجبته: "إذا سألوك عني، قل لهم: هي الفتاة الوحيدة التي أدمنتني وأنا كسرتها." "لا تخف معذبي، سأقدم اعتذار لقلبي، فقد أجهدته نبضًا لمن لا يستحق." وضعت يدي على صدري وهمست: "أمهلني قليلاً يا قلبي، سأرتب حياتي من جديد وأعيده غريبًا كما كان." ***

بغرفة ليلى، بعد شهر ونصف الشهر من حديثه الأخير معها، حبست نفسها بغرفتها وساءت حالتها. الآن أصبح جلادها الذي لا يعرف الرحمة كأنه يعاقبها على اختراقها لحصونه التي لا يعلم كيف انهار أمامها. خرجت للنافذة علها تستنشق بعض الهواء الذي أحست أنه انسحب من غرفتها كما سلبت حياتها من بين يديها. جلست تستند ظهرها للمقعد وتتذكر حديثه ذاك اليوم: "مفيش خروج من البيت إلا بإذني، متنسيش إنك حامل في ابننا." ضيقت عيناها مستفهمة: "يعني إيه؟

هتحبسني؟ اللي كان رابطني بيكوا خلاص مات." جذبها من رسغها بقوة وهو يهمس إليها بهسيس: "البيت ده مش هتخرجي منه غير في حالتين، وانت رايحة تولدي، والتاني لما تموتي، غير كده مالكيش تخرجي منه، سامعة ولا أسمعك بطريقتي." نزلت كلماته على قلبها كصاعقة، بل أشواك تخربش جدران قلبها المجروح. طالعته بذهول: "أكيد اتجننت مش كده؟ وإن شاء الله هتمنعني بصفتك إيه؟ استدار متحركًا ولم يجيب عليها حتى وصل لدى الباب وأردف دون أن يعريها اهتمام:

"تفتكري ممكن أسامح في حق أخويا اللي اتقتل لواحدة زيك؟ هرولت حتى وقفت أمامه وهي تصيح بوجهه: "انت مش طبيعي، ليه بتحملني موت أخوك؟ أمسك ذراعيها يعقدها خلف ظهرها وهمس بفحيح: "عشان انت المسؤولة الأولى في موته، وعجز أمي، وركض أبويا بين الحيا والموت. ودلوقتي لو سمعت صوتك هدَفنك، أنا اللي مصبرني عليك ومستحمل أشوف وشك اللي أكتر وش بقيت أكره هو ابن أخويا اللي في بطنك." وضع كفيه على أحشائه وأكمل ما هشّم قلبها:

"حياتك قصاد حياته، هتحاولي تقتليه هدَفنك حية، قسما عظيمًا أدَفنك حية." قالها ثم دفعها بقوة بعيدًا عنه، يمسح يديه من ملامستها قائلاً: "اعملي حسابك بعد ولادتك هكتب عليك، وده مش حبًا فيك، ده عشان ابن أخويا. لو عليا عايز أخلص منك وأدفنك في سابع أرض." استدار بجسده كله يتابع أثر كلماته على ملامحها، رسم ابتسامة انتصار عندما وجد تبدل ملامحها وشحوب وجهها. دنا إلى أن وصل أمامها واقترب يهمس بجوار أذنيها:

"أهلاً بيك في جحيم حبيبك، مراتي المستقبلية." ثم استدار للخروج. لم تحتمل روحها إهانته ولا مزيد من الجروح التي أحرقها بها، فتحدثت قائلة: "شكلك محتاج دكتور نفسي، حالتك صعبت عليا." توقف قبل خطوة لدى الباب حينما شعر بنيران تحرق أوردته من تلك المرأة وعنفوانها. استدار ووصل إليها بخطوة: "وماله أروح لدكتور نفسي، معنديش مشكلة بعد ما نتجوز إن شاء الله، عشان متأكد وقتها هتصاب بالجنون من واحدة مغرورة زيك."

قالها وهو يخترقها بنظراته. رفعت بصرها ونظرت بملامحها الشاحبة: "معرفش ليه مصر توجعني كل ما تشوفني." دنت منه بخطواتها السلحفية وهتفت بصوتها الضعيف: "أنا مش هقعد في البيت ده ولا لحظة بعد ما تمر عدتي فيه، غير كده أشرب من البحر يا حضرة المستشار، وعايزة أشوف هتتجوزني إزاي." ازداد الغضب بداخله من كلماتها، فجذبها من رسغها وهمس بصوت غاضب حد الجحيم:

"أنا مش باخد رأيك، وأوعي تفكري هتجوزك جواز حق وحقيقي، لا إنسي، انت هنا هتكوني زي مربية لابن أخويا وبس." نزعت يديها التي ألمتها بسبب ضغطه القاسي عليها، وصرخت بصوتها الهزيل مع انسدال عبراتها: "مش هتجوزك يا راكان، سمعتني؟ مستحيل اتجوزك، حتى عندي الموت أفضل إني أكون مرات واحد مغرور زيك."

شعور مقيت أصابه جعل دقات قلبه تتقاذف بين ضلوعه في حرب طاحنة تهلك أنفاسه وتحرق رئتيه دون رحمة من حديثها الذي شق قلبه لنصفين. اللعنة عليها وعلى قلبي الذي يضعف أمام دموعها. وقفت أمامه بجسد مرتجف حينما وجدت صمته، ونظراته النارية لها، فاستدارت متحركة من أمامه وهي تتحدث بصوت متقطع: "عايزة أرتاح، ممكن تخرج دلوقتي، وزي ما قلت لحضرتك أنا هنا ضيفة لحد ما أيام عدتي تخلص، وإن كان على ابنكم مستحيل أحرمكم منه."

أشعلت بجوفه عاصفة غضب هوجاء، أوشكت أن تقضي عليها حينما اقترب منها بهيئته الجنونية وجذبها من الخلف يضمها ويهمس بحوار أذنها: "احمدي ربنا إن ماما موصياني عليك، بحاول أتغاضى ومتعصبش عليك، بلاش تخليني أفقد شوية الرحمة اللي لسه موجودين في قلبي ناحيتك."

هزة عنيفة أصابت جسدها من اقترابه منها بهذا الشكل لأول مرة، ناهيك عن أنفاسه الحارة التي ضربت بشرتها، فجعلتها لم تقو على الوقوف. كأنه شعر بحالتها ولم يرحم ضعفها فدنى أكثر حتى أقسمت أن شفتيها لامست حجابها فأشعرتها بماس كهربائي وهو يقول: "من حظي الحلو يا ليالي ومن حظك الزفت إن اللي مات سليم مش أنا، ما أنا نسيت أقولك يا مراتي المستقبلية، أنا اللي كنت مقصود، فجت في سليم. عارفة ليه يا ليالي؟ عشان آخد حقي منك وحق أخويا."

حاولت دفعه بكل قوتها عندما شعرت بجنونه. نعم هي أيقنت أنه ليس على ما يرام وخاصة قربه منها بتلك الطريقة: "ابعد عني، إنت اتجننت! حاوطها بامتلاك وأكمل: "أخويا مات وهو بينادي عليك، آخر حاجة نطقها كانت إنت، وحضرتك بكل غرور وعنجيهة صدقتي نفسك وعملتي زعلة حتى من غير ما تتأكدي. اتصلت وقولتلك سليم عمل حادثة، رضيتي وقولتي إلعب غيرها." ضغط بقوة على خصرها وعبراتها تنسدل بقوة على وجنتيها ولم يرحمها فأكمل:

"يبقى موتيه بغرورك ولا لا؟ إزاي المدام تسمع كلام راكان عدوها وتيجي تشوف أخوه؟ بس ملحوقة يا مدام هعرف أخليكي إزاي تندمي على حاجة أقولها ومتتسمعش." قالها ثم دفعها بقوة بعيدًا عنه، وتحرك مغادرًا وهو يتحدث: "حافظي على الولد عشان ده اللي شفعلك عندي، وإياكي ثم إياكي تخرجي من باب البيت ده دون علمي." شعرت بأن الأرض تدور بها، وكأنها داخل كابوس. دقائق وهي جالسة بمكانها. هزت رأسها رافضة حديثه، وجنونه الذي أوصلها لزرع بذرة الشك:

"لا مستحيل اتجوزه، ده مستحيل يكون الراجل اللي تمنيته في يوم من الأيام." أسرعت تهبط إليه. دَلفت إلى مكتبه دون استئذان وهو يقوم بعمله: "إيه اللي بيحصل ده؟ استجمعت شتات نفسها وقوتها وسارت بخطى ثابتة نحوه. وقفت أمامه ورفعت سبابتها: "أنا مستحيل أوافق على المهزلة دي، سامعني." اقتربت ونظرت له كقطة شرسة: "اللي يقرب مني يستاهل اللي يجراله." نصب عوده الفارغ واقترب بخطواته السلحفية التي بعثت الرعب لقلبها وقال بجانب

أذنها بصوت كحفيف أفعى: "خفت أنا من تهديدك ولازم أتخبى مش كده." ثم رجع بجسده للخلف، واضعًا يديه بجيب بنطاله: "إحنا مش لسه متكلمين ونهيت الموضوع ده." "أنا مستحيل أخلي ابن أخويا يتربى بره." ثم صوب نظرات شرزا لها: "ولا مستحيل أضحي بوالدتي اللي عجزت بسبب موت ابنها." نفث تبغه ثم قوس فمه متحدثًا: "فيه معلومة نسيت أقولك، أنا هتجوز واحدة تانية وهعيش معاها، يعني متخافيش مني ولا كأنك موجودة."

قبضة قوية اعتصرت فؤادها وهو يطالعها ببروده المستفز، واستدار يدور حولها يرمقها بنظراته المميتة: "وياريت متدخليش كده تاني عليا، متنسيش نفسك." نظرت لداخل مقلتيه بتحدٍ، وودت لو تصل إليه وقبضت على عنقه: "خلصت كلامك ولا لسه فيه حاجة عايزة تقوليها. زي ما حضرتك شايفة عندي شغل." زفرت باختناق وظهر اليأس على ملامحها ورغم ذلك ناطحته بقوتها الواهنة: "احلم كويس وياريت تستغطى وانت بتحلم." قالتها بسخرية ناظرة لعيناه بقوة.

صدى صوت ضحكاته التي لا تعبر عن شخصيته أو ذلك الموقف. ثم رمقها بنظرة محاولاً استكشاف ما تفكر به، ورغم عدم وصوله لشيء غير أن سواد عيناها الذي يشبه السماء في ليالي الشتاء القاسية تجذبه للنبض مرة أخرى. اتكأ بظهره على مقعده وأردف بهدوء: "أنا مبحلمش يا مدام." قالها ناظرًا بقوة إليها. ثم استطرد: "دي حقيقة وواقعية أكتر ما تتخيلي، هنشوف كلام مين اللي هيمشي."

فقدت قدرتها على الحركة أو الكلام بعد ثقته من كلماته القليلة معها في آخر فترة. شعرت بتمزق قلبها إلى أشلاء عندما عجزت على المواجهة أمامه. أغمضت عيناها بقهرها وعجزها فهي كقلعة على تلال من الرمال الواهية. لمن ستلجأ؟ ورغم ذلك استدارت له: "هن شوف يا سيادة المستشار... واقع ولا خيال، وخليك فاكر دا كويس. افتكر إنّي جيت وحذرت. وصل إليها سريعًا قبل مغادرتها، وجذبها من رسغها، ناظرًا لمقلتيها بغضب جحيمي.

-عيني عليك لو شوفتك برة أوضتك، ولا حاولتِ تضايقي أمي. بلاش أقولك هعمل إيه. ومن دلوقتي أنتِ خطيبتي وفي حكم مراتي، فاهمة؟ نظرت إليه بنظرات نارية، وأصابتها رغبة عارمة في احتراق صدره وتناول قلبه وتمزيقه لأشلاء، كما بعثر قلبها وروحها بكلماته وأوامره، والكُره البائن على ملامحه. دفعته بلكمة في صدره وأردفت: -هنشوف يا راكان يا بنداري، هنشوف كلام مين اللي هيمشي. ملعون أبو اليوم اللي دخلت شركتكم فيه.

قالتها وتحركت، تصفع الباب خلفها حتى هز جدران المنزل. *** خرجت من ذكراها وهي تنظر للحديقة التي أظلمت بظلام الشتاء، كحياتها التي أظلمت بوفاة زوجها. أمسكت هاتفها وبدأت تتفحصه، تتذكر ذكرياتها مع زوجها. بسطت أناملها، تكبر صورته التي بهاتفها، وتتحسسها. انسدلت عبراتها. -وحشتني قوي يا سليم. حقيقي وحشتني. ما كنتش أعرف هتبهدل كدا من بعدك.

ظلت تملس بيدها على صورته ودموعها في الانهيار، وتذكرت حديثه وشقاوته معها. شهقة خرجت من جوفها، ولم تشعر بنفسها وهي تقول: -سليم، لو قالولي نفسك في إيه تعوضيه، هقولهم نفسي أشوفك قدامي وأنت بتضمني وبتطبطب عليا. عايزة أقولك أنا حبيتك. بجد حبيتك قوي. وما كنتش أعرف. ياريت الندم يفيد. عايزة أعرفك كنت غلطانة في حق نفسي لما فكرت في واحد زي أخوك. دا مستحيل يكون بني آدم. ياترى هو كدا وأنا اللي ما كنتش واخدة بالي ولا...

أجهشت بالبكاء مرة أخرى. تنظر إلى السماء التي بدأت بصوت الرعد، وكأن السماء تبكي لبكائها. رجعت برأسها وبدأت تحدث نفسها: -غصب عني كل حاجة حصلت لي، غصب عني. حاسة إني ضايعة ومش عارفة أعمل إيه. ابني اللي اتكتب عليه إنه يجي للدنيا من غير أب، ولا أختي اللي القدر بيلطش فيها، ولا مرض أبويا وكل يوم عند دكتور. ولا الراجل الوحيد اللي فكرت نفسي حبيته، بقى أكبر ظالم وكل ما يشوفني عايز يدبحني. اتجهت بنظرها لصورة زوجها مرة أخرى:

-أحكي لمين وجعي يا سليم؟ أنا تعبانة قوي يا سليم ومنهارة. مراتك ضعيفة وضايعة من غيرك. صدقني حبيبي ضعت من غيرك. اندفع باب الغرفة ودلف منه يبحث عنها. كانت جالسة مغمضة العينين وصورة سليم مضاءة على هاتفها. وجد باب الشرفة مفتوحًا، اتجه إليها سريعًا عندما وجدها بتلك الحالة، ظنًا أنها فقدت وعيها.

وقف ينظر إليها بعينان تقطران ألمًا، وملامح يكسوها الحزن من تبدل حالها. فتحت عيناها حينما شعرت به من خلال رائحته التي استنشقتها. اعتدلت، تجذب معطفها الصوفي على أكتافها، ونظرت للبعيد ولم تحاكيه. أظلمت عيناه بنظرة جوفاء قاسية وتحدث: -ما أكلتش ليه من الصبح؟ أنتِ ناسيه إنك حامل؟ وليه قاعدة في البرد؟ ظلت كما هي، لم تعره اهتمامًا. جذبت حتى أوقفها وسحبها للداخل. تحركت معه دون حديث، وكأنها فقدت الحياة.

جلست على مخدعها ولم ترفع نظرها إليه. دلفت العاملة تحمل طعامها. أشار بعينيه للعاملة أن تخرج، ولكنه أوقفها. -فين اللبن؟ أنا مقلتش كل وجبة اللبن. هزت رأسها وخرجت سريعا لتلبي طلبه. جلس بمقابلتها، يضع ساقًا فوق الأخرى. -خلصي أكلك يا مدام. عندنا ميعاد مع الدكتورة النسائية.

ظلت صامتة ولم تفعل شيئًا. نهض من مكانه حينما وجدها تعاني بهذا الشكل الموجع، ألم مفرط اجتاح كل خلية بجسده. روحه تتمزق. عبراتها أمامه تحولت إلى قطع زجاج تشحذ صدره. أغمض على جفنيه واقترب من جلوسها. حاول يستعطفها كما أوصته والدته. -باشمهندسة لو سمحتِ، اهتمي بأكلك. متنسيش إنك حامل. جلس بجوارها على الفراش، يدقق النظر لملامحها الباهتة التي أكثرت شحوبها وهمس يستعطفها.

-ليلى، أمي بقت قعيدة، وأملها كبير في اللي بطنك. يعني الولد مقابل حياة أمي. عارف قسيت عليكِ، بس دا ميمنعش إنك متسرعة ومبتحكيش عقلك في قراراتك. حركت شفتيها الجافتين بنبرة يبدو عليها الندم، فرفعت بصرها إليه: -أنا عملتلك إيه عشان أستاهل كدا؟ أنا ماليش دعوة باللي حصل. عارفة إني غلطت بس ما كنتش أعرف. قولتلك خليت والدتك تتصل وقالت إنكم في المزرعة.. أطبقت على جفنيها وأكملت:

-أنا ما كنتش أعرف كل دا هيحصل. أنا كنت مجروحة. واحدة جوزها خانها في أول شهور جواز. كنت مستنية مني إيه؟ ليه دايما بتحملني كل حاجة؟ زفر بحزن مما وصلت إليه الأمور بينهما، فنهض ينظر للطعام، يحبس أنفاسه داخل صدره، ثم تحدث: -خلاص مش هنتكلم في اللي فات. دلوقتي لازم تهتمي بنفسك. أكلك مش تاكليه غير من إيد مها اللي جابتلك الأكل دلوقتي. ممنوع تخرجي من باب الأوضة دي وأنا مش موجود. نظرت إليه والدمع يترقرق من عينها:

-أنا مش عايزة أقعد هنا. كدا كدا هرجع بيت أبويا، فبلاش أسلوب الجبروت بتاعك دا. الجواز مش بالغصب. اكتفى بتنهيدة مرتجفة أفلتت من بين شفتيه، فلم يجد كلمات تعبر عن غضبه سوى أن ينزل بجسده، ينظر لمقلتيها بغروره. -مفيش خروج من البيت دا يا مدام. مش مستعد أموت أمي عشان واحدة كرهتني في نفسي أنا شخصيًا.

قالها وتحرك مغادرًا سريعًا، حينما جذبته بعيناها السوداء الساحرة. بخطوات ظاهرها ثابت ولكنها متعثرة، ضعف قلبه الذي فرض سيطرته بالكامل من قربها. وحجر ثقيل يطبق على صدره كلما تذكر أنها ما هي إلا أرملة أخيه. وصل لغرفة والدته، يطرق على بابها، ثم دلف إليها. -مساء الورد يا زوزو. رفع كفيها يقبلها وجلس أمامها. -إيه يا زوزو، عجبك قعدتك على الكرسي دا؟ ياله يا ماما، عايز أرجع أشوفك واقفة على رجليكي من تاني. رفعت كفيها

تمسد على خصلاته وأردفت: -أنا كويسة يا حبيبي طول ما أنت وأختك كويسين. اكتسى الحزن ملامحها حينما تذكرت فلذة كبدها، فهمست بصوت متقطع: -مراتك عاملة إيه؟ إيه أخبار اللي في بطنها؟ جحظت عيناه بصدمة وأردف: -مراتي!! إيه يا زوزو، ما أنتِ عارفة أنا وحلاطلقنا من زمان، وهي سافرت أمريكا. وبعدين مش دا كان شرطك إني أبعد عنها عشان ترضي عليا وأكون راكان ابنك اللي ربتيه؟ ملست على وجهه ثم رفعت ذقنه ونظرت لمقلتيه:

-أنا مقصدش حلا يا راكان. أنا قصدي ليلى!! ذهل من حديثها، فنظر إليها بشفتين فاغرتين مصعوقًا، وكأن ما قالته أدمى قلبه فشطره نصفين. ظلت تمسد على خصلاته بكفيها مردفة: -أنت قلتلي اطلب، وأنا عليا أنفذ. وأنا مش عايزة منك غير كدا. إن ليلى متخرجش من البيت دا، لأني بشم ريحة ابني فيها. أطبق على جفنيه بقوة حتى شعر بتمزق عيناه. فهمس بأنفاس ثقيلة مرتجفة: -كلمتها يا ماما. عرفتها إنها هتفضل معانا. وطلبت منها الجواز.

هزت رأسها منتظرة تكملة حديثه. صمت لثوانٍ يقاوم صرخة عبأت صدره حينما تذكر حديثها بأنها تتمنى الموت ولا الجواز منه. قاطعت شروده زينب: -قالتلك إيه يا حبيبي؟! حمحم، ناهضًا من مكانه يوالي ظهرها، فأردف: -مش موافقة. عايزة تروح بعد العدة. وطبعًا باقي شهر وهتمشي من هنا. بحثت على هاتفها، فقالت: -أنا هروح لها. هتصل بسليم توديني عندها. أوقفها راكان قائلًا بهدوء:

-سيبها دلوقتي يا ماما، بلاش نضغط عليها. أنا حجزتلها عند الدكتورة. هنروح نطمن على البيبي. وبعد كدا ربنا يحلها من عنده. صاح على الممرضة. خليك جنبها، إياك تبعد عنها لحظة، لحد ما الباشمهندسة تيجي. قبل رأس والدته متجهًا للخارج، ولكنه تسمر بوقفته عندما استمع لكلماتها. "مردتش عليا يعني ياحضرة النايب؟ لما سألتك وقولتلك إيه رأيك في ليلى كزوجة؟

ظل للحظات مولّيها ظهره، ورغم ذلك شعر بانسحاب أنفاسه، وكأن والدته تضغط فوق جرحه المتقيح. فاستدار ببطء ينظر إليها، ثم أجابها: "زيها زي أي ست، وهي في الأول والآخر مرات أخويا، وأم ابنه. وزي ما اتفقت مع حضرتك، الجواز ماهو إلا أمان للولد وبس، ياماما. بلاش تفكري في حاجات مش هتحصل." طالعته بهدوء وهزت رأسها رافضة.

"ليلى أرملة أخوك مش مراته ياراكان، وأنت زيك زي سليم الله يرحمه. أوعى تفكرني عبيطة يابني، مبفهمش. لا، دا أنا أفهمك من نظرة عينك." نظر للممرضة التي تقف تستمع لحديثهما، وأشار إليها بالخروج، ثم اتجه لوالدته. "عايزة توصلي لأيه ياماما؟ ممكن متخيبش ذكائي وتقولي من الآخر، عايزة توصلي لأيه؟ دققت النظر بمقلتيه وأشارت لقلبه. "عايزة أوصل لقلبك يابني. ليه بتهرب منه؟ ليه مش عايز تدي نفسك فرصة إنك تعيش مع اللي اختارها قلبك؟

مش ليلى دي حبيبتك اللي جيت وحكيتلي عنها في يوم من الأيام؟ هزة عنيفة أصابت جسده حتى شعر بدوران الأرض تحت قدميه. هرب بنظره من والدته وهو يهز رأسه رافضًا حديثها، وتحدث بصوت متقطع: "إيه اللي بتقوليه دا ياماما؟ ليلى دي مرات سليم وحبيبته، نسيتي ولا إيه؟ تحركت بالمقعد حيث وقوفه وأردفت: "مش دي المهندسة اللي جيت تقولي عليها قبل ما أخوك يخطبها بأسبوع؟

واتفقت معايا نروح نزورها. وبعد كدا حالك اتشقلب وقولتلي إنك نسيت الموضوع، ودا بسبب إن أخوك اتجوزها." هز رأسه كالمجنون رافضًا حديثها، وترقرقت عيناه بالدموع: "لا مش هي. مين اللي قالك كدا؟ دي واحدة تانية واختلفنا." جذبته من كفيه حتى هوى على المقعد أمامها. "لا هي ياحضرة النايب. هي البنت اللي كنت بتحكي عليها وعيونك كلها سعادة. ثم وضعت كفيها على صدره."

"هي البنت اللي خلت قلب راكان البنداري يدق ويضعف، ويشوف السعادة. وفي اللحظة كل حاجة انطفت ورجع زي الأول." "ماما"، همس بها راكان مع انزلاق عبرة خائنة من جفنيه. اقتربت بجسدها تزيل دموعه. "ليه ياحبيبي؟ ليه تعمل في نفسك كدا؟ الفرصة جاتلك لحد عندك. ليه عايز تكسرها؟ والله يابني ماكنت أعرف، ولا أخدت في بالي. مستحيل أسيبك تعيش الوجع دا ياحبيبي." رفعت كفيه تقبله ونظرت لداخل عينيه.

"أوعى تفكر أني كنت هفرق بينك وبين أخوك ياحبيبي. عمري ماكنت أعملها. بس زعلت عليك ياراكان. نهض سريعا يمسح عبراته قائلا بصوت مرتجف." "غلطانة ياماما. مش دي البنت اللي قولت عليها. وعلى فكرة، أنا كنت هخطب البنت اللي كلمتك عليها، بس جه موت سليم وقف كل حاجة. وأن شاء الله ناوي بعد ما تعدي سنويته أروح أخطبها. مش دا اللي حضرتك عايزاه؟ عايزة أكون عيلة." تنهدت بوجع تطالعه، ثم هزت رأسها وسألته: "وليلى يابني؟ ترضاها لسيلين أختك؟

أستدار يطالعها: "ليلى مستحيل يربطنا ببعض حاجة، وزي ما حضرتك قولتي، ريحة أخويا فيها. غير أنا بحب واحدة تانية." "وياترى مين البنت دي اللي حضرتك عايز تتجوزها؟ " قالتها زينب غاضبة. أجابها سريعا دون تفكير: "نورسين النمساوي ياماما. بقالنا أكتر من سنة على علاقة والصراحة شايف نفسي معاها." هزت رأسها وأجابته: "ملقتش غير بنت النمساوي ياراكان؟ طيب ياحبيبي. ربنا يسعدك." خرج سريعا وترك والدته خلفه تنظر إليه بحزن.

دلف غرفته كالثور الهائج وبدأ يحطم كل مايقابله. "ليه بيحصل معايا كدا؟ هو لدرجة دي أنا ملعون؟ آآه، قالها وهو يكز بأسنانه على قبضته المتكورة. حاول أن يتنفس، فحديث والدته عراه أمام نفسه. ماذا عليه يفعل الآن؟ هل سيفعل ما قاله؟ ويذهب لتلك الشمطاء الذي جنت عليه؟ تذكر حديثه معها آخر مرة بإحدى الحفلات. دلف للحفل بجوار حمزة ونوح متجها إلى أحد رجال الأعمال المشهور بالبلد. أسرعت إليهم تلوح بيديها ثم توقفت أمامه تضمه.

"راكي فينك مش باين؟ حتى الشغل خطفك مننا ومعنتش بتيجي الشركة." سحبها من ذراعيها متجها بها للخارج. وصل لمكان هادئ وتوقف أمامها يرمقها بنظراته النارية. "كويس إني شوفتك هنا. كنت هروحلك مخصوص." اقتربت تحاوط عنقه مردفة: "إيه وحشتك ولا إيه؟ ضغط على ذراعيه بقوة وهو يناظرها بغضب جحيمي. "لا، كنت عايز أطمن على ابننا. مش إنت حامل برضو ولا إيه؟ هزة عنيفة أصابت جسدها حتى تمنت أن الأرض تنشق وتبتلعها. حاولت الحديث ولكنها لم تستطع،

فارتبكت قائلة: "مش فاهمة قصدك. حمل إيه ياراكي؟ دنى يحاوطها من خصرها وابتسامة شيطانية رسمها على ثغره. "أيوة، مش دا كلامك للنجوى برضو؟ دا حتى لسة قايلة أكتر من كدا." ضغط حتى صرخت من الألم. "راكان أيدي بتوجعني." جز على أسنانه وتحدث بنيران تخرج من عينيه. "عشان جيت سهرت عندك ليلة يبقى خلاص عملنا علاقة ولا كمان حامل؟ اتجننتي يابت؟ دا أدوسك بجزمتي. مين دي اللي تقدر تقرب مني من غير إذن؟

ويوم ما أفكر أعمل علاقة أعملها مع واحدة عديمة الشرف." نزعت يديها بغضب منه وصاحت بغضب: "هو في إيه لدا كله؟ كنت عايز مني إيه؟ وأنا شيفاك هتاكلها بعينك. أوعى تفكرني هبلة ومعرفش غرامك بمرات أخوك ياحضرة النايب، وخايف حد يعرف بعلاقتك معاها." صفعة قوية بظهر كفيه على وجهها. ثم ضغط على فكيها وكاد أن يحطمه. "اتجننتي؟ بتغلطي في شرف مرات اخويا ياحقيرة؟ ومع مين معايا؟ دا جذمتها فوق دماغك يابت." قالها ثم دفعها بقوة أسقطها أرضًا.

يشير عليها بإحتقار. "شوف مين بيتكلم عن الشرف. دا انت رميتي نفسك عليا، ومستنضفتش أقرب منك حتى." نهضت تحتضن كفيه. "راكان أنا قولت كدا عشان بحبك. خفت إنك تبعد عني وتروحلها. صدقني قولت كدا عشان بقيت مجنونة بيك." رمقها بإستخفاف ثم تحدث. "لو شفتك قدامي صدفة هموتك." قالها وتحرك من أمامها. خرج من شروده عندما استمع لرنين هاتفه. عند نوح وأسما. جذب يدها متحركًا وهو يتحدث بغضب. "وبعدهالك ياأسما؟

هنفضل طول حياتنا نتكلم عن راكان وليلى؟ توقفت تحاوط خصره. "نوح حبيبي عشان خاطري. لازم تكلمه يخف عليها شوية. دا محملها موت سليم. وحياتي يانوح، كل ما أتخيل إنها بتتعذب بسبب حبيبها بزعل." رفعت رأسها من حضنه وأردفت بصوت حزين. "انت متخيل إن فيه واحد بيحب واحدة ويعذبها؟ ضم وجهها بين راحتيه وأردف:

"حبيبتي راكان بيحب ليلى فوق ما تتخيلي. محدش عارفه قدي. وعارف قد إيه اتعذب. مستحيل يأذيها. دا روحه فيها. اللي كان باعده عنها أخوه عشان كدا كان بيحارب قلبه ونفسه. ودلوقتي مفيش سليم يعني ربنا رحمه. وقاله حبيبتك رجعتهالك اهو. تفتكري ممكن يفرط فيها؟ قاطعهم صوت خلفهم. "دي اللي سبت عيلتك كلها عشانها. دي اللي بعت شركات والدك ومستشفياته عشانها."

ابتسم بسخرية، عندما وجدها بثيابها التي تنتقيها بعناية من أشهر مصممين الأزياء المشهورة. وزينتها رغم إنها بسيطة إلا أنها من أغلى الماركات. اقترب منها يطالعها بهدوء. "مرحبًا أنسة راندا. مش حضرتك أنسة برضو على حد علمي للنهاردة... اقتربت ترمقه بنظرات نارية. "نوح تعرف إحنا بقالنا قد إيه متجوزين وحضرتك سايب البيت عشان البت دي؟ امسكها من رسغها بغضب، وصاح بعيون مشتعلة.

"دي مراتي. وقبل ما تكون مراتي. هي حبيبتي وروحي اللي مقدرش أستغنى عنها. ودلوقتي أمشي من هنا، وإياك تيجي المكان دا تاني من غير إذن صاحبته." توسعت عين أسما من رد نوح القاسي، وحديثه مع راندا. فضغطت على كفيه تطالع التي ظهر على ملامحها نيران الغضب. فتحدثت قائلة: "أهلاً بحضرتك. أنا مكنتش أعرف إنت مين." رمقتها راندا بإستعلاء قائلة: "أنا واحدة تحمدي ربنا إنك في يوم وقفتي قدامها واتكلمت معاها. أشارت بيديها على أسما بسخرية."

"بقى دي روحك؟ دي اللي تسيبني عشانها؟ تمام يادكتور، مبقاش راندا الدميري اللي مادفعتك تمن كلامك غالي قوي." قالتها واستدارت تتحرك بكبرياء وكأنها لم تغضب ولم تثور. رفعت أسما نظرها إلى نوح وترقرق الدمع بعيناها. "نوح دي ناوية على إيه؟ ممكن تقول لوالدك؟ حاوطها بذراعيه مقبلًا جبينها. "تقول اللي تقوله. هو أنا خايف منها؟ دي واحدة فاضية مالهاش لازمة. معرفش إزاي كنت مجنون وكملت في الجوازة دي."

احتضن وجهها بين راحتيه، ينظر في عيناها البندقية التي تشبه لون القهوة قائلًا. "حبيبتي ولا كأنها جتلك هنا. أسما انت بس اللي مراتي. ودا أنا عرفتهولها قبل ما أجي أكتب عليك. إياك ثم إياك تخليها تهدم حياتنا. أنا بحسب بفارغ الصبر لليوم اللي أقدر أوشمك بحبي. بلاش تفقدي الثقة في جوزك." نظر حوله ثم أمال يحتضن ثغرها بين خاصتيه، فاصلًا قبلته بغمزة من عينيه قائلًا:

"أنا شايف إنك بترتبي لجواز مصر كلها حبيبي. إيه مش ناوية ترحمي حبيبك شوية؟ ابتسمت بخجل توضع رأسها بصدره قائلة. "نوح بس بقى هزعل منك والله." سحبها من كفيها ودلف للداخل وهو يردف. "لا والله أبداً. كدا كتير على قلبي. دا إنت عايزة واحد عاقل بارد ثلاثي الأضلاع والميزة دي مش عندي خالص." رغم وجعها الذي شعرت به منذ ذهاب راندا، إلا أنها ابتسمت له وتحركت لمنزله. دلف للداخل ينادي على العاملة. "سيدة، تعالي."

وصلت العاملة إليه سريعًا. "نعم يادكتور." حاوط خصر أسما وتحدث. "عاملة غدا إيه النهاردة؟ ابتسمت له العاملة قائلة. "هو يعني حضرتك... " قالتها وهي تفرك بيديها وتنظر لأسما التي أجابته. "أنا اللي طبخت النهاردة يانوح. عاملة فراخ مشوية. ومحشي ورق عنب." ضيق عيناه متسائلاً. "فراخ ومحشي؟ لا دا حبيبي متوصي بجوزه. وناسي إني عريس ولا إيه؟ توردت وجنتيها وسحبت نظرها من أمام عيناه، تنظر لسيدة قائلة.

"روحي إنت ياسيدة وأنا هحط الأكل للدكتور." خرجت العاملة. سحبها نوح من خصرها لأحضانه. "ينفع عريس ياكل محشي وورق عنب ليلة دخلته برضو؟ فين السي فود والحمام والكوارع والحاجات اللي بنسمع عنها دي؟ لكمته بصدره. "نوح اتأدب. هو أنا قولتلك الليلة ليلة دخلتنا؟ قاطعهم رنين هاتفه. سحبها وجلس ضامًا إياها لأحضانه. "أيوه يالولا. عاملة إيه ياباشمهندسة." أجابته ليلى على الجانب الآخر. "نوح بابا هيروح يغسل كلى بكرة. كنت تعرف ومخبي عليا؟

تنهد نوح يمسح على خصلاته متسائلاً. "مين اللي قالك كدا؟ صرخت ببكاء. "بابا عنده فشل كلوي يانوح ومخبي عليا. طيب ليه؟ ليه تخبي عليا موضوع مهم زي دا؟ اعتدل بجلوسه قائلاً. "ليلى حبيبتي أنا عرفت بالصدفة. وولدتك حلفتني مقولش لحد. عشان ظروف حملك وكمان متنسيش جوزك لسة ميت بقاله كام شهر." أزالت عبراتها وتحدثت بجديه. "نوح تعالى فوراً. عايزة أروح أشوف بابا. والتنين صاحبك عامل كردون عليا. بس هو مفكر نفسه مين؟

والله لو مخرجنيش دلوقتي أشوف بابا لولعله في القصر البارد بتاعه دا." أطبق على جفنيه. ثم أخرج تنهيدة حارة ونظر لأسما قائلاً. "أجهزي. الحق التنين والتنينة دي. أنا عارف الليلة مضروبة والله." لكزته أسما بكتفه قائلة. "والله انت رخم ياعني هتموت من العياط وعايزة تشوف ابوها وانت بتهزر." احتضن وجهها واردف.

"حبيبتي ليلى جوزها ميت بقاله أكتر تلات شهور لسة. يعني قدامها شوية عشان تخرج من البيت. ودا اللي باباها فهمهله. معرفش اهم حاجة تتخانق مع راكان وبس." اومأت برأسها متفهمة وقالت. "حاول تضغط على راكان يانوح. ممكن يسمع منك." ارتدى جاكتيه واتجه بنظره إليها يضع شالها فوق كتفيها. "راكان هيتجوز ليلى ياأسما." رفعت نظرها بذهول إليه. "قول والله؟ راكان هيتجوز ليلى؟

طيب كويس أوي واخيرا هتجوز الشخص اللي حبته." ثم صمتت ونظرت إليه. تفتكر بعد اللي قولتهولها هي هتوافق؟ سحب كفيها متجها لسيارته. "هي رافضة طبعًا لأن التنين على رأيها مفهمها هيتجوزها عشان ابن سليم. وعايز ينتقم منها." توقفت تنظر إليه متسائلة. "يعني إيه؟ يعني راكان عايز ليلى عشان الولد بس؟ استقل السيارة وقام بتشغيل المحرك.

"صدقيني راكان كل شوية له قرار أصعب من اللي قابله. لسة قافل معايا وانت في المطبخ وبيقولي هخطب نورسين بعد سنوية سليم." مسح على وجهه وهو يفكر في شيئا ثم ابتسم. "بس على مين؟ مش هو عامل استاذ ورئيس قسم؟ أنا هلعب معاه على إني طالب غبي." ضيقت عيناها متسائلة. "تقصد إيه بكلامك؟ رفع كفيه يقبله ثم غمز بعينيه -ماتيجي نلعب أنا وانت لعبة يا أسوم رجعت برأسها تهزها وتصفع يديها ببعضهما -بجد مش معقول يانوح، إحنا في إيه وانت في أيه

جذبها يخطف قبلة سريعة على شفتيها ثم تحدث -اسمعي هقولك ايه وتعمليه مع التنينة الصغيرة قهقهت على حديثه قائلة -فهمتك يادكتور نلعب منلعبش ليه رفع هاتفه وقام الاتصال بأحدهما في منزل عاصم المحجوب تجلس بغرفتها تقوم بتصميم بعض المشروعات المطلوبة منها استمعت لرنين هاتفها رفعته ثم ابتسمت ووضعته على اذنها قائلة -مساء الخير على الجانب الآخر يقف أمام منزلها ينظر لشرفتها -اطلعي البلكونة ونزلي السبت معايا حاجتين عايزك تاخديهم

أسرعت تنظر من خلف الستارة وجدت سيارته مصفوفة بمقابلة منزلها ولكن قاطعها حينما أردف -شعرك باين من ورا الستارة ياباشمهندسة تراجعت بخطواتها قائلة -حضرتك اللي مدقق زيادة عن اللزوم، المهم إيه اللي معاك -نزلي حاجة وانت تعرفي ارتدت اسدالها واردفت -أنا هنزل اخدهم أطلق تنهيدة وهمس -ياريت شعرت بخفقات قلبها تنبض بعنف بقفصها الصدري فأجابته -خمس دقايق وأكون عندك

قالتها وخرجت لوالدتها التي تجلس على سجادتها تقرأ بمصحفها بدموع الحزن والوجع بآن واحد -ماما هنزل تحت خمس دقايق، أستاذ حمزة معاه حاجة مهمة ليلى بعتاها ينفع أنزل رفعت بصرها بعدما صدقت بقرأتها -وليه مطلعش يابنتي، مينفعش تنزلي وتوقفي معاه لوحدكم افرض حد شافكم يقول إيه اقتربت من والدتها تدقق النظر -ماما إنت كنتي بتعيطي! طيب ليه! أزالت دموعها وهي تهز رأسها قائلة

-لا ياحبيبتي، ليلى وحشتني قوي، وتأثرت وأنا بقرأ القرآن، اتصلي بيه قوليله يطلع، مينفعش تنزلي أومأت برأسها وتحركت لغرفتها تهاتفه -آسفة ماما رافضة انزل، لو مش هتعب حضرتك ممكن تطلع ترجل من سيارته وهو يحادثها وعيناه على غرفتها -لو هشوفك أطلع حتى لو على سطح القمر سرت بجسدها قشعريرة لذيذة إثر حديثه، فرفرف قلبها من السعادة كالفراشة وأجابته بخجل -مستنياك تحرك للمصعد وهو يتنهد قائلا

-هديلك ورق بلاش مامتك تشوفه، وفيه صندوق صغير دا هدية مني للورق اللي هتشوفيه، تمام ابتسمت بسعادة واجابته بحبور -شكرا، شكلي عرفت الورق فيه ايه استمعت لرنين الجرس فاسرعت تقابله، فتحت الباب ومازالت تحادثه على الهاتف، أغلق هاتفه ينظر إليها بإشتياق -أسبوع كتير على فكرة، بس هعديها نزلت ببصرها للأسفل تخجل من نظراته، وصلت والدتها -اتفضل يابني واقف كدا ليه دلف ملقيا السلام ثم بسط يديه بصندوق لدرة

-دا باعتته ليلى، وهتيجي بكرة ان شاء الله مع راكان، وآسف غلطت قدامها وعرفت أن باباها بيغسل كلى استدارت درة لوالدتها تنتظر حديثها -ولا يهمك يابني، هي كدا كدا كانت هتعرف صمت حمزة للحظات ثم تحمحم مجليا صوته فتسائل -ممكن أعرف الأستاذ عاصم صاحي ولا نايم تحركت تشير إليه لداخل -ادخل اشرب قهوة ونتكلم هز رأسه رافضا -آسف عندي ميعاد مهم، كنت عايز اشوفه اجابته -خرج هو آسر معرفش نوح طلبه، ممكن يكون عايزه في حاجة مهمة

-خلاص هشوفه في يوم تاني -ان شاء الله لما يجي هخليه يكلمك أومأ رأسه متفهما ثم ودعهم وخرج، دلفت لغرفتها وأغلقت بابها وجلست على فراشها، تفتح الصندوق وجدت به الكثير من أنواع الشيكولاتة المختلفة وبجانبها مظروف به رائحته وبداخله "مبروك" عقبال لما تتنقلي على أسمي أمسكت الورق التي توضع بالمظروف الأخر ويوجد بها خلاصها من ماضي اسود كتب عليها ورقة طلاقها

وضعتها بجوارها، وأمسكت تلك القصاصة من الورق التي بها عطره تستنشقه ثم تسطحت على مخدعها وهي تبتسم بسعادة من تلك الاحاسيس التي تجتاحها لأول نرة عند ليلى جلست تنتظر نوح، دلفت العاملة تنظر لطعامها -حضرتك ماأكلتيش حاجة ياهانم رفعت رأسها بوهن تشعر بصداع يفتك بها تتسائل -سيلين فين! جت ولا لسة من برة! -الباشمهندسة تحت مع الباشا بيتعشوا أومأت برأسها وتحدثت قائلة -شيلي الأكل ماليش نفس، وابعتيلي سيلين

-بس الباشا هيزعق ياهانم، حضرتك مش تايهة عنه رمقتها بنظرة نارية رغم ضعفها قائلة -قولي للباشا بتاعك الأكل مش بالعافية تحركت العاملة للخارج، شعرت بغثيان بعدتها استندت على الحائط متجه لمرحاضها، قامت بخلع حجابها الذي يلازمها معظم الوقت بسبب استخدامه اسلوب الهمجية التي وصفته به

ظلت تتقيأ ما بداخل معدتها حتى ضعفت وأصبحت هشة فنزلت بساقيها على أرضية المرحاض، لقد فقدت قدرتها تماما، وشعرت بسحابة سوداء تضرب جسدها، دلف لغرفتها كالمجنون يبحث بعيناه عنها، لم يجدها، دلفت خلفه سيلين وهي تتحدث -لو سمحت ياآبيه بلاش تزعلها عشان خاطري صرخ بسيلين -دي عايزة تموت اللي في بطنها، اطلعي يامدام إنت فين لم يتلقى ردا، شعر بألم يغزو قلبه، فاتجه بنظره إلى سيلين -شوفيها في الحمام كدا

هرولت سيلين عندما استمعت لهمهمات ليلى، صرخت تناديه عندما وجدت رأسها توضع على حافة الحوض كأنها مغشيا عليها أسرع راكان بأتجاهها، ارتعدت أوصاله ودب الرعب به حينما وجدها بتلك الحالة، ثنى جسده يرفعها من فوق الأرضية، همست له بإعياء -عايزة أرجع ابعد عني اتجهت سيلين إليها تمسح على وجهها بالماء وجذبت المنشفة تجفف وجهها الذي يغزوه العرق

جلس راكان خلفها حينما نزلت برأسها مرة أخرى وبدأت تتقيأ وآلام جسدها تضربها بقوة، حتى شعرت بالبرودة تتسرب لجسدها، فتح صنبور المياه وبدأ يغسل وجهها قائلا -ليلى اهدي، اضغطي على نفسك متسبيش نفسك لكدا مسح بالمياه مرة آخرى يمسح وجهها وفمها، ثقلت برأسها عليه، مش قادرة، جسمي بيرتعش، قالتها ورأسها بأحضانه، فحملها متجها للخارج، وهو يضغط على نفسه من رائحتها الذي تسربت لأعماقه بالكامل، أيعقل أن هذا الألم يشطره لهذه الدرجة

كان جسدها يرتعش كالذي أصابه حمى، قام بمهاتفة الطبيبة المتابعة لحالتها جلست سيلين بجوارها وقامت بدثرها جيدًا بالغطاء متحدثة -ليلى اجبلك حاجة أغمضت عيناها -اطفي النور عايزة أنام بس كان يقف بعيدا يتابع حركاتها، يحاول السيطرة على نفسه حتى لا يصل إليها بخطوة ويضمها لأحضانه علها تشعر بالراحة همست إلى سيلين قائلة -تعبانة قوي حاسة مش قادرة أخد نفسي

هنا احس بانقباض شديد في قلبه كاد يمزقه من الألم، تحرك للخارج استغرق بضع دقائق ثم عاد يحمل سرفيس يوضع به كوبًا من الحليب وبعض السندوتشات طرق الباب لأول مرة ثم دلف بعض لحظات وجد سيلين مازالت بجوارها تمسد على خصلاتها، وضع الطعام أمامها -لازم تاكل ياسلين، كدا هتموت وتموت اللي في بطنها ربتت سيلين على كتفه -راكان انت مش شايف حالتها عاملة إزاي لو اكلت هترجع

سحب سيلين من كفيها وجلس على الفراش كانت تغط بنوم عميق كأنها تغفو منذ ساعات وليست دقائق معدودة نزل بجسده يهمس بجوار أذنيها -ليلى قومي عشان تاكلي وصلت والدته بمساعدة الممرضة، وجدته بهذا القرب، شهقة خرجت من فمها مع عبور دمعة على خديها، حينما تخيلته إبنها الراحل -" ماما" قالتها سيلين، استدار راكان ينظر لوالدته، وشعر بالارتباك من نظراتها التي تخترقه، فتحدث قائلا

-بحاول أصحيها تاكل، من الصبح مااكلتش، وكان المفروض نروح للدكتورة وهي تعبت زي ماحضرتك شوفتي تحركت إلى أن وصلت إليها بمقعدها -ليلى قومي يابنتي، لازم تاكلي، قومي كلي أي حاجة فتحت جفنيها بوهن وأردفت بصوت ضعيف -مش قادرة، عايزة أرجع بس نظرت إلى سيلين -ممكن تسنديني أروح الحمام جن جنونه من حالتها فاقترب منها يميل بجسده مستندا بمرفقيه أمامها -هتفضلي تعاندي لحد إمتى خافي على اللي في بطنك، ودلوقتي مفيش ترجيع وهتاكلي

راكان صرخت به والدته -مش المفروض تروح لباباك عشان هيخرج من المستشفى النهاردة قالتها زينب حينما وجدت نظرات ليلى الخائفة منه وهي ترجع بجسدها للخلف حاول التماسك فأسبل جفنيه وتحدث -بابا ميعاده بكرة ياماما، ونوح جاي في الطريق المدام رايحة شكاني له، وعلى العموم انا خارج ولما ارجع الاقي الأكل بتاعها اكلته، والأدوية اخدتها، الدكتورة هتيجي تشوفها، بدل إحنا ماروحناش

قالها وتحرك للخارج بخطوات تأكل الأرض كالنيران تأكل سنابل القمح

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...