الرابع والثلاثون. أنتظرك وكلي شوق أن تعود بشوق مثل اشتياقي إليك. في كل لحظة أترقبك ولا أشعر أني بخير. كلما طال بعدك طالت وحدتي. كيف لا تشعر بي كيف لا تلمس إحساسي بك؟ أخاف أن تموت اللهفة والاشتياق. أخاف أن تذبل داخلي وتتراجع الكلمات. رغما عني أبتعد ورغما عني أريد البقاء. نعم أشتاق إليك ولكن ماذا عنك.....
-تمر الأيام والخوف مازال يخنقه على صديق عمره. جلس مطبق الجفنين منتظر أي آخبار تريح قلبه قبل عقله. وصلت إليه زوجته ببعض الطعام، جلست بجواره تسمد على كتفه ببطئ. "راكان قوم عشان تاكل أي حاجة بقالك كام يوم من غير أكل." قام بإشعال تبغه وهو يهز رأسه بالرفض. "ليلى ماليش نفس." لم يكمل حديثه عندما جذبت منه سيجاره وتحدثت بغضب ودموعها محتجزة بمقلتيها. "حرام عليك نفسك ياراكان. قهوة وسجاير من غير أكل. عايز تموت نفسك."
تنهد بحرقة شديدة يمسح على وجهه. "ليلى أنا عامل زي الدايخ الي الكل بيخبط فيه. اختي معرفش عنها حاجة، ومين اللي عايزها. وكمان نوح الي حياته في خطر. وحمزة اتلغى فرحه يوم الفرح. ولا يونس الي مش عارف اوصله من كتر جنانه وبيحملني الي حصل لسيلين." صمت للحظات ونظر لبطنها. "ولا ابني اللي ملحقتش أفرح بيه. وكأن الوجع بس المكتوب عليا." رفعت كفيها تمسد على ظهره.
"كله هيعدي. نوح هيقوم بالسلامة. وحمزة هيعمل احسن فرح. وابنك هيجي وهتفرح بيه إن شاءالله. دي هتكون ذكريات مش أكتر حبيبي." شدد من إحتضانها يضمها لصدره قائلا. "أكتر حاجة مصبراني ومقوياني وجودك جنبي وكلمة حبيبي دي كفيلة اني أجاهد عشان في الأخر اضمك زي دلوقتي كدا." قاطعهم رنين الهاتف. أخرجها من أحضانه ينظر لذاك الرقم الدولي. قام بالأيجاب عليه. "أيوة.. على الطرف الأخر."
"مستر راكان البنداري. أهلا بك. اعتذر لك عن طريقتي في الوصول إليك. ولكن ظننت إنك ستصل قريبا ولكنك تأخرت كثيرا. ولكن أعلم أنك مشغول بصديق لك. فهل صديقك أهم من حياة أختك؟ أو بنت عمك كما تقولون بالمصري؟ شعر بدوران يضرب رأسه فهوى على مقعده يسحب أنفاسًا حينما شعر بإنسحاب الأكسجين من حوله فتحدث بصوت جعله متزنًا بعض الشيء. "مين معايا؟! "يعقوب المنسي." قطب جبينه محاولا التذكر ولكن لم يصل لهويته. فقاطعه يعقوب قائلا.
"انت لم تعرفني. ولكنني اعرفك جيدًا. واعلم كل شيء يخص صاحبة ذات العيون الزرقاء. والشعر الأشقر... تحرك راكان لبعض الخطوات. "ماذا تقصد؟! نفث الرجل تبغه وهو يتابع سيلين من شاشته قائلا: "سيلين أسعد البنداري." تنهد راكان بهدوء بعدما علم بما يقصده فجلس على الفراش وهو يرجع بخصلاته للخلف قائلا. "اتعني انك من قمت بإختطاف سيلين البنداري؟ نفث يعقوب تبغه وأطلق ضحكة خافته. "هل يخطف العاشق معشوقة يارجل؟
بلى هي في أمان وليست كما تظن." جحظت أعين راكان وحاول أن يتحكم بسيطرته. فسحب نفسًا. "سأكون مساء الغد بضيافتك مستر يعقوب. أود أن أطمئن على أختي." أشار يعقوب للرجل الذي يقف بجواره وهاتفه قائلا. "أحضرها بيتر حتى تحادث أخاها." جلست ليلى تنظر إليه بنظرات تحمل بين طياتها الكثير والكثير من العتاب. "انت إزاي هادي كدا واختك مخطوفة؟ وضع إصبعه على شفتيها حتى تصمت وهو يستمع للجانب الآخر.
"أختك كان أحد العصابات تلاحقها. علمت هويتها بالصدفة. ورأيت هناك من يراقبها. بعثت أحد الرجال ليلاحقه. فعلمت انه ينضم لإحدى العصابات هنا. فتدخلت لأن أمرها يهمني كثيرًا. أتمنى تكون علمت بما أشير له." -دَلفت سيلين وهي تدفع الرجل صارخة به. "ابتعد أيها الأحمق." توقفت عندما وجدت أحدهما يقف موليًا ظهرها ويضع كفيه بجيب بنطاله ويتحدث بهاتفه. "دعها تتحدث مع أخاها بيتر." قالها يعقوب وهو مازال على وضعه. أسرعت تخطف الهاتف منه.
أغمضت جفونها وقلبها يتقاذف بين ضلوعها. فلأن قواتها الواهية سقطت. ارتجفت شفتيها كحال جسدها وهي تهمس. "راكان.." هب واقفًا. محاولا السيطرة على نفسه. "حبيبة راكان عاملة ايه؟ وضعت كفيها على فمها تمنع شهقة عندما استمعت لصوته. فأردفت بتقطع متناسية ذاك الرجل الذي مازال على وضعه. "أنا كويسة حبيبي. هتيجي إمتى عشان تاخدني من هنا." سحب نفسًا وطرده ثم أجابها وعيناه تنظر لليلى التي وقفت بمحاذته تربت على كتفه.
"بكرة هكون عندك. يونس وعمو خالد هبعتهم دلوقتي. بس قوليلي ايه اللي حصل ومين دا." أخيرًا استدار بجسده وملامحه الصلبة. "كفى بيتر، انتهى الوقت، دعني أتحدث مع أخيها." جذب الهاتف من كفيها متجهًا إليه. ثم أشار بكفيها قائلا. "هيا اذهب الآن. ودعنا بمفردنا." وضع الهاتف وهو يطالعها بعينيه التي يخترقها بها وتحدث. "أنا بانتظارك أيها الفرعوني. لا تقلق على أختك فهي بحمايتي. ولا تدع القلق يتسرب لقلبك. فهي بأمانة يعقوب المنسي."
قالها وأغلق الهاتف بوجه راكان. الذي صاح غاضبًا يس به. "كان ناقصني مجانين." جلس يضع رأسه بين راحتيه. "دا شكله مجنون ولا إيه." جلست ليلى على عقبيها أمامه تحتضن كفيه. "مين دا ياراكان؟ وعايز إيه من سيلين؟ رفع رأسه كالضائع وأجابها: -معرفش، بس اللي فهمته واحد كان عايز يخطف سيلين. ودا شكل سيلين عجبه. وشكله من بتوع الأنا اللي مفكر نفسه بياخد كل حاجة بلوي الدراع. تنهد بحزن وأكمل: -أكيد من كلامه، بس أعرف إزاي وصلها؟
وهي تعرفه ولا إيه؟ مسح على وجهه بغضب: -يونس هيقوم القيامة ومحدش يقدر يلومه. أنا شكيت في حد من أعدائي، بس بعد ما السفير أكد إنها مش مخطوفة، وبعد اتصالها بخالد، ابعدت ده. دلوقتي مين اللي كان بيهاجم سيلين؟ وليه سيلين طردت الأمن اللي معين له؟ نصب عوده واتجه للمرحاض قائلاً: -هغسل وشي يمكن أفوق شوية. القهوة معدتش بتأثر. امسكته ليلى من ذراعه:
-لا، إحنا لازم نرجع على البيت النهاردة. ترتاح شوية. حرام عليك نفسك، بقالك كام يوم وأنت واقف ومفيش نوم ولا راحة. احتضن وجهها ناظراً لعيناها: -ليلى، مش هقدر أمشي وأسيب نوح كده. ممكن يفوق. روحي أنتِ، متربطيش نفسك بيا. متنسيش إنك حامل. حاوطته بذراعيها ووضعت رأسها على صدره: -مش هسيبك هنا وأمشي. أنت هتيجي تبات معانا الليلة. رفعت رأسها ومازالت تحاوطه بذراعيها تنظر لشمسه الضائعة هامسة له:
-أمير بيسأل عليك كتير. وكمان أنت وحشتني أوي. نفسي أنام في حضنك أوي أوي. ضغط يقربها لأحضانه، طبق على جفنيه، واضعاً ذقنه فوق رأسها: -أنتِ كمان وحشاني فوق ما تتخيلي. بس مقدرش أسيب المستشفى في الوقت ده، بعد اللي حصل للدكتور يحيى. ربتت على ظهره: -حمزة هنا وكريم. وكمان لميا وجوزها. كلهم حواليه. وكلهم روحوا ارتاحوا إلا أنت. عشان خاطري لازم ترتاح لو كام ساعة ويبقى تعالى تاني. أشارت عليه وتحدثت بحزن: -شوف نفسك بقيت عامل إزاي.
ابتسامة شقت ثغره وهو يلمس بظهر كفيه وجنتيها: -أفهم من كدا مولاتي خايفة عليا أكتر من ابن خالتها؟ مش ده نوح اللي من كام أسبوع كان الدرع الواقي؟ رفعت نفسها وحاوطت عنقه تهمس أمام شفتيه: -نوح زيه زي كريم. أما أنت معذب قلبي وحبيبي اللي مجنني... أطلق ضحكة خافتة يرفعها من خصرها: -لا مش تثبتيني بالكلمتين دول. إحنا لسة متحسبناش. الحساب تقيل مولاتي. متخافيش كله بأوانه. قهقهت تحرك ساقيها بالهواء:
-أنت السبب متنساش، لكل فعل ردة فعل ياحضرة النايب. تحرك بها للفراش بعدما فقد سيطرته من ضحكاتها التي بعثت ابتسامة جميلة على محياه. وضعها على الفراش، وحاوطها بذراعيه، ونزل بشمسه يقابل ليلها الدامس، حتى تقابلت الأعين وتعالى الأنفاس بنيران العشق والاشتياق. نزل برأسه يداعب أنفها قائلاً: -أعمل فيكي إيه دلوقتي؟ بتلعبي بأعصابي. رفعت كفيها تلمس وجنتيه: -مين اللي بيلعب بأعصاب مين؟ تفتكر أنا أقدر أواجه طوفانك ده؟
أطبق على جفنيه يسحب عطر أنفاسها هامساً لها: -ليلى، وحشتيني أوي أوي حبيبي. لمست شفتيه بأصبعها هامسة له: -وأنت كمان ياحبيب ليلى. ياله خلينا نروح بيتنا نرتاح كام ساعة وارجع تاني. اعتدل ناصباً قامته وهو يجذبها من كفيها: -هروح أشوف نوح وأعرف حمزة. وأنتِ لمي الحاجات اللي هنا لحد ما أرجع. اعدلت حجابها، واجابته: -أنا كمان هعدي أطمن على أسما، وأشوف خالتوا ولميا. قاطعهم طرقات على باب الغرفة. *** دلف حمزة معتذراً:
-راكان، راندا جت برة وحرب قايمة بينها وبين لميا. تحرك مع حمزة متجهاً للخارج. جلست ليلى تطبق على جفنيها، تضع كفيها على صدرها، وانسدلت عبراتها بغزارة حتى ارتجف جسدها. استمعت لرنين هاتفه بجوارها. نظرت به وجدتها زينب. -أيوة ياماما زينب. تنهدت زينب براحة تامة بعدما اجابتها ليلى: -ليلى، الحمد لله أخيراً حد رد عليا. فين راكان؟ اجابتها بصوت مفعم بالبكاء: -خرج مع حمزة يشوفوا نوح. أومأت وتسائلت بتحفز:
-لسة يابنتي مفيش جديد بحالته؟ شهقة خرجت من فم ليلى تضع كفيها على فمها: -مفيش ياماما. ومفيش دكتور بيطمنا للأسف. خالتو صعبانة عليا وراكان حالته وحشة جداً. بحاول أتماسك قدامه بس أنا تعبت ومش قادرة خلاص. تنهدت زينب وانسدلت دمعة من عينيها عندما تذكرت فلذة كبدها: -ربنا يقومه بالسلامة. ده الوحيد لناهد. يعني لو حصل له حاجة هتموت. ربنا يصبرها. ارتفع صوت بكاء ليلى:
-وأنا كمان مقدرش أتخيل حياتي من غيره. نوح كان أخويا الكبير. بحاول ما أضعفش قدامهم بس قدرتي خلصت خلاص ياماما وأنا شايفة صديقة عمري مش حاسة بحاجة حواليها. ولا راكان اللي ممكن يوقع من طوله في أي وقت. بلعت زينب ريقها بصعوبة خوفاً على ولدها واجابتها: -لازم تتحملي وتصبري عشانه حبيبتي. المهم عايزة أعرفك إنه أسعد جاب توفيق على البيت عشان وقت مايرجع ما يتفاجأش. توسعت أعين ليلى قائلة: -ودة وقته؟ ياربي إيه المصايب دي كلها؟
تمام ياماما. أنا الحمد لله أقنعته إنه يروح يرتاح ساعتين ولا حاجة. بس على كلامك ده يبقى هنروح على بيت المزرعة منعا للتصادم مع عمو أسعد. خلي بالك من أمير. مسدت زينب على خصلات أمير الغافي على ساقيها وأجابتها: -متخافيش عليه. وأنتِ كمان خافي على اللي في بطنك. ابن راكان أهم منك يالولة. طبعاً عارفة معنى كلامي ومتخافيش سرك في بير. ابتسمت ليلى من بين دموعها وهي تضع كفها على أحشائها:
-وأهم من حياتي نفسها ياماما. بس أوعي توقعي بالكلام قدامه. ابتسمت زينب ومازالت نظراتها على أمير: -ربنا يسعدكم حبيبتي. بس برضو لازم أخليه يدوق نار الغيرة شوية. اجابتها ليلى: -ماما بلاش وحياتي هو فيه اللي مكفيه. ومقدرش أخليه يتعب أكتر. أطلقت زينب ضحكة وتحدثت: -شوفي البت العبيطة اللي بينضحك عليها بكلمتين. خايفة عليه. شعرت بألم بقلبها وتحدثت بصوتها كاد أن يسمع:
-مش عايزة فراق تاني عشان ولادنا ياماما. عايزة ولادي يعيشوا بينا. لو حصل مشكلة بينا تاني هيكون صعب نواجهها. -لا ياحبيبتي مفيش فراق ولا حاجة. وزي ماقولتلك قبل كده، هو بيحبك بس كرامته كانت ناقحة عليه. واهو الحب اتغلب على الكرامة. هسيبك ويبقى طمنيني. بس لازم تيجوا على البيت عشان الولد بيسأل عليكم. -إن شاء الله ياماما. قالتها ليلى ثم أغلقت الهاتف. خرجوا بعد قليل. استقلت السيارة بجواره واقتربت تحتضن
ذراعيه تضع رأسها على كتفه: -إيه رأيك نروح بيت المزرعة؟ هز رأسه بالرفض واجابها: -لا هنروح القصر. ماما وحشتني. وكمان أمير. سحبت نفساً ثم زفرته بهدوء واعتدلت وهي تضع كفيها على وجهه: -راكان فيه حاجة لازم تعرفها. ابتسم بسخرية وإجابها: -بلاش شغل الحريم ده يالولة. عارف هتقولي إيه؟ توفيق باشا في القصر مش ده اللي عايزة تقوليه. مطت شفتيها كالأطفال: -ده إيه الغباء اللي أنا فيه ده؟ أكيد هتكون عارف. رمقها بطرف عينيه قائلاً:
-بتلعبي مع الشخص الغلط يالولة. وبلاش شغل الحريم الهبلة دي تاني. قولي على طول من غير لف ودوران. طبعت قبلة على وجنتيه قائلة: -ذكي في كل حاجة ال في حب مراتك. قالتها وهي تهرب ببصرها بعيداً عنه. هي تريد إخراجه من حالة الحزن واليأس التي وصل إليها. رفع ذراعيه يحتويها بأحضانه: -مفيش كلام من ده ياليلي. عقلك الصغير حبيبي بيهيأ لك حاجات من التهيأت. فغرت شفتيها مصعوقة من حديثه. تلكمه: -أنا بتاعة تهيؤات ياراكان. أمال برأسه
يدمغها بقبلة على رأسها: -ليلى، أنا مش طفل عشان تلهيني ولا غبي يعني. قادر أتحكم في وجعي وحزني. بلاش شغل العيال اللي بتحسسيني بيه ده. أنا راجل كبير وواعي وأفهمك من مجرد نظرة واحدة من عينيكي الحلوة دي. عارف بتحاولي توصلي لأيه. رفع ذقنها وادار وجهها: -أنا كويس. بس بالي مشغول بيونس. وخايف يوصل لسيلين و يتهور. فعشان كده هسافر الصبح ضروري أكون هناك. ارتعدت أوصالها متسائلة بصوت متحشرج: -هو ممكن يأذي سيلين او يونس؟
ابتسم بألم حاول إخفائه قائلاً بمزاح: -ده شكله مجنون سيلين. اللي يخليه يخطفها عشان بيحبها يبقى مجنون. أسدلت جفنيها تنظر للأسفل قائلة بألم: -الحب أكبر وجع في الحياة للأسف. رفعت أهدابها المنطفئتين عندما رفع ذقنها ينظر لعيناها: -بس كل ما تتألم كل ما تعيش حلاوته. مش كدا ولا إيه. وضعت رأسها بأحضانه تحاوط خصره واخرجت تنهيدة:
-فعلاً إحساس جميل وانت في حضن حبيبك. بس ده بتدفع فاتورته غالية أوي أوي. وممكن تفضل تدفع فاتورته وماتوصلش للحظة أمان ودفى بسبب عند، سوء فهم، كبرياء. المهم ممكن تفضل خسران. ابتعد عن أحضانها يمسح دموعها بإبهامه محاولاً تهدئة نبضات قلبه التي تدق بصدره بعنف واقترب يطبع قبلة مطولة على جبينها ثم اردف هامساً بصوته المبحوح: -آسف. آسف على كل حاجة.
هنا خارت قواها جميعها وضمته بقوة باكية بكل ما تشعر به. تود لو تصرخ وتعبأ الدنيا صراخاً على ما صار بها من تسرع وغباء. أحس بوجع أضلعه وكأن أحدهم يقوم بإختناقه فاحتوى وجهها: -إش. إيه العياط ده كله؟ لسة مانستيش. اختبأت أكثر بأحضانه لما لا وهو ملاذها الوحيد لم تعد تستطع البعد عنه حتى لو عدة ساعات: -أنا اللي آسفة حبيبي بجد آسفة على كل حاجة. ابتسم يهمس لها: -كدا كتير وشوية مش هيمني السواق وهبوسك. اعتدلت
تبعد عنه وتلكزه بكتفه: -بس خلاص. متبقاش بجح. رفع حاجبه بسخرية: -تصدقي صح. أنا اللي المتحرش من وقت ماخرجنا. وضعت كفيها على فمه: -اسكت بقى هتفضحني الراجل يقول علينا إيه. رمقها بتسلية عندما تورّدت وجنتيها عندما نزل بمستوى جلوسها يهمس لها: -نوصل بس وأعرفك المتحرش ده هيعمل إيه. *** بمدينة لوس أنجلوس الأمريكية. تحركت حتى وصلت أمامه. -من أنت؟ ولما أنا هنا أيها الغبي؟
كان يطالعها بصمت، ينفث تبغه بهدوء كحال وقوفه أمامها. تحركت حتى لم يتبقى سوى خطوة واحدة قائلة: -أ أنت اخرص، أو ماذا بك؟ لما لم ترد أيها الأجدب؟ أ أنت من العصابات؟ نظرت سريعة حولها حتى وجدت تلك اللافتة التي يكتب عليها: -يعقوب المنسي. حاولت تتذكر ذاك الاسم إلى أن وصلت بذاكرتها لذاك اليوم. أخذت نفسًا ثقيلًا عندما تذكرته قائلة: -أنت صاحب ذاك المطعم؟ جلس يضع ساقًا فوق أخرى وتحدث: -بلى أنا. هلا تذكرتي؟
حاولت الحفاظ على انفعالاتها حتى لا تثير انفعاله مثل ذاك اليوم، فتساءلت: -لما أنا هنا؟ أجابها بابتسامة شقت ثغره لأول مرة منذ زمن: -لأني أريد ذاك. أطبقت على جفنيها وضغطت على ثيابها حتى لا تصل إليه وتصفعه على وجهه، فأخذت نفسًا طويلًا وزفرته على دفعات قائلة: -أ أنت مختل عقليًا؟ نصب عوده واتجه إليها يطالعها بغموض قائلاً: -ستكونين زوجتي، ولكن انتظر ذاك المدعو أخيك.
شهقت بصدمة ثم صكت على أسنانها وشعرت بالغضب يتسرب إلى أعصابها، فاتجهت إليه سريعا: -دا أنت مجنون فعلا، ومش عارف بتتكلم مع مين. -بلى أعلم أنك بنت البنداري. جحظت عيناها عندما علم بما قالته، فهمست لنفسها: -دا بيعرف عربي ومصري. قاطعها حديثه: -الآن سننتظر أخاك حتى نعلم ماذا يريد، حتى تعلمين أنني ديمقراطي وليس كما تظنين. تجهمت ملامحها غاضبة: -أنا أريد أن أرحل الآن، لما أنتظر أخي؟ -ستكونين زوجتي حتى لو أحرقت العالم أجمع.
اتجهت إليه كالقطة الشرسة: -سأمزق وجهك أيها الغبي. حاوطها بذراعيه ينظر لموج عينيها، فضغطت على قدمه وقامت بصفعه: -ابتعد عني، أنا لست للبيع كالعاهرات اللاتي يجلسن بينهن، ابتعد الآن وإلا سأمزقك بأسنان. اللمعت عيناه واقترب منها، فأشارت بسبابتها: -إياك أن تقترب مني مرة أخرى، والآن دعني أرجع الغرفة مع صديقتي إلى أن يحين وجود أخي.
قالتها وتحركت ونيران تتسرب بداخلها وصورة يونس أمام ناظريها. خرجت سريعا حتى لا تضعف أمامه وانسدلت دمعة من طرف عينيها عندما تذكرت ذاك اليوم الذي تقابلت به. فلاش باك. خرجت من كليتها مصطحبة صديقتها، إلى أن وصلت أحد المطاعم استمعت لرنين هاتفها. -ارتجفت كفيها عندما وجدت رقم معذب قلبها. ابتلعت ريقها وأجابته: -أيوة يادكتور. على الجانب الآخر تحدث غاضبًا:
-قولتي هسافر أسبوع أغير جو ياباشمهندسة، عدى شهر مش أسبوع وحضرتك كمان مبترديش، بتسغفليني ياسيلين؟ أقسم بالله لأعاقبك عقاب عمرك ما توقعتيه، بكرة تكوني في مصر، ومتنسيش إنك متجوزة ياسيلي هانم. شعرت بالدوار يضرب رأسها من ارتفاع صوته الغاضب، فاردفت:
-يونس طلقني، أنا نقلت كل ما يخصني، ومش هرجع مصر تاني، انساني وابدأ حياتك مع سارة، بلاش تغدر بيها يابن عمي، دي مش غريبة عشان تعشمها بالجواز وفي الآخر ترميها، مش بتكلم عن الفيديو، بتكلم عن الدبلة اللي أنت لبستها، ودي وعد يادكتور. شعر وكأنه غرس بخنجر حادا في منتصف قلبه فتحدث: -بتقولي إيه؟ مش هترجعي تاني؟ وكمان عايزة أطلقك؟ كنتي بتستغفليني ياسيلين؟
تنفس بتثاقل وكأن حجرًا ثقيلًا يطبق على صدره عندما شعر بطعن رجولته وكرامته، فتحدث قائلاً: -قدامك أسبوع لو مرجعتيش صدقيني هنسى إنك حبيبتي، وافتكري أنا قولت إيه. قالها وأغلق الهاتف. وقفت تنظر حولها بضياع وانسدلت دموعها، هي تعشقه ولكن كيف لكرامتها بعد ما رأته وسمعت عن مغامراته؟ أيعقل هذا الرجل الذي أغرمت به وتمنته طيلة حياتها أن يكون بتلك الصورة؟
تذكرت تلك الفتاة التي قامت بزيارتها حينما كانت بالمشفى، وتعد إحدى الطالبات في الفرقة النهائية لكلية الطب، وكانت تتدرب تحت يديه، فأعجبت به بل عشقته وقامت بعلاقة غرامية معه انتهت بالزواج العرفي لبعض شهور، انتهت بحملها الذي أجزم يونس بالتخلص منه وقام بتطليقها، وأثبتت بالصور من عقود الزواج وصورهما سويا، غير رسائله الغرامية. قصت لها كل شيئًا، هنا شعرت بانهيار عالمها وقررت الرحيل عن حياته.
خرجت من ذكرياتها متراجعة للخلف إلا أنها اصطدمت بذاك الذي دلف للمطعم يرتدي نظارته الشمسية بملامحه الشرقية، فمن يراه يجزم أنه عربي وليس أجنبيًا. كان يتحدث بلكنته الإنجليزية بهاتفه، فصرخت بوجهه، تدفعه بكفيها الصغير بعدما أسقط هاتفها: -ألم ترى أمامك أيها المتعجرف؟ أما أن عيناك هذه لم ترى بها، ربما تكون أعمى؟ قالتها متحركة وهي مازالت تسبه. باك. انتهت من ذكرياتها عندما وصلت لصديقتها التي أغلقت هاتفها سريعا.
ضيقت سيلين عينيها متسائلة: -ألم يأخذ هاتفك كما قلتي؟ ارتبكت قليلا وأجابتها: -بلى، ولكن أحضره لي ذاك الرجل الذي يجلب إلينا الأطعمة. هزت رأسها ودلفت للمرحاض. توقفت أمام المرآة وانهار عالمها كاملا عندما شعرت بإشتياقها الكامن بداخل قلبها، ولكن كيف أن تتغاضى عن دعس كرامتها وعشقها الذي تذبذب بداخله بعض الأوقات؟ كيف ينعتها بعشقه الدائم وتأكدها بعد ذلك إلا أنها مرحلة من مراحل حياته فقط. عند يونس.
كان يجلس أمام السفير الذي أكد له تواصل راكان لأحد الأشخاص الذي علم بمكانها، فخرج ونيران صدره تود لو تخرج للعالم لتحولها رمادًا. استقل سيارته يضرب على المقود بصراخ: -ليه ياراكان بتعمل كدا ليه؟ أمسك هاتفه وقام بالرنين عليه. كان قد وصل لقصره ودلف للداخل بدخول نورسين التي ترجلت من سيارتها ترمق ليلى التي تحركت مبتعدة عنهما قائلة: -هشوف أمير وأستناك بالمكتب.
قالتها وتحركت سريعا عندما فقدت السيطرة على دموعها. وضعت كفيها على صدره، فرؤيتها لتلك الرقطاء حقيقة موجعة تجعل قلبها ينزف ألمًا ويئن كوتر مقطوع. اقتربت نورسين تلقي نفسها بأحضان. ولكنه ابتعد يضع كفيه قائلاً: -أنا في حالة لا تسمح بوجودك دلوقتي يانور، فلو سمحتي راعي شعوري. قطبت مابين حاجبيها وتساءلت: -دا كله علشان نوح؟ مش نوح دا اللي مبكلمكش وكان عايز يرفع قضية بفسخ الشراكة وخلى أسهم الشركة تنزل؟
إزاي بعد دا كله تزعل عليه؟ وبعدين إيه اللي جاب البت دي هنا؟ ضغط على ذراعها بقوة آلمتها قائلاً بلهجة فظة: -مش اسمها بت، دي أم أمير، وجت بناءً على رغبة ماما، واللي ماما تطلبه أجيبه تحت رجليها، متنسيش نفسك، مش علشان خطيبتي تتعدي حدودك، مدام ليلى هنا بناءً على طلب زينب هانم اللي هي صاحبة القصر دا، حتى بعد جوازنا دا مش هيكون بيتك عشان تقولي مين يقعد ومين يمشي، تمام ياباشمهندسة. رفعت كفيها على زر قميصه
وتغيرت كالحرباء قائلة: -آسفة حبيبي بغير عليك ياراكان، مش بعد كام يوم هتكون جوزي. انزل كفها متحركًا للداخل بغضب يأكل عظامه كلما تذكر نظرات ليلى الحزينة، ود لو ضمها لأحضانه وطمأن روحها. وصل يبحث عنها بعينيه، قابلته والدته تنظر بمقت لنورسين قائلة: -أهلاً ياحبيبتي اتفضلي. ثم اتجهت بنظرها إلى راكان: -أخيراً يابني جيت، شوفت بقيت عامل إزاي. تحرك لغرفة جده قائلاً: -ماما نوح مش مجرد صديق وبس. توقف واستدار ينظر لنورسين:
-نسيت أفهمك قوة العلاقة بينا لو عايزة تكملي معايا، حمزة ونوح دول خطوط حمرا، إياكي ثم إياكي تحاولي تقربي منهم حتى لو بنظرة، أما بالنسبة ليونس فهو كفيل يرد. دلف للداخل وجد الممرضة تجلس بجواره. اتجه بنظره إليها: -اطلعي بره. ثم تحرك وجذب المقعد وجلس أمامه يطالعه بصمت. سحب نفسًا وزفره يمسح على وجهه. رغم شعوره بالغضب ومقته منه، إلا أن حالته أحزنته. وجد نظراته تدقق به فرسم ابتسامة قائلاً: -عامل إيه يا جدو.
ظهرت طبقة من الدموع بعين توفيق محاولاً الحديث ولكنه لم يقو. فاقترب راكان بجلس بجواره وتحدث: -تعرف مكرهتش حد قدك، بس في نفس الوقت متنمش نومتك دي أبدًا، وجعتني أوي فوق ما تتخيل، جبروتك من صغري واخدك ليا عشان تحرمني من ماما وتضغط عليها بجبروتك، معرفش دا كله ليه. أشار بكفيه عليه: -أخدت إيه من جري الوحوش ياتوفيق باشا؟ كان نفسي بس تاخدني في حضنك وتعوضني عن غربة بابا، بس إزاي؟
توفيق باشا لازم يتجبر ويضغط عشان يعرفنا إنه أقوى وإنه يقدر يعمل كل حاجة. دلفت ليلى وهي تمسك بكف أمير. استدار بجسده وجدها تقف على باب الغرفة، فأشار بكفيه إليها: -تعالي حبيبتي. عارف إنك خايفة أتهور وأموت. تحركت بجسد مرتعش من حزنها على ما وصل إليه زوجها، حتى وصلت إليه. أسرع أمير إليه رفعه بين ذراعيه وطبع قبلة مطولة على جبينه: -عامل إيه ياحبيب بابي. -أنا حلو. ابتسم وهو يرفعه بين ذراعيه مبتسمًا يشير لجده: -عارف مين دا.
نظر أمير ولم يرد. أشار على توفيق وتحدث: -دا جده الكبير، وبحمد ربنا إنك مطولتش أذاها. -راكان إيه اللي بتقوله دا. قالتها ليلى وهي تأخذ أمير قائلة له: -روح عند ماما حبيبي. هرول أمير للخارج. جذبها يجلسها بجواره ويحاوطها بذراعيه، ينظر لتوفيق: -دي ليلى راكان البنداري، أظن كنت هتموت وتعرف مين صاحبة الرسالة "مولاتي". دفعت كام عشان تعرف. رفع كفه يلمس وجنتيها مردفاً: -أهي ليلى هي مولاتي ياتوفيق باشا.
توسعت أعين توفيق، فأطلق راكان ضحكات حتى ادمعت عيناه وهو يشير إليه: -مستغرب صح؟ ماهو الصراحة خفت منك اوي. أومأ برأسه قائلاً: -آه خوفت منك، بعترف بضعفي. ماانت قتلت مراتي في حضني في يوم فرحنا. خوفت عليها لتعمل فيها زي شمس. فاكر شمس ياتوفيق باشا؟ كان ذنبها ايه؟ انها وقفت وقالت عايزة حقي من الي حاولوا يغتصبوني. كان ذنبها انها اتحامت بحفيدك الي خلاها تاخد حقها من شوية انجاس مخلوقين عشان ينجسوا الأرض.
كانت تطالعه مستغربة أحاديثه مع جده. فاستدار إليها وخانته ذكرياته وارتسم الألم والحزن معاً على ملامحه: -مستغربة ليه؟ بعدين نتكلم. اتجه لجده قائلاً: -بسببك خلتني اتعامل مع ناس آخرهم بس ارمي عليهم السلام. اقترب منه ينظر لمقلتيه: -مين الي قتل سليم؟ وعايز يموتني؟ مين ال قتل ابنك ومراته؟ أنا عارف انك حاولت تقتل زينة بس مش انت اللي قتلتها. عارف هخليك تموت بحصرتك كدا ونفسك تشوف سيلين وتحضنها. هحصرك عليها ياباشا.
انسدلت دموع توفيق وشعر بإنسحاب أنفاسه وشحبت ملامحه. فجذبته ليلى: -قوم ياراكان كفاية بقى لو سمحت. شوف الجهاز نبضاته انخفضت. نهض وامسك كف ليلى قائلاً: -أنا معرفش ايه اللي جابني اصلا مش مستاهل اني احرق دمك. كفاية حالتك دي. استمعوا لطرقات على باب الغرفة فابتعدت ليلى عنه. دلفت نورسين: -راكان ممكن ادخل اطمن على جدو. نظر إليها ثم اتجه إلى جده قائلاً: -تعالي شوفي المتبقي منه يانورسين هانم. قالها وتحرك للخارج. تحركت
ليلى خلفه تستدعي الممرضة: -مش تفارقيه خليكي جنبه. قالتها وهي تنظر لتوفيق بحزن يكسو ملامحها. عقدت نورسين ذراعيها أمام صدرها ورمقتها بجفاء قائلة: -اللي يشوفك وانت بتؤمري يقول صاحبة البيت. استدارت إليها ليلى واقتربت منها ونيران الغيرة تغزو قلبها. تناست كل شيئاً وتذكرت قربها من زوجها. بل عاشق روحها فتحدثت: -أنا فعلاً صاحبة البيت. متنسيش إني ام امير. غير توقفت عندما تذكرت تحذير راكان لها. ربتت نورسين على ذراعيها وتهكمت:
-وطليقة صاحب البيت عرفتها ياروحي. بس أنا هكون مراته وأم ابنه ان شاءالله. استدارت متحركة سريعا حتى لاتفقد أعصابها وتلكمها تخرصها. وصلت لمائدة الطعام والحزن مرسوم على ملامحها الجميلة. وجذبت مقعد بغضب وجلست بجواره: -ايه ياليلى اهدي. شوية هتطيريني. طالعته بغضب غير متحكمة بنفسها. وهمست كالمعتوه: -ياريتك طرت بدل ماوجعلي قلبي كدا. استمعت زينب لهمسها فابتسمت رغم عنها. بينما هو اقترب يرمقها بنظرات استفاهمية فهمس بجوار أذنها:
-ماتسمعيني حبيبي اللي بتقوليه عشان أرد. دفعته بقدمها: -بص قدامك ماما زينب بتبص علينا. غير العقربة عورسين بتاعتك جوا. لا تقفشنا ياحبيبي. قاطعهما حديث زينب: -ليلى قاعدة عندك ليه. نسيتي إنك اطلقتي يابنتي ولا ايه. قومي تعالي جنبي. اتجه بنظره لوالدته: -فيه إيه ياماما. عايزة تقوميها من مكانها ليه. أنا مش عبيط. بلاش تستخفي بذكائي. قطعت اللحم زينب بالسكين تنظر إليه:
-خطيبتك جوا ياحضرة المستشار وطبعا هي عارفة انكم مطلقين. وأنا الصراحة مايرضنيش أرملة ابني حد يقول عليها كلمة بطالة. مش كدا ولا إيه. جز على ضروسه حتى اصدرت صوتاً قائلاً: -متلعبيش معايا يازوزو عشان منتعبش بعض. ضيقت عيناها متصنعة الذهول: -ألعب هو انت لسة صغير للعب ياحضرة المستشار. وصلت نورسين وجذبت مقعد تجلس بجواره قائلة:
-راكان مسألتش يعني عن الفستان. جبت فستان حلو أوي ياحبيبي وجبته معايا هتغدى واجيبه من العربية عشان تشوفه عليا. أومأ برأسه دون حديث. كانت نظراته على التي جلست بمقابلته تأكل بصمت. فتسائل حتى ترفع نظرها إليه: -فين أمير. أجابته والدته: -داليا طلعت بيه فوق هو عايز يلعب. وكمان سبح كتير النهاردة. اومأ برأسه وتحدث متسائلاً: -أنا كلمت مدرب السباحة ولغيت السباحة. لسة كمان شوية. لحد مايكمل تلات سنين.
لم تعريه إهتمام ظلت انظارها لصحنها تأكل بصمت. تحدثت زينب تنظر إلى نورسين: -يارب الفستان يكون زي بتاع ليلى. عايزة أقولك ماشفتش بجماله. استدارت لليلى: -هو فين صحيح ياليلى. يمكن يعجب نورسين وتاخده تحضر بيه فرحها. منعت ليلى إبتسامة عندما علمت بما تنويه زينب فأجابتها: -فوق ياماما. رفعت نظرها إلى نورسين وتحدثت: -بس مش هينفع عورسين. سوري قصدي نورسين. أصله محترم. رفعت سبابتها أمامها:
-مش قصدي إنك مش محترمة. قصدي انه بتاع محجبات. وانت ماشاء الله فاتحها على البحري. كتم راكان ابتسامته وأكمل طعامه وترك الحرب بينهما. قطته شرسة بطعم نيران الغيرة. ولكنه رفع نظره إلى ليلى عندما أردفت زينب: -طبعا ياليلى هو راكان كان ممكن يجبلك حاجة مفتوحة لا سمح الله. همست ونظراتها تعلقت به. كانت مشدوهة لما تسمعه ملجمة اللسان للحظات حتى تعلقت عيناهما ببعض فتحدثت: -هو راكان ال جاب فستان فرحي.
طالعها بنظرات حزينة تحمل بصدره من الغصص مايكفي لأنقطاع حبل وريده بتلك الفترة المؤذية لروحه. استمع لها وهي تردف بهمسها الحزين: -مكنتش أعرف. شكرا فعلا الفستان كان حلو. استمع لرنين هاتفه. فنهض دون تكملة اكله وتحرك للخارج. هنا تحدثت غاضبة: -مش هتكمل اكلك ولا تروح تشرب سجاير من غير أكل. لكزتها زينب عندما رفعت نورسين حاجبها بسخرية: -وانت مضايقة ليه. نهضت من مكانها وارتبكت أمامها:
-مبحبش اشوف اي حد بيدمر صحته واقف اتفرج عليه. قالتها وهي ترمقه بنظرات حزينة وتحركت سريعا. أطبق على جفنيه مكور قبضته بغضب كاد ان يمزق أوردته قائلاً: -ماما خلي نعيمة تجبلي القهوة برة. تحرك للخارج يرد على يونس: -انت فين مبتردش عليا ليه. صرخ يونس به: -مين يعقوب المنسي دا ياابن عمي. مراتي في بيت راجل غريب بتعمل ايه. توقف يمسح على خصلاته محاولاً سحب نفساً قائلاً:
-يونس اهدى بلاش تهور. دا واحد سيلين عملت مشكلة معاه من فترة فحب يلعب معانا شوية. قاطعه صارخاً: -اخرص ياراكان مش عايز أسمع صوتك. والحيوانة التانية هعرف ادبها بس اوصلها. قالها وأغلق هاتفه. توجه للداخل سريعا وهو يتحدث مع أحدهما: -عايز طيارة لنوريورك بعد تلات ساعات بالكتير. استمعت زينب إليه فهبت متجه له: -ايه اللي حصل يابني. توقف على أولى درجات السلم ناظرا إليها. ثم توجه لنورسين قائلاً:
-آسف يانور لازم اسافر امريكا حالا. يونس سافر لسيلين واتجنن عليها. لازم أسافر دا مجنون وممكن يعمل فيها حاجة. اقتربت منه: -خلاص ياحبيبي نو بروبلم "مفيش مشكلة". قبل جبين زينب التي وقفت بأعين تائهة قائلة: -يونس مستحيل يأذيها صح ياراكان. -متخافيش ياماما. لازم اطلع اجهز عشان متأخرش. قدامي نص ساعة واكون في المطار. أمسكت ذراعيه قائلة: -استنى أوصلك للمطار. هز رأسه رافضا: -لا روحي انت. أنا هعدي على نوح قبل السفر.
قالها وصعد للأعلى سريعا. دلف غرفته يبحث عنها. استمع لصوت رذاذ المياه. فتحرك للمرحاض بعدما أغلق باب الغرفة. فتح باب المرحاض بهدوء وجدها ترتدي مأزرها. اقترب بهدوء يضع كفيه على رباطه هامسا بجوار اذنها: -يعني تغريني في المستشفى ودلوقتي تسبقيني. حاولت رسم إبتسامة على وجهها قائلة: -حسيت اني تعبانة وعايزة أنام فقولت أخد شاور قبل مااكسل. نظرت لمقلتيه قائلة:
-معرفش أن عورسين هتسيبك ببساطة كدا تطلع. قبل ماتشوف فستان جنازتها ان شاءالله. ابتسم من نيران غيرتها ولمس وجنتيها: -مولاتي غيرانة وبطلع نار. رفعت مقلتيها المغروقتين بالدموع: -دا مش غيرة أد ماهو وجع. مكنتش اتوقع انك تسبها وتجيلي. جذبها يضع رأسه بعنقها بأنفاسه الحارة. يستنشق رائحتها قائلاً: -أنا اسيب الدنيا كلها علشانك. ليلى. ولا نورسين ولاغيرها. شهقة خفيضة باسمه خرجت من رئتيها خفيضة ولكنها مسموعة تحمل مدى اشتياقها له.
رفع رأسه عندما شعر بارتجافها ودقات قلبها المرتفعة. ناهيك عن هبوط وارتفاع صدرها أمامه بأنفاسها المتسارعة. احتضن وجهها وتلاقت اعينهما بنظرة تعانق فيهما نبض قلبيهما المرتفع فهمس أمام شفتيها: -آسف. آسف.
ظل يكررها من بين نثرات عشقه على شفتيها ووجها. حتى انسدلت عبراتها بغزارة. تبادله ذاك الشعور الذي جعلها كملكة متوجة على قلبه. حينما رفعها بين ذراعيه يخرج بها ومازال عشقهما متواصل. ولم يفصلهما سوى أخذ انفاسهما. ليذوبا بملحمة عشقا لكليهما. بعزفهما المتواصل المنفرد بهما لا يستمع إليه سواهما فقط. هي تعزف بكلماتها العاشقة. وهو يعزف بقبلاته المسكرة لروحيهما إلى أن أخذها لجنة عشقه. متناسيا كل مايدور حولهما. حتى اصدرت روحيهما الحانا لجمال اللقاء.
بعد فترة توسطت صدره متسائلة: -مين شمس دي ياراكان. هو انت فعلا اتجوزت خمس مرات. كان يفتح عيناها بتثاقل بسبب شدة تعبه فهمس لها: -شمس دي كانت مراتي من حوالي خمس سنين. اعتدلت تتكأ على ذراعيها: -وجدك فعلا قتلها. هنا اعتدل وامسك هاتفه الذي أعلن رنينه وقام بالرد: -أيوة. يعني إيه مفيش طيارة قبل خمسة الصبح، طيب خلاص. زفر مختنق وأجابه: -خلاص، اجهز علشان هتسافر معايا. تراجع بجسده وأشعل سيجاره، يجذبها لتصبح بأحضانه.
-عايزة تعرفي إيه؟ ضيقت عيناها تشير للهاتف. -انت مسافر؟ وياترى كنت هتقولي وانت ماشي ولا إيه؟ زفر مختنقًا ورفع ذقنها. -يونس عرف مكان سيلين. حطي يونس مع سيلين والشخص الغريب اللي معرفهوش ده. أنا بعت اسمه لجواد الألفي وبيقولي هشوفه، بس جاسر مش موجود، مسافر السعودية. فلازم أسافر وأشوف عمو رميو دا كمان. هزت رأسها غاضبة. -وكنت هتقولي إمتى إن شاء الله؟ أطلق ضحكة رجولية جذابة وهو يحتضن وجهها.
-نفسي يعدي ساعة واحدة بس بشخصية ليلى الهادية المسالمة، إنما انت ما شاء الله صاروخ أرض جو. وضعت رأسها بأحضانه تلكمه. -رخــم على فكرة. طبع قبلة على جبينها. -بس بيعشقك مولاتي. تشابكت بكفيه متسائلة. -إيه حكاية مولاتي دي صحيح، تقصد إيه بيها لجدك؟ مسد على خصلاتها قائلاً. -فاكرة البوكس اللي سبتهولك قبل ما أسافر؟ دا معايا من سنتين. حتى الخاتم والعقد. طبعًا توفيق عرف، فكان بيدور ورايا عشان يعرف انت مين. متوقعش إنك أبدًا.
رمشت بأهدابها قائلة: -بحبك أوي أوي. ضمها لأحضانه بقوة. -مش أكتر مني. عايزة تعرفي مين شمس؟ أولًا أنا اتجوزت مرتين شرعي. أول مرة بعد ما اتعينت بالنيابة. اتعرفت على محامية كويسة واتجوزتها، بس للأسف كان نفسها تجيب أولاد وأنا رفضت، فافترقنا بهدوء. ودي كان بعد موت شمس بحوالي سنة تقريبًا. رفعت عيناها فتلاقت بعيناه القريبة. -وشمس إيه حكايتها؟ حبيبة برضه؟ زي حلا؟ زفر بقوة وهو يهز رأسه بالرفض.
-لا، مش حب، بس كان حماية. دي بنت شوفتها صدفة وإحنا راجعين من فرح بالاسكندرية، وشوفنا كلاب سعرانة بيحاولوا يغتصبوها. دافعنا عنها طبعًا. عارفة مين كان من الشباب دول؟ ضيقت عيناها منتظرة إجابته. -أمجد الشربيني وابن عمه وواحد زميل له، مش فاكر اسمه. اعتدلت تنتظر التكملة.
-ضربوني في بطني وقتها بآلة حادة، وقعدت يومين بالمستشفى. بعد ما عملنا بلاغ. طبعًا جدي اتجنن عشان هو وقاسم الشربيني كانوا صحاب جدًا. وحاولوا اتنازل عن القضية. بس أنا رفضت. يعملوا إيه؟ وأنا في المستشفى، يروحوا يسجنوا البنت ويعملوا قضية دعارة ليها وبلاوي كتيرة. أنا لما عرفت روحت القسم. تذكر ذاك اليوم. فلاش. وقفت أمام الضابط بجسد منتفض وعبراتها تنسدل على وجنتيها، وهو يجلس ينفث دخان تبغه قائلاً:
-آه، يعني عايزة تفهميني إن أصحاب النفوذ دول هيبصوا لواحدة زيك. حاولت الحديث والدفاع عن نفسها، ولكنها توقفت عندما دلف بهيبته متوجهًا بنظرة حانية باتجاهها. شعرت بالاطمئنان من مجرد وجوده فقط. نهض الضابط مندفعًا. -انت مين وازاي تدخل كدا من غير إذن؟ انت يابني. صاح الضابط على العسكري بغضب. جلس يضع ساقًا فوق الأخرى وأشعل تبغه وهو يرمق الضابط بنظرات احتقارية.
-راكان البنداري، أو نمشيها المستشار راكان البنداري. جوز المدام اللي قدرت تاخدها من بيتي بلبس البيت ونزلت بيها وكأنها متهمة وليست المعتدي عليها. نهض يرمقه بنظرات نارية. -الواحد لازم يحترم القسم اللي أقسمه على مهنته، مش شوية رتب تقدر تغير ضميرك المهني يا حضرة الظابط. وعشان كدا لازم تتعاقب عشان وقت ما تفكر إنك تأذي حد، تفتكر هتتعاقب. ودلوقتي اعتذر من مراتي، وزي ما أخدتها من بيتها، هترجعها معززة مكرمة، وتعتذر منها كمان.
قالها واتجه يحاوطها بذراعيه. -هترجعي حالا مع حضرة الظابط، وأنا هخلص شوية شغل وراجعلك. لازم الكل يتحاسب، عشان بعد كدا مش كل واحد يستغل منصبه. خرج من شروده ينظر إليها. -كان لازم اتجوزها وقتها عشان احميها. طبعًا بعد ما اتأكد من هويتي رجع بيها، وأنا تاني يوم كتبت كتابي عليها. خوفت يعملوا فيها حاجة. مكنتش أعرف الرحمة انتزعت من قلوبهم لدرجة إنهم يقتلوها وهي في حضني. معرفتش وقتها دا كان تهديد ليا ولا ليها.
أطبق على جفنيه متألماً. -كانت صدمة كبيرة عليا لدرجة فضلت يومين مش قادر أستوعب اللي حصل. قتلوا روح عشان وقفت في المحكمة وقالت عايزة حقي. لازم يتعدموا عشان يكونوا عبرة. ابتسم من بين أحزانه واتجه بنظره إليها. -تعرفي جدي أخد صدمتي على إيه؟ إنها بنت مش كويسة واتقتلت من عشيقها. ولما عرف إنها اتجوزت، أصلي نسيت أقولك إنهم خدرونا. حطولنا منوم في الأكل. وقال إيه الفندق بيحتفل بالعروسين.
كور قبضته وتحولت عيناه لجمرتين وكأن هذا الحدث بالأمس، فانسدلت عبرة غادرة من طرف عينيه مسحها بكفه سريعًا. -البنت ماتت بسببي، لولا وقفت وقولتلها لازم تاخدي حقك مكنوش عملوا كدا. فضلت سنة من محكمة لمحكمة عشان يتحاكم لها بالقضية، ولولا تدخل البعض من معارفي كانوا موتوا القضية. وضع رأسه بعنق ليلى وأكمل.
-غدروا بينا بعد ما جه الشربيني بابنه يعتذر منها. وهي العبيطة راحت مسامحة وقالت هتنازل. مقدرتش أقولها حاجة، أصلها كانت طيبة أوي ياليلى، وضعيفة هشة، بس جميلة. جذبتني برائتها بشكل ملفت. آه محبتهاش أوي بس كنت بستمتع بالكلام معاها. رقتها كانت زي الطفلة. جت لي في يوم قالتلي عايزة أبدأ حياة كويسة، بكرة يكون عندي أولاد، مش عايزهم يعرفوا حاجة. وشكرتني وقالتلي مش مضطر تتجوزني خلاص القضية انتهت. بس أنا رفضت واتمسكت بيها. يمكن
علشان نوعيتها ما قبلتنيش. كنت بحسها طفلة. هي كانت لسة في كلية فنون جميلة. مش هخبي وأقولك ما جذبتنيش. لا هي جذبتني جدًا. كنت بحسب الوقت علشان أشوفها وأقعد أبصلها وهي بتحكيلي عن يومها في الجامعة. كان بينا سبع سنين. بس لما جت وقالت هتنازل.
وافقتها وقولت كفاية فضيحتهم في مصر كلها وخسراتهم. طبعًا كل الشركات انسحبت ومحدش بدأ يتعامل معاهم. كنت مفكر إني أذتهم، معرفش إنهم بيخططوا لدمار أكبر من دا. تلات شهور واتجوزنا وليلة الفرح قتلوها بدم بارد. تذكر تلك الليلة. استيقظ صباحًا من نومه، تذكر ليلته الأولى مع زوجته الجميلة، ابتسم يرفع خصلاتها من فوق وجهها قائلاً. -شمس حبيبتي قومي، إحنا بقينا الضهر.
ظل يحادثها، وضع كفيه على وجنتيها يلامسها، ولكن جحظت عيناه وهو يرى شحوب ملامح وجهها وتشنج جسدها الذي انتقلت روحه لعالم بارئها. صرخ باسمها يضمها لأحضانه وهو يهز رأسه رافضًا ما يراه. علمت إدارة الفندق، ووصل نوح ويونس وحمزة، بعد اتصال أمن الشرطة بحمزة عندما فقد راكان الحديث. جلس حمزة بجواره يربت على كتفه. -راكان وحد الله، دا عمرها.
كأنه لم يستمع إليه، ينظر لذاك الفراش الذي كان منذ ساعات يضج بضحكاتها وعفويتها. جميلة وبريئة كالأطفال. أطبق على جفنيه وانسدلت عبراته رغما عنه. لقد بكى ذلك الحجر الذي لم يبك من قبل، حتى بعد ترك حلا له، لم يشعر بذاك القهر. رأى المسعفون يحملونها، فنهض متحركًا يجذبها منهما. -واخدينها فين؟ مش لما أعرف مين اللي عمل كدا. مراتي أنا اللي هعرف آخد حقها. اتجه بنظره للطبيب. -مش هتتشرح، محدش له دعوة بيها. حاوطه نوح بذراعيه.
-راكان اهدى، مينفعش كدا. لازم تقوى عشان تعرف مين اللي عمل كدا. نظر للطبيب. -تحليل الدم كان فيه مواد مخدرة صح؟ ماتنطق ساكت ليه. نظر الطبيب للأسفل بأسى. دفع نوح وصاح غاضبًا. -يا ولاد الكلب. والله ما هسيبكم. *** خرج من ذكرياته الأليمة واعتدل ينظر إليها.
-فضلت وراهم لحد ما حبست الشربيني الكلب هو وابن اخوه. أمجد طبعًا سافر أمريكا بعد ما شمس اتنازلت عن القضية، فمكنش له يد في موتها. بس كالعادة خرجوا بعد سنتين بعد ما واحد شال القضية وراح اعترف وقال زي ما حفظوه إنها كانت عشيقته. تنهد بوجع وتسطح على الفراش قائلاً.
-دي حكاية شمس، اللي يعتبر ما اتجوزتش بعدها. أما موضوع الجوازات اللي كان بيسمعها يونس كان بيقول كدا لماما زينب عشان يضغط عليا بيها، فاتجوز تاني. فضلت حوالي تلات سنين لحد ما اتقابلنا في قضية باباكِ، ورجع أمجد قدامي تاني، وعرفت إنه كان بيطاردك. وعرفت إنك مسحتي بكرامته الجامعة كلها. حاوطته بذراعيها وتحدثت.
-أمجد كان أكبر مني بتلات سنين في الكلية. معرفش إزاي كان معيد. المهم كان بيخنقني بنظراته حتى الكل لاحظ. جه في يوم خلاني مروحة ووقف قدامي بالعربية. طبعًا أنا لميت عليه الشارع، والناس اتلموا وبعدها مشي. تاني يوم بالجامعة لقيته عاملي استقبال وخاتم خطوبة وشغل الأفلام القديمة دي. ووقف قدامي بورود وقالي: -ليلى بحبك، تقبلي تتجوزيني؟
طبعًا أنا اتحرجت جدًا، وبصيت لكل اللي حواليا والكل بيصقف وبيقولي وافقي. رغم كدا قولتله أنا آسفة ومشيت. طبعًا هو كان مغرور وإزاي أقف وأقوله لأ. اتجنن ومسكني. -انت اتجننتي إزاي ترفضيني؟
محستش بنفسي إلا وأنا بضربه بالقلم على وشه. مكنتش أعرف إن بابا شغال في شركة باباه. وبعد كدا اتجنن وبدأ يضايقني كتير. كنت في آخر سنة وارتحت منه. معرفش قعد سنة فين ورجع تاني يقطع طريقي ويهددني. فضل يخنق فيا لحد ما رحت أنا وأسما مع نوح وعملنا قضية. واختفى كمان فترة لحد ما خلصت الرسالة بتاعتي ونسيته تمامًا. وقولت خاف، فجأة لقيت قضية بابا والباقي انت عارفه.
طوقها بين أحضانه يعتصرها، ورغم نيرانه المستعيرة ابتسم بغموض قائلاً: -المفروض أشكرك، عارفة لو ما عملتش كده ما كناش اتقابلنا. وضعت رأسها بصدره تتمسح به كقطة أليفة. -مش قادرة أوصف لك سعادتي دلوقتي إزاي. طبع قبلة بجانب ثغرها. -مش محتاجة توصفيني عشان أنا حاسس بكل حاجة حلوة منك، فبالتالي أرواحنا سعيدة. وضع جبينه فوق جبينها هامساً بصوته الدافئ:
-ليلى أنا بعشقك، وبدل وصلتني لكده اعرفي إنك كسرتي كل الحواجز. بخاف عليكي من الهوا، لو طايل أحطك جوه قلبي وأقفل عليكي مش هتأخر. لامس وجنتيها وأكمل:
-بقولك كده عشان تثقي في حبي، أنا اتجوزت قبلك آه، بس عمري ما اتمنيت عيال من غيرك، ولا اتمنيت أم لأولادي غيرك إنت. بغير عليكي بجنون، فبلاش تدخلي من حتة الغيرة دي عشان وقتها مش هرحمك. اللي عملتيه إنتِ ونوح أنا مش ناسيه، بس لولا عارف ومتأكد إن كرامتك وقتها اللي خلتك تعملي كده ما كنت رحمتك. أنا مبحبش لوي الدراع. -إنت إزاي اتجوزت حلا ياراكان بعد اللي عملته فيك؟ كنت متجوزها عشان تضايقني مش كده؟
تسطح على الفراش يجذبها لأحضانه. -اتجوزتها عشان تجيب لي ورق مهم من عند جدي، جدي عشان يبعد حلا عني، خطف أخوها وكمان جوّزها ابن شريكه وشوية فلوس. هي طبعاً حبت الفلوس أكتر مني، وكمان بحمد ربنا.. انسيه. اتجوزتها عشان كده بس. ارتعشت شفتيها عندما أدار وجه لها. -أنا اتجوزتها وقعدت معاها ليلة واحدة بس، وده بناءً على اتفاق. دفنت رأسها بصدره. -بت معاها يوم فرحنا مش كده؟ حبيت تدوس على قلبك، فقلت أعيش وأعمل اللي بتعمليه.
اعتدل سريعا يجذبها بقوة وتحول كلياً. -ليلى إنتِ حامل؟ متخلينيش أغضب عليكي لو سمحتِ. يوم فرحك كنت في مزرعة نوح، ما كنتش مع حلا، وبلاش تجيبي لي سيرة الزفت الفرح ده. أنا بحاول أنسى. قالها واتجه للمرحاض بغضب. جلست تنظر لذهابه بعيون متحجرة. -مستحيل هننسى وجعنا من بعض ياراكان، مهما حاولنا نرسم إننا نسينا. هفضل عندك اللي ضحت بيك واتجوزت أخوك، وهتفضل عندي الراجل اللي دفني معاه.
اتكأت بظهرها على الفراش تنظر لمكانه الذي برد بعد مغادرته. سحبت مأزرها وارتدته متجهة إليه. دلفت المرحاض وجدته يقوم بحلق ذقنه. تقابلت نظراتهما بالمرآة. -عايزة حاجة؟ أوعي تكوني عاملة مفاجأة وجاية عشان تقولي لي إنك ناوية تحميني. ابتسمت واقتربت منه تحاوطه من الخلف. -ليه لأ، مش إنت جوزي. استدارت تقف أمامه، تنظر لمقلتيه. -آسفة، سامحني. عايزة أقولك أنا كل يوم بكون خايفة إن واحدة تدخلي بعيل وتقولي دا ابنك.
رفعها بذراع وأجلسها أمامه على المقعد المرتفع أمام المرآة. -لا متخافيش وتأكدي مش هيحصل، لأني مش أهبل ولا عبيط. قطبت جبيناها. -ده إيه الغرور ده كله. أمسك ماكينة الحلاقة متنهداً. -دي ثقة مش غرور مولاتي. إزاي بس. وضع إصبعه على شفتيها وأشار بماكينة الحلاقة. -احلق لي وبلاش هبل الستات العبيطة ده. متخلينيش أستغباكي أكتر من كده. رفعت حاجبها بسخرية وتحدثت. -ليه يا حبيبي إيه الغباء في كده؟
ماهو مش معقول كنتوا بتحكوا حواديت طول الليل. أطلق ضحكة صاخبة يغمز بعينيه. -ما بلاش أقولك كنا بنعمل إيه، أصلك تزعلي. نزلت بغضب من فوق المقعد تدفعه بقوة حتى كاد أن يسقط. -وادي ضريبة اللي تحب راجل فلاتي بتاع ستات. جذبها وهو مازال يضحك قائلاً من بين ضحكاته. -تعالي ياهبلة، مش إنتِ اللي سألتي؟ وبجاوبك أهو. دققت النظر بعينيه وأردفت بتقطع. -راكان لو سمحت متوجعليش قلبي، مش هتحمل.
اقتربت تضع كفيها على صدره وتعمقت بالنظر بعينيه قائلة. -أقولك حاجة معرفش هتصدق ولا لأ، بس دي الحقيقة. أنا لما بشوف أمير بزعل من نفسي أوي إنه مش ابنك. قلبي بيوجعني، علشان سوء الفهم وصل بينا الحال لفين. ابتلعت ريقها بصعوبة. -حُبي ليك خلاني فكرت في إيه. آه خرجت من صدره محملة بنيران الألم الذي أشعلت قلبه.
-ده عقاب زي ما قولتلك قبل كده، وكان لازم ندفعه. يمكن أنا غلطت كتير فربنا عاقبني بأكتر حاجة اتمنيتها. انسيه يا ليلى، أنا بحاول أنسى، وافتكري حاجة واحدة. -أنا وإنتِ مع بعض وإنتِ حامل في ابني وده عندي أهم حاجة حبيبي. إنك ملكي وبس. ويالا عايز حبيبي يحلق لي. قالها وهو يرفعها مرة أخرى على المقعد. قهقهت وهي تهز ساقيها بالهواء. -شكلك عايز تتشلفط النهاردة. حاوطها بذراعيه ينظر لعيناها الساحرة.
-ومين قال لو من إيدك موافق. المهم أي أثر منك. حاوطت عنقه. -لا.. حضرة المستشار عايز يتشوه بجد. تعلقت عيناه بعيناها قائلاً. -حضرة المستشار عايز أثر للمسات مراته. عايز أكد للدنيا كلها إن عشقي تخطى بمراحل الحب. لامست خاصتيه هامسة. -وأنا بعشقك يا حبيب ليلى. ونفسي مانبعدش عن بعض أبداً. ابتلع باقي كلماتها بقبلة شغوفة أشعلت نيران عشقهما ولم يفصلها سوى احتياجهما للهواء. ابتعدت تلتقط أنفاسها بصعوبة. -في مرة هموت منك بجد.
ابتسم وألتمعت عيناه بعدما رأى تورم شفتيها. -بعد الشر ياحبيبي. حملها متجهاً للبانيو. -تعالي استجمي شوية بالميه السخنة لحد ما أحلق عشان أساعدك. مش ضامن نفسي. قهقهت بصوتها الأنثوي فتحرك سريعاً من أمامها. -والله لولا إنك حامل كنت عرفت أسكتك إزاي. عند نورسين جلست أمام والدها والشربيني تدخن بشراسة وهي تتحدث بصراخ. -بقولك رجعها البيت يابا ونظراتها له مش مريحاني. تراجع الشربيني بجسده على المقعد وأشار عليها.
-بسببك إنتِ سيبناه عايش، كنا زمان ارتحنا منه. استدار للنمساوي متسائلاً. -البت الممرضة بتعمل شغلها كويس مع توفيق ولا تغرقنا. أومأ برأسه وهو يرتشف من كأسه قائلاً. -توفيق كده مع السلامة. ابتسم بسخرية وأكمل. -والله هيوحشني صراخه كل شوية اللي يقرب من حفيدي هموته و.. و.. قهقه الشربيني. -أهو خلي حفيده ينفعه. نهضت نورسين متأففة بضيق.
-هو طول عمره بوق وخلاص وحضرتك يا بابا عارف. فاكر لما قالي خلال شهر هتكوني مرات حفيدي. عدى خمس سنين وأنا زي ما أنا. اتجه قاسم الشربيني بجسده يتفحصها بنظراته. -معرفش عجبك فيه يا نور، ده غير إنه نسونجي. يابنتي ما إنتِ عايشة حياتك مع أمجد وخلاص وفكك من ابن البنداري. هو خلاص كده كده ميت. تحركت حتى وصلت إليه ثم أمالت بجسدها وتحدثت بفحيح.
-غلطان يا عمو. اللي بيني وبين راكان كبير أوي. لازم أرد اعتباري الأول قدام الكل. كفاية كلمة اللي اسمها ليلى دي وهي بتقولي. -ما إنتِ مرمية قدامه طول السنين دي كلها اشمعنى عايز يتجوزك دلوقتي. ممكن يكون عايز يغيظ حد فملاقش أرخص منك. جزت على أسنانها وثورة حارقة اندلعت بجسدها وهي تتحدث بغضب حتى اشتعل وجهها.
-ده رفضني أهانني. تعرف يعني إيه. أنا مستحيل أنسى ده كله وأعديه. لا مفكرني غبية ومعرفتش علاقاته بست الحسن والجمال أرملة أخوه. دارت بجسدها تجذب خصلاتها وقالت بنبرة خبيثة. -وحياة ربنا لادفع إهانتي غالي قدام صحابي. ورفع إيده عليا كويس. مبقاش نورسين النمساوي اللي مضربت عصفورين بحجر. تفتكر سلمى هتكون أشطر مني. لازم أحصرها وأذلها كمان. مش عايزة حد يقرب منه من غير ما آخد حقي. ومش بس كده ولازم أحمل منه كمان.
قالتها وتحركت للخارج سريعاً. طالع الشربيني والدها قائلاً. -نور هتضيع اللي بنعمله يا نمساوي. شكلها بتحبه فعلاً. أومأ برأسه ونهض متحركاً يجلس بمقابلته. -هي بتحبه الغبية. بس سيبك هتزعل عليه شوية وخلاص. المهم لازم نطلع أمجد من السجن قبل ما نتخلص من راكان. هز الشربيني رأسه بالرفض. -لا أمجد مش هطلعه قبل ما نخلص من راكان عشان ميتهمش بقتله. بس إنت اتواصل مع بيتر خليه يبعتلنا اللي يخلصنا منه في أقرب وقت بدل اللي هنا فاشلة.
تناول هاتفه الذي أعلن رنينه. -أهلاً أهلاً بالبحري باشا. على الجانب الآخر. -شكراً يا شربيني باشا. حبيت أشكرك بنفسي على اللي عملته في ابن الكومي. نهض متجهاً للنافذة ينظر بالخارج. -بس يحيى الكومي لو عرف هيكون آخرتنا وآخرتك معانا. فيا ريت تفهم الباشمهندسة خطورة الوضع. قالها وأغلق الهاتف متجهاً للنمساوي الذي غضب.
-غلطت يا قاسم. قربك من ابن الكومي هتخلي العين علينا. مالك إنت ومال ابن الكومي. إنت متعرفش يحيى ده نابه أزرق قد إيه. قهقه قاسم وتحدث بصوته الغليظ. -شكل الأخبار الجديدة مش عندك ولا إيه. ضيق عيناه متسائلا: -تقصد إيه؟ أشعل سيجاره ينفثه بالهواء قائلا:
-فيه دعوة مرفوعة من بنت البحيري بتتهم فيها ابن البنداري بمحاولة قتل صديق عمره، ياحرام. وكمان فيه شهود على كده. غير الكاميرات اللي مالية الشركة. وكمان القضية اللي كان ناوي نوح يرفعها ضده عشان يفض الشراكة. توسعت أعين النمساوي: -يابن الإيه! دا كدا أنت ولعت الدنيا. ومش بس كدا وقعت العيلتين في بعض. نفث سيجاره وأكمل:
-تحب تسمع التقيلة. البنت اللي قالوا إنها بنت محمود البنداري دلوقتي محبوسة مع أكبر عدو لينا. فاكر ابن المنسي؟ يعقوب المنسي بتاع إسكندرية، اللي بيدور على اللي قتلوا أبوه. هب فزعا يقف أمامه: -وإيه اللي وصلها لابن المنسي؟ لتكون جواد الألفي وصله؟ هز رأسه رافضا: -جواد مايعرفش إنه عايش أصلًا، عشان لو عرف كان زمانه عنده. وأنت عارف الباقي. تنهد براحة بعدما استمع له ثم جمع أشياءه:
-لازم نخلص من جواد دا كمان ياشربيني. أهو رجع يحفر ورانا بعد اللي عمله أمجد في بنت أخوه. بس تفتكر هو عرف إن أمجد ورا الحادثة؟ أبعد أنظاره يهز رأسه قائلا: -معتقدتش عشان خلى ابنه يسيب قضية أمجد. ومش جواد اللي يسيب حقه. المهم سيبك من جواد الألفي وركزلي على راكان قبل ما يغرقنا بالورق اللي معاه. والكبار يزعلوا مننا. بعد مرور عدة ساعات بأمريكا، جلس يرتشف قهوته بجوار يونس:
-جنان مش عايز جنان. قولتلك معرفش لسة الموضوع. كل اللي عرفته ناس كانوا عايزين يخطفوها وهو أنقذها. وكمان هي ضربته بالقلم وحب ينتقم منها بس مقربش منها واتصل بيا عشان أجي أخدها. افترسه يونس بنظراته ثم نهض: -قوم ياراكان عشان منحسرش بعض. ظل راكان بمكانه محاولا التفكير حتى لا يأخذه فالمواجهة ستكون شرسة. طاح يونس بكل ما وُضع على المنضدة وجهر قائلا: -أنت مخبي عليا إيه مخليك قاعد بتخطط لحاجة؟
وقع راكان في براثن الحيرة. أيقص عليه أم يأخذه لمواجهتها؟ مسح على وجهه ونهض متحركا دون حديث. وصلا بعد قليل مع بعض الأشخاص الذي أرسلهم إليه يعقوب. دلفوا لمكتبه وجدوه ينتظرهما. جلس راكان بمقابلته أما يونس الذي توقف يعقد ذراعيه قائلا: -إحنا هنا مش جايين نضايف. عايز مراتي عشان أمشي. جحظت أعين يعقوب هامسا: -زوجتك؟ متزوجة؟ اقترب يونس وهو يمسح على ذقنه عندما علم بمكنوناته قائلا: -نعم تكون زوجتي. جلس يضع ساقاً
فوق الأخرى ثم ابتسم قائلا: -جئت لكي أشكرك على حمايتها. فلك مني جزيل الشكر سيد يعقوب. ولكن لم يكن من الأخلاق حجزها عندك. لما لا تتصل بالسفارة وتبلغهم بالأمر. دلف بيتر قائلا: -السيدة بالخارج سيدي. كان يطالعه بتيه فأومأ برأسه حتى تدلف. دلفت سيلين تسرع إلى راكان وألقت نفسها بأحضانِه تبكي: -اتأخرت عليا كتير ياابيه. دا كله.
أما يونس الذي تجمد بوقوفه. كأنها انتزعت قلبه ولم يعد للنبض مكان. شعرت بوجوده فخرجت من أحضان أخيها تتجه بنظراتها إليه. شعرت بأن الأرض سحبت من تحت قدميها وهي ترى جموده. ملامحه الجامدة التي اصطنعها بامتياز. دارت حرب الأعين بينهما. سحبتها قدمها إليه تتأمله عن قرب. شهرين مفترقين. لقد اشتاقت إليه كثيرا. تناست كل ما صار وتركت لقلبها العنان فهمست باسمه وهي تلقي نفسها بأحضانِه: -يونس.
أحس بوجع يغزو قلبه. فقد كان غارقاً حد الثمالة بتفاصيل ملامح وجهها الذي اشتاقها كثيرا. ارتعش جسدها عندما حاوطها بذراعيه مطبق الجفنين يتمتع بقربها ورائحتها. استمع لهمسها: -وحشتني حبيبي. هنا فاق من وضعهما. وابتعد يجذبها من كفيها ينظر إلى راكان: -هـنـسـتـنـاك بـرا. ثم اتجه بنظره إلى يعقوب: -أشكرك كثيرا. قالها وتحرك للخارج. كان يراقب تحركها معه بنظرات حزينة تمنى لو حلمه تحقق. فاق على صوت راكان:
-هل لديك علم بمن حاول أن يؤذيها؟ لم يقو على إجابته فهز رأسه بالنفي. توقف يمد يديه إليه: -أشكرك لحمايتك لها. وودت أن أفيدك بما قلته لي. ولكنك رأيت أنها متزوجة. أومأ رأسه مبتلعا غصة مريرة منعت تنفسه. فخرج صوته مهتزا بعض الشيء: -لا عليك. مننت بمعرفة شخص بمثلك.
تحرك راكان للخارج بمصاحبة رجله حتى وصل حيث وقوف يونس بعيداً ببعض الخطوات عن أخته. استقل سيارته يشير ليونس بالتحرك. وصل بعد قليل لمنزل عمه بأمريكا. ترجل يونس سريعاً متجهًا للداخل. فكلما تذكر نظرات ذاك الرجل إليها ود لو يحرقها بأكملها. نادته سيلين بصوت خافت: -يونس!! استدار يقف أمامها وجسده ينتفض بقوة: -ولا كلمة. مش عايز أسمع نفس. استدار متحركًا للخارج. أمسكه صديقه: -ممكن تهدى خلينا نعرف نتكلم.
رمقه بنظرة ثم دفعه وعيناه كجمرتين من النيران يشير إليها بما يمزق قلبه: -أنا اللي أستاهل. فعلاً أنا حيوان ورخصت نفسي بس لحد هنا وكفاية. اقترب منه وتعمق بالنظر بعينيه: -لو إنت هترضاها لنفسك. ابتلع راكان ريقه عندما عجز عن الرد فصاح يونس قائلا: -ما ترد. ساكت ليه. قالها بصوت زلزل المكان حتى اقتربت منه ودموعها تنسدل على خديها: -أنا معملتش حاجة. استدار يرمقها باحتقار: -أنتِ طالق. قالها وتحرك سريعًا للخارج.
بعد عدة أيام بالقاهرة وخاصة بالعناية كان يجلس بجواره يتحدث معه كأنه يسمعه: -كدا يانوح شهر كامل وأنت ضعيف كدا. وحشتني ياصاحبي. لازم تفوق وترجع لي بسرعة. أقولك سر. تنهد مقتربًا منه: -ليلى حامل. شوفت صاحبك جامد إزاي. قوم عشان نتريق على بعض. طيب أقولك على خبر حلو. أسما حامل في توأم. مراتك هتجيب ولدين ياحمار. عارف لو مسمتش واحد راكان هربهولك على قلة الأدب. انسدلت عبرة من طرف عينيه:
-اتهموني بمحاولة قتلك. أغبية معرفوش بكدا جابوا آخرهم. بس شوفت صاحبك عمل إيه. سجنتلك أبو راندا. استنى وشوف هجرهم واحد واحد. عايزك تفوق عشان تشوفهم وهم جنب بعض. مش هرتاح لما آخد حقنا كلنا من شوية كلاب. أحس بحركة أصابعه. نهض مقتربًا منه وهو يتحدث بفرحة: -نوح إنت سامعني. ضغط على الزر ليستدعي الطبيب. همس بصوت متقطع: -راكان.. أسما. ابتسم بسعادة وهو يطلق ضحكات بصوتا مرتفع مع انسدال عبراته: -الحمد لله.. الحمد لله.
صباح اليوم التالي. جلست تضع الطعام أمام ابنها: -ميرو مامي عايزة الأكل دا كله يخلص عشان ميرو يروح يلعب مع بابي لما يخلص. صفق بيديه وهو يقوم بفتح فمه. قاطعهما دلوف العاملة: -مدام ليلى فيه واحدة برة عايزة تقابل حضرتك. اعتدلت تنظر للعاملة: -مين دي أنا أعرفها. فركت الخادمة كفيها تنظر إلى زينب قائلة: -معرفش حضرتك تعرفيها ولا لا. بس زينب هانم تعرفها. ضيقت زينب عيناها متسائلة: -مين دي يانعيمة اللي أعرفها وعايزة ليلى؟
دلفت حلا وهي تمسك بكفيها طفلا يبلغ من العمر أكثر سنة ونصف: -أنا ياماما زينب. إزي حضرتك. نهضت ليلى تنظر إليها بأعين جاحظة وقلبا ينتفض ألمًا بخروج راكان من مكتبه وهو ينادي عليها: -ليلى اجهزي اتأخرنا. ولكنه قطع كلماته عندما وجد حلا أمامه. استدارت إليه: -عامل إيه ياراكان. قطب جبينه مردفًا: -طالعها بنظرات تقيمية متسائلا: -حلا بتعملي إيه هنا. دفعت الطفل إليه وتحدثت: -سليم ابنك اللي جابني هنا.
رسم ابتسامة سمجة على وجهه وهو يردف ناظرًا لوالدته: -ابني. دنت عقدت ذراعيها: -إيه هتبلى عليك. قهقهات مرتفعة منه حتى أحست ليلى بأنه سينقض على كل ما يقابله. فاقترب من الطفل يجلس على عقبيه يطالعه بهدوء ومازالت ابتسامته تزين ثغره فتحدث: -إزيك يابن راكان. عامل إيه. إنتِ قلتي عنده قد إيه. اقتربت ليلى منه تجذبه: -راكان أنت اتجننت. رفع نظره إليها وهو يطلق ضحكات رغم حزنه قائلا:
-الواد يونس فين. دا عليه حكم إنما إيه. إنما قوليلي ياماما هي السما بتحدف عيال من كل حتة علينا ليه. دا على كدا ولادك ياخدوا وسام الجمهورية. نصب عوده وتحولت ملامحه عما كانت عليه. ثم استدار إلى حلا واظلمت عيناه قائلا: -ابني مش كدا. توقفت ليلى بينهما: -راكان اهدى لو سمحت. انزل بصره إليها: -هو أنا مجنون ماأنا هادي أهو. بلعت ريقها بصعوبة من نظراته النارية وحاولت تهدئته: -ياله هنتأخر على نوح لازم نمشي.
ثم اتجهت بأنظارها إلى حلا: -وأنتِ. امشي دلوقتي. تجمد جسده وهو يزيحها من أمامه ثم وصل لحلا: -دا ابني مش كدا. تمام شكرا ومع السلامة. قام بالمناداة بصوت مرتفع على العاملة ومازالت نظراته تراقب حلا: -طلعي الولد دا فوق. لحد ما أشوف حكاية مدام حلا دي. جذبت الولد إليها: -يعني تطلع الولد. يعني جزاتي إني حبيت أفرحك. ضغط على ذراعها بقوة حتى صرخت: -هو حد قالك أنا عبيط يابت. جاية بتلعبي على مين. اتجهت بنظرها لليلى:
-حوشيه عني معرفش ليه بيعمل كدا. ابتلعت ريقها واقتربت منه محاولة السيطرة عليه: -راكان ابعد عنها. هو مفيش حاجة اسمها تحليل. دفع حلا بقوة حتى سقطت على الأرض: -التحليل دا يتعمل لواحد غبي مش عارف هو بيعمل إيه. اتجه بنظره لوالدته الصامتة وتحدث: -ساكتة ليه. عارف إنك دلوقتي فرحانة فيا عشان ياما حذرتيني من الأشكال دي. بس الولد دا مش ابني سمعتيني ياماما. قالها وهو يجذبها بعنف متجهًا بها إلى منزل عمه جلال. يصرخ على
عايدة ثم دفعها بقوة عليها: -عايزين إيه بالظبط مني. أنا أديت ابن فرح حقه. رغم إنه ابن زنا. بس أخد حقه. ليه بتلعبي بيا مفكرين إن أنا عبيط. صرخ وهو يجذب حلا من خصلاتها: -قولي لمدام عايدة الولد دا ابن مين. -شعري ياراكان بيوجعني. جذبه بعنف صارخًا: -قولي يابت الولد دا ابن مين. بكت بصوت مرتفع: -ابن جلال البنداري. متجوزني في السر. ارتحت. دفعها بقوة على عايدة التي وقفت بجسد شاحب بالكامل. وشعرت بدوران الأرض حولها فهمست:
-جلال متجوز عليا. اتجه بنظره إلى ليلى التي وصلت للتو قائلا: -عرفتي ليه قولت لنعيمة تطلع بيه فوق. أصله طلع ابن عمي يالولة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!