الفصل 25 | من 52 فصل

رواية عازف بنيران قلبي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سيلا وليد

المشاهدات
31
كلمة
9,380
وقت القراءة
47 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

حين تحزم قرارك وعدة الرحيل حين تحكم بأن ننتهي ونُصد في وجه بعضنا أيامنا لا تبقى في البعد تتلصص على حالي وأراقب اسمك ووصفك في أحد أسطري تتلذذ أن تكون بطل القصيدة القادمة والفارس الذي يتسيد شجن أسره لنص قصير حين ننتهي لف عليك الغياب مرتين ارحل بكل حواسك عني ولا تتعدى علي *** قبل عيد ميلاد أمير بيوم

خرج من غرفة الساونا واتجه لغرفة مكتبه سريعًا بعدما فقد السيطرة بحضرتها. دلف وأغلق الباب وهو يكاد يتنفس بصعوبة. جلس على مقعده وهو يمسح على وجهه بعنف قائلًا لنفسه: "وبعدهالك ياليلى، ليه مصرة ترجعينا لنقطة الصفر."

أطبق على جفنيه متألمًا كلما تذكر هيئتها التي جعلته قديس لجمالها. فتح جهازه ينظر إلى صورتها بصمت، أخذ يتأمل ملامحها الحنونة القادرة على ثلج نيرانه. تذكر قبلاته لها وكيف كانت تجعله كسكير يتجرع من كأسه دون ملل كأنه شهد يتلذذ بطعمه. نهض بعدما فقد السيطرة كاملة، وخرج متجهًا إلى المشفى لزيارة يونس. بفيلا يحيى الكومي جلست بغرفتها وهي تدخن بشراسة. فكلما تذكرت نظراته لتلك التي ينسبها لنفسه تشعر بنيران بأحشائها. أمسكت هاتفها

وقامت بمهاتفة أحدهما: "هبعتلك صورة واحدة عايزاها بكرة في المصنع القديم، مش عايزة غلطة. هبعتلك كل حاجة." أنهت اتصالها وهي تحدث حالها: "هنشوف يادكتور نوح هتعمل إيه بعد اللي هعمله في ملكة الجمال تبعك." بمشفى يونس وصل راكان ودلف إليه. كانت فريال تجلس بجواره تطعمه. "عامل إيه النهاردة." مسح فمه وهز رأسه ينظر إلى باب الغرفة. ربما تدلف إليه، ولكن خاب ظنه عندما جلس راكان وتحدث بمغذى:

"مشغولين بحفلة عيد ميلاد أمير، قولت اجي أشوفك بسرعة." تنهد بحزن دون حديث. ربت راكان على كتفه. "شد حيلك عشان تخرج، مش عيب تبقى دكتور وتنام زي الدبيحة كدا." أرجع خصلاته للخلف وتحدث: "دبيحة، في الآخر تقول عليا دبيحة." قطع حوارهما دخول الضابط المسؤول عن حادثته. "دكتور يونس ممكن ناخد أقوالك بسبب الحادث." استدار ينظر إلى راكان مستفهما. رفع منكبيه وهو يهز رأسه بعدم معرفته بما يحدث. فهم الضابط نظراته فتحدث:

"جد حضرتك توفيق البنداري قدم بلاغ من اليوم الموافق أربعة من هذا الشهر." أومأ متفهما فأجابه: "الدنيا كانت ضلمة ومشفتش حاجة، كان كل خوفي على بنت عمي فمركزتش في حاجة." سأل الضابط مرة أخرى: "بنت عمك شافت المجرم." أجابه سريعًا حتى ينهي الحديث: "هي اغمى عليها مجرد ما الباب اتفتح وهجم علينا الحرامي." "والبواب كان فين." تساءل بها الضابط. "البواب كان في مشوار بعيد، كنت باعته وسط البلد يجيبلي حاجات ودا ياخد ساعتين على الأقل."

بعد دقائق من الأسئلة خرج الضابط وتبقت فريال وراكان: "اومال ليه سيلين بتقول إنها قتلتك." رمق والدته بنظرة فصمتت. "سيلين مجرد ما شافت الحرامي انهارت واغمى عليها ومعرفش إيه اللي حصل بعد كدا." توقفت غاضبة وهي تحدجه شرزًا ثم خرجت من الغرفة. ظل راكان يطالعه بصمت حتى قاطعه يونس: "بتبص كدا ليه، مش مصدق إنت كمان؟ "بقولك إيه يلا، حد قالك إني عبيط وبريل قدامك، هات من الآخر واحكي لي بدل ما أخليك تفضل طول حياتك في المستشفى."

"اللي عندي قولته، مش مصدق روح اسأل اختك." نهض وهو يضع يديه بجيب بنطاله متجهًا للنافذة وتحدث: "انت حاولت تعتدي على سيلين يايونس." قالها راكان وهو ينظر للخارج. تضجرت ملامحه بجمرة الغضب وأجابه: "لدرجة دي شايفني حيوان؟ وبعدين إنت ناسي إنها مراتي ولا إيه." استدار ينظر إليه بتقييم: "لا مش ناسي، بس شكلك إنت اللي ناسي إنها متعرفش." عند ليلى

خرجت بعد فترة واتجهت إلى غرفتها. أنهت حمامها واتجهت لتؤدي فرضها بخشوع. تحمد ربها على ما توصلت إليه رغم العقبات التي واجهتها إلا أنها اعتبرتها قوة لإيمانها. استمعت إلى طرقات على باب غرفتها. فتحت سيلين الباب تدقق النظر بها. "عاملة إيه يالولة." رفعت حاجبها بسخرية ثم ألقتها بالوسادة: "كدا تبعيني لأخوكي ياسيلي." قهقهت سيلين بمرح وجلست أمامها: "ياختي هو كان مستني أبيع ولا أشتري، هو كان رايح أصلًا. غمزت بعينيها وأردفت."

"بس مقولتيش يالولة، راكان عمل إيه، أنا أسمع عن شقاوته مسمع في القناة التاسعة." ابتعدت بنظرها عنها وتحدثت بأعين تفيض ألمًا: "زي مابتقولي بالظبط سمعته مسمعة في كل مكان، كأن الألم مكتوب عليا طول عمري بلقب الزوجة اللي جوزها... قاطعتها سيلين سريعًا عندما تحول الحديث للجد: "مش قصدي ياليلى والله، على فكرة راكان مش كدا، هو آه له علاقات نسائية، بس مش اللي في دماغك." ابتسامة سخرية بدت موجعة على شفتيها:

"ولا اللي في دماغي، كفاية إنه هيتجوز. سيبك من سيرة أخوكي اللي ريحة ستات مصر كلها هتلاقيها في هدومه." ربتت سيلين على كفيها ثم احتضنت وجهها: "ليلى هو إنت بتحبي راكان." صمتت هنيهة تطالع سيلين بضياع. فاليوم هي تأكدت من وجود قطعة منه بأحشائها فماذا سيكتب لها الغد. أتصارح سيلين أم تظل صامتة حتى تعلمه أولًا ولكن كيف سيكون ردة فعله. تشعر بأنها بمتاهة في منتصف الطريق لا تعلم بأي حرب ستخوض. ظهرت خيوط دموعها

بجفنيها وتحدثت بتقطع: "مش عارفة ياسيلين، صدقيني مش عارفة، كل اللي طالباه أعيش حياة هادية مع ابني وبس، مش محتاجة غير شوية سكون." قطبت سيلين حاجبها مستغربة ردها فهتفت بها: "قصدك إن حبك لراكان دا هيدخلك مشاكل، مش فاهمة قصدك." نظرات ضائعة معذبة وقلب ينتفض ألمًا أجابتها:

"بيقول حاجات وبيعمل حاجات تانية، وأنا جوايا حرب مش عارفة أخلص منها، مش عارفة الغلبة هتكون مع القلب ولا العقل، كل اللي متأكدة منه إن راكان صعب تعرفي هو عايز إيه." أومأت سيلين بتفهم فهي تعلم أن أخيها صعب الوصول إلى تفكيره. فربتت على ذراعها وتحدثت: "عايزة أكدلك إنه بيحبك ودا أهم حاجة." ابتلعت غصتها المتورمة قائلة بتنهيدة عميقة: "الحب مش كافي ياسيلين، فيه أهم من الحب إنك تحسي بالأمان وإنت في حضنه." ثم نظرت إليها

ورسمت ابتسامة مصطنعة: "سيبك من راكان وقولي إيه اللي حصل دا، ليه عملتي كدا في يونس، هو إنتوا بينكم حاجة." *** صمتت ثواني تقاوم غلالة دموع وخزت جفنيها ثم قالت بصوت مختنق: "تعرفي إن راكان مش أخويا شقيقي، ولا حتى سليم. صعب قوي لما تكوني وحيدة وتبقي عايزة تقولي للي بيوجعك وحد يحس بيك ويفهمك ومش لاقية." انسدلت عبراتها على وجنتيها وهي تطالع ليلى وتحدثت:

"الوحدة صعبة قوي، كان نفسي يكون ليا أخت أحكيلها اللي بيوجعني، بس للأسف فوقت على كابوس إن أمي مش أمي، وأخواتي مش أخواتي." جذبتها ليلى لأحضانها تربت على أكتافها: "حبيبة قلبي أنا موجودة واعتبريني أختك، أوعي في أي وقت تحسي إنك وحيدة." خرجت من أحضانها تبتسم من بين دموعها: "أنا أصلا حبيتك قوي من أول مرة شوفتك فيها لما سليم أخدني عشان أشوفك، كنت خايفة تطلعي زي نورسين ولا حلا."

أطلقت ليلى تنهيدة من عمق الليل الحالك بداخلها واجابتها بتعبير يتقطر حزنًا: "يعني مالقتيش غير أم أربعة وأربعين وتشبهيني بيهم." أطلقت سيلين ضحكة رغم ما كانت تشعر به. هزت رأسها: "مش قصدي يالولة متكونيش قفوشة كدا. المهم نستيني جتلك ليه." "بكرة أمير العيلة هيكمل سنة، وراكان طلب مني أهتم بكل حاجة للحفل، وفعلا اتفقت مع تنظيم الحفلة وكل حاجة جاهزة، فجيت أسألك لو محتاجة حاجة معينة في الحفلة دي." هزت رأسها رافضة:

"لا حبيبتي اعملي اللي انتي عايزاه، هو قالي إنك هتهتمي.. سيبك من الحفلة وجاوبي على سؤالي." "إيه اللي حصل بينك وبين يونس." نهضت سيلين عندما استمعت إلى رنين هاتف ليلى قائلة: "ردي على تليفونك وبعدين نتكلم." هزت رأسها وخرجت. فتحت ليلى هاتفها متحدثة: "عاملة إيه ياأسما." على الجانب الآخر أجابتها بحزن يملأ قلبها: "نوح طلق راندا ياليلى، ودكتور يحيى كان هنا، والدنيا مش تمام أنا مرعوبة من اللي جاي."

نهضت ليلى وجلست أمام مرآتها تقوم بوضع مرطبات على بشرتها وهي تستمع إليها بتركيز: "أنا كنت عارفة إن نوح طلقها من ليلتها، بس قبل ما تتكلمي هو حلفني ما أقولك، وقبل ما تتعصبي نوح غصب عنه، هو خايف عليكي ياأسما، دكتور يحيى مش هيسكت، وكان متفق مع راندا إنها متعرفش والده حاليًا، وطبعًا كالعادة قبضت منه." زفرت أسما مختنقة وتحدثت: "طيب وبعدين ياليلى، هفضل في القلق دا لحد إمتى." توقفت ليلى عما تفعله واجابتها:

"ارمي الخوف ياأسما وقربي من جوزك وعيشي حياتك، الحياة قصيرة فوق ما تتخيلي، هو أنا اللي هأكدلك إن نوح مستعد يبيع الدنيا كلها عشانك." استمعت لفتح باب غرفتها. ظنت إنها سيلين ولكنها تفاجأت بمتيم قلبها. ابتلعت ريقها وتحدثت لتنهي مكالمتها سريعا حتى ترتدي شيئًا. جلس خلفها وانتظر إنهاء مكالمتها. تحدثت بتقطع: "طيب حبيبتي هكلمك بعدين." لكن أوقفتها أسما: "ليلى معرفتيش ليه سيلين كانت عايزة تموت يونس؟

قابلت نظراتها مع ذاك الذي جذب كريمها ينظر إليها من خلال المرآة. ثم تحدث بعينيه: "كملي اتصالك." ارتبكت كثيرًا عما ينتوي فعله، فجذبت العلبة من يديه وهي تتحدث بهاتفها: "هكلمك بعدين يا أسما. مش عارفة اتكلم." ضحكت أسما حينما شكت بوجود راكان بجوارها، فتحدثت بخبث: "عايزة أعرف ضروري ياليلى. الموضوع دا مخوفني. تفتكري يونس حاول يعمل فيها حاجة؟ حاوطها راكان بذراعيها واضعًا ذقنه على كتفها وبدأ يفرد مرطبها على كفيها بهدوء.

حتى أغلقت الهاتف بيد مرتعشة، بعدما حرك انامله على طول ذراعها المكشوف. التفتت ترمقه بغضب: "انت ايه اللي بتعمله دا؟ إزاي تسمح لنفسك تعمل كدا؟ "العقد اللي بيني وبينك هو اللي سمحلي بكدا. إنتِ ناسية إنك مراتي." أطلقت زفرة حارة من أعماق قلبها علها تخفف من اوجاعها..ورفعت نظرها إليه: "راكان لو سمحت.."

ولكن قبل أن تكمل حديثها، كانت شفتيه تعرف طريقها فوق قلبها يلتقط كلماتها بقبلة أكثر شغوفًا وأعمق تعبيرًا ليؤكد لها رفضه القاطع عما تريد قوله. فصل قبلته يضع جبينه فوق خاصتها وأكمل:

"هتفضلي مراتي ياليلى. وقبل ماتتكلمي، أنا مخنتكيش مع نورسين. هي فعلا لحقتني ومعرفش ليه، بس هتاكد من لعبتها لأنها عرفت بعلاقتي بيكي. وفعلا أنا قولتلها اطلعي برة عايز انام. دا أول مادخلت الأوضة وكنت لسة داخل الجناح واتفاجأت بوجودها. وطردتها ومشيت." رفع شمسه ونظر لليلها الدامس ومازال على وضعه، وأكمل استطرادًا لحديثه:

"هي دخلت بعد فترة، عشان عارفة اني كنت تعبان وواخد مضاد حيوي تقيل بسبب البرد. ونمت محستش بحاجة غير لما سمعت اتصالك." لمس وجنتيها بأنامله وعينيه تفترس ملامح وجهها الذي يشبه القمر. "تفتكري بعد مادقت حبك وشوفت جمالك ممكن اشوف حد بعدك؟ والله دي الحقيقة. عايزك تثقي وتتأكدي مفيش ست عملت فيا اللي إنتِ عملتيه ياروح قلبي."

أطبقت على جفنيها تعبأ صدرها من رائحة أنفاسها التي أصبحت تغزو رئتيها، وتمنت قربه بتلك الأثناء لدرجة انزلقت عبراتها لخيانة شعورها بتلك الأحاسيس. ماذا يحدث معها؟ حتى يصل إليها إحساس أن بعده يرهقها. هي تريد أن تتعافى وتشعر براحتها بين ذراعيه وتملأ صدرها بالهواء المختلط بعبير أنفاسه المدمنة لرئتيها. داعب خصلاتها مستنشقًا رائحتها بتلذذ فهمس لها:

"الليلة آخر ليلة هتباتي بعيد عن حضني. عايز الأوضة دي تولعي فيها عشان مستحيل تدخليها تاني. ومعنى تولعي فيها، مش عايز ذكرى حتى لو بسيطة تفكرك بيها." لم تشعر بنفسها وهي تحاوط عنقها تدفن وجهها بعنقه حملها متجهًا إلى فراشها يدثرها. ثم طبع قبلة على وجنتيها. "لو مش عندي قضية مهمة ولازم أسهر عليها صدقيني مكنتش بعدت عنك الليلة. ياله براءة واستعدي لحبيبك وجنته." تقابلت نظراتها بعينيه قائلة: "ليه عايز تحرمني من جنتك؟

ابتسم وهو يمسد على خصلاتها عندما أغمضت عيناها ذاهبة بنومها وهي تهمس: "عايز يحرمني منك ومن جنتك حبيبي." جلس بجوارها محاولا الاستماع إليها. التقط كلمة جنتك حبيبي. طبع قبلة بجانب شفتيها. ظل يناظرها بأعين تفيض ولهًا واحس بالحرارة تتسرب لجسده. فنهض. ثم خرج بعد إغلاقه للمصباح الكهربي.

مساء اليوم التالي وهو اليوم المعد للحفل الأول لعيد ميلاد حفيد العائلة ابن فقيدهم الخلوق. كانت هناك أصوات خارجة بالحديقة بأغاني الأطفال. والكل يعمل بخفة ونشاط. كانت تجلس بغرفتها تستعد لنزولها للحفل بصحبة ابنها وزوجها لأول مرة أمام جميع الحضور من الأقارب ورجال الأعمال المعروفين. بالأسفل دلف أسعد بمرافقة توفيق. ثم أجلسه أسعد وهو يصيح باسم العاملة: "اعملي عصير فريش وهاتيه للبيه."

وصل راكان الذي دلف للتو. ينظر إلى جده نظرات قاتمة. اقترب يجلس بمقابلته. "اخيرًا توفيق باشا ظهر. طيب مش تعرفني ياباشا؟ كنت فرشت الأرض دبابيس يمكن تحس بالألم اللي مش مبطل تغرسه في قلوب الناس." صاح أسعد به بغضب بعدما حزن والده. الذي يجلس مغمض عينيه قائلا: "جدك تعبان بلاش تزودها عليه. نفسي تعمل إحترام لأبوك مرة واحدة." اقترب راكان وحاوط مقعد جده بذراعيه وتحدث بفظاظه وصوت غليظ: "لما يقولي ليه ضرب مراتي في غيابي؟

وهددها بإيه؟ وليه بوظ الكاميرات؟ عشان عارف إنه عامل مصايب." صرخ بصوت جهوري وصلت زينب على أثره: "حذرتك كام مرة بس انت مصر تحولني لشيطان ويقولوا شوفوا بيعامل جده ازاي. دا مش متربي ومحترم." "راكان... " صرخ بها أسعد. أشار لوالده وتحولت ملامحه لنيران تحرقه وانخفض لجلوس توفيق. "اقسم بالله لأبيتك في القسم الليلة. ومش بس كدا هخليك تعفن في السجن. واللي يقول انا شيطان مرحب بيه بدل ميعرفش حقيقتك القذرة." صفعة من أسعد على وجهه.

شهقة خرجت من جوف زينب تصرخ باسم ابنها. مما أدى إلى وصول ليلى. تقف بجوار زينب توزع نظراتها بينهم. "فيه ايه؟ " تساءلت بها ليلى. صاح أسعد بغضب: "شكلي معرفتش أربيك فعلا." أشار على توفيق. "مش محتاج انه يعفن في السجن. ماهو إنت لو هامك ابوك فعلا كنت دورت على جدك وعرفت انه كان محجوز في مستشفى السرطان." اقترب ونظر بداخل عين أبنه.

"جدك مريض كانسر ياحضرة المستشار. ياله خده اسجنه خليه يعفن في السجن عشان وقتها اقسم بالله لاهتكون ابني ولا أعرفك." صاعقة نزلت على الجميع من حديث أسعد. أما راكان الذي وقف متصنما من صفعة والده. رفع انظاره فتلاقت عيناه المتألمة بها. تاركا ما شعر به واتجه إليها وسحبها من كفيها وأوقفها أمامه. "ميهمنيش انت قولت ايه. اللي يهمني دلوقتي حق مراتي. وحقها مش هضيعه. قالها ايه؟ وليه يتجرأ انه يضربها!! نظر توفيق

إلى ليلى واصطنع الألم: "ليه هضربها ياراكان؟ دي ام الغالي ومرات سليم الله يرحمه. وإنت عارف سليم كان حبيب قلبي." صرخة مدوية خرجت منه بكل ما أوتيت من قوة: "دي مراتي دلوقتي. سليم الله يرحمه. أنا منكرش متجوزها عشان أحافظ على إبنها. بس دلوقتي كرامتها من كرامتي. ودلوقتي اتهانت وهي في بيتي وعلى ذمتي ومن مين.. من الراجل دا." قالها وهو يشير بجفاء على توفيق. توقف أسعد يرمقه بنظرات تحذيرية.

"غلط كمان هتخرج برة البيت دا. وقبل اي حاجة عارف انه بيتك يبقى إحنا اللي هنخرج. وزي ماحضرتك شايف جدك مريض ولازم له عناية. هتحرم ابوك من مساعدة ابوه ولا توقف وتقول كرامة مراتي. اللي هي أصلا أرملة اخوك." هزة عنيفة أصابت جسده. تنهد بمرار ويبدو أن جروح قلبه لا تشفى منها أبدا كلما نسبوه لأخيه فقط. اتجه بنظره إليها وتحدث:

"قولي لحماكي اللي واقف قدامي يدافع عن الراجل اللي ضربك. عرفيه إزاي وقف ورفع ايده عليكي في غياب جوزك ودا ليه؟ عشان بس انك مش من مقام ابن البنداري اللي كرهت اسمه بسبب الراجل دا." ارتعش جسدها عندما طالعها أسعد بنظرات راجية. بينما توفيق الذي رمقها بتحذير. ووقعت بين نيران زوجها ورجاء حماها. فنظرت للأسفل ولم تتحدث وكأن لسانها شل. أمسكها راكان يضغط على ذراعها بقوة وصرخ بوجهها:

"بقولك اتكلمي. وعرفيني الراجل اللي عملي مريض مفكر هيهزني بتمثيله." تصنم ما جعل الألم يسكن روحه ويشطر قلبه حينما تحدثت قائلة: "قولتلك مفيش حاجة من دي حصلت. ليه مصر تفهمنا انك الصح وكلنا الغلط." هنا كأن روحه زهقت منه. رفع نظره لها وبنظرات تحمل بين طياتها الكثير والكثير من العتاب. ورغم ذلك نظر بخزي إليها لأنها كتبت عليه قسوة قلبه. هز رأسه بعدما استمع إلى حديث والده.

"يارب تهدى بقى ياحضرة النايب. وأنا ابوك بأمرك تتعامل مع جدك أفضل من كدا. ياإما." استدار ينظر إلى والده وانتظر حديثه: "يإما انسى إن ليك أب. وأعرف هكون غضبان عليك ياراكان. معرفش انت تعرف يعني إيه غضب الأب ولا لا. بس اتماديت." سحب ليلى من كفيها متحركًا للأعلى وهو يصيح بصوته: "ماشي ياأسعد باشا علم ونفذ." دفعها بداخل الغرفة. وقف يطالعها بعينان تقطران ألمًا وملامح يكسوها الحزن الذي تغلغل بداخله. "ليه عملتي كدا؟!

" دنت منه وهي ترسم ملامحه الغاضبة بشق الأنفس: "راكان ممكن تهدى ومتتعصبش. انت ليه مصر إن جدك عمل حاجة." "اسكتي ياليلى. الي واقف قدامك دا وكيل نيابة مش واحد اهبل. أنا متأكد انه قايلك حاجة. زي ما أنا متأكد إنك مخبية عليا حاجة ودلوقتي لآخر مرة بسألك الراجل دا عامل ايه." تحركت واحتضنت كفيه: "حبيبي ممكن تهدى وخلينا نتكلم زي اي اتنين متحضرين." أطلق ضحكة ثم تحدث بسخرية: "أرد عليكي بإيه؟

واحدة امبارح واقفة قدامي بتقولي طلقني ودلوقتي بتقولي حبيبي. هو انتي هبلة ولا أنا اللي بقيت غبي." اهتزت حدقيتها واقتربت بخطوات مرتعشة وضربات قلبها تصم آذانها من شدة خفقانه. وصلت إليه تقف أمامه: "انا طالبت الطلاق عشان خيانتك ليا." هز رأسه وعيناه تبحر فوق ملامحها التي أيقن أنها كاذبة. "وعشان كدا بتقولي حبيبي. هو فيه واحدة تعرف إن جوزها بيخونها وتقوله حبيبي. على العموم هعرف ياليلى وقتها ماتلوميش غير نفسك."

"كملي لبس الناس على وصول. ومتنسيش من النهاردة هنتعامل قدام الجميع انك مراتي. أنا مش شاقتك. وإياك اسمع كلمة إنك مرات سليم دي." بأنفاس مرتفعة وعيون غاضبة تطلق شرزًا: "انتِ مراتي أنا وبس." قالها وهو يشير إلى نفسه ثم خرج صافعًا الباب خلفه بقوة هزت أرجاء المنزل. جلست على فراشها بروح محترقة وقلب يتمزق ألمًا تقاوم رغبة في الصراخ لإخراج نيران قلبها المشتعلة من تلك الحياة التي فرضت عليها.

بعد قليل أنهت ارتداء ثيابها. تذكرت صباحًا عندما دلف إليها وهو يحمل ذاك الفستان. ثم وضعه على الفراش. "الفستان دا هتلبسيه في الحفلة. ومش عايزك تلبسي اي حاجة قديمة بعد كدا. أنا اتكلمت مع اتليه اللي سيلين بتتعامل معاه. تروحي اللي تطلبيه هيكون تحت رجلك. اشوفك لابسة حاجة من اللي عندك هولع فيها." وقف خلفها ورفع خصلاتها وألبسها قلادتها. تحدث وهو ينظر لعيناها بالمرآة:

"طلبت منك متخلعيش دا. ومع أول مشكلة رمتيها. دلوقتي بقولك ممكن تتخلي عني بس السلسال دا أو العقد معرفش بتقولوا عليه ايه ميتخلعش من رقبتك." ألبسها إياه وتوقف ينظر إلى صمتها. "ممكن اعرف ساكتة ليه؟! يعني غلطانة وزعلانة كمان. بدا على وجهها الحزن الشديد، فأشاحت بوجهها بعيدًا عنه. أدار وجهها إليه بأنامله قائلاً: -ليلى، انت عندك شك فيا؟ لسة بتشكي في حبي ليك؟ تسللت دموعها المتقطرة والمجبرة على أمرها، فهمست:

-لازم نبعد شوية يا راكان، عايزة آخد قراري من غير ضغط. تفاقم الغضب ناحيتها واكفهر وجهه. جذبها من رسغها بقوة وتحدث وهو يجز على أسنانه: -خلي الليلة تعدي، أنا على آخري، سامعة. بالأسفل كانت تجلس بين صديقاتها. -ميرسي على حضوركم والله، عايزة أفرح ليلى. وطبعًا راكان عازم معظم الشرطة ورجال أعمال. ابتسمت إحدى صديقاتها وهي ترفع تشير بعينيها خلفها. تصنم جسدها عندما استمعت لصوته خلفها: -وأنا مينفعش أحتفل معاكم؟

اطبقت على جفنيها عندما اختلج صدرها الكثير من المشاعر المتناقضة من فرح وحزن، شوق ونفور. استدارت بجسدها المرتعش. شعرت بألم يتسرب لقلبها حينما وجدته لم يستطع الوقوف، ويضع كفيه على جنبه وملامح وجهه تأن الألم. طالعها بإشتياق ود لو يسحقها بأحضانه، متذوقًا توتها الذي انحرم منه شهرين كاملين. رأى الخوف البادي على ملامحها حينما جذبت مقعدًا. -اقعد إزاي تخرج وانت لسه تعبان. اتجه بأنظاره لأصدقائها. -عايز أتكلم معاكي شوية.

تحركت صديقاتها. استدارت للذهاب. أمسك كفيها ورفع بصره قائلاً: -اقعدي، لازم نتكلم. نفضت ذراعه بقوة آلمته وتحدثت من بين أسنانها: -اوعى تفكر عشان متكلمتش بحميك وخايفة عليك، تبقى أهبل وعبيط. ظهرت طبقة كريستالية بدموع عينها وهمست وهي تحرقه بنظراتها: -عملت كدا عشان أبويا وأخويا اللي هو صاحبك ما يتصدمش في صاحب عمره ويكره نفسه أنه مصاحب حيوان في صورة إنسان. أشارت بسبابتها ودنت حتى اختلطت انفاسهما.

-يونس، ابعد عني بقولك، متخلنيش أكرهك أكتر من كدا. جذبها بعنف من عنقها، حتى التقط ثغرها الذي كان يحاول تلاشيه وإغرائها بلونها الأحمر القاني. ضغط على رأسها وعقد ثغره علاقة منفردة على ثغرها، في وجود حشد هائل حولهم. لم يفصل قبلته إلا حينما استمع لصياح راكان خلفه. دفعها بعيدًا عنه ووقف أمام راكان وتحدث بصوت مرتفع: -إيه بتصرخ ليه؟ اختك دي ملكي، هتستهبل انت وهي؟ وحياة حبي ليها لاخطفها ومحدش يعرف مكانها.

جذبها ولف ذراعيه حول خصرها بقوة آلمته حتى شعر بألم بجرحه وضغط عليها قائلاً: -أنا بقول قدام الكل أهو، دي ملك يونس البنداري واللي يقرب منها هشرب من دمه. اقتربت سارة منه. -إنت اتجننت يايونس وأنا روحت فين؟ اتجه بنظره إلى توفيق الذي جلس يرمقه بنظرات تحذيرية. -انت شوفي جدك يشوفلك عريس لعبة العبي معاه، عشان قولتلك مليون مرة أنا مبحبكيش، بس إنت مصرة تهيني نفسك. جذب سيلين وتحرك حتى وصل إلى جده.

-دي سيلين يونس البنداري، اقتنعت ولا مااقتنعتش براحتك، واللي يقرب منها هدوس. دفعته سيلين وشهقاتها بالأرتفاع متجه للداخل. جلس بعدما شعر بألم. ربت راكان على كتفه. -لا راجل وعجبتني يلا، بس عايز أعرف سيلين كانت عايزة تموتك ليه. نظر إليه بتهكم. -تربيتك ياباشا، وبما إنك هتموت وتعرف، عيب في حقك متعرفش وإنت وكيل نيابة، ولا الشهادة مضروبة. قالها ثم نهض ممسكا بطنه وتحرك خلف سيلين. وقفت سارة تبكي. ضمها توفيق لأحضانه.

-متزعليش ياحبيبة جدك، والله لأخليه يجلك زاحف. -دا إيه اللي هو إزاي ياعمي، والله لاندمهم على وجع بنتي بالطريقة دي. رمقها توفيق بتحذير. -اهدي ياعايدة، كل حاجة معمول حسابها، اقعدي واتفرجي، شوفي الليلة دي مش هتعدي على الكل غير بمزاجي، ودلوقتي هتشوفي ليلى عاملة إزاي. بالأعلى عند ليلى كانت تتحدث بهاتفها فيديو مع والدتها واختها وابنها بجوارها. -كل سنة وانت طيب يا أمير. طبعت ليلى قبلة على جبينه. -قول لخالتو وانت طيبة.

نظرت درة إلى ليلى. -اوبااا ليلى خانو، لايق عليكي الدلال يالولة. سحبت نفسًا وهي تنظر إلى نفسها بالمرآة. -دا ذوق راكان. ابتسمت درة لأختها بحب، قائلة: -طالعة اتجنني يالولة، ربنا يباركلك في أمير. اتجهت بأنظارها لوالدتها الصامتة. -بابا عامل إيه ياماما؟ أجابته والدتها بعيناها الحزينة. -كويس، العملية بعد بكرة، راكان قال هيجيبك ويجي صحيح. توسعت عيناها مبتسمة. -هو قالك كدا. أومأت والدتها.

-أيوه كلمنا امبارح بالليل وقال كدا، وحشتيني قوي يابنتي، وأمير كمان. حاوطت بنتها بسعادة من عينيها. -راكان مش مخلينا محتاجين حاجة والدكاترة هنا مهتمين بباباكي قوي. ابتسمت لوالدتها بدموع عيناها وهمست. -هو فعلاً حنين قوي ياماما. استمعت لفتح باب غرفتها. علمت بوجوده من رائحته التي تسربت لرئتيها. فالتفت له بإبتسامتها الجميلة وهي تنهي إتصالها مع والدتها. -هكلمك بكرة حبيبتي، بوسيلي بابا وكريم. ثم اتجهت إلى درة.

-سلميلي على حمزة يادرة. ما إن أغلقت هاتفها. جذبها بعنف حتى اصطدمت بصدره. -وليه تسلميلي على حمزة كان أخوكي؟ وبعدين كريم الكبير دا عايزة تبوسيه. حاولت الخروج من قبضته. ولكنه وضع ذقنه على رأسها وهو ينظر إليها من خلال المرآة. -الفستان حلو قوي عليك. أومأت برأسها قائلة: -هو فعلاً شكله حلو. مازالت نظراته تبحر فوق ملامحها. تلاقت عيناه بعيناها قائلاً: -مش الفستان الحلو، اللي لابسة الفستان هي اللي تجنن.

تورّدت وجنتيها بحمرة الخجل. فارفع انامله يتلمسها ومقلتيه متسلطة على شفتيها المطلية باللون الأحمر. ثم مرر اصبعه لمحيه قائلاً: -حاطة روج ليه؟ إنت مش محتاجة. رفرفت بأهدابها الكثيفة تحاول السيطرة على إرتعاشة جسدها. فهمست بشفتين مرتجفتين. -دا مش روج دا. لم تكمل حديثها عندما دنى ينظر لليلها هامسًا. -أومال دا إيه؟ رجفة سيطرت عليها بالكامل فهمست بإسمه. -راكان، ابعد الناس تحت. قالتها بصوت متقطع.

أغمض عينيه منتشيًا بقرب عطر أنفاسها ورائحتها المسكرة قائلاً: -هو أنا لمستك؟ بس متخافيش انا هكون مؤدب الكام ساعة دول. قطع وصلة غرامه صوت أمير وجذبه من ثيابه. -بابا. لمعت عيناه وانحنى يحمله يطبع قبلة على وجنتيه. -كل سنة وإنت طيب ياحبيب بابا. كبرت حبيبي وكملت سنة عقبال لما أشوفك أجمل شاب وأنجح دكتور في العالم كله. حمله وهو يرمق ليلى. ياله، بسط يديه لتطوق ذراعه. توقفت للحظات تهز رأسها رافضة.

-راكان مينفعش، وحياتي بلاش الليلة، مش عايزة حد يتكلم عليا بأسلوب وحش. -ليلى. أردف بها من بين بهسيس وهو يجز على أسنانه. ثم رمقها بنظرة جعلتها تقترب منه تطوق ذراعه. وتحركت بجوارها. نظرت له ولابنها الذي يحمله. وذراعها متشابكة بذراعيه. ابتسمت براحة وحدثت حالها. -ما أجمل هذا الشعور لكِ. حواء زوج يعشقكِ، وابن لكِ وبأحشائكِ قطعة ثرية من رحم عشقه. توقفت قبل خروجها للحديقة. توقف ينظر إليها. طالعته بحب ثم تحدثت:

-ممكن أعمل حاجة. قطب مابين حاجبيه متسائلاً: -تعملي ايه؟ دنت منه ثم طبعت قبلة سريعة على وجنتيه قائلة: -بحبك قوي. رغم قبلتها السريعة، وتمنيه بمكان آخر إلا أنها أشعرته بسعادة داخلية فابتسم قائلاً. -أنا مش أمير ياليلى عشان تبوسيني في خدي. تحركت وهي تهز رأسها. -حبيبي مش هيتغير أبدًا. وصلت إلى المكان المخصص لأمير بكعكة عيد ميلاده، مع التصفيقات وأغاني عيد الميلاد.

ظل حامله، وهو يتحرك به بين أصدقائه. وصل جاسر بصحبة فيروز، وعز بصحبة رُبى، وبيجاد المنشاوي بصحبة زوجته غنى. قابلهم راكان بالترحاب الحار، مقتربًا بعناقه. أشار بيجاد لأبنه. -دا سفيان ياسيدي، كنت عايز تشوفه جبته أهو. أشار لليلى التي تبعده ببعض السنتيمترات. -دي ليلى مراتي. أجابته غنى: -اتقابلنا في فرح جاسر. -طيب بدل تعرفوا بعض بعد إذنكم. قالها وهو يجذب بيجاد من كفيه. -عملت إيه في اللي طلبته؟

حك بيجاد ذقنه ثم رفع نظره إلى توفيق. -أنا عملت زي ماقولت، ومفيش أخبار، متخافش لو حد من صحابي شافوه في المطار هبلغك. -بيجاد الولد دا ممكن ينتحل شخصية حد، جاسر مراقب برضو، بس أنا قولت معارفك أكبر عشان اللي بيسافرو وكدا. رفع نظره وتحدث بهدوء. -بص يا راكان الموضوع مش سهل، وبعدين دا هربان بقاله أكتر من خمس شهور، تفتكر ممكن يكون لسة داخل مصر. سحب راكان نفسًا من الهواء ثم زفره وأجابه بتأكيد. -لا متأكد أنه مخرجش برة.

وصل جاسر إليهما. -جدك كان في مستشفى لعلاج السرطان فعلاً بقاله شهر تقريبًا، وبياخد علاج زي ماقلت. أطبق على جفنيه ثم زفر واتجه إلى جاسر. -أكيد ولا تمثيل؟ ربت جاسر على كتفه. -لا أكيد أنا شوفت الإشاعات والتحاليل، وصورتها كمان وبعتها لماما، وسرطان كبد يعني مفهوش هزار ياراكان، هو فيه حد يدعي المرض. أخرج نفس من تبغه ثم زفره محملًا بلهيب أنفاسه قائلًا:

-الراجل دا مبصدقوش في أي حاجة، من وقت ما اتصاحب مع قاسم الشربيني والنمساوي. عند ليلى وصلت أسما إليها. كانت تقف مع غنى تعرفها على عز وجاسر. -بصي ياستي، دا عز ابن عمي ودي اختي وتبقى مراته. ثم أشارت على جاسر الذي يقف بجوار فيروز وعز. -جاسر اخويا. هزت ليلى رأسها. -أيوه شوفته في الفرح، مراته حلوة قوي. هزت رأسها دون حديث، واتجهت تنظر إلى أسما بتساؤل. أشارت ليلى على أسما. -دي أسما صاحبتي وزي اختي. لكزتها أسما قائلة بعتاب:

-زي؟ لا أنا اختك غصب عنك، فين عريس الليلة حبيب خالته. أشارت على أمير الذي يحمله راكان. -مع باباه. تسائلت رُبى. -هو حضرة المستشار أبوه؟ لكزتها غنى مبتسمة. -لا يارُبى، دا ابن اخوه الله يرحمه. -آسفة مكنتش أعرف. ابتسمت ليلى دون حديث. جلست ليلى أمام سفيان. -ازيك ياحلو ممكن نتعرف. قالتها ليلى التي قبلته على وجنتيه. ضحك سفيان. Welcome, aunt. -واو دا شكل الحلو مابيتكلمش. .. Arabic. أمسك سفيان يديها وأردف.

-Mami, auntie beauty. قبلت ليلى كفيه وغمزت بعينها. -بتعاكسني. أطلقت أسما ضحكة وضربت على كفيها. -حوشي الولد شقتك ياليلى. جذبته رُبى وهي تضحك. -لا دا سيفو مجنن الكل، وعريس بنتي اللي هتيجي أن شاءالله. -أمور قوي. اتجهت ليلى لغنى. -إنتِ حامل؟ أومأت غنى بإبتسامة. -أيوه لسة في الرابع. نظرت ليلى وتحدث. -عقبال لما تجيبي اخ لأمير. -ميرسي حبيبتي. قاطعهم سفيان وهو يسحب ليلى من كفيها.

-تعالي نشوف البيبي عشان اديله هديته بليز انطي. همست ربي لغنى -اقولها الولد طالع لابوه، شوفي ماسك ايد ليلى إزاي، يالهوي دا اخدها ومشي. ضحكة صاخبة خرجت من فم غنى مما جعل بيجاد يصل إليها بخطوة. -إيه ياحبيبي ماتضحكيني معاكي..قالها وهو يضغط على خصرها بقوة. توسعت عيناها وهي تدفعه: -بيجاد الناس بتبص علينا. اقترب يتحدث من بين أسنانه وهو يجز على أسنانه:

-بيبص علينا من ضحكاتك ياهانم..لمي نفسك ياغنى عشان منزعلش مع بعض، أما لو بتفكري في حاجة تانية معنديش مانع. لكزته بجنبه وهي تنظر بالوجوه مبتسمة: -لم نفسك ياحبيبي..بلاش اتصل ببابا يجي ياخدني ابات عنده. حاوطها بذراعيه الأثنين: -وماله دا حتى حمايا بعشقه وبيعشقني، متهزريش عشان مبقاش غلس ياغنايا. تنهدت ثم جلست على المقعد دون حديث. بأحد الأركان كان يقف بجوار زوجته: -مالك ياجاسر! من وقت ماخرجنا وإنت ساكت.

استدار إليها وتحدث بغضب: -شوفي غنى وربي وانتِ تعرفي ليه زعلان، إحنا جايين عيد ميلاد طفل مش واحدة صاحبتك عشان فستانك دا ولا مكياجك. تحركت دون حديث متجهة إلى غنى وربي: -انا هسيبك عشان ترتاح ياجاسر. عند عايدة التي تجلس ونظراتها النارية إلى ليلى..تحدثت متهكمة: -شوفو بتمشي بين المعازيم كأنه ملكة العيلة، البت دي نفسي اخلص منها بطريقة مترجعش هنا تاني. طالعها توفيق وهو يرتشف من عصيره: -الليلة هتكون آخر ليلة ليها متخافيش.

اتجهت تستمع إليه بتركيز: -بجد ياعمي، يعني راكان هيطلقها. ضيقت عيناها متسائلة: -طب إزاي ونور بتقول قالها أنه بيحبها. تهكم توفيق بسخرية وأجابها: -ايوة بيحبها بس لحد ماتوصل لسريره وبعد كدا هتكون زيها زي غيرها. هزت عايدة رأسها رافضة حديثه: -لا ياعمي، مش بتشوف راكان بيبص عليها إزاي، بص وشوف كدا، دي واقفة مع أصحابه كأنها مراته من سنين. توفيق يرمقها بهدوء فتحدث: -خليكي واثقة في عمك ياعايدة. قاطعتهم فريال قائلة:

-البنت طيبة وكويسة ليه عايزين راكان يطلقها، رغم إنها عرفت ان سليم كتبلها كل حاجة فدخلتش وسابت راكان يتعامل زي ماهو. ربتت عايدة على كتفها: -خليكي عبيطة كدا يافريال، دي بتخطط على تقيل، هي عارفة ان راكان عنده اكتر، فليه لا لأ تخسر الصغير عشان توصل للكبير. عند ليلى وأسما: -مالك ياليلى! تسائلت بها أسما. نظرت إليها والدمع يتحجر بعيناها: -انا كتبت نهايتي مع راكان يااسما، ومرعوبة، خايفة يعرف ويزعل مني. جذبتها

من كفيها واجلستها متسائلة: -إيه اللي حصل! قصت ليلى ماصار لها ..وضعت كفها على فمها: -دا كله حصل من غير ماتقولي..طيب وايه المفروض يتعمل دلوقتي. انسدلت عبراتها وهي تهز رأسها وعيناها تراقبه: -معرفش، بس اللي اعرفه هموت لو بعد عني. احتوت كف أسما: -ساعديني، أعمل إيه عشان مخسروش وفي نفس الوقت مااخسرش ابويا. تنهدت أسما وهي تربت على كفيها: -الموضوع صعب قوي، طيب ممكن تحكي لراكان وهو يتصرف.

-دا اللي ناوية اعمله، لازم احكي له كل حاجة، قبل ماجده يعمل حاجة، وكمان عشان هو متأكد اني مخبية حاجة. وصل نوح إليهما وجذب مقعدًا: -كل سنة وأمير معاكي ياليلى. اتجهت ببصرها لأبنها الذي يحمله راكان كأنه قطعة منه وأمنت على حديثه "اللهم آمين". بعد فترة ليست بالقليل، انتهى حفل عيد الميلاد الأول لحفيد العائلة الأول..حملته بعدما غفى على ذراع زينب واتجهت إلى غرفته..أما راكان فوقف يودع شباب الألفي مع بيجاد ونوح.

غادر الشباب وتبقى نوح، وضع يديه بجيب بنطاله ينظر إلى راكان: -ناوي على إيه! ارجع ركان خصلاته للخلف واكتفى بتنهيدة من بين شفتيه بعدة لحظات ثم اتجه إلى نوح: -جواد الألفي بعتلي ورق خطير جدا، انت تعرف الورق دا لو اتعرف انه معايا ممكن يموتوني. جحظت أعين نوح قائلاً: -لا ياراكان بلاش القضية دي، أبعد عشان خاطري. ذهل راكان من كلمات نوح ثم صاح بغضب:

-واخويا اللي ابنه اتيتم من قبل مايشوف النور، ولا عمي ومراته اللي ماتت وبنتها في بطنها لولا قدرة ربنا كنا فقدناها، ولا جدو اللي موتوه في المستشفى. ربت نوح متفهمًا: -راكان اللي مات مات، دلوقتي خاف على الموجودين، فكر في سيلين وليلى، باباك ومامتك. أنزل يد نوح بهدوء واردف: -كل واحد له نصيب في الحياة، أنا عارف ومتأكد كل مااشتغل على القضية هطلع بلاوي، عرفت انهم السبب في قتل مرات وابن باسم العمري..وماخفي كان أعظم.

-طيب وجدك مش خايف عليه! التوى زاوية فمه بشبه إبتسامة وأجابه: -دا كان عارف انهم باعتين حد ليونس عشان يعمل عملية إجهاض ويتشطب من النقابة ومش منعهم. -طيب كان يعرف بموتك، قصدي موت سليم! -لا معتقدش، عشان عرفت انه اتخانق مع قاسم. هكذا اجابه راكان. لبعض الوقت حتى وصلت أسما: -ياله يانوح، تعبت. بعد فترة صعد لغرفة أمير وجدها تجلس بجواره تمسد على خصلاته وتنظر إليه..اتجه وجلس بجوارها: -إيه رأيك في مدام جاسر وبيجاد وعز.

وضعت رأسها على كتفه: -معرفش بس حبيت غنى قوي، لذيذة وربي دي حكاية، شكلها شايلة من بيجاد قوي. كان يستمع إليها بصمت شعور لذيذ مميز وهي تحكي له ماصار بالحفل.. حاوط خصرها قائلا: -كنتِ زي القمر النهاردة، كان نفسي احطك جوا قلبي عشان محدش يشوفك غيري..قالها بصوته المبحوح. نهضت كالملسوعة عندما فاقت ووجدت نفسها بأحضانه، فركت كفيها وتحدثت: -هروح اغير الفستان. توقفت حينما استمعت إليه: -متتأخريش عليا.

تحركت سريعًا وقلبها يتخبط بين ضلوعها. خرجت بعد فترة من مرحاضها، واتجهت لغرفة ثيابها انتقت رداء حريري أزرق ذو فتحة صدر واسعة، أظهر مفاتنها بسخاء. جلست تنظر إلى نفسها بالمرآة، تحدث حالها: -لازم تحكي له ياليلى، راكان هيقدر يحميكي. أطبقت على جفنيها متألمة وتذكرت والدها، هزت رأسها رافضة: -لا بابا عمليته بعد يومين، بعد العملية هقوله كل حاجة، مش عارفة ممكن الراجل الجبروت دا يعمل ايه!!

جلست على الفراش تضم ركبتيها وهي بين نارين، زوجها بكفة، وأهلها بالكفة الأخرى. شهقة خرجت من فمها وهي تضع كفيها على فمها تمنع بكائها: -يارب ساعدني، مش قادرة افكر. بغرفة راكان انتهى عما كان يفعله بجهازه، ثم اتجه إلى شرفته وقام بإشعال تبغه وهو يفكر بحديث جاسر: -جدك فعلا مريض، ودا من فترة، اتأكدت بنفسي، لو تسمع مني، سيبه عقاب ربنا أقوى من اي عقاب. استمع إلى طرقات على باب الغرفة.

دلف والده إليه، ظل راكان كما هو لم يعريه إهتمام، بل استدار ينظر للحديقة..اقترب أسعد منه: -ممكن نتكلم مع بعض شوية! دلف للداخل هربا من حديثه وقام باعتدال مضجعه. -أنا تعبان وعايز أرتاح. ولا حضرتك مستكتر شوية الراحة وجاي تكمل ضرب؟ دنى أسعد يجذبه من ذراعه. -آسف ياحبيبي. بجد معرفش إزاي عملت كدا.. متزعلش من أبوك ياراكان. نزع ذراعه بهدوء. -بابا لو سمحت عايز أرتاح. فلو مفهاش قلة أدب، ممكن تسبني أرتاح، ولا أروح أوضة تانية؟

توسعت حدقته فبسط يديه يتلمس خصلاته. ابتعد راكان للخلف. -لو سمحت عايز أرتاح. مش هعيد كلامي. ربت أسعد على ظهره قائلاً: -هسيبك دلوقتي ياراكان وبعدين نتكلم. استدار يواليه بظهره وكأنه لم يستمع إليه. جلس بكتفين متهدلين اثقلهما الوجع. نظر لباب الغرفة الذي أُغلق وشعوره بالألم يتفاقم. لحظات بل دقائق ونظراته على باب الغرفة ينتظر دخولها كنسمة ربيع تبرد قلبه الملتاع.

مرت ساعة. اتجه ينظر بساعته التي وصلت للثانية ليلاً. ثم نهض سريعاً إليها وداخله يحترق كمرجل جف ماؤه. دفع الباب ودلف يبحث بعينيه عليها. وجدها تجلس بالظلام كطفل معاقب من والديه. تفاقم غضبه من هيئتها فتوقف وانفاسه في تسارع كمتسابق وأشار إليها بمقت. -دا كله عشان قولت لك هتباتي معايا. طيب كنت قولي إنك مش طيقاني كدا. هبت فزعة من هيئته ودنت بخطوات مرتعشة. -أبداً ياراكان. أنا بس.. بس..

صمتت هنيهة ثم رفعت نظرها وتلاقت بنظراته المتألمة من هيئتها. -قلقانة عشان عملية بابا. رفع ذقنها بأنامله يتلمس وجنتيها الناعمة. -بابا هيعمل العملية ويكون كويس. ادعيله إن شاء الله. وبكرة هنسافرله. أنا مكنتش عايز أقولك دلوقتي بس منظرك دا وجعني. حاوطها وضمها لأحضانه. ومعركة حامية بين كبريائه برفضها له وبين عشقه وأشواقه إليها. -ليلى ارتاحي دلوقتي وبكرة نتكلم. قالها وبداخله حرب شعواء ستقضي عليه.

رفعت نفسها تطبع قبلة بجانب شفتيه وهتفت باسمه، تحاوطه بذراعيها. ران صمتاً هادئاً ورغم صمتهم إلا أن هناك حديث العيون وحبس الأنفاس. سحبها من كفيها متجهاً لغرفته. دلف لغرفته وكفيه يعانق كفيها. توقف أمام الفراش وأشار إليها. -دلوقتي لازم تردي عليا. موافقة أن السرير دا هيكون دافانا. موافقة تكملي حياتك معايا لآخر العمر. وقف بمقابلته وعانقها بنظراته. -موافقة تكوني أم لأولادي. دنى يحتضن وجهها.

-ووعد مني هخليكي ملكة قلبي وعمري وحياتي كلها. نظرت إليه بوله وقربت تعانقه. -موافقة أعيش معاك جنتك اللي وعدتني بيها مرة قبل كدا. كان لرد له سوى احتضان يحلق بهما فوق السحاب. وشفتيه تعزف لحنه الأثير على أوتار خاصتها. لطالما كانت القبلة بلاغة مطلوبة لتفصح عن عشق يسكن ويتغلغل بأركان قلبيهما ويختبئ بروحيهما. فكان هذا أفصح عن أعظم الحروف الأبجدية كلها.

أغمضت عيناها تستمتع بدقات قلبه. وعزفه المثير لشغفها به. بعثر كيانها بقربه واهلكها بعشقه. لم لا وحبها يجري بعروقه ووريده. وعشقه كبركان متفجر ليسحبها فوق سحابته الوردية. وهاهو روحه تصدر ألحانا وقلبه يعزف بوجودها بين أحضانه. هامساً لها.

"مولاتي هي من أشعلت نيران فتنتها بروحي. فتعلقت الروح بالروح كما تعلق الجسد بالجسد. فأنت تسللت بين قلبي وروحي. أحييت قلبي وزهقت روحي. فأود أن أدخلك داخلي ولم أخرجك إلا زهقت الروح وذهبت لبارئها." تخللت اناملها وسط خصلاته تنثرها بفوضوية قائلة: -لو كان حبي بالكلمات لم أجد ماأقوله. فحبي لك توقف اللسان والعقل. ولم يعد لحروفي معنى لأعلنها. ولكن حبي لك بنبض قلبي الذي بداخل صدري. فأنا أعشقك معذبي.

بعد فترة غاصا بها بلذة عشقهما الذي زرعه الله في قلبيهما. بعدما أصبحا روحاً وقلباً وجسداً واحداً. ورغم مفارقتهما إلا أن شوقهما لم ينقضي. غاصا بنوم مريح بعدما امتلأت روحيهما ببعضهما البعض. بعد فترة استيقظ راكان. فكيف له أن يغفو أكثر من ذلك وهي بأحضانه. عشقه ونور قلبه بين يديه الآن. وبعد قليل سيعلنها للعالم أجمع.

مرر أنامله المفعمة بالحب على شفتيها مرة وعلى وجنتيها مرة. اقترب مغمضاً عيناه منتشياً بقربها ورائحة عطرها المسكرة. عبأ صدره وكل عشق العالم يتزاحم داخل قلبه ولسانه. كلما تذكر اعترافها وهمساتها له بعشقها. أطبق على جفنيها وحاوط جسدها بحبه. استمع إلى رنين هاتفه. جذبه سريعاً حتى لا يفيق معشوقته. بعد ليلة دامية بعشقهما. -أيوه ياحسن..

أحس بقبضة قوية تعتصر صدره. وشحب وجهه بالكامل. وتسارع بأنفاسه حتى شعر بتثاقل تنفسه وكأن حجراً طبق فوق صدره. حتى أحس بذاك الألم وهو يستمع إلى كلمات صديقه الذي قال: -راكان.. مدام ليلى البنداري رافعة قضية طلاق وياريت تتصرف قبل ما يوصل للنائب العام.

سقط الهاتف من يديه. وكأن جسده شل بالكامل. وعينين زائغتين. وهو يحاول أن يكرر لنفسه ما استمع إليه. التفت يطالعها بنظراته. شعر وكأنه غرس بخنجراً حاداً مزق قلبه دون رحمة. كور قبضته ضاغطاً على مفاصل أصابعه حتى شعر بتمزق أوردته. استدار إليها بعدما استمع لهمسها. -صباح الخير. إيه اللي قومك بدري كدا هي الساعة كام؟ ظل ينظر إليها بصمت مريب. نظرات غاضبة. نظرات نارية فقط. اعتدلت تجذب الغطاء على جسدها ثم مدت يديها تمسك ذراعيه.

-راكان مالك بتبص لي كدا ليه؟ معركة شرسة بين قلبه وعقله. قلبه الذي يدعيه أن يستمع إليها. وعقله الذي يدعيه لجذبها. وسحقها من حياته دون رجوع. دقائق مرت عليها كالدهر. فاقتربت منه تحاوط وجهه. -حبيبي مالك ساكت ليه. دفعها بقوة وتحدث بصوت غليظ مميت جاف لروحها. -إنت رفعت قضية طلاق. رحتي لمحامي ورفعتي قضية طلاق عليا. شعرت ببرودة تتسرب لجسدها بالكامل. وشحب وجهها وأصبح يحاكي الموتى. حاوطها من أكتافها يضغط بعنف وصاح بصوته.

-ردي. روحتي رفعتي قضية طلاق عليا. هزت رأسها بعدما فشلت في إخراج حروفها. وكأن لسانها شُل فلم تستطع الكلام. صرخة من أعماق روحه لهيئتها الذي أيقن إنها فعلتها. نظرات ضائعة. وقلب انتفض ودامى بخنجر غدرها الذي أدماه دون رحمة. اقترب منها بأنفاسه الحارقة ونيران تحرق أحشائه كاملة قائلاً بصوت كالفحيح: -طول الليل حاضن حية. واحدة حقيرة عرفت تمثل عليا الحب كويس. لكزها بصدرها وهو يتحدث بصوت متألم.

-قولي انت مين يابت. مين موصيك عليا. اقتربت منه ودموعها كالشلال. -راكان.. رمقها بنظرات نارية وأشار بسبابته. -ولا كلمة. مش عايز أسمع نفس. نظرات غاضبة وعيون هالكة صاح بغضب. -وحياة كل نبضة نبضها قلبي ليكي. لاحرقك بيها. رفع كفيه وأشار على الباب. -قومي روحي أوضتك وإياك تدخلي الأوضة دي تاني. ولا تقربي منها. أحضنت كفيه. -راكان اسمعني. نفضها كأنها مرض معدي وتحدث بغضب.

-ايدك ياحقيرة. تقربي مني حتى لو بالغلط هموتك. قومي برة. وعايزك تمسحي كل كلمة قولتهالك. اعتبريني كنت شارب ومتقل وحبيت أقضي ليلة حلوة. نظر إليها نظرات نارية وتحدث بمغذى. -هستنى من واحدة إيه وهي بتبيع جسمها لجوزها. قومي برة. صعقت من حديثه. نظرت إليه برجاء وحزن شديد. تشعر بقلبها يقتلع من بين ضلوعها. ودموعها تحرق قلبها قبل جفنيها. جذبها بعنف يجرها من فوق الفراش وهو يصيح بغضب. -قولت اطلعي برة ولا اطلعك زي ما انت كدا.

صاعقة صفعت قلبها بعنف حتى اهتز جسدها وأصبح محطم كالاشلاء وفقدت القدرة تماماً على كل شيء. همست من بين بكائها. -راكان لو سمحت اسمعني. كان غصب عني. ركل كل شيء يقابله حتى من يراه أجزم بأنه مسه مساً من الجن. -برررررة. صرخ بها حتى انتفضت رعباً. جذبت قميصه الذي بجوارها وحاولت أن ترتديه. ولكنها جذبه بعنف يلقي تحت قدمه يدعس عليه بكل طاقة لديه. -شوفتي أهو عشان لمستيه بس. وأي حاجة ليا هتلمسيها هتكون تحت جذمتي.

أشار لجسدها الذي كشف معظمه أمام عيناه واردف بقلب مذبوح. -حتى كرهت نفسي لأني قربت من واحدة حقيرة. حاوطها وعيونه تريد إحراقها. -إنت إيه شيطانة. دا طلعتي أحقر من نورسين. كلكم شبه بعض. برررة مش عايز ألمح طيفك. اقسم بالله لو شوفتك لأقتلك. واحمدي ربنا إنك وصية أخويا. ووعد مني لأطلقك في أقرب وقت. جذبها بعنف من خصلاتها وألقاها خارج الغرفة وهو يكاد يلتقط أنفاسه. -حقييييرة. صرخ بها حتى اهتزت جدران القصر.

دلفت ليلى سريعاً غرفتها وجسدها يرتعش. صرخت بقلباً ينزف من الألم كلما تذكرت نظراته الحقيرة وكلماته التي شطرت قلبها وأدمته. جثت خلف الباب وهي تضم ركبتيها وتبكي بنشيج وشهقات مرتفعة تخرج بأنين روحها.

ظلت لوقت لم تعلم كم من الوقت مر عليها وهي بتلك الحالة. نهضت بجسد مرهق وروح فقدت أعز مالديها. دلفت إلى مرحاضها وجلست في البانيو بثيابها لوقتاً طويلاً. وضعت رأسها على حائط البانيو وقامت بفتح المياه. وتركت نفسها لإزهاق روحها فهي الآن جسد بلا روح فلما لا ترتاح من تلك الحياة البائسة. شعرت بدوار فأغمضت عيناها مرحبة بغمامتها التي ربما ستريحها للأبد.

عند راكان خرج من غرفته بعد قليل يصيح على العاملة بغضب اهتزت له الجدران حتى خرجت والدته من غرفتها لترى ماذا به. أشار للعاملة بنظرات نارية قائلاً. -الأوضة اللي فوق دي مش عايز فيها حتى الستارة. فيه عمال هيجوا يغيروها بالكامل. عشان على آخر الشهر هتجوز نورسين. شهقة خرجت من فم زينب. اقتربت منه قائلة. -راكان إيه اللي حصل؟ صرخ بها: -إيه في إيه؟ انت عارف إنّي خاطب وهتجوّز، مش عايز اعتراض، ولو مش موافقة هاخد بيت برة.

قالها وتحرك سريعًا، فداخله نيران تحرق العالم بأكمله. قاد السيارة سريعًا حتى ضربت إطاراتها الأرضية فافتعلت صوتًا مرتفعًا. خرجت زينب تنظر لخروجه بقلب منشطر. وصل إلى مكان خالٍ، لا يعلم كيف أتى إلى هنا. تمنى لو لم يصل أبدًا لأي مكان. ضرب على المقود بعنف حتى كاد أن يكسر معصمه، كأنه يعاقب يديه التي احتضنتها طوال الليل وهمس لها بعشقه. صرخة مدوية حتى جعلته فاقدًا للنطق. أخرج تبغه بعدما استند برأسه على المقود.

ظل يحرق في تبغه واحدة تلو الأخرى حتى شعر بتوقف تنفسه. استمع إلى رنين هاتفه، رمقه بنظرة وجده والدته. نظر للاتجاه الآخر وكأنه لم يستمع لشيء. مرة وأخرى حتى رفع الهاتف أخيرًا. -فيه إيه ياماما؟ مردتش أعرف إنّي مشغول. -ليلى ياراكان، ليلى. قالتها بلسان ثقيل. ظل يستمع إليها بملامح جامدة حتى انتهت من حديثها. -هاتولها دكتور، أنا مش فاضي. عايزة تتصلي بالإسعاف، اعملي اللي يريحك.

شعر بغصة تمنع تنفسه، ولكنه تجاهلها وهو ينهي الحديث. -أنا مشغول، مش عايز إزعاج. عند ليلى قبل قليل: دَلفت زينب وهي تصطحب الطفل الذي بكى بصوت مرتفع يصيح بصوت أمه. -ليلى حبيبتي، انتِ في الحمام. جلست زينب تحاول تهدئته ولكن الطفل لم يصمت. تحرك بخطواته يبحث عنها، يخطو خطوة ويسقط أخرى، إلى أن وصل إلى مرحاضها. -ماما. بكى الطفل بها. نهضت زينب تصل إليه، استمعت لصوت المياه فحملته محاولة إسكاته. -ماما هتخرج يا حبيبي نانا.

توقفت بعدما وجدت خروج المياه من تحت الباب. طرقت على باب المرحاض بعنف وهي تصيح: -ليلى، انتِ جوا حبيبتي. لم تستمع لصوتها، فصرخت حتى وصلت سيلين والخدم إليها. -امسكي ابن أخوكي، لما أشوف ليلى مبتردش ليه. فتحت الباب ودلفت تبحث عنها. شهقت وهي تراها تجلس بالبانيو وجسدها بالكامل مغطى بالمياه. ابتلعت ريقها بصعوبة تحمد ربها عندما وجدت رأسها تستند على جدار البانيو.

أغلقت المياه وقامت بتسريبها. اتجهت بنظرها إلى سيلين التي تقف على أعتاب الغرفة. -تعالي ساعديني نقومها ونلبسها. تصنم جسد سيلين وعبراتها تنزلق، فهمست: -ماما، هي عايشة ولا... جذبتها زينب وهي تربت على ظهرها. -عايشة حبيبتي، وشها ما وصلوش مية. بس تلاقيها اغمى عليها من السهر والأرهاق. اتصلي براكان ياماما، خليه يجي ياخدها للدكتور. حاولت الوصول إليه وهاتفاته بالفعل بعد إنهاء اتصالها. أيقنت زينب بحدوث شيء معهما.

حاولوا إفاقتها، وأخيرًا استجابت وفتحت عينيها الذابلتين من كثرة البكاء. تذكرت ماذا صار، فانسدلت عبرة غادرة عبر وجنتيها قائلة بتقطع: -إيه اللي حصل. أحضرت سيلين ثيابها الخاصة بالحمام. -مفيش، شكلك اغمى عليكي. اتجهت بنظرها إلى سيلين تسأل بعينيها عنه. حاوطتها سيلين وساعدتها بإرتداء ثيابها. خرجت بعد قليل مستندة عليها، وهي تشعر بالإعياء. وصلت لفراشها. جذبت زينب منامة واسعة ووضعتها أمامها. -أساعدك حبيبتي تلبسيها.

تسائلت بلسان ثقيل. -راكان خرج. قالتها ليلى. مسدت زينب على خصلاتها ثم طبعت قبلة عليها. -آه، عنده شغل كتير النهاردة. عصرًا بعد قضاء يومها بالنوم هروبًا من حياتها الميؤوسة، أغلقت هاتفها تمامًا عندما شعرت بعدم قدرتها على الحديث. نزلت بساقيها المرتعشة متجهة للشرفة علها تستنشق رائحة بعض زهور الربيع التي بدأت تنتشر بالجو.

تسمرت بمكانها بنظرات ثابتة بعدما وجدت غرفة نومه أمام بوابة القصر، والعمال يقومون بحمل أثاث الغرفة للخارج. خرجت بجسد واهن، وأقدام حافية، كأنها تخطو على أشواك تخربش وتشحذ طبقات جلد أقدامها. وصلت إلى الدرج، وداهمها غمامة ساحقة، كادت أن تسقط من أعلى الدرج. هوت جالسة بأول درج. وصل نعيّمة العاملة إليها تصيح باسمها. -ست ليلى، اسم الله عليكي قاعدة كدا ليه. هزت رأسها عندما فقدت النطق. وصل راكان وهو يصيح على نعيمة. -نعيمة.

وصلت إليه سريعًا. -نعم ياباشا. وقف راكان يعطيها أوامره. -عايز عشاء النهاردة في الجنينة يليق بخطيبة راكان البنداري، مش عايز غلطة. سمعتي انتِ المسؤولة قدامي. استمعت لحديثه الذي شطر قلبها وأدماه. حاولت النهوض ولكن لم تقو. صعد درجات السلم سريعًا بخفة دون أن يراها. توقف بخطواته أمامها. -أوووه مدام ليلى، لسة عايشة أهو. أومال سمعت الصبح إنك كنتِ بتموتي. بلعت غصة أحزانها وأردفت بنبرة مبطنة بالبكاء: -لازم نتكلم.

نظر حوله، ثم أمال بجسده عليها ونظر إلى مقلتيها. -بلاش تخليني أكرهك أكتر من كرهي ليك دلوقتي. ياريت تحافظي على كرامتك وتعملي زي ما قلتلك. مش عايز أشوف وشك. خطى بعض الخطوات ثم تراجع إليها. -آه نسيت أقولك، حرقتلك قضية الطلاق بتاعتك. كان نفسي تشوفي الإمضاء بتاعتك وهي بتولع كدا، زي اللي هعمله فيك. طالعته بنظرات متألمة تترجاه بنظراتها الحانية. -راكان، لو سمحت.

-اخرصي. إياكِ تشيلي التكليف اللي بينا. انتِ هنا أرملة عيلة البنداري، وأنا هنا أخو جوزك المرحوم المحترم اللي يستاهل إنك تخلي ولادك يشيلوا اسمه. دنى حتى اختلطت أنفاسه التي تطلق لهيبًا وهمس لها: -عارفة أحسن حاجة إنك ما حملتيش عشان لو كان حصل كنت قتلته بإيدي، عشان مش عايز واحدة من أمثالك تكون أم أولادي. دفعها بقوة حتى اصطدمت رأسها بالدرج فصرخت متألمة. استدار بعدما استمع لأحد العمال. -راكان باشا، الأوضة هنوديها فين.

رمق ليلى بنظرات جحيمية ثم أردف: -ولّع فيها. كنت عايز أقولك اتبرع بيها بس ريحتها وحشة. قالها ثم تحرك سريعًا. لم تتحمل المزيد من القسوة الذي تكمن في قلبها، بل أخذ ينهش بجسدها كاملاً فنهضت ببطء متجهة خلفه. دلفت إلى غرفته بعدما دفعت الباب بقوة. وصلت تنظر إلى فراغ الغرفة. خرج من مرحاضه وجدها تقف بالغرفة. اقترب يمسكها بعنف من ذراعها. -إيه اللي دخلك هنا؟ إيه، مستنية أولّع في الأوضة عشان ترتاحي. -لازم نتكلم. نظر إليها

وصاح بصوت كفحيح أفعى: -لو متلعطيش حالًا هطردك من البيت بفضيحة وهاخد ابنك وأخليكِ زي الكلبة. كلماته طعنتها بشدة حتى شعرت بانسحاب أنفاسها. ورغم ذلك اقتربت منه محاولة ضم وجهه. دفعها بغضب عارم حتى سقطت على الأرض متأوهة تمسك أحشائها وعبراتها تغزو وجنتيها كأمطار غزيرة. انحنى بجسده ورغبة عارمة بإحراقها ولكن كيف. حاوطها بنظرة قاسية مردفًا: -عايزة تجربي وتشوفي ممكن أعمل فيكي إيه. أمسكت كفيه. -راكان اسمعني. -باااس، اخرصي.

بشمئزاز من صوتها. استمع إلى طرقات على الغرفة. أرجع خصلاته بعنف وصاح بغضب: -مين! دَلفت نورسين تتدلى بخطواتها. -أنا حبيبي، ممكن أدخل. ثم نظرت ليلى التي تقبع على الأرضية لا حول لها ولا قوة، فاستدارت. -شكلك مشغول مع مدام ليلى. هستناك تحت. جذبها من خصرها ثم حاوطها. -لا يا حبيبي، مدام ليلى كانت جاية عشان أساعدها. عايزة تسيب البيت، فكنت بفكر معاها هتروح فين.

استندت ليلى على الجدار عندما شعرت بدوران الأرض حولها، ناهيك عن احتراق قلبها من قربهما. تخطته وهي تتحدث بوهن. -البيت اللي يناسبك عرفني، وأنا هجهز نفسي. لم يعيرها اهتمام ولكنه ضم نور بقوة قائلاً وهو يقربها منه: -وحشتيني قوي. مكنتيش عايزة ترجعي من ألمانيا. دنت نور تحاوط عنقه ورفعت نفسها تطبع قبلة على شفتيه. -كنت هموت من اشتياقي ليك.

توقفت ليلى على باب الغرفة وقلبها يدمي من ذاك الاقتراب. ولكن هناك ما جعلها كطائر ذبيح ذبح عنقه بيد صاحبه عند اقترب راكان يلتقط ثغرها بقبلة جامحة. هو يبث بها كل غضبه، ونورسين تظنها قبلة الاشتياق. فصل قبلته واضعًا جبينه وهو يحاوط خصرها. -اعملي حسابك هنسهر مع بعض الليلة. أشار للأوضة. -دي أوضتك، شوفي عايزة تعملي فيها. رمق الذي تقف بجسد بلا روح، فجذب نورسين مرة أخرى يفعل ما حرقها بالكامل.

تحركت إلى أن وصلت غرفتها وهنا خارت قواها وسقطت على الأرضية لتسمع لسقوطها مربية ابنها. أسرعت خلفها فهي كانت تراقب هذيان تحركها. صرخت باسمها. انتفض قلبه من صراخهم باسمها. خرج بقلب متلهف. لجم بصاعقة الصدمة وهو يراها وكأنها فقدت الحياة. اقترب بقلب يتجرع ألمًا لحياتهما البائسة وهو يحملها متجهًا لفراشها. -اتصلي بالدكتور ياسيلين خليه يجي يشوفها. هكذا اردفت بها زينب التي وصلت للتو.

مسدت على خصلاتها بحنان أموي قائلة بقلب أم حزين. -مالك يابنتي. دي تاني مرة يغمى عليك. وصلت نورسين. فتسائلت: -هي مالها؟ أجابتها سيلين سريعاً: -اتخنقت من الزحمة عشان كدا اغمى عليها. فاقت ليلى بعد دقائق معدودة. مسدت زينب على خصلاتها: -حبيبتي مالك من الصبح وكل شوية يغمى عليك. أنا اتصلت بالدكتور وهو في الطريق. اعتدلت بوهن وهي تهز رأسها: -لا أنا كويسة. يمكن عشان مأكلتش بس.

-ياريت ياماما تأكلي. المدام مش كل شوية تزعجيني بحاجات تافهة. مش مربي طفلة في البيت. رفعت نظرها جهته. كان يقف يحاوط نورسين. استقرت كلماته في منتصف صدرها مما أدى إلى شعورها بالاختناق. فهتفت بصوت كادت أن يكون متزناً: -آسفة ياحضرة المستشار. أخذنا من وقتك الثمين. ثم اتجهت إلى زينب: -ممكن ياماما تخلي نعيمة تعملي جمبري. عايزة أكل جمبري جاي على بالي. أطلقت سيلين ضحكة من شفتيها:

-لا.. دا لولة شكلها هتغرق في البحر. إيه يابنتي يغمى عليك شوية تصحي على الجمبري. دقت زينب بملامحها: -حاضر ياليلى. قومي خدي شاور وانزلي وهخلي نعيمة تعملك جميع أنواع الأسماك. ظل يطالعها بغضب للحظات ثم تحدث لوالدته: -البتاع اللي هي عايزاه دا تاكله في المطبخ. مش على السفرة. نهضت زينب وتوقفت أمامه: -ليلى تاكل في المكان اللي يعجبها. مش عاجبك ممكن تاخد خطيبتك وتتعشى برة. قاطعتها ليلى قائلة بوهن:

-خلاص ياماما أنا هتعشى لوحدي في الجنينة. بحب العزلة. متخافيش هعرف اتعامل. هتفت سيلين بمرح: -لولة مش هتطمع على الجمبري كله وهتاخدني جنبها. ضربتها سيلين بكتفها: -مش كدا يالولة. رسمت ابتسامة على وجهها ورفعت كفيها الذي شعرت برجفته ولا تعلم لماذا. ووضعتها على وجه سيلين: -بس متطمعيش عليا. كان يراقب كل حركة تفعلها حتى شعر برجفة شفتيها وكف يديها.

أحس بنيران الذنب تحرق أحشاءه اتجاهها. ولكنها أحرقت كبرياءه ورجولته. أعاده عقله سريعاً. فسحب نورسين من كفيها: -خلاص ياحبيبي. العرض المسرحي بتاع المدام خلص. تحرك للخارج سريعاً حتى لا يضعف أمام نظراتها الحزينة. عند درة وحمزة. جلست على سجادة صلاتها تدعو ربها تضرعاً وخشية: "اللهم رب الناس اذهب البأس اشف أنت الشافي المعافي اشف والدي شفاء لا يغادر سقماً. يارب اعفو عنه. يارب احفظه بحفظك". دلف حمزة يبحث عنها:

-حبيبتي لسة بتصلي. ياله بابا جهزوه للعملية. ساعدها على الوقوف. ألقت نفسها بأحضانِه وبدأت تبكي بنشيج: -خايفة قوي ياحمزة. بابا لو حصله حاجة هموت. احتوى وجهه ونظر لمقلتيها: -حبيبتي إن شاء الله هيقوم بالسلامة. خلي عندك إيمان بربنا. أزالت دموعها: -ليلى مجتش معرفش ليه!! إزاي تسيب أبوها في وقت زي دا. اتجه بانظاره للبعيد مردفاً: -راكان متصلش برضو. وبتصل بيه مابيردش. سحبها خارجاً من الغرفة: -ممكن يكونوا في المطار ولا حاجة.

وصلت عند والدتها التي كانت تهاتف ليلى: -خلاص حبيبتي خلي بالك من نفسك. واحنا هنطمنك أول بأول. طالعتها درة بأنظار مستفهمة: -ليلى مش هتعرف تيجي عشان حامل جديد. وضعت درة كفيها على شفتيها: -ليلى حامل. إنت متأكدة؟ ضمتها والدتها وانسدلت عبرة على وجنتيها: -أنا كنت شاكة أصلاً. ربنا يكملها على خير ويجيبه بالخلقة التامة. بس هي قالت متعرفوش حد دلوقتي عشان راكان مسافر وميعرفش لسة. يعني متقوليش لحمزة.

أومأت برأسها متفهمة. والسعادة تغزو وجهها. بعدما كان يضج بالحزن. عند ليلى بعدما أغلقت الهاتف مع والدتها. نهضت ودلفت لمرحاضها. خرجت بعد قليل. أدّت فرض ربها وجلست تقرأ أذكار المساء. ثم اتجهت لغرفة ثيابها وأخرجت جميع ملابسها الذي أحضرها بالأمس. وقامت بحملها وصاحت على مربية ابنها التي تدعى بداليا: -داليا عندي الهدوم دي جبتها جديد. وللأسف مش حابة ألوانها. لو عجبوكي خدي اللي عايزاه والباقي نزّليه لنعيمة تحت. حاولت المربية

سبر أغوارها فتحدثت: -الفستان دا كان جميل قوي عليك امبارح يامدام. ربتت ليلى على كتفها: -محبتوش حبيبتي. خديه هيكون جميل عليك. هو حلو بس اتخنقت منه معرفش ليه. أخذت داليا بعض الثياب وتحركت للخارج. قابلها راكان الذي خرج للتو من غرفته وهو يحادث حمزة صائحاً: -قولتلك مشغول. يبقى عرفني التطورات أول بأول. اتجه بنظره لغرفتها التي خرجت منها داليا تحمل فستانها وبعض الثياب الأخرى. أغلق الهاتف سريعاً مع حمزة واتجه إلى داليا:

-واخدة الهدوم دي فين ياداليا؟ ابتلعت ريقها في محاولة للحديث. لحظات مرت عليها وهي تحاول أن تجد كلمات مناسبة فأجابته: -مدام ليلى ادتهملي. بتقولي مش محتاجهم. بس لو حضرتك عندك مانع. وضع كفه لتصمت. تنهد بحرقة شديدة وأردف محاولاً الثبات: -مبروكين عليكي. اتجه لغرفتها يدفع الباب كالثور الهائج يبحث عنها. لم تكن بغرفتها. استمع إلى حديثها بالشرفة: -يعني معزومين عندنا. معلش يا أسما لسة صاحية. خلاص حبيبتي هستناكوا.

وقفت تنظر إلى الحديقة وهي تضع كفيها على أحشائها. استنشقت رائحة عطره. فنزلت كفيها وظلت كما هي تنظر إلى الحديقة. دلف إلى الشرفة. يجذبها بعنف: -افهم من معنى اللي بتعمليه إيه!! نزعت ذراعيها. حاولت التظاهر بالقوة أمامه. رافضة نبضات قلبها فقالت بنبرة لم تهتز رغم تمنيها قربه: -بعد كدا لما تتكلم معايا تتكلم بهدوء. مش في حصة درس. وياريت تخبط على الباب لما تدخل. ودلوقتي اطلع برة مش عايزة أشوف وشك قدامي. أشارت

على الباب ورمقته باحتقار: -اطلع برة الأوضة دي. مش مرحب بيك فيها. دي أوضتي أنا وجوزي الله يرحمه وخاصة بينا وممنوع حد يتخطاها. اقتربت تلكمه بقوة بصدره: -روح للماما اللي كنت واخدها في حضنك. انت آخرك الأشكال دي. إنما أنا آخري واحد محترم يستاهل أبكي عليه العمر كله. اقتربت أكثر حتى اختلطت أنفاسهما النارية. ونظرت إليه بنظرات جحيمية: -أيوه رفعت عليك قضية طلاق. ولو راجل طلقني.

لم يشعر بنفسه وهو يرفع كفيه على وجنتيها بقوة حتى شعرت بتخدير خديها. تراجعت للخلف خطوة تنظر إليه بنظرات متألمة. جذبها بعنف يصك على أسنانه فقد حولته إلى شيطان مارد: -ورحمة سليم لأطلقك. بس أشفي غليلي منك. وهاخد منك الولد واخليكي تكرهي اليوم اللي عرفتي فيه واحد اسمه راكان. أشار بسبابته: -هعرفك أنا راجل ولا لا يامحترمة. قالها وهو يدفعها بقوة حتى سقطت على الفراش. نكست رأسها أسفاً وقالت بألم يعتصر ماتبقى من روحها

الذي أهدرها دون رحمة: -هعرفك ياراكان إزاي تخوني وعينك في عيني. هدوقك نار قلبي اللي مرحمتوش ودوست عليه. بعد عدة ساعات تجهزت وأرتدت أفخم ثيابها. كان فستان ابتاعه لها سليم بعيد ميلادها الأول بجوارها. كان فستاناً من اللون الأسود. ضيق من عند الخصر. يبرز مفاتنها بعدما زادت بوزنها بعد ولادتها وحملها. أرتدت حجابها وانهت زينتها. ثم اتجهت إلى الأسفل وهي تتشبس بيد أمير الذي يخطو خطوة ويسقط أخرى. فنادت على مربيته عندما فشلت

بحمله بعد شعورها بالإرهاق: -خدي أمير ياداليا. سيلين عاملة سفرة صغيرة لينا في الجنينة. وديه هناك. بعد قليل وصلت نورسين وكذلك أسما ونوح الذي دعاه راكان. جلس الجميع على المائدة المعدة بحديقة المنزل. وصلت ليلى وألقت عليهما تحية المساء: -مساء الخير. قالتها بهدوء. نهض نوح إليها يطالعها بصمت رغم زينتها إلا شعر بألم بصوتها. ورغم ذلك سحبها لتجلس بجواره:

-تعالي قوليلي. هو اللي يعاشر راكان يحلو كدا. قلبي الضعيف لا يتحمل يالولا. والله أخطفك. مش كدا يا طنط زينب. قاطعهم وصول يونس وهو يتحدث: -أهلاً بدكتور التجميل. وأنا بقول الدنيا منورة ليه. أتاري القمر على الأرض. قالها وهو يغمز إلى سيلين. دقت سيلين نظراتها بفستان ليلى فأردفت: -مش دا الفستان اللي سليم كان مشتريه يا ليلى. ولا إنت من حبك فيه روحتي جبتي زيه.

تصلبت أنظاره على ذاك الفستان الذي كاد أن ينزعه من فوق جسدها وقام بتمزيقه. ولكنه تذكر ما فعلته به. فأمسك كوبه يرتشف منه قائلاً: -أيوه يا سيلي. مدام ليلى بتحب جوزها لدرجة بتحافظ على كل حاجة مرتبطة بيه. قالها بصوت متألم. كانت تجلس توزع نظراتها بينهما. فتوقفت تمسك بكف زوجها: -اقعد يانوح هنا. وأنا هروح مع ليلى. قالتها أسما.

أما زينب التي تجلس ونيران تحرق صدرها. حاولت بكل قوتها أن تعلم ماذا صار بينهما ولكن كالعادة خيبت أملها. رفعت نظرها إلى يونس فجلس بجوارها وهمس: -حاولت أفهم ماتكلمش. فقولت أعمل شو زي ماشفتي. ربتت على كفيه تشيع نورسين التي تجلس تضع رأسها بصدره وتتحدث تتلاعب بزر قميصه بعد ذهاب ليلى وأسما. زفرت بإختناق وتحدثت إلى يونس: -البت دي مستحيل أخليه يتجوزها. عايزني أوافق على جوازك من سيلين. شغل دماغك يادكتور.

أومأ برأسه وتحرك متجهاً إلى سيلين التي تحمل أمير وتجلس بجوار ليلى. -رايح فين يلا. تسائل بها راكان. رمق راكان بنظرة وغمز بعينيه: -رايح لحبيبتي عندك مانع. توقف يطالع نورسين فاطلق ضحكة. واقترب منهما: -بقولك يانور هو انت راسك وجعاكي ولا حاجة. ضيقت عيناها متسائلة: -مش فاهمة. أشار بسبابته مردفاً: -أصلك نايمة على راكان. هو انت بتقيسي نبض قلبه ولا إيه. بس نصيحة من العبد لله.

-راكان نبضاته متفرعة زي شجرة الصبار. متينة وممكن تعيش من غير مية. ولو قربتي منها تعورك. سحب كفيها من على زر قميصه وجذبه بعنف. ثم حرك حاجبه للأعلى وللأسفل: -وأدي الزرار يانور اللي خانقك. خليه كدا مفتوح. -انت غبي يلا. دنى يونس وهو يرمقه بنظرات غير مفهومة. وتصنع ضبط قميصه: -لا!!

ابدا ياباشا. أصلي لاقيتك مش واخد بالك إننا حواليك. وانت فتحها على الرابع. راعي إن فيه طنط زينب قاعدة ومدام أسما. طيب ليلى مراتك إنما سيلين دي مش بنت. ضرب يونس على كتف راكان وهو يتكأ بذراعه ينظر إلى نورسين: -آسف يانور بس بغير على راكان. تقولي إيه صداقة بقى. -إنت مش كنت رايح لسيلين يايونس. امشي. قالتها زينب بغموض. ثم اتجهت إلى نوح ونورسين: -الأكل دا راكان اللي طلبه يانوح. أكيد عارف ذوقك. ثم رمقت نور: -بيقول نور بتحبه.

أومأت نورسين: -أي حاجة راكان يقولها بعشقها طبعاً يا طنط. هزت رأسها بهدوء: -بالهنا حبيبتي. بعد إنهائهم الطعام. كان يطالع تلك التي تضحك مع أسما وسيلين. وهم يلاعبون أمير. شعر بنيران تحرق صدره كلما نظر إلى ذاك الفستان الذي جعلها كالقمر بليلة تمامه. وصل أسعد ملقياً السلام. نهض راكان بعد أن قام بتشغيل موسيقى أجنبية هادئة. لم يعر والده أهمية، فرفع كفيه إلى نور. "تعالي نرقص." ابتسمت وتوقفت متجهة إليه. اقترب نوح من يونس.

"إيه اللي بيحصل بالظبط؟ رفع يونس كتفيه وأجابه. "شكل الموضوع كبير اللي يخلي راكان كدا." تهكم نوح وتحدث. "يبقى اللي جاي مرار ياحبيبي. دا ليلى لابسة فستان سليم، وراكان عازم نورسين وبيرقص معاها. أنا كدا عرفت الأيام الجاية هيكون شكلها إيه." اختفت ضحكات ليلى وهي تطالعهم وهم يتأملون على الموسيقى. رفعت نظراتها المتألمة لذراعيه الذي يطوق خصرها، وهي تعانقه مقتربة من شفتيه، وهو يطلق ضحكاته.

جذبها بقوة حتى أصبحت بأحضانه كاملة لا يفصلهما شيئاً. اقترب يداعب وجهها بشفتيه مبتسماً، وكأنها عشقه منذ سنوات. رفعها من خصرها حتى وقفت على حذائها وبدأت تتمايل. هنا انهارت ليلى كاملة. واستدارت للجانب الآخر. وانسدلت عبراتها وكأن أحدهم طرق بمطرقة من نيران ثم فوق صدرها. أغمضت عيناها رغم عنها وأصدرت شهقة بكاء مريرة خرجت من أعماقها المحترقة. وضعت كفيها على فمها حتى تمنع نفسها من النحيب. ربتت أسما على ظهرها. "حبيبتي اهدي."

ضغطت على فستانها وتحدثت من بين بكائها. "بيدبحني يا أسما. أنا مش قادرة اتنفس. أسما أنا بموت." وصلت العاملة بطعامهم. "آسفة مدام ليلى. اتأخرنا." نظرت ليلى للطعام وشعرت بتقلب معدتها. دفعته بعيداً عنها. "مش قادرة اشم ريحته." وصلت سيلين التي كانت تلاعب أمير. فبعدما وجدت يونس قريباً منهم، ارتعدت أوصالها. فاتجهت لليلى وأسما. جلست واجلست أمير على ساقيها. "شوف ياميرو مامي بتحب الجمبري وعمتو بتعشقه كمان."

سكبت بعض الطعام ووضعته أمام أسما. واتجهت إلى ليلى تضع طعامها. دفعته ليلى ونهضت تضع كفيها على معدتها. عند راكان. ظل يتراقص مع نورسين وضحكاته ترتفع بالمكان على كلمات نورسين. قاطعهم جري ليلى للداخل وهي تمسك معدتها. هبت زينب فزعاً من مظهرها. وتحركت متجهة إليها. دَلفت ليلى إلى المرحاض وقامت بإخراج مافي جوفها. ظلت لفترة ليست بالقليل وهي تتقيأ حتى شعرت بالدوار. فسقطت مغشياً عليها. دلفت زينب تصرخ باسمها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...