هبط للأسفل قابله نوح وأسما. توقفت أسما متسائلة: -ليلى فوق؟ هز رأسه وهو يبعد نظره بعيدًا. كان وجهه عبارة عن الغضب والألم. سحبه نوح متجها للأريكة: -مالك عامل زي التنين على رأي ليلى. مسح على وجهه بغضب، وابتسم بحزن يمسح دمعة عالقة بين أهدابه الكثيفة متمسكًا بسيطرته. -كدا كتير قوي عليا خالص. قوتي بدأت تضعف. مش عارف ألاقيها منين ولا منين. أخذ نفسًا ثقيلًا ثم زفره بنيران غضبه وألمه. -كل ليلة بحلم بسليم بيعاتبني، معرفش ليه.
استدار إلى نوح متسائلًا: -تفتكر عشان قررت اتجوزها؟ ولا عشان اللي قتلوه لسة أحرار؟ تنهد بألم شديد وكأنه يحارب نصل سكين حاد مغروس في صدره. ثم أردف بخفوت: -ولا عشان كنت بحب مراته. تفتكر سليم حس بحاجة؟ أنا بقيت أكره نفسي بطريقة قذرة قوي ياخي. واحد أخوه لسة مكملش خمس شهور وراح لمراته يهددها بجوازه. ربت نوح على ظهره.
-كل اللي بتحس بيه دا عشان عايز تهرب من حب ليلى اللي محاصرك يا راكان. قسوتك معاها. واحلامك بسليم دا يأكدلك إنك خايف تقرب يقولوا عليك خنت أخوك. ودا مش صح. ساد صمت مختنق بنيران قلبه. ثم استدار بوجهه. -أنا حرمتها على نفسي. مستحيل أنا وهي نكون مع بعض. مستحيل أنسى إنها كسرتني في يوم من الأيام. مستحيل أنسى أنها وصلتني للحظة كرهت أخويا فيها. جوازي منها عشان الولد وبس. هي مش بتعنيلي حاجة أبدًا.
فتح نوح فمه للاعتراض ولكنه أشار بأصبعه. -ماما اللي طلبت يا نوح. ولولا ماما مستحيل كنت أقرب منها. ومتفكرش هسيب حقي لبنت خالتك. تذكر بعد وفاة سليم بشهرين. جلس يدخن سيجاره بشراسة بشرفته. دلتفت له والدته بالكرسي المتحرك الذي تدفعه سيلين. -"راكان". هب واقفا متجها إليها. -ماما فيه حاجة يا حبيبتي. ليه جاية؟ كنت أبعتلك وأنا أجيلك. امسكت يديه واردفت: -اقعد ياحبيبي. فيه موضوع مهم لازم نتكلم فيه.
وقف مستندا على الجدار خلفه، ونظرة الحزن تتملك منه. -قولي ياحبيبتي. أنا سامعك. نظرت إليه نظرة الغريق الذي يبحث عن منقذه. انتابها حالة من الوحشة لقرة عينيها. ظلت تناظره بقلب أم فقدت وليدها. -تعالي يا راكان جنبي. عايزة أتكلم معاك. قالتها وهي تحاوطه بنظراتها. جلس بجوارها ثم طبع قبلة مطولة على رأسها حينما وجد نظرات الحزن بعينيها. ليته يمسح على قلبها ويشعرها بالسعادة التي سرقت منها. رفع نظره إليها.
-سامعك يا ست الكل. قولي اللي نفسك فيه. مسحت على خديه. وانسدلت عبراتها على وجنتيها. -معدش ليا أمل في الدنيا غيرك وغير ابن الغالي ياحبيبي. ربنا يكمل لمامته حملها ويجيب لنا بالخلقة التامة. أمن على حديث والدته. رفعت ذقنه ونظرت داخل مقلتيه. -بتحب أمك يا راكان؟ رفع يديها وقبلها. -معنديش أغلى منك في الدنيا ياحبيبتي. رفع نظره إليها. -عندك شك في كدا يا ماما؟ عندك شك ماكنتش بحبك؟ ملست على خصلاته الناعمة.
-ابدا ياحبيبي. علشان كدا جيتلك وعارفة إنك مش هتكسر بخاطري. استمع إليها باهتمام. -عايزة منك تتجوز مرات المرحوم. خرجت كلماتها إليه كالسهم الذي اخترق قلبه دون رحمة. ارتجفت شفتيه وتحدث. -بتقولي إيه يا ماما؟ عايزة مني إيه؟ لمست خديه ونظرت إليه بدموع عينيها تترجاه. -البنت لسة صغيرة وحلوة قوي. أنا مش هظلمك طبعًا إنك تتجوز واحدة كانت متجوزة. ثم أكملت مستطردة:
-ليلى بنت حلال. وأنا حبيتها ومش عايزة أخسرها. والبنت تتحب ياحبيبي. والله يرحمه كان بيموت فيها. لولا الشيطانة اللي دخلت بينهم. هقول إيه غير حسبي الله ونعم الوكيل فيهم زي ما حسروني على ابني. *** أغمض عينيه مستسلمًا لعذاب روحه لعله يجد ما يقوله. فتح جفنيه بهدوء يطالعها. وحاول الحديث. ولكن كلماته هربت كأنه أبكم لا يعلم الحديث. ربتت على كتفه وتحدثت: -ليلى لو مشيت من البيت دا واخدت الولد أمك هتموت يا راكان. عارف يعني إيه؟
يعني أملي فيك كبير يابني أنها تفضل حواليا من ريحة الغالي. كل لما أشوفها هفتكره. كل ما أشم ريحتها هشم ريحته ياحبيبي. ربنا يسعد قلبك يابني. مش عايزة منك غير الطلب دا بس. وبعد كدا مش هطلب منك حاجة لعند ما أموت. رفع كفيها يقبله ودموعه تساقطت بغزارة على قدره الذي يصفع قلبه بقوة قائلًا:
-أنا حياتي كلها تحت رجلك يا ست الكل. ومهما أعمل مش هوفيلك حقك يا أمي. لكن موضوع جوازي منها صعب. مش هقدر. وحضرتك لسه قايلة سليم كان روحه فيها. احتضنت وجهه بكفيها المرتعش وتحدثت. -وانت إيه ياحبيبي وسليم إيه؟ عندك شك في حب أمك ليك زي سليم الله يرحمه؟ يارب يابني مشوفكش زيه أبدا. وافق ياحبيبي عشان خاطر أمك وافق. أنا عارفة إنك الوحيد اللي هتقدر تحافظ على ابن أخوك. غير جدك مش هيسيب البنت في حالها صدقني أنا أعرفه أكتر منك.
صمت لبرهة قبل أن يقول بفظاظة: -طيب أنا لو وافقت هي هتوافق؟ ربتت على كتفه: -هتوافق لما تعرف اللي جدك عايز يعمله. وقف كالملدوغ ونظر بتوهان إليها. -ليه جدي عايز إيه؟ قالها وهو يكور قبضته. أخذت نفسًا طويلاً: -مش ناوي على خير. بيقول هيسبها تولد وياخد منها الولد. ومالهاش حق فيه. بيقول دا حفيده ومستحيل يسيبه يتربى بعيد عنه. صدمة ذلذلت كيانه وشعر باحتراق صدره. جعله يرفع يديه يمسح صدره مغمضًا عينيه ألمًا لما يشعر به.
-أكيد مش هتسيب جدك يعمل فيها كدا. مش كدا؟ وانت الوحيد اللي تقدر تحافظ عليها. استدار لوالدته. -موافق يا ماما. أنا مش هسيب جدي يتحكم في ابن أخويا اللي لسه ما وصلش للدنيا. ابتسمت والدته. -ربنا يكملك بعقلك ياحبيبي ويبارك لي فيك. نادي على سيلين توديني عند ليلى. -تعالي أوديكي أوضتك. وسيلين هتقولها تروح لك. -لا ياحبيبي أنا عايزة أروح لها بنفسي. هي الحمل تاعبها. وزي ما قولتلك من شوية جدك مش ناوي على خير.
دفعها متجها لغرفة ليلى. -خلاص هوديكي أنا عند ليلى. ابتسمت برضا ودعت في نفسها: -يارب يابني تكون من عندك ونصيبك. وصل إلى الغرفة المنشودة وقام بطرقات خفيفة عليها. قامت بفتح الباب وعيناها منتفخة من البكاء وشعرها يتطاير بعشوائية على وجهها. لم تعتقد أنه سيصعد إليها بعد حديثه الأخير بحبسها بالغرفة لأنه لا يريد أن يراها. نظرت إليه متفاجئة ودموعها محجرة بعينيها. -راكان. قالتها بتقطع.
رعشة قوية ضربت جسده عندما وجدها بتلك الهيئة التي أدمت قلبه. وصوتها باسمه الذي جعله يحبس أنفاسه داخل صدره ضاغطًا على كل عصب في جسده حتى يسيطر على قلبه الضعيف. حقًا مهما يقسو عليها. ويحادثها بأبشع الأحاديث إلا أنها قلبه النابض. فلم يره منذ وفاة أخيه بشهر. -ماما جاية. قاطعت حديثه عندما أسرعت للداخل تضع وشاحها فوق رأسها. رجعت بعد لحظات. -آسفة يا ماما. كنت فاكرة سيلين. متوقعتش حضرتك النايب. ابتسمت لها وربتت على يديها.
-ولا يهمك ياحبيبتي. أنا اللي خليته يوصلني. وحشني الكلام معاكي. بقالي كتير مشفتكيش. -عايزة أتكلم معاكي ياليلى ممكن يابنتي. قالتها زينب. -أيوه طبعًا حبيبتي اتفضلي. جاءت لتأخذ مقعدها المتحرك. -لا يابنتي راكان هيدخلني البالكونة لحد ما تغسلي وشك الوارم دا. رفعت نظرها إلى راكان وبهدوء ظاهري ونبرة عميقة وهي تناظره. -ممكن تاخدها لجوا ياحضرة النايب لحد ما أرجع. كانت والدته توزع نظراتها بينهما.
رمقها بنظرة خاطفة وتحرك دون حديث وكأنها لم تكن. اتجه بنظره لثيابها الموضوعة على طرف الفراش. كانت عبارة عن منامة شفافة باللون الأسود. أبعد نظره سريعا للجهة الأخرى. ولكن كيف لرجل عشق امرأة أن يتغاضى عن تفاصيلها. بلع ريقه بصعوبة وتحدث لوالدته. -حاولي متتعصبيش ياماما ولو كلمتك بحدة عرفيني. قالها ظنًا أنه يهرب بنظراته عن شيئًا يخصها. فكيف لقلبه المتألم الذي أعطاه القدر لكي يحيا مرة أخرى. وصلت إليهما ليلى. قبل جبين والدته.
-أنا خارج دلوقتي. محتاجة حاجة؟ اتجهت بنظرها لليلى. -كنت عايزة تخرجي مع ليلى مشوار ياحبيبي. حتى لو هتاخدها لامها حتى بدل ما هي حابسة نفسها كدا. نظرت إلى راكان ثم اتجهت لوالدته. -أنا كويسة يا ماما. لو تعبانة هقولك. -روح يا راكان اجهز وليلى هتجهز علشان توديها بيت أهلها ياحبيبي وانت راجع من مشوارك تجيبها. تحرك وهو يتحدث. -جهزي نفسك وانزلي. فركت يديها قائلة. -مينفعش أخرج يا ماما. أنا لسة في شهور العدة.
وقف لدى الباب وأستدار يرمقها. -يعني اللي مانعك من الخروج شهور العدة؟ ليه المدام كانت ناوية على إيه لو مفيش شهور العدة؟ استدارت إلى زينب. -ماما زينب لو سمحت. عرفي المستشار أننا بنلتزم بدينا مش بالمظاهر. وأنا مش هستنى بعد شهور العدة هنا. واتكلمت مع ماما زينب من يومين في كدا. هنا علم لماذا طلبت والدته الزواج منها. خطى سريعا للخارج وكأنه يهرب من عدو يطارده.
ظلت تتابعه بنظراتها بحزن على معاملته الجافة لها منذ وفاة سليم وتحملها موته. كانت تتابعها بنظراتها. ثم تحدثت. -حبيبي كل حاجة جت فوق دماغه. حزين أوي على أخوه. غير تعبي وتعب أبوه. وكمان حملك ومسؤوليتك. ضيقت عيناها وتحدثت. -وماله ومالي. أنا هعرف أتولى شؤن نفسي وابني كويس يا ماما. -تعالي ياليلى جنبي عايزة أتكلم معاكي. جلست بجوارها. مسحت على ذراعيها بحنان.
-راكان مفيش أحن منه وكمان مفيش أجدع منه والله يابنتي مش بقولك كدا عشان هو ابني. بكرة لما تعاشريه هتعرفي قصدي. وقفت تفرك يديها وأردفت. -لا أعرفه ولا يعرفني يا ماما. أنا فيه موضوع كنت عايزة أتكلم مع حضرتك فيه بس لما أرجع من عند الدكتور. -تمام روحي يابنتي اجهزي. علشان مش تأخريه عن ميعاده وهو هيروح معاكي. أومأت برأسها وتحركت تستعد للذهاب بصحبته للطبيب. بعد قليل تجلس بجواره في السيارة.
وضعت رأسها على زجاج النافذة تنظر بالخارج وتذكرت تلك الليلة قبل وفاة سليم بأسبوعين. -كنت فين يا سليم؟ وأنا تعبانة في المستشفى. اهتزت نظراته أمام ثورتها فلم تسعفه الكلمات. مسح على وجهه بعنف واردف. -كنت سهران مع فرح ومعرفش نمت إزاي. ثم استدار لها. -والله ما أعرف دا حصل إزاي، يعني إيه نمت مع فرح. ابتلع ريقه وتحرك للمرحاض. -هو انت هتحققي معايا؟ مش حضرتك اللي كل شوية مانعة نفسك عني ومش عايزة نتكلم ولا نخرج مع بعض؟
أهو رحت قعدت شوية مع بنت عمي ومحستش بنفسي إلا وهي بتصحيني من الجنينة. لسه فيه أسئلة تاني؟ -أيوه. أشارت لباب الغرفة وتحدثت. -مش عايزة أشوف وشك هنا في الأوضة، مستحيل أقعد مع واحد اغتصبني. جن جنونه واقترب يمسكها بغضب. -مفيش راجل بيغتصب مراته إلا لما مراته بتبعد نفسها عنه، وانت منعت نفسك عني في وقت كنت محتاج مراتي، إيه أجرمت؟ وتذكرت مرة أخرى اليوم الذي علمت بكذبه. اقتربت منه وبدأت تلكمه في صدره. -ليه تعمل فيا كده؟
روحت خونت بعد جوازنا بشهرين، أومال لو قعدت سنة هتعمل إيه؟ وجاي تقولي كنت نايم في الجنينة وأنت نايم في حضنها. ضمها لحضنه وأردف. -والله يا ليلى ما أعرف إيه اللي حصل. دفعته بقوة وظلت تصرخ في وجهه. -إياك تلمسني يا خاين! أنت واحد خاين يا سليم!! مستحيل أكمل معاك دقيقة واحدة من اللحظة دي، أنت في طريق وأنا في طريق. وابنك وقت ما ييجي على وش الدنيا تعالى شوفه. جحظت عيناه من كلماتها. -لا يا ليلى مستحيل أبعد عنك.
اقترب محاولاً ضمها. -والله يا حبيبتي غصب عني وأنا مش فاكر حاجة، معرفش إيه اللي حصل. نظر لأخيه ووالدته. -أنا مش فاكر حاجة، مستحيل أخون البنت اللي بحبها، مستحيل. خرجت من شرودها وهي تصرخ. وضعت يديها على أذنيها وبدأت تبكي بهستيريا. توقف راكان بجانب الطريق. -ليلى مالك، إيه اللي حصل؟ موجوعة من حاجة؟ استدارت ودموعها تنذرف بقوة. -أنا مكنتش أعرف إنه عمل حادثة، والله ما كنت أعرف. هو مات زعلان مني مش كده؟ نظرت إليه بدموعها.
-قول لي وريح قلبي، هو مات زعلان مني مش كده؟ سحب نفساً طويلاً ثم زفره مرة واحدة وهو ينظر أمامه دون رد. حاول أن يسيطر على حاله حتى لا يصفعها، فكلما تذكر ذاك اليوم ينشطر قلبه. حدجها بنظرة استخفافية وتحدث. -متخافيش، سليم مش من النوع اللي قلبه أسود، ممكن يشيل من حد قبل ما يموت. وخاصة لو الحد ده كان معتبره كل حاجة في حياته. وبلاش كل شوية دموع التماسيح بتاعتك دي.
قالها ثم قاد السيارة دون حديث آخر. تطلعت عليه بصدمة. ثم أغمضت جفونها محاولة استيعاب ما شطر قلبها به. بعد قليل وصل أمام العيادة النسائية. ترجل وهو يرمقها قائلاً. -انزلي ولا مستنية أشيلك. أحست بانهيار لم تشعر به من قبل. فرفعت بصرها إليه وتحدثت. -هتفضل تعاملني كده لحد إمتى؟ تضجرت ملامحه بغضب وامال بجسده ينظر إليها من تحت نظارته السوداء التي تخفي معالم حزنه منها ومن نفسه. فتحدث بهسيس. -أنت مين عشان أحطك في دماغي؟
وأعاملك بكده ولا غيره؟ أنت معايا عشان ابن أخويا اللي حضرتك مهنش عليك تيجي تودعيه وهو مكنش بيقول غير اسمك. افترسها بملامحه الحادة وأشار بيديه عليها. -عايزة تعرفي أنا شايفك إيه دلوقتي؟ شايفك أسوأ نقطة مرت بحياتي. ويالا انزلي مش عايز كلام تاني. وصل لغرفة الطبيبة وهي خلفه. كل انش بجسدها يتألم من قسوته. ماذا عليها أن تفعل حتى تخرج من تلك الاتهامات الشنعاء؟
تسطحت على فراش الطبيبة للكشف. وضعت الطبيبة السائل على بطنها بمساعدة جهاز الفحص. كان يقف بعيداً بعض الشيء. رفعت الطبيبة نظرها إليه وابتسمت. -مش عايز تسمع نبضات قلبه ولا إيه؟ قرب عشان تشوفه. خطى بهدوء ودقات قلبه بالأرتفاع. ينظر لتلك الشاشة التي يظهر بها ابن أخيه الذي لم يكتمل بعد. أشارت الطبيبة إليه. -شوف هو خلاص على وشك الأكتمال الخارجي. النهاردة دخلنا في الشهر الخامس نقدر نقول مبروك. عقبال باقي الشهور.
قامت بتشغيل نبضات قلبه. الذي بدأت بالأرتفاع وحركته أمامهم. انسدلت دموع ليلى عندما تذكرت سليم في أول كشف لهما. كان يقف مكانه وينظر بسعادة إلى الشاشة حتى دمعت عيناه. ثم اقترب منها يطبع قبلة على وجنتيها هامساً إليها. -مبروك يا أجمل مامي في الدنيا كلها. ربتت على كفيها مبتسمة. -الله يبارك فيك يا سليم. ربنا يجيبه لنا بخلقة تامة ويجعله ذرية صالحة. رفع كفيها يطبع قبلة وينظر لعيناها.
-أهم من الولد أنت يا حبيبة سليم. المهم تقومي بالسلامة. هنا فاقت من ذكرياتها بشهقة خرجت من فمها تبكي بنشيج حينما تذكرته. تمنت لو يعود بها الزمن لدلفت لأحضانه دون الخروج منها أبداً. اعدلتها الطبيبة وقامت بمساعدتها. عندما خرج راكان سريعاً من أمامها حتى لا يضعف ويضمها لأحضانه يربط على قلبها. ولكن كيف له أن يفعل ذلك وهو بدى يظهر بأنه الخائن لأخيه؟ ضغط على نفسه يلوم حاله. -كيف أفكر بذلك وأخيك لم يكمل بقبره سوى عدة شهور.
ظل بالخارج حتى خرجت بمساعدة الممرضة جسداً خالياً من الحياة. خرج من شروده يزيل دموعه التي خرجت عن سيطرته وهو ينظر إلى نوح. -بحاول ألاقي لها عذر يا نوح مش لاقي غير وجع قلبي أنا وأخويا. عارف إنك هتزعل مني بس حقيقي مش قادر أسامحها. بالأعلى بغرفة ليلى. وصلت الطبيبة وقامت بفحصها. -لا يا مدام ليلى كدا أنت اللي هتموتي. إهمالك لنفسك كدا ده دمار لنفسك. قاطعت زينب حديثها تنظر لليلى بحزن. -كدا يا بنتي عجبك نفسك كدا؟
ليه مش بتحافظي على نفسك؟ يعني أنا بلوم راكان بس هو عنده حق. مينفعش اللي بتعمليه ده. كانت تنظر في اللاشيء ولم تجيب أحداً. دونت الطبيبة بعض المحاليل. -لازم من المحاليل دي. جسمها بقى ضعيف. الضرر مش على الجنين قد ما عليها. أتمنى يا مدام ليلى تهتمي بصحتك شوية. خرجت الطبيبة بمصاحبة سيلين حيث وجود راكان الذي أوصى أخته بمقابلتها بعد فحص ليلى. وقفت أمامه وتحدثت قائلة.
-كان نفسي أطمنك ياحضرة المستشار. لكن للأسف حالة مدام ليلى كل شهر بتدهور عن اللي قبله. هي دلوقتي في أخر الشهر السادس. ولو فضلت بالطريقة دي ممكن تموت. اتسعت عيناه من هول ما تلفظت به وهبت زعابيب غضبه وهو ينظر لأخته. -أنا مش قولتلك لازم تهتمي بيها يا سلين وتغصبي عليها في الأكل. قاطعته الطبيبة قائلة.
-مدام ليلى محتاجة دكتور نفسي. أنا معرفش إيه اللي حصل معاها. بس حالتها دي حالة نفسية وممكن تكون اكتئاب فياريت نراعي معاملتها شوية. قالتها وخرجت. طاحت يمينه بكل ما يقابله على سطح مكتبه وجهر بصوت غاضب. -بتعمل كدا عشان تموت الولد. عايزة تهرب من البيت والله لأدفعك التمن يا ليلى اصبري عليا. نهض نوح وتوقف أمامه. -الصراحة مش قادر أفهمك، أنت بتعاقب ليلى على أساس إيه؟ عايز تهرب من نفسك؟
اهرب بعيد عنها. راكان أنا مش هسمحلك إنك تحملها مسؤولية موت سليم. أنت عارف ومتأكد إنه مات بسبب قضيتك. غير إنك كنت المقصود. بلاش تخليني أفقد أعصابي عليك وأنسى إنك صاحبي. ليلى قبل ما تكون بنت خالتي فهي بتعتبرني أخوها الكبير. اتأكد لولا مرض والدها مكنتش قعدت في البيت ده يوم واحد. عدتها خلاص باقي أيام وتخلص. جحظت عيناه ناظر لنوح وتحدث بدقات عنيفة. -قصدك إيه من عدتها؟ اقترب نوح وهو يدقق النظر بمقلتيه.
-ليلى هتبقى حرة نفسها. يعني مالكوش دعوة بيها. فأنا لو سبتها قاعدة هنا كام يوم كمان فده إكراماً مني عشان والدتك مش أكتر. إنما ضغطك عليها يوصلها أنها تدخل اكتئاب فلا يا صاحبي وقتها هدوس عليك ومش هرحمك. ومتقدرش تغصبها على حاجة هي مش عايزها. بلع غصة مريرة وهو يطالعه بصدمة من حديثه. -قصدك إيه يا نوح؟ يعني ممكن تبيعني عشانها. قاطعهم دخول يونس قائلاً. -مساء الخير يا راكان. اتجه بنظره إلى نوح وتحدث.
-والد ليلى بره مع ابن عمها. اتجه بنظره إلى يونس وكأنه تلقى صفعة على وجهه. والدها بره. جلس نوح يضع ساقاً فوق الأخرى ينظر لأصابع يديه ثم غمز إلى يونس قائلاً. -هو أنا مقولتلكش يا حضرة المستشار إن باباها هييجي ياخدها في وقت من الأوقات. بس هو جاي النهاردة عشان يعرفها إن ابن عمها طلب يتجوزها وراضي كمان بابنها. فأنا جيت أمهد لطنط زينب. وأعرف حضرتك ليس إلا.
وقف وكأن الأرض تدور به وكأنه شعر بالظلام يحاوطه حينما أحس أنه مكبل الأيدي من فعلتهم النكراء. اقترب من نوح بخطى سلحفاوية ونظرات جحيميه يود أن يحرقها بها. فنزل بجسده يحاوطه بذراعيه. -عارف ممكن أموتك دلوقتي ومالكش دية عندي. قالها حينما أطبق على عنق نوح. في حين كتم يونس ضحكاته واقترب من راكان يدفعه بعيداً عنه. -اتجننت؟ هو كان عمل إيه؟ أبوها برة مع والدتك وعايز بنته بعد عدتها ومن حقه. ظل يطبق فوق عنق نوح وهمس بفحيح:
-هتخرج تقنعه وتقوله ليلى مش هتسيب البيت دا وراكان هيتجوزها عشان ابن أخوه ميبعدش بعيد. ومتنساش تقوله هي موافقه، سمعتني يلا. دفعه يونس عندما وجد شحوب بوجه نوح: -يخربيتك هتموته. طيب ماتروح تقوله الكلمتين دول. مش انت العريس. تحرك من أمامهم وهو يردف: -وماله هروح أقوله. بس لازم اطلعلها الأول. وصل بعد لحظات لغرفتها، دفعها بقوة ودلف للداخل. كانت أسما وسيلين تجلسان يطعمناها. ذهلت أسما من طريقة دخوله. رمق ليلى بنظراته قائلاً:
-اطلعوا برة عايز الباشمهندسة في كلمتين. نهضت أسما أمامه وتحدثت: -طيب ممكن بعد ماتخلص أكلها. -قولت برة عايز اكلمها على انفراد. سحبت سيلين كف أسما وتحركت حينما وجدت حالة أخيها. خطى حتى جلس أمامها على المقعد يطالعها لعدة لحظات وهي تنظر بعيدا عن مرمى عيناه. -والدك تحت جاي عشان يعرفك انه هياخدك بعد كام يوم. استدارت بوجهها إليه مبتسمة وحاولت النهوض. ولكنها تصنمت بجلستها حينما اكمل: -وطبعا مينفعش تخرجي من بيت جوزك. نهض
يبتسم على ذهولها وأكمل: -عشان انت هنا في حكم مراتي دلوقتي. يعني قدرك معايا. ارتجفت شفتيها وحاولت الحديث قائلة بصوت متقطع: -بس أنا مش موافقة. مش عايزة اتجوزك. وقولتلك قبل كدا. نهض من مقعده واقترب ينزل بجسده يحاوط جلوسها. ودنى منها حتى استنشق عبيرها واختلطت أنفاسه بأنفاسها قائلاً وهي ينظر لمقلتيها: -ليه مش أنا اللي خفتي عليا من أمجد وحاولتي تبعديه عني ليقتلني. مش أنا اللي حبتيه وروحت اتجوزتي أخوه.
كان قريب من وجهها بطريقة غير المسموح بها. نظرت لعيناه تسأل نفسها: -هل هذا بالفعل الذي أحبته وفعلت من أجله ماحطم قلبه. دنى أكثر وأكثر هامساً بصوته الرجولي: -عايز اقولك انت لو آخر واحدة عشان أحبها عمري ماهحبها عارفة ليه. نظر لداخل ليلها الأسود الذي لمع بخيط من الدموع قائلاً:
-لأنك أكتر واحدة كرهتها في حياتي. وجوازنا هيتم غصب عنك وبشكل صوري. ودا عشان أعرفك يوم ماتحاولي تعاقبيني وتوجعي قلبي زي ماقولتي قبل كدا. تفتكري عملت فيك ايه. مش راكان البنداري اللي ياخد بقايا غيره. وانت بقايا من أخويا. انت النقطة السودا في حياتنا إحنا الاتنين. هو عشان مفهمش الست اللي اتجوزها ماهي إلا أنها ترضى غرورها وتعاقب اخوه. وأنا لاني في يوم من الأيام فكرت اني ممكن احب واحدة زيك.
قالها ثم اعتدل يرمقها بسخرية على ملامحها التي شحبت وأكمل ليؤكد لها جوازه منها ماهو إلا انتقام ليس إلا: -باباكي مريض. واخوكي طبعا معدش زي الأول من وقت ماأمجد علم عليه. ومن عملية لعملية. ولولا تدخلي مكنش هيدخل امتحانات السنادي غير المدرسين اللي بيرحوا لعنده البيت. غير قضية طلاق أختك اللي جبتها من فم الأسد. ضيفي على دا كله اني ممكن اخد منك الولد واحرمك منه. جلس مرة أخرى وأكمل بغرور رحل حطم كبرياء أنثى:
-زي ماقولتلك هتعيشي هنا مكرمة معززة وأم حفيد البندارية اللي هتحميه برموش عيونك. وعلاقتي بيك زي ماهي يعني مش هقرب منك. قوس فمه ونظر بإستعلاء قائلاً: -مبحبش المستعملين وخصوصا لو كانت في حضن أخويا في يوم من الأيام. نهض واقفاً وأكمل: -بلاش شغل الضعف والمناحة اللي كل شوية تعمليها دي. لأنك مهما تعملي هتفضلي هنا برضو. استدار متحركاً ولكنه تسمر حينما أردفت: -طيب لو الولد نزل. هفضل هنا بصفتي إيه. استدار سريعاً إليها.
ووصل إليها بخطوة واحدة: -الولد لو نزل وكان ليك يد فيه صدقيني هدفنك معاه. أما لو نزل قضاء وقدر هتفضلي هنا برضو وهنتجوز اصلي نسيت اقولك امي قالتلي انها بتشم ريحة إبنها فيك يامدام. نزل بجسده واقترب يكرر كلماته بصوت مختنق:
-بتشم ريحة سليم فيك. شوفتي أحسن من كدا كلمات. تخيلي بقى لما تكوني قدامي كدا زي ماما ماقالت ريحة أخويا فيك يامدام. فياريت تحافظي على ريحة أخويا. وتعرفي أني مستعد احرق الكون عشان كلمة امي دي. ماهو انا حرقت قلبي قبل كدا لأخويا. فعادي أحرق الدنيا عشان أمي. في فيلا خالد البنداري جلست عايدة وفريال: -بس دي مخاطرة ياعايدة. انت فاهمة يعني إيه ولد ينزل في الشهر السادس دا ممكن الأم تموت كمان. نهضت عايدة وهي تتحدث بفحيح:
-اومال اسبها تتهنى بالعز دا كله. بعد مانفى بنتي لأخر البلاد وحرمها تيجي هنا. لا وكمان عايز يتجوز المدام. والله لأحرق قلبهم على حفيدهم. استدارت تكمل حديثها كساحرة: -لو ليلى مشيت وابنها مات ممكن سلمى تتجوز راكان. شوفي بقى راكان يعتبر هو المالك الأساسي لأمبرطورية البنداري. وفي نفس الوقت اكون شفيت غلى من زينب والزفتة ليلى. نهضت فريال تربت على ظهرها:
-أنا حاسة بيك. بس متنسيش لو توفيق عرف ممكن يموتنا. وهو قال هياخد الولد بعد ماتولده. يعني بلاش نتسرع. استدارت ترمقها بسخرية: -إيه يافريال بقيتي تخافي ولا إيه. انت ناسية ان يونس لسة ماكتبش على سارة. ودفنو موضوع سيلين ومنعرفش إيه اللي حصل بين راكان وجده. مش واخدة بالك انهم بقوا يقربوا من بعض. دا حتى لسة شيفاه قاعد مع راكان بيشرب قهوته. مفكرتيش أن فيه موضوع ورا راكان من كدا. هزت رأسها وتحركت تعطيها زجاجة:
-لازم نخلص من الولد. ودا هيتحط في قزازة الدوا وتاخده كأنه دوا. ولا مين شاف ولا مين دري. تنهدت فريال وبدأت تفكر بتلك الفكرة التي ستؤدي بهم إلى الجحيم. فأومات برأسها: -حاضر هروح كأني بطمن عليها واغيرها بالدوا. بس حلو نوع الدوا دا عرفتيه إزاي. أشارت للدوا قائلة: -دا اي حامل بتاخده. سألت يونس بخبث كدا. وجبته وطبعا بدلت اللي فيه. بمنزل جواد الألفي: جلس جاسر أمام والده. يضع بعض الملفات الهامة:
-ودا كمان وصلنا له. تراجع جواد بظهر يحرك قلميه ثم رفع نظره إلى جاسر: -المعلومات دي غلط ياحضرة الظابط. دقق في الملف وانت تعرف. دا كمين بيسحبوا بيه راكان ليس إلا. ضيق عيناه متسائلاً: -معقولة يابابا. دا كدا يبقوا شياطين. أنا إزاي مااخدتش بالي فعلا من البنت دي. طيب ممكن يكون راكان عارف حاجة ومخبي. نهض جواد واتجه يجلس بمقابلته:
-راكان عارف كل حاجة بس بيسويهم على نار هادية. وأعتقد أنه مرديش يقولك حاجة عشان خاف عليك بعد اللي حصل لأخوه. مسح جاسر على وجهه محاولا إستيعاب حديث والده: -ممكن ياحضرة اللوا تفهمني براحة ماهو انا مش زي معاليك برضو. أنا لسة تلميذ. أمسك جواد الملف ورفعه أمامه:
-هو فيه واحد هيروح يسيب ورق يوديه في داهية في غرفة اجتماعات قدام وكيل نيابة برضو. دا طعم ياأهبل. عايزين يشدوا بيه راكان. ويطلع صورته قدام الكل وحش. غير أن اسم جده وباباه في كل ورقة. هم عايزين يفهمه إن دا الورق المهم. بس عجبني وعرف يلعبها صح وأخد الورق يفهمهم انه المطلوب. وهو بيخطط من ناحية تانية. بس بيخطط لأيه دا اللي هنعرفه قريب. نهض يشير إلى جاسر:
-اللي زي راكان دا ميسبش حقه ابدا. وغير انه ميغامرش بسمعة باباه. حتى جده اللي عرفنا انه بعيد تماما عن حادث اخوه. بدليل خناقاته وفض شركاته مع الشربيني. توقف جاسر متسائلاً: -طيب يابابا ليه أمجد لحد دلوقتي مش بيحكموا عليه. ربت جواد على كتف ابنه قائلاً: -كل حاجة بميعاد، وأمجد مش واحد عادي. واللي متأكد منه إن راكان ناوي يوصله لأقصى عقوبة، مش مجرد عشر أو خمستاشر سنة. عند عاصم، جالس بجوار آسر الذي رجع من سفره.
-يعني إيه يابني؟ إنت هتتجوز ليلى؟ تدخلت زينب حتى تهدئ عاصم. -ليلى حامل في ابن سليم يا أستاذ عاصم، وأنا مقدرش ابعدها عني. وبعدين ليلى حلوة وأي حد يتمناها. ولا إنت هتستكترها على راكان؟ ومتخافش، راكان زيه زي سليم هيحطها جوه عينه. قاطعهم آسر محمحماً.
-عارفين طبعاً حضرتك، وحضرة المستشار لا غبار عليه. لكن إحنا آسفين والله. أنا أولى ببنت عمي، وأنا أصلاً كنت ناوي أتوزها بس الباشمهندس سابقني ومقدرتش أتكلم وقتها وسافرت. ولما عرفت اللي حصل رجعت عشانها. -من الآخر كده يا هانم، أنا بحب ليلى بنت عمي ومستحيل أتسلى عنها. وبما إنكم أهم حاجة حفيدكم، إحنا مش هنحرمكم منه. هب من مكانه يرمق نوح للتدخل. فوقف نوح أمام عاصم قائلاً:
-عمو عاصم، راكان كان لسه بيقولي إنه عايز يروح لحضرتك عشان يطلب إيد ليلى، قبل ما نعرف موضوع آسر. نزلت ليلى بمساعدة سيلين وأسما. هرولت لوالدها بجسدها الواهن تحتضنه وتبكي. -بابا حبيبي، وحشتني قوي. قبل جبينها يمحو دمعاتها. -إيه دا يا ليلى؟ ليه كده يا بنتي؟ إيه اللي عمل فيكِ كده؟ مسحت على أحشائها مبتسمة من بين دموعها. -قول لجدو، أنا تاعب ماما قوي ومخليها مش عارفة تنام يا جدو. جذبها بقوة لأحضانه كأنه يحبسها بداخل صدره.
-حبيبي جدو، فداك جدو إنت وماما يا حبيبي. انسدلت دموع زينب تطالع ليلى. كان راكان يراقب والدته، كور قبضته حتى ابيضت مفاصلها. خاصة عندما اقترب آسر منها ينظر بإشتياق حبيب إليها. -ليلى عاملة إيه؟ وحشتيني. ابتسمت إليه وأجابته. -الحمد لله. حمد الله على سلامتك يا آسر. جيت إمتى؟ قطع حديثهم راكان قائلاً: -اقعدي، متقفيش كتير عشان ماتتعبش. جذبها والدها لأحضانه جالساً بجوارها ينظر لبطنها التي بدأت بالظهور.
-وصلتي للشهر الكام حبيبتي؟ وضعت رأسها على كتف والدها تتحسس جنينها بحنان. -في السادس يا حبيبي. هانت أهو، كلها كام شهر ويشرف حفيدك. رفع ذقنها وسألها. -عايزة تيجي معايا بعد كام يوم؟ ولا تفضلي هنا لحد ما تولدي؟ ولا ناوية على إيه؟ رفعت نظرها إلى راكان وتحدثت. -لا يا بابا، هفضل هنا خلاص. البيت ده بقى بيتي. ثم اتجهت إلى زينب قائلة. -مقدرش أبعد ماما زينب عن حفيدها. هب آسر كالملدوغ، فهو كان يأمل برفضها. فتحدث متسائلاً.
-بصفتك إيه يا ليلى هتقعدي هنا؟ رمقه راكان شزراً، فنهضت من مكانها متجهة إليه تقف بجواره. -بصفتي هكون مرات حضرة المستشار يا آسر. لم يشعر بنفسه حينما سحب كفيها يشبك أصابعه بأناملها النحيلة. شعر كلا منهما برجفة تسري لجسديهما. اتجهت بنظرها إليه وحادثته بعينيها. -أتظن أنني أتخلى عن كبريائي سيدي القاضي؟ أجننت؟ ألم تعرف أن الأنثى إذا تحطم كبريائها تحولت لمفترسة شرسة تأخذك بين أنيابها.
مرحباً بك معذبي في نار أنثى حطمت قلبها الذي عشقتك به. فاليوم منذ تلك اللحظة، سأحضنك مع ذكرياتي المؤلمة. أما هو، ناظرها وتحدثت عيناه. -أعلم أنك لن تنهزمين بتلك السهولة، كما أعلم أنك ستعاقبيني بأشد عقابك، وهو نبض قلبي لك. ولكن مهلاً مولاتي، ألم تعلمي ليس على العاشق حرج، كما ليس على المجروح من عشقه حرج. مرحباً بك مولاتي في جنة جحيم معذبك. بمزرعة نوح. عاد نوح وأسما إلى المزرعة. دلفت لداخل المنزل وألقت بجسدها على الأريكة.
دلف خلفها ينظر إليها رافعاً حاجبيه. -لا والله، يعني أنا تركت المعركة عشان حضرتك تيجي تنامي على الصوفية كدا. أغمضت عيناها ووضعت كفيها فوق وجهها. -نوح، أنا تعبانة وعايزة أرتاح شوية. ممكن تسبني شوية حبيبي لو سمحت. جلس بجوارها ثم جذبها لأحضانه رافعًا ذقنها. -مالك يا أسما؟ من وقت ما خرجنا من عند راكان وإنت ساكتة. أستدارت تضع رأسها بصدره وتبكي قائلة: -ليلى صعبانة عليا جدًا يا نوح. أول مرة في حياتي أشوفها ضعيفة ومنهارة كدا.
مسد على خصلاتها بعدما حررها من حجابها. -حبيبي، إحنا كنا متوقعين بعد موت سليم راكان هيعمل فيها كدا. متنسيش سليم مات وكان نفسه يشوفها وهي عاندت وكبرت. خرجت من أحضانه تطالعه بعيونها الباكية. -ليه هي كانت تعرف أن دا كله هيحصل؟ ليه محدش عايز يعذرها؟ مش كفاية هي محملة نفسها موته؟ لا كدا كتير على فكرة. ولازم راكان يفوق قبل ما يخسرها. رجعت بجسدها تستند على الأريكة وأكملت: -تعرف النهاردة قالتلي إيه؟
قالتلي أنا خسرت الشخص الصح وعمري ماهعوضه. دي كارهة راكان جدًا. زفر نوح ثم اعتدل بجلوسه ممسكًا كفيها. -أسما حبيبتي، ليلى بتقول كدا عشان مجروحة من راكان مش أكتر. وأنا بأكدلك وقت ما ياخدها في حضنه وحياتك يا قلبي، لا تنسى حتى قالها إيه في يوم من الأيام. ذهلت أسما من حديثه فأردفت قائلة: -أنت إزاي بتقول كدا؟ بقولك دا مدمرها نفسيًا وجسديًا. أنت عارف هددها عشان توافق تتجوزه. أطلق نوح ضحكة صاخبة ورفع حاجبه بسخرية.
-وصدقتي الفيلم الهندي اللي عمله دا؟ ظل يطلق ضحكاته وهو يضع كفيه على عنقه عندما تذكر هجوم راكان عليه وتحدث من بين ضحكاته: -يابنتي دا كان هيخنقني. وحياة ربنا لولا يونس كنت زمانك بتقولي الله يرحمك يا نوح يا حبيبي. ضيقت عيناها وأقتربت تناظره بإستفهام لم تفصح عنه شفتيها. -أنا مش اتصلت بعمو عاصم وقولته تعالى زور ليلى عشان الحمل تاعبها؟ هزت رأسها وانتظرت تكملة حديثه فأكمل:
-دخلت ألعب معاه وفهمته أن ليلى شهور عدتها هتخلص. وأن باباها جاي ياخدها عشان آسر هيتجوزها. أطلق ضحكة كلما تذكر ما صار. -عارفة التنين عمل إيه؟ دا حتى المتخلف مفكرش أنها حامل. لا، كل اللي فكر فيه أنها هتسيب البيت. رغم الغبي لو فكر شوية هيعرف أن شهور عدتها بعد ولادتها. لا، مجرد ما عرف أن فيه حد بيفكر فيها وأنها هتمشي اتجنن وكان هيموتني. وراح زي المجنون يضغط عليها. برقت عيناها تحاول استيعاب حديث زوجها.
-أكيد بتهزر يا نوح. اتجننت رايح تقوله أن ليلى هتتجوز ولسة أخوه ميت لسة مكملش خمس شهور... توقفت لحظة ثم أكملت: -استنى، ما أخدتش بالك من كلام آسر؟ قال إيه؟ دا شكله اللعبة أحلوت في نظره. نظر نوح للبعيد وأردف: -دا اللي صدمني. أنا عارف آسر كان بيحب ليلى. لكن إنه يطلبها للجواز وهي حامل دا اللي مفهمتوش. اتجه لأسما وضحك ضحكة مستهزئة.
-دا شكلنا داخلين على معجنة يابنتي بين التنين والتنينة برعاية آسر المحجوب. ما اعتقدش راكان هيسيبه ماشي على رجليه. أنا شوفته كان عايز يبلعه. ضربت أسما كفيها ببعضهما. -مش لما يتصالحوا وبعد كدا يدخل آسر، هي ناقصة. رفعت نظرها إليه. -هروح أجهز الأكل أنا جعانة موت وبعد كدا ننزل نمشي شوية بالخيل. الساعة لسة عشرة. إقترب نوح وهو يطالعها بخبث ثم جذبها يحملها للداخل يقهقه عليها. -والله أنا مستحيل أسيبك. وعايز أكل حاجة تانية.
لكزته بكتفه وهي تقهقه بضحكاتها المرتفعة. -لا يا نوح نزلني لو سمحت. فيه حاجة لازم تعرفها. استنى يامجنون. أنزلها بعدما دلف للداخل يحاوطها بذراعيه، واضعًا جبينه فوق جبينها هامسًا بمشاعره: -ينفع كدا؟ بقالنا أكتر من خمس شهور يا أسما. أنا استويت حبيبي. دا لو بتنتقمي مني مش هتعملي كدا. رفعت كفيها تحتضن وجهه وهي تنظر بعمق لعيناه. -وعد من حبيبتك آخر مرة أجل. لكن النهاردة مش هينفع خالص صدقني.
ضغط على خصرها يقربها إليه وهو يداعب وجهها بأنفه. -وحبيبك بيقولك هو مش هيسيبك ولا دقيقة بعد كدا. لامست وجنتيه تقبله. -حبيب أسما هيعذرها عشان عندها ظروف قاسية جوية خماسية. قالتها وخرجت سريعا تقهقه عليه. تسمر بوقفته وهو يردد حديثها. -ظروف قاسية جوية خماسية. البت دي اتجننت ولا إيه. بقصر البنداري قبل قليل. نهض عاصم يقف أمام ابنته ونظر ليداها المتشابكة بيد راكان. -ليلى، إنتِ فاهمة معنى كلامك؟
يعني هتجوزي أخو جوزك بعد ما تولدي يابنتي. حاولت سحب كفيها ولكنه ضغط عليها حتى يعلمها أنها بقبضته دائمًا. فاتجهت لوالدها. -بابا، أنا مش هقدر أبعد ابني عن جدته. وكمان سليم وصى راكان بكدا. إستدارت برأسها ترمقه بنظراتها الهادئة. -مش كدا ولا إيه يا حضرة النايب؟ مش سليم الله يرحمه وصاك بكدا. نبرة الألم في صوتها وكلامها الموجه له بمغزى جعله يترك كفيها متجهًا لوالدها.
-أستاذ عاصم، عايز أعرفك آخر حاجة قالها أخويا مراته وابنه. فمهما كانت الظروف أنا مستحيل أفرط فيهم. يعني عشان نبقى على نور كدا. -ليلى مش هتخرج من البيت دا. سواء عدتها خلصت أو لا، فهي خلاص بقت فرد من عيلة البنداري. فياريت حضرتك تراعي الظروف. قاطعه عاصم هادرًا: -أفهم من كدا إيه؟ حضرتك بتهددني إنك هتتجوز بنتي حتى لو غصب عني. حمحمت زينب عندما وجدت خروج راكان عن سيطرته فأردفت:
-معاذ الله أستاذ عاصم، مش قصدنا كدا أبدًا. بدليل أننا اتكلمنا مع حضرتك ومع ليلى قبل ولادتها أهو. ليه التهديد؟ أتجه عاصم لأبنته. -حبيبتي، لو عايزة تمشي من البيت دا بعد ولادتك، متخافيش محدش هيقدر يعملك حاجة. قبلت يد والدها وابتسمت له. -أنا قولت لحضرتك يابابا، إنهم بقوا أهلي. ومقدرش أبعد طنط زينب عن حفيدها. وبعدين انتوا بتتكلموا في إيه؟ أنا لسة قدامي تلات شهور لما أولد. وبعد كدا يبقى نتكلم. أومأ عاصم برأسه قائلاً:
-فعلاً عندك حق حبيبتي. لسة بدري إحنا بنتكلم في إيه. اتجه راكان سريعا بنظره إلى نوح حينما اكتشف لعبته. كور قبضته وهو يحدث نفسه. -إزاي مااخدتش بالي أن عدتها بعد الولادة. يانوح ياكلب. ماشي بتلعب بأعصابي. رفع نوح حاجبه يغمز له ثم تحدث: -طيب ياعمو عاصم، بدل اطمنت على لولة هنمشي ولا أمشي وحضرتك تكمل سهرتك. تحرك راكان إليه وتحدث. -لا فيه موضوع يانوح عايزك فيه. غمز نوح لأسما.
-بعدين ياراكان. أسما تعبانة ولولا ليلى كلمتها مكنتش هتيجي. هجيلك بكرة سلام. قالها وهو يجذب أسما من كفيها متحركًا يهمس ليونس. -كله ماشي بالمظبوط. عايزك تزود الجرعة الليلة. عايز بعدها اتصل بيه يقولي اغتصبتها. أفلت يونس ضحكة صاخبة جعل الجميع ينظرون إليه. خرج الجميع بعد فترة قليلة. جلست ليلى بجوار سيلين في الحديقة بعد مغادرة زينب غرفتها. كانت تجلس مغمضة العينين. تستنشق رائحة المطر ثم تحدثت:
-بحب ريحة المطر قوي. تعرفي طول الشتا مفيش حاجة أعملها غير أقعد في البلكونة. وأشرب قهوتي وأسمع فيروز وبإيدي قصة أو كتاب علمي. أو ممكن أجيب قصص أجنبية وأترجمها. -واو إيه الجمال والرومانسية دي. مع إن اللي يشوفك ميقولش كدا. فتحت عيناها تطالعها متسائلة: -مش فاهمة يعني إيه مش باين عليا. اعتدلت سيلين تطالعها. -متزعليش مني مش كدا. طالعتها بعيونها الذابلة واهدابها الحزينة. -قولي يابنتي بدل ما أنا هبلة ومش عارفة نفسي.
أمسكت كفيها. -بحسك شديدة كدا. مش رومانتيك. لا واقعية جدًا. مع إنك كيوتي خالص. دنت وهمست لها: -عمري مادخلت عليك الأوضة لقيتك بتسمعي أغاني رومانسية يالولا. ودايما بترنج ماما فاتيكات. ضحكت ليلى عليها. رغم مامرت به منذ ساعة تقريبًا إلا أن حديث سيلين البسيط أخرجها من آلامها. رجعت كما كانت قائلة: -لا ياسيلي. الرومانتيك مش بالمظاهر. الرومانتيك بالإحساس. قاطعهم وصول يونس. -سيلين ممكن أتكلم معاكِ شوية. عقدت
حاجبيها ترمقه ثم اجابته: -مش فاضية. ولا ليا مزاج أكلم حد. فيك تعدي علينا في وقت تاني. كأنه لم يستمع حديثها. فأمال يجذبها من رسغها. -مش باخد إذنك وهعرفك لما أتكلم تردي إزاي. قالها وهو يجذبها. بدأت تلكمه ولكنه كان كالجدار لم يتحرك. ظلت تتابعهم بعينيها حتى اختفيا من أمامها. شعرت بشيء ثقيل يوضع على كتفيها. رفعت نظرها وجدته معذب قلبها. أزالت الوشاح الذي وضعه. ونهضت متحركة للداخل. أمسكها من رسغها واقترب منها.
-عجبتيني الصراحة مكنتش أتوقع منك كدا. انكمشت ملامحها بإعتراض على حديثه فاستدارت إليه ودنت منه. -لا لا زوجي المستقبلي متخيبش ذكائي قصدي غبائي وتقولي اني رضيت بتهديدك ليا ولعيلتي. دنت حتى تجرأت ترفع كفيها على قميصه وكأنها تزيل شيئًا به ثم رفعت عيناها تنظر لمقلتيه مباشرة. -أنا هفضل في البيت زي ما حضرتك أمرت طبعًا. اومال مش راكان البنداري أمر. الكل عليه الطاعة. دنت أكثر من المسموح وأكملت ما جعلته هشًا.
-عشان كل لما تشوفني قدامك تفتكر سليم. وكمان عشان والدتك تشم ريحة إبنها اللي يستاهل الحزن العمر كله عليه. وكمان أهرب من كلام الناس كل شوية دي أرملة. وبابا يزهق من العرسان فأنا كدا أحسنلي. قالتها وتحركت من أمامه. هزة اصابته من تلك الشرسة. وتصاعد غضبه حتى اسودت عيناه يجذبها بعنف لتستقر بأحضانه. اهتزت حدقيتها خاصة حينما استنشقت رائحة عطره التي جعلت ساقيها كالهلام. حاولت الخروج من أحضانه إلا أنه كان الأكثر تحكمًا.
تحدثت من بين أسنانها. -اتجننت ماسكني كدا ليه؟ انت هنا أخو جوزي لسة يامحترم. حاوطها بالوشاح على أكتافها. -قصدك أرملة أخويا. وكمان مراتي المستقبلية. وعايز أعرفك من وقت ما قولتلك هكتب عليكي. اعتبري أنك مراتي. يعني بالبلدي كدا ياليالي دلوقتي تخصيني. والورقة وشهور العدة دول بس اللي بعديني عنك. دنى ينظر لسواد ليلها الذي أقسم بأنه كرحيق الزهور لعسل النحل. وأردف وهو يرسم ملامحها بشمسه.
-قولتيلي ريحة أخويا. اقترب يهمس بجوار أذنيها. -وعد مني يالولة أول حاجة هعملها أفركك من الريحة اللي كل شوية نافخاني بيها دي. خليكِ فاكرة كويس إنك اللي ابتديتي. دفعته بقوة وانتزعت يديها من قبضته والتفت تصرخ بوجهه. -إيه الجنون دا؟ ابعد عني. متخلنيش اشتكيك لماما زينب. انت محرم عليا يا أستاذ يابتاع القانون. ولا مشيك البطال نساك دينك. اللي المفروض عارفه وحافظه يابتاع القانون. دنت خطوة ترمقه بشراسة. ثم لكمته بصدره.
-كل مرة بتنزل في نظري ياراكان يابنداري. فيه واحد محترم جاي عايز يتجوز مرات أخوه وهو لسة مكملش خمس شهور ولسة في شهور عدتها. اقتربت اكثر ونظرات نارية لو تحرق لأحرقته كاملًا وأكملت. -أنا هشفي نفسي منك ياراكان. ووعد من ليلى المحجوب لأخليك تندم على كل دمعة نزلت من عيوني بسبب مستفز زيك. قالتها وصعدت سريعا لغرفتها. وأنفاسها كمصارع. أمسكت أحشائها وهي تسرع للوصول لمرحاضها للتقيؤ عندما غلفت رائحته رئتيها.
أما عنده لحظات بل دقائق تصنم جسده ليكرر عقله ماقالته. أسرع خلفها وقبل إغلاقها لغرفتها دلف يجذبها بغضب جحيمي. وثبت كالملدوغة عندما وجدته يجذبها بتلك الطريقة. دفعته وصاحت بغضب. عندما فقدت السيطرة على نفسها لتقيؤ. -وبعدهالك هو عشان سكتلك كل شوية تنطلي في أوضتي. متنساش أنا ست في شهور العدة. قالتها وأسرعت لمرحاضها وقامت بإفراغ ما في معدتها. كان ينتظرها بالخارج. خرج يبحث عن سيلين ولكنه لم يجدها.
-مها صاح بها راكان. أسرعت العاملة إليه. -افندم ياباشا. أشار لغرفتها قائلا. -ادخلي شوفي مدام ليلى وخليكي ملازماها. انتِ هنا عشانها وبس. وأي حاجة تحصل تعرفيني. ادخلي شوفيها فورا. هرولت للداخل وهي تهز رأسها بالموافقة. وصل عاصم بصحبة آسر لمنزله. جلس آسر ووجهه عبارة عن لوحة من الغضب. -هما مفكرين نفسهم مين. لا واللي اسمه راكان دا محدش قادره. معرفش ياعمو إزاي تسكت كدا. خرجت سمية تطالعهم بإستفهام. -فيه إيه ياعاصم؟
وقف آسر وبدأ يثور وهو يرجع خصلاته للخلف بغضب. -راكان البنداري عايز يتجوز ليلى. قال إيه بيقول مش هيسيب ابن أخوه يتربى برة. جلست سمية تطالع زوجها بهدوء ثم أردفت: -المهم ليلى رأيها إيه؟ أنا شايفة الراجل كويس وميتعيبش، وكمان هو طلق مراته يعني هو عنده حق. جحظت أعين آسر فاستدار بجسده يطالعها بغضب: -يعني حضرتك موافقة يا طنط؟ موافقة ليلى تفضل في البيت دا طول عمرها؟ غير إنه هددنا هيتجوزها، دا تأمنيله؟
وكمان عنده الستات زي القمصان اللي بيلبسها. نهضت سمية تقف بمقابلته وتحدثت: -آسر حبيبي خلينا نتكلم بالعقل. ليلى حامل في ابنهم ودول عيلة البنداري يابني، يعني إيدهم طايلة. دول ممكن ياخدوا الولد ويقولها اخبطي دماغك في الحيطة، وليلى ممكن تموت فيها. والصراحة يابني مشفتش حاجة وحشة من الراجل بالعكس. تراجعت تنظر لزوجها وأردفت: -أنا موافقة ياعاصم. راكان شخص محترم، ليه نوقف في وشهم وهما عايزين مصلحتها. ***
بعد قليل بغرفة درة كانت تجلس بشرفتها تتحدث مع حمزة: -كنت تعرف موضوع راكان إنه عايز يتجوز ليلى؟ ازدرد ريقه محاولًا السيطرة، فحمحم يجلي صوته قائلاً: -إيه اللي حصل؟ أنا مشفتش راكان بقالي يومين ومعرفش حاجة. كان صوته متقطع يتخبط بحديثه، ضيقت عيناها وتسائلا بنبرة هادئة ورغم هدوء حديثها ولكنه يحمل الكثير: -حمزة!! إيه الموضوع وبلاش تعاملني على إني طفلة لو سمحت. هتقولي إيه الحكاية؟
ولا أعرفها بطريقتي. ولكن قبل أي حاجة أعرف أنا سألتك ومجاوبتش. هرب اللفظ من بين شفتيه حينما استمع لأسمه لأول مرة دون تحفظ، فارتفعت دقاته بصدره، فجلس يحاول أخذ أنفاسه التي اضطربت داخل صدره: -ليلى وراكان بيحبوا بعض من قبل جوازها من سليم. دي كل الحكاية وقبل ما تتكلمي. دا سر أمن دولة اضطريت أفشي بيه لحبيبة قلبي عشان قالتلي حمزة بس من غير أستاذ وأنا اللي بقالي شهور بتحايل عليها.
صاعقة أصابتها لم تستمع لباقي حديثه، سوى كلماته التي أصابتها بالذهول فرددت: -ليلى وراكان؟ طيب ليه اتجوزت سليم؟ إزاي ليلى تعمل كدا؟ تحب واحد وتتجوز أخوه. أجابها سريعًا دون تفكير: -تخلف وحياتك ياحبي. الباشمهندسة فكرت بكدا بتنقذكم من أمجد، اللي فهمته بعد كدا. إن أمجد هددها بيكي وبكريم، وكمان راكان. جلست حينما فقدت قدرتها على الوقوف، وانزلقت دموعها وهي تحادثه بصوتا مفعم بالبكاء: -انت عارف معنى كلامك إيه؟
إنها ضحت بسعادتها عشان تنقذنا من واحد مجرم. ياحبيبتي ياليلى إزاي قدرت تعيش مع واحد وحبيبها قدامها؟ دي شكلها اتعذبت قوي. زفر حمزة يمسح على وجهه، فأجابها: -من الناحية دي متخافيش، لاني اتعاملت مع ليلى. اللي أتألم بجد راكان يادرة مش ليلى، فاهمة يعني إيه واحد بينه وبين حبيته جدار وهي في حضن أخوه. تغيرت ملامح حمزة وتحدث بحزن: -متزعليش مني ليلى اتسرعت، ومحاولتش تفكر صح ووجعت قلبها وقلب سليم وحطمت راكان. تجمدت
درة بجسدها وهي تهز رأسها: -لا مستحيل ليلى تعمل كدا. طيب ليه تتجوز سليم؟ لا فيه حاجة غلط. ممكن متكنش بتحب راكان أصلًا، ودا مجرد تخيل مش أكتر. ارتشف من قهوته ينظر للخارج وأكمل بصوته الحزين:
-ياريت اللي قولتي، لكن للأسف الاتنين بيحبوا بعض بغباء. لكن معرفش إيه اللي حصل خلى راكان يطلبها للجواز. اللي اعرفه حاليًا، إنهم عاملين زي النار والبنزين. انشغلت بنور ومعرفش حاجة. وعد مني الصبح هروح أشوف إيه موضوع الجواز. تخميني بيقول وصية ممكن. اتسعت عيناها بذهول: -يعني كمان مش جواز حب؟ ممكن يكون انتقام صح؟ ممكن راكان عايز ينتقم منها. هز حمزة رأسه رافضا حديثها: -لا مستحيل. راكان مش كدا، مش مؤذي لدرجة دي.
بعد فترة من أحاديثهم أغلق هاتفه، ثم اتجه يهاتف راكان الذي كان جالسًا بمكتبه يراجع بعض أعماله: -حمزة!! فيه حاجة؟ تسائل بها راكان. -إيه اللي سمعته دا ياحضرة النايب؟ فعلًا هتتجوز ليلى؟ وإزاي وهي لسة في شهور العدة؟ أخذ نفسًا عميقًا ثم أخرج تبغه وقام بإشعاله: -أيوه، هتجوزها. والمتخلف نوح وحياة ربي لاهرسه هو ويونس الكلب. أنا يلعبوا بيا. قطب حمزة حاجبه متسائلاً: -إيه اللي حصل؟ زفر بغضب واجابه:
-بعدين مش فاضي. سيبك من الموضوع دا. إيه أخبار قاسم الشربيني؟ وصفوت عدلي الزفت دا كمان. اتجه حمزة لجهازه وفحص به بعض المعلومات وأجابه: -حطين جدك دلوقتي في القايمة السودا، ومش هيسكتوا غير لما يصفوا. متنساش أعمالهم المشبوه كلها هو عارف تفاصيلها. -غيره.. قالها راكان. -أمجد ناوين يهربوه برة البلد، بعد قضيتك الأخيرة اللي جابت أجله. اغتصاب وهيروين، وسلاح دا كله ضربة معلم منك ياوحش. نفث دخان تبغه وهو ينظر للخارج
لوقوف يونس وسيلين فأكمل: -عرفتوا مين اللي لعب بفرامل العربية ولا لسة. هز رأسه رافضا واجابه: -جاسر لسة بيعمل تحرياته، بس فيه حاجة عايز تاخد بالك منها. -كاميرات الجنينة وقف اليوم دا، يعني الأمن عندك ملعوب فيه. مط شفتيه للأمام وتحدث: -عارف دا كله، وعرفت مين. بس مستني أوقعهم ورا بعض. الصغار دول ميمونيش. أنا عايز اللي وراهم. ياترى مين قاسم ولا غيره. تنهد وسحب نفسًا وأكمل:
-متنساش قضية الخلية اللي كانت من كام شهر، يعني مقصود من كذا جهة. فلازم أعرف الحرب من أي جهة بالظبط. -تمام ياراكان، بكرة هشوف جواد الألفي وجاسر وصلوا لأيه وأخبرك. وكويس إنك بعدت عن جواد عشان ميعرفوش تمويلك منين. أومأ برأسه وأغلق الهاتف، ومازالت عيناه على يونس وسيلين، التي قامت بصفع يونس على وجنتيه وتحركت مغادرة. أطلق ضحكة شرسة من فمه وهو ينظر لأخته بسعادة:
-برافو سيلي. بنت أخوكي يابت. قالها وجلس يتابع عمله وكأنه لم يرى شيئًا. ظل فترة ولكنه لم يكن بحالة للتركيز فنهض متجهًا لغرفتها، ليطمئن عليها. طرق عدة مرات. نهضت بجسد هزيل، وقامت بفتح الباب. ارتجف جسدها من وجوده أمامها مرة أخرى، تشعر بضعفها أمامه، رغم ما تفعله امامه، ولكن داخليا هشة. نظر لعيناها التي تهرب منه، شعر بالعجز والضعف الشديد حينما يرى تعبها. كذاب مخادع من يقول أن اقترابه منها ماهو إلا انتقام. اقترب
ومازال يرسم ملامح وجهها: -عايز أتكلم معاكي. البسي حاجة من البرد وانزلي تحت نتكلم. عقدت ذراعيها وابتسمت بسخرية: -دا إيه الأدب والأحترام اللي نزلوا عليك مرة واحدة دول؟ رجعت للحائط تستند عليه، حينما فقدت قدرتها على الوقوف أمامه. ورغم ضعفها أردفت: -مفيش بينا كلام، ولا عايز أقاك تقرب مني، ولا كأني موجودة، ومش كل شوية تنطلي زي عفريت العلبة.
طعنته بخنجر بارد وبعثرت رجولته فازادت دقات قلبه وتسارعت أنفاسه بفعل كلامها، فاقترب بخطى سلحفية ينظر داخل مقلتيها وتحدث: -دموع إيه اللي سببتها للمدام؟ ياترى جوازها من أخويا؟ ولا اتهامها بالباطل لشخصي حتى وصل بيها الحال تطلعني شخص بتاع ستات. بلعت غصة أحزانها حينما ذكرها بما شطر قلبها فأردفت بنبرة مبطنة بالبكاء: -انت أكبر كابوس في حياتي. من يوم ما قابلتك وحولت حياتي لجحيم. ضغط على رسغها بقوة: -ليه عملتلك إيه لدا كله؟
عشان قولتلك هكتب عليك؟ عشان ابن أخويا؟ جوازنا هيكون عشان الولد. جذبها من خصرها. -في يوم من الأيام عجبتيني. حاجة جديدة عليا منكرش انجذبت جدا. وكان نفسي أجرب الجديد. لكن فهمتي اللعبة زي ما مخك الذكي ماشاء الله عليه صورها لك. يومين بس وبعد كدا ولا كأنك مريتي من قدامي. فبلاش تصوّرك المريض يصورلك هتجوزك لأني بحبك. تؤ تؤ يالولا. بلاش تحطي في دماغك حاجة أكتر من إنك أم الولد. دفعته قائلة: -ابعد انت اتجننت. اقترب قائلاً:
-مفكراني هموت عليك. أنا بحاول أفهمك الواقع اللي هتعيشي فيه. ياريت تتأقلمي على كدا. وابعدي عني. زفرت ونيران الغضب استولت عليها فصاحت صارخة: -أنا هنا عشان ابني وبس. وأعرف لو اتجوزتك هيكون غصب عني ياراجل القانون يامحترم يالي جاي تهددني بعيلتي. استدارت تتحرك حينما شعرت بنيران صدرها تحرقها بالكامل ثم توقفت بعد بعض الخطوات. وتحدثت وهي تواليه ظهرها:
-اعرف اليوم اللي هكون مراتك فيه إنه شهادة وفاتي انت كتبتها بإيدك. على قد ماحبيتك على قد ماكرهتك من كتر ما شفته منك. وباكدلك دلوقتي أنا ميتة مش عايشة من وقت ماعرفت هكون مراتك. فبلاش سنيورهاتك الخايبة دي، عشان تفهمني إنك مش في بالك. لم تستطع التماسك أكثر من ذلك فانهمرت دموعها لتجري فوق وجنتيها فأكملت:
-انت صح أيوة أنا اتجوزت سليم عشان أحمي عيلتي. وأيوة أمجد هددني بيك. وزي ما قولت من شوية. عجبتني وممكن تقول حبيتك. بس خلاص اتجوزت سليم وكان حضنه أماني وحمايتي. حضنه نساني واحد مغرور زيك في الوقت اللي حضرتك من حضن لحضن. تفتكر ممكن أشفعلك ولا أفكر فيك؟ وسليم سيطر بكيانه عليا. اقتربت خطوة تدقق النظر بملامحه التي شحبت وتحدثت:
-بالعكس كرهتك فوق ما تتخيل. كرهت قلبي عشان فكر للحظات فيك. ودلوقتي اعرف كل ما تقرب مني. كل ما بتمنى موتي.
أحس ببرودة جسده وتصلب كفوفه التي كانت تضم كفيها. تزلزلت الأرض من تحت قدميه فارتخت ملامحه تدريجيًا وهوى كفيه بجانبه كشجرة خريف دفعتها الرياح. عندما استمع لكلماتها التي أصبحت كأشواك تخربش جدران قلبه دون رحمة. فاقترب منها حتى اصطدمت بالمرآة خلفها ظلت ترمقه بنظرات خرساء منتظرة جوابه. ورغم ملامحه الثابتة أمامها على ما قالته، إلا أنه لكم الزجاج خلفها حتى تهشم وجرحت كفيه كاملة. شهقة خرجت من فمها حينما صارت دماء يديه تسيل. وهي تجذب كفيه بدموعها حينما هوى قلبها خوفًا عليه ولكنه دفعها. وخرج كشيطان مارد يلعن قلبه الضعيف بحضرتها.
وصلت سارة تقف خلف مقعده الذي جلس عليه يدخن بشراسة كلما تذكر حديثها بخطبتها من ذاك المنحل بعد سنوية أخيه. ضغط على سيجاره حتى حطمها بكفيه، وأردف: -والله لأموتهولك، اصبري عليا ياحيوانة، وحياة حبي لأدفعك التمن غالي. آآهة حارقة خرجت من جوفه، كادت أن تحرق ما أمامه. وصلت سارة وهو بتلك الحالة ووقفت خلفه تعانقه. ثم رفعت كفيها لصدره العاري تتحسسه. -الجو برد عليك ياحبيبي قاعد كدا ليه؟
ابتسم بسخرية، ثم جذبها حتى جلست على ساقيه وهو يطالعها بغموض. داعبت أنامله خصلاتها المنسدلة على وجهها ودنى يهمس بجانب أذنها. -عايزة ايه ياكلب البحر؟ مش أنا قولتلك أنا مبحبكيش ومش هتجوزك. جذب خصلاتها يقربها من أنفها قائلاً: -مبحبش الريحة دي، فيه ريحة أحسن منها مليون مرة. ثم دفعها مرة واحدة حتى سقطت بالمسبح. فنهض واقفاً.
-لو قربتي مني تاني هقطع ايدك، المرادي وقعتي في البيسين المرة الجاية هغرق فيه، وهقولهم كنا بنلعب عروسة وعريس وهي مستحملتش، فاعقلي يابنت عمي. قالها وتحرك لداخل الفيلا. أما هي فوقعت في المسبح ودموعها تنسدل بغزارة قائلة: -والله لأدفعك التمن غالي يايونس، انت وبنت الشوارع دي. *** بعد أسبوع بمكتب حمزة. كان يجلس يراجع بعض القضايا. دلف إليه السكرتيرة الخاصة. -دا كارت واحد عايز يقابلك بيقول موضوع مهم.
أمسك الكارت يدقق النظر فيه، ثم رفع نظره إليها: -ودا جاي يدور على مي عمر عندي ولا إيه؟ ابتسمت السكرتيرة إليه فأشار بيديه: -دخلي الأستاذ محمد سامي يمكن عايزني بطل للمسلسل بتاعه في رمضان، ياسلام ياجيجي دا هتلعب معايا على الآخر. خرجت وهي تضحك على كلماته. أشارت للشخص الذي طلب مقابلته. دلف أحد العملاء الذي يدعى محمد سامي، وبعد التحية والمقدمات.
-سمعت عن حضرتك كتير، عشان كدا جاي لحضرتك في قضية كبيرة، ولو القضية دي كسبتها لي هحولك كل القضايا الخاصة بيا. كان يستند على مقعده ينظر لقلمه الذي بيديه مرة ويطالعه بغموض مرة حتى قطع حديثه. -يعني حضرتك جاي عشان أترافع عن قضية لأبنك ضرب واحدة بعربيته والبنت دي، في المستشفى بين الحيا والموت بسبب دلال المحروس، وعايزني اسوء سمعة البنت كمان؟ تقابل الرجل بنظراته يؤكد له ما قاله فأجابه:
-إحنا ممكن نراضيها بقرشين بعد مانخلص القضية. قاطعه حمزة ينظر لساعة يديه ونهض واقفاً. -آسف يافندم أنا مابقبلش القضايا المشبوه اللي زي دي، ولو سمحت أخدت من وقتي. نهض الرجل يرمقه شرزاً. -إنت إزاي تكلمني كدا؟ إنت ماتعرفش أنا مين ولا إيه؟ تحرك حمزة متجها لباب المكتب. -اتفضل لو سمحت أنا عندي ميعاد، وقولت لحضرتك أنا مش بقبل قضايا كدا. تحرك الرجل ووقف أمام حمزة قائلاً: -خمسين مليون جنيه، والمستشار القانوني لشركاتي.
مط حمزة شفتيه للأمام وتحدث وهو يرمقه بنظراته الهادئة. -واو لا بجد فجأتني والعرض مغري جداً. هز رأسه كأنه يفكر ثم رفع نظره إليه. -ورغم كدا يا أستاذ محمد عرضك مرفوض. قالها وتحرك للخارج. -جيهان وصلي الأستاذ محمد سامي، يدور على بطل بعيد عني. خرج الرجل ونيران تحرق حمزة. وصل لسيارته ورفع هاتفه. -معرفتش أجيب معاه سكة، زي ماقولت صعب وحويط، فكر في حاجة تانية. على الجانب الآخر أردف:
-يبقى مفيش غير البنت اللي بيحبها، دي سكته، وغصب عنه هيعمل اللي عايزينه. بمكتب آخر. جلسوا أمام الشاشة التي بها صور لكل من "راكان، حمزة، نوح، يونس". أشار أحدهم على نوح. -دا ابن الكومي ابعد عنه، الكومي لدغته والقبر. اتجه بنظره ليونس قائلاً: -دا الدكتور اللي منار شغالة معاه الأيام دي، ويارب تضرب ضربتنا ونخلص. أجابه الآخر: -هو الولد مش بتاع عمليات شمال ولا إيه؟ هيونها كتير لو كدا. قال أخرهم:
-لا بس بتاع ستات ودي نقطة في صالحنا. اتجهوا لصورة حمزة. -دا مالوش سكة، أبوه عايش برة من عشرين سنة، وساعات بينزل كام يوم، وهو بيسافرله ساعات، مالوش نقطة ضعف. نظر أحدهم بصورة أمامه ووضعها أمامهم قائلاً: -البت دي عرفنا إنه بيروح عندهم كله فترة، فيه بيقول خطيبته، وفيه بيقول حبيبته، المهم البت دي اخت مرات ابن البنداري، وراكان عامل حصار عليها وعلى أخوها، حراسة مشددة من وقت موت أخوه. نهض واقفاً ينظر لصورة راكان.
-هو مفكر إنه سابقنا بخطوة، بس على مين، ميعرفش إننا بنخططله على تقيل. رجع أحدهم للخلف قائلاً: -بلاش نقرب منه دلوقتي خليه مطمن، العبوا على اللي حواليه، شوفوا ولاد عمه، الهوه بيهم، ولا اخت مرات أخوه، ولا حمزة دا اللي حاسس دا وكر أسرار راكان كلها. *** عند حمزة بعد خروجه. بعد قليل وصل حمزة أمام منزل عاصم المحجوب ينتظرهما بالخارج. ترجل من سيارته عندما وجدهما يهبطان. -آسف اتأخرت عليكم. ربت عاصم على كتفه قائلاً:
-ربنا يبارك فيك يابني، استقلوا السيارة متحركين متجهين للطبيب المعاين. بمزرعة نوح. استيقظ على رنين هاتفه الذي لم ينقطع لعدة مرات. نظر للتي تجاوره تتوسد ذراعيه، وضعها بهدوء على الوسادة وتحرك للخارج. -أيوه يابابا فيه حاجة على الصبح، عشر دقايق وتكون عندي يامحترم. قالها وأغلق الهاتف.
وقف ينظر للبعيد، وسحب نفساً عميقاً يطرده. قاطع شروده دلوف سيارة راكان. تحرك متجهاً إليه. ترجل سريعاً متجهاً إليه كأسد مفرس يريد أن ينقض على فريسته. -أنا ياكلب تلعب عليا وتعملي كمين؟ أطلق نوح قهقهات مرتفعة وهو يحاول أن يبتعد عن لكماته، ولكن ثوران راكان جعله ينقض عليه حتى أوقعه أرضاً وظل يلكمه كلما تذكر ما صار. دافع نوح على لكماته حتى سقط الأثنين يأخذون أنفاسهم بصعوبة. تسطح نوح فارداً ذراعيه يرمق راكان بتسلية.
-ماهو إنت الغبي، وكل تفكيرك إزاي حبيبة القلب ماتبعدش عنك. أطبق على جفنيه ينظر لسماء الشتاء الملبدة بالغيوم كحياته، التي أصبحت كبئر مظلم لا نجاة منه. أطلق زفرة محملة بالأوجاع وتحدث. -متتوهمش نفسك يانوح بخيالات كاذبة، أنا وليلى مينفعش نتجمع تاني، طرقنا افترقت من يوم ما اتكتبت بأسم أخويا الله يرحمه. اعتدل نوح يستند على مرفقيه ودارت حرب الأعين بينهما فتحدث.
-راكان سليم الله يرحمه، وربنا بعتلك فرصة إنك تعيش مع اللي قلبك اختارها. اعتدل واقفاً وقام بنفض ثيابه مرتديًا نظارته. -دا كان قبل ما تكون مرات أخويا، دلوقتي زيها زي أي واحدة، وقبل ما تقول حاجة، أنا النهاردة هلبس نورسين خاتم الخطوبة، وهنتجوز بعد سنوية سليم. جحظت أعين نوح فهب كالملدوغ. -أكيد اتجننت!! ربنا بعتلك فرصة تعوضك على وجع قلبك، إزاي مش عايز تستغلها؟ راكان فوق قبل ما تندم. اقترب يطالع نوح من تحت نظارته السوداء.
-بنت خالتك ماضي اندفن من يوم ما اتجوزت أخويا ومش عايز أكرر كلامي. هي هتفضل عشان ابنها ما يتخدش منها. غير ابعد العيون من عليها. أنا معرفش اللي برة بيفكروا إيه فبلاش تخليني أكرهها أكتر من كرهي ليها. طالعه نوح بهدوء قائلاً: -بتغلط ياراكان. اللي بتعمله غلط. وبكرة تندم. وخدني تجربة قدامك. أنا قعدت شهرين متجوز كنت فيهم ميت روحي مارجعتليش غير لما أخدت اللي بحبها في حضني. تحرك متجهًا لسيارته.
-وأنا بقولك من وقت ما شفتها وأنا مت ومش متحمل أشوفها قدامي. قوس فمه بسخرية. -تمام ياحضرة النايب. انت حر. تحرك مغادرًا وهو يتذكر ما صار منذ أسبوع وهو لم يراها. انسدلت الدماء من كفيه. احتضنت كفيها بكفيه المرتعش وتحدثت بصوت متقطع: -انت مجنون. دا الطفل ما بعملش كدا. سحبت كفيه حتى تقوم بتطهيره وجرحه العميق. انسدلت دموعها. -ينفع كدا. شوفت جرحت ايدك ازاي.
كان يطالعها بنظراته العاشقة ود لو ضمها لأحضانه كي ينعم برائحتها العبقة ولكن تذكر حديث والدته. -بشم ريحة سليم فيها ياحبيبي. شعر بخنجر بارد يغرز بقلبه ولم يرحمه من الأنين. كيف له يتحمل ذاك الألم الذي يدميه بقوة. خرج من شروده عندما وصل لقصره. وجد فريال تخرج من قصرهما. -عامل إيه ياراكان. محدش بقى يشوفك. كويس واتجه للأعلى ولم يعرها اهتمام. بغرفة سيلين كانت تغفو على فراشها تضم جسدها كالطفل الرضيع وتتذكر حديثه.
دفعها بقوة حتى اصطدم جسدها بالجدار. يضغط على خصرها: -قولتلك بلاش توقفي مع جنس راجل برضو مسمعتيش الكلام. عايزة توصليني لمجرم ولا إيه. وماله ياهانم اتحول لمجرم. وعربجي كمان. تجولت أنظاره عليها وهو يدنو من شفتيها. -هكهرب اللي يقرب للي خلفوكي وحياة سيلين عندي. ضغطت بحذائها على قدمه حتى صرخ مبتعدًا.
-إياك تقرب مني تاني. متخلنيش أروح أحكي لراكان قذارتك يامحترم. ياريت تروح تكمل سهراتك المقرفة. ويوم ما قلبي يرجع يدق هيدق لراجل مش شبه الرجال. قالتها وتحركت من أمامه بثقة أنثى داست بكل جبروت على من حطم كبرياءها. في المستشفى عند عاصم. جلست سمية بجوار زوجها الذي يقوم بغسيل كليته. أما بالخارج كانت تجلس بجواره تبكي. اقترب يبسط يديه بمحرمة ورقية. -درة لو سمحت. ممكن تبطلي تعيطي. والله قلبي بيوجعني عليكي كدا.
بصوت باكي ورعشة جوفها نظرت إليه. -بابا هيفضل يعاني كدا كل مرة. لازم يكون فيه حل. أنا مش هستحمل وجعه كدا. رفع يديه وربت على كفيها. -إن شاء الله هيكون كويس. ممكن نزرع كلى. رفعت نظرها إليه وهمست. -زرع كلى. ودي هتكون إزاي. توقف يجذب مقعده وجلس أمامها يحتوي كفيها. -لو عايزة أسفره برة ونعمل زرع كلى معنديش مانع. سحبت كفيها المرتعش سريعًا وهزت رأسها رافضة. -لا دي شكلها غالية قوي. واحنا مستحيل نوافق على حاجة زي كدا.
رفع ذقنها بأناملها ينظر لمقلتيها مردفًا بمشاعره المبحوحة. -هو فيه فرق بينا. انتي هتكوني مراتي. وباباكي زي بابا. ليه عايزة تعتبريني غريب. كانت ضربات قلبها تتقاذف بداخل ضلوعها بعنف من كلماته الرقيقة التي اخترقت قلبها دون حواجز. مساء بغرفته جلس يحاكي جاسر.
-برافو جاسر كنت عارف إنك هتعملها بذكاء. اسمعني كويس وأعمل اللي هقولهولك. فيه ضابط تبعهم هو اللي بيدخل كل حاجة لأمجد. عايز أمجد انفرادي وممنوع يرجع عنبره تاني. اضغط عليه عشان يوقع. ومتخافش عامله كمين حلو عشان يعرفوا بيلعبوا مع مين. وحياة رحمة أخويا لأخليهم يطلبوا الرحمة يلاقوهاش.
جلس بشرفته يحتسي قهوته تحرك ببصره للحديقة الشاسعة يتذكر طفولته مع سليم وولاد عمه. نزل ببصره وجد عاليا بنت تجلس تضع رأسها على كتف سيلين وهم يشاهدون شيئًا بهاتف سيلين ويضحكون. ظل لبعض الوقت ثم اتجه لمخدعه يتسطح عليه. ولكن قاطع هاتفه اتصال نوح. -شوفت الكلبة عملت إيه. وحياة ربي لأدفنها الحيوانة دي. راكان أنا هتجنن. اعتدل جالسًا متسائلاً. -إيه اللي حصل ممكن تهدى؟
-الكلبة منزلة صور ليا أنا وهي وعاملة حفلة للاحتفال بولي العهد. دي عايزة تقهرني أنا وأسما. وبابا حالف لأدخل عليها. مسح راكان على خصلاته. -اهدى وأنا هتصرف يانوح. عايز أشوف ميتها إيه البنت دي كمان. متحاولش تغلط.
بعد فترة من إغلاق هاتفه تسطح على الفراش وهو يضع رأسه فوق ذراعيه ينظر لسقف الغرفة. يفكر بمعذبة قلبه. لقد مر أسبوع كامل ولم يراها. عاقبته بأشد العقاب. حبست نفسها بغرفتها. ظل يفكر ماذا سيفعله معها الأيام القادمة حتى غفى. بعد فترة.
استيقظت ليلى على ألم بأسفل بطنها حاولت الاعتدال ولكنها لم تقو. آهة خرجت من جوفها تبعها أنين مكتوم. ماذا تفعل في هذا الوقت. حاولت ثم حاولت إلى أن اعتدلت ووقفت متجهة للخارج. بحثت بعينها عن أحدهما ولكن لم تجد أحدا. اتجهت لغرفته التي تجاورها ببعض المسافات. حينما فقدت الحركة للأسفل. أو لغرفة سيلين. فتحت الباب عندما وجدت قطرات الدماء تتساقط بين ساقيها. يكاد الألم يمزق أحشائها. انسدلت دمعاتها عندما شعرت بضعفها وكأن روحها تنسحب من جسدها.
كان يغط بنوم عميق ولم يرتدي سوى سروالًا واسعًا. خطت إليه وقطرات العرق تغزو جسدها بالكامل. حاولت أن تناديه ولكنها لم تقو وكأن حروفها سرقت من شدة آلامها. أستندت على فراشه. "راكان" نادته بصوتها الهامس ورغم إنه منخفض إلا أنه فتح عينيه ينظر بصدمة لوجودها بغرفته لأول مرة بهذه الطلة.
بثوبها القصير الرقيق وشعرها المنسدل على ظهرها ويتمرد بعضه على وجهها بعشوائية. حقًا خطفت أنفاسه بطلتها حتى شعر أنه بحلم وليس حقيقة. كانت نبضاته الهادرة تتخبط بعنف بين ضلوعه. أخرجه من تأمله بها حينما استمع إليها. "راكان" أردفت بها وهي تشعر بدوار يغزو جسدها. إلى هنا استيقظ من غفوته وصدم عندما وجدها حقيقة وليس حلمًا. أعتدل ينظر إليها متسائلاً بصوته المفعم بالنوم. -ليلى. هو أنا بحلم ولا إيه.
ناظرته بدموعها حتى غشت الدموع رؤيتها وعجزت عن الكلام من آلامها. ودت أن تصل نبرتها المتألمة إلى أعماق قلبه حتى يشعر بها وينقذها. -راكان!! آآه. جحظت عيناه وانتفض واقفًا. -فيه إيه؟ ارتعش جسدها ولم تقو على الحركة فنزلت عبراتها قائلة وهي تمسك أحشائها. -ألحقني ياراكان ابني. ألحق ابني هيموت. نزل ببصره على كفيها الذي تحتضن به بطنها ووجدها تغرق بدمائها تطالعه بعينيها المترجية.
هب مذعورًا يتلقاها بين ذراعيه حينما شعر بفقدانها للوعي. ارتفعت أنفاسه وهو يضمها. -ليلى إيه اللي حصل انتي بتولدي ولا إيه. طيب إزاي. رفعت نظرها إليه وهي تتألم وهمست بصوت يكاد يسمع. -الحقني هموت. هموت الألم صعب مش قادرة. هز رأسه بذعر وانسدلت دموعه وهي تغمض عيناها. -ليلى افتحي عيونك. جذب هاتفه سريعًا. -يونس الحقني. ليلى بتنزف ومش عارف أتصرف تعالى بسرعة. على الجانب الآخر.
-اديني نص ساعة أنا لسة خارج من عمليات وهركب العربية أهو. ألقى الهاتف ونظر للتي بأحضانه. ضغطت على كفيه وهمست. -ابني بيموت. انقذ ابني. لامس وجهها بحنية. -ليلى حبيبي افتحي عيونك متعمليش فيا كدا. فتحت جفونها ورفعت كفيه على بطنها ولم تقو على الحديث. كانت تناظره بدموعها وشفتيها المرتجفة. وبعد لحظات أغمضت عيناها. اختل توازنه قليلًا وشعر بدوار. احتضن بطنها بكفيه. -متخافيش. هننقذه.
نهض سريعًا بعدما وضعها بهدوء على فراشه يرتدي ثيابه سريعًا. ثم أسرع إليها رفعها لحضنه وهو يضمها بقوة. "آسف" حبيبي افتحي عيونك خليكي معايا ياليلى. هاخدك للدكتور. حملها عندما وجد البرودة تجتاح جسدها متجهًا للخارج وهو يضمها كطفل رضيع. قابله عدي بن عمه الذي يدلف بسيارته من باب القصر. أسرع إليه. -آبيه راكان مالها ليلى. استقل سيارته بالخلف وصاح به. -وديني أقرب مستشفى بسرعة ياعدي واتصل بيونس يلحقنا. هز رأسه. -تمام اهدى.
استقل السيارة سريعًا وذاك الذي يجلس بالخلف يلامس وجهها مرة ويضمها بقوة لصدره مرة. -ليلى ماتموتنيش لو سمحت. افتحي عيونك. رفع كفيها الباردة يضمه بين راحتيه يدلكه حتى يدفيه. ثم رفعه لشفتيه يطبع قبلة عميقة عليه بدمعة غائرة. وصل للمشفى ترجل سريعا وهو يحملها ويسرع بها مطالبا دكتورة. عايزة دكتورة بسرعة. وصلت الممرضة إليه. -فيه دكتور سامح هيخرج بعد دقايق من العمليات. صاح بغضب. -عايزة دكتورة مش دكتور.
قالها بصراخ وهو يدلف بها لغرفة الكشف. وضعها على الفراش وقام بدثرها ينظر إليها بقلب مفطور. أمال يطبع قبلة فوق جبينها هامسًا إليها. -ليلى هستناكي برة. متتأخريش هتكوني كويسة انت وأمير. لامس وجنتيها بأنامله وهمس بجوار أذنها. "بحبك". وصل يونس إليه بعد اتصال عدي به. خرج راكان وامسكه قبل دلوفه. -يونس اللي جوا دي روحي. ومش عايز أخسرها. أعمل أي حاجة يايونس. سمعتني. ربت على كتفيه قائلاً. -اهدى ياراكان. هدخل أشوف الدكتور.
هز رأسه. -أنا مش واثق في حد هنا. انت هتدخل وتطمني متخليش حد يقرب منها غيرك. وأعرف دي مرات أخوك وحياتها بتساوي حياتي. هنا ألمه فاق حدود الوصف حتى شعر بأن روحه كادت أن تفارقه. فاتجه بنظره ليونس ليتحرك. تحرك يونس وهو يطالعه بنظرات حزينة. مر الوقت ولم يخرج يونس حتى شعر بإنهيار قواه بالكامل فجلس على المقعد وهو يشعر بإنسحاب أنفاسه كاملاً. بل يشعر بأنياب حادة تنهش قلبه بحوافر مشتعلة من نيران الخوف من أن يحدث لها مكروه.
أخيرًا خرج يونس بجوار الطبيب ونظراته لا تبشر بالخير. انتظر لحديثهما وكأنه ينتظر نتيجة لأعدامه. -ربت يونس عليه. هتكون كويسة. الحمدلله وقفنا النزيف. لكن وضعها غير مستقر. خليها تحت الملاحظة لحد الصبح. نطمن على الجنين ممكن نفقده في أي وقت. اقترب منه ونظرات غاضبة. -هي عاملة إيه يايونس. نزل يونس بنظره للأسفل ولم يجيبه. جذبه من تلابيبه. -مراتي عاملة إيه يايونس؟ رفع يونس عيناه.
-إحنا وقفنا النزيف ياراكان، والاتنين حالتهم مش مطمنة. دفعه بقوة حتى اصطدم جسده بالجدار خلفه متأوهًا، ثم دلف للداخل بساقين متهاويتين، سيقان كالهلام. تحرك إلى أن وصل لفراشها. أغمض جفنيه من أثر الرجفة التي هجمت على جسده محاولًا أخذ أنفاسه بصعوبة عندما وجدها بتلك الهيئة الشاحبة. جذب مقعدًا وجلس بجوار فراشها، ثم سحب كفيها الذي يغرز به الأبر.
-معرفش ليه دايما الدنيا ظلماني، لدرجادي أنا منحوس. أول مرة قلبي يدق حبيت واحدة طلعت ذبالة وسابتني ببدلة فرحي. بعدها قولت مستحيل ادي قلبي لواحدة ست بعد كدا، وربنا يريد ويرمي بنت بريئة لذئاب بشرية حاولوا ينهشوها ولم وقفت تاخد حقها قتلوها حية. وحاولت أعرفهم ان ليها سند، ورغم ماحبتهاش بس طعنوني وقتلوها بدم بارد يوم صباحيتها.
وقعت عيناه عليها، رفع كفيه يمسد على خصلاتها واقترب يدمغها بقبلة، كأنه يشعرها إنها ملاذ الحياة إليه. فأكمل وكأنها تسمعه: -وعدت سنين كتيرة، وأنا قررت أن الستات ماهي إلا كسرة وبس. ابتسم ينظر لملامحها وأنامله تداعب وجنتيها وتحدث بصوت مبحوح من شدة مشاعره. -لحد ماجيتي قدامي، ووقفتي وعاندتي كقطة شرسة. معرفش وقتها حسيتك صحيت النبض اللي اندفن بقاله سنين. انزلقت دمعة عبر وجنتيه واقترب يمسد على خصلاتها.
-خلصت شغلي ومفيش غير صورتك قدامي. معرفتش اسيطر على مشاعري وقتها. مين اللي خلتني بعد سنين أمشي تايه. لأول مرة أحس بحاجة غريبة. معرفش سعادة ولا وجع ولا إيه. سحب نفسا ومازال ينظر إليها. -تلات أيام ياليلى بس وكانت حياتك من وقت ماتولدتي لحد ماوقفتي قدامي. إزاي معرفش كان لازم أعرف كل حاجة عنك. قلبي كان بيسحبني لعندك زي المغناطيس.
قفلت عليكي كل الشركات. عملت كل حاجة تتخيليها عشان تيجي قدام عينيا. واقدر أشبع منك. سنة وتلات شهور وانا كظلك. بس مكنتش أتوقع أن قدري هيرجع يصفعني بالطريقة الظالمة دي ويقولي مش بس هخليها معاك في الشركة. لا هخليها معاك في البيت. واشوفك وانت بتتألم وهي في حضن أخوك. نزل برأسه يضع جبينه فوق جبينها، وعبراته انسدلت بقوة على وجنتيه.
-ووقتها موت كتييير. موتيني لما دخلت عليا وايدك بأيد اخويا. موتيني لما وقفتي قدامي وقولتي هعذبك. يعني كنتي عارفة انك تهميني. موتيني يوم فرحك وانت بتضغطي عليا بعيونك عشان انقذك. موتيني لما عرفت إنك حامل. احتضن وجهها بين راحتيه وأكمل.
-مش كفاية موت عليا. معدش فيا روح. أنا أعرف الواحد بيموت مرة واحدة. إنما إنت كل شوية بتموتي فيا جزء. بلاش تخلصي على آخر نفس فيا. لازم تقوي وتفوقي وترجعيلي. ووعد مني مش هقرب منك. كفاية أشوفك قدامي كويسة. رفع كفيها يقبله. -ليلى لو سمحت. بلاش القسوة دي. دنى يهمس إليها. -مش معقول بعد الحب دا كله أسيبك تضيعي مني. أنا بحبك بجنون. دلف يونس بعد قليل لفحصها. نهض يطالعه. -فيه جديد. هز رأسه بإبتسامة بسيطة.
-ان شاء الله الوضع كويس لحد ما. عايز أقولك لو اتأخرنا كان أقل حاجة تفقد الجنين. الحمدلله شايف المؤشرات كويسة. دقق النظر إلى راكان. -النزيف دا مش عادي. يعني مش مجرد حالة نفسية. وأنا عملت تحليل. وهيظهر بكرة إن شاء. حاول ترتاح شوية هي كدا كدا مش هتفوق غير الصبح. هز رأسه رافضا واجابه.
-لا مش هسبها غير لما تفتح عيونها. روح إنت ولو فيه جديد هعرفك. ومتنساش الصبح تخلي سيلين تجبلها هدوم وحجاب. أنا من الصدمة مركزتش في هدومها. وياريت تبلغهم مش عايز دكتور يدخل هنا. رفع يونس حاجبه بسخرية مردفًا. -مش دي النقطة السودا في حياتك. وبعدين تعالى هنا. هي مين دي اللي مراتك ياحليوة. ابتسم ينظر لليلى قائلا.
-دي مراتي من وقت ماربنا جابها على وش الأرض. برضاها او غصب عنها. بعد اللي شوفته امبارح. صدقني مش هستنى دقيقة واحدة بعد شهور عدتها. قهقه يونس عليه: -ياواد ياراكان ياجامد. ماكنت تقول كدا من الأول. لازم يعني البت تموت عشان تفوق. دفعه للخارج. -ياله روح واعمل زي ماقولتلك. وخلي تليفونك مفتوح وتحت ودانك. إياك ثم إياك اتصل ومتردش. نظر اليه وتسائل: -هو فين تليفونك صح. ضرب على جبينه.
-نسيته في البيت. خلي سيلين تجيبه معاها. ولا انزل اشتري واحد وهاته. لازم يكون معايا تليفون. أومأ يونس وتحرك وهو يغمز بعينيه. -اوعى تنفرد بمراتك ياشقي. فيه كاميرات في الأوضة خلي بالك. اتجه إليها بعد خروج يونس. وجلس بمكانه وظل يرسم ملامحها بعينيه. ابتسم حينما تذكر كل حديث لهما. مرت ساعتين فتحت جفونها بألم شديد. كان يحتوي كفيها بيد ويحاوط جسدها بيد أخرى وهو جالس بجوارها على المقعد. همست بصوت متألم. -ابني. راكان ابني.
ضغطت على كفيه الذي يحتضن كفها. فتح عيناه معتدلا بجلوسه. -ابني. ابني حصله إيه. -انت حاسة بإيه الأول. قالها راكان وهو يطالع ملامحها الباهتة. همست بشفتيها. -ابني سقطه. الولد حصله حاجة. اقترب يمسد على خصلاتها ويرفعها خلف أذنها. -ابنك كويس متخافيش. لسة الدكتورة كانت هنا وطمنتني. طمنيني انت لسة موجوعة. نظرت لكفيه الذي يمسد بها على خصلاتها. -فين حجابي. إزاي جيت من غير حجاب. دنى يهمس أمام شفتيها.
-حجاب إيه يامجنونة. دا إنت موتيني من الخوف. ينفع كدا تخضيني. انت عارفة تمن الخضة دي ايه. قطبت جبينها وتحدثت بصوت متعب. -يعني إيه. داعب خديها وابتسم بجاذبيته التي خطفت قلبها من هيئته التي تراه بها لأول مرة. -خضتك دي هتخليني عقيم الأنجاب. لازم تدفعي حقها. أغمضت عيناها من أنفاسه التي ضربت وجنتيها تهرب من نظراته التي تفترسها. وتحدثت بصوت متقطع. -ابعد ياراكان مينفعش كدا. انت وشوية. قطعت كلمتها ولم تكملها. فغمز بعيناه.
-شوية وإيه ياليلي. رفعت كفيها بصعوبة على وجهه. حتى أمسك كفيها وثبته على وجنتيه. قائلة: -انت سخن ولا حاجة. إنت مين. اومال فين راكان البنداري. طبع قبلة على كفيها وطالعها بانظاره المتيمة بها عشقًا. وهو يبتسم بسعادة. ثم أمال عليها لوهلة أدرك كم المسافة بينهم أصبحت ضئيلة للغاية للحد الذي باتت أنفاسه تداعب وجنتيها حتى دبت الحمرة فيها قائلا. -قصدك راكان أنهي. راكان مجنون ليلى. ولا راكان التنين خاصتها.
لمعت عيناها من تمرده بالعشق لأول مرة أمامها. فهمست. -راكان انت طبيعي بجد ولا شارب حاجة. نزل حتى اخترق قانون المسافات بينهما وداعب انفها بأنفه هامسًا بصوته المبحوح الذي قضى عليها وأصبح دقات قلبها كالطبول. -خلينا في راكان مجنون ليلى. عشان ليلى جننته على الآخر. حاولت ترفع يديه لتدفعه. ولكن كأن جسدها خدر بالكامل وفقدت حركتها. فهمست وعبراتها تنسدل. -ابعد لو سمحت اللي بتعمله دا حرام. أنا تعبانة مش قادرة.
نهض بعدما طبع قبلة سريعة على وجنتيها حينما فقد قدرته على سيطرة قلبه. فتحرك سريعا خطوة. وملامحه تبدو كأنه طالب مجتهد فاز بجائزته. أما هي فقد بعثر كيانها بقبلته حينما لامس شفتيه الحارة وجنتيها. فبعثت قشعريرة قوية سرت بعمودها الفقري إلى سائر جسدها. فأخفضت عيناها تهرب من براثن نظراته المخترقة وهي تتمتم بخفوت. -دي اخر مرة تقربلي بالطريقة دي. اقترب خطوته التي ابتعدها وسألها بعينان مفترستان. -هو أنا قربت. هتتبلي عليا.
جحظت عيناها ترمقه بنظرات خرساء. فتحرك للخارج قائلا. -هشوف الدكتورة. عشان نروح بيتنا. لسة قدامنا كتير يالولا عشان تتبلي بضمير. حاولت لملمت مابعثرته قبلته. وضعت يديها على خديها مبتسمة فتحدثت. -مجنون. وقليل الأدب. انسدلت دمعة من عيناها ووضعت يديها على أحشائها. -ياترى الحياة هتكون بينا إزاي. أنا حقيقي مقدرش أعيش بعيد عنه. اغمضت عيناها بقوة. وهي تهمس بسعادة تخترق قلبها.
-كل اللي أعرفه اني بحبه وبس. رغم اللي بقوله بس متمناش أبعد عنه. تنهدت بوجع وسحبت نفسا مطولا واضعة كفيها على أحشائها. -عمو هيطلع صعب قوي ياحبيبي لازم نستحمله. عند راكان خرج متجهًا يبحث عن الطبيبة قابله يونس وسيلين. -راكان ليلى مالها. وازاي ماتعرفناش. -ماما هتموت من الخوف عليها. ضم أخته يربت على ظهرها. -اهدي حبيبتي. هي كويسة. روحي ساعديها خليها تغير هدومها وأنا هشوف الدكتور. وصل الطبيب الذي قام بالكشف عليها بالأمس
ونظر إلى يونس قائلا: -المدام اتناولت حاجة لإجهاد الجنين. الحمدلله لحقناه بس دا ميمنعش انه حياة الاتنين هتفضل في خطر بسبب مفعول الدوا. للأسف شكلها بتاخد منه من فترة. وبتمنى ميكونش أذى الطفل. فأنا بقترح نعمل إشاعة عشان نطمن عليه. وقف للحظات يستوعب حديث الطبيب اتجه ليونس ليؤكد حديثه. فأومأ له. ابتلع غصة مريرة ملأت جوفه بطعم العلقم. -يعني هي كانت عايزة تموت الولد.
هزة عنيفة أصابته. بل صاعقة صفعته بقوة حتى شعر بأن أحدهم سكب بصدره بنزينًا مشتعلًا. تراجع للخلف خطوة وكأن الأرض تميد به. وهو يهز رأسه رافضا حديث الطبيب. -معقول حاولت تقتل الولد عشان متتجوزنيش. رفع نظره ليونس بتيه. وانزلقت عبرة غائرة. -معقول تكون قاسية لدرجة إنها تقتل برئ عشان ماترتبطش بيا يايونس. معقول الملاك دي تعمل كدا. اقترب منه يونس محاولا تهدئته. -راكان اهدى لازم تفكر كويس هتقولها إيه. اتجه سريعا. امسكه يونس.
-راكان مفيش ام تتمنى موت إبنها. لازم اثباتك حضرة القاضي. دفع يونس وتحرك بخطوات تأكل الأرض كالنيران التي تلتهم القمح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!