الفصل 24 | من 52 فصل

رواية عازف بنيران قلبي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سيلا وليد

المشاهدات
30
كلمة
8,402
وقت القراءة
43 د
التقدم في الرواية 46%
حجم الخط: 18

الوجع الحقيقي هو أن تخالط أناس لا يقدرون قيمة وجودك بينهم ويعتقدون أن الحياة تسير طبيعية عند غيابك. كم أوجعني أن تجاهلتني وتسببت لي بألم عظيم لا ينتهي. السهم الذي يأتيك من أقرب الناس إليك يتضاعف ألمه ملايين المرات. من أكثر الأشياء التي توجع القلب الاضطرار إلى تغيير المبادئ التي تمضي وفقها كي تساير الحياة. نضطر أحيانا بالتظاهر بما ليس في القلب كي نحافظ على مظهرنا وملامحنا الخارجية ولا نقلل من أنفسنا أمام من أحببنا.

*** في مستشفى يونس البنداري دلفت إلى غرفة ابنتها وجسدها ينتفض رعباً عليها، شهقة وهي تضع كفيها على فمها. "سيلين" حبيبة قلبي يابنتي. ربت نوح على ظهرها وأردف: هي كويسة هي نايمة بس من المهدئ. التفتت إليه بعينيها دامعة. إيه اللي حصل وصلها لكدا؟ سحب نفساً طويلاً وأجابها: إحنا منعرفش حاجة، هي اتصلت باخت ليلى وقالت قتلت يونس، إيه اللي حصل منعرفش. ولما جبناها كانت منهارة ومبتتكلمش خالص، ويونس وضعه مش مطمن. صرخت بقهر نابع

من وجع قلبها وهي تردف: برضو يونس عمل اللي في دماغه وعايز يتجوزها غصب. جلست بجوارها وهي تهز رأسها والعبرات تتساقط كالمطر، تمسد على خصلاتها، ثم اتجهت إلى نوح. "اتصل براكان يانوح، لازم يعرف توفيق مش هيسيبها في حالها! أومأ برأسه وخرج وأغلق الباب وهو يتنفس بهدوء. ياترى هتعمل إيه ياراكان في المصيبة دي. عند راكان قبل ساعات نهض كالملسوع عندما وجد نورسين بغرفته. "دخلتي هنا ازاي، وازاي تتجرأي وتقعدي جنبي كدا من غير ماأسمحلك."

قالها وهو يعقد ذراعها خلف ظهرها ويضغط عليهما بقوة آلمتها. نزعت يدها بغضب من قبضته وصرخت وهي تبكي بتصنع. "إيه اللي حصل لدا كله، ماطول عمرنا واحنا بنقعد جنب بعض وبأي طريقة إيه اللي وجعك قوي كدا." توجه إليها بخطوة وامسكها بعنف عندما أشعلت كلماتها جحيم غضبه واكفهرت ملامحه وتحولت عيناه للهيب. "من إمتى وانت بتقعدي جنبي كدا! قولي بتخططي لأيه." جذبها بعنف يجذبها من خصلاتها.

"اوعي تفكري لعبتك دخلت عليا، لا فوقي واعرفي اللي واقف قدامك دا مش مختوم على قفاه، ودلوقتي لو لمحتك قربتي مني هفعصك وزي الحشرة." دفعها بقوة حتى سقطت أمامه على الأرضية وانكشف معظم جسدها. أشار عليها وتحدثت بنبرة مشمئزة. "والله لو قعدتي قدامي ملط ولا تهزي فيا شعرة، ولو مفكرة جوازي منك حبا فيكي تبقي غبية." وصل إليها وأمال بجسده ينظر لمقلتيها نظرات جحيمية.

"عايزة تعرفي هتجوزك ليه عشان انتقم من اللي حرق قلبي، ومش بس كدا، عشان أعرف توفيق باشا انه اختيارته وتفكيره غلط." اعتدل ثم أشار إلى باب الغرفة وتحدث. "دلوقتي اطلعي برة ومش عايز اشوف وشك." نهضت واتجهت إليه وتحدثت بإنفعال طال كل جسده قائلة. "اوعى تفكر أني غبية ومعرفش علاقتك بمرات اخوك، لا انا عارفة انها وجعاك قوي وهتموت وتطولها، بس تفتكر هقعد اتفرج على الحقيرة دي وهي بتحاول تغريك وأسكت."

صفعة قوية على وجهها حتى شعرت بألمها يفتك خديها ثم صاح بغضب. "اللي بتتكلمي عنها دي مراتي، سامعة يعني إيه، يعني اللي يدوس عليها بدون قصد ادبحه، تخيلي بقى لو بقصد." أشعل تبغه وهو ينفثه بوجهها ويدور حولها. "عايزة تسمعي إيه يانورسين عايزة تسمعي وانا بقولك اني بحبها." دنى واقترب يهمس بجوار أذنها. "انا مش بحبها بس، أنا بعشقها ولو طلبت حياتي مش هتأخر." أمسك ذراعيها يضغط عليها بقوة وهو يتحدث بغضب من بين أسنانه.

"اوعي تفكري نسيت لعبتك الحقيرة عليها وانت بتقولي انك حامل مني، انا بعدي اه بس مبنساش، وافتكري بسببك إحنا بعيد عن بعض دلوقتي." أشار إلى الباب وصرخ بها. "غوري من وشي." اتجهت تنظر إليه نظرات جحيمية. "وانت خليك فاكر انك اهنتني بدل المرة مرتين ياراكان، بكرة هاخد حقي منك، وخلي مراتك الحلوة تنفعك." "برررررة." صرخ بها بقوة، حتى هرولت للخارج دون حديث.

جلس يلتقط أنفاسه بصعوبة حينما شعر بإنسحابها، كلما تذكر وجه ليلى بعدما رأت تلك الحية. أرجع خصلاته للخلف بغضب كاد أن يقتلعها بيديه وحدث نفسه. "ياترى عاملة ايه دلوقتي، وازاي هتثق فيا مهما حلفت." امسك هاتفه وظل يحاول الإتصال بها ولكنه مغلق. صرخ بقوة يلقي الهاتف بغضب حتى هشمه وتناثر إلى قطع متناثرة. عند ليلى بعد خروج توفيق جلست تبكي بإنهيار وتهمس بإسمه. اتجهت إلى هاتفها سريعاً تفتحه بعد أن أغلقه ذاك المتجبر.

فتحته بأيد مرتعشة ودموع كالشلال، وشهقات تخترق القلوب. فتحت الهاتف وماهي إلا لحظات ووصل إليها العديد من الرسائل لزوجها بأوضاع مخلة مع تلك الشيطانة. هزت رأسها رافضة ماتراه. أظلم قلبها واحترق بنيران الغيرة حتى أصبح بركان متقد الإشعال للانفجار، وهي تصرخ وتجذب خصلاتها بعنف. "ليه !! ليه تعمل فيا كدا ياراكان ليييييه."

صرخة قوية خرجت من أعماق روحها المحترقة وصارت تدفع كل مايقابلها بعنف حتى تحولت الغرفة إلى اشلاء متناثرة حولها. دلفت زينب التي وصلت للتو. شهقة خرجت من فمها بعدما وجدت حالتها الرثة. كانت تحمل أمير الذي بكى بنشيج. اتجهت إليها وهي تجثو على الأرضية وعيناها التي تحولت لإحمرار كالون الطماطم الناضجة، وخصلاتها المبعثرة العشوائية كالتي فقدت عقلها. بكى الطفل. رفعت نظرها إليه سريعاً، وجذبته بعنف تضمه لأحضانها وتقبله بهستريا.

جلست زينب تمسد على خصلاتها. "ليه قفل عليكي يابنتي؟ وليه أخد منك أمير؟ قولتلك ابعدي عنه دا شيطان، استغل سفر راكان وشوفي عمل ايه، دا كان جايب البوليس عشان ياخدوا سيلين لولا نوح وحمزة مخبينها كان زمانه سجنها." بعينين هالكتين وقلب تحمل قساوة البشر، اتجهت إليها وهمست بنياط قلبها المتمزق. "عايزة أطلق من ابنك، ولو إنت ام فعلا حق وحقيقي اعتبريني بنتك وخليه يطلقني."

صاعقة نزلت على رأس زينب تصفعها بقوة حتى صرخت تضع كفيها على فمها. "بسم الله، جرالك إيه ياليلى، انت الصبح وقفتي تقولي على جثتي لو حد بعدني عن جوزي، دلوقتي حصلك إيه." نهضت تضم إبنها واتجهت إلى خزانتها. "كنت بضحك على نفسي، دلوقتي هاخد ابني واروح بيت بابا ولو ابنك راجل يطلقني." توسعت بؤبؤة زينب وتصنم جسدها للحظات، ثم توقفت متجهة إليها.

"ليلى حبيبتي اهدي، متسمعيش كلام الشيطان دا، هو أهم حاجة يبعدك عن راكان عشان عارف بعدك عنه يعني تنازلك على كل أملاك سليم ومش بعيد ياخد ابنك." "مش عايزة أسمع حاجة، ابنك يطلقني بهدوء بلاش يوصلني اخلعه." قالتها وحملت حقيبتها بعدما وضعت حجابها على خصلاتها. جذبت سلسالها بعنف وألقته على الأرضية وتحركت للخارج دون حديث آخر. *** بالمستشفى عند يونس وخاصة بغرفة سيلين فتحت جفونها بتثاقل وهي تتلفت حولها.

انسدلت دموعها عندما تذكرت ماحدث. اغمضت عيناها وصرخة خرجت من جوفها شقت جدران الغرفة. أسرع الطبيب إليها وقام بحقنها بمهدئ. دقائق وهي تبكي بنشيج. بالخارج عند نوح أمسك هاتفه وقام الأتصال على راكان. خرج راكان من منزله وقام بمهاتفة مدير اعماله. "ألغي كل حاجة، لازم أرجع القاهرة دلوقتي." قاطعه. "راكان باشا إحنا بخسر." صاح راكان بغضب. "هو أنا المالك ولا إنت؟

قولتلك ألغي كل حاجة، عايزة تكمل مع المحامي براحتك معاك كل الصلاحية أما أنا مستحيل اقعد دقيقة واحدة هنا." انهى مكالمته وإذ بنوح. "راكان إنت فين! زفر راكان يخرج هواء من رئتيه محملا بكم الألم الذي يجتاح جسده فأجابه. "في الكباريه، هكون فين يانوح! "انا في برلين." على الجانب الآخر. "راكان لازم ترجع القاهرة في أقرب وقت." توقف عن السير ظنا بأن ليلى قامت بفعل شيئاً فأجابه. "إيه اللي حصل؟ حمحم نوح مردفاً.

"يونس في المستشفى وجدك مصر يحبس سيلين، وحمزة مش عارف اوصله وكمان درة احتمال تكون اتخطفت او حصل معاها حاجة خطيرة." سحب كماً من الهواء ودفعه مرة واحدة قائلا. "يخربيت أحلامك يانوح، ناقص تقولي موتوا ليلى، مش عايز حرق أعصاب، أنا أعصابي تعبانة من غير أي حاجة." اتجه نوح ينظر إلى يونس المسطح على الفراش لا حول له ولا قوة فتحدث بألم. "ياريت كان حلم ياراكان الموضوع خطير فوق ماتتوقع." ثم التقط صورة وأرسلها له.

وقف ملجم اللسان وكأنه تلقى صاعقة ادت إلى تصنم جسده فأردف بلسان ثقيل. "مين اللي عمل فيه كدا؟! مسح على وجهه وارجع بخصلاته للخلف يفكر في تلك المعضلة الصعبة وكيف له أن يجيبه فأردف. "سيلين." سقط قلبه بين أضلعه حين استمع إلى اسم اخته. حاول التنفس وكأن الأكسجين سحب من المكان. لحظات مرت عليه كالدهر وكأن الأرض تحت أقدامه فوهة بركانية فهمس بصوتا كاد أن يخرج. "انا في المطار وراجع القاهرة كلها كام ساعة وأكون عندك."

توقف ينظر حوله بتشتت وتيه. "يعني إيه اللي بيحصل دا؟ "يونس عمل ايه خلى سيلين تحاول تقتله؟ أطبق على جفنيه عندما شعر بمداهمة افكار شيطانية تتفرع إلى داخل عقله. "لا مستحيل يكون واطي ودنئ، مستحيل يغدر ببنت عمه." قاطعه رنين هاتفه. نظر إلى الهاتف بإستغراب. "ودول عايزين ايه؟! "مستر راكان خطيبة حضرتك مرضت وتم نقلها للمشفى." ابتسم بسخرية وأجابها. "اتصلي بوالدها أنا في المطار، اكيد هي حافظة رقمه."

قالها وقام بإغلاق الهاتف تماما. بعد عدة ساعات وصل ركان إلى القاهرة. اتجه أولا إلى مشفى يونس. قابله نوح. "يوم واحد ارجع الاقي حرب عالمية ضدي يانوح، إيه اللي حصل دا." قالها بوجه مكهفر. اتجه بانظاره متسائلا. "فين سيلين يانوح؟ "تحت في اوضة عادية عشان توفيق مش يعرف يوصلها." اتجه متحركاً سريعاً إليها. فتح باب غرفتها ودلف بهدوء ينظر إليها بقلباً منشطر. أطبق على جفنيه متألماً ثم تحدث. "ايه اللي حصل لك ياحبيبة أخوكي."

مسد على خصلاتها متنهداً بحزن. فتحت جفنيها ونظرت للذي يجلس أمامها. هبت والقت نفسها بأحضانه تبكي بنشيج. "را..كان..را..كان." قالتها بتقطع كطفل يتعلم الكلام. "شوفت حصلي ايه، شوفت عملت إيه في يونس." أردفت بها ببكاء. ضمها يربت على ظهرها. "أشش اهدي حبيبتي، كله هيعدي انا معاكي." تحدثت من بين بكائها. "انا قتلته ياراكان، قتلت يونس هو مات مش كدا." احتضن وجهها بين راحتيه ينظر لعيناها.

"يونس كويس، فوقي كدا عشان تحكي لي إيه اللي حصل." أنزلت كفيه بهدوء واردفت بتقطع. "راكان عايزة أنام." قالتها وتسطحت على الفراش تواليه بظهرها. طبع قبلة على خصلاتها ودثرها وتحرك للخارج. اتجه إلى الطبيب المسؤل عن حالة يونس. "يونس عامل إيه؟ عايز أعرف كل حاجة حتى لو بسيطة. وضع الطبيب الأشعة أمامه وتحدث: -هو كويس، بس الطعنة نالت جزء بسيط من الكلية. هو دخل غيبوبة للأسفل، فقد جزء كبير من الدم.

تنهد راكان يسحب كم من الهواء وهو يضع يديه بخصره متسائلاً: -الغيبوبة دي هيفوق منها إمتى؟ رفع نظره وتحدث بعملية: -ممكن يوم، شهر، سنة، دي علمها في الغيب. نظر إليه بضياع وهز رأسه متفهماً. -تمام. تحرك الطبيب بعدما أنهى حديثه. -سلامته إن شاء الله. خرج إلى نوح الذي كان يحادث أسما. -خلاص يا أسما حاضر. جلس مطبقاً على جفنيه محاولاً السيطرة على نفسه. -خايف على يونس قوي، تفتكر ممكن يموت؟ ربت نوح على كتفه:

-لا، يونس قوي وإن شاء الله يفوق وهنهبل على بعض كمان ويعاندني الغبي دا. انزلقت عبرة رغم أنفها، أزالها سريعاً ثم نهض واقفاً. -أنا لازم أروح البيت ضروري، فيه مصيبة ولو مرحتش هتنتهي بكارثة. ضيق نوح عيناه متسائلاً: -قصدك إيه؟ تحرك وهو يلوح بيديه. -خليكي الليلة مع يونس وهجيلك الصبح. جلس نوح وهو يمسح على وجهه بغضب. -ربنا يستر يا راكان، معنى إنك تسيب يونس وهو بالحالة دي يبقى فيه مصيبة فعلاً. قبل عدة ساعات.

وصلت ليلى إلى منزل والدها. دلفت للداخل ووضعت ابنها على فراشها بغرفتها، وجلست تبكي بنشيج وهي تنظر بأركان الغرفة. نهضت وكأنها تبحث عن والديها. دقائق ودلفت والدتها وأخوها. احتضنت والدتها تبكي بقهر. -بابا فين يا ماما؟ خارت سمية جميع قواها وهوت على الأرضية وشهقات من بين شفتيها.

-منعرفش راح فين، إحنا ركبنا عربية آسر، ودرة وحمزة ركبوا معاه الإسعاف ووصلنا إلى المطار، واستنينا كتير، آسر سابنا وراح يدور عليهم ورجع قالي العربية مالهاش آثر. انهمرت دموع ليلى بنزيف روحها واقشعر جسدها عندما تذكرت صورة والدها. جلست بجوار والدتها تضم ركبتيها إلى صدرها وتضع رأسها تنظر إلى البعيد. قاطعهم دخول آسر. -مفيش جديد، رحت بلغت قالوا بعد أربعة وعشرين ساعة. نهضت سريعاً تنظر إلى والدتها.

-عندي مشوار مهم، خلي بالكوا من أمير. تحركت إلى أن وصلت إلى شركة توفيق البنداري، دفعت الباب ودخلت إليه، حاولت السكرتيرة إيقافها ولكنها لم تتمكن. وقفت أمامه تناظره بنظرات كارهة وصاحت بغضب. -همضي على قضية الطلاق، بس بشرط بعد ما أتأكد من سفر بابا. نصب عوده وتقدم منها وهو يرمقها بنظرات شامتة. -ما كان من الأول، كان لازم تعملي فيها. صرخت بقهر واردفت:

-قدامك دقيقة بابا لو مسافرش وفي طيارة خاصة كمان زي ما راكان كان مرتب، صدقني هخليك تعيش في جحيم ومتعرفنيش لما أقلب بكون عاملة إزاي. جلس وأشعل سيجاره وضحكات متهكمة. -طيب وريني آخرك ياباشمهندسة. ابتلعت جمرة حارقة واقتربت منه. -عندي ورق أخدته من مكتب راكان يوديك في داهية إنت وقاسم الشربيني والنمساوي. تراجعت تنظر لمقلتيه بشماتة وأكملت. -إيه رأيك ياباشا. هب من مكانه كالملسوع وامسكها بعنف يهزها. -ورق إيه يابت دا.

نزعت يديها بغضب. -الدقيقة عدت. استدارت تتحرك ولكنها توقفت وهي تسمع صوت سلاحه واقترب متهكماً. -تعرفي ممكن أموتك دلوقتي وما آخدش فيك يوم واحد، والكل هنا يشهد دخولك وتهديدك. حاولت السيطرة على خوفها وتحدثت بصوت جاهدت أن يكون طبيعياً. -وريني آخرك ياباشا، ومتثقش في شيطانك قوي، أنا عاملة حساب كل حاجة. جلس وهو يمسك هاتفه. -وصل عربية الإسعاف المطار، ومتسبهاش إلا لما تتأكد من سفرهم.

قالها وأغلق الهاتف ثم اتجه يقف أمامها وهو ينفث دخان تبغه بوجهها. نفرته مشمئزة وتراجعت خطوة واحدة ترمقها بنظرات مشمئزة. -معرفش إزاي إنت أب وجد، إنت مكانك مع المجرمين، اللي موت ابنه واحفاده دا مالوش غير الشنق في ميدان عام. تحرك إليها يشير بسبابته متهكماً. -لما تكوني قاضي يبقى احكمي عليا، دلوقتي ورق القضية تمضي عليه، عايز وقت ما راكان يرجع يطلقك. دنى ينظر إلى مقلتيها. -عارفة لو لعبتي بديلك. تحركت وهي تتحدث.

-متخافش حفيدك معدش يهمني، الراجل اللي يخون الست اللي على اسمه ميستهلنيش. قالتها وتحركت للخارج سريعاً. عادت إلى منزل والدها تنتظر اتصال حمزة بشق الأنفس. ساعة تلو الأخرى حتى استمعت إلى رنين هاتفها. -درة إنتو فين. أجابتها درة وهي تدلف إلى المطار بجوار حمزة. -إحنا وصلنا حبيبتي بالسلامة، وكمان ماما وكريم وصلوا ماتقلقيش. هزت رأسها بارتياح وعبراتها على وجنتيها.

استندت على المقعد تضم نفسها وتبكي بنشيج وهي تتذكر عودتها من زيارة توفيق. -ياله يا ماما اجهزي، أنا كلمت نوح وهو عرف يوصل لمكان بابا، دول خطفوا العربية بالغلط كانوا مفكرينها لرجل أعمال. هبت واقفة تمسح عبراتها. -حقيقي يا ليلى يعني بابا دلوقتي سافر. ربتت ليلى على كفيها. -ياله حبيبتي الطيارة هتفوتكم. اتجهت بأنظارها إلى كريم. -إنت راجلنا يا كريم خلي بالك من ماما وبابا، وأنا وقت ما راكان يرجع هسافر لكم. أقترب كريم يطالعها.

-ليلى هتفضلي هنا ولا إيه. هزت رأسها رافضة وهي تزيل دموعها. -لا يا حبيبي هظبط شوية حاجات في البيت وارجع على بيتي. خرجت والدتها وهي تحمل بعض الأغراض التي تناولها كريم متجهة للأسفل. -ياله يا ماما عشان منتأخرش. احتضنت سمية كفها. -ليلى معرفش ليه حاسة عندك مشكلة وبتحاولي تخبي، إنت زعلانة مع جوزك. هزت رأسها رافضة حديثها. -أبداً يا ماما، أنا خايفة على بابا حتى كلمت راكان وقالي وقت ما يخلص شغل هيجي واروح أقعد كام يوم.

قبلت رأسها وطبعت قبلة على جبينها. -ربنا يسعدك يا حبيبتي، يبقى سلميلي على راكان. اتجهت إلى طفلها بعدما خرجت والدتها وأغلقت الباب خلفها. -حبيبي بتعيط ليه، ماما هنا أهو. ابتسم الطفل يصفق بكفيه. -با. با. حملته تقبل وجنتيها، واتجهت متحركة إلى المطبخ لإعداد وجبته. حملته بضحكات من شفتيها وليس قلبها الملكوم حينما استمعت إلى همهمات طفلها بكلماته بابا. وضعته بكرسيه وجلست تحاوره كأنه يفهمها.

-شوفت بابا عمل في ماما إيه، كذب عليها. انسدلت عبراتها على وجنتيها. -بابا مزعل ماما قوي يا أمير، عايزة أضربه، عايزة أخنقه وأخلص منه الكذاب دا. أطبقت على جفنيها متألمة وتحدثت. -أنا حاسة إن فيه حاجة غلط، بس الإحساس حاجة، وإنك تشوف وتسمع حاجة تانية، كان ممكن أكذب أي حد يقول كدا، إنما أنا شوفت وسمعت. بدأت بإطعامه وهي تقص له وهو يداعبها بكفيه الصغير ويطلق ضحكاته. داعبته بأنفها.

-بتضحك على إيه فرحان بعمك بتاع الستات دا، طيب اقعد واتفرج شوف ماما هتعمل فيه إيه، لحد دلوقتي أنا مش مصدقة ماهو مش معقول هيكون بيخني ويفتح الكاميرا، لا وكمان عايدة زفت وتوفيق الحقير يقنعوني إنه بيخوني، دا يخليني لازم أتأكد إنه فخ، والحقيرة دي هعرف أربيها. عند راكان وصل إلى قصره دلف سريعاً يبحث عنها. قابلته والدته التي كانت متجهة إلى المستشفى. تسمرت بوقفتها وشهقت ببكاء مرتفع. -راكان. ضمه إلى أحضانه يربت على ظهرها.

-حبيبة قلبي خلاص إهدي، أنا هنا. خرجت من أحضانه ورفعت نظرها تطالعه بعتاب. -كدا تسيب اختك إلى يونس يا ابني، مش حذرتك منه مليون مرة. رفع كفيها يقبلها ثم ضم رأسها يطبع قبلة. -ماما حبيبتي اتأكدي إن يونس مستحيل يأذي سيلين، مستحيل فاهمة، يارب يا ماما منحكمش قبل ما نعرف إيه اللي حصل. تصلبت أنظارها عليه واردفت معاتبة. -قصدك إن سيلين كانت عايزة تموته كدا لله في لله. مسح على وجهه وعينيه على الدرج يتمنى لو يصل إليها بخطوة فتحدث:

-ومين قالك إنها كانت عايزة تموته، إحنا منعرفش مين اللي ضربه. تراجعت زينب وهي تهز رأسها. -إنت مشفتهاش دي مش حاسة بحاجة والدكتور بيقول إنهيار. زفر راكان وحاول إنهاء النقاش فتحرك خطوة. -أنا لسة جاي من عندها ياماما وقالتلي مفيش حاجة حصلت. تصنم بوقفته مستديراً إليها بهدوء وهو يبتلع غصة بجوفه عندما أردفت والدته. -ليلى مش هنا، سابت البيت. أحس بارتفاع ضغط دمه، واختنق حلقه بغصة فتسائل: -بتقولي راحت فين؟

عقدت ذراعها على صدرها وأكملت. -ليلى سابت البيت وقالت خليه يبعتلي ورقة طلاقي. استدار متجها إلى والدته وعينيه متعلقة بعينها وهو يريد استيعاب ماقالته. -"طلاق" قالت عايزة تطلق. رمقته والدته بشك، فباغتته بنظره مستفهمة. -راكان إيه اللي حصل خلى ليلى تبقى زي المجنونة كدا، لا وكمان معرفش توفيق جه قالها إيه خلاها تكسر الأوضة. لكزته بسبابتها ونظرت لمقلتيه بغضب.

-النهاردة توفيق ضرب ليلى بالقلم على وشها عشان رفضت تطلق منك وقالتله على جثتي ياحضرة النايب. شعر بجسده ينتفض ألماً مما استوعبه، تعاظمت نيران قلبه متراجعاً بخطواته للخلف ثم اتجه سريعاً يبحث عن جده زي المجنون. بمكتب توفيق استمع إلى رنين هاتفه. -راكان رجع مصر من ساعتين تقريبا. نهض سريعاً يحمل الأوراق المطلوبة وتساءل. -ليلى فين لسة في بيت أبوها؟ أجابه الرجل. -أيوه. تحرك متجهاً إليها.

عند ليلى كانت تلعب مع طفلها بقلب حزين تحدث نفسها. -ياترى بابا حالته إيه دلوقتي. أمسكت الهاتف وقامت الاتصال على أختها. -ليلى، عاملة إيه. -بابا عامل إيه يا درة، وحمزة كويس حد منكم أتأذى، ماما متعرفش حاجة. اتجهت درة بنظرها إلى حمزة الذي يجلس مغمض العينين يتذكر ما صار منذ ساعات. فلاش. توقفت سيارة الإسعاف فجأة. فتح الباب حتى يرى ماذا حدث، ولكن تفاجئ بأحد يضع سلاحه على رأسه.

-هتنزل من غير ولا كلمة ولا نقتل الحلوة اللي جنبك دي. بعدها غاب عن الوعي واستيقظ والظلام يحاوطه. بدأ يصرخ باسم درة لبعض الوقت. ثم دلف إليه رجلان ببنية ضخمة. -ياله عشان نوصلكم المطار. امسكه حمزة من تلابيبه. -إنت مين ياحيوان ومين اللي وراك. أشار الرجل الآخر وهو يعقد ذراع حمزة ويجذبه متجهاً للخارج. خرج من ذكرياته على ذراع درة التي جلست بجواره تضع رأسها على كتفه. حاوطها بذراعيه ثم طبع قبلة على رأسها. -إنت كويسة؟

هزت رأسها وأغمضت عيناها علها تنسى ما صار منذ ساعات. عند ليلى، وصل توفيق إلى شقة والدها. استمعت إلى طرقات على باب المنزل. فتحت الباب متناسية أنها بمفردها في ذاك المنزل. تفاجأت به يدفع ويغلق الباب خلفه، ثم بسط يديه بورقة طلاقها. "امضي. أهلك دلوقتي في ألمانيا، وأبوك تحت الفحص، ومتفكريش إنهم بعيد عن عيني. دا الدكتور نفسه تحت إيدي. امضي على قضية الطلاق وإلا."

اهتزت حدقيتها وهي تمسك الورقة بيد مرتعشة. انسدلت عبارتها وكأنها ترى صورته على الورق. أطبقت على جفنيها وغصة متألمة منعت تنفسها وهو يمد يديه بالقلم. "اللي يشوفك يقول جوزك حق وحقيقي. أومال لو مش جواز على ورق." رفعت نظرها ترمقه بنظرات نارية، تود لو تحرقه أو تخنقه. لم تعلم كيف جأتها الجرأة وهي تقول له: "متفكرش بحتة الورقة والتمثيلية الحقيرة هتخليني أتنازل عن حقي في جوزي. ربنا على المفتري."

مضت على الورقة ثم ألقتها على الأرضية، تضغط عليها بحذائها وتحركت باتجاه الباب. "اطلع برة، مش عايزة أشوف خلقة شيطان زيك." أنحنى يحمل الورقة ونظر إليها متهكماً. "المهم وصلت للي عايزه. مبروك عليكي الخسارة." تحرك خطوة، فأوقفته. "لو لمست أهلي هدخلك السجن بالورق اللي معايا." "وانت لو راكان عرف حاجة، صدقيني أبوك هيموت وهيكون قضاء وقدر. لازم راكان يطلقك، إزاي مش شغلي." قالها ثم تحرك مغادراً دون حديث.

بعد قليل، استمعت إلى طرقات مرة أخرى. اتجهت تتساءل أولاً: "مين؟ أجابها آسر من خلف الباب: "افتحي يا ليلى، أنا آسر. جبتلك شوية حاجات. طنط سمية قالت التلاجة فاضية." فتحت الباب نصف فتحة وتوقفت أمامه. "شكراً يا آسر." تناولت منه الحقيبة البلاستيكية ثم أومأت برأسها. "معلش، مينفعش تدخل. مفيش غيري." أومأ متفهماً ثم تحدث: "عاملة إيه مع راكان؟ معرفناش نتكلم آخر مرة." وضعت الحقيبة بداخل البيت، فدلف آسر خطوة واحدة لداخل المنزل.

"مبترديش يعني؟ تنهدت وهي تشير بيديها: "آسر، لو سمحت، وجودك مينفعش. ممكن تمشي." دنى خطوة أخرى وهو يتحدث قائلاً: "ليلى، اطلقي من راكان وتعالي نتجوز ونربي الولد مع بعض." كان يقف خلف آسر، استمع إلى كلماته كأنها طلقات نارية استقرت بقلبه ليدمي قلبه دون رحمة. انتظر ثورانها أو صراخها بوجهه، ولكنها شطرت قلبه وجعلت أنفاسه كنيران حارقة، وانقباض شديد بقلبه حتى مزقه من الألم وهي تجيبه:

"أنا هطلق يا آسر. عايزة أربي ابني زي ماما وبابا ربوني. انت كان عندك حق. الناس دي مش من توبنا." "وإيه كمان يا مدام... " هكذا قالها راكان بلسان ثقيل، وشعور باحتراق بجسده من كثرة غضبه. تحرك ودخل يقف بينهما يوزع نظرات جحيمية عليهما. اختلج صدرها، ضربات عنيفة تصدر من قلبها الذي ينبض بشدة من وجوده واستماعه للحديث. اتجه بانظاره إليها وهو يتحدث بهدوء رغم نيران قلبه المحترق.

"قولي يا مدام إزاي عايزة تطلقي وتبعدي الولد عن أحضاني." خطى إليها بخطوات سلحفية ثم جذبها بقوة حتى اصطدمت بصدره، وهي تنظر إلى آسر الذي يرمق راكان بنظرات نارية. حاوط خصرها، يضغط عليها، ثم داعب وجهها بأنفاسه الحارقة التي ود لو أحرقها بها، فهمس أمام شفتيها يلامسها بحضرة آسر. "عرفي حبيبك إزاي هتطلقي منه، وإزاي هتبعدي ابنه عنه." اعتصر خصرها بكفيه، يضغط بقوة آلمتها، وتحدث إلى آسر وهو ينظر إلى مقلتيها.

"اطلع برة. مش عايزة أشوفك قدامي. معلش، تقول إيه، واحد ومراته بقى وهي وحشته." هزة عنيفة أصابت جسدها من نيرانه المتقدة بعينيه التي يطلقها لتخترق جسدها. تقدم منهما آسر وهو يتحدث: "بس حضرتك سمعت، وهي بتقول عايزة تطلق منك." ظل يناظرها بتلك النظرات التي مزقت روحها لأشلاء، فهمست إلى آسر وهي تطالعه: "امشي دلوقتي يا آسر، بعدين نتكلم."

زم شفتيه وابتلع غصته المريرة التي شعر بطعم علقمها وهي تتحدث بتلك العيون والنظرات الهادئة إلى آسر. حاول السيطرة على نفسه حتى لا يصفعها ويدمي وجنتيها. خرج آسر مغلقاً الباب خلفه. تراجعت خطوة وهي تنزل ساعديه الملتف حول خصرها بهدوء، رغم نيرانها المتقدة بجسدها كاملاً حينما تذكرت صوره. خطى إليها وهو يحاوطها بنظراته وكأنه يتحرك على نياط قلبه المتوجع الذي أحرقته بفعلتها.

جذبها بقوة حتى آلمها، ثم داعبها بأنفه، مررها على وجهها كأنه يحاول السيطرة على نفسه ليتناسى ما صار منذ قليل. "قولي أعاقبك إزاي وبإيه. نفسي أعاقبك عقاب أخليكي تحسي بلي حاسة دلوقتي."

أطبقت على جفنيها تمنع دموعها التي تشكلت بجفنيها، محاولة السيطرة على نفسها من رائحته التي غزت رئتيها وتمنت أن تقترب أكثر حتى تشبع رئتيها كمدمن منتظر جرعته. ولكن كيف أن تمنع نفسها من ذاك الشعور الذي أدى بها إلى التهلكة، وهي لا تتمنى في ذاك الوقت غير قربه ورائحته فقط. تتمنى ضمه، قربه. عصرت عيناها حتى لا تضعف، فهمست بصوت ضعيف: "ابعد، ماتقربش."

ضغط على رسغها بقوة آلمتها، ولا يرى سوى نظرات آسر وحديثه. حالة متناقضة بأحاسيسه بتلك الأثناء. أيعاقبها بشدة، أم يسحق شفتيها التي تدعيه لتذوق طعمها. حالة أرهقته وهو يطالعها بنظرات صامتة، حتى أودت بينهما لحرب نظرات جحيمية. هي بتذكرها بتلك الصور، وهو بتحطيم قلبه وفتاته عندما كسرت كلماته.

رفع ذقنها بأنامله عندما ابتعدت بنظراته عنه. لا يعلم إنها تقف بمتاهة بين حرب قلبها بعشقه، وبين عقلها الذي يوقظها على تلك المشاعر التي تشبه السراب. لامت نفسها كثيراً على شعورها بلذة قربه. فنفضت ذراعه مبتعدة وهي تتحدث بغضب: "من وقت ماشوفتك مااخدتش غير تحطيم لقلبي وبس. خلتني أكره نفسي لدرجة فقدت الثقة في كل اللي حواليا. ودلوقتي بعد اللي شوفته جاي بأي قلب تقف قدامي ولك عين."

رفعت نظرها وحدقته بنظرات تائهة لأنها لم تعد تعلم ماذا ستقول. ولكن قواها ضعفت حتى أصبحت هشة من ذاك العالم المخيف، فأردفت بقوة: -طلقني ومن غير كلام كتير.. ماهو مش معقول راكان البنداري هيرضى على نفسه ورجولته يخلي واحدة على ذمته غصب عنها. لحظة عدت عليه أودت به إلى الجحيم، وكأنها أطلقت قذيفته المدوية لتهلك روحه، فأصبح خائر القوى، لم يشعر سوى بنيران صدره وغصة بحلقه بمرارة تمنع تنفسه من حديثها الذي شطره لنصفين.

تراجع عدة خطوات بعيدًا عنها وهو يومئ برأسه: -عندك حق، مش أنا اللي اتنازل عن كرامتي وأضغط على ست تعيش معايا غصب عنها، حتى لو بموت فيها. عقدت ذراعيها وهي ترمقه بنظرات نارية وأكملت: -طيب طلقني بقى، وأحسن حاجة إن مفيش بينا أولاد عشان ميرجعوش يلموني إني معرفتش اختار أبوهم. كلمات كخناجر مسمومة اخترقت جدار روحه لتطعنه، وللُحظة أحس بالأرض تميد به وأصبح قاب قوسين أو أدنى من فقدان وعيه. استدار إلى أمير الذي بدأ يهمهم بصوته:

-بابا.. بابا. رفعه وحمله، ودمغه بقبلة على جبينه. وتحدث بلسان ثقيل وكأنه يتعلم نطق الحروف: -أنا مش بابا يا حبيبي، بلاش تقولي بابا عشان مامتك مش تعاقبك وتقولك ليه، هي هبلة عشان تختار دا باباك. مسد على خصلات الطفل الذي بدأ يجذب لحيته ويضحك بصخب ظناً منه أن راكان يلاعبه. أطبق على جفنيه حتى لا تنسدل دمعة غادرة من عينيه وأكمل: -يمكن والدتك عندها حق، أنا عملت إيه عشان أستحق أكون باباك ولا أب لغيرك.

نزلت كلماته على قلبها تكويه، فانسدلت عبراتها تلوم نفسها عما تحدثت به. فهمست له: -أنا مش قصدي كدا. ظل كما هو مولياً ظهرها فأردف: -حضري الولد، ياله عشان نمشي، وموضوع الطلاق بلاش نتكلم فيه دلوقتي. ووعد مني هطلقك بعد لما أحس إنك وأمير بخير ومفيش طمع من ناحيتكم. حمل الطفل متجهًا للخارج وهو يتحدث: -هستناك تحت في العربية. قالها وتحرك للخارج سريعًا.

هوت على المقعد بعد خروجه، تود لو تصرخ من أعماقها بكل ما أوتيت من قوة كي تخرج آلامها الداخلية من عذاب فراقه. أزالت دموعها بعنف وتوقفت وهي تهذي لنفسها: -دا مش وقت ضعف يا ليلى، لازم كل واحد ياخد حقه، سعادتك أسرقيها حتى لو ظهرتي قدامه بغضبك وكرهك، لازم الكل يعرف إنك بتكرهيه، ولازم هو يتصرف على الإحساس دا.

وضعت كفيها على أحشائها تلوم نفسها على ما فعلته، وانخرطت ببكاء مرير حاولت تهدئة نبضاتها التي تضرب عظام صدرها بطريقة هسترية، فهمست لنفسها: -سامحني حبيبي، عارفة قسيت على بابا، لازم أعمل كدا عشان أنجيك إنت وأخوك، شوية وهعرف أرجعه لحضني تاني. ظلت تحرك كفيها وابتسامة من بين دموعها وهي تتذكر صباحاً بعدما أحضرت اختباراً للتأكد من حملها، ثواني فقط وهي تضع كفيها على شفتيها وسعادة شقت ثغرها وهي تبتسم. -ما أجمل هذا الشعور.

نظرت إلى نفسها بالمرآة والابتسامة تنير وجهها وتحدث حالها: -شعورك وانت حاسة إن في قطعة من حبيبك بأحشائك أجمل شعور بالسعادة، نعم ليلى لقد فزتي بحبيبك وبنطفته التي ستجعلك ملكة لقلبه مهما فرقتكم الأقدار. تنهدت وهي تبتسم وتضع كفيها على بطنها: -نفسي أعرف هيكون عامل إزاي لما أقوله. خرجت من شرودها عندما استمعت إلى رنين هاتفها ووجدت اسمه ينير شاشتها. -لو ناوية تفضلي عندك قولي أمشي. -نازلة أهو. هذا ما قالته.

حركت كفيها وهي تبتسم: -التنين هيرجع يطلع نار يا حبيبي لازم نتحمله. صمتت لحظة، ثم أطلقت ضحكة. -عيب يا ماما دا بابا مش تنين. "بابا" راكان هيكون أب لأبن منك يا ليلى. قالتها بعيون لامعة. بعد قليل كانت تجلس بجواره متجهين إلى المشفى بعدما تحدث راكان: -محمود عدي على يونس الأول عايز أطمن عليه. ظل صامتاً طوال الطريق، حاولت إخراجه عن صمته حينما سألته: -سيلين كانت مختفية من إمبارح رجعت؟ كان ينفث تبغه فالتفت للخارج وهو يردف:

-مش شغلك. ضغطت على شفتيها السفلى، فلقد أصبحت كلماته تعصبها من الآن. جذبت منه الولد بعنف وهي تلكزه بغضب: -طول ما أنا لسة على اسمك كل حاجة مرتبطة بيك شغلي ونص. استدار يحدقها بنظرات نارية وأردف من بين أسنانه: -مش عايز سخافة، من وقت كلامك وعلاقتي بيا اتقطعت. تجمدت بجلوسها محاولة استيعاب عواقب ما فعلته به وتحوله لتلك الحالة. رجعت بجسدها للخلف ونظرت بالخارج، أطبق على جفنيه وألم يغزو جسده كاملاً، فجأة فتح عينيه

واستدار إليها يجذبها بعنف: -توفيق قالك إيه قالبك عليا كدا وإياك تكذبي عليا. دفعته وهي تنظر للخارج حتى تسيطر على نفسها وأجابته: -هيقولي إيه، عايز اتنازل عن أملاك سليم. أدار وجهها بأنامله يتفحص وجهها: -يعني مش ضربك على وشك. قالها وهو ينظر إلى مقلتيها. وضعت كفيها وأزاحت أصابعه، وأجابته وهي تطالعه بكبرياء: -تفتكر يقدر يعمل كدا في مرات راكان البنداري، وهو عارف ومتأكد إنك هتعرف. دقق النظر بملامح وجهها:

-لا والله، على العموم هعرف والله لو لقيتك مخبية عليا حاجة. قاطعته بغضب: -لكل فعل ردة فعل يا حضرة المستشار، كنت مستني أعمل إيه بعد اللي شوفته أنت والحقيرة وكذبك عليا. أغمض جفنيه وهو يحاول السيطرة على نفسه حتى لا يغضبها، سحب نفساً ثم أردف بسخرية: -متغلطيش في ضرتك يا مدام. قاطعهم رنين هاتفه، ابتسم بسخرية عندما وجدها نورسين. فتح الخط: -آسف يا نور سافرت حبيبتي من غير ما أقولك، على الجانب الآخر.

جحظت عينا نورسين عندما استمعت حديثه، ظنت أنه يوبخها ولكن خاب ظنها فتحدثت سريعاً: -ولا يهمك حبيبي المهم متكنش زعلت مني. رمق التي تجلس بجواره، فكانت تضغط على ثيابها بكفيها ناهيك عن شفتيها التي أدمتها وهي تضغط عليها بأسنانها، واهتزاز ساقيها. استدار ينظر بالخارج وأكمل: -حصل ظروف حبيبتي، يونس عمل حادثة، احجزي وانزلي وجودك عندك من غيري مالوش طعم. نهضت نورسين وهي تبتسم بسعادة: -أول طيارة يا حبيبي هكون عندك.

أغلق الهاتف وهو ينظر للخارج ويدندن بسخرية حينما وجد نظراتها النارية تخترقه. زفرت بقوة حتى شعر بنيران تنفسها تحرق وجهه، استدار يطالعها بتسلية: -مالك فيه حاجة؟ شوية وهتطيرني من الباب. خافي على نفسك معاكي راجل مش محترم. قالها وهو يفترس ملامحها بألم لروحه. بعد مرور عدة أيام بمزرعة نوح. دلف للداخل بعد رجوعه من المشفى وإطمئنانه على يونس، دلف وجدها تعد الطعام على المائدة، هرولت إليه تلقي نفسها بأحضان:

-حبيبي حمدلله على سلامتك. دفن وجهه بعنقها يحملها ويدور بها مستنشقاً رائحتها العطرة الندية. -وحشتيني قوي يا حبيبة نوح. عانقته بشدة، أنزلها بهدوء محاوط خصرها واضعاً جبينه فوق خاصتها. -هو فيه أحسن من الواحد يرجع البيت ويلاقي حبيبته مستنياه بالأحضان. وضعت رأسها على صدره تحاوط خصره: -وجودك في حياتي السعادة نفسها. دنى يحتضن ثغرها بخاصته التي جعلته يفقد السيطرة على نفسه فحملها بين ساعديه القوية يغمز لها:

-تعالي ناكل عشان جعان والليل طويل وعايز صحة. لكمته بقوة في صدره: -بطل قلة أدب. جلس واجلسها على ساقيه. -وحياتك، ولا أعرفها. شكلك اتخدعت فيا، وهنزل على مفيش. بدأت تقطع له اللحم وتطعمه. -دوّق كدا وشوف الاستيك دا، وقولي رأيك. بدأ يلوك الطعام بهدوء، مغمض عينيه يتذوقه بتلذذ. رفع كفيها وقبّل كل أناملها، كل واحد على حدا. -تسلم إيدك يا حبي. الأكل ريحته وطعمه جنان. -لا ومتوصية بجوزك قوي. وضعت بفمه قطعة من الكفتة.

-عارفة إنك حيواني، عشان كدا مزوّدة شوية. جحظت عيناه وهو ينظر إليها شرزاً. -أنا حيواني يا أسما؟ قهقهت بصوت مرتفع وهي تهز رأسها. -مش قصدي اللي في دماغك يا حبيبي. أنا قصدي إنك بتحب اللحوم. فعل معها مثلما فعلت وبدأ يطعمها. -أيوه، بس بلاش "حيواني" دي. بحس إنك بتقولي "حمار" معرفش ليه. أطلقت ضحكات صاخبة مما أشعلت وجنتيها فتوردت بحمرة لذيذة جعلتها كتفاحة ناضجة وجبّ التهَامها في الحال. فخطف قبلة سريعة.

وهو ينهض متحركاً يحملها. -دلوقتي لازم نعمل بالأكل، بس قبل دا كله، لازم نفصل التليفونات. خايف يكون فيه سحر. نزلت من بين ساعديه وتحدثت. -نوح، الحمام جاهز. ادخل خد شاور، لما أخلي سيدة تلم السفرة. والليل طويل. احتضن وجهها بين راحتيه ينظر إلى مقلتيها. -تعرفي بحبك قد إيه يا أسما؟ بحبك قد الكون دا كله. وضعت رأسها بعنقه وأجابته. -نوح، أنت حبيب الطفولة والصبا والشباب. خلي عندك إيمان إن حبنا هيواجه كتير.

استمعوا إلى طرقات على باب المنزل. بعد لحظات دلف يحيى، والده، وزوجته المدعية براندا. نظرت أسما إليهما، نزلت بأنظارها إلى بطنها التي بدأت في الظهور. هنا شعرت بأنين شطر قلبها. فكلما تناست، يأتي ما يحطم قلبها ويحوله إلى أشلاء. تركت كفيه ونظرت إليه ثم تحدثت. -أنا جوا، لما ضيوفك يمشوا. أوقفها يحيى عندما تحدث ساخراً. -شكلك مش عارفة بتقولي إيه يا بنت العشري. هما مين دول اللي ضيوف؟

البيت دا بيت مرات ابني اللي واقفة قدامك دي، واللي شايلة ابنه في بطنها. مش واحدة بتخدم عليه. -بابا! صرخ بها نوح. اقترب منه ونيران حارقة تخرج من عينيه. -اللي واقفة تهينها دي مراتي، واللي بس يزعلها كأنه زعلني. وكدا ميشرفنيش وجوده. وقبل أي حاجة، حضرتك علمتني ما أظلمش حد. ودلوقتي أنت أكتر واحد ظالم. وقف بمقابلة والده وتحدث بفظاظة وهو يجذب أسما ويحاوطها من أكتافها.

-دي صاحبة البيت دا. إنما اللي جنبك دي أنا معرفهاش. وفيه حاجة شكلها ما وصلتكش. المدام طلقتها في الليلة اللي جبرتني فيها إني أعاملها على إنها مراتي. استدار ينظر إلى أسما التي طالعته بصدمة حينما استمعت إلى حديثه الذي لأول مرة تعرفه. -آسف حبيبتي. آسف إني وجعتك غصب عني. آسف عشان بابايا كل همه السلطة والنفوذ ومفكرش في سعادة ابنه. احتضن وجهها وأزال عبراتها وهي تهز رأسها. -نوح، أنا نسيت.

جذب رأسها ودمغها بقبلة عليها وهو ينظر إلى والده الذي ذهل مما استمع إليه. -بتعاند أبوك يانوح؟ بدل ما تشكرني وأنا جايب مراتك عشان ترضى عنك وتسامحك لبعدك الفترة دي كلها. هبّ كالملسوع وصاح بغضب. -بقولك طلقتها. أسما بس اللي مراتي. جذب راندا من رسغها وهو يشيع أسما بنظرات كاره. -افتكر إنك قللت أبوك وأم ابنك يا دكتور. جلس بعد خروجه يتنهد بصوت مرتفع، وهو يمسح على وجهه. كانت تقف تطالعه بصمت. جذبها واحتواها بين أحضانه.

-أنت أحسن حاجة حصلت لي وأجمل بنت شافتها عيني. وضع رأسه بعنقها وهو يهمس. -أسما، أنا بحبك قوي. عانقته وعبراتها تنسدل بصمت. *** بالمشفى عند يونس. كانت سارة تقف أمام غرفته تطالعه بعينان حزينة. اتجهت سلمى تقف بجوارها. -تفتكري هيفوق ياسارة؟ عدى أكتر من أسبوعين ومافيش جديد. ترقرق الدمع بعينيها وأجابتها: -أنا قلبي واجعني قوي ياسلمى. نفسي يفتح عيونه، وينادي عليّا حتى لو هيشتمني ويضربني.

استمعوا لصراخ فريال وهي تحاول أن تجذب سيلين التي حاوطها راكان بذراعيه. وتحدث بغضب: -هتقربي منها صدقيني هزعلك. إحنا منعرفش إيه اللي حصل وزي ما حضرتك شايفة حالتها، يدوب لسة واقفة على رجليها. نظرت عايدة إليها وتحدثت: -سيبك منها يافريال، بكرة المتخبي هيظهر. هو يونس هيفضل كدا طول عمره. سحب راكان أخته ودلف إليه. تطلع بنظرات مؤلمة إلى جسده المسجى لا حول له ولا قوة. خطى إلى أن وصل إليه. جلس بجواره يمسد على خصلاته.

-أنت هتستهبل يلا؟ هتفضل تفرسني لحد إمتى؟ والله لو مقومتش، لاضربك على وشك. رفع نظره إلى سيلين التي تقف بجواره وجسدها ينتفض وعبراتها تنسدل بغزارة. سحبها من كفيها وأجلسها بجواره. -هيقوم بالسلامة. دا هيموتنا كلنا وحياتك الأول. متخافيش وبعدين هيسيبك لحد تاني. دا ممكن يخرج من القبر لو دفنته بعد مايموت. -بعد الشر. همست بها سيلين من بين دموعها. أزال عبراتها وهو يضم وجهها. -طيب بدل الحب دا كله، ليه عملتي فيه كدا؟

إيه اللي حصل وصلكم لكدا؟ مش عايزة تقولي لأخوكي. تراجعت وهي تهمس: -مش فاكرة حاجة. أومأ ونهض. -هسيبك شوية معاه. هستناكي برة. قالها وتحرك للخارج. نظرت إلى ذهاب أخيها، ثم جلست بجواره تمسد خصلاته. اقتربت وعبرة غادرة تهبط من مقلتيها معلنة آلامها المنشطرة. رفعت كفيه الذي يوصل به بعض المحاليل واحتضنته. -معرفش أنا غبية ولا رخيصة ولا إيه. قلبي خانني كالعادة وهيموت عليك. رغم اللي عملته فيا بس حموت يايونس من غيرك.

دنت تهمس له وأكملت: -سيلين هتموت من غير يونس. افتح عيونك بقى، بقالك كتير. وأنا متعودتش على الغياب دا كله. مسحت على خصلاته، ولحيته التي بدأت في الظهور. -شكلك بقى وحش قوي حبيبي. نهضت وهي تودعه بنظراتها، واستدارت للخروج ولكنها توقفت حينما استمعت. -سيلين. همس بها يونس. اقتربت منه وهي تبتسم. جلست بجواره. -يونس حبيبي افتح عيونك.

لحظات مرت عليها كالدهر وهو مازال مغلق عينيه. استمعت لهمسه باسمها مرة أخرى. دلف راكان في تلك الأثناء. ضيق عيناه عندما وجد نظرات أخته وكأنه تحدثه. -أنا هنا افتح عيونك حبيبي. اقترب راكان ونظراته تحاوط يونس الذي بدأ يفتح جفنيه بتثاقل، ويغمضها مرة أخرى. لحظات وفتح عيناه. كانت أمامه نظراته مباشرة. وجد ابتسامتها وكفيها على شفتيها وابتسامة بعينيها المترقرق بالدموع. همس باسمها. -سيلين.

تراجعت بعض الخطوات وهي تهز رأسها ثم اتجهت مغادرة الغرفة سريعاً. قابلتها فريال. طالعتها بخوف، تمسك ذراعيها. -بتعيطي ليه؟ هو يونس حصله حاجة؟ اتجهت إليها سارة وخالد، يدققان النظر بملامحها. -سيلين حبيبتي بتعيطي ليه؟ تحركت سريعاً دون حديث عندما فقدت القدرة على الكلام بعدما فاق يونس من غيبوبته وتذكر ما حدث. عند يونس، اتجه راكان إليه. -حمدلله على سلامتك يا دكتور الستات. ابتسم له يونس بعيونه. -سيلين راحت فين؟

دنى راكان وحاوط جسده بذراعيه. -فوق لي كدا عشان بينا كلام كبير للرجالة. بس لو قولت لحد حاجة من اللي حصلت قبلي، هخليهم يموتك واخلص منك. وصل خالد وفريال إليهما. نظر إليه والده. -حمدلله على سلامتك أخيرًا فوقت يابني. كان يطالع راكان بصمت فأردف. -ابعت لي سيلين. ربت راكان على كفيه. -مش دلوقتي فوق الأول. اتجه إلى عمه وتحدث. -حمد الله على سلامته. قالها ثم تحرك مغادراً.

مساء عاد إلى منزله بعد انتهاء يوم مكتظ بالعمل اتجه إلى غرفة مكتبه مع رئيس حرسه. -أنا لحد دلوقتي مش عارف إزاي الكاميرات عطلت اليوم اللي سافرت فيه. لازم تتصرف وتشوف المشكلة كانت في إيه. وكمان لازم أعرف إيه اللي حصل. مش معين شوية أغبياء. طلبت أسبوع. عدى أكتر من أسبوعين ومافيش جديد. أشار إليه بالتحرك بعد إعطائه بعض الأوامر. أمسك هاتفه بعد خروج رئيس أمنه وتحدث. -أيوه يابني معرفتش جدي سافر فين. على الجانب الآخر.

-والله ياراكان جدك داخل مصر. يابني مالوش اسم في المطارات. صاح بعد انزعاجه من بروده: -عارف يا جاسر، كل مرة تثبت لي إنك ظابط فاشل. طيب لما هو في مصر فين مكانه؟ أجابه جاسر: -أنا في إسكندرية دلوقتي ياراكان، ولما أرجع هشوف وأرد عليك. أنهى اتصاله وهو يسبه بداخله. -ماشي يا توفيق، هتفضل متخبي لحد إمتى؟ بكرة تظهر. ظل لبعض الدقائق وهو يفكر. تذكر ذاك اليوم الذي أعاد به ليلى على المنزل. دلف ليلى بمرافقته. نهضت زينب تضمها.

-كدا ياليلى تسمعي كلام توفيق، وترضي تطلقي من جوزك؟ تصنعت ليلى عدم الفهم فاردفت. -ليه ياماما؟ جدو مالي ومال جوازي عشان يطلب حاجة زي كدا؟ هو عشان قولت لك خلي ابنك يطلقني يبقى جدو اللي طلب؟ جحظت عيون زينب وهي تطالعها ثم تحدثت. -توفيق ضربك بالقلم عشان تطلبي الطلاق من راكان؟ اقتربت ليلى وهي تضع يديها على جبين زينب. -هو حضرتك سخنة ياماما ولا إيه؟ وليه جدو يطلب كدا؟

أنا طلبت كدا لما لقيت ابنك هيتجوز محبتش أكون عزول وأجرح مشاعر مراته. مهما كان برضه هتكون زوجة تانية، وابنك شكله بيحبها بدليل ساحبها معاه في كل مكان. ضغط على ذراعيها وأنفاسه تتسارع بغضب. -لأخر مرة هسألك توفيق قالك إيه؟ وليه قلبتي كدا؟ نزعت ذراعها بغضب وأجابته: -مفيش حد قالي حاجة. كفاية عمايل حضرتك. حمل الولد وأعطاه إلى والدته وجذبها بعنف متجهًا إلى غرفة المكتب. ثم قام بفتح جهازه الخاص.

-أدّيت لك فرصة تتكلم. دلوقتي لو عرفت إنك بتكذبي استحملي اللي هيحصل. شدّ وجهها وهي تراه يفحص حاسوبه. ولكن حمدت ربها كثيرًا تضع كفيها على صدرها. في حركة جعلته يشك بأن هناك أمرًا آخر غير نورسين. خرج من شروده على صيحات الطفل بالأعلى. صعد عندما ارتفعت شهقاته ظنًا من وجودها بالأعلى. تناول الولد من مربيته وقطب جبينه متسائلاً. -فين مامته؟ بيعيط كدا ليه؟ أجابته وهي تنظر للأسفل. -أنا أكلته وغيرتله، بس هو مش راضي يسكت.

زفر متنهدًا. بسألك عن مامته فين. -تحت نزلت مع الباشمهندسة سيلين بتعمل جلسة ساونا وجاكوزي. توسعت بؤبؤ عيناه مشدوهاً حتى أصبح ملجم اللسان عله يستوعب ما استمع إليه. بلع ريقه وتساءل. -بتقولي فين؟ -تحت ياباشا. في الساونا. أشار بيديه لتصمت ثم تحدث بعد لحظات. -انزلي للباشمهندسة سيلين خليها تيجي عايزها حالا من غير تأخير. حمل أمير واتجه به للأسفل.

-ما تيجي نلعب مع التنينة شوية. ماما تبعت مفكرة نفسها ذكية. متعرفش إنها بتلعب في عداد قلبها. قابلته سيلين وهي ترتدي مأزرها. -راكان فيه حاجة. توقف أمامها ثم نظر إلى المربية. -خدي الولد وانزلي اتمشي بيه في الجنينة، وحركيه عشان يعرف يمشي. طبع قبلة على وجنتيه، ثم أطلق ضحكة وهو يناديه باسمه. "كان". -ماشي يا أميري. كان ولا إن كلها لغويات نحوية. ابتسمت سيلين على علاقة راكان بأمير. تعلقت بذراعيه. -هتكون أب جنان.

هنا اختفت ضحكته عندما تذكر حديث ليلى. اتجه بأنظاره إليها غير معلقًا. -عيد ميلاد أمير بكرة، عايزك تهتمي بكل تفاصيلها. منظم الحفل هيجي بعد شوية، اجهزي واستنيه. طبعت قبلة على وجنتيه. -أحن أخ وأجمل أب في الدنيا دي كلها.. من عيوني حبيبي. قالتها وتحركت، ثم استدارت عندما وجدته مازال واقفًا بمكانه ينظر إلى البعيد. فرجعت له وتحدثت بمغزى. -الساونا حرارتها مش مظبوطة، حاولت أنا وليلى، ياريت تشوفها ظبطتها ولا لا.

قالتها وتحركت سريعا دون حديث آخر. ابتسم على أخته ثم سحب نفسًا طويلًا يدفعه على دفعات متتالية عله يتنفس. ثم اتجه إلى غرفة الرياضة. وصل وأغلق الباب من الداخل خلفه يبحث عنها بعينيه. رآها من خلال الزجاج، وهي تجلس برداء شفاف أظهر مفاتنها بسخاء. تجلس مغمضة العينين وخصلاتها المرفوعة للأعلى بشكل مغري أظهر عنقها باستفاضة.

ظل يطالعها فكانت هيئتها مثلجة للروح تمر على القلب تاركة أثرها الفاتن. شهية لدرجة إغوائه لنيلها بتلك اللحظة. اقترب بعدما فقد سيطرته وكأنها ألقت على قلبه تعويذة عشقها. قام بثني أكمام قميصه الأبيض ثم قام بخلع حذائه. ابتلع ريقه الجاف حينما استدارت ترفع سيقانها البيضاء الحليبية أمامها وهي تتلمسها وتدندن بصوتها الناعم بأغنيتها المفضلة. فتح الباب بهدوء ودلف ووقف خلفها تمامًا. سحب نفسًا مختلطًا بعطر أنفاسها وهي تدندن.

توقفت عن ملامسة ساقيها حينما احست بأحد خلفها. استدارت سريعا. صرخت بشهقة خرجت من جوفها وهي تلتقط مأزرها سريعًا. وضع كفيه على فمها. -اششش، اهدي.. أنا الي هنا. دفعته وصاحت بغضب وهي تضم جسدها وترتدي مازرها سريعًا. -انت ازاي تسمح لنفسك تدخل عليا بالشكل دا. فصل الساونا ووقف يطالعها ولمعت عيناه بمكر. -دا بيتي على فكرة، وجه في بالي أعمل ساونا، معرفش أنك هنا. ايه رأيك تاخديني جنبك؟ هنام هنا ومش هبص.

كتمت ضحكة من بين شفتيها ولكنه التقطها بعينيه. فخطى مقتربًا ينظر لسحر عيناها. -قلبك قاسي على فكرة، نفسي أعمل ساونا، نفسي فيها يرضيكي جوزك يكون نفسه في حتة ساونا. -احترم نفسك، وامشي عايزة ألبس. أمسك المنشفة واتجه ينظر إليها بتسلٍ. عقدت مأزرها بعنف ولملمت خصلاتها، ولكنه جذبها لأحضانه. -رايحة فين؟ دا الساونا طلعت صاروخ ياحبي. لكمته ببطنه عندما حاوطها بذراعيه. -احترم نفسك ياحضرة المستشار، مالكش حق تدخل كدا عليا.

احتضن وجهها بين كفيه يمرر ابهامه على وجنتيها. -ليه بقى ان شاء الله انتِ مراتي. هزة أصابت جسدها تبتلع ريقها بصعوبة من نظراته المتفحصة لجسدها. ضمت فتحة صدرها بالمأزر وتحدثت بتقطع. -إحنا اتفقنا على الطلاق، قولت شهرين وهطلقني، ودلوقتي عدى شهر أهو. جذبها بعنف وتصلبت أنظاره عليها بعدما ألقت كلاماتها التي جعلت صدره كبركان متفجر. -انا بحاول اتعامل معاكي بالعقل، بس شكلك عايزاني اتجنن.. طلاق ايه دا اللي انتِ عايزاه.

دفعته وتراجعت للخلف واشارت بسبابتها. -لا اتجنن، أنا مستحيل أفضل مرتبطة بواحد خاين بتاع ستات زيك، بقولك طلقني بإحترام بينا، بلاش تخليني أضطر لحاجة تانية. خطى إليها وعيناه تطلق إليها نيران لو خرجت لأحرقتها حتى حاوطها بذراعيه على الحائط. نظر إلى مقلتيها. -عايزة تطلقي؟ ارتجفت شفتيها وترقرق الدمع وهي تهز رأسها. -أيوة. زفر هواء صدره المكبوت بعد لحظات وأردف. -حاضر هطلقك، مش أنا اللي أسيب على ذمتي واحدة متستهلنيش.

حاولت استجماع الكلمات وكأن حروفها هربت من شفتيها، فاستفاقت ترفع عيناها المترقرقة بالدموع إليه. -هطلقني؟ قالتها عندما فقدت قدرتها على الوقوف، بعدما وجدت تجلي التصميم بعيناه وبكبريائه والحفاظ على كرامته. هز رأسه وعيناه ترسم ردود أفعالها. حركت شفتيها المرتجفة، وعينيها الزائغة، وجسدها الذي يرتجف، ناهيك عن سرعة أنفاسها. انزل يديه وضمها من خصرها وهو يهمس بجوار اذنها.

-قبل ما أطلقك لازم آخد تمن وجع قلبي منك خلال السنين دي كلها. جحظت عيناها من حديثه، فتقابلت الأعين وتعالت الأنفاس الحارقة بنيران العشق. تسائلت. -حقك!! ومني!! ليه عملت إيه؟ أجابها متهكمًا. -مش شايفة ليا حق يا ليلى، فين حقي وانتِ مراتي. رفعت رأسها فتقابل ليلها الدامس بشمسه، حيث كانت قريبة من وجهه. فهمست بشفتيها الذي يطالعها وكأنها ملاذه في الدنيا. -تمن.. عايز تمن تاني يا راكان لجوازنا.

جذبها لتختبأ بين ذراعيه وكأنها ملاذه وهو ملاذها الوحيد، فلم يعد يتحمل بعدها عنه. حاوطت خصره متناسية كل شيئًا، وهمست وعبرة خائنة أحرقت وجنتيها. -ياترى التمن اللي طالبه هقدر عليه، وانت كمان هتقدر تاخد التمن وقلبك مطمن إنه هيكون طلاقنا وبعدنا عن بعض. أخرجها من أحضانه بعدما فقد سيطرة عقله وقلبه الذي يصدر قراراته، فكيف للقلب أن يتغلب في حضرة العقل.

مسد على خصلاتها الندية بفعل البخار، وانزل بأنامله على عنقها، ملامسًا شفتيها. -بطلتي تحبيني يا ليلى، حقيقي مصدقة إني خنتك، ولا فيه حاجة تانية مخبياها عليا. رفعت نفسها إليه صامتة وهزت رأسها. -الحب مش كل حاجة، أنا بحبك بجنون بس انت بتوجعني دايما.

كانت نظراته تبحر على وجهها بالكامل. دنا منها حيث أن همسها وهيئتها التي أهلكت قلبه، جعله يتمادى بعشقه، وهو يدنو أكثر لاغيًا عقله وناسيا ما طلبته واقترب ملامسا شفتيها التي تشبه الكريز. هنا انهارت كليًا وشعرت بضعف كيانها وهلام ساقيها التي لم تعد تحملنها، فرفعها من خصرها متجهًا إلى الخارج. جلس ثم أجلسها بأحضانه. احتضن وجهها ينظر إلى مقلتيها بعشقه الدفين.

-ليلى مفيش حاجة حصلت بيني وبين نورسين، وحياة عينيكي الحلوة، ما قربت منها. هنا أستفاقت وهبت واقفة وتحدثت بتقطع. -ميخصنيش دا، إحنا اتفقنا على الطلاق وخلاص.. انت كذبت عليا. ساد صمت مختنق بحزن بينهما، فأومأ برأسه. -تمام هطلقك بس بعد فرحي. استدارت غاضبة وصاحت بوجهه. -ليه إن شاء الله؟ نهض وهو يضع كفيه بجيبه وتحدث وهو يمشطها بنظراته وأجابها.

-كان والدك عمل العملية وميحصلوش انتكاسة، وكمان يكون حمزة اتجوز اختك.. غير كدا متحلميش. وقبل دا كله أخد حقي. استدار ينظر لمقلتيها. -عايزة تطلقي نتعامل زوجة زوج، ماهو مش معقول أطلقك بعد رحلة عذاب وفي الآخر يكون جواز بطعم الألم وبس. أغمضت عيناها بألمًا عندما فهمت مايشير إليه فرسمت ابتسامة باهتة على وجهها. -انت ليه مصر تسوء شكلك قدامي. أطلق ضحكة بطعم المرارة وأردف بعد لحظات. -عشان مهما أقول ومهما أعمل مش هتصدقي.

بكرة عيد ميلاد أمير اعملي حسابك بعد الحفلة تنقلي جناحي. قالها واتجه متحركًا بعدما ارتدى جاكتيه. توقفت أمامه وبعينين ذابلتين اهلكهما الألم تحدثت. -هي ليلة واحدة يا راكان، بلاش توجعلي قلبي، كفاية وجع لحد كدا. آهة خفيضة خرجت من شفتيه يتبعها ألمًا شق صدره فاستدار يطالعها بنظرات حزينة متألمة. -كل مرة بتكرهيني في نفسي قوي يا ليلى، معرفش ليه عايزة ترخصي نفسك قدامي، ليه مصرة تدبحيني.

أدارت جسدها للجهة الأخرى مبتعدة عنه بأنظارها. -نصيبنا كدا، نكون حراميين في مشاعرنا للأسف. صدمة أزهقت روحه. -تمام يا ليلى، هعمل اللي انتِ عايزاه، بس اعرفي كدا بدوسي عليا. قالها وتحرك للخارج حتى لا يخنقها. جلست بعد خروجه تتنهد بألمًا شديد وكأنها تحارب نصل سكين مغروس بصدرها. ثم أردفت لنفسها. -ياترى يا راكان إيه اللي حصل بينك وبين نورسين، وهل فعلا إنت مظلوم.. دماغي هتفرقع، قلبي بيقول انك صادق وعقلي بيقول انك كاذب.

مساء اليوم التالي بعد انتهاء حفلة عيد ميلاد ابنها، قامت بمهاتفة والدتها للاطمئنان على والدها. استمعت إلى رنين هاتفها، قامت بالرد. -نعم. على الجانب الآخر تحدث. -مطلقكيش ليه لحد دلوقتي، مش المفروض كان يطلقك من أسبوع. زفرت وصاحت به بغضب. -قالي بعد فرحه، ياريت تتهد بقى، ومتخافش هو مش طايقني أصلا. قهقه واجابها.

-عارف، إنه مش طايقك. قدامك تلات أيام والا هلغي عملية أبوكي، لسة مخلتش المحامي يرفع القضية، صدقيني لو وصلنا لقضية راكان هيدفنك، فعشان كدا اضغطي عليه بكل قوة دا لو باقية عليه متخلنيش اوصلك لحالة تكرهي نفسك فيها بسببه. قالها وقام بإغلاق هاتفه. اتجهت إلى غرفتها بعدما أوصت مربية إبنها عليه. دلفت إلى مرحاضها وخرجت بعد قليل تستعد للقاء زوجها. وضعت كفيها على أحشائها واردفت بأعين ذابلة وقلبًا حزين.

-هنبات مع بابا النهاردة، لتاني مرة هحس بحضنه. معرفش ليه لحظات السعادة قليلة. بس وحياتك لأدفعهم التمن غالي. اتجهت تنقي ثيابها بعناية. ارتدتها بهدوء وكأنها عروس ليلة زفافها. كانت ضربات قلبها العنيفة تكاد تخرج من صدرها. أنهت زينتها واتجهت تجلس غير قادرة على الحركة أو الذهاب إليه. حدثت نفسها.

-ياترى يا ليلى اللي بتعمليه صح ولا غلط، وراكان مظلوم زي ما بيقول ولا لا. نفسي يتعلق بيا لدرجة ميقدرش يستغنى عني، ومهما أعمل مستحيل يطلقني بس إزاي. بغرفته كان يجلس بشرفته يدخن بشراسة، ينتظر دخولها. هو الآن سيكون أسعد الرجال عندما ينهل منها ما يبرد قلبه الملتاع بإشتياقه لها. أطبق على جفنيه وهو يتخيلها بين أحضانه. ابتسم بسخرية وهو يتذكر طلبها للطلاق. -طيب يا ليلى هشوف آخرتها معاكي إيه!

مفكراني غبي، معرفش إنك تحت تهديد بس مين؟ جدي ولا حد تاني، ولا فعلا مش مصدقاني. مرت ساعة وهو مازال ينتظرها. نهض متجهًا إلى غرفتها. دفع الباب ودخل يبحث عنها بغضب. وجدها تجلس على الفراش تضم ركبتيها لأحضانها وتبكي بصمت. توسعت عيناه وانشطر قلبه لرؤيتها بتلك الحالة. وصل إليها بخطوة واحدة. -ليلى إيه اللي حصل؟ جذبها من كفيها ليوقفها. نهضت ثم ألقت نفسها بأحضانه وهي تبكي بشهقات. أزال عبراتها بإبهامه رافعًا ذقنها.

-إيه اللي حصل ليه مجتيش؟ همست وعيناها الباكية. -هطلقني مش كدا. زفر متنهدًا وهو يكور قبضته بغضب. -انت عايزة إيه بالظبط، بتعيطي ليه إيه. استدارت تواليه ظهرها وهي لاتعلم ماذا تفعل. لقد وضعها القدر بإختبار صعب وثقيل. فأردفت: -عايزة أطلقك. سحبها من كفيها متجهًا لغرفته وهو يأكل الأرض بخطواته. -يبقى ادفعي اللي عليك الأول من وجع قلبي.

دلف بها للداخل وهو يحاول أن يأخذ أنفاسه بصعوبة، فكلما تذكره بطلاقهما، يشتعل بنيران الجحيم. هو يعلم أن هناك شيئًا ولكن ماهو ولماذا تصمت؟ -كما تشائين مولاتي، سأكون معاكي لآخر لعبتك. هكذا أردف بها لنفسه وهو يحتضنها بأنظاره. وقفت بمنتصف الغرفة تفرك كفيها وتنظر حولها بخجل من نظراته ولمساته. أغمضت عيناها عندما دنا منها يهمس لها. "عايزة تطلقي ياليلى؟ " قالها وهو يقوم بفك عقدة مأزرها.

سقط المأزر تمامًا على الأرضية ولم تبقى أمامه سوى بثياب نومها الفاخر الذي اتخذته خصيصًا لهذه المقابلة. لا تعلم لماذا اعتنت بكل شيء حتى عطرها له، مختلف عن أي ليلة أخرى، جديد من نوعه، كل شيء انتقته لأول مرة من أجله، لعلها تكون ذكرى بعد ذلك. فهل ترى ستكون ذكرى مميزة أم مأساوية لكليهما؟ كرر سؤاله: "عايزة تطلقي مني ياليلى ليه؟ ناظرها بعيونه الشمسية ينتظر إجابتها التي تثلج روحه، فهو يهيم بها عشقًا. هربت بأنظارها منه.

رفع ذقنها ملامسًا وجنتيها التي أصبحت كالتفاح الذي حان وقت جنيه. عجز لسانه عن ما يشعر به في حضرتها، ألقى كل شيء خلفه، حتى انتظاره لأجابتها. وقام بحملها متجهًا لفراشه لينعم بليلة عاشقة بينهما. ظن أنهما الاثنين أنها ستكون فراقهما الأبدي. وضعها برفق على مخدعه. وبدأت أنامله تتراقص بحرية على جسدها، حتى ذابت بين يديه.

فترة أقل ما يقال إنها فترة في الجنة لكل منهما. انتعش روحه بروحها، وشعور الأمان تملكه. لما لا وهي نصفه الآخر، ولا يختلف الأمر عندها، فهو عاشق الروح. تمنت لو يتوقف الزمن هنا فقط. هو حبيبها الذي دفنت حبه بقلبها لفترات، ورغم عشقها له، بغبائها قتلته بأيديها. ومرت الأيام والشهور، وأرضى ربها عنها وأعاد حبيبها ليحيي عشقهما مرة أخرى. داعب خديها بأنامله ونظر لسحرها: "أنتي جميلة قوي قوي."

جملة أحيت روحها مرة أخرى بعد همسه لها بحبه لها. تمنت لو يثبت لها أنها وحدها فقط. ولكن ليت الأماني بالتمني. رفعت أنظارها له تتأمله بحب لوهلة لتتأكد من عشقه. ولكن تذكرت تلك الصور، وأنه سيطلقها كما طلبت منه. كأن القدر دائمًا يضعها باختبار ثقيل. أغمضت عيناها حزنًا. همس لها: "افتحي عينك ليلى، عايز أحس إنك مراتي على طول مش مجرد ليلة زي ما بتقولي." رسمت ابتسامة مرتعشة دون حديث. بعد قليل.

انتهت رحلة العشق بينهما، ولكن ما زال العشق الروحي يطوفهما. جذبها بقوة وهو يقبل جبينها كعروس يوم زفافها. أقنع نفسه بذلك، إنها زوجته، حبيبته، ملكه وحده. ألقى كل ما يعوق ذلك خلف ظهره، حتى تناسى طلبها. فرغم أنها تزوجت غيره، وتقابل قبل ذلك، لكن كل مرة يريد أن يثبت لنفسه إنها الأولى ولا يمسها غيره. هذا ما صوره قلبه المسكين. وضعت رأسها على صدره لتستمع إلى دقاته العنيفة.

أغمض عيناه من كم الشعور الطاغي الذي تملكه. ضمها إليه بقوة. رغم خفة وزنها، إلا أنها أثقلت قلبه بعشقها الدفين. جذبها ينظر لسحر سوادها المغناطيسي وكأن الشفاه ماتت عن النطق. رفع سبابته يمشط بها وجهها كأنه فنان يرسم بريشته ملامحها بقلبه. طاف على وجهها. بدأ صدره يعلو ويهبط مما شعر به في ذلك الوقت.

ظلت بأحضانه تستمتع بنبض قلبه وتستنشق أكبر كم من رائحته التي اعتبرتها ملذها للحياة في أيامها الأخيرة. ظل يمسد على خصلاتها الحريرية مرة وعلى وجهها بإبهامه مرة أخرى. تمنى أن تهمس باسمه الآن وهي بين يديه بحالة العشق التي رآها. لم يعلم لماذا هي صامتة منذ وجودها. رفعت رأسها على صدره تتمنى أن لا تصحو أبدًا. "ليلى." قالها راكان بصوته المبحوح. نبضات عنيفة سريعة بصدرها بللت حلقها لكي يخرج صوتها، ولكن لم يسعفها.

ناظرته باستفهام لم تفصح عنه شفتيها. "ليه عايزة تبعدي عني وتحرمينا من بعض؟ اعتدلت تجذب ملابسها. لقد أيقظ عقلها الذي حاولت أن تلغيه لفترة. جذب ملابسها وألقاها بقوة بعيدًا عنها واردف بغضب: "الليلة لسة مخلصتش يامدام." قالها وهو ينظر إليها نظراته النارية التي تحولت تمامًا عن ما كان به منذ لحظات. جذبها ووضع رأسها على صدره لاغيًا أي شعور آخر، إلا أنها بين أحضانه فقط. نهرها قائلاً بتحذير:

"إياكِ تقومي من جنبي طول ما أنا نايم." لم تجادله كثيرًا. أغمضت عيناها علها تستمع بقربه فترة أخرى. ظل يمسد على خصلاتها مرة ويحرك أنامله على جسدها ليثبت لنفسه إنها حقيقة بين يديه. ثم غاب جسده المرهق في سبات عميق وما زال مطوق جسدها. لأول مرة منذ فترة كبيرة بعد لقائه الأول بها، تغفو جفونه مطمئنة وقلبه هادئًا مرتاحًا بعد ليلة اعتبرها ميلاده مرة أخرى على حنايا الأرض. صباح اليوم التالي استيقظ وما زالت بأحضانه.

دنا يستنشق عطر تنفسها. أزال خصلاتها عن وجهها ممررًا إبهامه على وجنتيها يتحسسها بعشق. استند على مرفقه وأحاط خصرها محتجزًا إياها بين أحضانه مستمتعًا بقربها. ابتسم كلما تذكر ليلته الندية بعطر وجودها وهي بأحضانه. ظل يتأمل مظهرها المبهج لقلبه. قاطع تأمله بها رنين هاتفه. أمسك الهاتف.

"أيوة ياحسن." استمع إلى ما جعل قلبه ينتفض بوجع وألمًا فاق حدود الوصف، حتى شعر بأن روحه كادت أن تفارقه. وكأنه فوق برهة بركانية. أطبق على جفنيه وهو يتضرع توجعًا وشعوره بانهيار عالم جنته الخاصة وهو يستمع إلى كلمات صديقه: "مدام ليلى البنداري رافعة قضية طلاق عليك ياراكان. لسة جايلي الخبر. حبيت أعرفك تلم الموضوع قبل ما يوصل للنائب العام."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...