لا لقاءات بيننا لكن أنا وأنت نعرف أن بيننا هذا الشعور كلما ضاقت بنا الحياة أو اتسعت ركض كل منا لروح الآخر ليجد بها حضنًا يضمه دون لقاء. نحكي... نضحك... وربما نبكي أحيانًا. نطمئن قلوبنا... نضمد جروحنا. نعيش كل شعور لم تسمح به الحياة ولا الظروف. وبمعنى أدق نحيا داخل حروفنا. *** ظهرت ملامحها بوضوح أمامه، فتساءل: "إنت مين؟
تصنم جسدها وشعرت بانسحاب الأرض تحت قدميها، وكأن كلماته سقطت فوق قلبها قبل عقلها كنيزك. دنت منه بوجهها تحتضن وجهه، ثم انحنت تطبع قبلة على جبينه، محاولة السيطرة على رجفة قلبها بما أخبرها به عقلها. "حمدًا لله على سلامتك يا حبيبي." نظر بأعين زائغة متعبة، وحاول أن يتحدث، ولكن بتر حديثه يونس عندما اتجه بخطوات سلحفية يقف بجوار ليلى المتصنمة بوقفتها.
"حمدًا لله على السلامة يا حبيبي"، قالها يونس بلسان مرتعش، عندما وجد نظراته الزائغة المشتتة. أطبق على جفنيه متألمًا. وصل الطبيب، بينما توقف حمزة ونوح ينظرون لبعضهم بصدمة مع ذهول. اتجه الطبيب إلى الجميع قائلاً: "ممكن الكل يخرج برة." ظل يونس يحدقه بنظرات ثابتة، فتحدث ونظراته إليه: "لازم أعرف حالته. متنساش قبل ما أكون دكتور، فهو ابن عمي." اتجه الطبيب يفحصه قائلاً بابتسامة: "حمدًا لله على سلامتك يا راكان!
ظل يطبق على جفنيه، وشعر بألم يفتك رأسه. "إيه اللي حصل؟ مش فاكر حاجة." هنا كور يونس قبضته وجذب ليلى المنكمشة بجواره. "مدام ليلى لو سمحتي." رفعت انظارها التائهة إليه تهز رأسها. "إيه اللي بيحصل يا دكتور؟ امسك يونس كفيه وقام بالكشف عليه والطبيب يفحص مؤشراته. "نبضاته قلبه ضعيفة ليه؟ نظر الطبيب في كشفه ورفع بصره إليه: "عادي. إيه يا يونس، أومال لو مش دكتور؟ دا خارج من الموت." هز رأسه رافضًا حديثه. "حتى لو."
رفع ذراعه متألمًا. "دماغي... " قالها بخفوت. "راكان"، قالها يونس بهدوء حتى يلتفت إليه. ظل يغمض عينيه متألمًا... وصرخ بصوت ضعيف: "راسي آه." دقائق والطبيب ينظر إلى حالته. "راكان... سامعني؟ " تساءل بها الطبيب. دقائق مرت عليهم كالدهر وهو يضع رأسه التي تضمد بين كفيه المجروحين وصرخاته المتعالية. تم حقنه بمسكن، ثم تنهد ناظرًا إلى يونس بعدما ارتخت أعضاؤه. "دا طبيعي، متخافش. لازم يقعد شوية على المسكنات لحد ما يرجع لطبيعته."
"معرفنيش"، قالتها ليلى ببكاء. حمحم الطبيب وتحدث بعملية: "مدام ليلى، إحنا لسه منقدرش نقيم الحالة. لازم يفوق، ونعمل تصوير، وإن شاء الله خير." تحرك يونس بجوار الطبيب للخارج. جلست بجواره، عندما خارت قواها، وشعرت بانهيارها. مسحت على خصلاته بحب، ووضعت رأسها بجانب أنفاسه، بعدما أزال الطبيب جميع الأجهزة الموصولة به. جذبت كفيه المجروح، وطبعت قبلة عميقة. "هموت لو حصلك حاجة."
احتضنت كفه، تضعها تحت رأسها كالوسادة، ورفعت كفيها تضعها على وجهه. "دلوقتي مش عايزة حاجة. المهم إنك رجعت لي، وصوتك هيملى حياتي، وعيونك هتنور دنيتي." قالتها ثم ذهبت بنوم عميق. باليوم التالي بعدما نُقل إلى غرفة عادية. دلفت بعد خروج حمزة يرافق الطبيب، ووجدته مازال غافيًا. ابتسمت بحب على نومه الهادئ. جذبت مقعدًا وجلست بجواره. دلف يونس برفقة سيلين وزينب. "عامل إيه؟ ما صحيش؟ سحبت نفسًا واتجهت بأنظارها إليه:
"كل ما يصحى، الدكتور بيديله مهدئ. يعتبر ما فاقش عشر دقايق على بعض." أومأ برأسه وتحرك متجهًا إليه لقياس الضغط والنبض. "أحسن من الأول. الحمد لله"، همست بها ليلى. تحركت زينب تجلس بجواره على الفراش، انحنت تطبع قبلة على جبينه. "روح قلب ماما يا حبيبي. ربنا ما يحرمني منك يا رب." ربتت سيلين على ظهرها. "يارب يا ماما يارب." ظلوا لفترة ثم نهض يونس. "يالا حبيبي عشان نسيبه يرتاح." نهضت زينب إلى ليلى.
"حبيبتي أنتِ منمتيش من امبارح. تعالي ارتاحي وشوفي العيال، وبعد كدا ارجعي." هزت رأسها رافضة وهي تنظر إليه. "لا يا ماما. أنا عارفة إنك مش هتقصري مع الولاد، وكمان هما متعلقين بقمر وطول الوقت عندهم." نهضت وتوقفت أمامها. "مش هرتاح إلا لما يفوق من الألم دا، ويرجع لينا يا ماما." ربتت على ظهرها وتحدثت قائلة: "حاولي تريحي على السرير اللي هنا جنبه. متنسيش إنك حامل." تحرك يونس قائلاً: "هوصلهم تحت وأرجع لك."
أومأت وجلست بجواره، حتى غفت من إرهاقها. بعد عدة ساعات فتح جفنيه متألمًا، وجدها غافية بجواره. سحب كفيه بهدوء. شعرت به فتحت عيناها سريعًا. "حبيبي محتاج حاجة؟ حاسس بأيه؟ أغمض عينيه، وهناك أصوات تقاوم عقله، وشعور بآلام قوية بأنحاء جسده. صور أمامه لأصدقائه، صور زفافها مع سليم، صور بمزرعة نوح. ضربت دماغه بقوة، احتضن رأسه يغمض عينيه. دلف يونس بعد ضغطه على زر الاستدعاء. "صحي." أومأت برأسها. دنا منه متسائلاً:
"عامل إيه يا راكان؟ حاسس بأيه؟ "دماغي هتنفجر يا يونس." جحظت عيناه ينظر إلى ليلى فأشار بكفيه. "حاسس بحاجة غير الصداع يا راكان." هز رأسه رافضًا، ثم أشار على ساقه. "إيه اللي حصل لرجلي؟ أنا مش فاكر حاجة." جلس بمقابله وتحدث بهدوء. "راكان مش فاكر الحادثة." حرك رأسه بتألم وضغط على شفتيه الباهتتين بضعف، ثم وزع نظراته عليهم. رفع بصره لليلى الصامتة وتساءل: "فين سليم؟ استفهام مؤلم خرج من بين شفتيه.
أطبقت على جفنيها بألم من سؤاله الذي اخترق ثنايا قلبها الذي احترق ألمًا. ثم نهضت متحركة للخارج سريعًا ودموعها تفترش أمام. كم هو مؤلم شعورها الآن. لقد فقد زوجها ذاكرته الخاصة بها. جلست بالخارج واجهشت بالبكاء تهز رأسها رافضة ما يحدث. دلف الطبيب إليه بعد استدعاء يونس. بعد فحصه لراكان، خرج برفقته نوح. "عنده فقدان جزئي للذاكرة. يعني فيه مدة معينة وهي الفترة اللي قال عليها. آخر حاجة فاكرها لما كان رايح لك." "طب والعمل؟
دا ممكن ياخد وقت؟ ربت الطبيب على كتفه وتحدث: "نوح أنت دكتور وعارف الحاجات دي مالهاش وقت. ممكن بعد ساعة يفتكر، ممكن شهر، ممكن سنة. الله أعلم. بس إحنا عملنا أشعة، وكله تمام. الحمد لله. بس محتاجين صبر وشوية وقت. وكمان حاولوا تتكلموا معاه على حياته الإيجابية." أومأ نوح متفهمًا، وتحرك بعد مغادرة الطبيب إلى الجالسة بروح محترقة. جلس بجوارها.
كم هو مؤلم عندما تعجز عن مواساة شخص عزيز في فقد شخص عزيز. وهنا ليس عزيز فقط، ولكن فقدت روحها وقلبها عندما نسي أهم فترة بحياته. ربت نوح على كتفها. "ليلى متزعليش، إن شاء الله هيفتكر كل حاجة. دا أهم وقت راكان محتاجك فيه." استخرطت بالبكاء وأخذت تتنفس بشكل هستيري. "عايزين أقوى إزاي يا نوح وهو مش فاكر أهم حاجة؟ قولي إزاي هتعامل معاه؟ حاول أن يهدأها عندما انهارت أكثر بالبكاء.
وضعت كفيها على وجهها تنهدت بحزن تحاول السيطرة على البكاء. "لازم يفتكر. لازم أعمل حاجة. شهر في غيبوبة، وشهر على المسكنات. هستنى لأمتى لحد ما أولد ويقولي الولد دا ابن مين؟ هيقابل ولاده إزاي؟ وإزاي هفهمهم في سنهم دا إنه مش فاكرهم." قالتها ونهضت متحركة إليه. قابله يونس توقف أمامها. "مدام ليلى فيه حاجة لازم تعرفيها." "راكان مش فاكر إنه اتجوزك. هو كل اللي فاكره إنك متزوجة أخوه." ارتجف جسدها وانسابت عبراتها.
"يعني لسه ما يعرفش إن سليم مات؟ أومأ يونس ونظر للأسفل حزنًا. شهقت واضعة كفيها فوق فمها متراجعة والصدمة تخترق روحها تهذي بكلمات غير مفهومة. فرفعت نظراتها المشتتة. "يعني أصعب فترة لينا إحنا الاتنين." وصل حمزة إليهما يوزع نظراته عليهما. "مالكم واقفين كدا ليه؟ "راكان مش فاكر حاجة غير يوم فرح سليم وهو رايح لنوح." قطب جبينه وضيق عيناه متسائلاً: "يعني إيه مش فاهم؟ "يعني فقدان جزئي للذاكرة يا يونس."
تركتهم ليلى ودلفت للداخل بهدوء تضع كفيها على صدرها الذي أعلن عصيانه بالنبض العنيف. دلت بخطواتها الضعيفة المتهالكة نحوه. كان يستند بظهره على الوسادة مطبقًا على جفنيه. شعر بوجود أحد بالغرفة، ولكنه لم يفتح عينيه، وظل على حالته. انعقد لسانها وتاهت الكلمات ولم يكن لديها القدرة للتحدث. لا تعلم بماذا ستتحدث، وهي الآن عدوته. ترى هل سيفعل بها كمثل تلك الفترة. وصلت إليه وطافت بعينيها على ملامحه الباهتة، فهمست بشفتين مرتعشتين:
"راكان." فتح عينيه سريعا عندما استمع إلى صوتها. دقق النظر إليها فهز رأسه دون حديث. دنت منه عندما وجدت نظراته الهادئة إليها. جلست بجواره ورفعت كفيها على وجهه. لقد اشتاقت إلى النظر إلى شمسه التي انطفأ بريقها بسبب غيبوبته. تعانقت بعينيه فهمست عندما وجدت صمته. "حاسس بأيه؟ أنزل كفيها من فوق وجهه، وأجابها: "كويس الحمد لله. فين سليم؟ ليه مجاش لحد دلوقتي؟ بتر حديثهما أسعد الذي دلف بلهفة أب فقد عزيزه وبجواره خالد وجلال أخويه.
"حبيبي عامل إيه؟ ابتسم إلى والده ثم تحدث بهدوء: "الحمد لله يا بابا." رفع بصره وتساءل: "فين سليم؟ كل ما أسأل حد ما يجاوبش." شهقة ملتاعة خرجت من والده، ثم انسابت دمعة عبر وجنتيه. "حبيبي أخوك الله يرحمه. قابل وجه كريم من سبع سنين." ثم رفع نظره إلى ليلى واسترسل بإبانة. "وليلي أنت اتجوزتها بعد موته. وعندكم ولاد دلوقتي."
رفع نظراته إليها فكانت نظراته خاوية كالصحراء القالحة. شعر بجحيم مستعر كأن هناك نارًا موقدة أشعلت بصدره، لما لا وهو يشعر بوحشة فراق أخيه كحيوان بري يلتهم لحمه وعظمه دون رحمة. نظر إليها وصورتهما وأخيه يقبلها. تسطح على الفراش دون حديث وهناك بعض الذكريات التي بدأت تضرب عقله دون رحمة، فاطبق على جفنيه متحدثًا. "بابا تعبان وعايز أرتاح. ممكن الكل يسيبني أرتاح."
نهض أسعد يمسد على خصلاته، ثم انحنى يطبع قبلة حانية وتحدث متسائلاً. "حبيبي حاسس بأيه؟ وضع كفيه على جبينه وأجابه: -صداع يابا. صداع بيجي فجأة صعب. ربت على كتفه وتحدث: -أنت خرجت من الموت بأعجوبة حبيبي، وإن شاء الله مع الوقت الصداع هيروح بالعلاج. رسم ابتسامة وأطبق على جفنيه مدعيًا النوم. اقترب خالد وتحدث: -حمد الله على سلامتك يا أسد. يالا عشان ترجع لنا بسرعة. -إن شاء الله يا عمي.
خرج الجميع. سواها جذبت مقعد وجلست بجواره. رفعت كفيها ومسحت على خصلاته اعتقادًا أنه ذهب بالنوم. انحبس النفس بصدره ولا يعلم لماذا عندما لمسته. دفع كفيها بغضب: -أنا قولت عايز أرتاح. إيه ما بتسمعيش؟ كتمت صرخة مصعوقة جاشت بصدرها وتراجعت بكفيها قائلة بتقطع: -مينفعش أسيبك لوحدك. غرز نظراته النارية بعمق عينيها مردفًا: -ليه طفل وعايز الرضعة؟ امشي من وشي. مش عايز حد في الأوضة.
انهارت حصونها وتراجعت للخلف، وترقرق الدمع بعينيها. حبست عبراتها التي جرحت جفنيها بقسوة من أناتها المتوجعة بخناجر مغروزة بصدرها. استدارت بهدوء للخروج، ولكن تسمرت بوقوفها عندما أردف: -معرفش اتجوزنا إزاي، وإيه اللي حصل. بس اللي متأكد منه إنك السبب في موت سليم. انتفض جسدها، وكادت أن تختنق من اتهامه التي مزقت روحها. سحبت نفسًا طويلًا تعبأ به صدرها المجروح وأخرجته على مهل، ثم اتجهت ووقفت بالقرب منه:
-ياريت ما تتكلمش في حاجة عشان ما ترجعش تندم بعد كده. ابتسم بسخرية ونظر إلى بطنها: -ده المدام حامل كمان؟ لدرجة دي استحوزتي عليا وحملتي؟ ولا يمكن حملتي من ورايا؟ ده لو كان ابني أصلًا. هنا فاق الألم قلبها حتى شعرت بتفتيته. وأقسمت أنه أحرق روحها بالبطيء حتى تمنت من بارئها أخذ روحها. أطبقت على جفنيها وانسابت عبراتها التي تمردت رغما عنها. ورغم ذلك...
انحنت بجسدها ودنت حتى اختلطت أنفاسهما. تمنت حينها أن يضمها لتشبع روحها الغائبة عنها بقربه. فهمست له: -هتندم يا راكان. أنا عاذراك عشان الحادثة ماثرة عليك. ارجوك بلاش تجرحني بالكلام. مش عايزة منك غير إني أكون جنبك وبس. انسابت دموعها كزخات المطر. فرفعت كفيه ووضعتها على شقها الأيسر المتألم:
-لازم أكون قريبة منك عشان ده. بلاش تموتني حبيبي لو سمحت. ووعد مني بعد ما تفتكر كل حاجة لو طلبت مني أمشي، أو حتى طلقتني مش هلومك وقتها. رجفة أصابته من دموعها وحديثها الذي أدمى قلبه. ورغم ذلك سحب كفيه وأشار بعينيه إلى الباب: -اطلعي برة. وشوفي الدكتور عايز أفُك الجبس ده عشان أرجع بيتي. اعتدلت وتنهيدة طويلة متعبة خرجت من بين شفتيها. ثم أومأت برأسها وتحركت دون حديث. بمنزل حمزة ودرة.
جلست تطعم سيف ورضوى ابنائهما. كان شارداً بجلوسه. أنهى أطفالها طعامهم ثم نهضت متجهة إليه: -حبيبي مالك! استدار معتدلًا بجلسته يضم كفيها بين راحتيه: -مفيش ياقلبي. قلقان بس عشان راكان. قطبت جبينها متسائلة: -أنا لسه قافلة مع ليلى وبتقولي اتحسن كتير. وكمان هيفك الجبس من رجله النهاردة. تراجع بجسده للخلف وأغلق عيناه: -راكان مش فاكر حاجة من يوم فرح سليم يا درة. ذاكرته مش مساعدة. أومأت برأسها:
-أيوه يا حمزة، ما أنا عارفاه. وطبيعي بعد الحادثة دي. والحمد لله إنه مفقش الذاكرة خالص. بس اشمعنى الوقت ده كله؟ كور قبضته وأجابها بهدوء: -نصيبه الحلو إنه ما يفتكرش أجمل أيامه. رفع بصره إلى درة: تعرفي أنا مشفتش راكان سعيد إلا بعد جوازه من ليلى. حتى وهم متخانقين، كنت بشوف لمعة السعادة بعيونه. والسعادة دي كبرت بعد ما خلف كيان. وأنتِ عارفة الباقي. تنهدت درة بحزن وأردفت:
-وليلى ياحبيبتي تعبت أوي. إزاي هتقدر تواجه تاني وهي حامل كمان؟ سحب نفسًا وزفره: -خايف من كده. خايف راكان يأذيها ويرجع يندم ندم عمره. هزت رأسها رافضة حديثه: -لا مستحيل. لا راكان بيحبها. مستحيل يأذي ابنه. مسح على وجهه واضعًا كفيه على وجهه: -ده لو فاكر إنها بتحبه. يونس لسه مكلمني بيقولي. قالها انت السبب في موت سليم. شهقة خرجت من فمها تهز رأسها رافضة ما يحدث. -ربنا يعين ليلى على اللي جاي.
بفيلا مهجورة على طريق إسماعيلية الصحراوي. كان يجلس يتجرع من الخمر الذي حرمه الله وهو يمسك صورتها ويتحسسها بيديه. استمع إلى رنين هاتفه. -أيوه يا مسعد. -أمجد راكان فاق من الغيبوبة. بس فقد الذاكرة. الأخبار دي لسه واصلة لي من المستشفى حالا. اتجه للنافذة وبدأ يتجرع من الكحول ما يذهب العقل. ثم تحدث: -كويس أوي. خلي عينك عليه. وأي تطورات جديدة عرفني. ألقى نفسه فوق الأريكة وأمسك هاتفه:
-ليلى. ليلى. خلاص هانت ياروحي. لو مش الحقيرة اتصرفت من دماغها كنتي زمانك في أحضاني دلوقتي. قام بمهاتفة عايدة: -مدام عايدة أخبارك. زفرت بغضب: -راكان ممتش يا أمجد. وده مكنش اتفاقنا. لازم يموت. تجرع كأسه مرة واحدة وأجابها: -ليلى تيجي عندي. وبعد كده هخلص لك عليه. المهم ليلى يا عايدة. تأففت بضجر وأردفت:
-أمجد ليلى حامل دلوقتي وفي شهرها السابع. يعني انسى تقرب منها. عندي خطة بس مش هتنفع إلا لما تولد. وأه الشرطة عينها علينا أوي بلاش تقرب من عيلة البنداري. عاملين حصار بعد حادثة زفت راكان. -تمام يا عايدة هانم. أي جديد عرفني. ومتنسيش. الرقم ده متكلميش حد منه غيري. سلام. قالها أمجد وأغلق هاتفه ثم ألقاه وذهب بنومه. بالمشفى وخاصة من أمام غرفته.
تجلس بكتفين متهدلين وعينان انطفأ بريقها. تراجعت بظهرها على المقعد. تضع كفيها على أحشائها بملامح يكسوها الألم. وصلت أسما تجلس بجوارها تربت على كتفها: -ليلى عاملة إيه ياقلبي؟ -الحمد لله. الحمد لله كتير أوي يا أسما. المهم هو عايش ونفسه في الدنيا. دي أهم حاجة عندي. بكرة يفتكر. حتى لو متذكرش وفضل كده. كفاية أشوفه قدامي وأسمع صوته. انسابت عبراتها وارتجف جسدها من شهقات بكائها:
-على الأقل ولاده ما يبقوش من غير أب. مش مهم أنا حتى لو فضل يكرهني. المهم ولادي وهو عندي. ضمتها أسما إلى أحضانها. وكأنها كانت تنتظر ذاك الحضن. فبكت بصوت مرتفع. حتى وصل إليه بالداخل. عم الصمت بداخل الغرفة. نهض نوح متجهًا للخارج للاطمئنان عليها. ولكن توقف عندما استمع إلى حديثه: -خليها تمشي يا نوح. مش عايز أشوفها. ولا أسمع صوتها. كور نوح قبضته واستدار لمحاكاته. ولكن أشار يونس له:
-نوح أصلًا كان جاي ياخدها. بقالها أسبوع هنا ما راحتش والولاد بيسألوا عليها. سحب نوح نفسًا وطرده على عدة مرات ثم أردف: -هتمشي يا راكان. بس قبل ما تمشي. عايز أقولك الدنيا اتغيرت بينكم. وبقى عندك بنت. وهي حامل دلوقتي. أطبق على جفنيه وهمس: -مش عايز أشوفها. خليها تمشي قولت. أردف بها بصوت مرتفع حتى شعر بتألم صدره. خرج نوح وجدها بحالة لا ترثى لها. عيناها المنتفخة. ووجهها الشاحب. بسط كفيه وتحدث:
-ليلى تعالي أروحك. كيان مش مبطلة عياط وعيزاكي. يالا حبيبتي يونس هيفضل معاه. هزت رأسها رافضة: -مش هسيبه متحاولش ولا انت ولا هو. هفضل هنا وده أخر كلام. جلس على عقبيه أمامها: -ليلى راكان كل اللي فاكره من علاقتكم. جوازك من سليم وبس. اللي بعد ده كله منسي. والدكتور بيقول مفيش وقت محدد. مش عايز أزعلك حبيبتي. أمسك ذراعها وحاول إيقافها. ثم أشار إلى أسما: -ليلى يالا. دفعت يديه وتحدثت بغضب:
-قولتلك مش هسيب جوزي يا نوح. ثم نهضت متحركة إلى الداخل. -محدش له حق هنا يقولي أعمل إيه سمعتني. أنت جوزي. عايز تقتنع اقتنع مش عايز أنت حر. أغمض عيناه وأشار إلى يونس: -يونس اطلعوا برة وخدوها معاكم عايز أرتاح. اتجه يونس بهدوء إليها: -مدام ليلى يالا. ربعت ذراعيها على صدرها:
-هنرجع البيت مع بعض. ممكن حضرتك تمشي. أنا مش هتحرك يا دكتور. قالتها واتجهت إليه تجذب المقعد تجلس عليه. محاولة السيطرة على نفسها حتى لا تنهار أمامه. يكفي ليلى. لازم يفوق زي ما الدكتور قال. خرج يونس عندما وجد صمت راكان. أخرجت هاتفها وهاتفت أولادها: -ميرو حبيبي عامل إيه. -الحمد لله يا مامي. هترجعوا امتى وبابي عامل إيه؟ اتجهت بنظرها إليه واجابته: -بابي كويس حبيبي وبيسلم عليك. كوكي بتعمل إيه.
-كوكي جنبي مع أنطي داليا. بتلون في النوتس بتاعها. -مامي انتي وحشتيني. وبابي كمان. انسابت دمعة أزالتها سريعا ثم اردفت: -كوكي متتشاقيش واسمعي كلام أنطي داليا. وبلاش تروحي عند البيسين. فتح عيناه وتحدث: -ممكن تليفوناتك دي تعمليها برة. أغلقت هاتفها بعد إنهاء مكالمتها. ثم نهضت متجهة إليه تعدل من وضعية نومه قائلة: -حاول تخلي راسك معدولة على المخدة عشان متحسش بتشنجات.
تجمد جسده من قرب أنفاسها ورائحتها التي تسربت إلى رئتيه. وكأنها سهام مسمومة هزت كيانه وتثاقلت أنفاسه شيئًا فشيئًا حد الاختناق عندما تذكر انتمائها لأخيه. حاول الابتعاد بجسده عن ذراعيها. حينما أصبح بأحضانها. ولكنه لم يقو. صاح بغضب: -ابعدي عني ما تلمسينيش قولتلك. ابتسمت من بين حزنها. ودنت منه: -ليه خايف قربي يأثر عليك؟ اقتربت حتى اختلطت أنفاسهما تنظر لشمسه التي تسحرها كالمنوم المغناطيسي ثم همست بالقرب من شفتيه:
-ماهو انت كمان بتأثر فيا. رفعت كفيها على خصلاته مرة وعلى ذقنه التي طولت بعض الشئ. -حتى وأنت تعبان خاطف قلبي. دفعها بقوة بعيدًا عنه: -اطلعي برة بدل ما أخليهم يرموكي برة. انسابت عبراتها من محاجرها وخرجت الكلمات متقطعة: -تمام أهدى هطلع. ايدك بتنزف. أشار بسبابته: -قولت لك امشي. لو عندك كرامة.
استدارت بخطواتها المتهالكة كقلبها النازف بعد سماعها كلماته التي أحرقها. تلاحقت أنفاسها وهي تسرع لخارج الغرفة. وعبراتها تفرش طريقها. دلفت الغرفة التي بجاوره. وضعت كفيها على فمها تمنع شهقات بكائها. تود أن تصرخ من أعماق قلبها على وصل الحال بها. جلست تضع كفيها على أحشائها متألمة. اتجهت إلى الفراش وألقت نفسها عليه. تدعو من ربها ألا تستيقظ أبدًا. ولكن كيف أن تغمض عيناها وحبيب روحها ومعذب قلبها لم يشعر بآلامها.
أصبح وجهها شاحب. مع حزنها الصامت الذي أحرقها. دلفت الممرضة: -مدام ليلى حضرتك كويسة؟ ابتسامة ضعيفة خرجت من بين شفتيها عندما ظنت أنه من أرسلها فتسائلت: -هو اللي بعتك؟ أومأت الممرضة برأسها وقامت بحقنها: -قالي لازم تاخدي الحقنة دي عشان ترتاحي. وهو هيبعتلك لما تصحي الدكتورة نورة تشوفك. قطبت جبينها وأردفت متسائلة: -قصدك مين؟ ابتسمت الممرضة وأجابتها: -دكتور يونس طبعًا. أطبقت على جفنيها وهمست عندما شعرت بتخدرها:
-تمام، سيبيني عايزة أنام. تمر الأيام والخوف لا يمر، بل ذبحها بفكرة افتقاده وابتعادها عنه. اليوم هو اليوم المقرر لخروجه من المشفى. دلفت بجوار درة وزينب: -صباح الخير يا حبيبي. ابتسم لها: -صباح الخير يا حبيبتي. رفع نظره للتي تقف تستند على النافذة بوجهها الشاحب وعيناها الذابلة، فتحدث: -ماما جاية ليه! يونس ونوح بره. اقتربت درة بحذر ثم تحدثت: -حمد الله على سلامتك يا حضرة المستشار. أومأ برأسه ورسم ابتسامة: -شكرًا.
اعتدل حتى ينهض، أوقفته زينب: -ليلى تعالي ساعدي جوزك. رفع كفيه أمامها: -ملوش داعي يا ماما، أنا مش عاجز. خلي الباشمهندسة مرتاحة. اقتربت تجلس بجواره تربت على كتفه: -حبيبي، عارفة إنك مش عاجز، بس محتاج مساعدة ومراتك أولى إنها تساعدك. رفع بصره إليها وتقابلت النظرات: -آسف يا ماما، أنا مش فاكر غير إن الباشمهندسة مرات أخويا، الله يرحمه. رفعت زينب كفيها على وجنتيه وانسابت دموعها:
-أخوك عند ربنا أكتر من ست سنين، حبيبي ربنا يرحمه، وانت اتجوزت ليلى وهي دلوقتي حامل في ابنك، وعندك بنت تاخد العقل. أطبق على جفنيه عندما أصابته حالة غريبة يشعر بها في خضم أحاسيس أرهقته وأثقلت كاهله بالتفكير منذ أن فاق وعلم أنها زوجته. رفع بصره إليها واخترقها بنظراته متسائلاً: -إزاي اتجوزتها يا ماما؟ وهي وسليم كانوا بيحبوا بعض، إزاي رضيت آخد حق مش حقي؟ أنا فاكر كويس حب سليم ليها.
ضغطت على ثيابها بقوة وهي تهز رأسها رافضة حديثه. صمتت زينب لثوانٍ تقاوم غلالة دموعها التي استحوذت عليها، ثم أطلقت تنهيدة مرتعشة: -أخوك عمل حادثة، وليلى كانت حامل في ابن سليم، وجدك هددها إنه ياخد الولد. اتجهت بنظرها إلى ليلى وأردفت ما جعل ساقيها كهلام، ثم أردفت: -وأنا أجبرتك تتجوزها عشان تحمي ابن سليم، وليلى ما ياخدوهاش ويمشي، خصوصًا ابن عمها عرض عليها الجواز وكان موافق إنه يربي الولد. تهكم بسخرية: -هتقوليلي يا ماما!
أنا أكتر واحد عارف معجبين المدام. لا تعلم لما ابتسمت من كلماته، أشاحت ببصرها بعيدًا عنه وتوسعت ابتسامتها. رفع حاجبه ساخرًا وأردف حتى يمنع تلك الشفاه التي تمنى أن يسحقها الآن: -الحمد لله طمنتيني يا ماما إنك غصبتيني على الجواز، فكرت إني اتجوزت المدام برضاي. قاطعته ليلى عندما استدارت ووصلت إليه تجذبه من ذراعه: -أنا بقول كفاية كلام يا حضرة النايب، لسه خارج من حادثة، وعشان نعرف نرجع عقلك الهربان.
ابتسمت زينب، ثم أشارت إلى درة التي كانت تقف بصمت رغم حزنها الكامن على أختها. تحركت زينب ودرة إلى الخارج بعدما تحدثت: -ليلى ساعدي جوزك يا بنتي. نزع ذراعه منها بغضب ونظر إليها نظرات جحيمية: -لو قربتي مني تاني هأندمك. وضعت ثيابه بالحقيبة وكأنها لم تستمع إليه، ثم اتجهت إليه تضيق عيناها: -لا يا حبيبي، هقرب وأقرب أكتر، وإياك يا راكان تتكلم معايا بالطريقة دي تاني. جذبها بذراعه السليم حتى سقطت بجواره على الفراش متأوهًا:
-أومال لو مش متجوزك غصب كنتي عملتي إيه. أطلقت ضحكة بعدما نسيت كيف الضحكات ودنت منه: -أنا فرحانة بيك يا حبيبي، عارف ليه؟ نظرات نارية أراد أن يحرقها بها من قربها الذي أضعفه. دنت وهمست أمام شفتيه كادت أن تلامس خاصته قائلة: -المهم تنيني رجعلي بالسلامة، وبدأ يبخ نار ويعمل فيها سوبر مان.
جذب رأسها واقتنص ثغرها على حين غرة منها، مبتلعًا حروفها. ظل يقبلها بعنف ليثبت لنفسه أنها ليست سوى عدوته التي ألقت به في غيبات الجب. حاولت دفعه عندما شعرت بدماء شفتيه، انسابت عبراتها حتى تذوقها، ثم ألقاها بعيدًا عنه وكأنها عدوى. -مش ده اللي انت عايزه، بس مش ذوقي. قالها ثم نهض يتحامل على نفسه واقفًا وتحرك للخارج وكأنه لم يفعل بها شيئًا. جلست بقلب ممزق وروح محترقة وعيناها تدفع الدمع بالدمع رافضة ما فعله. همست لنفسها:
-مين ده؟ ده واحد معرفوش. توقفت تجمع أشياءه وتحركت للخارج بعدما أعدلت من وضعية حجابها، ثم تحركت للخارج. وجدت زينب ودرة بجوار يونس، بينما هو تحرك مع نوح وحمزة. رفعت درة نظرها إلى شفتيها المجروحة وعلمت بما صار بالداخل. اقتربت تربت على كتفها: -عاملة إيه حبيبتي!! ابتسمت لها وأردفت: -أنا الحمد لله كويسة، ليه بتسألي؟ رفعت أناملها تضعها على شفتيها. استدارت بعيدًا ثم حملت الحقيبة وتحركت دون حديث.
وصل الجميع إلى قصر البنداري بعد فترة، كان الجميع بانتظارهم. تحركت سيلين تحتضنه بكل شوق: -حبيبي حمد الله على السلامة، نورت البيت. بينما عاصم والد ليلى وكريم أخاها: -حمد الله على سلامتك يا حضرة المستشار. أومأ ورسم ابتسامة. تحرك إلى والده الذي وقف بجوار أخيه جلال: -نورت البيت والدنيا كلها يا ابني. -شكرًا يا بابا. قالها وهو ينظر بجميع أرجاء المنزل، ثم تساءل: -توفيق باشا مش عايز يقابلني ولا إيه. ربت جلال على كتفه:
-جدك الله يرحمه يا حبيبي. قطب جبينه: هو أنا غايب كتير! استدار إلى حمزة وتساءل: -هو إيه سبب الحادثة؟ إزاي عملت حادثة تخليني مش فاكر دا كله. حمحم حمزة مردفًا: -راكان ارتاح دلوقتي وبعدين نتكلم، انت لسه خارج من المستشفى، والدكتور بيقول متحاولش تضغط على نفسك عشان ميحصلش انتكاسة. أسرعت كيان التي كانت بالحديقة: -بابي جه! وحشتني بابي. قالتها وهي ترفع يديها حتى يحملها. -مين دي؟ حملها يونس ثم طبع قبلة على وجنتيها:
-كوكي شوفتي بابي رأسه متعورة إزاي! بابي تعبان ولما يشيل البتاعة الوحشة دي، هيشيل كوكي كتير. ألقت نفسها على راكان، ويونس يحملها ثم طبعت قبلة على وجنتيها: -بابي وقع وهو بيجري ورا القطة يا عمو، وراسه جابت دم كتير عشان كدا مربوطة. رفع كفيه على وجنتيها وابتسم، طفلة جميلة بريئة تجمع الكثير من ملامحه، عيناها الذهبية التي باللون الشمس وخصلاتها التي بسواد الليل. انحنى متألماً: -كيان.. همس بها. صفقت بيديها:
-بابي أخيرًا رجع من السفر. أمسكت كفيه وبدأت تحسب له على أنامله: -انت مشيت بعيد أوي، ومامي قالت بكرة بابي هيرجع. بس يابابي بكرة دي مكنش تيجي خالص، دي بكرة ودي بكرة. اد إيدك كلها لحد ما كوكي زهقت. ابتسامة أنارت وجهه، فأشار إلى يونس: -يونس قربها، عايز أبوسها. هنا بكت ليلى بصوت مرتفع، ثم تحركت سريعا إلى غرفتها. كانت نظراته عليها. حاوط ابنته التي يحملها يونس، يستنشق رائحتها مطبق العينين ثم همس: -روح بابي إنت.
يا قلب بابي. خرجت من أحضانه تطبع قبلة على وجنتيها. "كوكي بتحب بابي كتير، اد مابابي بيحب مامي." صدمة ألجمت لسانه حتى رفع نظره إلى يونس. "عايز أقعد." أنزل يونس كيان بهدوء. "كوكي روحي ألعبي مع قمر. بابي تعبان هيرتاح وبعدين يقعد مع كوكي." وصل أمير بجواره سيف ابن حمزة. توقف للحظات أمامه ينظر إليه باشتياق، فأردف بصوته الطفولي: "بابي حضرتك رجعت."
كان جالساً على الأريكة مغمض العينين. فتح عيناه ينظر لذاك الطفل الذي يبلغ عمره ما بين الست والسبع سنوات. هذا ما أرجعه راكان. أشار له بيديه وانتظر كلامه. "إزيك يا حبيبي." قالها بتجاهل. ظل يدقق بملامحه، رفع نظره إلى والده. "دا ابن سليم." دنى أمير منه واحتضنه. "وحشتني يا بابا." بكت زينب على كلمات راكان عندما تحدث بتلك الكلمات. حاوطه بذراعه ثم طبع قبلة على جبينه.
"حبيبي وانت كمان وحشتني. أمير ياسيدي شكلك وحشه أوي، كل يوم يسأل عليك." جذبه وأجلسه بجواره، يدقق النظر به. مسد على رأسه ثم تحدث: "كبرت يا أمير وبقيت راجل." رفع أمير كفيه على جروحه التي تظهر برأسه. "بابي بتوجعك أوي." قبل كفيه وأجابه:
"لا يا بابي. أنا كنت بسأل مامي على طول وعملت معاها زي ما حضرتك علمتني. مكنتش بخليها تعيط. بس كل ما أسيبها وأمشي أرجع ألاقيها بتعيط. كانت خايفة عليك أوي. أنا سألتها حضرتك روحت عند بابي، هي زعلت أوي وقالت لي لا بابي هيرجعنا. كنت خايف لتكون بتضحك عليا يا بابي. بس مامي طلعت مابتكذبش الحمد لله وحضرتك رجعت بالسلامة." صمت الطفل ورفع نظره إليه مرة أخرى وأمسك كفيه وتحدث:
"مش هتخلي مامي تبكي تاني. أنا كنت بعيط زيها يا بابي عشان خفت عليك أوي. خفت ما يكونش عندي أب أنا وكوكي." ضمه بقوة وانسابت عبراته رغماً عنه. طبع قبلة على رأسه وتحدث بصوت متقطع: "لا يا حبيبي أنا معاكم ومستحيل أسيبكم إن شاء الله." أزال الطفل دموعه. "هو حضرتك هتعيط زي مامي." "يونس ساعدني عايز أرتاح." قالها عندما شعر بفقدان سيطرته على نفسه. صعد إلى غرفته. توقف يونس أمام باب جناحه.
"ادخل براحتك. مينفعش أدخل هتلاقي مدام ليلى جوا." صدمة أذهلته للحظات يستوعب حديث يونس. تحرك يونس مغادراً، بينما هو تخطى إلى الداخل، وكأنه يتحرك على جمرات نارية. أمامه صورها فقط وهي بجوار أخيه. صور بدأت تضرب عقله بقوة. وتخيلاته وهي تجلس بأحضانه. صورة خلف صورة جعلت عالمه ينهار. تحرك للداخل وجدها تحتضن نفسها كالجنين وتبكي بصمت.
اعتدلت تزيل عبراتها سريعاً، ونهضت متجهة إليه، تستند على الجدار. أمسكت كفيه وحاوطت خصره إلى أن وصل إلى فراشهما. جلس بألم. ساعدته في التسطح، وجلبت له ثيابه. جلست أمامه دون حديث. كان ينظر إليها يحاول أن يكتشف كيف كانت علاقاتهما. ساعدته بتغيير ثيابه دون حديث من أحدهما. تسطح مستنداً بظهره على الفراش. نظر إلى بطنها التي إن دلت تدل عن حملها بشهورها الأخيرة. استدارت متحركة ولكنه أوقفها.
"لحد ما أرجع أتذكر مش عايزك معايا في الأوضة. ويا ريت عشان يبقى بينا احترام متبادل قدام العيلة متحاوليش تقربي مني مهما حصل. ودلوقتي خدي كل حاجة متعلقة بيكي من الأوضة." استمعت إلى طرقات على الباب. تحركت لتفتحه. "ليلى علاج راكان. وفيه دكتور علاج طبيعي هيجي من بكرة عشان ضهره ورجله." أومأت لها، ثم تناولت طعامه وأدويته. دلفت إليه وجدته يقوم بإشعال تبغه الذي كان يوضع بجواره على الكومود. وضعت الطعام واتجهت إليه سريعاً:
"على ما أعتقد حضرتك مش طفل عشان تشرب سجاير وانت لسه طالع من المستشفى." دفعها بقوة حتى سقطت على الأريكة خلفها. ورغم خوفه عليها عندما صرخت متألمة تمسك أحشاءها، إلا أنه أشار بسباباته: "لو قربتي مني تاني هكسرلك إيدك. بلاش تتخطي حدودك معايا. قولتلك أنا مش فاكر غير واحدة حقيرة كسرتني أنا وأخويا وبس." اتجهت إليه وجلست بجواره. "راكان حبيبي أنا ليلى مراتك وحبيبتك. إزاي قدرت تنساني بعد الحب اللي بينا دا كله."
دنت تمسك كفيه ونظرت إليه. "ممكن العقل ينسى حاجات بس القلب مستحيل." وضعت كفيها على شقه الأيسر. "ده مرتاح وأنت شايفني بتعذب كدا." أطبق على جفنيه صارخاً بها: "امشي من قدامي. حبك اللي هو إنك تتجوزي أخويا. ده قصدك." ظهرت آلام صدره على وجهه، فاعتدلت تهز رأسها. "خلاص اهدى. ارتاح دلوقتي وبعدين نتكلم." نفث تبغه ونظره إليها بألم.
"مفيش حاجة نتكلم فيها يا مدام. أنا فاكرك كويس. وزي ما سمعتي من أمي شكلها ضغطت عليا أوي عشان أتجوز واحدة كسرتني. إنما إزاي رضيت أجيب منك ولاد ده هيجنني." نفث تبغه حتى اختفى خلفه وأكمل ما شم ظهر البعير. "أكيد اتفقنا على حاجة. أو يمكن كنت مش في حالتي وأنت إغراءاتك كتيرة." قالها وهو يرمقها بنظرات وقحة. ثم أشار بكفيه ينظر إلى الباب. ورمقها باحتقار. "برة الأوضة دي متدخليهاش. وعلى ما أظن عندك أوضة جوزك حبيبك."
لأول مرة تشعر بكم هذه الآلام. ماذا حدث له؟ هل ذاكرته حولته لتلك الشخصية التي كرهتها حتى قبل معرفتها؟ شعرت بانسحاب الأرض تحت أقدامها وهو ينظر إليها بنظراته القديمة ويشير إليها كأنها نكرة وليست زوجته. تحركت سريعاً مغادرة الغرفة بخطوات متعثرة حتى وصلت إلى غرفته الأخرى وألقت نفسها بانهيار عليها. دَلفت زينب بعدما استمعت لصوت بكائها. جلست بجوارها تحتضنها وتمسد على خصلاتها بحنان أموي.
"حبيبتي يا بنتي عارفة أن ده فوق طاقتك. بس لازم تتحملي يا ليلى. جوزك في أهم مرحلة محتاجك فيها." قبضت على ثياب زينب وبكت. "أنا بموت يا ماما. راكان مفكرني عدوته. بيكلمني كلام يوجع أوي." ظلت تمسد على خصلاتها. "ليلى لازم تهدي. هو معذور يا بنتي. عايزين نستحمله حبيبتي وأنتِ أكتر واحدة محتاجك فيها." خرجت زينب بعدما جلست فترة معها. نظرت بساعتها. اتجهت إلى مرحاضها. خرجت بعد قليل أدت فرضها. شعرت بآلام تغزو جسدها.
تسطحت على الفراش وذهبت بسبات عميق. عند راكان. ذهب بالنوم بسبب علاجه. استيقظ ينظر إلى أركان الغرفة التي يسودها الظلام. نظر بساعته وجدها العاشرة ليلاً. استمع إلى طرقات على باب الغرفة. دلفت سيلين. "حبيبي عامل إيه." بحثت بعينيها عن ليلى. "فين ليلى بدور عليها مش لقياها." مسح على وجهه يفركه. ثم رفع نظره. "في أوضتها." قطبت جبينها ورغم معرفتها بمكانها إلا أنها تحدثت.
"إزاي ليلى خرجت من أوضتها. ده من يوم ما اتجوزوا عمرها ما باتت برة الأوضة دي. وكمان الأوضة التانية مقفولة مفيش حد بيدخلها. يالهوي ليكون نزلت نامت في الجنينة زي عادتها والجو برد. وهي حامل كمان." شعر برجفة بقلبه. فحمحم متحدثاً. "روحي شوفيها يا سيلي دي متخلفة. وطول عمرها بتعمل مصايب." جلست بجواره ثم قطبت جبينها بتصنع. "انت فاكر أفعالها. ومش فاكر أنها مراتك."
ابتسم بسخرية ثم ذهب بشروده وذكرياته التي بيحاول يستجمعها قائلاً: "أفعالها أشهر مني شخصياً. قومي يا سيلي وبطلي تلعبي على أخوكي." توقف فجأة وتساءل. "أنتِ اتجوزتي يونس فعلاً." قهقهت عليه وأشارت إلى بطنها. "وحياتك عندي قمر وحامل في يزن كمان. إيه رأيك في الاسم ياراكي." "سيلين قومي امشي مش قادر أتكلم. عايز أدخل الحمام." توقفت ثم رفعت حاجبها. "بتطردني مكنش العشم يا خالو. ده أنا هسلط عليك قمر تأدب خالها."
نهض متألماً. واتجه إلى المرحاض. وجد أشياءها الخاصة به. هناك بعض الصور بدأت تظهر أمامه وشعور بألم يفتك به. باليوم التالي خرجت إلى الحديقة تستنشق بعض الهواء. كان يجلس ينفث سيجاره. رآها تجلس. وخصلاتها التي ترفعها كذيل الحصان. كان الهواء يداعب خصلاتها فتتحرك على وجهها. ابتسم عليها ولكن منع ابتسامته عندما تذكر حديثها. "هتجوز أخوك عشان أشوفك بتتعذب قدامي ياراكان." استدار متجهاً إلى الداخل يضغط على نفسه هامساً إلى نفسه.
"إزاي اتجوزتها بعد دا. معقول توفيق السبب." عند عايدة. "فرح فيه موضوع عايزة منك تعمليه بس مظبوط. بما أن راكان مش فاكر حاجة. وكمان سمعت أنه مش طايق ليلى ومفكر أنها السبب في موت سليم." ضيقت عيناها وتساءلت. "تقصدي إيه." وضعت ظرفاً بيديها. "الصور دي لازم توديها إلى راكان. وكمان زودي الجرعة إن سليم اكتشف خيانتها عشان كدا خرج مش شايف قدامه وعمل حادثة." أمسكت الصور. جحظت عيناها. "مش دا ابن عمها." ابتسمت بتهكم قائلة.
"قولي له عشقيها. وراكان اتجوزها لما هربت بالولد لعند عشيقها. وهو خاف من الفضيحة بعد ما الناس عرفت فحب يحمي العيلة من القيل والقال." "وراكان هيصدقني يا ماما." نهضت عايدة وجلست بمقابلتها. "أنتِ لازم تقنعيه. وهخلي فريال هتساعدك متخفيش هتسبكوها كويس. المهم يطردها بفضيحة."
بعد أسبوعاً والحال كما هو بينهما. بغرفة ليلى وخاصة بعد منتصف الليل. أنهت صلاة قيام الليل. جلست لفترة على سجادتها. شعرت بالاشتياق إليه. كيف يكون بينهما جدار ويحسب كأنه محيطات. هزت رأسها رافضة بعده. لقد قررت ونفذ الأمر. تناولت مأزرها ووضعته فوق منامتها الشفافة وتحركت متجهة إليه. هي تعلم أنه نائماً الآن. دلفت بهدوء إلى الغرفة. وجدته يغط بنومه. نظرت إلى وجهه الذي يعكس ضوء القمر عليه.
خلعت مأزرها وتسطحت بجواره تستمع بدفء أحضانه. اقتربت من أنفاسه واغمضت عيناها. اليوم فقط ستنعم بنوم هادئ دون كوابيس. اليوم هي تغفو بأحضان أمانها. زوجها حبيبها بل عاشق روحها. دلفت لأحضانه مراعية إصابته. تضع رأسها بحنايا عنقه. وتحاوط خصره. همست له بعدما طبعت قبلة سطحية على شفتيه. "بحبك." قالتها وذهبت بنومها وكأنها لم تنم منذ ثلاث شهور منذ حادثته.
استيقظ بعد فترة وجدها بأحضانه بتلك المنامة التي أصابت عقله قبل قلبه. هز رأسه وكل ما خطر على ذهنه أنها تقوم بإغرائه. تذكر حديث فرح وفريال. شعر بألم يفتك به. ولم يشعر بنفسه كلما تذكر تلك الصور وهو يدفع ذراعها بعنف عنه. حتى هبت من نومها فزعة مما أدى إلى آلامها. "مالك في إيه." صرخ بصوت هز أرجاء المنزل. "بتعملي إيه هنا. جاية أوضتي زي الحرامية وبتنامي في حضني بشكلك دا ليه. إيه جاية تغريني. لا فوقي اللي زيك."
وضعت كفيها على شفتيه. مع انسياب عبراتها. ورغم آلامها التي تحرق أحشاءها همست وعيناها كزخات المطر عندما فقدت سيطرتها بالكامل. "اسكت يا راكان. متكملش. هنخسر بعض وأنا مش عايزة أخسرك. اهدى من فضلك. بلاش فضايح الكل سمع صوتك دلوقتي." دموعها كالشلال. تهز رأسها رافضة نظراته وحديثه الذي أدمى قلبها. "قومي أمشي من هنا." استدارت متحاملة على آلامها التي ازدادت. -راكان اسمعني.
دفعها بقوة صارخًا عندما تذكر صورة أخيه وهو يقبلها وصورها الأخرى. -قلت بره. دفعها بقوة حتى سقطت من فوق الفراش على ظهرها تصرخ من شدة آلامها والدماء تنسدل بها. وغمامة سوداء تحاصرها. انسابت دموعها بقوة. حاوطت بطنها ببكاء وانهارت من آلامها تهمس: -هموت. بطني آه. قالتها ببكاء. ظن أنها تمثل عليه، ولكن شعر بانسحاب أنفاسه عندما نظرت إلى كفيها اللذين تلوّنا بالدماء. تهمس: -ابني. راكان ابني. ابنك.
ثم هوت على الأرضية لم تشعر بما حولها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!