الفصل 46 | من 52 فصل

رواية عازف بنيران قلبي الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم سيلا وليد

المشاهدات
22
كلمة
7,068
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

هل أخبروك بأن عيني في غيابك لا تنام؟ هل أخبروك بأن الفؤاد بعدك يأبى الكلام؟ هل أخبروك كيف تاهت نفسي مني بين الزحام؟ هل أخبروك محاولات قلبي للهروب إليك ليقرأك السلام؟ هل أخبروك بأن الحياة بعدك ماهي إلا ساعات وأيام؟ كذبوا لو أخبروك أني بدونك أكون على ما يرام. فيا عازف الناي، كفى لقلبٍ أنهكه الأحزان. مهلاً يا عازفي، فأي قسوة أنت معذبي. أرى الرحمة في القلوب موطنها، ولكن قسوة قلبك كالحجارة اخترقت الجدران.

مهلاً مهلاً يا معذبي، لقد حكمت وأصدرت القرار. فجف الحبر ورفعت الأقلام. كما رُفعت الجلسة وانتهى القرار. *** استيقظ بعد فترة، وجدها بأحضانه بتلك المنامة التي أصابت عقله قبل قلبه. هز رأسه وكل ما خطر على ذهنه أنها تقوم بإغرائه. تذكر حديث فرح وفريال، شعر بألم يفتك به، ولم يشعر بنفسه كلما تذكر تلك الصور وهو يدفع ذراعها بعنف عنه، حتى هبت من نومها فزعة مما أدى إلى آلامها. "مالك في إيه؟! صرخ بصوت هز أرجاء المنزل.

"بتعملي إيه هنا؟ جاية أوضتي زي الحرامية وبتنامي في حضني بشكلك ده ليه؟ إيه جاية تغريني؟ لا فوقي اللي زيك." وضعت كفيها على شفتيه، مع انسياب عبراتها، ورغم آلامها التي تحرق أحشاءها همست وعيناها كزخات المطر عندما فقدت سيطرتها بالكامل. "اسكت يا راكان، متكملش. هنخسر بعض وأنا مش عايزة أخسرك. أهدى من فضلك، بلاش فضايح، الكل سمع صوتك دلوقتي." دموعها كالشلال، تهز رأسها رافضة نظراته وحديثه الذي أدمى قلبها. "قومي أمشي من هنا."

استدارت متحاملة على آلامها التي ازدادت. "راكان اسمعني... دفعها بقوة صارخاً عندما تذكر صورة أخيها وهو يقبلها وصورها الأخرى. "قولت بررررة!! دفعها بقوة حتى سقطت من فوق الفراش على ظهرها تصرخ من شدة آلامها والدماء تنسدل بها، وغمامة سوداء تحاصرها. انسابت دموعها بقوة، حاولت بطنها ببكاء وانهارت من آلامها تهمس.

"هموت، بطني آه." قالتها ببكاء. ظن أنها تمثل عليه، ولكن شعر بانسحاب أنفاسه عندما نظرت إلى كفيها اللذان تلون بالدماء تهمس. "ابني، راكان ابني، ابنك." ثم هوت على الأرضية لم تشعر بما حولها. اتسعت حدقتاه بصدمة، اعتدل ولكن هناك غمامة سوداء حاصرته، ولم يعد لديه القدرة على الحركة، والألم بدأ يفتك بجسده كاملاً، ناهيك عن صداعه المزمن الذي يداومه. صاح بصوت مرتفع، ورغم ارتفاعه إلا أنه هزيل. "ليلى!

" حاول وحاول أن يتوقف ويسيطر على إغمائه. تحرك بهدوء متحاملاً على آلامه، إلى أن جثى بجواره، ثم رفع رأسها على ساقيه، حاول أن يفيقها. "ليلى... " ظل يردد اسمها. جذب هاتفه وقام بالهاتف لوالدته. "ماما تعالي أوضتي، ليلى بتنزف." هبت فزعة من نومها. "يا رب استرها، يا ترى إيه اللي حصل؟! استيقظ أسعد من نومه. "فيه إيه يا زينب؟! ارتدت مأزرها وهتفت بحزن.

"راكان كلمني وبيقول ليلى بتنزف، حبيبتي بقالها شهر بتضغط على نفسها عشان متزعلوش وهو مش راحمها." اتجهت للخارج وهاتفت سيلين. كانت تغفو تتوسد ذراعه، يحاوطها بذراعه الأخرى. استمع إلى رنين هاتفها، جذبها لأحضانه، وبسط كفه يتناول هاتفه. نظر بساعته وتحدث. "إيه ده؟ خير يا رب." "أيوة يا طنط... " تحدثت سريعاً. "كويس يا حبيبي إنك صاحي، ليلى بتنزف يا يونس، تعالى بسرعة، معرفش ابن عمك عمل فيها إيه."

نهض سريعاً من فوق فراشه، بعدما وضع زوجته على الوسادة، خرج ووصل بعد أقل من دقيقتين. بغرفة راكان. دَلفت زينب، وضعت كفيها على صدرها مذهولة من حالتها الشاحبة. "إيه اللي حصل يابني؟ " أطبق على جفنيه متألماً. "زقيتها ياماما ووقعت،" قالها بانهيار. جحظت عيناها وانعقد لسانها للحظات وهي تجذب أسدالها. "اعدلي مراتك يا حضرة المستشار، يونس جاي خليني ألبسها، ولا عايزاه يدخل وهي باللبس ده." قطب حاجبه متسائلاً: "ويونس جاي ليه؟

" أعدلتها زينب عليه جالسة، ورفعت نظرها تنظر إليه بغضب. "امسك مراتك ضمها، ولا أخلي يونس يشيلها كده." حاوطها بذراعه يقربها إليه بتملك. هنا هزة عنيفة أصابت جسده من رائحتها التي اخترقت رئتيه بعنفوان، وكأنها ملاذه. جذبها مرة أخرى أقوى حتى اختفت بأحضانه. ثم جذب أسدالها من والدتها وألبسها وهو يضمها بذراعه، ووالدته تساعده. توقفت والدته واتجهت للأسفل. "هشوف يونس جه ولا لسة." أوقفها قائلاً:

"هاخدها المستشفى، مش عايز يونس يكشف عليها." قالها متحاملاً على نفسه، ومازالت إغمائه يسيطر عليه بقوة. "استنى يا راكان، اتجننت؟ ناسي ضهرك يابني، إحنا مصدقنا إنك بدأت تتحرك، وممكن تقع بيها لا قدر الله ودي حامل." قالتها حتى تقنعه. تحركت وهي تحثه على الهدوء والتمهل. جلس بجوارها يمرر يده المرتجفة على ملامحها، وينظر إليها بعقل وقلب مشوش. ملس على وجهها حتى وصل إلى شفتيها، ارتعشت أنامله وهناك ذكرى أصابته بقوة.

"دي فراولة طبيعي، متنسيش الفراولة دي خاصة براكان بس." وضعت رأسها بعنقه تستنشق رائحته. "مش الفراولة بس حبيبي، ليلى كلها ملك." رفع ذقنها بعدما أخرجها من أحضانه، ملتقطاً كرزيتها. كور قبضته يضغط عليها يهز رأسه رافضاً ما شعر به كيف كانت حياتهم هكذا، وهي التي كسرته أمام نفسه. دلف يونس بجوار زينب، ثم قام بحملها دون حديث. أوقفه غاضباً: "انت إزاي تعمل كده من غير ما تاخد رأيي؟ تحرك بها يونس وهو يتحدث. "انت مين عشان آخد رأيك؟

انت ولا حاجة، واحد عايز يقتل ابنه بإيده." شعر وكأن تحت أقدامه فوهة بركانية، زوجته بين ذراع رجل غيره. تحرك خلفه، بعدما جذب معطفه. وصل إليه وجده يضعها بجوار زينب. اتجه بجوار يونس. وصلوا بعد قليل، استدار يونس ليحملها. أوقفه بتحذير. "استنى عندك، خليهم يجيبوا سرير." حاوطها يرفعها من خصرها حتى حملها. صرخت والدته. "راكان اتجننت، انت تعبان." وصل يونس بالمقعد المتحرك ووضعها بحنان. توقف متألماً لبعض الوقت، ثم تحرك خلفهم.

وصل إلى الغرفة التي يتم الكشف بها، دلف بهدوء بعدما أشار إليه يونس. "جوه الدكتورة بتكشف عليها." دلف بهدوء بعدما طرق الباب. بحث بعينيه عليها وجدها متسطحة على الفراش وبدأت تفتح عيناها في بداية إفاقتها. تلاحقت أنفاسه الحارقة من شدة النيران التي تعصف بجسده عندما استمع إلى الطبيبة. "ممكن أعرف ليه يا مدام ليلى مبتحفظيش على نفسك؟

آخر كشف حذرتك من التوتر، للأسف الجنين وضعه مش تمام، ولازم تتحجزي في المستشفى لحد ما ندخل للشهر الثامن، الجنين مكملش لسة." ألقى بجسده على المقعد وهو ينظر إلى الشاشة وترقرق الدمع بعينيه، من العاطفة التي اجتاحت جسده وهو يسمع إلى نبضه. تساءل بلسان ثقيل. "يعني هيعيش يا دكتورة... " أطبقت على جفنيها من صوته الحزين. اعتدلت بمساعدة زينب التي انتظرت إجابة الطبيبة.

"هي هتتحجز عشان أقدر أسيطر على الوضع في أي وقت. النبض ضعيف جداً، غير كمان المدام عندها سكر حمل، والجنين نزل في منطقة الحوض." اتجهت بنظرها إلى ليلى. "حذرتك من شهر وقولتلك حاولي تبعدي عن أي انفعال، واللي كنت خايفة منه حصل. النزيف مش حلو أبداً وخصوصاً إن في أعضاء في جسمه مكملتش. الموضوع مش موضوع رئة للأسف." *** نهض متحركاً متجهاً إليها عندما وجدها تحاوط جنينها بكفيها، وانسابت عبراتها بشهقات.

"أنا موافقة أقعد هنا، بس المهم ما يحصلوش حاجة. أنا خسرت واحد قبل كده مش مستعدة أفقد واحد تاني." ضمتها زينب لأحضانها. "الدكتورة لسة بتقول إيه حبيبتي، لازم الهدوء." وصل إليها، ثم ضمها من أكتافها. "آسف مكنش قصدي صدقيني... حاوطت خصره وكأنها لم تحتاج غيره يضمد روحها. شهقت ببكاء مرتفع. "مدام ليلى لو سمحتي، أنا لسة مخرجتش من الأوضة، الانفعال ده ممكن يخسرك طفلك." انحنى ليطبع قبلة على رأسها.

"اهدي يا ليلى، لو عايزة ابننا يجي بالسلامة... " رفعت عيناها تحتضن نظراته. يكفي أنه بجانبها ويدعمها حتى بعد ما فعله. "عايزة يا راكان، عايز الولد." حرب شعواء بدأت بداخله، هناك أحداث متضادة تضرب عقله بقوة. كيف له أن يتعامل معها بعد ما صار بينهما وما عرفه؟ ولكن عليه الهدوء حتى يعلم ماذا حدث في السبع سنوات الماضية. هل ربه رحيم به حتى أزالها بالكامل؟ أم شيء آخر. أومأ برأسه وأردف.

"هو فيه أب يرفض عياله يا ليلى." افتَّرت شفتيها بسمة أمل وهي ترفع كفيها إلى وجنتيه. "انت أحسن وأحن أب في الدنيا." حمحم مبتعداً واتجه بنظره إلى الطبيبة التي تتحدث مع زينب. "خلاص يا دكتور، شوفي اللازم واعمليه. المهم الولد يكون كويس ويجي بصحة كويسة." بعد فترة كانت تغفو بسبب الأدوية التي حقنت بها، دَلفت سيلين بجوار يونس إليها. "ماما ليلى عاملة إيه دلوقتي... " اتجهت إلى يونس وعيناها تسائله برجاء.

أطبق على جفنيه واتجه إليها يربت على كتفها. "هي كويسة متخافيش، وأنا هتابعها بنفسي. شوفت السونار وكل حاجة، زي ما الدكتورة قالت بس ميه الجنين للأسف بتقل." جلست سيلين تطالع شحوب ملامحها بحزن. "يا حبيبتي يا ليلى، صعبانة عليَّ أوي يا ماما، دي كانت بتعد الأيام عشان يجي." ملست على وجهها وتساءلت. "يونس وشها شاحب خالص، مفيش حاجة تغذيها شوية؟ أشار إلى محلولها وأجابها.

"حبيبتي ده فيه كل حاجة، سيبوها ترتاح، أنا خصصت ممرضة على قدها بس." نهضت زينب واتجهت إليه. "يونس راكان مش في حالته، لازم تاخد بالك عليها كويس، مفيش حد يدخل عندها غير حد واثق فيه. الممرضات يا حبيبي كلمة بتوديهم وكلمة بتجيبهم." "متخافيش يا ماما زينب، إن شاء الله كل حاجة هتكون تمام." أشارت سيلين إلى الفراش الآخر. "ده عشان راكان ولا الممرضة؟ تحرك للخارج وهو يحتضن أكتافها. "راكان...

والله نفسي أضربه، اللي حايشني عنه أنه مش فاكر حاجة. ربتت زينب على ظهره. -هو معذور يا حبيبي، المهم أنت خلي بالك كويس. أنا لازم أرجع البيت عشان الولاد. -طيب راكان فين يا يونس؟ تساءلت بها سيلين. -راح لنوح، قالي تعبان ومش قادر أقعد، فعلاً زي ماما زينب ما قالت. بمزرعة نوح.

وصل إلى المزرعة وظل بالسيارة لبعض الدقائق. بدأت ذكريات تظهر أمام عينيه ولكن بصورة غير واضحة. ترجل من السيارة متجهاً إلى اسطبل الأحصنة. نظر حوله بضياع، توقف وكأن هذا المكان يربطه بها. تحرك بين الزروع، يتحرك بخطوات متمهلة. تذكر حديثها. -ابعد عني وإياك تقرب مني. أنت ولا حاجة. أنا دلوقتي مرات أخوك، وبعد كام يوم فرحنا. قالتها وتحركت من أمامه.

ظل يتحرك ببطء، ورغم خطواته البطيئة إلا أن أنفاسه كانت كالمتسابق في سباق. وصل إلى مكان ما يحاط ببعض أشجار الفاكهة. جلس على بعض الأعشاب وسحب نفساً لينظم عملية تنفسه عندما شعر بإنسحاب الأكسجين. أطبق على جفنيه وشعر باحتراق جفنيه من دموعه التي حاول منعها. ولكنه فتح عيناه فجأة ولاحت ذكرى أمام عيناه. -بحبك مولاتي.

قالها وهو يقتنص ثغرها. بدأت بعض الصور تظهر أمامه بوضوح، وهي تعانقه وتتراقص معه على أنغام الموسيقى. صورة خلف صورة، وذكريات قديمة مع ذكرياته التي بدأت تضارب عقله. تسارعت أنفاسه. كور قبضته يضغط بعنف حتى شعر بتمزق وريده.

آه حارقة خرجت من جوفه وهو يمسك رأسه ويضغط عليها بصرخات وأنين قلبه الذي لا يعلم بما يشعر. تضارب ماضي مع حاضر وأحداث غريبة وشعور مخيف سيطر عليه، حتى شعر بدوران الأرض تحته. وغمامة سوداء بدأت تداهمه بقوة. وصل إليه نوح وتوقف على بعد مسافة يناديه، ولكنه لم يستمع إليه من أصوات دماغه التي تضاربه بقوة. وصل نوح إليه. -راكان.. إيه يا ابني بنادي عليك من فترة؟

رفع عينيه التي تحولت للون الأحمر من غضبه وآلامه. فهمس عندما شعر بعدم سيطرته على الإغماء. -نوح.. قالها ثم سقط على الأرضية. ذهل نوح من حالته. جثى إليه محاولاً إفاقته. رفع هاتفه يحاكي يونس. -يونس الحقني راكان أغمى عليه وميفوقش. كان يونس عائداً بزينب وسيلين فتحدث بهدوء حتى لا يشعر أحداً. -حبيبي يا نوح، هوصل ماما زينب وهعدي عليك حاضر. مش هتأخر. اتصل بالدكتور يشوفها. -هي أسما تعبانة يا يونس؟ تساءلت بها سيلين.

كان يونس شارداً يتذكر حديث الطبيب. -هو حالته هتكون متقلبة. يعني ممكن يكون كويس وفي لحظة يتحول ويشتكي من دماغه. وممكن يتعب ويوصل للإغماء لو حاول يضغط على نفسه عشان يتذكر. -يونس.. صاحت بها سيلين. اتجه بأنظاره. -نعم حبيبتي!! -نعم حبيبتك، بقالي ساعتين بكلمك على فكرة وأنت مش هنا. بسأل أسما عيانة. قطب جبينه متسائلاً. -أسما مين؟ جحظت عيناها ترمقه غاضبة. -أسما مرات نوح، كنت بكلمه وبقوله شوفلها دكتور. حمحم

عندما شعر بالارتباك فأردف: -آه، بيقولي تعبانة وبيغمى عليها وبترجع. -ليكون حامل.. قالتها زينب. أفلت ضحكة وهو يشير بيديه. -قولي يارب، واهو يكملوا الخامس. أصلهم مابيجبوش غير التوأم. ضحكت سيلين تلذعه. -هتنق عليهم يا دكتور، قول ماشاء الله. دنا يغمز إليها: -أنا مش قصدي حاجة يا سيلي، أنا قصدي إنهم عندهم مزاج عالي أوي. هجيب منه الوصفة. ضحكت زينب عليه. -فعلاً دكتور ستات يا ابني زي ما قالوا. رفع بصره بمرآة السيارة قائلاً:

-والله يا ماما زينب أنا مظلوم مع بنتك. بصي شوفيها كدا، هتروح تصرخ وتقول، بطني وجنبي وتنام. قهقهت سيلين تضرب كفيها ببعضها. -عايزني أعمل إيه يا دكتور، أطنطط ولا إيه. أشار بكفيه عليها. -شوفتي اهو.. يا بنتي بنتك متعرفش عنك حاجة. لولا أمير وكوكي كان زمانها اتشردت. عقدت ذراعيها متأففة: -مش هتكلم عشان حضرتك ناسي حملي، وعارف النوم دا غصب عني. جذب رأسها ثم لثم جبينها. -حبيبة قلبي بهزر معاكي...

وصل بعد قليل إلى مزرعة نوح، وجد الطبيب مغادراً. توقف أمامه. -ماله راكان يا دكتور؟ وليه أغمى عليه؟ -دا عادي يا دكتور يا يونس، أنا فهمتكم قبل كدا. أنا غيرت العلاج وإن شاء الله يتحسن عليه. بالداخل. جالساً على الأريكة يحتضن رأسه بين راحتيه. دلف يونس بجوار نوح. -راكان.. قالها يونس بهدوء. رفع بصره وأومأ برأسه. -أنا كويس الحمد لله، لازم أمشي. هروح لليلى عايز أطمن عليها. -مالها ليلى.. تساءل بها نوح.

دلفت أسما بالقهوة واستمعت إلى سؤاله. -ليلى فيها حاجة.. جلس يونس بجواره، يطالعه بحزن، ثم أجابه. -تعبت واتحجزت في المستشفى، واحتمال تخسر الولد. شهقة خرجت من جوفها. فتحركت تضع الذي تحمله. أمسكت كوب العصير. -اتفضل ياحضرة المستشار. رفع نظره إليها يتناول كوبه، وذاكرة أخرى تحاوطه عندما استمع إلى صوتها. -ليلى اتجوزت سليم عشان تنقذ أختها.. أغمض عينيه متألماً ثم نهض بهدوء. -أنا هروح المستشفى..

قالها وتحرك للخارج. نظر نوح إلى يونس. -إيه اللي حصل.. ربت يونس على ظهره وتحدث. -ولا حاجة، همشي وبعدين نتكلم. وصل إليه بالخارج. واستقل السيارة بجواره، وهو يتجول بأنظاره على المكان كالغريب الذي أضاع طريقه. حمحم يونس مؤنباً نفسه ثم تحدث. -راكان ليه جيت هنا وأنت تعبان.. رجع بجسده وأطبق على جفنيه. -يونس مش قادر أتكلم، وديني لليلى لو سمحت، مش قادر أسوق.

وصل بعد قليل للمشفى، كانت قد استيقظت منذ فترة. بحثت عنه ظناً من أنه بجوارها، ولكن ليست الأمنيات بالتمني. رفعت كفيها تزيل عبراتها التي تكورت بجفنيها، ثم وضعت كفيها تحتضن أحشاءها. تذكرت أبناءها. أمسكت الهاتف وهاتفتهم. أجابها أمير سريعاً. -مامي، حضرتك فين!! سيطرت على نوبة بكائها وأردفت: -ميرو حبيبي عامل إيه. واختك حبيبي بتعمل إيه. صحيت؟

اتجه إلى كيان التي تجلس تمط شفتيها وتضع كفيها على وجهها بحزن. جلس بجوارها وفتح الكاميرا الخاصة بمحموله. -مامي كلمي كوكي فيديو. فتحت هاتفها، ظهرت أمامها صورة ابنتها العابسة. قطبت جبينها متنصلة العبوس. -كوكي عاملة ليه كدا، شكلها نوتي أوي. هزت رأسها وبكت. -مامي أنا زعلانة، مشيتي أنت وبابي وسافرتوا وسيبتي كوكي هنا. كوكي زعلانة من مامي وبابي. ثم أعطت الهاتف لأخيها وتحركت تصيح. -انطي داليا، انطي داليا...

تنهدت بحزن ثم اتجهت لأبنها. -أمير خلي بالك من أختك حبيبي، متخليهاش تاكل شوكولاتة كتير. حاول متخليهاش تزعل. دلف راكان بتلك الأثناء. رفعت بصرها إليه وتقابلت النظرات للحظات ثم اتجهت واسترسلت. -خليها تروح لقمر، ولو حبت تبات هناك، متزعلهاش بس خلي بالك منها. -أوكيه يا مامي. -حضرتك هتتأخري عندك؟ انبثقت عبرة رغماً عنها. -لا يا حبيبي، مامي تعبانة شوية. هقعد عند الدكتور يومين عشان أرجعلك بزين. مش أنت عايز البيبي؟ -ياااس.

قالها الطفل بفرحة. -أوكيه يا مامي. متخافيش على كوكي. بوسيلي بابا أد البحر. رفعت نظرها للذي جلس صامتاً على المقعد وأجابته. -حاضر يا حبيبي. قالتها ثم أغلقت هاتفها تضعه بجوارها، وتراجعت بجسدها تغمض عيناها تنتظر حديثه. انكمشت ملامحه بألم، فنهض مقترباً منها بخطوات سلحفية. فقد كان الألم بداخله أقسى من أن يوصف ممزوجاً بالخوف والحزن في آن واحد. هناك حروب بين عقله وقلبه. قلبه الذي يتمنى قربها، وعقله الذي ينفرها بكل قسوة.

حاول الضغط والسيطرة على نفسه حتى يصل لمبتغاه. تحامل على نفسه واتجه إليها. جلس بجوارها، وشعور يراوده أن يضمها لأحضانه. رائحتها التي استحوذت عليه، حالتها التي بها، قلبه الذي يئن ويدمى، كل هذا يضاربه بقوة. لم يشغل عقله كثيراً، فجذبها يحاوطها عندما غلب القلب العقل. وضع ذقنه على رأسها، وهو يحاوط جسدها بذراع، ويضع كفيه على أحشائها. هزة عنيفة أصابت جسده. أغمض عينيه وحاول أن يسيطر على ضعفه بحوذتها. سحب نفساً هامساً لها.

-ليلى احكيلي إزاي اتجوزنا بعد اللي حصل. عايز أعرف لو سمحت. كان همسه كزخات المطر الذي ينزل بصحراء قاحلة ليحولها إلى أرض تدب بها الحياة. رفعت أناملها على وجهه وتعمقت بشمسه تشبع روحها الضائعة منذ فقدانه. تمسحت به كقطة أليفة يكفيها هذا الشعور. لا تترك شيئاً يعكر نقاء حياتهم التي صفت بعد مرورهم بالصعاب. همست له بصوتها الحنون: -أهم حاجة لازم تعرفها، إنك كنت روحي وأنا روحك يا راكان.

دا المهم في اللي عدى. لمساتها له بتلك الطريقة ماذا تعني؟ كيف لها أن تعامله بتلك الطريقة بعد ما صار بينهما؟ ظلت نظراته ترمقها بهدوء وعقله ينفي حديثها، فتساءل. -سليم مات إزاي.. باغتها بسؤاله الذي نزل على قلبها كالصاعقة. تجمدت كفيها على وجنتيه وترقرق عيناها بطبقة كرستالية. ظلت لفترة تحاول أن تسيطر على ألمها وهمست. -مش فاهمة سؤالك؟ تراجع للخلف ونظر إليها بغموض متسائلا: -إيه اللي في سؤالي مش مفهوم؟

عايز أعرف إزاي أخويا مات؟ هو ماكنش مريض. حررت من صدرها نفسًا ناعمًا عندما أيقنت حربه الداخلية، فأعتدلت بجلوسها تطالعه بأنين قلبها. -سليم مات في حادثة. قطب مابين جبينه. -مات في حادثة إزاي وسليم بيعرف يسوق كويس؟ فركت كفيها عندما عجزت عن الرد عليه، ماذا تقول له؟ أنه السبب. -عادي يارا، كان هما كل اللي بيعملوا حوادث بيكونوا مبيعرفوش يسوقوا. انعقد حاجبه وتحدث: -دي مش إجابة، إنت بتحاولي تخبي حاجة.

نزلت بساقيها بهدوء من فوق الفراش بعدما أزالت الكانولا وبسطت كفها له. -تعالي معايا نروح مشوار. نظر إليها ثم نظر لكفيها، فنهض واقفًا متجاهلاً كفيها، تحرك متجهًا للنافذة وأخرج تبغه ينفثه وينظر للخارج ثم تحدث وهو يواليها ظهره: -بحاول أقنع نفسي إننا اتعاملنا كزوجين، بس الفكرة مش مقنعة. استدار يرمقها وهي مازالت واقفة فتحدث: -نسيتي قولتي إيه قبل فرحك على أخويا. تحرك إلى أن وصل أمامها ونظر لسواد ليلها.

-أقنعي عقلي إزاي وافقت عليكي وإزاي إنت وافقتي بعد اللي حصل بينا. دنى منها حتى اختلطت انفاسهما. -أقنعي عقلي إنك خلتيني في وقت من الأوقات أقرف من نفسي وكنت على لحظة هخون أخويا اللي هو روحي. قطبت جبينها غير متداركة لما يقوله، أمسكت كفيه واحتضنته. -عمرك ماكنت خاين أبدًا، ولا عمرك حاولت تقرب مني وأنا متجوزة. ابتسم بسخرية وتلك الأيام تضارب عقله بقوة، فهز رأسه كالمجنون وأجابها: -أيوه، عايز أعرف مين فينا اللي خان سليم.

تجمد جسدها حتى شعرت بانسحاب أنفاسها، وصخرة قوية تطبق على صدرها حتى منعت تنفسها، فشحب وجهها تنظر إليه بصدمة وذهول، ولم تشعر بعبراتها التي أغرقت وجهها وتمتمت بتقطع: -تقصد إيه؟ ارتجف جسدها وهو يسحب نظره بعيدًا عنها. تراجعت للخلف تستند على الجدار حتى تصل للفراش عندما فقدت توازنها، تضع كفيها على أحشائها، جلست بهدوء رغم نيران صدرها وارتجافة جسدها، تسطحت على الفراش بقلب يئن ويدمي من حبيب خذلها، لم تعد تحتمل قسوة كلامه.

ابتلع كلامه واتجه إليها بعدما وجد حالتها، هو يعيش حربًا طاحنة، لم يشعر به أحد. جلس بجوارها ثم حمحم: -ليلى، عارف إنك مضايقة من كلامي، بس عايزك تساعديني. رفرفت باهدابها وصوته الحزين جعلها غير قادرة على تجنبه، هي تعلم بضياعه ولكن كيف لها أن تتحمل اتهاماته الشنعاء. -فيه مكان عايزة نروحوه، ممكن تساعدني نروح هناك من غير كلامك المؤذي لروحي. -طبعًا حبيبي. ابتسمت عيناها من كلمته التي أخرجها بعفوية.

انعقد لسانه وتاهت مفرداته ولم يقو على الحديث عندما نظرت إليه بحب، هو لا يعلم كيف أخرجها، ولكن شعر بدقات عنيفة أصمت أذنه، فنهض قائلاً: -يلا، ووعد مش هزعلك. ابتسمت رغم حزنها القاطن بقلبها، واتجهت بخطوات هزيلة وكفيها يحتضن بطنها التي بدأت تؤلمها. *** دلف الممرضة تنظر إليها بذهول. -الحركة ممنوع يا مدام. طوقت ذراعه وابتسمت للممرضة قائلة: -هنروح مشوار ونرجع، وإن شاء الله مفيش حاجة هتحصل لبيبي. باباه معايا.

قالتها وهي تنظر بعمق عينيه. أطبق على جفنيه عندما استنشق رائحتها، ولمسة كفيها الناعم لأنامله، عقله محصور، وصدره مقبوض، ودقات نارية بقلبه، لا يعلم مصدرها أكان عشق أم ألم وفراق، كل ما يشعر به آلام قلبه منها في ذكرياته المستعصية النسيان. تحرك بهدوء بجوارها، نظر لوشاحها وخصلاتها التي تدلت منه. -استني. توقفت تطالعه باستفهام ظناً رفضه للخروج.

رفع كفيه وخبأ خصلاتها تحت حجابها، انفاسه كانت قريبة منها، شعرت بمعزوفة قلبها، تمنت عناقًا منه يحطم ضلوعها، لم تفكر كثيرًا، حاوطت خصره ووضعت رأسها بصدره تستنشق رائحته المختلطة برائحة عطره ورائحته الرجولية، تجمد كفيه من فعلتها وشعر بتذبذب بجسده كاملاً، استمع لهمسها. -هنا أماني وتعلقي وعشقي الذي آلمني حد الوجع، هنا المعنى الحقيقي للحب. رفعت وجهها وتعانقت نظراتهما. -دقاتك دي خاصة بيا أنا وبس، مستحيل قلبك يكون ملك لغيري.

رفعت كفيها ووضعته فوق نبضه. -ده ملك ليلى بس. ظل يطالعها بنظرات مشتتة، ودقات تصيب قفصه الصدري، كيف لها الثقة من حبي لها، وهي التي أوجعتني حد الموت، نعم هو عشقها، ولكنها أوجعته، واستباحت نزيف روحه. حمحم ثم أنزل كفيها واحتضنه بين كفيه متحركًا للخارج ثم أردف: -قولتي هنروح مشوار، نسيتي ولا إيه. وصلت بعد قليل إلى المنزل الريفي الذي ابتاعه لتحويله لدار للمفقودين.

هناك إصلاحات كثيرة بجوار المنزل، ولافتة كُتب عليها "دار ليلى للمفقودين"، وبجوارها مدرسة ومسجد مكون من ثلاث طوابق، جذبت كفيه وتحركت إلى المنزل البسيط بجوار الدار، خصص هذا المنزل لها بعيدًا عن الدار حتى يكون لخصوصيتها عندما تأتي إليه. دلفا حتى وصلا إلى الأريكة، جلست عندما شعرت بوجع. وزع نظراته على المنزل بالكامل، ثم توجه إليها. -البيت ده بتاع مين؟ تساءل بها راكان. ابتسمت وأشارت إلى الأريكة.

-ممكن تيجي ترتاح، أنا تعبت من الحركة والكلام، ممكن تاخدني في حضنك شوية. نهضت واتجهت إليه تحتضن وجهه بين راحتيه. -لو سمحت حبيبي مش طالبة منك غير إنك تاخدني في حضنك شوية بس. حاوط نظراته بالمنزل، وأصوات كثيرة متداخلة. -بابي يالا عشان تجبلي مانجو، حبيبي يالا عشان نطفي الشمع. تخيل حركات أمير حوله بالمكان، وهناك طفلين آخرين لم يعلمهما، خرج من تخيلاته على صوتها وهي تستند برأسها على كتفه. -حبيبي عمرك ما بعدتني عن حضنك.

رفعت نفسها وحاوطت عنقه، مش يمكن لما تاخدني في حضنك وتحس بحبي بعدها تفتكر حياتنا. انحبس النفس بصدره، ونبضاته تتسارع وتساعد قلبه على ضخ الدم لمخه الذي صار بعد ما تخيل علاقتهما المتقاربة. تراجع للخلف وكأن عضلاته لسانه تعطلت، وأصيب بجلطة شلت مخارج الحروف، وبالكاد استطاع الوصول إلى الأريكة وألقى نفسه فوقها، يمسح على وجهه بعنف، يبعد تلك الصور التي تضرب ذاكرته، حاضره بماضيه. دنت منه بعدما وجدت تشتته.

جثت أمامه واحتضنت كفيه الذي شعرت ببرودهما، ثم رفعته وطبعت قبلة حانية عليه. -عارفة تشتتك، بس متأكدة إنك هتفتكر كل حاجة، عندي أمل في ربنا كبير، ماهو مش هقدر أقف قدام ده لوحدي. دنت من شفتيه ثم طبعت قبلة بجوارها، ونظرت لعينيه هامسة: -مش بتفتكر أي حاجة خاصة بينا أبدًا.

ابتلع غصة مريرة عبأت جوفه بطعم الصدأ عندما اهتز داخله من قبلتها حتى تمنى قربها، طالعها بنظرات متسائلة حائرة غير مستوعب شعوره، دقات عنيفة أصابته، هنا فقد السيطرة وتحكم قلبه، فجذبها يحثها على الوقوف، نهضت ببطء وجلست بجواره. تلاقت النظرات بينهما بالعشق، فاقتربت تضع رأسها بعنقه تستمتع بقرب أنفاسه، وآهة خفيضة خرجت من بين شفتيها. -راكان صدقني حبيبي إحنا بنحب بعض أوي، إزاي قلبك مش حاسس بيا، مش بيقولوا القلب بيصدق قبل العقل.

رجفة قوية أجتاحت جسده، رفع ذراعه وحاوطها يضمها بعنف، مطبق جفنيه، تاركًا لقلبه سلطة التحكم. ابتسمت بأحضانه وتمسحت به كالقطة أليفة تهمس له بأعذب الكلمات العاشقة لروحيهما. أخرجها من أحضانه، ينظر لسواد ليلها الذي انطفى بريقه، لامس وجنتيه بإبهامه، عضلات وجهه ثابتة رغم رعشة قلبه من قربها، شعرت بتخبطه، لمست ذقنه وابتسمت حتى أنار وجهها. -بحبك معذبي.

ثم طبعت قبلة مطولة على خاصته، ابتعدت ودقاتها العنيفة التي شعرت باختراق صدرها منتظرة ردة فعله، حاولت معه بشتى الطرق مثلما قال لها طبيبه. ظل ثابتًا جامدًا بمحله، نظرات فقط إليها، سحبت نفسًا وأخرجته بهدوء، تحاول السيطرة على ألم قلبها. وضع كفيه على شقه الأيسر تحديدًا موضع نبضه عندما شعر بألم ووخز يعيق خروج تنفسه قائلاً:

-ده بيوجعني أوي، مش عارف من إيه، إزاي اتجوزنا يا ليلى بعد اللي حصل، بعد ما بعتيني وجيتي وقفتي قدامي وقولتي هوجعك لما أتجوز أخوك، كنتي بتنتقمي مني ببشاعة مش كده، ليه معرفش. اتسعت حدقتاها بصدمة، تهز رأسها رافضة. زفرت بنفاذ صبر وأصبحت قاب قوسين أو أدنى من فقدانها للوعي بعد حديثه المؤذي، ناهيك عن آلام جسدها. تراجعت بجسدها للخلف وسحبته، تضع رأسه على ساقيها. -حبيبي ريح دماغك دلوقتي وإن شاء مع الوقت تفتكر كل حاجة.

تسطح مغمض عينيه يهرب من حصارها الذي فرضته عليه. حركت كفيها بخصلاته، وابتسامة سعيدة تشق ثغرها. تحدثت حالها: -الحمد لله، المهم هو جنبي. مرت دقائق وهي تطالعه بنظراتها العاشقة، جذب كفيها ووضعه تحت وجنتيه بعدما طبع قبلة عليه هامسة مابين النوم واليقظة. "بحبك مولاتي". اتسعت ابتسامتها بحبور قلبها، وانحنت تطبع قبلة على ثغره. -ومولاتك بتعشق معذبها حبيبي.

ظلت كما هي منحنية بجسدها تضع جبينها فوق خاصته، حتى شعرت بآلامها، نزلت بجسدها بعدما وضعت رأسه على الوسادة، وتسطحت بجواره، مقتربة من أنفاسه ثم ذهبت بنومها. استيقظ على رنين هاتفه، وجدها تدفن رأسها بعنقه، رفع خصلاتها ووضعها بهدوء يطالعها بصمت. -أنا بحب ليلى أوي يا راكان وخايف متكونش بتحبني. صدي صوت أخيه بأذنيه. ضحكات صاخبة من سليم وهو يحملها ويدور بها بسعادة. -هكون بابا.

رفع كفيه المرتعش على وجهها ومازالت نظراته ثابتة بجمود، وذكرى أخرى. -اتجوزك، بعد ما كنت مرات الباشمهندس سليم المحترم اتجوز واحد بتاع ستات كل ليلة في حضن واحدة. تراجع بجسده بعيدًا عنها، وصدى صوتها. "ماكرهتش حد قد ما كرهتك يا راكان البنداري". -ماما قولي لابنك المحترم يبعد عندي. وضع كفيه على أذنيه، وكأن بداخله حمم بركانية، انفجرت داخل مخه الذي أنكر ارتباطه بها، بكرهك يا راكان يا بنداري. قاطع وسواسه وأصواته الصاخبة بعقله.

صرخة عاتية خرجت من أعماق روحه، فنهض فزعًا من جوارها، حتى شعرت به، فاعتدلت. -حبيبي مالك تعبان ولا إيه، يالا نمشي عشان دواك. لم يتحمل صوتها، كفى وجوده بجوارها. نهضت ووصلت إليه، حاوطت خصره. -حبيبي، حاسس بإيه؟ -بااااس، اخرسي مش عايز أسمع صوتك، وزي ماقولتلك قبل كده، أنا مش فاكر اتجوزتك إزاي، ولحد ما افتكر اياكي تقربي مني. نظر إلى بطنها وأشار عليها بمقت. -ويمكن ده كمان ما يكونش ابني. -ولا...

تحاملت على نفسها ووصلت إليه تضع كفيها على فمه، وانسابت عبراتها. -خلاص، أنا مش مراتك، ولا كأننا اتجوزنا، واعتبره مش ابنك، بس اياك ثم اياك تطعني في شرفي يا حضرة المستشار!! دموعها زخات مطر من عينيها. ارتجفت شفتيها كما اهتز جسدها من شهقاتها، وأكملت بانين قلبها: -بص عليا واحفظ شكلي دا كويس. بس مش عايزاك تحفظ دموعي ووجع جسمي. احفظ إنك كسرت قلبي وولعت فيه، حتى بقيت من غير قلب.

شهقة ملتاعة خرجت من صدرها، ورفعت عيناها الباكية، ولكزته بصدره: -بدل ما أحس بيك، يبقى مالهوش لازمة الكلام. وأنا أوعدك.. وعد من ليلى المحجوب. وافتكر الاسم دا كويس. ليلى المحجوب مش ليلى البنداري أبداً. لأبعد عنك وأرميك من حياتي. ده انت حتى لمست ثغره، وأكملت بقلبها الدامي الذي ينزف: -عشان ليلى البنداري دفنتها بإيدك يا حضرة المستشار. حاولت وضغطت بس انت دوست. دوست أوي وعديت. وزي ما قلت لك طول حياتي، انت معذب قلبي وبس.

تراجعت بخطواتها متجهة للخارج بخطوات مبعثرة، وقلب مفتت محطم. تحرك خلفها إلى أن وصل إلى السيارة. وجدها تجلس بالخلف تغمض عينيها. همست من بين آلامها: -وديني المستشفى بسرعة. شعر بالعجز أمامها، هكذا كانت حالته الميؤوس منها، كأنه مأسور خلف قضبان عقله. قام بتشغيل المحرك يتابعها من مرآة السيارة. وضعت كفيها على أحشائها متألمة، وشعور بسائل لزج يخرج من بين سيقانها.

شهقة خرجت من فمها، وضعت كفيها على شفتيها عندما علمت بفقدان جنينها. أما عنده، تخيل بكائها من حديثه. ظل يقود سيارته بهدوء رغم حربه الشعواء التي تضرب عقله وقلبه. فجأة توقف بالسيارة حتى اصطدم بالقيادة، متجها إليها وعيناه لهيب كنيران جهنم، ثم قال: -افتكرت إزاي حملتي في كيان.

فتحت عيناها عندما كانت تغلقها من الألم الذي تشعر به. ورغم توقف السيارة بتلك الطريقة، إلا أنها لم تشعر سوى بتخبط جسدها بقوة. ثم استندت مرة أخرى بالمقعد. غمامة تضربها، وكأن صوته يصل إليها من مسافة بعيدة. أكمل حديثه الذي حطم قلبها وجعل آلامها أضعاف مضاعفة حتى وصلت حالتها إلى الإغماء، وانتهت الرحلة مع جنينها عندما صرخ بها قائلاً: -بعتيلي ليلة يا مدام بمقابل فلوس، عشان كدا حملتي في كيان. نظر إلى بطنها وتحدث متهكماً:

-وتلاقي دا زي الأول. استدار يقود السيارة بهدوء بعدما ألقى قنبلته، ولم يشعر بإغمائها كاملاً. وصل بعد قليل إلى المشفى، وجد حمزة ودرة يترجلون من سيارتهما. اتجه إليه حمزة: -إيه يا بني بتصل بيك مبتردش ليه؟ فتحت درة الباب لأختها مبتسمة: -ألف سلامة عليكي يا أم العيال. لم ترد عليها. انحنت تمسك كفيها لتساعدها: -انزلي حبيبتي براحة. رفعت نظرها إلى عينيها المنغلقة. صدمة أذهلتها عندما وجدته أغمي عليها، وكأنها فارقت الحياة.

صرخت درة باسم زوجها: -حمزة الحقني ليلى مش بتتنفس. تحرك إليها سريعاً حتى وصل إليها يصرخ على المسعفين بإحضار نقالة. أما ذاك الذي توقف متيبساً وكأن روحه فارقت جسده، همس من بين شفتيه باسمها وحمزة يحملها بين ذراعيه كأنها ودعت الحياة.

ارتجف جسده بالكامل عندما وجدها بتلك الحالة. وجهها الشاحب الذي تحول إلى الزرقة، وخصلاته التي تتحرك للأسفل من تحت كف حمزة، كطائر ذبيح مكبل الأرجل ومقطوع العنق. جلس مكانه عندما فقد القدرة على الحركة. فتح جاكتيه عندما شعر بانقباض صدره ومنع تنفسه. وصل يونس الذي رجع للتو. وجده جالساً ووجهه سحب وحالته التي ظن أنها من عدم تذكره. جلس بجواره ثم سحب نفساً وتحدث بهدوء: -راكان هتفضل كدا؟ يعني حتى شغلك مش عايز ترجع له؟

ماهو انت عمرك ما هتفتكر حياتك وانت بالشكل دا. كأن صوت يونس أعاد روحه، فانبثقت دمعة من جفنيه، وارتجفت شفتيه وهو يتحدث بتقطع: -يو..نس!! انق..ذها. انقذ مراتي. ضيق يونس عينيه متسائلاً: -راكان مالك؟ بتر سؤاله اتصال حمزة بالأعلى: -يونس تعال المستشفى بسرعة. ليلى حالتها صعبة. والدكتورة بتقولي لازم دكتور يونس يجي يشرف بنفسه. يا إما هحولها. -إيه.. قالها يونس بتوهان. اتجه بنظره إلى راكان الذي أومأ برأسه وعيناه المترجية،

فهمس مرة أخرى: -انقذ مراتي يا يونس. هب يونس من مكانه متجهاً إلى الداخل سريعاً. وصل إلى غرفتها، وجد الممرضة تجهزها للعملية: -في إيه؟ مالها مدام ليلى؟ نظرت إليه بأسى وأردفت: -للأسف فقدت الجنين. وعندها نزيف. الدكتورة هتولدها حالا. -دخليها كشف الأشعات الأول. وبعد كدا يبقى أقولك هنعمل إيه. اتجه إلى غرفة الكشف. جذب المسعفون ليلى إليه. دقائق مرت عليه وهو يشعر بكم الحزن والألم الذي حاوطه بسبب ابن عمه الذي تحول لشخص آخر.

أمل ضعيف ظهر أمامه حينما أردف أمام شاشته: -الجنين فيه نبض. إجابته الطبيبة التي تقف بجواره تضع كفيها بجيب معطفها الطبي: -مفيش مية يا دكتور. والنزيف شغال. رفع بصره إليها: -في علاج لكده؟ المهم الجنين فيه نبض يا دكتورة. والباقي هيتعالج. -هيموت يا دكتور. قالتها. توقف يونس متجهاً إلى ليلى التي لم تشعر بحالتها. -جهزي مدام ليلى للعناية. وحطي جهاز التنفس. التنفس عندها ضعيف. سحبتها الممرضة وتحركت. أسرعت درة

خلفها وهي تبكي على أختها: -إيه يا يونس؟ ليلى أخبارها إيه؟ تسائل بها حمزة. رفع نظارته الطبية وهز رأسه: -الوضع مش كويس. معرفش إيه اللي حصل. وإيه اللي خرجها. راكان مش طبيعي أبداً يا حمزة. تحرك حمزة متجهاً إليه بالخارج: -هيفوق يا يونس. متنساش دا كله غصب عنه. توقف خطوة واستدار إليه: -خلي بالك من ليلى. نورسين فاقت وعرفت إن راكان فاقد الذاكرة. بلاش يلعبوا في المنطقة دي. لو وصلوا محدش هيقدر عليهم في حالة راكان دي.

تفهم يونس حديثه، فتحرك متجهاً لغرفة العناية. أما حمزة وصل إليه، وجده كما هو جالساً بمكانه: -قاعد كدا ليه؟ مش عايز تطمن مراتك؟ -عاملة إيه؟ لسة عايشة!! زفر حمزة بهدوء ثم أجابه: -مش هلومك ولا هتكلم معاك. بس حياتك مع ليلى غير اللي في دماغك. -عايز أروح. صدمة أصابت حمزة فسأله: -مش عايز تطمن عليها؟ ولا على ابنك؟ -لا. همس بها ثم اتجه إلى سيارته. ظلت نظراته عليه إلى أن اختفى أثره بالسيارة. مسح على وجهه بغضب، وتأفف بضجر:

-دا مش طبيعي فعلاً. وصل إلى منزله بعد فترة. قابلته ابنته: -بابي جه. أسرعت إليه. توقف للحظات أمامها، وجد سرعتها إليه. جلس وفتح ذراعيه إليها: -حبيبة بابي وحشتيني. حاوطت عنقه ثم طبعت قبلة على وجنتيه: -وحشتني أد البحر. وصل أمير بعدما صف دراجته بجوار الشجرة واتجه إليه متسائلاً: -فين ماما؟ التفت إليه راكان وعجز عن إجابته. خطى إليه حتى وصل إليه: -ماما قالت هتجيب زين وتيجي. وصلت زينب إليهم:

-حمد الله على السلامة يا حبيبي. مراتك عاملة إيه؟ كانت نظراته على أمير، فأجابها: -تعبانة ومش هتيجي دلوقتي. انساب دموع أمير وتحدث من بين بكاؤه: -عايز أروح لها. أطبق على جفنيه ثم تنهد وأجابه: -هي هتخف وتيجي. ادخل مع اختك شوفوا أي ألعاب دلوقتي. وأنا هنام شوية وأجيلكم. -بس أنا عايز أطمن على مامي. أنا حلمت بيها يانـانا. والله حلمت بيها بتعيط وبتقول لبابا أنا زعلانة منك.

كور قبضته اعتقاد أن أمير يقصد أخيه. ولكن قاطعه شروده عندما توقف بالقرب منه وأردف: -أنا زعلان منك يا بابا عشان بتزعل ماما. هي كانت بتعيط كتير وحضرتك عيان. دلوقتي هي بتعيط أكتر وتعبت أكتر. أنا مش هكلمك تاني غير لما ماما تبطل عياط. قالها الطفل وتحرك للداخل سريعاً. تنهدت زينب بحزن، ثم ربتت على كتفه: -متزعلش منه يا حبيبي هو طفل مش فاهم حاجة. بشقة عايدة وفرح. جلست مع العاملة التي تعمل بقصر البنداري:

-مية ألف جنيه. ولو عملتي المطلوب هديلك قدها. أومأت العاملة مبتسمة وتحدثت: -ولا يهمك يا مدام. هغير الدوا. ومحدش هياخد باله متخافيش. وضعت عايدة ساقاً فوق الأخرى بتباهي وأردفت: -مش عايزة الذاكرة ترجعله. ويا ريت تاخدي بالك كويس. بعد شهر بغرفة يونس. دلف إليها يبحث بعينيه عنها: -سيلين. خرجت بجوار ابنتها: -بابي. حملها وهو يرفع بالهواء: -حبيبة بابي إيه الجمال دا. -نزلني يا بابي. عايزة أروح لأمير ويامن. أطلق ضحكاته،

وداعب وجعها: -قمري مش مصاحب غير الولاد. روحي ألعبي مع كوكي برة. وأنا ومامي هنيجي وراكي. متبعديش يا قمر عشان الحفلة فيها ناس كتيرة. متبعديش عن أنطي داليا. -حاضر يا بابي. قالتها الطفلة وهرولت إلى الأسفل. رفع بصره إلى سيلين التي تجلس على الفراش متألمة. اتجه إليها: -مالك يا سيلي؟ أطبقت على جفنيها مردفة: -تعب الحمل حبيبي. حضرتك دكتور وعارف. رفع حاجبه بسخرية وتحدث:

-تصدقي كنت ناسي. انت لسة في الشهر الرابع يا سيلي. يعني حتى مش باين إنك حامل يا قمري. المهم تعالي عايزك. قطب جبينها وتسائلت: -إيه دا؟ حك ذقنه وغمز إليها: -فستان لليلى، عايزك تقنعيها تلبسه، وكمان لازم تنزل الحفلة بأي طريقة. عقدت ذراعيها على صدرها ورفعت حاجبيها. -ناوي على إيه يادكتور الستات؟ والله راكان لو فاق ليعمل منك كفتة. جذبها من خصرها بقوة واضعا جبينه فوق جبينها. -بتغيري ياقمري ولا إيه. رفعت عيناها إليه.

-متزعليش راكان يايونس لو سمحت، كفاية نوح عليه، وعمو عاصم، هتيجي إنت كمان. انسابت دموعها وتراجعت بعيدا عنه مردفة. -راكان صعبان عليا أوي يايونس، شوفت حالته بقت إزاي. احتضنها يونس يمسد على خصلاتها. -حبيبتي أنا مش ضده بالعكس، مش عايزاه يخسر بيته، والصراحة ليلى استحملته كتير، ولو عملت اللي ناوية عليه بعد الحفلة، هيكون ده آخر طريقهم. أنا بحاول أخليه يفتكر شوية، لو فتحتي الفستان وشوفتيه هتعرفي قصدي.

أومأت برأسها وامسكت العلبة وتحركت إليها. بغرفة ليلى. دلف إلى الغرفة بهدوء لأول مرة. كانت تجلس بالشرفة تغمض عيناها وتستنشق رائحة الزهور المنعشة التي يتميز بها فصل الربيع. تنظر إلى الإضاءة التي أنارت الحديقة بالكامل. وبدأ المدعوون بالحضور. ابتسمت بسخرية عندما شعرت بوجوده. خطى إلى أن وصل إليها. -ليلى. همس بها مقتربا منها. استدارت برأسها رمقته بنظرة ثم رجعت تنظر إلى الخارج. تحرك حتى جلس بمقابلتها. -ممكن نتكلم.

ظلت كما هي وأجابته: -لا، عندي صداع وماليش مزاج أكلم حد. افترت شفتيه ابتسامة. ثم دنا بجسده يحاوطها بذراعه. -ليه فقدتي الذاكرة. تهكمت بسخرية وتحدثت ومازالت لم تعريه. -آه ونسيت حبيبي، تقول إيه بقى، ظروف عقل مفوت. جز على أسنانه واردف. -اتعدلي عشان متغاباش عليكي. أنا. نهضت من مكانها ودنت حتى اختلطت انفاسهما. تغرز نظراتها بعينيه. -ولا حاجة ياراكان يابنداري، إنت ولا حاجة، وخليك عايش في دور الأاهبل.

دفعته بقوة حتى سقط على المقعد وتحركت قائلة. -اطلع عايزة أقفل البلكونة وأنام، فيه حاجة طبقت على صدري ومش قادرة أتنفس. هب من مكانه ووصل إليها بخطوة. يجذبها بعنف. -إنت بتقولي إيه يابت. رفعت ذراعها تحاوط عنقه واقتربت تعانق عينيه هامسة بالقرب من خاصته. -بقولك ياحبيبي إنك ولا حاجة، إيه عندك اعتراض. أطلق ضحكة رجولية صاخبة. ثم فجأة جذبها من خصلاتها يستنشق رائحتها التي اشتاقها كثيرا. ثم همس بجوار أذنها.

-الليلة هترجعي تباتي في حضني تاني يالولة. رجفة أصابت جسدها من أنفاسه التي ضربت عنقها. لحظات وهو يتابعها بعينيه الصقرية. استدارت إليه وتحدثت بتقطع. -أنا هروح مع بابا بعد الحفلة زي ما اتفقت مع عمو أسعد. وقبل أي ما تتكلم وتسوء الظن كعادتك. -هفضل هناك عشان ما أكرهكش ياراكان. رفعت عيناها المترقرقبة بالدموع وطالعته بألم قلبها. -كفاية وجع بينا دلوقتي الولاد، ولحد ما ترجع لطبيعتك أنا هفضل عند بابا. فلو سمحت بلاش نوجع بعض.

سحبت نفسًا وطردته ثم أردفت. -ياريت نطلق أحسن. قالتها وتوجهت تفتح إليه الباب. -ودلوقتي اطلع بره أوضتي، وياريت تحترم رغبتي. أومأ برأسه وتحرك للخارج. توقف بمقابلتها. ونظر بساعة يديه. -ساعة، قدامك ساعة والاقيكي تحت بين الناس، لو منزلتيش. هطلعلك، والبسي دا. قالها وتحرك للخارج. أغلقت الباب خلفه بقوة وهي تصرخ بعصبية. -يخربيت غرورك واحد مستفز. تسارعت أنفاسها ودت لو أطبقت على عنقه. استمعت إلى طرقات على باب غرفتها.

ثم فتح الباب ودلفت سيلين. نهضت ليلى سريعا. ظنًا أنه هو. ولكن تسمرت عندما وجدتها سيلين. تنهدت براحة ثم اتجهت تجلس. دلت سيلين تضيق عيناها. -ليلى، إيه. أمسكت خصلاتها تجذبها بعنف وتصيح بصوتها. -أخوكي المستبد ده هقتله، وحياة ربنا هقتله البارد ده. ضحكت سيلين ووضعت فستانها أمامها. -خدي البسي ده وهو يموت لوحده. ضيقت عيناها ثم فتحت العلبة. -يخربيتك ياسيلين ده إنت عايزاني أنا اللي أموت.

قهقهت سيلين عليها وتلاعبت بحاجبيها قائلة. -وحياتك يونس مش أنا. قطبت جبينها وتساءلت. -يونس!! ليه ناوي على إيه. رفعت كتفها متجاهلة. -وحياتك ولا أعرف، شاف راكان جابلك فستان فحب يلعب بأعصابه شوية. أمسكت الفستان وهزت رأسها رافضة. -بس اللون ده راكان مبيجبوش. صممت ورسمت ابتسامة. -بس حلو الأحمر برضه، أهو أحسن من الأسود بتاعه. قهقهت سيلين.

-الله يرحمك يالولة، تنزلي الحفلة بفستان أحمر ناري، لا وايه على البياض انسى ياباشا، ده الليلة هتكون فراولة. ظهر الألم على وجهها عندما أردفت بها سيلين بعفوية. فرفعت بصرها. -هجهز وأنزل، وكويس عجبني اللون الأحمر. بالأسفل وقف بجوار حمزة يرمق راكان الواقف بجوار أحد أصدقائه. -وحياة أمي راكان رجعتله الذاكرة. قالها يونس هامسا. لكزه حمزة متسائلا. -اتجننت يلا، بتكلم نفسك. مط شفتيه للأمام وتحدث. -مش ملاحظ حاجة.

قطب حمزة مابين جبينه متسائلا. -قصدك إيه يا دكتور النسوان. قهقه يونس وأشار على نوح الذي يدلف إلى الحفل بجوار أسما. -كدا كملت على الآخر، نوح مكنش معزوم وجه، تفتكر إيه اللي هيحصل مع الأخوين الأعداء. -هتولع يامعلمي. اتجه بأنظاره إلى ليلى التي وصلت إلى الحفل بجوار سيلين. واطلق صفيرا. -هي كدا ولعت فعلا، الله عليا وحياة عنيا، راقب وشوف، الواد راكان بيشتغلني. -قصدك رجعتله الذاكرة.

رفع كوب عصيره وارتشف ونظراته على راكان النارية لليلى. -حيوان، اصبر عليا ياراكان. توقف أسعد أمام ليلى. -تعالي ياليلى. وصلت ليلى إليهما. -إزي حضرتك ياعمو. ضمها من أكتافها. -دي مرات راكان ياسيدي، وأم لي العهد. وصل إليها بخطواته المهرولة. جذبها من معصمها للداخل. -عايزة توصلي لإيه ياليلى. نزعت كفيها. -اتجننت بتشدني كدا ليه. نظرت حولها وحاولت الابتسام.

-الناس بتبص علينا، أنا مش عايزة أوصل لحاجة ياراكان، كل الحكاية ماما زينب قالتلي لازم أنزل عشان الناس جاية تبارك لحفيد البندارية، مينفعش أكون مش موجودة. أما لو عليك مش عايزة أشوفك قدامي صدقني. -متخلنيش أتغابى عليكي يامدام لو سمحتي، هتطلعي تغيري الزفت اللي لابساه ده. أشارت على فستانها وتحدثت. -ماله، بشجع الأهلي حتى لسه فايز النهاردة أربعة، ابعد بس يانفساوي. تحركت خطوة. جذبها بعنف. ورمقه بنظرات نارية. -لو متلمتيش.

رمقته بغضب ثم. دفعت ذراعه بقوة واختنق صوتها. -كفاية كسر فيا ياحضرة المستشار لو سمحت. تعاقت نظراتهما. نظراته النارية بنظراتها المتألمة. -كنت حاسة إن السعادة هتتخطف مني، بس متوقعتش تكون إنت اللي هتخطفها. قالتها وتحركت مهرولة إلى الأعلى. صعدت إلى غرفة رضيعها. اقتربت من فراشه. جلست بجواره تمسد على خصلاته. ابتسمت من بين دموعها عندما فتح جفونه. ظهرت ملامحه بإستفاضة لوالده. صاح بصوته.

حملته تضمه وتستنشق رائحته تمسد على ظهره بحنان أموي. -حبيبي الغالي. وضعته على ساقيها وظلت تطالعه بنظراتها الباكية فهمست له بصوتها المبحوح بالبكاء. -تعرف إنت جيتلي من الموت، شوفت فيك عذاب أشكال وألوان، بتمنى حبيبي تتمتع بحنان بابا. عارفة إنه الأيام دي ضايع ومش في حالته، بس إن شاء الله هيرجع بسرعة، ده ثقتي بربنا، بدعي ربنا ليل نهار يرجعنا بسرعة. كان يقف على الباب يستمع حديثها.

اتجه مغادرًا عندما استمع صوت أسما وسيلين على الدرج. دلف إلى غرفته يفك رابطة عنقه. استمع إلى صوت الألعاب النارية بالأسفل. جلس على فراشه يتذكر منذ أسبوعين. دلف إلى غرفته وجد العاملة تضع علبة دوائه وتحمل علبة فارغة. جلس ولم يعرها اهتمام. -أنا كنت برتب الأوضة ياباشا. تحركت من أمامه ولكن توقفت عندما صاح بها. -استني عندك. ارتعش جسدها فاردفت بارتباك. -محتاج حاجة ياباشا. -أول مرة أشوفك هنا. ارتبكت تفرك بكفيها ثم أردفت.

-لا ياباشا أنا هنا من فترة، من وقت ما مدام ليلى حملت، عشان الولاد تعبوها، فطلبت من داليا تشوف حد يساعدها، أنا بنت خالتها. أومأ برأسه وتحرك للداخل. اتجه بنظره لعلبة الدواء. وامسكها يضغط عليها بيديه. ثم وضعها بجيبه وتحرك إلى غرفة مكتبه. وجد جميع الكاميرات متوقفة. تحرك إلى المشفى. دلف إلى غرفة ليلى. ظل يطالع نومها الهادئ للدقائق. ثم تحرك إلى أن وصل إليها. انحنى يطبع قبلة على جبينها ثم همس بجوار أذنيها.

-تنينة الحلوة تنينك افتكر كل حاجة بس لازم ألعب شوية. ابني أمانة عندك، بتمنى تسامحيني. عارف هتطلعي نار من ودانك لما تفوقي. المهم إنكم بخير. وضع كفيه على بطنها. -حافظي على ابننا اللي بغبائي كنت هموته. تحرك إلى الخارج واتجه إلى طبيبه يضع امامه تلك الحبوب. -عايزك تغيرلي الحبوب دي، عايز حاجة أقوى. امسك الطبيب الزجاجة قائلا. -بس دي أقوى حاجة، الذاكرة مش هترجع بالعلاج بس، لازم متغطش على نفسك. زفر باختناق ثم تحدث.

-طيب ليه الحبوب دي غير التانية، حتى شكلها غير. قطب جبينه وتساءل. -إزاي. اخرجها الطبيب ثم أجابه. -مش دي الحبوب اللي في الإزازة، الحبوب دي متغيرة. تراجع بجسده وابتسامة شقت ثغره وهز رأسه. -كنت عايز أتأكد، شكرا لحضرتك. قالها وتحرك مغادرا إلى المنزل. قابلته فرح وهي تدلف إلى القصر. -مساء الخير ياراكان. أومأ برأسه. -عاملة إيه. نظرت إلى منزلهم وتحدثت.

-جايه أشوف سارة، نفسي نرجع بيتنا، ماتقول لعمك كفاية ظلم لماما بقى، هو هيسمع منك، مش بعد العمر ده كله يرمي أمي كدا عشان حتة بنت جابتله ولد. طالعها بغموض وتساءل. -هو إنتوا مشيتوا من البيت ليه. دنت منه وتحدثت. -بابا اتجوز على ماما، بعد ما ليلى راحت اشتكت ماما لعمو أسعد، عشان ماما اكتشفت خيانتها، فحبت تنتقم من ماما، فبابا طلق ماما. أطلق ضحكة صاخبة. ضيقت عيناها متسائلة. -بتضحك على إيه. تعمق النظر بمقلتيها وأردف.

-أصل ليلى طلعت هيرو ياقلبي، مفيش مصيبة في البيت محصلتش من غيرها، حتى خلت عمي اللي كان بيموت في مراته يتجوز عليها ويطلقها. عقدت ذراعها وأردفت بغل. -شوفت إجرام أكتر من كده. رفع كفيها يداعب خصلاتها. -متخافيش هاخد حق طنط عايدة وهخلي عمو يرجعها معززة مكرمة كمان، استني بس ليلى تولد وبعد كدا كله هياخد حقه. -هي ليلى هتولد، مش بيقولوا الولد مات في بطنها. تحرك من أمامها. -مات ولا عايش ميهمنيش يافروحة.

خرج من شروده على أصواتهم بالخارج. خرج وجد أسما تحمل طفله وتشير إليه. -هجيب له بنوتة بقولك اهو ياسيلي ابعدي عن الولد. وصل إليهم متسائلا. -واخدينه فين. لم تجبه أسما، ولكن سيلين أردفت: -بابا عايزه.. أخذه من أسما وضمه لأول مرة أمامهم. -الولد مش هينزل تحت، مش شايفين الزحمة، معرفش إيه لزوم الحفلة أصلًا. قالها وتحرك بالطفل للداخل. كانت تطالعه أسما وهو يضم ابنه. -راكان هيجنني يا أسما، تخيلي بيقول الولد مش ابنه.

ربتت على ظهره رغم نيرانها المحترقة على صديقتها. -نوح اهدى عشان خاطري، كفاية عليا ليلى، هتموت من وقت ما سابها في المستشفى ما زرهاش ولا مرة، يا حبيبتي يا ليلى كتير عليها اللي بيحصل. مسح نوح على وجهه وكأنه يقتلع جلده من الغضب. -مش عارف ألومه، أنا متكتف يا أسما، دا واحد مش فاكر جوازه منها. خرجت أسما من شرودها على رنين هاتفها. -أسما يالا حبيبتي عشان الولاد. ابتسمت إلى سيلين. -نوح عايزنا نمشي. سلام حبيبتي.

بعد قليل، انتهاء الحفلة بعدة ساعات. صعد إلى غرفة ابنه لأول مرة منذ ولادته. وجدها تقوم بإطعامه. دلف وجلس بجوارها. رفع كفيه يمسد على خصلاته ثم انحنى يطبع قبلة على رأسه. ارتجف جسدها، واهتزت نظراتها تنظر إليه بتساؤل. رفع بصره إليها واقترب يضمها إلى أحضانه. -ليلى أنا افتكرت كل حاجة.. آسف.

انسابت عبراتها على وجنتيها وشهقات مرتفعة. حتى وصلت إليها زينب ظنًا أن ابنها أبكاها كعادته. وجدته يجلس بجوارها يضمها باشتياق، وهي تبكي بأحضانه. -اهدى حبيبتي، والله غصب عني. بتر حديثه عندما استمعوا إلى انفجار صاخب بالخارج. -أسعد برة.. أبوك لسه برة. ياراكان، هب متجها إلى النافذة ينظر بالخارج. -دي عربية ولعت.. هنزل أشوف فيه إيه تحت، ماما خليكي مع ليلى لما أرجع. وضعت طفلها وهزت رأسها رافضة نزوله.

-فيه ضرب تحت وهو نازل إزاي يا ماما. خرجت زينب بجوار ليلى وتحركوا إلى الخارج. وصلوا إليه وجدوا أسعد بجوار راكان. -مين اللي ولع في العربية. تحدث أحد الأمن. -راكان باشا في حاجة لازم تشوفها. صعدت ليلى إلى غرفة ابنها بعدما اطمأنت عليه متجهة إلى رضيعها. وجدت باب الغرفة مفتوحًا. تذكرت هبوط زينب معها. نظرت بالغرفة تبحث عن ابنها كالمجنونة. ذهبت إلى غرفة أمير وجدته يغفو بجوار كيان.

هرولت إلى الأسفل بأقدام حافية عندما وجدت أحدهم يحمل طفلها ويقفز من شرفة أبنائها. صرخت باسم زوجها وتحركت سريعا إلى الأسفل تعبر البوابة الرئيسية إلى القصر، متجهة إلى تلك السيارة التي توقفت بأحد جوانب السيارة. استمع إلى صياحها راكان. وصل يونس الذي دلف بسيارته للتو إليها. -مدام ليلى في إيه.

لكنها هرولت خلف السيارة تصرخ باسم ابنها. توقفت السيارة حتى ظهر راكان يسرع خلفها. ولكن أسرعت السيارة عندما ظهر راكان. ظلت تسرع وتصرخ باسم ابنها إلى أن جثت على ركبتيها. هرول خلفها يونس الذي ظهر أمامه وصوت زوجته ولكنه لم يراها. جحظت عيناه عندما وجدها بتلك الحالة وهي تنظر إلى السيارة وتصرخ باسم ابنها. هنا أحس بقبضة تعتصر صدره. كور قبضته ضاغطا على مفاصله، وصاح بصوت زلزلت له الأرض.

-الحقوا العربية دي، هموتكم لو مجبتوش الولد. نهضت متجهة إليه كالقطة الشرسة. بدأت تلطمه وتصرخ. -عايزة ابني، انت السبب الولد ده ابني لوحدي، انت مالكش حق فيه. صرخت وصرخت إلى أن انهارت بين يديها ساقطة كورقة خريف.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...